Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
/ واعلم أن جماعة ممن يعبدون الأصنام قالوا نحن لا نقول : إن هذه الأصنام آلهة للعالم بمعنى أنها هي التي خلقت العالم إلا أنا نطلق عليها اسم الإله ونعبدها ونعظمها لاعتقادنا أن الله أمرنا بذلك ، فأجاب الله تعالى عنه ، فقال أما تسميتها بالآلهة فما أمر الله تعالى بذلك وما أنزل في حصول هذه التسمية حجة ولا برهانا ولا دليلا ولا سلطانا ، وليس لغير الله حكم واجب القبول ولا أمر واجب الالتزام بل الحكم والأمر والتكليف ليس إلا له ، ثم إنه أمر أن ألا تعبدوا إلا أياه ، وذلك لأن العبادة نهاية التعظيم والإجلال فلا تليق إلا بمن حصل منه نهاية الإنعام وهو الإله تعالى لأن منه الخلق والإحياء والعقل والرزق والهداية / ونعم الله كثيرة وجهات إحسانه إلى الخلق غير متناهية ثم إنه تعالى لما بين هذه الأشياء ، قال { ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } وتفسيره أن أكثر الخلق يسندون حدوث الحوادث الأرضية إلى الاتصالات الفلكية والمناسبات الكوكبية لأجل أنه تقرر في العقول أن الحادث لا بد له من سبب فإذا رأوا أن تغير أحوال هذا العالم في الحر والبرد والفصول الأربعة ، إنما يحصل عند تغير أحوال الشمس في أرباع الفلك ربطوا الفصول الأربعة بحركة الشمس ، ثم لما شاهدوا أن أحوال النبات والحيوان مختلفة بحسب اختلاف الفصول الأربعة ربطوا حدوث النبات وتغير أحوال الحيوان باختلاف الفصول الأربعة ، فبهذا الطريق غلب على طباع أكثر الخلق أن المدبر لحدوث الحوادث في هذا العالم هو الشمس والقمر وسائر الكواكب ، ثم إنه تعالى إذا وفق إنسانا حتى ترقى من هذه الدرجة وعرف أنها في ذواتها وصفاتها مفتقرة إلى موجد ومبدع قاهر قادر عليم حكيم ، فذلك الشخص يكون في غاية الندرة ، فلهذا قال : { ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } . ! 7 < { ياصاحبى السجن أمآ أحدكما فيسقى ربه خمرا وأما الا خر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضى الا مر الذى فيه تستفتيان } . > 7 ! < < يوسف : ( 41 ) يا صاحبي السجن . . . . . > > اعلم أنه عليه السلام لما قرر أمر التوحيد والنبوة عاد إلى الجواب عن السؤال الذي ذكراه ، والمعنى ظاهر ، وذلك لأن الساقي لما قص رؤياه على يوسف ، وقد ذكرنا كيف قص عليه قال له يوسف : ما أحسن ما رأيت أما حسن العنبة فهو حسن حالك ، وأما الأغصان الثلاثة فثلاثة أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن فيردك إلى عملك فتصير كما كنت بل أحسن ، وقال للخباز : لما قص / عليه بئسما رأيت السلال الثلاث ثلاثة أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن فيصلبك وتأكل الطير من رأسك ، ثم نقل في التفسير أنهما قالا ما رأينا شيئا فقال : { قضى الامر الذى فيه تستفتيان } واختلف فيما لأجله قالا ما رأينا شيئا فقيل إنهما وضعا هذا الكلام ليختبرا علمه بالتعبير مع أنهما ما رأيا شيئا وقيل : إنهما لما كرها ذلك الجواب قالا ما رأينا شيئا . فإن قيل : هذا الجواب الذي ذكره يوسف عليه السلام ذكره بناء على الوحي من قبل الله تعالى أو بناء على علم التعبير ، والأول باطل لأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نقل أنه إنما ذكره على سبيل التعبير ، وأيضا قال تعالى : { وقال للذى ظن أنه ناج منهما } ( يوسف : 42 ) ولو كان ذلك التعبير مبنيا على الوحي لكان الحاصل منه القطع واليقين لا الظن والتخمين ، والثاني : أيضا باطل لأن علم التعبير مبني على الظن والحسبان .
الجواب : لا يبعد أن يقال : إنهما لما سألاه عن ذلك المنام صدقا فيه أو كذبا فإن الله تعالى أوحى إليه أن عاقبة كل واحد منهما تكون على الوجه المخصوص ، فلما نزل الوحي بذلك الغيب عند ذلك السؤال وقع في الظن أنه ذكره على سبيل التعبير ، ولا يبعد أيضا أن يقال : إنه بنى ذلك الجواب على علم التعبير ، وقوله : { قضى الامر الذى فيه تستفتيان } ما عنى به أن الذي ذكره واقع لا محالة بل عنى به أنه حكمه في تعبير ما سألاه عنه ذلك الذي ذكره . ! 7 < { وقال للذى ظن أنه ناج منهما اذكرنى عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث فى السجن بضع سنين } . > 7 ! < < يوسف : ( 42 ) وقال للذي ظن . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أن الموصوف بالظن هو يوسف عليه السلام أو الناجي فعلى الأول كان المعنى وقال الرجل الذي ظن يوسف عليه السلام كونه ناجيا ، وعلى هذا القول وجهان : الأول : أن تحمل هذا الظن على العلم واليقين ، وهذا إذا قلنا بأنه عليه السلام إنما ذكر ذلك التعبير بناء على الوحي . قال هذا القائل وورود لفظ الظن بمعنى اليقين كثير في القرآن . قال تعالى : { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } ( البقرة : 46 ) وقال : { إنى ظننت أنى ملاق حسابيه } ( الحاقة : 20 ) والثاني : أن تحمل هذا الظن على حقيقة / الظن ، وهذا إذا قلنا إنه عليه السلام ذكر ذلك التعبير لا بناء على الوحي ، بل على الأصول المذكورة في ذلك العلم ، وهي لا تفيد إلا الظن والحسبان . والقول الثاني : أن هذا الظن صفة الناجي ، فإن الرجلين السائلين ما كانا مؤمنين بنبوة يوسف ورسالته ، ولكنهما كانا حسني الإعتقاد فيه ، فكان قوله لا يفيد في حقهما إلا مجرد الظن . المسألة الثانية : قال يوسف عليه السلام لذلك الرجل الذي حكم بأنه يخرج من الحبس ويرجع إلى خدمة الملك { اذكرنى عند ربك } أي عند الملك . والمعنى : اذكر عنده أنه مظلوم من جهة إخوته لما أخرجوه وباعوه ، ثم إنه مظلوم في هذه الواقعة التي لأجلها حبس ، فهذا هو المراد من الذكر . ثم قال تعالى : { فأنساه الشيطان ذكر ربه } وفيه قولان : الأول : أنه راجع إلى يوسف ، والمعنى أن الشيطان أنسى يوسف أن يذكر ربه ، وعلى هذا القول ففيه وجهان : أحدهما : أن تمسكه بغير الله كان مستدركا عليه ، وتقريره من وجوه : الأول : أن مصلحته كانت في أن لا يرجع في تلك الواقعة إلى أحد من المخلوقين وأن لا يعرض حاجته على أحد سوى الله ، وأن يقتدي بجده إبراهيم عليه السلام ، فإنه حين وضع في المنجنيق ليرمى إلى النار جاءه جبريل عليه السلام وقال : هل من حاجة ، فقال أما إليك فلا ، فلما رجع يوسف إلى المخلوق لا جرم وصف الله ذلك بأن الشيطان أنساه ذلك التفويض ، وذلك التوحيد ، ودعاه إلى عرض الحاجة إلى المخلوقين ، ثم لما وصفه بذلك ذكر أنه بقي لذلك السبب في السجن بضع سنين ، والمعنى أنه لما عدل عن الانقطاع إلى ربه إلى هذا المخلوق عوقب بأن لبث في السجن بضع سنين ، وحاصل الأمر أن رجوع يوسف إلى المخلوق صار سببا لأمرين : أحدهما : أنه صار سببا لاستيلاء الشيطان عليه حتى أنساه ذكر ربه ، الثاني : أنه صار سببا لبقاء المحنة عليه مدة طويلة .
الوجه الثاني : أن يوسف عليه السلام قال في إبطال عبادة الأوثان { متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما } ثم إنه ههنا أثبت ربا غيره حيث قال : { اذكرنى عند ربك } ومعاذ الله أن يقال إنه حكم عليه بكونه ربا بمعنى كونه إلها ، بل حكم عليه بالربوبية كما يقال : رب الدار ، ورب الثوب على أن إطلاق لفظ الرب عليه بحسب الظاهر يناقض نفي الأرباب . الوجه الثالث : أنه قال في تلك الآية ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ، وذلك نفي للشرك على الإطلاق ، وتفويض الأمور بالكلية إلى الله تعالى ، فههنا الرجوع إلى غير الله تعالى كالمناقض لذلك التوحيد . واعلم أن الاستعانة بالناس في دفع الظلم جائزة في الشريعة ، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين / فهذا وإن كان جائزا لعامة الخلق إلا أن الأولى بالصديقين أن يقطعوا نظرهم عن الأسباب بالكلية وأن لا يشتغلوا إلا بمسبب الأسباب . الوجه الثاني : في تأويل الآية أن يقال : هب أنه تمسك بغير الله وطلب من ذلك الساقي أن يشرح حاله عند ذلك الملك ، إلا أنه كان من الواجب عليه أن لا يخلي ذلك الكلام من ذكر الله مثل أن يقول إن شاء الله أو قدر الله فلما أخلاه عن هذا الذكر وقع هذا الاستدراك . القول الثاني : أن يقال إن قوله : { فأنساه الشيطان ذكر ربه } راجع إلى الناجي والمعنى : أن الشيطان أنسى ذلك الفتى أن يذكر يوسف للملك حتى طال الأمر { فلبث فى السجن بضع سنين } بهذا السبب ، ومن الناس من قال القول الأول أولى لما روي عنه عليه السلام قال : ( رحم الله يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك ما لبث في السجن ) وعن قتادة أن يوسف عليه السلام عوقب بسبب رجوعه إلى غير الله ، وعن إبراهيم التيمي أنه لما انتهى إلى باب السجن قال له صاحبه : ما حاجتك قال : أن تذكرني عند رب سوى الرب الذي قال يوسف ، وعن مالك لما قال يوسف للساقي اذكرني عند ربك قيل : يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا لأطيلن حبسك فبكى يوسف وقال : طول البلاء أنساني ذكر المولى فقلت هذه الكلمة فويل لإخوتي . قال مصنف الكتاب فخر الدين الرازي رحمه الله ، والذي جربته من أول عمري إلى آخره أن الإنسان كلما عول في أمر من الأمور على غير الله صار ذلك سببا إلى البلاء والمحنة ، والشدة والرزية ، وإذا عول العبد على الله ولم يرجع إلى أحد من الخلق ذلك المطلوب على أحسن الوجوه فهذه التجربة قد استمرت لي من أول عمري إلى هذا الوقت الذي بلغت فيه إلى السابع والخمسين ، فعند هذا استقر قلبي على أنه لا مصلحة للإنسان في التعويل على شيء سوى فضل الله تعالى وإحسانه ومن الناس من رجح القول الثاني لأن صرف وسوسة الشيطان إلى ذلك الرجل أولى من صرفها إلى يوسف الصديق ، ولأن الاستعانة بالعباد في التخلص من الظلم جائزة . واعلم أن الحق هو القول الأول وما ذكره هذا القائل الثاني تمسك بظاهر الشريعة وما قرره القائل الأول تمسك بأسرار الحقيقة ومكارم الشريعة ، ومن كان له ذوق في مقام العبودية وشرب من مشرب التوحيد عرف أن الأمر كما ذكرناه ، وأيضا ففي لفظ الآية ما يدل على أن هذا القول ضعيف ، لأنه لو كان المراد ذلك لقال فأنساه الشيطان ذكره لربه .
المسألة الثالثة : الاستعانة بغير الله في دفع الظلم جائزة في الشريعة لا إنكار عليه إلا أنه لما كان ذلك مستدركا من المحققين المتوغلين في بحار العبودية لا جرم صار يوسف عليه السلام مؤاخذا / به ، وعند هذا نقول : الذي يصير مؤاخذا بهذا القدر لأن يصير مؤاخذا بالإقدام على طلب الزنا ومكافأة الإحسان بالإساءة كان أولى فلما رأينا الله تعالى آخذه بهذا القدر ، ولم يؤاخذه في تلك القضية ألبتة ، وما عابه بل ذكره بأعظم وجوه المدح والثناء علمنا أنه عليه السلام كان مبرأ مما نسبه الجهال والحشوية إليه . المسألة الرابعة : الشيطان يمكنه إلقاء الوسوسة ، وأما النسيان فلا ، لأنه عبارة عن إزالة العلم عن القلب ، والشيطان لا قدرة له عليه ، وإلا لكان قد أزال معرفة الله تعالى عن قلوب بني آدم . وجوابه : أنه يمكنه من حيث إنه بوسوسته يدعو إلى سائر الأعمال واشتغال الإنسان بسائر الأعمال يمنعه عن استحضار ذلك العلم وتلك المعرفة . المسألة الخامسة : قوله : { فلبث فى السجن بضع سنين } فيه بحثان : البحث الأول : بحسب اللغة قال الزجاج : اشتقاقه من بضعت بمعنى قطعت ومعناه القطعة من العدد قال الفراء : ولا يذكر البضع إلا مع عشرة أو عشرين إلى التسعين وذلك يقتضي أن يكون مخصوصا بما بين الثلاثة إلى التسعة ، وقال هكذا رأيت العرب يقولون وما رأيتهم يقولون بضع ومائة ، وروى الشعبي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه : ( كم البضع ) قالوا الله ورسوله أعلم قال : ( ما دون العشرة ) واتفق الأكثرون على أن المراد ههنا ببضع سنين ، سبع سنين قالوا : إن يوسف عليه السلام حين قال لذلك الرجل : { اذكرنى عند ربك } كان قد بقي في السجن خمس سنين ثم بقي بعد ذلك سبع سنين . قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما تضرع يوسف عليه السلام إلى ذلك الرجل كان قد اقترب وقت خروجه فلما ذكر ذلك لبث في السجن بعده سبع سنين ، وروي أن الحسن روى قوله صلوات الله عليه وسلامه : ( رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها لما لبث في السجن هذه المدة الطويلة ) ثم بكى الحسن وقال : نحن إذا نزل بنا أمر تضرعنا إلى الناس . ! 7 < { وقال الملك إنىأرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ياأيها الملأ أفتونى فى رؤياى إن كنتم للرؤيا تعبرون قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الا حلام بعالمين } . > 7 < يوسف : ( 43 - 44 ) وقال الملك إني . . . . . > > اعلم أنه تعالى إذا أراد شيئا هيأ له أسبابا ، ولما دنا فرج يوسف عليه السلام رأى ملك مصر في النوم سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان ، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها ، وسبعا أخر يابسات ، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها فجمع الكمنة وذكرها لهم وهو المراد من قوله : { يابسات يأيها الملا أفتونى فى رؤياى } فقال القوم هذه الرؤيا مختلطة فلا تقدر على تأويلها وتعبيرها ، فهذا ظاهر الكلام وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الليث : العجف ذهاب السمن والفعل عجف يعجف والذكر أعجف والأنثى عجفاء والجمع عجاف في الذكران والإناث . وليس في كلام العرب أفعل وفعلاء جمعا على فعال غير أعجف وعجاف وهي شاذة حملوها على لفظ سمان فقالوا : سمان وعجاف لأنهما نقيضان ومن دأبهم حمل النظير على النظير ، والنقيض على النقيض ، واللام في قوله : { للرؤيا تعبرون } على قول البعض زائدة لتقدم المفعول على الفعل ، وقال صاحب ( الكشاف ) : يجوز أن تكون الرؤيا خبر كان كما تقول : كان فلان لهذا الأمر إذا كان مستقلا به متمكنا منه وتعبرون خبرا آخر أو حالا ، ويقال عبرت الرؤيا أعبرها وعبرتها تعبيرا إذا فسرتها ، وحكى الأزهري أن هذا مأخوذ من العبر ، وهو جانب النهر ومعنى عبرت النهر ، والطريق قطعته إلى الجانب الآخر فقيل لعابر الرؤيا عابر ، لأنه يتأمل جانبي الرؤيا فيتفكر في أطرافها وينتقل من أحد الطرفين إلى الآخر ، والأضغاث جمع الضغث وهو الحزمة من أنواع النبت والحشيش بشرط أن يكون مما قام على ساق واستطال قال تعالى : { وخذ بيدك } ( ص: 44 ) . إذا عرفت هذا فنقول : الرؤيا إن كانت مخلوطة من أشياء غير متناسبة كانت شبيهة بالضغث . المسألة الثانية : أنه تعالى جعل تلك الرؤيا سببا لخلاص يوسف عليه السلام من السجن ، وذلك لأن الملك لما قلق واضطرب بسببه ، لأنه شاهد أن الناقص الضعيف استولى على الكامل القوي فشهدت فطرته بأن هذا ليس بجيد وأنه منذر بنوع من أنواع الشر ، إلا أنه ما عرف كيفية الحال فيه والشيء إذا صار معلوما من وجه وبقي مجهولا من وجه آخر عظم تشوف الناس إلى تكميل تلك المعرفة وقويت الرغبة في إتمام الناقص لا سيما إذا كان الإنسان عظيم الشأن واسع المملكة ، وكان ذلك الشيء دالا على الشر من بعض الوجوه فبهذا الطريق قوى الله داعية ذلك الملك في تحصيل العلم بتعبير هذه الرؤيا ، ثم إنه تعالى أعجز المعبرين اللذين حضروا عند ذلك الملك عن جواب هذه المسألة وعماه عليهم ليصير ذلك سببا لخلاص يوسف من تلك المحنة . / واعلم أن القوم ما نفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بعلم التعبير ، بل قالوا : إن علم التعبير على قسمين منه ما تكون الرؤيا فيه منتسقة منتظمة فيسهل الانتقال من الأمور المتخيلة إلى الحقائق العقلية الروحانية ومنه ما تكون فيه مختلطة مضطربة ولا يكون فيها ترتيب معلوم وهو المسمى بالأضغاث والقوم قالوا إن رؤيا الملك من قسم الأضغاث ثم أخبروا أنهم غير عالمين بتعبير هذا القسم وكأنهم قالوا هذه الرؤيا مختلطة من أشياء كثيرة وما كان كذلك فنحن لا نهتدي إليها ولا يحيط عقلنا بها وفيها إيهام أن الكامل في هذا العلم والمتبحر فيه قد يهتدي إليها / فعند هذه المقالة تذكر ذلك الشرابي واقعة يوسف فإنه كان يعتقد فيه كونه متبحرا في هذا العلم . ! 7 < { وقال الذى نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا فى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلىأرجع إلى الناس لعلهم يعلمون } . > 7 < يوسف : ( 45 - 46 ) وقال الذي نجا . . . . . > > اعلم أن الملك لما سأل الملأ عن الرؤيا واعترف الحاضرون بالعجز عن الجواب قال الشرابي إن في الحبس رجلا فاضلا صالحا كثير العلم كثير الطاعة قصصت أنا والخباز عليه منامين فذكر تأويلهما فصدق في الكل وما أخطأ في حرف فإن أذنت مضيت إليه وجئتك بالجواب . فهذا هو قوله : { بعالمين وقال الذى نجا منهما } .
وأما قوله : { وادكر بعد أمة } فنقول : سيجيء اذكر في تفسير قوله تعالى : { من مدكر } ( القمر : 51 ) في سورة القمر قال صاحب ( الكشاف ) { وادكر } بالدال هو الفصيح عن الحسن { واذكر } بالذال أي تذكر ، وأما الأمة ففيه وجوه : الأول : { بعد أمة } أي بعد حين ، وذلك لأن الحين إنما يحصل عند اجتماع الأيام الكثيرة كما أن الأمة إنما تحصل عند اجتماع الجمع العظيم فالحين كان أمة من الأيام والساعات والثاني : قرأ الأشهب العقيلي { بعد أمة } بكسر الهمزة والإمة النعمة قال عدي : ثم بعد الفلاح والملك والإمة وارتهم هناك القبور / والمعنى : بعدما أنعم عليه بالنجاة . الثالث : قرىء { بعد أمه } أي بعد نسيان يقال أمه يأمه أمها إذا نسي والصحيح أنها بفتح الميم وذكره أبو عبيدة بسكون الميم ، وحاصل الكلام أنه إما أن يكون المراد وادكر بعد مضي الأوقات الكثيرة من الوقت الذي أوصاه يوسف عليه السلام بذكره عند الملك ، والمراد وادكر بعد وجدان النعمة عند ذلك الملك أو المراد وادكر بعد النسيان . فإن قيل : قوله : { وادكر بعد أمة } يدل على أن الناسي هو الشرابي وأنتم تقولون الناسي هو يوسف عليه السلام . قلنا : قال ابن الأنباري : اذكر بمعنى ذكر وأخبر وهذا لا يدل على سبق النسيان فلعل الساقي إنما لم يذكره للملك خوفا من أن يكون ذلك اذكارا لذنبه الذي من أجله حبسه فيزداد الشر ويحتمل أيضا أن يقال : حصل النسيان ليوسف عليه السلام وحصل أيضا لذلك الشرابي . وأما قوله : { فأرسلون } خطاب إما للملك والجمع أو للملك وحده على سبيل التعظيم ، أما قوله : { يوسف أيها الصديق } ففيه محذوف ، والتقدير : فأرسل وأتاه وقال أيها الصديق ، والصديق هو البالغ في الصدق وصفه بهذه الصفة لأنه لم يجرب عليه كذبا وقيل : لأنه صدق في تعبير رؤياه وهذا يدل على أن من أراد أن يتعلم من رجل شيئا فإنه يجب عليه أن يعظمه ، وأن يخاطبه بالألفاظ المشعرة بالإجلال ثم إنه أعاد السؤال بعين اللفظ الذي ذكره الملك ونعم ما فعل ، فإن تعبير الرؤيا قد يختلف بسبب اختلاف اللفظ كما هو مذكور في ذلك العلم . أما قوله تعالى : { لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون } فالمراد لعلي أرجع إلى الناس بفتواك لعلهم يعلمون فضلك وعلمك وإنما قال لعلي أرجع إلى الناس بفتواك لأنه رأى عجز سائر المعبرين عن جواب هذه المسألة فخاف أن يعجز هو أيضا عنها ، فلهذا السبب قال : { لعلى أرجع إلى الناس } . ! 7 < { قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه فى سنبله إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتى من بعد ذالك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ثم يأتى من بعد ذالك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون } . > 7 < يوسف : ( 47 - 49 ) قال تزرعون سبع . . . . . > >
اعلم أنه عليه السلام ذكر تعبير تلك الرؤيا فقال : { تزرعون } وهو خبر بمعنى الأمر ، كقوله : { والمطلقات يتربصن } ( البقرة : 228 ) { والوالدات يرضعن } ( البقرة : 233 ) وإنما يخرج الخبر بمعنى الأمر ، ويخرج الأمر في صورة الخير للمبالغة في الإيجاب ، فيجعل كأنه وجد فهو يخبر عنه والدليل على كونه في معنى الأمر قوله : { فذروه فى سنبله } وقوله : { دأبا } قال أهل اللغة : الدأب استمرار الشيء على حالة واحدة وهو دائب بفعل كذا إذا استمر في فعله ، وقد دأب يدأب دأبا ودأبا أي زراعة متوالية في هذه السنين . قال أبو علي الفارسي : الأكثرون في دأب الإسكان ولعل الفتحة لغة ، فيكون كشمع وشمع ، ونهر ونهر . قال الزجاج : وانتصب دأبا على معنى تدأبون دأبا . وقيل : إنه مصدر وضع في موضع الحال ، وتقديره تزرعون دائبين فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون كل ما أردتم أكله فدوسوه ودعوا الباقي في سنبله حتى لا يفسد ولا يقع السوس فيه ، لأن إبقاء الحبة في سنبله يوجب بقاءها على الصلاح { ثم يأتى من بعد ذالك سبع شداد } أي سبع سنين مجدبات ، والشداد الصعاب التي تشتد على الناس ، وقوله : { يأكلن ما قدمتم لهن } هذا مجاز ، فإن السنة لا تأكل فيجعل أكل أهل تلك السنين مسندا إلى السنين . وقوله : { إلا قليلا مما تحصنون } الإحصان الإحراز ، وهو إلقاء الشيء في الحصن يقال أحصنه إحصانا إذا جعله في حرز ، والمراد إلا قليلا مما تحرزون أي تدخرون وكلها ألفاظ ابن عباس رضي الله عنهما ، وقوله : { ثم يأتى من بعد ذالك عام فيه يغاث الناس } قال المفسرون السبعة المتقدمة سنو الخصب وكثرة النعم والسبعة الثانية سنو القحط والقلة وهي معلومة من الرؤيا ، وأما حال هذه السنة فما حصل في ذلك المنام شيء يدل عليه بل حصل ذلك من الوحي فكأنه عليه السلام ذكر أنه يحصل بعد السبعة المخصبة والسبعة المجدبة سنة مباركة كثيرة الخير والنعم ، وعن قتادة زاده الله علم سنة . فإن قيل : لما كانت العجاف سبعا دل ذلك على أن السنين المجدبة لا تزيد على هذا العدد ، ومن المعلوم أن الحاصل بعد انقضاء القحط هو الخصب وكان هذا أيضا من مدلولات المنام ، فلم قلتم إنه حصل بالوحي والإلهام ؟ قلنا : هب أن تبدل القحط بالخصب معلوم من المنام ، أما تفصيل الحال فيه ، وهو قوله : { فيه يغاث الناس وفيه يعصرون } لا يعلم إلا بالوحي ، قال ابن السكيت يقال : غاث الله البلاد يغيثها غيثا إذا أنزل فيها الغيث وقد غيثت الأرض تغاث ، وقوله : { يغاث الناس } معناه يمطرون ، ويجوز أن / يكون من قولهم : أغاثه الله إذا أنقذه من كرب أو غم ، ومعناه ينقذ الناس فيه من كرب الجدب ، وقوله : { وفيه يعصرون } أي يعصرون السمسم دهنا والعنب خمرا والزيتون زيتا ، وهذا يدل على ذهاب الجدب وحصول الخصب والخير ، وقيل : يحلبون الضروع ، وقرىء { يعصرون } من عصره إذا نجاه ، وقيل : معناه يمطرون من أعصرت السحابة إذا عصرت بالمطر ، ومنه قوله : { وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا } ( النبأ : 14 ) .
! 7 < { وقال الملك ائتونى به فلما جآءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة الاتى قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأت العزيز اأن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدى كيد الخائنين } . > 7 < يوسف : ( 50 - 52 ) وقال الملك ائتوني . . . . . > > اعلم أنه لما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه التعبير الذي ذكره يوسف عليه السلام استحسنه الملك فقال : ائتوني به ، وهذا يدل على فضيلة العلم ، فإنه سبحانه جعل علمه سببا لخلاصه من المحنة الدنيوية ، فكيف لا يكون العلم سببا للخلاص من المحن الأخروية ، فعاد الشرابي إلى يوسف عليه السلام قال أجب الملك ، فأبى يوسف عليه السلام أن يخرج من السجن إلا بعد أن ينكشف أمره وتزول التهمة بالكلية عنه . وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه لما أخبرتهم حتى اشترطت أن يخرجوا لي ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال : { ارجع إلى ربك } ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبثت لأسرعت الإجابة وبادرتهم إلى الباب ؛ ولما ابتغيت العذر أنه كان حليما ذا أناة ) . / واعلم أن الذي فعله يوسف من الصبر والتوقف إلى أن تفحص الملك عن حاله هو اللائق بالحزم والعقل ، وبيانه من وجوه : الأول : أنه لو خرج في الحال فربما كان يبقى في قلب الملك من تلك التهمة أثرها ، فلما التمس من الملك أن يتفحص عن حال تلك الواقعة دل ذلك على براءته من تلك التهمة فبعد خروجه لا يقدر أحد أن يلطخه بتلك الرذيلة وأن يتوسل بها إلى الطعن فيه . الثاني : أن الإنسان الذي بقي في السجن اثنتي عشرة سنة إذا طلبه الملك وأمر بإخراجه الظاهر أنه يبادر بالخروج ، فحيث لم يخرج عرف منه كونه في نهاية العقل والصبر والثبات ، وذلك يصير سببا لأن يعتقد فيه بالبراءة عن جميع أنواع التهم ، ولأن يحكم بأن كل ما قيل فيه كان كذبا وبهتانا . الثالث : أن التماسه من الملك أن يتفحص عن حاله من تلك النسوة يدل أيضا على شدة طهارته إذ لو كان ملوثا بوجه ما ، لكان خائفا أن يذكر ما سبق . الرابع : أنه حين قال للشرابي : { اذكرنى عند ربك } فبقي بسبب هذه الكلمة في السجن بضع سنين وههنا طلبه الملك فلم يلتفت إليه ولم يقم لطلبه وزنا ، واشتغل بإظهار براءته عن التهمة ، ولعله كان غرضه عليه السلام من ذلك أن لا يبقى في قلبه التفات إلى رد الملك وقبوله ، وكان هذا العمل جاريا مجرى التلافي لما صدر من التوسل إليه في قوله : { اذكرنى عند ربك } ليظهر أيضا هذا المعنى لذلك الشرابي ، فإنه هو الذي كان واسطة في الحالتين معا . أما قوله : { وقال الملك ائتونى به فلما جاءه الرسول } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير والكسائي { فسله } بغير همز والباقون { ربك فاسأله } بالهمز ، وقرأ عاصم برواية أبي بكر عنه { النسوة } بضم النون والباقون بكسر النون ، وهما لغتان .
المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآية فيها أنواع من اللطائف : أولها : أن معنى الآية : فسل الملك يأن يسأل ما شأن تلك النسوة وما حالهن ليعلم براتي عن تلك التهمة ، إلا أنه اقتصر على أن يسأل الملك عن تلك الواقعة لئلا يشتمل اللفظ على ما يجري مجرى أمر الملك بعمل أو فعل وثانيها : أنه لم يذكر سيدته مع أنها هي التي سعت في إلقائه في السجن الطويل ، بل اقتصر على ذكر سائر النسوة . وثالثها : أن الظاهر أن أولئك النسوة نسبنه إلى عمل قبيح وفعل شنيع عند الملك ، فاقتصر يوسف عليه السلام على مجرد قوله : { ما بال النسوة الاتى قطعن أيديهن } وما شكا منهن على سبيل التعيين والتفصيل . ثم قال يوسف بعد ذلك : { إن ربى بكيدهن عليم } وفي المراد من قوله : { إن ربى } وجهان : الأول : أنه هو الله تعالى ، لأنه تعالى هو العالم بخفيات الأمور . والثاني : أن المراد الملك وجعله ربا لنفسه لكونه مربيا وله وفيه إشارة إلى كون ذلك الملك عالما بكيدهن ومكرهن . واعلم أن كيدهن في حقه يحتمل وجوها : أحدها : أن كل واحدة منهن ربما طمعت فيه ، / فلما لم تجد المطلوب أخذت تطعن فيه وتنسبه إلى القبيح . وثانيها : لعل كل واحدة منهن بالغت في ترغيب يوسف في موافقة سيدته على مرادها ، ويوسف علم أن مثل هذه الخيانة في حق السيد المنعم لا تجوز ، فأشار بقوله : { إن ربى بكيدهن عليم } إلى مبالغتهن في الترغيب في تلك الخيانة . وثالثها : أنه استخرج منهن وجوها من المكر والحيل في تقبيح صورة يوسف عليه السلام عند الملك فكان المراد من هذا اللفظ ذاك ، ثم إنه تعالى حكى عن يوسف عليه السلام أنه لما التمس ذلك ، أمر الملك بإحضارهن وقال لهن : { ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه } وفيه وجهان : الأول : أن قوله : { إذ راودتن يوسف عن نفسه } وإن كانت صيغة الجمع ، فالمراد منها الواحدة كقوله تعالى : { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم } ( آل عمران : 173 ) والثاني : أن المراد منه خطاب الجماعة . ثم ههنا وجهان : الأول : أن كل واحدة منهن راودت يوسف عن نفسها . والثاني : أن كل واحدة منهن راودت يوسف لأجل امرأة العزيز فاللفظ محتمل لكل هذه الوجوه ، وعند هذا السؤال { قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء } وهذا كالتأكيد لما ذكرن في أول الأمر في حقه وهو قولهن : { ما هاذا بشرا إن هاذا إلا ملك كريم } . واعلم أن امرأة العزيز كانت حاضرة ، وكانت تعلم أن هذه المناظرات والتفحصات إنما وقعت بسببها ولأجلها فكشفت عن الغطاء وصرحت بالقول الحق وقالت : { الآن حصص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : هذه شهادة جازمة من تلك المرأة بأن بوسف صلوات الله عليه كان مبرأ عن كل الذنوب مطهرا عن جميع العيوب ، وههنا دقيقة ، وهي أن يوسف عليه السلام راعى جانب امرأة العزيز حيث قال : { ما بال النسوة الاتى قطعن أيديهن } فذكرهن ولم يذكر تلك المرأة ألبتة فعرفت المرأة أنه إنما ترك ذكرها رعاية لحقها وتعظيما لجانبها وإخفاء للأمر عليها ، فأرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن فلا جرم أزالت الغطاء والوطاء واعترفت بأن الذنب كله كان من جانبها وأن يوسف عليه السلام كان مبرأ عن الكل ، ورأيت في بعض الكتب أن امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادعت عليه المهر ، فأمر القاضي بأن يكشف عن وجهها حتى تتمكن الشهود من إقامة الشهادة ، فقال الزوج : لا حاجة إلى ذلك ، فإني مقر بصدقها في دعواها ، فقالت المرأة لما أكرمتني إلى هذا الحد فاشهدوا أني أبرأت ذمتك من كل حق لي عليك . المسألة الثانية : قال أهل اللغة : { حصحص الحق } معناه : وضح وانكشف وتمكن في القلوب والنفوس من قولهم : حصحص البعير في بروكه ، إذا تمكن واستقر في الأرض . قال الزجاج : اشتقاقه في اللغة من الحصة ، أي بانت حصة الحق من حصة الباطل . / المسألة الثالثة : اختلفوا في أن قوله : { ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } كلام من ؟ وفيه أقوال : القول الأول : وهو قول الأكثرين أنه قول يوسف عليه السلام . قال الفراء : ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة عليه ومثاله قوله تعالى : { إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة } ( النمل : 34 ) وهذا كلام بلقيس . ثم إنه تعالى قال : { وكذالك يفعلون } وأيضا قوله تعالى : { ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه } ( آل عمران : 9 ) كلام الداعي . ثم قال : { إن الله لا يخلف الميعاد } بقي على هذا القول سؤالات : السؤال الأول : قوله : { ذالك } إشارة إلى الغائب ، والمراد ههنا : الإشارة إلى تلك الحادثة الحاضرة . والجواب : أجبنا عنه في قوله : { ذالك الكتاب } ( البقرة : 2 ) وقيل : ذلك إشارة إلى ما فعله من رد الرسول كأنه يقول ذلك الذي فعلت من ردي الرسول إنما كان ، ليعلم الملك أني لم أخنه بالغيب . السؤال الثاني : متى قال يوسف عليه السلام هذا القول ؟ الجواب : روى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يوسف عليه السلام لما دخل على الملك قال ذلك ليعلم وإنما ذكره على لفظ الغيبة تعظيما للملك عن الخطاب والأولى أنه عليه السلام إنما قال ذلك عند عود الرسول إليه لأن ذكر هذا الكلام في حضرة الملك سوء أدب . السؤال الثالث : هذه الخيانة وقعت في حق العزيز فكيف يقول : { ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } . والجواب : قيل المراد ليعلم الملك أني لم أخن العزيز بالغيبة ، وقيل إنه إذا خان وزيره فقد خانه من بعض الوجوه ، وقيل إن الشرابي لما رجع إلى يوسف عليه السلام وهو في السجن قال ذلك ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب ثم ختم الكلام بقوله : { وأن الله لا يهدى يحب الخائنين } ولعل المراد منه أني لو كنت خائنا لما خلصني الله تعالى من هذه الورطة ، وحيث خلصني منها ظهر أني كنت مبرأ عما نسبوني إليه .
والقول الثاني : أن قوله : { ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } كلام امرأة العزيز والمعنى : أني وإن أحلت الذنب عليه عند حضوره لكني ما أحلت الذنب عليه عند غيبته ، أي لم أقل فيه وهو في السجن خلاف الحق . ثم إنها بالغت في تأكيد الحق بهذا القول ، وقالت : { وأن الله لا يهدى كيد الخائنين } يعني أني لما أقدمت على الكيد والمكر لا جرم افتضحت وأنه لما كان بريئا عن الذنب لا جرم طهره الله تعالى عنه . قال صاحب هذا القول : والذي يدل على صحته أن يوسف عليه السلام ما كان حاضرا في ذلك المجلس حتى يقال لما ذكرت المرأة قولها : { قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش } ففي تلك الحالة يقول يوسف : { ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } بل يحتاج فيه إلى أن يرجع الرسول من ذلك المجلس إلى السجن ويذكر له تلك الحكاية ، ثم إن يوسف يقول ابتداء { ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } ومثل هذا الوصل بين الكلامين الأجنبيين ما جاء ألبتة في نثر ولا نظم فعلمنا أن هذا من تمام كلام المرأة . المسألة الرابعة : هذه الآية دالة على طهارة يوسف عليه السلام من الذنب من وجوه كثيرة : الأول : أن الملك لما أرسل إلى يوسف عليه السلام وطلبه فلو كان يوسف متهما بفعل قبيح وقد كان صدر منه ذنب وفحش لاستحال بحسب العرف والعادة أن يطلب من الملك أن يتفحص عن تلك الواقعة ، لأنه لو كان قد أقدم على الذنب ثم إنه يطلبه من الملك أن يتفحص عن تلك الواقعة كان ذلك سعيا منه في فضيحة نفسه وفي تجديد العيوب التي صارت مندرسة مخفية والعاقل لا يفعل ذلك / وهب أنه وقع الشك لبعضهم في عصمته أو في نبوته إلا أنه لا شك أنه كان عاقلا ، والعاقل يمتنع أن يسعى في فضيحة نفسه وفي حمل الأعداء على أن يبالغوا في إظهار عيوبه . والثاني : أن النسوة شهدن في المرة الأولى بطهارته ونزاهته حيث قلن : { حاش لله ما هاذا بشرا إن هاذا إلا ملك كريم } ( يوسف : 31 ) وفي المرة الثانية حيث قلن : { حاش لله ما علمنا عليه من سوء } والثالث : أن امرأة العزيز أقرت في المرة الأولى بطهارته حيث قالت : { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } ( يوسف : 32 ) وفي المرة الثانية في هذه الآية .
واعلم أن هذه الآية دالة على طهارته من وجوه : أولها : قول المرأة : { أنا بأنفسهم عن نفسه } وثانيها : قولها : { وإنه لمن الصادقين } وهو إشارة إلى أنه صادق في قوله : { هى راودتنى عن نفسى } ( يوسف : 26 ) وثالثها : قول يوسف عليه السلام : { ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } والحشوية يذكرون أنه لما قال يوسف هذا الكلام قال جبريل عليه السلام ، ولا حين هممت ، وهذا من رواياتهم الخبيثة وما صحت هذه الرواية في كتاب معتمد ، بل هم يلحقونها بهذا الموضع سعيا منهم في تحريف ظاهر القرآن . ورابعها : قوله : { وأن الله لا يهدى كيد الخائنين } يعني أن صاحب الخيانة لا بد وأن يفتضح ، فلو كنت خائنا لوجب أن افتضح وحيث لم افتضح وخلصني الله تعالى من هذه الورطة ، فكل ذلك يدل على أني ما كنت من الخائنين ، وههنا وجه آخر وهو أقوى من الكل ، وهو أن في هذا الوقت تلك الواقعة صارت مندرسة ، وتلك المحنة صارت منتهية ، فإقدامه على قوله : { ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } مع أنه خانه بأعظم وجوه الخيانة إقدام على وقاحة عظيمة ، وعلى كذب عظيم من غير أن يتعلق به مصلحة بوجه ما ، والإقدام على مثل هذه الوقاحة من غير فائدة أصلا لا يليق بأحد من العقلاء ، فكيف يليق إسناده إلى سيد العقلاء ، وقدوة الأصفياء ؟ فثبت أن هذه الآية تدل دلالة قاطعة على / براءته مما يقوله الجهال والحشوية . ! 7 < { ومآ أبرىء نفسىإن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى إن ربى غفور رحيم } . > 7 < يوسف : ( 53 ) وما أبرئ نفسي . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن تفسير هذه الآية يختلف بحسب اختلاف ما قبلها لأنا إن قلنا إن قوله : { ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } ( يوسف : 52 ) كلام يوسف كان هذا أيضا من كلام يوسف ، وإن قلنا إن ذلك من تمام كلام المرأة كان هذا أيضا كذلك ونحن نفسر هذه الآية على كلا التقديرين ، أما إذا قلنا إن هذا كلام يوسف عليه السلام فالحشوية تمسكوا به وقالوا : إنه عليه السلام لما قال : { ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } قال جبريل عليه السلام ولا حين هممت بفك سراويلك فعند ذلك قال يوسف : { وما أبرىء نفسى إن النفس لامارة بالسوء } أي بالزنا { إلا ما رحم ربى } أي عصم ربي { إن ربى غفور } للهم الذي هممت به { رحيم } أي لو فعلته لتاب علي . واعلم أن هذا الكلام ضعيف فإنا بينا أن الآية المتقدمة برهان قاطع على براءته عن الذنب بقي أن يقال : فما جوابكم عن هذه الآية فنقول فيه وجهان : الوجه الأول : أنه عليه السلام لما قال : { ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } كان ذلك جاريا مجرى مدح النفس وتزكيتها ، وقال تعالى : { فلا تزكوا أنفسكم } ( النجم : 32 ) فاستدرك ذلك على نفسه بقوله : { وما أبرىء نفسى } والمعنى : وما أزكي نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ميالة إلى القبائح راغبة في المعصية .
والوجه الثاني : في الجواب أن الآية لا تدل ألبتة على شيء مما ذكروه وذلك لأن يوسف عليه السلام لما قال : { أنى لم أخنه بالغيب } بين أن ترك الخيانة ما كان لعدم الرغبة ولعدم ميل النفس والطبيعة ، لأن النفس أمارة بالسوء والطبيعة تواقة إلى الذات فبين بهذا الكلام أن الترك ما كان لعدم الرغبة ، بل لقيام الخوف من الله تعالى . أما إذا قلنا : إن هذا الكلام من بقية كلام المرأة ففيه وجهان : الأول : وما أبرىء نفسي عن مراودته ومقصودها تصديق يوسف عليه السلام في قوله : { هى راودتنى عن نفسى } الثاني : أنها لما قالت : { ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } ( يوسف : 52 ) قالت وما أبرىء نفسي عن الخيانة مطلقا فإني قد خنته حين قد أحلت الذنب عليه وقلت : { ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم } ( يوسف : 25 ) وأودعته السجن كأنها أرادت الاعتذار مما كان . فإن قيل جعل هذا الكلام كلاما ليوسف أولى أم جعله كلاما للمرأة ؟ قلنا : جعله كلاما ليوسف مشكل ، لأن قوله : { قالت امرأت العزيز الئن حصحص الحق } ( يوسف : 51 ) كلام موصول بعضه ببعض إلى آخره ، فالقول بأن بعضه كلام المرأة والبعض كلام يوسف مع تخلل الفواصل الكثيرة بين القولين وبين المجلسين بعيد ، وأيضا جعله كلاما للمرأة مشكل أيضا ، لأن قوله : { وما أبرىء نفسى إن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربى } كلام لا يحسن صدوره إلا ممن احترز عن المعاصي ، ثم يذكر هذا الكلام على سبيل كسر النفس ، وذلك لا يليق بالمرأة التي استفرغت جهدها في المعصية . المسألة الثانية : قالوا : { ما } في قوله : { إلا ما رحم ربى } بمعنى ( من ) والتقدير : إلا من رحم ربي ، وما ومن كل واحد منهما يقوم مقام الآخر كقوله تعالى : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } ( النساء : 3 ) وقال : { ومنهم من يمشى على أربع } ( النور : 45 ) وقوله : { إلا ما رحم ربى } استثناء متصل أو منقطع ، فيه وجهان : الأول : أنه متصل ، وفي تقريره وجهان : الأول : أن يكون قوله : { إلا ما رحم ربى } أي إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة . الثاني : إلا ما رحم ربي أي إلا وقت رحمة ربي يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت إلا في وقت العصمة . والقول الثاني : أنه استثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة كقوله : { ولاهم ينصرون } ( البقرة : 48 ) { إلا رحمة منا } ( يس : 44 ) . المسألة الثالثة : اختلف الحكماء في أن النفس الإمارة بالسوء ما هي ؟ والمحققون قالوا إن النفس الإنسانية شيء واحد ، ولها صفات كثيرة فإذا مالت إلى العالم الإلهي كانت نفسا مطمئنة ، وإذا مالت إلى الشهوة والغضب كانت أمارة بالسوء ، وكونها أمارة بالسوء يفيد المبالغة والسبب فيه أن النفس من أول حدوثها قد ألفت المحسوسات والتذت بها وعشقتها ، فأما شعورها بعالم المجردات وميلها إليه ، فذلك لا يحصل إلا نادرا في حق الواحد ، فالواحد وذلك الواحد فإنما يحصل له ذلك التجرد والانكشاف طول عمره في الأوقات النادرة فلما كان الغالب هو انجذابها إلى العالم الجسداني وكان ميلها إلى الصعود إلى العالم الأعلى نادرا لا جرم حكم عليها بكونها أمارة بالسوء ، ومن الناس من زعم أن النفس المطمئنة هي النفس العقلية النطقية ، وأما النفس الشهوانية والغضبية فهما مغايرتان للنفس العقلية ، والكلام في تحقيق الحق في هذا الباب مذكور في المعقولات .
المسألة الرابعة : تمسك أصحابنا في أن الطاعة والإيمان لا يحصلان إلا من الله بقوله : / { إلا ما رحم ربى } قالوا دلت الآية على أن انصراف النفس من الشر لا يكون إلا برحمته ؛ ولفظ الآية مشعر بأنه متى حصلت تلك الرحمة حصل ذلك الانصراف . فنقول : لا يمكن تفسير هذه الرحمة بإعطاء العقل والقدرة والألطاف كما قاله القاضي لأن كل ذلك مشترك بين الكافر والمؤمن فوجب تفسيرها بشيء آخر ، وهو ترجيح داعية الطاعة على داعية المعصية وقد أثبتنا ذلك أيضا بالبرهان القاطع وحينئذ يحصل منه المطلوب . ! 7 < { وقال الملك ائتونى به أستخلصه لنفسى فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين قال اجعلنى على خزآئن الا رض إنى حفيظ عليم } . > 7 < يوسف : ( 54 - 55 ) وقال الملك ائتوني . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في هذا الملك فمنهم من قال : هو العزيز ، ومنهم من قال : بل هو الريان الذي هو الملك الأكبر ، وهذا هو الأظهر لوجهين : الأول : أن قول يوسف : { اجعلنى على خزائن الارض } يدل عليه . الثاني : أن قوله : { أستخلصه لنفسى } يدل على أنه قبل ذلك ما كان خالصا له ، وقد كان يوسف عليه السلام قبل ذلك خالصا للعزيز ، فدل هذا على أن هذا الملك هو الملك الأكبر . المسألة الثانية : ذكروا أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف عليه السلام وهو في الحبس وقال : ( قل اللهم اجعل لي من عندك فرجا ومخرجا وارزقني من حيث لا أحتسب ) فقبل الله دعاءه وأظهر هذا السبب في تخليصه من السجن ، وتقرير الكلام : أن الملك عظم اعتقاده في يوسف لوجوه : أحدها : أنه عظم اعتقاده في علمه ، وذلك لأنه لما عجز القوم عن الجواب وقدر هو على الجواب الموافق الذي يشهد العقل بصحته مال الطبع إليه ، وثانيها : أنه عظم اعتقاده في صبره وثباته ، وذلك لأنه بعد أن بقي في السجن بضع سنين لما أذن له في الخروج ما أسرع إلى الخروج بل صبر وتوقف وطلب أولا ما يدل على براءة حاله عن جميع لتهم ، وثالثها : أنه عظم اعتقاده في حسن أدبه ، وذلك لأنه اقتصر على قوله : { ما بال النسوة الاتى قطعن أيديهن } ( يوسف : 50 ) وإن كان غرضه ذكر امرأة العزيز فستر ذكرها ، وتعرض لأمر سائر النسوة مع أنه وصل إليه من جهتها أنواع عظيمة من البلاء / وهذا من الأدب العجيب . ورابعها : براءة حاله عن جميع أنواع التهم فإن الخصم أقر له بالطهارة والنزاهة والبراءة عن الجرم . وخامسها : أن الشرابي وصف له جده في الطاعات واجتهاده في الإحسان إلى الذين كانوافي السجن . وسادسها : أنه بقي في السجن بضع سنين ، وهذه الأمور كل واحد منها يوجب حسن الإعتقاد في الإنسان ، فكيف مجموعها ، فلهذا السبب حسن اعتقاد الملك فيه وإذا أراد الله شيئا جمع أسبابه وقواها .
إذا عرفت هذا فنقول : لما ظهر للملك هذه الأحوال من يوسف عليه السلام رغب أن يتخذه لنفسه فقال : { ائتونى به أستخلصه لنفسى } روي أن الرسول قال ليوسف عليه السلام ثم إلى الملك متنظفا من درن السجن بالثياب النظيفة والهيئة الحسنة فكتب على باب السجن هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء ، ولما دخل عليه قال اللهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ثم دخل عليه وسلم ودعا له بالعبرانية والاستخلاص طلب خلوص الشيء من شوائب الاشتراك وهذا الملك طلب أن يكون يوسف له وحده وأنه لا يشاركه فيه غيره لأن عادة الملوك أن ينفردوا بالأشياء النفيسة الرفيعة فلما علم الملك أنه وحيد زمانه وفريد أقرانه أراد أن ينفرد به . روي أن الملك قال ليوسف عليه السلام ما من شيء إلا وأحب أن تشركني فيه إلا في أهلي وفي أن لا تأكل معي فقال يوسف عليه السلام ، أما ترى أن آكل معك ، وأنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق الذبيح بن إبراهيم الخليل عليه السلام ، ثم قال : { فلما كلمه } وفيه قولان : أحدهما : أن المراد فلما كلم الملك يوسف عليه السلام قالوا لأن في مجالس الملوك لا يحسن لأحد أن يبتدىء بالكلام وإنما الذي يبتدىء به هو الملك ، والثاني : أن المراد : فلما كلم يوسف الملك قيل : لما صار يوسف إلى الملك وكان ذلك الوقت ابن ثلاثين سنة / فلما رآه الملك حدثا شابا قال للشرابي : هذا هو الذي علم تأويل رؤياي مع أن السحرة والكهنة ماعلموها قال نعم ، فأقبل على يوسف وقال : إني أحب أن أسمع تأويل الرؤيا منك شفاها ، فأجاب بذلك الجواب شفاها وشهد قلبه بصحته ، فعند ذلك قال له : { إنك اليوم لدينا مكين أمين } يقال : فلان مكين عند فلان بين المكانة أي المنزلة ، وهي حالة يتمكن بها صاحبها مما يريد . وقوله : { أمين } أي قد عرفنا أمانتك وبراءتك مما نسبت إليه . واعلم أن قوله : { مكين أمين } كلمة جامعة لكل ما يحتاج إليه من الفضائل والمناقب ، وذلك لأنه لا بد في كونه مكينا من القدرة والعلم . أما القدرة فلأن بها يحصل المكنة . وأما العلم فلأن كونه متمكنا من أفعال الخير لا يحصل إلا به إذ لو لم يكن عالما بما ينبغي وبما لا ينبغي لا يمكنه تخصيص ما ينبغي / بالفعل ، وتخصيص ما لا ينبغي بالترك ، فثبت أن كونه مكينا لا يحصل إلا بالقدرة والعلم . أما كونه أمينا فهو عبارة عن كونه حكيما لا يفعل الفعل لداعي الشهوة بل إنما يفعله لداعي الحكمة ، فثبت أن كونه مكينا أمينا يدل على كونه قادرا ، وعلى كونه عالما بمواقع الخير والشر والصلاح والفساد ، وعلى كونه بحيث يفعل لداعي الحكمة لا لداعية الشهوة ، وكل من كان كذلك فإنه لا يصدر عنه فعل الشر والسفه فلهذا المعنى لما حاولت المعتزلة إثبات أنه تعالى لا يفعل القبيح قالوا إنه تعالى لا يفعل القبيح لأنه تعالى عالم بقبح القبيح عالم بكونه غنيا عنه وكل من كان كذلك لم يفعل القبيح قالوا : وإنما يكون غنيا عن القبيح إذا كان قادرا ، وإذا كان منزها عن داعية السفه فثبت أن وصفه بكونه مكينا أمينا نهاية ما يمكن ذكره في هذا الباب ثم حكى تعالى أن يوسف عليه السلام قال في هذا المقام { اجعلنى على خزائن الارض إنى حفيظ عليم } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال المفسرون : لما عبر يوسف عليه السلام رؤيا الملك بين يديه قال له الملك : فما ترى أيها الصديق قال : أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعا كثيرا وتبني الخزائن وتجمع فيها الطعام فإذا جاءت السنون المجدبة بعنا الغلات فيحصل بهذا الطريق مال عظيم فقال الملك ومن لي بهذا الشغل فقال يوسف : { اجعلنى على خزائن الارض } أي على خزائن أرض مصر وأدخل الألف واللام على الأرض ، والمراد منه المعهود السابق . روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أنه قال : ( رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لأستعمله من ساعته لكنه لما قال ذلك أخره عنه سنة ) وأقول هذا من العجائب لأنه لما تأبى عن الخروج من السجن سهل الله عليه ذلك على أحسن الوجوه ولما تسارع في ذكر الالتماس أخر الله تعالى ذلك المطلوب عنه وهذا يدل على أن ترك التصرف والتفويض بالكلية إلى الله تعالى أولى . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : لم طلب يوسف الإمارة والنبي عليه الصلاة والسلام قال لعبد الرحمن بن سمرة : ( لا تسأل الإمارة ) وأيضا فكيف طلب الإمارة من سلطان كافر ، وأيضا لم لم يصبر مدة ولم أظهر الرغبة في طلب الأمارة في الحالة ، وأيضا لم طلب أمر الخزائن في أول الأمر ، مع أن هذا يورث نوع تهمة وأيضا كيف جوز من نفسه مدح نفسه بقوله : { إنى حفيظ عليم } مع أنه تعالى يقول : { فلا تزكوا أنفسكم } ( النجم : 32 ) وأيضا فما الفائدة في قوله : { إنى حفيظ عليم } وأيضا لم ترك الاستثناء في هذا فإن الأحسن أن يقول : إني حفيظ عليم إن شاء الله بدليل قوله تعالى : { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذالك غدا إلا أن يشاء الله } ( الكهف : 23 ، 24 ) فهذه أسئلة سبعة لا بد من جوابها فنقول : الأصل في جواب هذه / المسائل أن التصرف في أمور الخلق كان واجبا عليه ، فجاز له أن يتوصل إليه بأي طريق كان ، إنما قلنا : إن ذلك التصرف كان واجبا عليه لوجوه : الأول : أنه كان رسولا حقا من الله تعالى إلى الخلق ، والرسول يجب عليه رعاية مصالح الأمة بقدر الإمكان ، والثاني : وهو أنه عليه السلام علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضيق الشديد الذي ربما أفضى إلى هلاك الخلق العظيم ، فلعله تعالى أمره بأن يدبر في ذلك ويأتي بطريق لأجله يقل ضرر ذلك القحط في حق الخلق ، والثالث : أن السعي في إيصال النفع إلى المستحقين ودفع الضرر عنهم أمر مستحسن في العقول .
وإذا ثبت هذا فنقول : إنه عليه السلام كان مكلفا برعاية مصالح الخلق من هذه الوجوه ، وما كان يمكنه رعايتها إلا بهذا الطريق ، وما لا يتم الواجب إلا به ، فهو واجب ، فكان هذا الطريق واجبا عليه ولما كان واجبا سقطت الأسئلة بالكلية ، وأما ترك الاستثناء فقال الواحدي : كان ذلك من خطيئة أوجبت عقوبة وهي أنه تعالى أخر عنه حصول ذلك المقصود سنة ، وأقول : لعل السبب فيه أنه لو ذكر هذا الاستثناء لاعتقد فيه الملك أنه إنما ذكره لعلمه بأنه لا قدرة له على ضبط هذه المصلحة كما ينبغي فلأجل هذا المعنى ترك الاستثناء ، وأما قوله لم مدح نفسه فجوابه من وجوه : الأول : لا نسلم أنه مدح نفسه لكنه بين كونه موصوفا بهاتين الصفتين النافعتين في حصول هذا المطلوب ، وبين البابين فرق وكأنه قد غلب على ظنه أنه يحتاج إلى ذكر هذا الوصف لأن الملك وإن علم كماله في علوم الدين لكنه ما كان عالما بأنه يفي بهذا الأمر ، ثم نقول هب أنه مدح نفسه إلا أن مدح النفس إنما يكون مذموما إذا قصد الرجل به التطاول والتفاخر والتوصل إلى غير ما يحل ، فأما على غير هذا الوجه فلا نسلم أنه محرم فقوله تعالى : { فلا تزكوا أنفسكم } ( النجم : 32 ) المراد منه تزكية النفس حال مايعلم كونها غير متزكية ، والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية : { هو أعلم بمن اتقى } أما إذا كان الإنسان عالما بأنه صدق وحق فهذا غير ممنوع منه والله أعلم . قوله ما الفائدة في وصفه نفسه بأنه حفيظ عليم ؟ قلنا : إنه جار مجرى أن يقول حفيظ بجميع الوجوه التي منها يمكن تحصيل الدخل والمال ، عليم بالجهات التي تصلح لأن يصرف المال إليها ، ويقال : حفيظ بجميع مصالح الناس ، عليم بجهات حاجاتهم أو يقال : حفيظ لوجوه أياديك وكرمك ، عليم بوجوب مقابلتها بالطاعة والخضوع وهذا باب واسع يمكن تكثيره لمن أراده . ! 7 < { وكذالك مكنا ليوسف فى الا رض يتبوأ منها حيث يشآء نصيب برحمتنا من نشآء ولا نضيع أجر المحسنين ولاجر الا خرة خير للذين ءامنوا وكانوا يتقون } . > 7 < يوسف : ( 56 - 57 ) وكذلك مكنا ليوسف . . . . . > > /فيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن يوسف عليه السلام لما التمس من الملك أن يجعله على خزائن الأرض لم يحك الله عن الملك أنه قال : قد فعلت ، بل الله سبحانه قال : { وكذالك مكنا ليوسف فى الارض } فههنا المفسرون قالوا في الكلام محذوف وتقديره : قال الملك قد فعلت ، إلا أن تمكين الله له في الأرض يدل على أن الملك الملك قد أجابه إلى ما سأل . وأقول : ما قالوه حسن ، إلا أن ههنا ما هو أحسن منه وهو أن إجابة الملك له سبب في عالم الظاهر وأما المؤثر الحقيقي : فليس إلا أنه تعالى مكنه في الأرض ، وذلك لأن ذلك الملك كان متمكنا من القبول ومن الرد ، فنسبة قدرته إلى القبول وإلى الرد على التساوي ، وما دام يبقى هذ التساوي امتنع حصول القبول ، فلا بد وأن يترجح القبول على الرد في خاطر ذلك الملك ، وذلك الترجح لا يكون إلا بمرجح يخلقه الله تعالى ، إذا خلق الله تعالى ذلك المرجح حصل القبول لا محالة ، فالتمكن ليوسف في الأرض ليس إلا من خلق الله تعالى في قلب ذلك الملك بمجموع القدرة والداعية الجازمة اللتين عند حصولهما يجب الأثر ، فلهذا السبب ترك الله تعالى ذكر إجابة الملك واقتصر على ذكر التمكين الإلهي ، لأن المؤثر الحقيقي ليس إلا هو .
المسألة الثانية : روي أن الملك توجه وأخرج خاتم الملك وجعله في أصبعه وقلد بسيفه ووضع له سريرا من ذهب مكللا بالدر والياقوت ، فقال يوسف عليه السلام : أما السرير فأشد به ملكك وأما الخاتم فأدبر به أمرك ، وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي ، وجلس على السرير ودانت له القوم ، وعزل الملك قطفير زوج المرأة المعلومة ومات بعد ذلك وزوجه الملك امرأته ، فلما دخل عليها قال أليس هذا خيرا مما طلبت ، فوجدها عذراء فولدت له ولدين أفرايم وميشا وأقام العدل بمصر وأحبته الرجال والنساء ، وأسلم على يده الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدراهم والدنانير في السنة الأولى ثم بالحلي والجواهر في السنة الثانية / ثم بالدواب ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى استرقهم سنين فقالوا والله ما رأينا ملكا أعظم شأنا من هذا الملك حتى صار كل الخلق عبيدا له فلما سمع ذلك قال إني أشهد الله أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم ، وكان لا يبيع لأحد ممن يطلب الطعام أكثر من حمل البعير لئلا يضيق الطعام على الباقين هكذا رواه صاحب ( الكشاف ) والله أعلم . المسألة الثالثة : قوله : { وكذالك } الكاف منصوبة بالتمكين ، وذلك إشارة إلى ما تقدم يعني به ومثل ذلك الإنعام الذي أنعمنا عليه في تقريبنا إياه من قلب الملك وإنجائنا إياه من غم الحبس ، وقوله : { مكنا ليوسف فى الارض } أي أقدرناه على ما يريد برفع الموانع وقوله : { يتبوأ منها حيث يشاء } يتبوأ في موضع نصب على الحال تقديره مكناه متبوأ وقرأ ابن كثير : { نشاء } بالنون مضافا إلى الله تعالى والباقون بالياء مضافا إلى يوسف . واعلم أن قوله : { يتبوأ منها حيث يشاء } يدل على أنه صار في الملك بحيث لا يدافعه أحد ، ولا ينازعه منازع بل صار مستقلا بكل ما شاء وأراد ثم بين تعالى ما يؤكد أن ذلك من قبله فقال : { نصيب برحمتنا من نشاء } . واعلم أنه تعالى ذكر أولا أن ذلك التمكين كان من الله لا من أحد سواه وهو قوله : { كذالك مكنا ليوسف فى الارض } ثم أكد ذلك ثانيا بقوله : { نصيب برحمتنا من نشاء } وفيه فائدتان : الفائدة الأولى : أن هذا يدل على أن الكل من الله تعالى . قال القاضي : تلك المملكة لما لم تتم إلا بالأمور فعلها الله تعالى صارت كأنها حصلت من قبله تعالى . وجوابه : أنا ندعي أن نفس تلك المملكة إنما حصلت من قبل الله تعالى ، لأن لفظ القرآن يدل على قولنا ، والبرهان القاطع الذي ذكرناه يقوي قولنا ، فصرف هذا اللفظ إلى المجاز لا سبيل إليه . الفائدة الثانية : أنه أتاه ذلك بمحض المشيئة الإلهية والقدرة النافذة . قال القاضي : هذه الآية تدل على أنه تعالى يجري أمر نعمه على ما يقتضيه الصلاح . قلنا : الآية تدل على أن الأمور معلقة بالمشيئة الإلهية والقدرة المحضة فأمارعاية قيد الصلاح ، فأمر اعتبرته أنت من نفسك مع أن اللفظ لا يدل عليه . ثم قال تعالى : { ولا نضيع أجر المحسنين } وذلك لأن إضاعة الأجر إما أن يكون للعجز أو للجهل أو للبخل والكل ممتنع في حق الله تعالى ، فكانت الإضاعة ممتنعة . واعلم أن هذا شهادة من الله تعالى على أن يوسف عليه السلام كان من المحسنين ولو صدق القول / بأنه جلس بين شعبها الأربع لامتنع أن يقال : إنه كان من المحسنين ، فههنا لزم إما تكذيب الله في حكمه على يوسف بأنه كان من المحسنين وهو عين الكفر أو لزم تكذيب الحشوي فيما رواه وهو عين الإيمان والحق .
ثم قال تعالى : { ولاجر الاخرة خير للذين ءامنوا وكانوا يتقون } وفيه مسائل : المسألة الأول : في تفسير هذه الآية قولان : القول الأول : المراد منه أن يوسف عليه السلام وإن كان قد وصل إلى المنازل العالية والدرجات الرفيعة في الدنيا إلا أن الثواب الذي أعده الله له في الآخرة خير وأفضل وأكمل وجهات الترجيح قد ذكرناها في هذا الكتاب مرارا وأطوارا ، وحاصل تلك الوجوه أن الخير المطلق هو الذي يكون نفعا خالصا دائما مقرونا بالتعظيم ، وكل هذه القيود الأربعة حاصلة في خيرات الآخرة ومفقودة في خيرات الدنيا . القول الثاني : أن لفظ الخير قد يستعمل لكون أحد الخيرين أفضل من الآخر كما يقال : الجلاب خير من الماء وقد يستعمل لبيان كونه في نفسه خيرا من غير أن يكون المراد منه بيان التفضيل كما يقال : الثريد خير من الله يعني الثريد خير من الخيرات حصل بإحسان من الله . إذا ثبت هذا فقوله : { ولاجر الاخرة خير } إن حملناه على الوجه الأول لزم أن تكون ملاذ الدنيا موصوفة بالخيرية أيضا ، وأما إن حملناه على الوجه الثاني لزم أن لا يقال إن منافع الدنيا أيضا خيرات بل لعله يفيد أن خير الآخرة هو الخير ، وأما ما سواه فعبث . المسألة الثانية : لا شك أن المراد من قوله : { ولاجر الاخرة خير للذين ءامنوا وكانوا يتقون } شرح حال يوسف عليه السلام فوجب أن يصدق في حقه أنه من الذين آمنوا وكانوا يتقون ، وهذا تنصيص من الله عز وجل . على أنه كان في الزمان السابق من المتقين ، وليس ههنا زمان سابق ليوسف عليه السلام يحتاج إلى بيان أنه كان فيه من المتقين إلا ذلك الوقت الذي قال الله فيه : { ولقد همت به وهم بها } ( يوسف : 24 ) فكان هذا شهادة من الله تعالى على أنه عليه السلام كان في ذلك الوقت من المتقين ، وأيضا قوله : { ولا نضيع أجر المحسنين } شهادة من الله تعالى على أنه عليه السلام كان من المحسنين ، وقوله : { إنه من عبادنا المخلصين } شهادة من الله تعالى على أنه من المخلصين فثبت أن الله تعالى شهد بأن يوسف عليه السلام كان من المتقين ومن المحسنين ومن المخلصين / والجاهل الحشوي يقول : إنه كان من الأخسرين المذنبين ، ولا شك أن من لم يقل بقول الله سبحانه وتعالى مع هذه التأكيدات كان من الأخسرين . / المسألة الثالثة : قال القاضي : قوله تعالى : { ولاجر الاخرة خير للذين ءامنوا وكانوا يتقون } يدل على بطلان قول المرجئة : الذين يزعمون أن الثواب يحصل في الآخرة لمن لم يتق الكبائر . قلنا : هذا ضعيف ، لأنا إن حملنا لفظ خير على أفعل التفضيل لزم أن يكون الثواب الحاصل للمتقين أفضل ولا يلزم أن لا يحصل لغيرهم أصلا ، وإن حملناه على أصل معنى الخيرية ، فهذا يدل على حصول هذا الخير للمتقين ولا يدل على أن غيرهم لا يحصل لهم هذا الخير . ! 7 < { وجآء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ولما جهزهم بجهازهم قال ائتونى بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أنىأوفى الكيل وأنا خير المنزلين فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى ولا تقربون قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون } . > 7 < يوسف : ( 58 - 61 ) وجاء إخوة يوسف . . . . . > >
اعلم أنه لما عم القحط في البلاد ، ووصل أيضا إلى البلدة التي كان يسكنها يعقوب عليه السلام وصعب الزمان عليهم فقال لبنيه إن بمصر رجلا صالحا يمير الناس فاذهبوا إليه بدراهمكم وخذوا الطعام فخرجوا إليه وهم عشرة ودخلوا على يوسف عليه السلام وصارت هذه الواقعة كالسبب في اجتماع يوسف عليه السلام مع إخوته وظهور صدق ما أخبر الله تعالى عنه في قوله ليوسف عليه السلام حال ما ألقوه في الجب { لتنبئنهم بأمرهم هاذا وهم لا يشعرون } ( يوسف : 15 ) وأخبر تعالى أن يوسف عرفهم وهم ما عرفوه ألبتة ، أما أنه عرفهم فلأنه تعالى كان قد أخبره في قوله : { لتنبئنهم بأمرهم } بأنهم يصلون إليه ويدخلون عليه ، وأيضا الرؤيا التي رآها كانت دليلا على أنهم يصلون إليه ، فلهذا السبب كان يوسف عليه السلام مترصدا لذلك الأمر ، وكان كل من وصل إلى بابه من البلاد البعيدة يتفحص عنهم ويتعرف أحوالهم ليعرف أن هؤلاء الواصلين هل هم إخوته أم لا فلما وصل إخوة / يوسف إلى باب داره تفحص عن أحوالهم تفحصا ظهر له أنهم إخوته ، وأما أنهم ما عرفوه فلوجوه : الأول : أنه عليه السلام أمر حجابه بأن يوقفوهم من البعد وما كان يتكلم معهم إلا بالواسطة ومتى كان الأمر كذلك لا جرم أنهم لم يعرفوه لا سيما مهابة الملك وشدة الحاجة يوجبان كثرة الخوف ، وكل ذلك مما يمنع من التأمل التام الذي عنده يحصل العرفان . والثاني : هو أنهم حين ألقوه في الجب كان صغيرا . ثم إنهم رأوه بعد وفور اللحية ، وتغير الزي والهيئة فإنهم رأوه جالسا على سريره ، وعليه ثياب الحرير ، وفي عنقه طوق من ذهب ، وعلى رأسه تاج من ذهب ، والقوم أيضا نسوا واقعة يوسف عليه السلام لطول المدة . فيقال : إن من وقت ما ألقوه في الجب إلى هذا الوقت كان قد مضى أربعون سنة ، وكل واحد من هذه الأسباب يمنع من حصول المعرفة ، لا سيما عند اجتماعها ، والثالث : أن حصول العرفان والتذكير بخلق الله تعالى ، فلعله تعالى ما خلق ذلك العرفان والتذكير في قلوبهم تحقيقا لما أخبره عنه بقوله : { لتنبئنهم بأمرهم هاذا وهم لا يشعرون } وكان ذلك من معجزات يوسف عليه السلام . ثم قال تعالى : { ولما جهزهم بجهازهم } قال الليث : جهزت القوم تجهيزا إذا تكلفت لهم جهازهم للسفر ، وكذلك جهاز العروس والميت وهو ما يحتاج إليه في وجهه . قال : وسمعت أهل البصرة يقولون : الجهاز بالكسر . قال الأزهري : القراء كلهم على فتح الجيم ، والكسر لغة ليست بجيدة ، قال المفسرون : حمل لكل رجل منهم بعيرا وأكرمهم أيضا بالنزول وأعطاهم ما احتاجوا إليه في السفر ، فذلك قوله : { جهزهم بجهازهم } ثم بين تعالى أنه لما جهزهم بجهازهم قال : { ائتونى بأخ لكم من أبيكم } . واعلم أنه لا بد من كلام سابق حتى يصير ذلك الكلام سببا لسؤال يوسف عن حال أخيهم ، وذكروا فيه وجوها :
Sorular
- Tevhid nedir; Müslümanların Allah'ın birliğine imanı?
- İslam'da imanın altı şartı nedir?
- Müslümanlar peygamberler hakkında neye inanır?
- İslam helal ve haram yiyecekler hakkında ne öğretir?
- Fâtiha Sûresi'nin anlamı nedir?
- Kur'an sabır hakkında ne öğretir?
- Kur'an hayatın amacı hakkında ne der?
- İhlas nedir ve neden önemlidir?