Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى شبه إنزاله حكما عربيا بما أنزل إلى ما تقدم من الأنبياء ، أي كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم ، كذلك أنزلنا عليك القرآن . والكناية في قوله : { أنزلناه } تعود إلى ( ما ) في قوله : { يفرحون بما أنزل إليك } يعني القرآن . المسألة الثانية : قوله : { أنزلناه حكما عربيا } فيه وجوه : الأول : حكمة عربية مترجمة بلسان العرب . الثاني : القرآن مشتمل على جميع أقسام التكاليف ، فالحكم لا يمكن إلا بالقرآن ، فلما كان القرآن سببا للحكم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة . الثالث : أنه تعالى حكم على جميع المكلفين بقبول القرآن والعمل به فلما حكم على الخلق بوجوب قبوله جعله حكما . واعلم أن قوله : { حكما عربيا } نصب على الحال ، والمعنى : أنزلناه حال كونه حكما عربيا . المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : الآية دالة على حدوث القرآن من وجوه : الأول : أنه تعالى وصفه بكونه منزلا وذلك لا يليق إلا بالمحدث . الثاني : أنه وصفه بكونه عربيا والعربي هو الذي حصل بوضع العرب واصطلاحهم وما كان كذلك كان محدثا . الثالث : أن الآية دالة على أنه إنما / كان حكما عربيا ، لأن الله تعالى جعله كذلك ووصفه بهذه الصفة ، وكل ما كان كذلك فهو محدث . والجواب : أن كل هذه الوجوه دالة على أن المركب من الحروف والأصوات محدث ولا نزاع فيه والله أعلم . المسألة الرابعة : روي أن المشركين كانوا يدعونه إلى ملة آبائه فتوعده الله تعالى على متابعتهم في تلك المذاهب مثل أن يصلي إلى قبلتهم بعد أن حوله الله عنها . قال ابن عباس : الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ، وقيل : بل الغرض منه حث الرسول عليه السلام على القيام بحق الرسالة وتحذيره من خلافها ، ويتضمن ذلك أيضا تحذير جميع المكلفين ، لأن من هو أرفع منزلة إذا حذر هذا التحذير فهم أحق بذلك وأولى . ! 7 < { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتى بأاية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب يمحو الله ما يشآء ويثبت وعنده أم الكتاب } > 7 < الرعد : ( 38 - 39 ) ولقد أرسلنا رسلا . . . . . > > اعلم أن القوم كانوا يذكرون أنواعا من الشبهات في إبطال نبوته . فالشبهة الأولى قولهم : { لهاذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق } ( الفرقان : 7 ) وهذه الشبهة إنما ذكرها الله تعالى في سورة أخرى . والشبهة الثانية : قولهم : الرسول الذي يرسله الله إلى الخلق لا بد وأن يكون من جنس الملائكة كما حكى الله عنهم في قوله : { لو ما تأتينا بالملئكة } ( الحجر : 7 ) وقوله : { لولا أنزل عليه ملك } ( الأنعام : 8 ) . فأجاب الله تعالى عنه ههنا بقوله : { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } يعني أن الأنبياء الذين كانوا قبله كانوا من جنس البشر لا من جنس الملائكة فإذا جاز ذلك في حقهم فلم لا يجوز أيضا مثله في حقه . الشبهة الثالثة : عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة الزوجات وقالوا : لو كان رسولا من عند الله لما كان مشتغلا بأمر النساء بل كان معرضا عنهن مشتغلا بالنسك والزهد ، فأجاب الله / تعالى عنه بقوله : { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } وبالجملة فهذا الكلام يصلح أن يكون جوابا عن الشبهة المتقدمة ويصلح أن يكون جوابا عن هذه الشبهة ، فقد كان لسليمان عليه السلام ثلثمائة امرأة مهيرة وسبعمائة سرية ولداود مائة امرأة .
والشبهة الرابعة : قالوا لو كان رسولا من عند الله لكان أي شيء طلبنا منه من المعجزات أتى به ولم يتوقف ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس برسول ، فأجاب الله عنه بقوله : { وما كان لرسول أن يأتى بئاية إلا بإذن الله } وتقريره : أن المعجزة الواحدة كافية في إزالة العذر والعلة ، وفي إظهار الحجة والبينة ، فأما الزائد عليها فهو مفوض إلى مشيئة الله تعالى إن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها ولا اعتراض لأحد عليه في ذلك . الشبهة الخامسة : أنه عليه السلام كان يخوفهم بنزول العذاب وظهور النصرة له ولقومه . ثم إن ذلك الموعود كان يتأخر فلما لم يشاهدوا تلك الأمور احتجوا بها على الطعن في نبوته ، وقالوا : لو كان نبيا صادقا لما ظهر كذبه . فأجاب الله عنه بقوله : { لكل أجل كتاب } يعني نزول العذاب على الكفار وظهور الفتح والنصر للأولياء قضى الله بحصولها في أوقات معينة مخصوصة ، ولكل حادث وقت معين { ولكل أجل كتاب } فقبل حضور ذلك الوقت لا يحدث ذلك الحادث فتأخر تلك المواعيد لا يدل على كونه كاذبا . الشبهة السادسة : قالوا : لو كان في دعوى الرسالة محقا لما نسخ الأحكام التي نص الله تعالى على ثوبتها في الشرائع المتقدمة نحو التوراة والإنجيل ، لكنه نسخها وحرفها نحو تحريف القبلة ، ونسخ أكثر أحكام التوراة والإنجيل ، فوجب أن لا يكون نبيا حقا . فأجاب الله سبحانه وتعالى عنه بقوله : { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } ويمكن أيضا أن يكون قوله : { لكل أجل كتاب } كالمقدمة لتقرير هذا الجواب ، وذلك لأنا نشاهد أنه تعالى يخلق حيوانا عجيب الخلقة بديع الفطرة من قطرة من النطفة ثم يبقيه مدة مخصوصة ثم يميته ويفرق أجزاءه وأبعاضه فلما لم يمتنع أن يحيي أولا / ثم يميت ثانيا فكيف يمتنع أن يشرع الحكم في بعض الأوقات ، ثم ينسخه في سائر الأوقات فكان المراد من قوله : { لكل أجل كتاب } ما ذكرناه ، ثم إنه تعالى لما قرر تلك المقدمة قال : { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } والمعنى : أنه يوجد تارة ويعدم أخرى ، ويحيي تارة ويميت أخرى ، ويغني تارة ويفقر أخرى فكذلك لا يبعد أن يشرع الحكم تارة ثم ينسخه أخرى بحسب ما اقتضته المشيئة الإلهية عند أهل السنة أو بحسب ما اقتضته / رعاية المصالح عند المعتزلة فهذا اتمام التحقيق في تفسير هذه الآية ، ثم ههنا مسائل :
المسألة الأولى : قوله تعالى : { لكل أجل كتاب } فيه أقوال . الأول : أن لكل شيء وقتا مقدرا فالآيات التي سألوها لها وقت معين حكم الله به وكتبه في اللوح المحفوظ فلا يتغير عن ذلك الحكم بسبب تحكماتهم الفاسدة ولو أن الله أعطاهم ما التمسوا لكان فيه أعظم الفساد . الثاني : أن لكل حادث وقتا معينا قضى الله حصوله فيه كالحياة والموت والغنى والفقر والسعادة والشقاوة ، ولا يتغير ألبتة عن ذلك الوقت . والثالث : أن هذا من المقلوب والمعنى : أن لكل كتاب منزل من السماء أجلا ينزله فيه ، أي لكل كتاب وقت يعمل به ، فوقت العمل بالتوراة والإنجيل قد انقضى ووقت العمل بالقرآن قد أتى وحضر . والرابع : لكل أجل معين كتاب عند الملائكة الحفظة فللانسان أحوال أولها نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم يصير شابا ثم شيخا ، وكذا القول في جميع الأحوال من الإيمان والكفر والسعادة والشقاوة والحسن والقبح . الخامس : كل وقت معين مشتمل على مصلحة خفية ومنفعة لا يعلمها إلا الله تعالى ، فإذا جاء ذلك الوقت حدث ذلك الحادث ولا يجوز حدوثه في غيره . واعلم أن هذه الآية صريحة في أن الكل بقضاء الله وبقدره وأن الأمور مرهونة بأوقاتها ، لأن قوله : { لكل أجل كتاب } معناه أن تحت كل أجل حادث معين ، ويستحيل أن يكون ذلك التعيين لأجل خاصية الوقت فإن ذلك محال ، لأن الأجزاء المعروضة في الأوقات المتعاقبة متساوية ، فوجب أن يكون اختصاص كل وقت بالحادث الذي يحدث فيه بفعل الله تعالى واختياره وذلك يدل على أن الكل من الله تعالى وهو نظير قوله عليه السلام : ( جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ) . المسألة الثانية : { يمحو الله ما يشاء ويثبت } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم { ويثبت } ساكنة الثاء خفيفة الباء من أثبت يثبت ، والباقون بفتح الثاء وتشديد الباء من التثبيت ، وحجة من خفف أن ضد المحو الإثبات لا التثبت . ولأن التشديد للتكثير ، وليس القصد بالمحو التكثير ، فكذلك ما يكون في مقابلته ، ومن شدد احتج بقوله : { وأشد تثبيتا } ( النساء : 66 ) وقوله : { فثبتوا } ( الأنفال : 12 ) . المسألة الثالثة : المحو ذهاب أثر الكتابة ، يقال : محاه يمحوه محوا إذا أذهب أثره ، وقوله : { ويثبت } قال النحويون : أراد ويثبته إلا أنه استغنى بتعدية للفعل الأول عن تعدية الثاني ، وهو كقوله تعالى : { والحافظين فروجهم والحافظات } ( الأحزاب : 35 ) . المسألة الرابعة : في هذه الآية قولان : القول الأول : إنها عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ . قالوا : إن الله يمحو من الرزق / ويزيد فيه ، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر ، وهو مذهب عمر وابن مسعود . والقائلون بهذا القول كانوا يدعون ويتضرعون إلى الله تعالى في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء ، وهذا التأويل رواه جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . والقول الثاني : أن هذه الآية خاصة في بعض الأشقياء دون البعض ، وعلى هذا التقرير ففي الآية وجوه : الأول : المراد من المحو والإثبات : نسخ الحكم المتقدم وإثبات حكم آخر بدلا عن الأول . الثاني : أنه تعالى يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة ، لأنهم مأمورون بكتابة كل قول وفعل ويثبت غيره ، وطعن أبو بكر الأصم فيه فقال : إنه تعالى وصف الكتاب بقوله : { لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } ( الكهف : 49 ) وقال أيضا : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } ( الزلزلة : 7 / 8 ) .
أجاب القاضي عنه : بأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الذنوب والمباح لا صغيرة ولا كبيرة ، وللأصم أن يجيب عن هذا الجواب فيقول : إنكم باصطلاحكم خصصتم الصغيرة بالذنب الصغير ، والكبيرة بالذنب الكيبر ، وهذا مجرد اصطلاح المتكلمين . أما في أصل اللغة فالصغير والكبير يتناولان كل فعل وعرض ، لأنه إن كان حقيرا فهو صغير ، وإن كان غير ذلك فهو كبير ، وعلى هذا التقرير فقوله : { لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } ( الكهف : 49 ) يتناول المباحات أيضا . الثالث : أنه تعالى أراد بالمحو أن من أذنب أثبت ذلك الذنب في ديوانه ، فإذا تاب عنه محى من ديوانه . الرابع : { يمحو الله ما يشاء } وهو من جاء أجله . ويدع من لم يجيء أجله ويثبته . الخامس : أنه تعالى يثبت في أول السنة حكم تلك السنة فإذا مضت السنة محيت ، وأثبت كتاب آخر للمستقبل . السادس : يمحو نور القمر ، ويثبت نور الشمس . السابع : يمحو الدنيا ويثبت الآخرة . الثامن : أنه في الأرزاق والمحن والمصائب يثبتها في الكتاب ثم يزيلها بالدعاء والصدقة ، وفيه حث على الانقطاع إلى الله تعالى . التاسع : تغير أحوال العبد فما مضى منها فهو المحو ، وما حصل وحضر فهو الإثبات . العاشر : يزيل ما يشاء ويثبت ما يشاء من حكمه لا يطلع على غيبه أحدا فهو المنفرد بالحكم كما يشاء ، وهو المستقل بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة والإغناء والإفقار بحيث لا يطلع على تلك الغيوب أحد من خلقه . واعلم أن هذا الباب فيه مجال عظيم . فإن قال قائل : ألستم تزعمون أن المقادير سابقة قد جف بها القلم وليس الأمر بأنف ، فكيف يستقيم مع هذا المعنى المحو والإثبات ؟ / قلنا : ذلك المحو والإثبات أيضا مما جف به القلم فلا يمحو إلا ما سبق في علمه وقضائه محوه . المسألة الخامسة : قالت الرافضة : البداء جائز على الله تعالى ، وهو أن يعتقد شيئا ثم يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده ، وتمسكوا فيه بقوله : { يمحو الله ما يشاء ويثبت } . واعلم أن هذا باطل لأن علم الله من لوازم ذاته المخصوصة ، وما كان كذلك كان دخول التغير والتبدل فيه محالا . المسألة السادسة : أما { أم الكتاب } فالمراد أصل الكتاب ، والعرب تسمي كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أما له ومنه أم الرأس للدماغ ، وأم القرى لمكة ، وكل مدينة فهي أم لما حولها من القرى ، فكذلك أم الكتاب هو الذي يكون أصلا لجميع الكتب ، وفيه قولان : القول الأول : أن أم الكتاب هو اللوح المحفوظ ، وجميع حوادث العالم العلوي والعالم السفلي مثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( كان الله ولا شيء معه ثم خلق اللوح وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى قيام الساعة ) قال المتكلمون : الحكمة فيه أن يظهر للملائكة كونه تعالى عالما بجميع المعلومات على سبيل التفصيل ، وعلى هذا التقدير : فعند الله كتابان : أحدهما : الكتاب الذي يكتبه الملائكة على الخلق وذلك الكتاب محل المحو والإثبات . والكتاب الثاني : هو اللوح المحفوظ ، وهو الكتاب المشتمل على تعين جميع الأحوال العلوية والسفلية ، وهو الباقية . روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن الله سبحانه وتعالى في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره ، فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، وللحكماء في تفسير هذين الكتابين كلمات عجيبة وأسرار غامضة .
والقول الثاني : إن أم الكتاب هو علم الله تعالى ، فإنه تعالى عالم بجميع المعلومات من الموجودات والمعدومات وإن تغيرت ، إلا أن علم الله تعالى بها باق منزه عن التغير ، فالمراد بأم الكتاب هو ذاك . والله أعلم . ! 7 < { وإن ما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب } > 7 < الرعد : ( 40 ) وإما نرينك بعض . . . . . > > اعلم أن المعنى : { وإما نرينك بعض الذى نعدهم } من العذاب : { أو نتوفينك } قبل ذلك ، والمعنى : / سواء أريناك ذلك أو توفيناك قبل ظهوره ، فالواجب عليك تبليغ أحكام الله تعالى وأداء أمانته ورسالته وعلينا الحساب . والبلاغ اسم أقيم مقام التبليغ كالسراج والأداء . ! 7 < { أولم يروا أنا نأتى الا رض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار } > 7 < الرعد : ( 41 - 42 ) أو لم يروا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما وعد رسوله بأن يريه بعض ما وعدوه أو يتوفاه قبل ذلك ، بين في هذه الآية أن آثار حصول تلك المواعيد وعلاماتها قد ظهرت وقويت . وقوله : { أو لم يروا أنا نأتى الارض ننقصها من أطرافها } فيه أقوال : القول الأول : المراد أنا نأتي أرض الكفرة ننقصها من أطرافها وذلك لأن المسلمين يستولون على أطراف مكة ويأخذونها من الكفرة قهرا وجبرا فانتقاص أحوال الكفرة وازدياد قوة المسلمين من أقوى العلامات والأمارات على أن الله تعالى ينجز وعده . ونظيره قوله تعالى : { أفلا يرون أنا نأتى الارض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون } ( الأنبياء : 44 ) وقوله : { سنريهم ءاياتنا فى الافاق } ( فصلت : 53 ) . والقول الثاني : وهو أيضا منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله : { ننقصها من أطرافها } المراد : موت أشرافها وكبرائها وعلمائها وذهاب الصلحاء والأخيار ، وقال الواحدي : وهذا القول وإن احتمله اللفظ إلا أن اللائق بهذا الموضع هو الوجه الأول . ويمكن أن يقال هذا الوجه أيضا لا يليق بهذا الموضع ، وتقريره أن يقال : أولم يروا ما يحدث في الدنيا من الاختلافات خراب بعد عمارة ، وموت بعد حياة ، وذل بعد عز ، ونقص بعد كمال ، وإذا كانت هذه التغيرات مشاهدة محسوسة فما الذي يؤمنهم من أن يقلب الله الأمر على هؤلاء الكفرة فيجعلهم ذليلين بعد أن كانوا عزيزين ، ويجعلهم مقهورين بعد أن كانوا قاهرين ، وعلى هذا الوجه فيحسن اتصال هذا الكلام بما قبله ، وقيل : { ننقصها من أطرافها } بموت أهلها وتخريب ديارهم وبلادهم فهؤلاء الكفرة / كيف أمنوا من أن يحدث فيهم أمثال هذه الوقائع ؟ ثم قال تعالى مؤكدا لهذا المعنى : { والله يحكم لا معقب لحكمه } معناه : لا راد لحكمه ، والمعقب هو الذي يعقبه بالرد والإبطال ، ومنه قيل لصاحب الحق معقب لأنه يعقب غريمه بالاقتضاء والطلب . فإن قيل : ما محل قوله : { لا معقب لحكمه } . قلنا : هو جملة محلها النصب على الحال كأنه قيل : والله يحكم نافذا حكمه خاليا عن المدافع والمعارض والمنازع . ثم قال : { وهو سريع الحساب } قال ابن عباس : يريد سريع الانتقام يعني أن حسابه للمجازاة بالخير والشر يكون سريعا قريبا لا يدفعه دافع . أما قوله : { وقد مكر الذين من قبلهم } يعني أن كفار الأمم الماضية قد مكروا برسلهم وأنبيائهم مثل نمروذ مكر بإبراهيم ، وفرعون مكر بموسى ، واليهود مكروا بعيسى .
ثم قال : { فلله المكر جميعا } قال الواحدي : معناه أن مكر جميع الماكرين له ومنه ، أي هو حاصل بتخليقه وإرادته ، لأنه ثبت أن الله تعالى هو الخالق لجميع أعمال العباد ، وأيضا فذلك المكر لا يضر إلا بإذن الله تعالى ولا يؤثر إلى بتقديره ، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وأمان له من مكرهم ، كأنه قيل له : إذا كان حدوث المكر من الله وتأثيره من الممكور به أيضا من الله وجب أن لا يكون الخوف إلا من الله تعالى وأن لا يكون الرجاء إلا من الله تعالى ، وذهب بعض الناس إلى أن المعنى : فلله جزاء المكر / وذلك لأنهم لما مكروا بالمؤمنين بين الله تعالى أنه يجازيهم على مكرهم . قال الواحدي : والأول أظهر لقولين بدليل قوله : { يعلم ما تكسب كل نفس } يريد أن اكساب العباد بأسرها معلومة لله تعالى وخلاف المعلوم ممتنع الوقوع ، وإذا كان كذلك فكل ما علم الله وقوعه فهو واجب الوقوع ، وكل ما علم الله عدمه كان ممتنع الوقوع ، وإذا كان كذلك فلا قدرة للعبد على الفعل والترك ، فكان الكل من الله تعالى . قالت المعتزلة : الآية الأولى إن دلت على قولكم فالآية الثانية وهي قوله : { يعلم ما تكسب كل نفس } دلت على قولنا ، لأن الكسب هو الفعل المشتمل على دفع مضرة أو جلب منفعة ، ولو كان حدوث الفعل بخلق الله تعالى لم يكن لقدرة العبد فيه أثر ، فوجب أن لا يكون للعبد كسب . وجوابه : أن مذهبنا أن مجموع القدرة مع الداعي مستلزم للفعل وعلى هذا التقدير فالكسب حاصل للعبد . ثم إنه تعالى أكد ذلك التهديد فقال : { وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار } وفيه مسألتان : / المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو : { وسيعلم الكافر } على لفظ المفرد والباقون على الجمع قال صاحب ( الكشاف ) قرىء : ( الكفار ، والكافرون ، والذين كفروا ، والكفر ) أي أهله قرأ جناح بن حبيش : ( وسيعلم الكافر ) من أعلمه أي سيخبر . المسألة الثانية : المراد بالكافر الجنس كقوله تعالى : { إن الإنسان لفى خسر } ( العصر : 2 ) والمعنى : إنهم وإن كانوا جهالا بالعواقب فسيعلمون لمن العاقبة الحميدة ، وذلك كالزجر والتهديد . والقول الثاني : وهو قول عطاء يريد المستهزئين وهم خمسة ، والمقتسمين وهم ثمانية وعشرون . والقول الثالث : وهو قول ابن عباس يريد أبا الجهل . والقول الأول هو الصواب . ! 7 < { ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب } > 7 ! < < الرعد : ( 43 ) ويقول الذين كفروا . . . . . > > اعلم أنه تعالى حكى عن القوم أنهم أنكروا كونه رسولا من عند الله . ثم إنه تعالى احتج عليهم بأمرين : الأول : شهادة الله على نبوته ، والمراد من تلك الشهادة أنه تعالى أظهر المعجزات الدالة على كونه صادقا في ادعاء الرسالة ، وهذا أعلى مراتب الشهادة لأن الشهادة قول يفيد غلبة الظن بأن الأمر كذلك . أما المعجز فإنه فعل مخصوص يوجب القطع بكونه رسولا من عند الله تعالى ، فكان إظهار المعجزة أعظم مراتب الشهادة . والثاني : قوله : { ومن عنده علم الكتاب } وفيه قراءتان : إحداهما : القراءة المشهورة : { ومن عنده } يعني والذي عنده علم الكتاب . والثانية : { ومن عنده علم الكتاب } وكلمة ( من ) ههنا لابتداء الغاية أي ومن عند الله حصل علم الكتاب . أما على القراءة الأولى ففي تفسير الآية أقوال :
القول الأول : أن المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهم : عبد الله بن سلام ، وسلمان الفارسي ، وتميم الداري . ويروى عن سعيد بن جبير : أنه كان يبطل هذا الوجه ويقول : السورة مكية فلا يجوز أن يراد به ابن سلام وأصحابه ، لأنهم آمنوا في المدينة بعد الهجرة . وأجيب عن هذا السؤال بأن قيل : هذه السورة وإن كانت مكية إلا أن هذه الآية / مدنية ، وأيضا فإثبات النبوة بقول الواحد والاثنين مع كونهما غير معصومين عن الكذب لا يجوز ، وهذا السؤال واقع . القول الثاني ؛ أراد بالكتاب القرآن ، أي أن الكتاب الذي جئتكم به معجز قاهر وبرهان باهر ، إلا أنه لا يحصل العلم بكونه معجزا إلا لمن علم ما في هذا الكتاب من الفصاحة والبلاغة ، واشتماله على الغيوب وعلى العلوم الكثيرة . فمن عرف هذا الكتاب على هذا الوجه علم كونه معجزا . فقوله : { ومن عنده علم الكتاب } أي ومن عنده علم القرآن وهو قول الأصم . القول الثالث : ومن عنده علم الكتاب المراد به : الذي حصل عنده علم التوراة والإنجيل ، يعني : أن كل من كان عالما بهذين الكتابين علم اشتمالهما على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم ، فإذا أنصف ذلك العالم ولم يكذب كان شاهدا على أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول حق من عند الله تعالى . القول الرابع : ومن عنده علم الكتاب هو الله تعالى ، وهو قول الحسن ، وسعيد بن جبير ، والزجاج قال الحسن : لا والله ما يعني إلا الله ، والمعنى : كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح إلا هو شهيدا بيني وبينكم ، وقال الزجاج : الأشبه أن الله تعالى لا يستشهد على صحة حكمه بغيره ، وهذا القول مشكل ، لأن عطف الصفة على الموصوف وإن كان جائزا في الجملة إلا أنه خلاف الأصل . لا يقال : شهد بهذا زيد والفقيه ، بل يقال : شهد به زيد الفقيه ، وأما قوله إن الله تعالى لا يستشهد بغيره على صدق حكمه فبعيد ، لأنه لما جاز أن يقسم الله تعالى على صدق قوله بقوله : { والتين والزيتون } ( التين : 1 ) فأي امتناع فيما ذكره الزجاج . وأما القراءة الثانية : وهي قوله : { ومن عنده علم الكتاب } على من الجارة فالمعنى : ومن لدنه علم الكتاب ، لأن أحدا لا يعلم الكتاب إلا من فضله وإحسانه وتعليمه ، ثم على هذه القراءة ففيه أيضا قراءتان : ومن عنده علم الكتاب ، والمراد العلم الذي هو ضد الجهل ، أي هذا العلم إنما حصل من عند الله . والقراءة الثانية : ومن عنده علم الكتاب بضم العين وبكسر اللام وفتح الميم على ما لم يسم فاعله / والمعنى : أنه تعالى لما أمر نبيه أن يحتج عليهم بشهادة الله تعالى على ما ذكرناه ، وكان لا معنى لشهادة الله تعالى على نبوته إلا إظهار القرآن على وفق دعواه ، ولا يعلم كون القرآن معجزا إلا بعد الإحاطة بما في القرآن وأسراره ، بين تعالى أن هذا العلم لا يحصل إلا من عند الله ، والمعنى : أن الوقوف على كون القرآن معجزا لا يحصل إلا إذا شرف الله تعالى ذلك العبد بأن يعلمه علم القرآن . والله تعالى أعلم بالصواب . / تم تفسير هذه السورة يوم الأحد الثامن عشر من شعبان سنة إحدى وستمائة . وأنا ألتمس من كل من نظر في كتابي هذا وانتفع به أن يخص ولدي محمدا بالرحمة والغفران ، وأن يذكرني بالدعاء . وأقول في مرثية ذلك الولد شعرا : أرى معالم هذا العالم الفاني ممزوجة بمخافات وأحزان خيراته مثل أحلام مفزعة وشره في البرايا دائم داني <
> 1 ( سورة إبراهيم ) 1 < > مكية إلا آيتي 28 و 29 فمدنيتان وآياتها 52 نزلت بعد سورة نوح بسم الله الرحمن الرحيم ! 7 < { الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد } > 7 ! < < إبراهيم : ( 1 ) الر كتاب أنزلناه . . . . . > > سورة إبراهيم عليه السلام خمسون وآيتان مكية بسم الله الرحمن الرحيم / اعلم أن الكلام في أن هذه السورة مكية أو مدنية طريقه الآحاد . ومتى لم يكن في السورة ما يتصل بالأحكام الشرعية فنزولها بمكة والمدينة سواء ، وإنما يختلف الغرض في ذلك إذا حصل فيه ناسخ ومنسوخ فيكون فيه فائدة عظيمة وقوله : { الر كتاب } معناه أن السورة المسماة بالر كتاب أنزلناه إليك لغرض كذا وكذا فقوله : { الر } مبتدأ وقوله : { كتاب } خبره وقوله : { أنزلناه إليك } صفة لذلك الخبر وفيه مسائل : المسألة الأولى : دلت هذه الآية على أن القرآن موصوف بكونه منزلا من عند الله تعالى . قالت المعتزلة : النازل والمنزل لا يكون قديما . / وجوابنا : أن الموصوف بالنازل والمنزل هو هذه الحروف وهي محدثة بلا نزاع . المسألة الثانية : قالت المعتزلة : اللام في قوله : { لتخرج الناس } لام الغرض والحكمة ، وهذا يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب لهذا الغرض ، وذلك يدل على أن أفعال الله تعالى وأحكامه معللة برعاية المصالح . أجاب أصحابنا عنه بأن من فعل فعلا لأجل شيء آخر فهذا إنما يفعله لو كان عاجزا عن تحصيل هذا المقصود إلا بهذه الواسطة وذلك في حق الله تعالى محال ، وإذا ثبت بالدليل أن يمتنع تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه بالعلل ثبت أن كل ظاهر أشعر به فإنه مؤول محمول على معنى آخر . المسألة الثالثة : إنما شبه الكفر بالظلمات لأنه نهاية ما يتحير الرجل فيه عن طريق الهداية وشبه الإيمان بالنور لأنه نهاية ما ينجلي به طريق هدايته . المسألة الرابعة : قال القاضي : هذه الآية فيها دلالة على إبطال القول بالجبر من جهات : أحدها : أنه تعالى لو كان يخلق الكفر في الكافر فكيف يصح إخراجه منه بالكتاب . وثانيها : أنه تعالى أضاف الإخراج من الظلمات إلى النور إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فإن كان خالق ذلك الكفر هو الله تعالى فكيف يصح من الرسول عليه الصلاة والسلام إخراجهم منه وكان للكافر أن يقول : إنك تقول : إن الله خلق الكفر فينا فكيف يصح منك أن تخرجنا منه فإن قال لهم : أنا أخرجكم من الظلمات التي هي كفر مستقبل لا واقع ، فلهم أن يقولوا : إن كان تعالى سيخلقه فينا لم يصح ذلك الإخراج وإن لم يخلقه فنحن خارجون منه بلا إخراج . وثالثها : أنه صلى الله عليه وسلم إنما يخرجهم من الكفر بالكتاب بأن يتلوه عليهم ليتدبروه وينظروا فيه فيعلموا بالنظر والاستدلال كونه تعالى عالما قادرا حكيما ويعلموا بكون القرآن معجزة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وحينئذ يقبلوا منه كل ما أداه إليهم من الشرائع ، وذلك لا يصح إلا إذا كان الفعل لهم ويقع باختيارهم ، ويصح منهم أن يقدموا عليه ويتصرفوا فيه .
والجواب عن الكل أن نقول : الفعل الصادر من العبد إما أن يصدر عنه حال استواء الداعي إلى الفعل والترك أو حال رجحان أحد الطرفين على الآخر ، والأول : باطل ، لأن صدور الفعل رجحان لجانب الوجود على جانب العدم ، وحصول الرجحان حال حصول الاستواء محال . والثاني : عين قولنا لأنه يمتنع صدور الفعل عنه إلا بعد حصول الرجحان ، فإن كان ذلك الرجحان منه عاد السؤال ، وإن لم يكن منه بل من الله تعالى ، فحينئذ يكون المؤثر الأول هو الله تعالى وذلك هو المطلوب والله أعلم . / المسألة الخامسة : احتج أصحابنا على صحة قولهم في أن فعل العبد مخلوق لله تعالى بقوله تعالى : { بإذن ربهم } فإن معنى الآية أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكنه إخراج الناس من الظلمات إلى النور إلا بإذن ربهم ، والمراد بهذا الإذن إما الأمر ، وإما العلم ، وإما المشيئة والخلق . وحمل الإذن على الأمر محال ، لأن الإخراج من الجهل إلى العلم لا يتوقف على الأمر ، فإنه سواء حصل الأمر أو لم يحصل ، فإن الجهل متميز عن العلم والباطل متميز عن الحق ، وأيضا حمل الإذن على العلم محال ، لأن العلم يتبع المعلوم على ما هو عليه فالعلم بالخروج من الظلمات إلى النور تابع لذلك الخروج ويمتنع أن يقال إن حصول ذلك الخروج تابع للعلم بحصول ذلك الخروج ولما بطل هذان القسمان لم يبق إلا أن يكون المراد من الإذن المشيئة والتخليق ، وذلك يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكنه إخراج الناس من الظلمات إلى النور إلا بمشيئة الله وتخليقه . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من الإذن الإلطاف . قلنا : لفظ اللطف لفظ مجمل ونحن نفصل القول فيه فنقول : المراد بالإذن إما أن يكون أمرا يقتضي ترجيح جانب الوجود على جانب العدم أو لا يقتضي ذلك ، فإن كان الثاني لم يكن فيه أمر ألبتة ، فامتنع أن يقال : إنه مما حصل بسببه ولأجله فبقي الأول وهو أن المراد من الإذن معنى يقتضي ترجيح جانب الوجود على جانب العدم . وقد دللنا في ( الكتب العقلية ) على أنه متى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب ولا معنى لذلك إلا الداعية الموجبة وهو عين قولنا والله أعلم . المسألة السادسة : القائلون بأن معرفة الله تعالى لا يمكن تحصيلها إلا من تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم والإمام ، احتجوا عليه بهذه الآية وقالوا : إنه تعالى صرح في هذه الآية بأن الرسول هو الذي يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، وذلك يدل على أن معرفة الله تعالى لا تحصل إلا من طريق التعليم . وجوابنا : أن الرسول صلى الله عليه وسلم يكون كالمنبه ، وأما المعرفة فهي إنما تحصل بالدليل والله أعلم . المسألة السابعة : الآية دالة على أن طرق الكفر والبدعة كثيرة وأن طريق الخير ليس إلا الواحد ، لأنه تعالى قال : { لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } فعبر عن الجهل والكفر بالظلمات وهي صيغة جمع وعبر عن الإيمان والهداية بالنور وهو لفظ مفرد ، وذلك يدل على أن طرق الجهل كثيرة ، وأما طريق العلم والإيمان فليس إلا الواحد . المسألة الثامنة : في قوله تعالى : { إلى صراط العزيز الحميد } وجهان الأول : أنه بدل من قوله / إلى النور بتكرير العامل كقوله : { للذين استضعفوا لمن ءامن منهم } . ( الأعراف : 75 ) الثاني : يجوز أن يكون على وجه الاستئناف كأنه قيل : إلى أي نور فقيل : { إلى صراط العزيز الحميد } .
المسألة التاسعة : قالت المعتزلة : الفاعل إنما يكون آتيا بالصواب والصلاح ، تاركا للقبيح والعبث إذا كان قادرا على كل المقدورات عالما بجميع المعلومات غنيا عن كل الحاجات ، فإنه إن لم يكن قادرا على الكل فربما فعل القبيح بسبب العجز ، وإن لم يكن عالما بكل المعلومات فربما فعل القبيح بسبب الجهل ، وإن لم يكن غنيا عن كل الحاجات فربما فعل القبيح بسبب الحاجة ، أما إذا كان قادرا على الكل عالما الكل غنيا عن الكل امتنع منه الإقدام على فعل القبيح ، فقوله : { العزيز } إشارة إلى كمال القدرة ، وقوله : { الحميد } إشارة إلى كونه مستحقا للحمد في كل أفعاله ، وذلك إنما يحصل إذا كان عالما بالكل غنيا عن الكل فثبت بما ذكرنا أن صراط الله إنما كان موصوفا بكونه شريفا رفيعا عاليا لكونه صراطا مستقيما للإله الموصوف بكونه عزيزا حميدا / فلهذا المعنى : وصف الله نفسه بهذين الوصفين في هذا المقام . المسألة العاشرة : إنما قدم ذكر العزيز على ذكر الحميد ، لأن الصحيح أن أول العلم بالله العلم بكونه تعالى قادرا ، ثم بعد ذلك العلم بكونه عالما ، ثم بعد ذلك العلم بكونه غنيا عن الحاجات ، والعزيز هو القادر والحميد هو العالم الغني ، فلما كان العلم بكونه تعالى قادرا متقدما على العلم بكونه عالما بالكل غنيا عن الكل لا جرم قدم الله ذكر العزيز على ذكر الحميد والله أعلم . ! 7 < { الله الذى له ما فى السماوات وما فى الا رض وويل للكافرين من عذاب شديد الذين يستحبون الحيواة الدنيا على الا خرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولائك فى ضلال بعيد } > 7 < إبراهيم : ( 2 - 3 ) الله الذي له . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر { الله } مرفوعا بالابتداء وخبره ما بعده ، وقيل التقدير هو الله والباقون بالجر عطفا على قوله : { العزيز الحميد } وههنا بحث ، وهو أن جماعة من المحققين ذهبوا إلى أن قولنا : الله جار مجرى الإسم العلم لذات الله تعالى وذهب قوم آخرون إلى أن لفظ مشتق / والحق عندنا هو الأول . ويدل عليه وجوه : الأول : أن الاسم المشتق عبارة عن شيء ما حصل له المشتق منه ، فالأسود مفهومه شيء ما حصل له السواد ، والناطق مفهومه شيء ما حصل له النطق ، فلو كان قولنا الله اسما مشتقا من معنى لكان المفهوم منه أنه شيء ما حصل له ذلك المشتق منه ، وهذا المفهوم كلي لا يمتنع من حيث هو هو عن وقوع الشركة فيه ، فلو كان قولنا الله لفظا مشتقا لكان مفهومه صالحا لوقوع الشركة فيه ، ولو كان الأمر كذلك لما كان قولنا لا إله إلا الله موجبا للتوحيد ، لأن المستثنى هو قولنا الله وهو غير مانع من وقوع الشركة فيه ولما اجتمعت الأمة على أن قولنا لا إله إلا الله يوجب التوحيد المحض علمنا أن قولنا الله جار مجرى الاسم العلم . الثاني : أنه كلما أردنا أن نذكر سائر الصفات والأسماء ذكرنا أولا قولنا الله ثم وصفناه بسائر الصفات كقولنا هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس ولا يمكننا أن نعكس الأمر فنقول الرحمن الرحيم الله فعلمنا أن الله هو اسم علم للذات المخصوصة وسائر الألفاظ دالة على الصفات والنعوت . الثالث : أن ما سوى قولنا الله كلها دالة ، إما على الصفات السلبية ، كقولنا : القدوس السلام ، أو على الصفات الإضافية ، كقولنا الخالق الرازق أو على الصفات الحقيقية كقولنا : العالم القادر ، أو على ما يتركب من هذه الثلاثة ، فلو لم يكن قولنا : الله اسما للذات المخصوصة لكان جميع أسماء الله تعالى ألفاظا دالة على صفاته ، ولم يحصل فيها ما يدل على ذاته المخصوصة وذلك بعيد ، لأنه يبعد أن لا يكون له من حيث إنه هو اسم مخصوص . والرابع : قوله تعالى : { هل تعلم له سميا } ( مريم : 65 ) والمراد هل تعلم من اسمه الله غير الله ، وذلك يدل على أن قولنا : الله اسم لذاته المخصوصة ، وإذا ظهرت هذه المقدمة فالترتيب الحسن أن يذكر عقيبه الصفات كقوله تعالى : { هو الله الخالق البارىء المصور } ( الحشر : 24 ) فإما أن يعكس فيقال : هو الخالق المصور البارىء الله ، فذلك غير جائز .
وإذا ثبت هذا فنقول : الذين قرؤا : { الله الذى له ما فى السماوات } بالرفع أرادوا أن يجعلوا قوله : { الله } مبتدأ ويجعلوا ما بعده خبرا عنه وهذا هو الحق الصحيح ، فأما الذين قرؤا : { الله } بالجر عطفا على : { العزيز الحميد } فهو مشكل لما بينا أن الترتيب الحسن أن يقال : الله الخالق . وإما أن يقال : الخالق الله فهذا لا يحسن ، وعند هذا اختلفوا في الجواب على وجوه : الأول : قال أبو عمرو بن العلاء : القراءة بالخفض على التقديم والتأخير ، والتقدير : صراط الله العزيز الحميد الذي له ما في السموات . والثاني : أنه لا يبعد أن يذكر الصفة أولا ثم يذكر الاسم ثم يذكر الصفة مرة أخرى كما يقال : مررت بالإمام الأجل محمد الفقيه وهو بعينه نظير قوله : { صراط العزيز الحميد الله الذى له ما فى السماوات } وتحقيق القول فيه : أنا بينا أن الصراط إنما يكون ممدوحا محمودا إذا كان صراطا للعالم القادر الغني ، والله تعالى عبر عن هذه الأمور الثلاثة بقوله : { العزيز الحميد } ثم لما ذكر هذا المعنى وقعت / الشبهة في أن ذلك العزيز من هو ؟ فعطف عليها قوله : { الله الذى له ما فى السماوات وما في الارض } إزالة لتلك الشبهة . الثالث : قال صاحب ( الكشاف ) : الله عطف بيان للعزيز الحميد ، وتحقيق هذا القول ما قررناه فيما تقدم . الرابع : قد ذكرنا في أول هذا الكتاب أن قولنا الله في أصل الوضع مشتق إلا أنه بالعرف صار جاريا مجرى الإسم العلم فحيث يبدأ بذكره ويعطف عليه سائر الصفات فذلك لأجل أنه جعل اسم علم ، وأما في هذه الآية حيث جعل وصفا للعزيز الحميد ، فذاك لأجل أنه حمل على كونه لفظا مشتقا فلا جرم بقي صفة . الخامس : أن الكفار ربما وصفوا الوثن بكونه عزيزا حميدا فلما قال : { لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد } بقي في خاطر عبدة الأوثان أنه ربما كان ذلك العزيز الحميد هو الوثن ، فأزال الله تعالى هذه الشبهة وقال : { الله الذى له ما فى السماوات وما في الارض } أي المراد من ذلك العزيز الحميد هو الله الذي له ما في السموات وما في الأرض . المسألة الثانية : قوله : { الله الذى له ما فى السماوات وما في الارض } يدل على أنه تعالى غير مختص بجهة العلو ألبتة ، وذلك لأن كل ما سماك وعلاك فهو سماء ، فلو حصل ذات الله تعالى في جهة فوق ، لكان حاصلا في السماء ، وهذه الآية دالة على أن كل ما في السموات فهو ملكه ، فلزم كونه ملكا لنفسه وهو محال ، فدلت هذه الآية على أنه منزه عن الحصول في جهة فوق . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى خالق لأعمال العباد لأنه قال : { له ما في السماوات وما في الارض } وأعمال العباد حاصلة في السموات والأرض فوجب القول بأن أفعال العباد له بمعنى كونها مملوكة له ، والملك عبارة عن القدرة فوجب كونها مقدورة لله تعالى ، وإذا ثبت أنها مقدورة لله تعالى وجب وقوعها بقدرة الله تعالى ، وإلا لكان العبد قد منع الله تعالى من إيقاع مقدوره وذلك محال .
واعلم أن قوله تعالى : { له ما في السماوات وما في الارض } يفيد الحصر والمعنى أن ما في السموات وما في الأرض له لا لغيره وذلك يدل على أنه لا مالك إلا الله ولا حاكم إلا الله ثم إنه تعالى لما ذكر ذلك عطف على الكفار بالوعيد فقال : { وويل للكافرين من عذاب شديد } والمعنى : أنهم لما تركوا عبادة الله تعالى الذي هو المالك للسموات والأرض ولكل ما فيهما إلى عبادة ما لا يملك ضرا ولا نفعا ويخلق ولا يخلق ، ولا إدراك لها ولا فعل ، فالويل ثم الويل لمن كان كذلك ، وإنما خص هؤلاء بالويل ، لأن المعنى يولولون من عذاب شديد ويصيحون منه ويقولون يا ويلاه . ونظيره قوله تعالى : { دعوا هنالك ثبورا } ( الفرقان : 13 ) ثم بين تعالى صفة هؤلاء الكافرين الذين توعدهم بالويل الذي / يفيد أعظم العذاب وذكر من صفاتهم ثلاثة أنواع : الأول : قوله : { الذين يستحبون الحيواة الدنيا على الاخرة } وفيه مسائل : المسألة الأولى : إن شئت جعلت ( الذين ) صفة الكافرين في الآية المتقدمة وإن شئت جعلته مبتدأ وجعلت الخبر قوله : { أولائك } وإن شئت نصبته على الذم . المسألة الثانية : الاستحباب طلب محبة الشيء ، وأقول إن الإنسان قد يحب الشيء ولكنه لا يحب كونه محبا لذلك الشيء ، مثل من يميل طبعه إلى الفسق والفجور ولكنه يكره كونه محبا لهما / أما إذا أحب الشيء وطلب كونه محبا له ، وأحب تلك المحبة فهذا هو نهاية المحبة فقوله : { الذين يستحبون الحيواة الدنيا } يدل على كونهم في نهاية المحبة للحياة الدنيوية ، ولا يكون الإنسان كذلك إلا إذا كان غافلا عن الحياة الأخروية ، وعن معايب هذه الحياة العاجلة ، ومن كان كذلك كان في نهاية الصفات المذمومة ، وذلك لأن هذه الحياة موصوفة بأنواع كثيرة من العيوب . فأحدها : أن بسبب هذه الحياة انفتحت أبواب الآلام والأسقام والغموم والهموم والمخاوف والأحزان . وثانيها : أن هذه اللذات في الحقيقة لا حاصل لها إلا دفع الآلام ، بخلاف اللذات الروحانية فإنها في أنفسها لذات وسعادات . وثالثها : أن سعادات هذه الحياة منغصة بسبب الانقطاع والإنقراض والانقضاء . ورابعها : أنها حقيرة قليلة ، وبالجملة فلا يحب هذه الحياة إلا من كان غافلا عن معايبها وكان غافلا عن فضائل الحياة الروحانية الأخروية ، ولذلك قال تعالى : { والاخرة خير وأبقى } ( الأعلى : 17 ) فهذه الكلمة جامعة لكل ما ذكرناه . المسألة الثالثة : إنما قال : { يستحبون الحيواة الدنيا على الاخرة } لأن فيه إضمارا ، والتقدير : يستحبون الحياة الدنيا ويؤثرونها على الآخرة ، فجمع تعالى بين هذين الوصفين ليتبين بذلك أن الاستحباب للدنيا وحده لا يكون مذموما إلا بعد أن يضاف إليه إيثارها على الآخرة ، فأما من أحبها ليصل بها إلى منافع النفس وإلى خيرات الآخرة فإن ذلك لا يكون مذموما حتى إذا آثرها على آخرته بأن اختار منها ما يضره في آخرته فهذه المحبة هي المحبة المذمومة . النوع الثاني : من الصفات التي وصف الله الكفار بها قوله تعالى : { ويصدون عن سبيل الله } . واعلم أن من كان موصوفا باستحباب الدنيا فهو ضال ، ومن منع الغير من الوصول إلى سبيل الله ودينه فهو مضل ، فالمرتبة الأولى إشارة إلى كونهم ضالين ، وهذه المرتبة الثانية وهي كونهم صادين عن سبيل الله إشارة إلى كونهم مضلين . والنوع الثالث : من تلك الصفات قوله : { ويبغونها عوجا } واعلم أن الإضلال على مرتبتين : المرتبة الأولى : أنه يسعى في صد الغير ومنعه من الوصول إلى المنهج القويم والصراط المستقيم .
/ والمرتبة الثانية : أن يسعى في إلقاء الشكوك والشبهات في المذهب الحق ويحاول تقبيح صفته بكل ما يقدر عليه من الحيل ، وهذا هو النهاية في الضلال والإضلال ، وإليه الإشارة بقوله : { ويبغونها عوجا } قال صاحب ( الكشاف ) الأصل في الكلام أن يقال : ويبغون لها عوجا ، فحذف الجار وأوصل الفعل ، ولما ذكر الله تعالى هذه المراتب الثلاثة لأحوال هؤلاء الكفار قال في صفتهم : { أولئك فى ضلال بعيد } وإنما وصف هذا الضلال بالبعد لوجوه : الوجه الأول : أنا بينا أن أقصى مراتب الضلال هو الذي وصفه الله تعالى في هذه المرتبة فهذه المرتبة في غاية البعد عن طريق الحق ، فإن شرط الضدين أن يكونا في غاية التباعد ، مثل السواد والبياض ، فكذا ههنا الضلال الذي يكون واقعا على هذا الوجه يكون في غاية البعد عن الحق فإنه لا يعقل ضلال أقوى وأكمل من هذا الضلال . والوجه الثاني : أن يكون المراد أنه يبعد ردهم عن طريقة الضلال إلى الهدى ، لأنه قد تمكن ذلك في نفوسهم . والوجه الثالث : أن يكون المراد من الضلال الهلاك ، والتقدير : أولئك في هلاك يطول عليهم فلا ينقطع ، وأراد بالبعد امتداده وزوال انقطاعه . ! 7 < { ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشآء ويهدى من يشآء وهو العزيز الحكيم } > 7 < إبراهيم : ( 4 ) وما أرسلنا من . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر في أول السورة : { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } ( إبراهيم : 1 ) كان هذا إنعاما على الرسول من حيث إنه فوض إليه هذا المنصب العظيم ، وإنعاما أيضا على الخلق من حيث إنه أرسل إليهم من خلصهم من ظلمات الكفر وأرشدهم إلى نور الإيمان ، فذكر في هذه الآية ما يجري مجرى تكميل النعمة والإحسان في الوجهين . أما بالنسبة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ، فلأنه تعالى بين أن سائر الأنبياء كانوا مبعوثين إلى قومهم خاصة ، وأما أنت يا محمد فمبعوث إلى عامة الخلق ، فكان هذا الإنعام في حقك أفضل وأكمل ، وأما بالنسبة إلى عامة الخلق ، فهو أنه تعالى ذكر أنه ما بعث رسولا إلى قوم إلا بلسان أولئك القوم ، فإنه متى / كان الأمر كذلك ، كان فهمهم لأسرار تلك الشريعة ووقوفهم على حقائقها أسهل ، وعن الغلط والخطأ أبعد . فهذا هو وجه النظم . المسألة الثانية : احتج بعض الناس بهذه الآية على أن اللغات اصطلاحية لا توفيقية . قال لأن التوقيف لا يحصل إلا بإرسال الرسل ، وقد دلت هذه الآية على أن إرسال جميع الرسل لا يكون إلا بلغة قومهم ، وذلك يقتضي تقدم حصول اللغات على إرسال الرسل ، وإذا كان كذلك امتنع حصول تلك اللغات بالتوقيف ، فوجب حصولها بالإصطلاح . المسألة الثالثة : زعم طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية أن محمدا رسول الله لكن إلى العرب لا إلى سائر الطوائف ، وتمسكوا بهذه الآية من وجهين : الأول : أن القرآن لما كان نازلا بلغة العرب لم يعرف كونه معجزة بسبب ما فيه من الفصاحة إلا العرب وحينئذ لا يكون القرآن حجة إلا على العرب ، ومن لا يكون عربيا لم يكن القرآن حجة عليه . الثاني : قالوا : إن قوله : { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } ( إبراهيم : 4 ) المراد بذلك اللسان لسان العرب ، وذلك يقتضي أن يقال : إنه ليس له قوم سوى العرب ، وذلك يدل على أنه مبعوث إلى العرب فقط .
والجواب : لم لا يجوز أن يكون المراد من { قومه } أهل بلده ، وليس المراد من { قومه } أهل دعوته . والدليل على عموم الدعوة قوله تعالى : { قل ياأهل أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا } ( الأعراف : 158 ) بل إلى الثقلين ، لأن التحدي كما وقع مع الإنس فقد وقع مع الجن بدليل قوله تعالى : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هاذا القرءان لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } ( الإسراء : 88 ) . المسألة الرابعة : تمسك أصحابنا بقوله تعالى : { فيضل الله من يشاء ويهدى من يشاء } على أن الضلال والهداية من الله تعالى ، والآية صريحة في هذا المعنى . قال الأصحاب : ومما يؤكد هذا المعنى ما روي : أن أبا بكر وعمر أقبلا في جماعة من الناس وقد ارتفعت أصواتهما ، فقال عليه السلام ( ما هذا ) فقال بعضهم : يا رسول الله يقول أبو بكر الحسنات من الله والسيئات من أنفسنا ، ويقول : عمر كلاهما من الله ، وتبع بعضهم أبا بكر وبعضهم عمر ، فتعرف الرسول صلى الله عليه وسلم ما قاله أبو بكر ، وأعرض عنه حتى عرف ذلك في وجهه ، ثم أقبل على عمر فتعرف ما قاله وعرف البشر في وجهه ثم قال : ( أقضي بينكما كما قضى به اسرافيل بين جبريل وميكائيل / قال جبريل مثل مقالتك يا عمر وقال ميكائيل مثل مقالتك يا أبا بكر فقضاء اسرافيل أن القدر كله خيره وشره من الله تعالى وهذا قضائي بينكما ) قالت المعتزلة : هذه الآية لا يمكن اجراؤها على ظاهرها وبيانه من وجوه : الأول : أنه تعالى قال : { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } والمعنى : أنا إنما أرسلنا كل رسول بلسان قومه ليبين لهم تلك التكاليف بلسانهم ، فيكون إدراكهم لذلك البيان أسهل ووقوفهم / على المقصود والغرض أكمل ، وهذا الكلام إنما يصح لو كان مقصود الله تعالى من إرسال الرسل حصول الإيمان للمكلفين ، فأما لو كان مقصوده الإضلال وخلق الكفر فيهم لم يكن ذلك الكلام ملائما لهذا المقصود . والثاني : أنه عليه السلام إذا قال لهم إن الله يخلق الكفر والضلال فيكم ، فلهم أن يقولوا له فما الفائدة في بيانك ، وما المقصود من إرسالك ، وهل يمكننا أن نزيل كفرا خلقه الله تعالى فينا عن أنفسنا وحينئذ تبطل دعوة النبوة وتفسد بعثة الرسل . الثالث : أنه إذا كان الكفر حاصلا بتخليق الله تعالى ومشيئته ، وجب أن يكون الرضا به واجبا لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب ، وذلك لا يقوله عاقل . والرابع : أنا قد دللنا على أن مقدمة هذه الآية وهو قوله : { لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } ( إبراهيم : 1 ) يدل على مذهب العدل ، وأيضا مؤخرة الآية يدل عليه ، وهو قوله : { وهو العزيز الحكيم } فكيف يكون حكيما من كان خالقا للكفر والقبائح ومريدا لها ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل قوله : { فيضل الله من يشاء ويهدى من يشاء } على أنه تعالى يخلق الكفر في العبد ، فوجب المصير إلى التأويل ، وقد استقصينا ما في هذه التأويلات في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ( البقرة : 26 ) ولا بأس بإعادة بعضها ، فالأول : أن المراد بالإضلال : هو الحكم بكونه كافرا ضالا كما يقال : فلان يكفر فلانا ويضلله ، أي يحكم بكونه كافرا ضالا ، والثاني : أن يكون الإضلال عبارة عن الذهاب بهم عن طريق الجنة إلى النار ، والهداية عبارة عن إرشادهم إلى طريق الجنة . والثالث : أنه تعالى لما ترك الضال على إضلاله ولم يتعرض له صار كأنه أضله ، والمهتدي لما أعانه بالألطاف صار كأنه هو الذي هداه . قال صاحب ( الكشاف ) : المراد بالإضلال : التخلية ومنع الألطاف وبالهداية التوفيق واللطف .
والجواب عن قولهم أولا أن قوله تعالى : { ليبين لهم } لا يليق به أن يضلهم . قلنا : قال الفراء : إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر ، فإن كان الفعل الثاني مشاكلا للأول نسقته عليه ، وإن لم يكن مشاكلا له استأنفته ورفعته . ونظيره قوله تعالى : { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله } ( التوبة : 32 ) فقوله : { ويأبى الله } في موضع رفع لا يجوز إلا ذلك ، لأنه لا يحسن أن يقال : يريدون أن يأبى الله ، فلما لم يمكن وضع الثاني موضع الأول بطل العطف ، ونظيره أيضا قوله : { لنبين لكم ونقر فى الارحام } ( الحج : 5 ) ومن ذلك قولهم : أردت أن أزورك فيمنعني المطر بالرفع غير منسوق على ما قبله لما ذكرناه ، ومثله قول الشاعر : يريد أن يعربه فيعجمه إذا عرفت هذا فنقول : ههنا قال تعالى : { ليبين لهم } ثم قال : { فيضل الله من يشاء } ذكر فيضل بالرفع فدل على أنه مذكور على سبيل الاستئناف وأنه غير معطوف على ما قبله ، وأقول تقرير هذا / الكلام من حيث المعنى ، كأنه تعالى قال : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ، ليكون بيانه لهم تلك الشرائع بلسانهم الذي ألفوه واعتادوه / ثم قال ومع أن الأمر كذلك فإنه تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء ، والغرض منه التنبيه على أن تقوية البيان لا توجب حصول الهداية فربما قوي البيان ولا تحصل الهداية وربما ضعف البيان وحصلت الهداية ، وإنما كان الأمر كذلك لأجل أن الهداية والضلال لا يحصلان إلا من الله تعالى . أما قوله ثانيا : لو كان الضلال حاصلا بخلق الله تعالى لكان الكافر أن يقول له : ما الفائدة في بيانك ودعوتك ؟ فنقول : يعارضه أن الخصم يسلم أن هذه الآيات أخبار عن كونه ضالا فيقول له الكافر : لما أخبر إلهك عن كوني كافرا فإن آمنت صار إلهك كاذبا فهل أقدر على جعل إلهك كاذبا ، وهل أقدر على جعل علمه جهلا . وإذا لم أقدر عليه فكيف يأمرني بهذا الإيمان ، فثبت أن هذا السؤال الذي أورده الخصم علينا هو أيضا وارد عليه . وأما قوله ثالثا : يلزم أن يكون الرضا بالكفر واجبا ، لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . قلنا : ويلزمك أيضا على مذهبك أنه يجب على العبد السعي في تكذيب الله وفي تجهيله ، وهذا أشد استحالة مما ألزمته علينا ، لأنه تعالى لما أخبر عن كفره وعلم كفره فإزالة الكفر عنه يستلزم قلب علمه جهلا وخبره الصدق كذبا . وأما قوله رابعا : إن مقدمة الآية وهي قوله تعالى : { لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } ( إبراهيم : 1 ) يدل على صحة الاعتزال فنقول : قد ذكرنا أن قوله : { بإذن ربهم } يدل على صحة مذهب أهل السنة . وأما قوله خامسا : أنه تعالى وصف نفسه في آخر الآية بكونه حكيما وذلك ينافي كونه تعالى خالقا للكفر مريدا له . فنقول : وقد وصف نفسه بكونه عزيزا والعزيز هو الغالب القاهر فلو أراد الإيمان من الكافر مع أنه لا يحصل أو أراد عمل الكفر منهم ، وقد حصل لما بقي عزيزا غالبا . فثبت أن الوجوه التي ذكروها ضعيفة ، وأما التأويلات الثلاثة التي ذكروها فقد مر إبطالها في هذا الكتاب مرارا فلا فائدة في الإعادة .
! 7 < { ولقد أرسلنا موسى بأاياتنآ أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن فى ذالك لآيات لكل صبار شكور وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من ءال فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم وفى ذالكم بلاء من ربكم عظيم } > 7 < إبراهيم : ( 5 - 6 ) ولقد أرسلنا موسى . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بين أنه إنما أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور ، وذكر كمال إنعامه عليه وعلى قومه في ذلك الإرسال وفي تلك البعثة ، أتبع ذلك بشرح بعثة سائر الأنبياء إلى أقوامهم وكيفية معاملة أقوامهم معهم تصبيرا للرسول عليه السلام على أذى قومه وإرشادا له إلى كيفية مكالمتهم ومعاملتهم فذكر تعالى على العادة المألوفة قصص بعض الأنبياء عليهم السلام فبدأ بذكر قصة موسى عليه السلام ، فقال : { ولقد أرسلنا موسى بئاياتنا } قال الأصم : آيات موسى عليه السلام هي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم وفلق البحر وانفجار العيون من الحجر وإظلال الجبل وإنزال المن والسلوى . وقال الجبائي : أرسل الله تعالى موسى عليه السلام إلى قومه من بني إسرائيل بآياته وهي دلالاته وكتبه المنزلة عليه ، وأمره أن يبين لهم الدين . وقال أبو مسلم الأصفهاني : إنه تعالى قال في صفة محمد صلى الله عليه وسلم : { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } ( إبراهيم : 1 ) وقال في حق موسى عليه السلام : { أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور } والمقصود : بيان أن المقصود من البعثة واحد في حق جميع الأنبياء عليهم السلام ، وهو أن يسعوا في إخراج الخلق من ظلمات الضلالات إلى أنوار الهدايات . المسألة الثانية : قال الزجاج : قوله : { أن أخرج قومك } أي بأن أخرج قومك . ثم قال : { ءان } ههنا تصلح أن تكون مفسرة بمعنى أي ، ويكون المعنى : ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أي أخرج قومك ، كأن المعنى قلنا له : أخرج قومك . ومثله قوله : { وانطلق الملا منهم أن امشوا } ( ص: 6 ) أي أمشوا ، والتأويل قيل لهم : امشوا ، وتصلح أيضا أن تكون المخففة التي هي للخبر ، والمعنى : أرسلناه بأن يخرج قومه إلا أن الجار حذف ووصلت ( أن ) بلفظ الأمر ، ونظيره قولك : كتبت إليه أن قم وأمرته أن قم ، ثم إن الزجاج حكى هذين القولين عن سيبويه . / أما قوله : { وذكرهم بأيام الله } فاعلم أنه تعالى أمر موسى عليه السلام في هذا المقام بشيئين : أحدهما : أن يخرجهم من ظلمات الكفر ، والثاني : أن يذكرهم بأيام الله ، وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال الواحدي : أيام جمع يوم ، واليوم هو مقدار المدة من طلوع الشمس إلى غروبها ، وكانت الأيام في الأصل أيوام فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون ، فأدغمت إحداهما في الأخرى وغلبت الياء . المسألة الثانية : أنه يعبر بالأيام عن الوقائع العظيمة التي وقعت فيها . يقال : فلان عالم بأيام العرب ويريد وقائعها وفي المثل من ير يوما ير له معناه من رؤي في يوم مسرورا بمصرع غيره ير في يوم آخر حزينا بمصرع نفسه وقال تعالى : { وتلك الايام نداولها بين الناس } ( آل عمران : 140 ) .
إذا عرفت هذا ، فالمعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد / فالترغيب والوعد أن يذكرهم ما أنعم الله عليهم وعلى من قبلهم ممن آمن بالرسل في سائر ما سلف من الأيام ، والترهيب والوعيد : أن يذكرهم بأس الله وعذابه وانتقامه ممن كذب الرسل ممن سلف من الأمم فيما سلف من الأيام ، مثل ما نزل بعاد وثمود وغيرهم من العذاب ، ليرغبوا في الوعد فيصدقوا ويجذروا من الوعيد فيتركوا التكذيب . واعلم أن أيام الله في حق موسى عليه السلام منها ما كان أيام المحنة والبلاء وهي الأيام التي كانت بنو إسرائيل فيها تحت قهر فرعون ومنها ما كان أيام الراحة والنعماء مثل إنزال المن والسلوى وانفلاق البحر وتظليل الغمام . ثم قال تعالى : { إن فى ذالك لآيات لكل صبار شكور } والمعنى أن في ذلك التذكير والتنبيه دلائل لمن كان صبارا شكورا ، لأن الحال إما أن يكون حال محنة وبلية أو حال منحة وعطية فإن كان الأول ، كان المؤمن صبارا ، وإن كان الثاني كان شكورا . وهذا تنبيه على أن المؤمن يجب أن لا يخلو زمانه عن أحد هذين الأمرين فإن جرى الوقت على ما يلائم طبعه ويوافق إرادته كان مشغولا بالشكر ، وإن جرى ما لا يلائم طبعه كان مشغولا بالصبر . فإن قيل : إن ذلك التذكيرات آيات للكل فلماذا خص الصبار الشكور بها ؟ قلنا : فيه وجوه : الأول : أنهم لما كانوا هم المنتفعون بتلك الآيات صارت كأنها ليست آيات إلا لهم كما في قوله : { هدى للمتقين } وقوله : { إنما أنت منذر من يخشاها } . والثاني : لا يبعد أن يقال : الانتفاع بهذا النوع من التذكير لا يمكن حصوله إلا لمن كان صابرا أو شاكرا ، أما الذي لا يكون كذلك لم ينتفع بهذه الآيات . / واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أمر موسى عليه السلام بأن يذكرهم بأيام الله تعالى ، حكى عن موسى عليه السلام أنه ذكرهم بها فقال : { وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من ءال فرعون يسومونكم سوء العذاب } فقوله : { إذ أنجاكم } ظرف للنعمة بمعنى الأنعام ، أي اذكروا إنعام الله عليكم في ذلك الوقت . بقي في الآية سؤالات : السؤال الأول : ذكر في سورة البقرة : { يذبحون } ( البقرة : 49 ) وفي سورة الأعراف : { يقتلون } ( الأعراف : 41 ) وههنا { ويذبحون } مع الواو فما الفرق ؟ والجواب : قال تعالى في سورة البقرة : { يذبحون } بغير واو لأنه تفسير لقوله : { سوء العذاب } وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو تقول : أتاني القوم زيد وعمرو . لأنك أردت أن تفسر القوم بهما ومثله قوله تعالى : { ومن يفعل ذالك يلق أثاما يضاعف له العذاب } ( الفرقان : 68 ، 69 ) فالآثام لما صار مفسرا بمضاعفة العذاب لا جرم حذف عنه الواو ، أما في هذه السورة فقد أدخل الواو فيه ، لأن المعنى أنهم يعذبونهم بغير التذبيح وبالتذبيح أيضا فقوله : { ويذبحون } نوع آخر من العذاب لا أنه تفسير لما قبله . السؤال الثاني : كيف كان فعل آل فرعون بلاء من ربهم ؟ والجواب من وجهين : أحدهما : أن تمكين الله إياهم حتى فعلوا ما فعلوا كان بلاء من الله . والثاني : وهو أن ذلك إشارة إلى الإنجاء ، وهو بلاء عظيم ، والبلاء هو الابتلاء ، وذلك قد يكون بالنعمة تارة ، وبالمحنة أخرى ، قال تعالى : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } ( الأنبياء : 35 ) وهذا الوجه أولى لأنه يوافق صدر الآية وهو قوله تعالى : { وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم } .
السؤال الثالث : هب أن تذبيح الأبناء كان بلاء ، أما استحياء النساء كيف يكون بلاء . الجواب : كانوا يستخدمونهن بالاستحياء في الخلاص منه نعمة / وأيضا إبقاؤهن منفردات عن الرجال فيه أعظم المضار . ! 7 < { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابى لشديد } > 7 ! < < إبراهيم : ( 7 ) وإذ تأذن ربكم . . . . . > > اعلم أن قوله : { وإذ تأذن ربكم } من جملة ما قال موسى لقومه كأنه قيل : وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذن ربكم ، ومعنى { تأذن } أذن ربكم . ونظير تأذن وآذن توعد وأوعد وتفضل وأفضل ، ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل ، كأنه قيل : وإذ آذن ربكم إيذانا بليغا ينتفي عنده الشكوك ، وتنزاح الشبهة ، والمعنى : وإذ تأذن ربكم . فقال : { لئن شكرتم } / فأجرى { تأذن } مجرى قال لأنه ضرب من القول ، وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه : { وإذ قال ربك لئن شكرتم } . واعلم أن المقصود من الآية بيان أن من اشتغل بشكر نعم الله زاده الله من نعمه ، ولا بد ههنا من معرفة حقيقة الشكر ومن البحث عن تلك النعم الزائدة الحاصلة عن الاشتغال بالشكر ، أما الشكر فهو عبارة عن الاعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه وتوطين النفس على هذه الطريقة ، وأما الزيادة في النعم فهي أقسام : منها النعم الروحانية ، ومنها النعم الجسمانية ، أما النعم الروحانية فهي أن الشاكر يكون أبدا في مطالعة أقسام نعم الله تعالى وأنواع فضله وكرمه ، ومن كثر إحسانه إلى الرجل أحبه الرجل لا محالة ، فشغل النفس بمطالعة أنواع فضل الله وإحسانه يوجب تأكد محبة العبد لله تعالى ، ومقام المحبة أعلى مقامات الصديقين ، ثم قد يترقى العبد من تلك الحالة إلى أن يصير حبه للمنعم شاغلا له عن الالتفات إلى النعمة ، ولا شك أن منبع السعادات وعنوان كل الخيرات محبة الله تعالى ومعرفته ، فثبت أن الاشتغال بالشكر يوجب مزيد النعم الروحانية ، وأما مزيد النعم الجسمانية ، فلأن الاستقراء دل على أن من كان اشتغاله بشكر نعم الله أكثر ، كان وصول نعم الله إليه أكثر ، وبالجملة فالشكر إنما حسن موقعه ، لأنه اشتغال بمعرفة المعبود وكل مقام حرك العبد من عالم الغرور إلى عالم القدس ، فهو المقام الشريف العالي الذي يوجب السعادة في الدين والدنيا . وأما قوله : { ولئن كفرتم إن عذابى لشديد } فالمراد منه الكفران ، لا الكفر ، لأن الكفر المذكور في مقابلة الشكر ليس إلا الكفران ، والسبب فيه أن كفران النعمة لا يحصل إلا عند الجهل بكون تلك النعمة نعمة من الله ، والجاهل بها جاهل بالله ، والجهل بالله من أعظم أنواع العقاب والعذاب وأيضا فههنا دقيقة أخرى وهي أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فوجوده إنما يحصل بإيجاد الواجب لذاته ، وعدمه إنما يحصل بإعدام الواجب لذاته ، وإذا كان كذلك فكل ما سوى الحق فهو منقاد للحق مطواع له ، وإذا كانت الممكنات بأسرها منقادة للحق سبحانه فكل قلب حضر فيه نور معرفة الحق وشرف جلاله ، انقاد لصاحب ذلك القلب ما سواه ، لأن حضور ذلك النور في قلبه يستخدم كل ما سواه بالطبع ، وإذا خلا القلب عن ذلك النور ضعف وصار خسيسا فيستخدمه كل ما سواه ويستحقره كل ما يغايره فبهذا الطريق الذوقي يحصل العلم بأن الاشتغال بمعرفة الحق يوجب انفتاح أبواب الخيرات في الدنيا والآخرة ، وأما الإعراض عن معرفة الحق بالاشتغال بمجرد الجسمانيات يوجب انفتاح أبواب الآفات والمخافات في الدنيا والآخرة .
! 7 < { وقال موسىإن تكفروا أنتم ومن فى الا رض جميعا فإن الله لغنى حميد ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جآءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم فىأفواههم وقالوا إنا كفرنا بمآ أرسلتم به وإنا لفى شك مما تدعوننآ إليه مريب } > 7 < إبراهيم : ( 8 - 9 ) وقال موسى إن . . . . . > > /اعلم أن موسى عليه السلام لما بين أن الاشتغال بالشكر يوجب تزايد الخيرات في الدنيا وفي الآخرة ، والاشتغال بكفران النعم يوجب العذاب الشديد ، وحصول الآفات في الدنيا والآخرة ، بين بعده أن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود إلا إلى صاحب الشكر وصاحب الكفران أما المعبود والمشكور فإنه متعال عن أن ينتفع بالشكر أو يستضر بالكفران ، فلا جرم قال تعالى : { وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن فى الارض جميعا فإن الله لغنى حميد } والغرض منه بيان أنه تعالى إنما أمر بهذه الطاعات لمنافع عائدة إلى العابد لا لمنافع عائدة إلى المعبود ، والذي يدل على أن الأمر كذلك ما ذكره الله في قوله : { إن الله لغنى } وتفسيره أنه واجب الوجود لذاته واجب الوجود بحسب جميع صفاته واعتباراته ، فإنه لو لم يكن واجب الوجود لذاته ، لافتقر رجحان وجوده على عدمه إلى مرجح فلم يكن غنيا ، وقد فرضناه غنيا هذا خلف ، فثبت أن كونه غنيا يوجب كونه واجب الوجود في ذاته ، وإذا ثبت أنه واجب الوجود لذاته ، كان أيضا واجب الوجود بحسب جميع كمالاته ، إذ لو لم تكن ذاته كافية في حصول ذلك الكمال ، لافتقر في حصول ذلك الكمال إلى سبب منفصل ، فحينئذ لا يكون غنيا ، وقد فرضناه غنيا هذا خلف ، فثبت أن ذاته كافية في حصول جميع كمالاته ، وإذا كان الأمر كذلك كان حميدا لذاته ، لأنه لا معنى للحميد إلا الذي استحق الحمد ، فثبت بهذا التقرير الذي ذكرناه أن كونه غنيا حميدا يقتضي أن لا يزداد بشكر الشاكرين ، ولا ينتقص بكفران الكافرين ، فلهذا المعنى قال : { إن تكفروا أنتم ومن فى الارض جميعا فإن الله لغنى حميد } وهذه المعاني من لطائف الأسرار . / واعلم أن قولنا : { إن تكفروا أنتم ومن فى الارض جميعا } سواء حمل على الكفر الذي يقابل الإيمان أو على الكفران الذي يقابل الشكر ، فالمعنى لا يتفاوت ألبتة ، فإنه تعالى غني عن العالمين في كمالاته وفي جميع نعوت كبريائه وجلاله . ثم إنه تعالى قال : { ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود } وذكر أبو مسلم الأصفهاني أنه يحتمل أن يكون ذلك خطابا من موسى عليه السلام لقومه والمقصود منه أنه عليه السلام كان يخوفهم بمثل هلاك من تقدم ، ويجوز أن يكون مخاطبة من الله تعالى على لسان موسى لقومه يذكرهم أمر القرون الأولى ، والمقصود إنما هو حصول العبرة بأحوال المتقدمين ، وهذا المقصود حاصل على التقديرين إلا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه اتبداء مخاطبة لقوم الرسول صلى الله عليه وسلم . واعلم أنه تعالى ذكر أقواما ثلاثة ، وهم : قوم نوح وعاد وثمود . ثم قال تعالى : { والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله } وذكر صاحب ( الكشاف ) فيه احتمالين : الأول : أن يكون قوله : { والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله } جملة من مبتدأ وخبر وقعت اعتراضا . والثاني : أن يقال قوله : { والذين من بعدهم } معطوف على قوم نوح وعاد وثمود وقوله : { لا يعلمهم إلا الله } فيه قولان : القول الأول : أن يكون المراد لا يعلم كنه مقاديرهم إلا الله ، لأن المذكور في القرآن جملة فأما ذكر العدد والعمر والكيفية والكمية فغير حاصل .
والقول الثاني : أن المراد ذكر أقوام ما بلغنا أخبارهم أصلا كذبوا رسلا لم نعرفهم أصلا ، ولا يعلمهم إلا الله والقائلون بهذا القول الثاني طعنوا في قول من يصل الأنساب إلى آدم عليه السلام كان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله علمها عن العباد ، وعن ابن عباس : بين عدنان وبين إسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { وقرونا بين ذالك كثيرا } ( الفرقان : 38 ) وقوله : { منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك } ( عافر : 78 ) وعن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان في انتسابه لا يجاوز معد بن عدنان بن أدد . وقال : ( تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم وتعلموا من النجوم ما تستدلون به على الطريق ) قال القاضي : وعلى هذا الوجه لا يمكن القطع على مقدار السنين من لدن آدم عليه السلام إلى هذا الوقت ، لأنه إن أمكن ذلك لم يبعد أيضا تحصيل العلم بالأنساب الموصولة . فإن قيل : أي القولين أولى ؟ قلنا : القول الثاني عندي أقرب ، لأن قوله تعالى : { لا يعلمهم إلا الله } نفى العلم بهم ، وذلك يقتضي / نفي العلم بذواتهم إذ لو كانت ذواتهم معلومة ، وكان المجهول هو مدد أعمارهم وكيفية صفاتهم لما صح نفي العلم بذواتهم ، ولما كان ظاهر الآية دليلا على نفي العلم بذواتهم لا جرم كان الأقرب هو القول الثاني ، ثم إنه تعالى حكى عن هؤلاء الأقوام الذين تقدم ذكرهم أنه لما جاءتهم رسلهم بالبينات والمعجزات أتوا بأمور : أولها : قوله : { فردوا أيديهم فى أفواههم } وفي معناه قولان : الأول : أن المراد باليد والفم الخارجتان المعلومتان ، والثاني : أن المراد بهما شيء غير هاتين الجارحتين وإنما ذكرهما مجازا وتوسعا . أما من قال بالقول الأول ففيه ثلاثة أوجه : الوجه الأول : أن يكون الضمير في { أيديهم } و { أفواههم } عائدا إلى الكفار ، وعلى هذا ففيه احتمالات : الأول : أن الكفار ردوا أيديهم في أفواههم فعضوها من الغيظ والضجر من شدة نفرتهم عن رؤية الرسل واستماع كلامهم ، ونظيره قوله تعالى : { عضوا عليكم الانامل من الغيظ } ( آل عمران : 119 ) وهذا القول مروي عن ابن عباس وابن مسعود رحمهما الله تعالى ، وهو اختيار القاضي . والثاني : أنهم لما سمعوا كلام الأنبياء عجبوا منه وضحكوا على سبيل السخرية ، فعند ذلك ردوا أيديهم في أفواههم كما يفعل ذلك من غلبة الضحك فوضع يده على فيه ، والثالث : أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء أن كفوا عن هذا الكلام واسكتوا عن ذكر هذا الحديث ، وهذا مروي عن الكلبي . والرابع : أنهم أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وإلى ما تكلموا به من قولهم إنا كفرنا بما أرسلتم به ، أي هذا هو الجواب عندنا عما ذكرتموه ، وليس عندنا غيره إقناطا لهم من التصديق ألا ترى إلى قوله : { فردوا أيديهم فى أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به } . الوجه الثاني : أن يكون الضميران راجعين إلى الرسل عليهم السلام وفيه وجهان : الأول : أن الكفار أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم . الثاني : أن الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيدي أنفسهم على أفواه أنفسهم فإن من ذكر كلاما عند قوم وأنكروه وخافهم / فذلك المتكلم ربما وضع يد نفسه على فم نفسه وغرضه أن يعرفهم أنه لا يعود إلى ذلك الكرم ألبتة .
Sorular
- Tevhid nedir; Müslümanların Allah'ın birliğine imanı?
- İslam'da imanın altı şartı nedir?
- Müslümanlar peygamberler hakkında neye inanır?
- İslam helal ve haram yiyecekler hakkında ne öğretir?
- Fâtiha Sûresi'nin anlamı nedir?
- Kur'an sabır hakkında ne öğretir?
- Kur'an hayatın amacı hakkında ne der?
- İhlas nedir ve neden önemlidir?