Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bölüm V19/P070–V19/P071

الوجه الثالث : أن يكون الضمير في أيديهم يرجع إلى الكفار وفي الأفواه إلى الرسل وفيه وجهان : الأول : أن الكفار لما سمعوا وعظ الأنبياء عليهم السلام ونصائحهم وكلامهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل تكذيبا لهم وردا عليهم . والثاني : أن الكفار وضعوا أيديهم على أفواه الأنبياء عليهم السلام منعا لهم من الكلام ، ومن بالغ في منع غيره من الكلام فقد يفعل به ذلك . أما على القول الثاني : وهو أن ذكر اليد والفم توسع ومجاز ففيه وجوه : / الوجه الأول : قال أبو مسلم الأصفهاني : المراد باليد ما نطقت به الرسل من الحجج وذلك لأن اسماع الحجة انعام عظيم والإنعام يسمى يدا . يقال لفلان عندي يد إذا أولاه معروفا ، وقد يذكر اليد . المراد منها صفقة البيع والعقد كقوله تعالى : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم } ( الفتح : 10 ) فالبينات التي كان الأنبياء عليهم السلام يذكرونها ويقررونها نعم وأياد ، وأيضا العهود التي كانوا يأتون بها مع القوم أيادي وجمع اليد في العدد القليل هو الأيدي وفي العدد الكثير هو الأيادي ، فثبت أن بيانات الأنبياء عليهم السلام وعهودهم صح تسميتها بالأيدي ، وإذا كانت النصائح والعهود إنما تظهر من الفم فإذا لم تقبل صارت مردودة إلى حيث جاءت ، ونظيره قوله تعالى : { إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم } ( النور : 15 ) فلما كان القبول تلقيا بالأفواه عن الأفواه كان الدفع ردا في الأفواه ، فهذا تمام كلام أبي مسلم في تقرير هذا الوجه . الوجه الثاني : نقل محمد بن جرير عن بعضهم أن معنى قوله : { فردوا أيديهم فى أفواههم } أنهم سكتوا عن الجواب يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب ، رد يده في فيه وتقول العرب كلمت فلانا في حاجة فرد يده في فيه إذا سكت عنه فلم يجب ، ثم إنه زيف هذا الوجه وقال : إنهم أجابوا بالتكذيب لأنهم قالوا : { إنا كفرنا بما أرسلتم به } . الوجه الثالث : المراد من الأيدي نعم الله تعالى على ظاهرهم وباطنهم ولما كذبوا الأنبياء فقد عرضوا تلك النعم للإزالة والإبطال فقوله : { ردوا أيديهم فى أفواههم } أي ردوا نعم الله تعالى عن أنفسهم بالكلمات التي صدرت عن أفواههم ولا يبعد حمل ( في ) على معنى الباء لأن حروف الجر لا يمتنع إقامة بعضها مقام بعض . النوع الثاني : من الأشياء التي حكاها الله تعالى عن الكفار قولهم : { إنا كفرنا بما أرسلتم به } والمعنى : إنا كفرنا بما زعمتم أن الله أرسلكم فيه لأنهم ما أقروا بأنهم أرسلوا . واعلم أن المرتبة الأولى هو أنهم سكتوا عن قبول قول الأنبياء عليهم السلام وحاولوا اسكات الأنبياء عن تلك الدعوى ، وهذه المرتبة الثانية أنهم صرحوا بكونهم كافرين بتلك البعثة . والنوع الثالث : قولهم : { وإنا لفى شك مما تدعوننا إليه مريب } قال صاحب ( الكشاف ) : وقرىء { تدعونا } بادغام النون { مريب } موقع في الريبة أو ذي ريبة من أرابه ، والريبة قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الأمر . فإن قيل : لما ذكروا في المرتبة الثانية أنهم كافرون برسالتهم كيف ذكروا بعد ذلك كونهم شاكين مرتابين في صحة قولهم ؟ / قلنا : كأنهم قالوا إما أن نكون كافرين برسالتكم أو أن ندع هذا الجزم واليقين فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم ، وعلى التقديرين فلا سبيل إلى الاعتراف بنبوتكم والله أعلم . ! 7 < { قالت رسلهم أفى الله شك فاطر السماوات والا رض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلىأجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ءابآؤنا فأتونا بسلطان مبين } > 7 ! < <

Bölüm V19/P071–V19/P072

إبراهيم : ( 10 ) قالت رسلهم أفي . . . . . > > اعلم أن أولئك الكفار لما قالوا للرسل { وإنا لفى شك مما تدعوننا إليه مريب } ( إبراهيم : 9 ) . قالت رسلهم : وهل تشكون في الله ، وفي كونه فاطر السموات والأرض وفاطرا لأنفسنا وأرواحنا وأرزاقنا وجميع مصالحنا وإنا لا ندعوكم إلا إلى عبادة هذا الإله المنعم ولا نمنعكم إلا عن عبادة غيره وهذه المعاني يشهد صريح العقل بصحتها ، فكيف قلتم : وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ؟ وهذا النظم في غاية الحسن . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : { أفى الله شك } استفهام على سبيل الإنكار ، فلما ذكر هذا المعنى أردفه بالدلالة الدالة على وجود الصانع المختار ، وهو قوله : { فاطر السماوات والارض } وقد ذكرنا في هذا الكتاب أن وجود السموات والأرض كيف يدل على احتياجه إلى الصانع المختار الحكيم مرارا وأطوارا فلا نعيدها ههنا . المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : أدخلت همزة الإنكار على الظرف ، لأن الكلام ليس في الشك إنما هو في أن وجود الله تعالى لا يحتمل الشك ، وأقول من الناس من ذهب إلى أنه قبل الوقوف على الدلائل الدقيقة فالفطرة شاهدة بوجود الصانع المختار ، ويدل على أن الفطرة الأولية شاهدة بذلك وجوه : الوجه الأول : قال بعض العقلاء : إن من لطم على وجه صبي لطمة فتلك اللطمة تدل على وجوب الصانع وعلى حصول التكليف وعلى وجوب دار الجزاء وعلى وجوب النبي ، أما دلالتها على وجود الصانع المختار ، فلأن الصبي العاقل إذا وقعت اللطمة على وجهه يصيح ويقول : من الذي ضربني وما ذاك إلا أن شهادة فطرته تدل على أن اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل فعلها ، ولأجل مختار أدخلها في الوجود فلما شهدت الفطرة الأصلية بافتقار ذلك الحادث مع قلته وحقارته إلى الفاعل فبأن تشهد بافتقار جميع حوادث العالم إلى الفاعل كان أولى ، وأما دلالتها على وجوب التكليف ، فلأن ذلك الصبي ينادي ويصيح ويقول : لم ضربني ذلك الضارب ؟ وهذا يدل على أن فطرته شهدت بأن الأفعال الإنسانية داخلة تحت الأمر والنهي ومندرجة تحت التكليف ، وأن الإنسان ما خلق حتى يفعل أي فعل شاء واشتهى ، وأما دلالتها على وجوب حصول دار الجزاء فهو أن ذلك الصبي يطلب الجزاء على تلك اللطمة وما دام يمكنه طلب ذلك الجزاء فإنه لا يتركه فلما شهدت الفطرة الأصلية بوجوب الجزاء على ذلك العمل القليل فبأن تشهد على وجوب الجزاء على جميع الأعمال كان أولى ، وأما دلالتها على وجوب النبوة فلأنهم يحتاجون إلى إنسان يبين لهم أن العقوبة الواجبة على ذلك القدر من الجناية كم هي ولا معنى للنبي إلا الإنسان الذي يقدر هذه الأمور ويبين لهم هذه الأحكام ، فثبت أن فطرة العقل حاكمة بأن الإنسان لا بد له من هذه الأمور الأربعة . الوجه الثاني : في التنبيه على أن الإقرار بوجود الصانع بديهي هو أن الفطرة شاهد بأن حدوث دار منقوشة بالنقوش العجيبة ، مبنية على التركيبات اللطيفة الموافقة للحكم والمصلحة يستحيل إلا عند وجود نقاش عالم ، وبان حكيم ، ومعلوم أن آثار الحكمة في العالم العلوي والسفلي أكثر من آثار الحكمة في تلك الدار المختصرة فلما شهدت الفطرة الأصلية بافتقار النقش إلى النقاش ، والبناء إلى الباني ، فبأن تشهد بافتقار كل هذا العالم إلى الفاعل المختار الحكيم كان أولى . الوجه الثالث : أن الإنسان إذا وقع في محنة شديدة وبلية قوية لا يبقى في ظنه رجاء المعاونة من أحد ، فكأنه بأصل خلفته ومقضتى جبلته يتضرع إلى من يخلصه منها ويخرجه عن علائقها وحبائلها وما ذاك إلا شهادة الفطرة بالإفتقار إلى الصانع المدبر .

Bölüm V19/P072–V19/P073

الوجه الرابع : أن الموجود إما أن يكون غنيا عن المؤثر أو لا يكون ، فإن كان غنيا عن المؤثر فهو الموجود الواجب لذاته ، فإنه لا معنى للواجب لذاته إلا الموجود الذي لا حاجة به إلى غيره . وإن لم يكن غنيا عن المؤثر فهو محتاج ، والمحتاج لا بد له من المحتاج إليه وذلك هو الصانع المختار . / الوجه الخامس : أن الاعتراف بوجود الإله المختار المكلف ، وبوجود المعاد أحوط ، فوجب المصير إليه فهذه مراتب أربعة : أولها : أن الإقرار بوجود الإله أحوط ، لأنه لو لم يكن موجودا فلا ضرر في الإقرار بوجوده وإن كان موجودا ففي إنكاره أعظم المضار . وثانيها : الإقرار بكونه فاعلا مختارا لأنه لو كان موجبا فلا ضرر في الإقرار بكونه مختارا . أما لو كان مختارا ففي إنكار كونه مختارا أعظم المضار . وثالثها : الإقرار بأنه كلف عباده ، لأنه لو لم يكلف أحدا من عبيده شيئا فلا ضرر في اعتقاد أنه كلف العباد ، أما إنه لو كلف ففي إنكار تلك التكاليف أعظم المضار . ورابعها : الإقرار بوجود المعاد فإنه إن كان الحق أنه لا معاد فلا ضرر في الإقرار بوجوده ، لأنه لا يفوت إلا هذه اللذات الجسمانية وهي حقيرة ومنقوصة وإن كان الحق هو وجوب المعاد ففي إنكاره أعظم المضار فظهر أن الإقرار بهذه المقامات أحوط فوجب المصير إليه ، لأن بديهة العقل حاكمة بأنه يجب دفع الضرر عن النفس بقدر الإمكان . المسألة الثالثة : لما أقام الدلالة على وجود الإله بدليل كونه فاطر السموات والأرض وصفه بكمال الرحمة والكرم والجود وبين ذلك من وجهين ، الأول : قوله : { يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم } قال صاحب ( الكشاف ) : لو قال قائل ما معنى التبعيض في قوله من ذنوبكم ، ثم أجاب فقال : ما جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين ، كقوله : { أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم } ( نوح : 3 ، 4 ) . { طريق مستقيم ياقومنا أجيبوا داعى الله وءامنوا به يغفر لكم من } ( الأحقاف : 31 ) وقال في خطاب المؤمنين : { هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم } ( الصف : 10 ) إلى أن قال : { يغفر لكم ذنوبكم } ( آل عمران : 31 ) والاستقراء يدل على صحة ما ذكرناه ، ثم قال : وكأن ذلك للتفرقة بين الخطابين ، ولئلا يسوي بين الفريقين في المعاد ، وقيل : إنه أراد أنه يغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم . هذا كلام هذا الرجل ، وقال الواحدي في ( البسيط ) ، قال أبو عبيدة ( من ) زائدة ، وأنكر سيبويه زيادتها في الواجب ، وإذا قلنا إنها ليست زائدة فههنا وجهان : أحدهما : أنه ذكر البعض ههنا وأريد به الجميع توسعا . والثاني : أن ( من ) ههنا للبدل والمعنى لتكون المغفرة بدلا من الذنوب فدخلت من لتضمن المغفرة معنى البدل من السيئة ، وقال القاضي : ذكر الأصم أن كلمة ( من ) ههنا تفيد التبعيض ، والمعنى أنكم إذا تبتم فإنه يغفر لكم الذنوب التي هي من الكبائر ، فأما التي تكون من باب الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها لأنها في أنفسها مغفورة ، قال القاضي : وقد أبعد في هذا التأويل ، لأن الكفار صغائرهم ككبائرهم في أنها لا تغفر إلا بالتوبة وإنما تكون الصغيرة مغفورة من المؤمنين الموحدين من حيث يزيد ثوابهم على عقابها فأما من لا ثواب له أصلا فلا يكون شيء من ذنوبه صغيرا ولا يكون شيء / منها مغفورا . ثم قال وفيه وجه آخر وهو أن الكافر قد ينسى بعض ذنوبه في حال توبته وإنابته فلا يكون المغفور منها إلا ما ذكره وتاب منه فهذا جملة أقوال الناس في هذه الكلمة .

Bölüm V19/P073–V19/P074

المسألة الرابعة : أقول هذه الآية تدل على أنه تعالى قد يغفر الذنوب من غير توبة في حق أهل الإيمان والدليل عليه أنه قال : { يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم } وعد بغفران بعض الذنوب مطلقا من غير اشتراط التوبة ، فوجب أن يغفر بعض الذنوب مطلقا من غير التوبة وذلك البعض ليس هو الكفر لإنعقاد الإجماع على أنه تعالى لا يغفر الكفر إلا بالتوبة عنه والدخول في الإيمان فوجب أن يكون البعض الذي يغفر له من غير التوبة هو ما عد الكفر من الذنوب . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال كلمة ( من ) صلة على ما قاله أبو عبيدة أو نقول : المراد من البعض ههنا هو الكل على ما قاله الواحدي . أو نقول : المراد منها إبدال السيئة بالحسنة على ما قاله الواحدي أيضا أو نقول : المراد منه تمييز المؤمن عن الكافر في الخطاب على ما قاله صاحب ( الكشاف ) أو نقول : المراد منه تخصيص هذا الغفران بالكبائر على ما قاله الأصم . أو نقول : المراد منه الذنوب التي يذكرها الكافر عند الدخول في الإيمان على ما قاله القاضي ، فنقول : هذه الوجوه بأسرها ضعيفة أما قوله : إنها صلة فمعناه الحكم على كلمة من كلام الله تعالى بأنها حشو ضائع فاسد ، والعاقل لا يجوز المصير إليه من غير ضرورة ، فأما قول الواحدي : المراد من كلمة ( من ) ههنا هو الكل فهو عين ما قاله أبو عبيدة لأن حاصله أن قوله : { يغفر لكم من ذنوبكم } هو أنه يغفر لكم ذنوبكم وهذا عين ما نقله عن أبي عبيدة ، وحكي عن سيبويه إنكاره ، وأما قوله : المراد منه إبدال السيئة بالحسنة فليس في اللغة أن كلمة من تفيد الإبدال ، وأما قول صاحب ( الكشاف ) : المراد تمييز خطاب المؤمن عن خطاب الكافر بمزيد التشريف فهو من باب الطامات ، لأن هذا التبعيض إن حصل فلا حاجة إلى ذكر هذا الجواب ، وإن لم يحصل كان هذا الجواب فاسدا ، وأما قول الأصم فقد سبق إبطاله ، وأما قول القاضي فجوابه : أن الكافر إذا أسلم صارت ذنوبه بأسرها مغفورة لقوله عليه السلام : ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) فثبت أن جميع ما ذكروه من التأويلات تعسف ساقط بل المراد ما ذكرنا أنه تعالى يغفر بعض ذنوبه من غير توبة وهو ما عدا الكفر ، وأما الكفر فهو أيضا من الذنوب وأنه تعالى لا يغفره إلا بالتوبة ، وإذا ثبت أنه تعالى يغفر كبائر كافر من غير توبة بشرط أن يأتي بالإيمان فبأن تحصل هذه الحالة للمؤمن كان أولى ، هذا ما خطر بالبال على سبيل الارتجال والله أعلم بحقيقة الحال . النوع الثاني : مما وعد الله تعالى به في هذه الآية قوله : { ويؤخركم إلى أجل مسمى } وفيه / وجهان : الأول : المعنى أنكم إن آمنتم أخر الله موتكم إلى أجل مسمى وإلا عاجلكم بعذاب الاستئصال . الثاني : قال ابن عباس : المعنى يمتعكم في الدنيا بالطيبات واللذات إلى الموت . فإن قيل : أليس إنه تعالى قال : { فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } ( الأعراف : 34 ) فكيف قال ههنا : { ويؤخركم إلى أجل مسمى } . قلنا : قد تكلمنا في هذه المسألة في سورة الأنعام في قوله : { ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده } ( الأنعام : 2 ) ثم حكى تعالى أن الرسل لما ذكروا هذه الأشياء لأولئك الكفار قالوا : { قالت رسلهم أفى الله شك فاطر السماوات والارض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى } . واعلم أن هذا الكلام مشتمل على ثلاثة أنوع من الشبه :

Bölüm V19/P074–V19/P075

فالشبهة الأولى : أن الأشخاص الإنسانية متساوية في تمام الماهية ، فيمتنع أن يبلغ التفاوت بين تلك الأشخاص إلى هذا الحد ، وهو أن يكون الواحد منهم رسولا من عند الله مطلعا على الغيب مخالطا لزمرة الملائكة ، والباقون يكونون غافلين عن كل هذه الأحوال أيضا كانوا يقولون : إن كنت قد فارقتنا في هذه الأحوال العالية الإلهية الشريفة ، وجب أن تفارقنا في الأحوال الخسيسة ، وفي الحاجة إلى الأكل والشرب والحدث والوقاع ، وهذه الشبهة هي المراد من قولهم : { إن أنتم إلا بشر مثلنا } . والشبهة الثانية : التمسك بطريقة التقليد ، وهي أنهم وجدوا آباءهم وعلماءهم وكبراءهم مطبقين متفقين على عبادة الأوثان . قالوا ويبعد أن يقال : إن أولئك القدماء على كثرتهم وقوة خواطرهم لم يعرفوا بطلان هذا الدين ، وأن الرجل الواحد عرف فساده ووقف على بطلانه ، والعوام ربما زادوا في هذا الباب كلاما آخر ، وذلك أن الرجل العالم إذا بين ضعف كلام بعض المتقدمين قالوا له إن كلامك إنما يظهر صحته لو كان المتقدمون حاضرين ، أما المناظرة مع الميت فسهلة ، فهذا كلام يذكره الحمقى والرعاع وأولئك الكفار أيضا ذكروه ، وهذه الشبهة هي المراد من قوله : { تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ءاباؤنا } . والشبهة الثالثة : أن قالوا المعجز لا يدل على الصدق أصلا ، وإن كانوا سلموا على أن المعجز يدل على الصدق ، إلا أن الذي جاء به أولئك الرسل طعنوا فيه وزعموا أنها أمور معتادة ، وأنها ليست من باب المعجزات الخارجة عن قدرة البشر ، وإلى هذا النوع من الشبهة الإشارة بقوله : { فأتونا بسلطان مبين } فهذا تفسير هذه الآية بحسب الوسع والله أعلم . ! 7 < { قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولاكن الله يمن على من يشآء من عباده وما كان لنآ أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون وما لنآ ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على مآ آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون } > 7 ! / < < إبراهيم : ( 11 - 12 ) قالت لهم رسلهم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار شبهاتهم في الطعن في النبوة ، حكى عن الأنبياء عليهم السلام جوابهم عنها . أما الشبهة الأولى : وهي قولهم : { إن أنتم إلا بشر مثلنا } فجوابه : أن الأنبياء سلموا أن الأمر كذلك ، لكنهم بينوا أن التماثل في البشرية والإنسانية لا يمنع من اختصاص بعض البشر بمنصب النبوة لأن هذا المنصب منصب يمن الله به على من يشاء من عباده ، فإذا كان الأمر كذلك فقد سقطت هذه الشبهة . واعلم أن هذا المقام فيه بحث شريف دقيق ، وهو أن جماعة من حكماء الإسلام قالوا : إن الإنسان ما لم يكن في نفسه وبدنه مخصوصا بخواص شريفة علوية قدسية ، فإنه يمتنع عقلا حصول صفة النبوة له . وأما الظاهريون من أهل السنة والجماعة ، فقد زعموا أن حصول النبوة عطية من الله تعالى يهبها لكل من يشاء من عباده ، ولا يتوقف حصولها على امتياز ذلك الإنسان عن سائر الناس بمزيد إشراق نفساني وقوة قدسية ، وهؤلاء تمسكوا بهذه الآية ، فإنه تعالى بين أن حصول النبوة ليس إلا بمحض المنة من الله تعالى والعطية منه ، والكلام من هذا الباب غامض غائص دقيق ، والأولون أجابوا عنه بأنهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية والجسدانية تواضعا منهم ، واقتصروا على قولهم : { ولاكن الله يمن على من يشاء من عباده } بالنبوة ، لأنه قد علم أنه تعالى لا يخصهم بتلك الكرامات إلا وهم موصوفون بالفضائل التي لأجلها استوجبوا ذلك التخصيص ، كما قال تعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ( الأنعام : 124 ) .

Bölüm V19/P075–V19/P076

/ وأما الشبهة الثانية : وهي قولهم : إطباق السلف على ذلك الدين يدل على كونه حقا ، لأنه يبعد أن يظهر للرجل الواحد ما لم يظهر للخلق العظيم ، فجوابه : عين الجواب المذكور عن الشبهة الأولى ، لأن التمييز بين الحق والباطل والصدق والكذب عطية من الله تعالى وفضل منه ، ولا يبعد أن يخص بعض عبيده بهذه العطية وأن يحرم الجمع العظيم منها . وأما الشبهة الثالثة : وهي قولهم : إنا لا نرضى بهذه المعجزات التي أتيتم بها ، وإنما نريد معجزات قاهرة قوية .

Bölüm V19/P076–V19/P077

فالجواب عنها : قوله تعالى : { وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله } وشرح هذا الجواب أن المعجزة التي جئنا بها وتمسكنا بها حجة قاطعة وبينة قاهرة ودليل تام ، فأما الأشياء التي طلبتموها فهي أمور زائدة والحكم فيها لله تعالى فإن خلقها وأظهرها فله الفضل وإن لم يخلقها فله العدل ولا يحكم عليه بعد ظهور قدر الكفاية . ثم إنه تعالى حكى عن الأنبياء والرسل عليهم السلام أنهم قالوا بعد ذلك : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } والظاهر أن الأنبياء لما أجابوا عن شبهاتهم بذلك الجواب فالقوم أخذوا في السفاهة والتخويف والوعيد ، وعند هذا قالت الأنبياء عليهم السلام : لا نخاف من تخويفكم ولا نلتفت إلى تهديدكم فإن توكلنا على الله واعتمادنا على فضل الله ولعل الله سبحانه كان قد أوحى إليهم أن أولئك الكفرة لا يقدرون على إيصال الشر والآفة إليهم وإن لم يكن حصل هذا الوحي / فلا يبعد منهم أن لا يلتفتوا إلى سفاهتهم لما أن أرواحهم كانت مشرقة بالمعارف الإلهية مشرقة بأضواء عالم الغيب والروح متى كانت موصوفة بهذه الصفات فقلما يبالي بالأحوال الجسمانية وقلما يقيم لها وزنا في حالتي السراء والضراء وطورى الشدة والرخاء ، فلهذا السبب توكلوا على الله وعولوا على فضل الله وقطعوا أطماعهم عما سوى الله ، والذي يدل على أن المراد ما ذكرناه قوله تعالى حكاية عنهم : { وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما اذيتمونا } يعني أنه تعالى لما خصنا بهذه الدرجات الروحانية ، والمعارف الإلهية الربانية فكيف يليق بنا أن لا نتوكل على الله ، بل اللائق بنا أن لا نتوكل إلا عليه ولا نعول في تحصيل المهمات إلا عليه ، فإن من فاز بشرف العبودية ووصل إلى مكان الإخلاص والمكاشفة يقبح به أن يرجع في أمر من الأمور إلى غير الحق سواء كان ملكا له أو ملكا أو روحا أو جسما ، وهذه الآية دالة على أنه تعالى يعصم أولياءه المخلصين في عبوديته من كيد أعدائهم ومكرهم ، ثم قالوا : { ولنصبرن على ما اذيتمونا } فإن الصبر مفتاح الفرج ، ومطلع الخيرات ، والحق لا بد وأن يصير غالبا قاهرا ، والباطل لا بد وأن يصير مغلوبا مقهورا ، ثم أعادوا قولهم : { وعلى الله فليتوكل المتوكلون } والفائدة فيه أنهم أمروا أنفسهم بالتوكل على الله في قوله / { وما لنا أن لا نتوكل على الله } ثم لما فرغوا من أنفسهم أمروا أتباعهم بذلك وقالوا : { وعلى الله فليتوكل المتوكلون } وذلك يدل على أن الآمر بالخير لا يؤثر قوله إلا إذا أتى بذلك الخير أولا ، ورأيت في كلام الشيخ أبي حامد الغزالي رحمه الله فصلا حسنا وحاصله : أن الإنسان إما أن يكون ناقصا أو كاملا أو خاليا عن الوصفين ، أما الناقص فإما أن يكون ناقصا في ذاته ولكنه لا يسعى في تنقيص حال غيره ، وإما أن يكون ناقصا ويكون مع ذلك ساعيا في تنقيص حال الغير ، فالأول : هو الضال ، والثاني : هو الضال المضل ، وأما الكامل فإما أن يكون كاملا ولا يقدر على تكميل الغير وهم الأولياء ، وإما أن يكون كاملا ويقدر على تكميل الناقصين وهم الأنبياء ولذلك قال عليه السلام : ( علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ) ولما كانت مراتب النقصان والكمال ومراتب الإكمال والإضلال غير متناهية بحسب الكمية والكيفية ، لا جرم كانت مراتب الولاية والحياة غير متناهية بحسب الكمال والنقصان ، فالولي هو الإنسان الكامل الذي لا يقوى على التكميل ، والنبي هو الإنسان الكامل المكمل ، ثم قد تكون قوته الروحانية النفسانية وافية بتكميل إنسانين ناقصين وقد تكون أقوى من ذلك فيفي بتكميل عشرة ومائة وقد تكون تلك القوة قاهرة قوية تؤثر تأثير الشمس في العالم فيقلب أرواح أكثر أهل العلم من مقام الجهل إلى مقام المعرفة ومن طلب الدنيا إلى طلب الآخرة ، وذلك مثل روح محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن وقت ظهوره كان العالم مملوءا من اليهود وأكثرهم كانوا مشبهة ومن النصارى وهم حلولية ومن المجوس وقبح مذاهبهم ظاهر ومن عبدة الأوثان وسخف دينهم أظهر من أن يحتاج إلى بيان فلما ظهرت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم سرت قوة روحه في الأرواح فقلب أكثر أهل العالم من الشرك إلى التوحيد ، ومن التجسيم إلى التنزيه ، ومن الاستغراق في طلب الدنيا إلى التوجه إلى عالم الآخرة ، فمن هذا المقام ينكشف للإنسان مقام النبوة والرسالة .

Bölüm V19/P077–V19/P078

إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وما لنا أن لا نتوكل على الله } إشارة إلى ما كانت حاصلة لهم من كمالات نفوسهم / وقولهم في آخر الأمر ، وعلى الله فليتوكل المتوكلون ، إشارة إلى تأثير أرواحهم الكاملة في تكميل الأرواح الناقصة فهذه أسرار عالية مخزونة في ألفاظ القرآن ، فمن نظر في علم القرآن وكان غافلا عنها كان محروما من أسرار علوم القرآن والله أعلم ، وفي الآية وجه آخر وهو أن قوله : { وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون } المراد منه أن الذين يطلبون سائر المعجزات وجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله تعالى لا عليها ، فإن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها . / وأما قوله في آخر الآية : { ولنصبرن على ما اذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون } المراد منه الأمر بالتوكل على الله في دفع شر الناس الكفار وسفاهتهم ، وعلى هذا التقدير فالتكرار غير حاصل لأن قوله : { وعلى الله فليتوكل } وارد في موضعين مختلفين بحسب مقصودين متغايرين ، وقيل أيضا : الأول : ذكر لاستحداث التوكل . والثاني : للسعي في إبقائه وإدامته والله أعلم . ! 7 < { وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنآ أو لتعودن فى ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الا رض من بعدهم ذالك لمن خاف مقامى وخاف وعيد واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد من ورآئه جهنم ويسقى من مآء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورآئه عذاب غليظ } > 7 ! < < إبراهيم : ( 13 - 17 ) وقال الذين كفروا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما حكى عن الأنبياء عليهم السلام ، أنهم اكتفوا في دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه والاعتماد على حفظه وحياطته ، حكى عن الكفار أنهم بالغوا في السفاهة وقالوا : { لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن فى ملتنا } والمعنى : ليكونن أحد الأمرين لا محالة إما إخراجكم وإما عودكم إلى ملتنا . والسبب فيه أن أهل الحق في كل زمان يكونون قليلين وأهل الباطل يكونون كثيرين والظلمة والفسقة يكونون متعاونين متعاضدين ، فلهذه الأسباب قدروا على هذه السفاهة . فإن قيل : هذا يوهم أنهم كانوا على ملتهم في أول الأمر حتى يعودوا فيها . قلنا : الجواب من وجوه : الوجه الأول : أن أولئك الأنبياء عليهم السلام إنما نشأوا في تلك البلاد وكانوا من تلك / القبائل في أول الأمر ما أظهروا المخالفة مع أولئك الكفار ، بل كانوا في ظاهر الأمر معهم من غير إظهار مخالفة فالقوم ظنوا لهذا السبب أنهم كانوا في أول الأمر على دينهم فلهذا السبب قالوا : { أو لتعودن فى ملتنا } . الوجه الثاني : أن هذا حكاية كلام الكفار ولا يجب في كل ما قالوه أن يكونوا صادقين فيه فلعلهم توهموا ذلك مع أنه ما كان الأمر كما توهموه . الوجه الثالث : لعل الخطاب وإن كان في الظاهر مع الرسل إلا أن المقصود بهذا الخطاب أتباعهم وأصحابهم ولا بأس أن يقال : إنهم كانوا قبل ذلك لوقت على دين أولئك الكفار . الوجه الرابع : قال صاحب ( الكشاف ) : العود بمعنى الصيرورة كثير في كلام العرب . الوجه الخامس : لعل أولئك الأنبياء كانوا قبل إرسالهم على ملة من الملل ، ثم إنه تعالى أوحى إليهم بنسخ تلك الملة وأمرهم بشريعة أخرى وبقي الأقوام على تلك الشريعة التي صارت منسوخة مصرين على سبيل الكفر ، وعلى هذا التقدير فلا يبعد أن يطلبوا من الأنبياء أن يعودوا إلى تلك الملة .

Bölüm V19/P078–V19/P079

الوجه السادس : لا يبعد أن يكون المعنى : أو لتعودن في ملتنا ، أي إلى ما كنتم عليه قبل إدعاء الرسالة من السكوت عن ذكر معايبة ديننا وعدم التعرض له بالطعن والقدح وعلى جميع هذه الوجوه فالسؤال زائل والله أعلم . واعلم أن الكفار لما ذكروا هذا الكلام قال تعالى : { فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الارض من بعدهم } قال صاحب ( الكشاف ) : { لنهلكن الظالمين } حكاية تقتضي إضمار القول أو إجراء الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه ، وقرأ أبو حيوة : { ليهلكن الظالمين وليسكننكم } بالياء اعتبارا لأوحى فإن هذا اللفظ لفظ الغيبة ونظيره قولك أقسم زيد ليخرجن ولأخرجن ، والمراد بالأرض { أرض الظالمين وديارهم } ونظيره قوله : { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها } ( الأعراف : 137 ) . { وأورثكم أرضهم وديارهم } ( الأحزاب : 27 ) وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من آذى جاره أورثه الله داره ) واعلم أن هذه الآية تدل على أن من توكل على ربه في دفع عدوه كفاه الله أمر عدوه . ثم قال تعالى : { ذالك لمن خاف مقامى وخاف وعيد } فقوله ذلك إشارة إلى أن ما قضى الله تعالى به من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم أثر ذلك الأمر حق لمن خاف مقامي وفيه وجوه : الأول : المراد موقفي وهو موقف الحساب ، لأن ذلك الموقف موقف الله تعالى الذي يقف فيه عباده يوم القيامة ، ونظيره قوله : { وأما من خاف مقام ربه } ( النازعات : 40 ) وقوله : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ( الرحمن : 46 ) / الثاني : أن المقام مصدر كالقيامة ، يقال : قام قياما ومقاما ، قال الفراء : ذلك لمن خاف قيامي عليه ومراقبتي إياه كقوله : { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } ( الرعد : 33 ) . الثالث : { ذالك لمن خاف مقامى } أي إقامتي على العدل والصواب فإنه تعالى لا يقضي إلا بالحق ولا يحكم إلا بالعدل وهو تعالى مقيم على العدل لا يميل عنه ولا ينحرف ألبتة . الرابع : { ذالك لمن خاف مقامى } أي مقام العائذ عندي وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول ، الخامس : { ذالك لمن خاف مقامى } أي لم خافني ، وذكر المقام ههنا مثل ما يقال : سلام الله على المجلس الفلاني العالي والمراد : سلام الله على فلان فكذا ههنا . ثم قال تعالى : { وخاف وعيد } قال الواحدي : الوعيد اسم من أوعد إيعادا وهو التهديد . قال ابن عباس : خاف ما أوعدت من العذاب . واعلم أنه تعالى ذكر أولا قوله : { ذالك لمن خاف مقامى } ثم عطف عليه قوله : { وخاف وعيد } فهذا يقتضي أن يكون الخوف من الله تعالى مغايرا للخوف من وعيد الله ، ونظيره : أن حب الله تعالى مغاير لحب ثواب الله ، وهذا مقام شريف عال في أسرار الحكمة والتصديق . ثم قال : { واستفتحوا } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : للاستفتاح ههنا معنيان : أحدهما : طلب الفتح بالنصرة ، فقوله : { واستفتحوا } أي واستنصروا الله على أعدائهم ، فهو كقوله : { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } ( الأنفال : 19 ) . والثاني : الفتح الحكم والقضاء ، فقول ربنا : { واستفتحوا } أي واستحكموا وسألوه القضاء بينهم ، وهو مأخوذ من الفتاحة وهي الحكومة كقوله : { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق } ( الأعراف : 19 ) .

Bölüm V19/P079–V19/P080

إذا عرفت هذا فنقول : كلا القولين ذكره المفسرون . أما على القول الأول فالمستفتحون هم الرسل ، وذلك لأنهم استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب لما أيسوا من إيمانهم : { قال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا } ( نوح : 26 ) وقال موسى : { ربنا اطمس } ( يونس : 88 ) الآية . وقال لوط : { رب انصرنى على القوم المفسدين } ( العنكبوت : 30 ) وأما على القول الثالث : وهو طلب الحكمة والقضاء فالأولى أن يكون المستفتحون هم الأمم وذلك أنهم قالوا : اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذبنا ، ومنه قول كفار قريش : { اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء } ( الأنفال : 32 ) . وكقول آخرين { ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } ( العنكبوت : 29 ) . المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : قوله : { واستفتحوا } معطوف على قوله : { فأوحى إليهم } وقرىء واستفتحوا بلفظ الأمر وعطفه على قوله : { لنهلكن } أي أوحى إليهم ربهم ، وقال لهم : { لنهلكن } وقال لهم { استفتحوا } . / ثم قال تعالى : { واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : إن قلنا : المستفتحون هم الرسل ، كان المعنى أن الرسل استفتحوا فنصروا وظفروا بمقصودهم وفازوا { وخاب كل جبار عنيد } وهم قومهم ؛ وإن قلنا : المستفتحون هم الكفرة ، فكان المعنى : أن الكفار استفتحوا على الرسل ظنا منهم أنهم على الحق والرسل على الباطل { وخاب كل جبار عنيد } منهم وما أفلح بسبب استفتاحه على الرسل . المسألة الثانية : الجبار ههنا المتكبر على طاعة الله وعبادته . ومنه قوله تعالى : { ولم يكن جبارا عصيا } ( مريم : 14 ) قال أبو عبيدة عن الأحمر : يقال فيه جبرية وجبروة وجبروت وجبورة ، وحكى الزجاج : الجبرية والجبر بكسر الجيم والباء والنجبار والجبرياء . قال الواحدي : فهي ثمان لغات في مصدر الجبار ، وفي الحديث أن امرأة حضرت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أمرا فأبت عليه فقال : ( دعوها فإنها جبارة ) أي مستكبرة ، وأما العنيد فقد اختلف أهل اللغة في اشتقاقه ، قال النضر بن شميل : العنود الخلاف والتباعد والترك ، وقال غيره : أصله من العند وهو الناحية يقال : فلان يمشي عندا ، أي ناحية ، فمعنى عاند وعند . أخذ في ناحية معرضا ، وعاند فلان فلانا إذا جانبه وكان منه على ناحية . إذا عرفت هذا فنقول : كونه جبارا متكبرا إشارة إلى الخلق النفساني وكونه عنيدا إشارة إلى الأثر الصادر عن ذلك الخلق ، وهو كونه مجانبا عن الحق منحرفا عنه ، ولا شك أن الإنسان الذي يكون خلقه هو التجبر والتكبر وفعله هو العنود وهو الانحراف عن الحق والصدق ، كان خائبا عن كل الخيرات خاسرا عن جميع أقسام السعادات . واعلم أنه تعالى لما حكم عليه بالخيبة ووصفه بكونه جبارا عنيدا ، وصف كيفية عذابه بأمور : الأول : قوله : { من ورائه جهنم } وفيه إشكال وهو أن المراد : أمامه جهنم ، فكيف أطلق لفظ الوراء على القدام والأمام ؟ وأجابوا عنه من وجوه : الأول : أن لفظ ( وراء ) اسم لما يوارى عنك ، وقدام وخلف متوار عنك ، فصح إطلاق لفظ ( وراء ) على كل واحد منهما . قال الشاعر : عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب

Bölüm V19/P080–V19/P081

ويقال أيضا : الموت وراء كل أحد . الثاني : قال أبو عبيدة وابن السكيت : الوراء من الأضداد يقع على الخلف والقدام ، والسبب فيه أن كل ما كان خلفا فإنه يجوز أن ينقلب قداما وبالعكس ، فلا جرم جاز وقوع لفظ الوراء على القدام ، ومنه قوله تعالى : { وكان وراءهم ملك يأخذ } ( الكهف : 79 ) أي أمامهم ، / ويقال : الموت من وراء الإنسان . الثاني : قال ابن الأنباري ( وراء ) بمعنى بعد . قال الشاعر : وليس وراء الله للمرء مذهب أي وليس بعد الله مذهب . إذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى حكم عليه بالخيبة في قوله : { وخاب كل جبار عنيد } . ثم قال : { ومن ورائه جهنم } أي ومن بعده الخيبة يدخل جهنم . النوع الثاني : مما ذكره الله تعالى من أحوال هذا الكافر قوله : { ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه } وفيه سؤالات : السؤال الأول : علام عطف { ويسقى } . الجواب : على محذوف تقديره : من ورائه جهنم يلقى فيها ويسقى من ماء صديد . السؤال الثاني : عذاب أهل النار من وجوه كثيرة ، فلم خص هذه الحالة بالذكر ؟ الجواب : يشبه أن تكون هذه الحالة أشد أنواع العذاب فخصص بالذكر مع قوله : { ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت } . السؤال الثالث : ما وجه قوله : { من ماء صديد } . الجواب : أنه عطف بيان والتقدير : أنه لما قال : { ويسقى من ماء } فكأنه قيل : وما ذلك الماء فقال : { صديد } والصديد ما يسيل جلود أهل النار . وقيل : التقدير ويسقى من ماء كالصديد . وذلك بأن يخلق الله تعالى في جهنم ما يشبه الصديد في النتن والغلظ والقذارة ، وهو أيضا يكون في نفسه صديدا ، لأن كراهته تصد عن تناوله وهو كقوله : { وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم } ( محمد : 15 ) . { وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه بئس الشراب } ( الكهف : 29 ) . السؤال الرابع : ما معنى يتجرعه ولا يكاد يسيغه . الجواب : التجرع تناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار ، ويقال : ساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغا وأساغه إساغة . واعلم أن ( يكاد ) فيه قولان : القول الأول : أن نفيه إثبات ، وإثباته نفي ، فقوله : { ولا يكاد يسيغه } أي ويسيغه بعد إبطاء لأن العرب تقول : ما كدت أقوم ، أي قمت بعد إبطاء قال تعالى : { فذبحوها وما كادوا يفعلون } ( البقرة : 7 ) يعني فعلوا بعد إبطاء ، والدليل على حصول الإساغة قوله تعالى : { يصهر به ما فى بطونهم والجلود } ( الحج : 20 ) ولا يحصل الصهر إلا بعد الإساغة ، وأيضا فإن قوله : { يتجرعه } يدل على أنهم أساغوا الشيء بعد الشيء فكيف يصح أن يقال بعده إنه يسيغه ألبتة . / والقول الثاني : أن كاد للمقاربة فقول : { لا يكادون } لنفي المقاربة يعني : ولم يقارب أن يسيغه فكيف يحصل الإساغة كقوله تعالى : { لم يكد يراها } ( النور : 40 ) أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها . فإن قيل : فقد ذكرتم الدليل على حصول الإساغة ، فكيف الجمع بينه وبين هذا الوجه .

Bölüm V19/P081–V19/P082

قلنا عنه جوابان : أحدهما : أن المعنى : لا يسيغ جميعه كأنه يجرع البعض وما ساغ الجميع . الثاني : أن الدليل الذي ذكرتم إنما دل على وصول بعض ذلك الشراب إلى جوف الكافر ، إلا أن ذلك ليس بإساغة ، لأن الإساغة في اللغة إجراء الشراب في الحلق بقبول النفس واستطابة المشروب والكافر يتجرع ذلك الشراب على كراهية ولا يسيغه ، أي لا يستطيبه ولا يشربه شربا بمرة واحدة وعلى هذين الوجهين يصح حمل لا يكاد على نفي المقاربة والله أعلم . النوع الثالث : مما ذكره الله تعالى في وعيد هذا الكافر قوله : { ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت } ( إبراهيم : 17 ) والمعنى : أن موجبات الموت أحاطت به من جميع الجهات ، ومع ذلك فإنه لا يموت وقيل من كل جزء من أجزاء جسده . النوع الرابع : قوله : { ومن ورائه عذاب غليظ } وفيه وجهان : الأول : أن المراد من العذاب الغليظ كونه دائما غير منقطع . الثاني : أنه في كل وقت يستقبله يتلقى عذابا أشد مما قبله . قال المفضل : هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد ، والله أعلم . ! 7 < { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شىء ذالك هو الضلال البعيد ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذالك على الله بعزيز } > 7 < إبراهيم : ( 18 - 20 ) مثل الذين كفروا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع عذابهم في الآية المتقدمة بين في هذه الآية أن أعمالهم بأسرها تصير ضائعة باطلة لا ينتفعون بشيء منها وعند هذا يظهر كمال خسرانهم لأنهم لا يجدون في القيامة / إلا العقاب الشديد وكل ما عملوه في الدنيا وجدوه ضائعا باطلا ، وذلك هو الخسران الشديد . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في ارتفاع قوله : { مثل الذين } وجوه : الأول : قال سيبويه : التقدير : وفيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا ، أو مثل الذين كفروا فيما يتلى عليكم ، وقوله : { كرماد } جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول : كيف مثلهم فقيل : أعمالهم كرماد . الثاني : قال الفراء : التقدير مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد فحذف المضاف اعتمادا على ذكره بعد المضاف إليه وهو قوله : { أعمالهم } ومثله قوله تعالى : { الذى أحسن كل شىء خلقه } ( السجدة : 7 ) أي خلق كل شيء ، وكذا قوله : { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة } ( الزمر : 60 ) المعنى ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة . الثالث : أن يكون التقدير صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد ، كقولك صفة زيد عرضه مصون ، وماله مبذول . الرابع : أن تكون أعمالهم بدلا من قوله : { مثل الذين كفروا } والتقدير : مثل أعمالهم وقوله : { كرماد } هو الخبر . الخامس : أن يكون المثل صلة وتقديره : الذين كفروا أعمالهم . المسألة الثانية : اعلم أن وجه المشابهة بين هذا المثل وبين هذه الأعمال ، هو أن الريح العاصف تطير الرماد وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى لذلك الرماد أثر ولا خبر ، فكذا ههنا أن كفرهم أبطل أعمالهم وأحبطها بحيث لم يبق من تلك الأعمال معهم خبر ولا أثر ، ثم اختلفوا في المراد بهذه الأعمال على وجوه : الوجه الأول : أن المراد منها ما عملوه من أعمال البر كالصدقة وصلة الرحم وبر الوالدين وإطعام الجائع ، وذلك لأنها تصير محبطة باطلة بسبب كفرهم ، ولولا كفرهم لانتفعوا بها .

Bölüm V19/P082–V19/P083

والوجه الثاني : أن المراد من تلك الأعمال عبادتهم للأصنام وما تكلفوه من كفرهم الذي ظنوه إيمانا وطريقا إلى الخلاص ، والوجه في خسرانهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها الدهر الطويل لكي ينتفعوا بها فصارت وبالا عليهم . والوجه الثالث : أن المراد من هذه الأعمال كلا القسمين ، لأنهم إذا رأوا الأعمال التي كانت في أنفسها خيرات قد بطلت ، والأعمال التي ظنوها خيرات وأفنوا فيها أعمارهم قد بطلت أيضا وصارت من أعظم الموجبات لعذابهم فلا شك أنه تعظم حسرتهم وندامتهم فلذلك قال تعالى : { وذالك هو الضلال البعيد } . المسألة الثالثة : قرىء الرياح في يوم عاصف جعل العصف لليوم ، وهو لما فيه وهو الريح أو الرياح كقولك : يوم ماطر وليلة ساكرة ، وإنما السكور لريحها قال الفراء : وإن شئت قلت / في يوم ذي عصوف ، وإن شئت قلت : في يوم عاصف الريح فحذف ذكر الريح لكونه مذكورا قبل ذلك ، وقرىء في يوم عاصف بالإضافة . المسألة الرابعة : قوله : { لا يقدرون مما كسبوا على شىء } أي لا يقدرون مما كسبوا على شيء منتفع به لا في الدنيا ولا في الآخرة وذلك لأنه ضاع بالكلية وفسد / وهذه الآية دالة على كون العبد مكتسبا لأفعاله . واعلم أنه تعالى لما تمم هذا المثال قال : { ألم تر أن الله خلق السماوات والارض بالحق } وفيه مسائل : المسألة الأولى : وجه النظم أنه تعالى لما بين أن أعمالهم تصير باطلة ضائعة ، بين أن ذلك البطلان والإحباط إنما جاء بسبب صدر منهم وهو كفرهم بالله وإعراضهم عن العبودية فإن الله تعالى لا يبطل أعمال المخلصين ابتداء ، وكيف يليق بحكمته أن يفعل ذلك وأنه تعالى ما خلق كل هذا العالم إلا لداعية الحكمة والصواب . المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي : { خالق السماوات والارض } على اسم الفاعل على أنه خبر أن والسموات والأرض على الإضافة كقوله : { فاطر السماوات والارض } ( إبراهيم : 10 ) . { فالق الإصباح } ( الأنعام : 95 ) . و { جعل اليل سكنا } ( الأنعام : 96 ) والباقون خلق على فعل الماضي : { السماء والارض } بالنصب لأنه مفعول . المسألة الثالثة : قوله : { بالحق } نظير لقوله في سورة يونس : { وما خلق الله ذالك إلا بالحق } ( يونس : 5 ) ولقوله في آل عمران : { ربنا ما خلقت هذا باطلا } ( آل عمران : 191 ) ولقوله في ص : { وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا } ( ص: 27 ) أما أهل السنة فيقولون إلا بالحق وهو دلالتهما على وجود الصانع وعلمه وقدرته ، وأما المعتزلة فيقولون : إلا بالحق ، أي لم يخلق ذلك عبثا بل لغرض صحيح . ثم قال تعالى : { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } والمعنى : أن من كان قادرا على خلق السموات والأرض بالحق ، فبأن يقدر على إفناء قوم وإماتتهم وعلى إيجاد آخرين وإحيائهم كان أولى ، لأن القادر على الأصعب الأعظم بأن يكون قادرا على الأسهل الأضعف أولى . قال ابن عباس : هذا الخطاب مع كفار مكة ، يريد أميتكم يا معشر الكفار ، وأخلق قوما خيرا منكم وأطوع منكم . ثم قال : { وما ذالك على الله بعزيز } أي ممتنع لما ذكرنا أن القادر على إفناء كل العالم وإيجاده بأن يكون قادرا على إفناء أشخاص مخصوصين وإيجاده أمثالهم أولى وأحرى ، والله أعلم . ! 7 < { وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شىء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص } > 7 <

Bölüm V19/P083–V19/P085

إبراهيم : ( 21 ) وبرزوا لله جميعا . . . . . > > / اعلم أنه تعالى لما ذكر أصناف عذاب هؤلاء الكفار ثم ذكر عقيبه أن أعمالهم تصير محبطة باطلة ، ذكر في هذه الآية كيفية خجالتهم عند تمسك أتباعهم وكيفية افتضاحهم عندهم . وهذا إشارة إلى العذاب الروحاني الحاصل بسبب الفضيحة والخجالة ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : برز معناه في اللغة ظهر بعد الخفاء . ومنه يقال للمكان الواسع : البراز لظهوره ، وقيل في قوله : { وترى الارض بارزة } ( الكهف : 47 ) أي ظاهرة لا يسترها شيء ، وامرأة برزة إذا كانت تظهر للناس . ويقال : برز فلان على أقرانه إذا فاقهم وسبقهم ، وأصله في الخيل إذا سبق أحدها . قيل : برز عليها كأنه خرج من غمارها فظهر . إذا عرفت هذا فنقول : ههنا أبحاث : البحث الأول : قوله : { وبرزوا } ورد بلفظ الماضي وإن كان معناه الاستقبال ، لأن كل ما أخبر الله تعالى عنه فهو صدق وحق ، فصار كأنه قد حصل ودخل في الوجود ونظيره قوله : { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } ( الأعراف : 50 ) . البحث الثاني : قد ذكرنا أن البروز في اللغة عبارة عن الظهور بعد الاستتار وهذا في حق الله تعالى محال ، فلا بد فيه من التأويل وهو من وجوه : الأول : أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خاف على الله تعالى ، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله تعالى عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية . الثاني : أنهم خرجوا من قبورهم فبرزوا لحساب الله وحكمه . الثالث : وهو تأويل الحكماء أن النفس إذا فارقت الجسد فكأنه زال الغطاء والوطاء وبقيت متجردة بذاتها عارية عن كل ما سواها وذلك هو البروز لله . / البحث الثالث : قال أبو بكر الأصم قوله : { وبرزوا لله } هو المراد من قوله في الآية السابقة : { ومن ورائه عذاب غليظ } ( إبراهيم : 17 ) . واعلم أن قوله : { وبرزوا لله } قريب من قوله : { يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ناصر } ( الطارق : 9 ، 10 ) وذلك لأن البواطن تظهر في ذلك اليوم والأحوال الكامنة تنكشف فإن كانوا من السعداء برزوا للحاكم الحكيم بصفاتهم القدسية ، وأحوالهم العلوية ، ووجوههم المشرقة ، وأرواحهم الصافية المستنيرة فيتجلى لها نور الجلال ؛ ويعظم فيها إشراق عالم القدس ، فما أجل تلك الأحوال وإن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف العظمة ، ومنازل الكبرياء ذليلين مهينين خاضعين خاشعين واقعين في خزي الخجالة ، ومذلة الفضيحة ، وموقف المهانة والفزع ، نعوذ بالله منها . ثم حكى الله تعالى أن الضعفاء يقولون للرؤساء : هل تقدرون على دفع عذاب الله عنا ؟ والمعنى : أنه إنما اتبعناكم لهذا اليوم ، ثم إن الرؤساء يعترفون بالخزي والعجز والذل . قالوا : { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } ومن المعلوم أن اعتراف الرؤساء والسادة والمتبوعين بمثل هذا العجز والخزي والنكال يوجب الخجالة العظيمة والخزي الكامل التام ، فكان المقصود من ذكر هذه الآية : استيلاء عذاب الفضيحة والخجالة والخزي عليهم مع ما تقدم ذكره من سائر وجوه أنواع العذاب والعقاب نعوذ بالله منها . والله أعلم . المسألة الثانية : كتبوا الضعفاء بواو قبل الهمزة في بعض المصاحف / والسبب فيه أنه كتب على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو ، ونظيره علماء بني إسرائيل .

Bölüm V19/P085–V19/P086

المسألة الثالثة : الضعفاء الأتباع والعوام ، والذين استكبروا هم السادة والكبراء . قال ابن عباس : المراد أكابرهم الذين استكبروا عن عبادة الله تعالى : { إنا كنا لكم تبعا } أي في الدنيا . قال الفراء وأكثر أهل اللغة : التبع تابع مثل خادم وخدم وباقر وبقر وحارس وحرس وراصد ورصد قال الزجاج : وجائز أن يكون مصدرا سمي به ، أي كنا ذوي تبع . واعلم أن هذه التبعية يحتمل أن يقال : المراد منها التبعية في الكفر ، ويحتمل أن يكون المراد منها التبعية في أحوال الدنيا : { فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شىء } أي هل يمكنكم دفع عذاب الله عنا . فإن قيل : فما الفرق بين من في قوله : { من عذاب الله } وبينه في قوله : { من شىء } . قلنا : كلاهما للتبعيض بمعنى : هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو عذاب الله أي بعض عذاب الله وعند هذا حكى الله تعالى عن الذين استكبروا أنهم قالوا : { لو هدانا الله لهديناكم } وفيه وجوه / الأول : قال ابن عباس : معناه لو أرشدنا الله لأرشدناكم ، قال الواحدي : معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال ، لأن الله تعالى أضلهم ولم يهدهم فدعوا أتباعهم إلى الضلال ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى قال صاحب ( الكشاف ) : لعلهم قالوا ذلك مع أنهم كذبوا فيه ويدل عليه قوله تعالى حكاية عن المنافقين : { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم } ( المجادلة : 18 ) . واعلم أن المعتزلة لا يجوزون صدور الكذب عن أهل القيامة فكان هذا القول منه مخالفا لأصول مشايخه فلا يقبل منه ، الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) : يجوز أن يكون المعنى لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان . وذكر القاضي هذا الوجه وزيفه بأن قال : لا يجوز حمل هذا على اللطف ، لأن ذلك قد فعله الله تعالى . والثالث : أن يكون المعنى لو خلصنا الله من العقاب وهدانا إلى طريق الجنة لهديناكم ، والدليل على أن المراد من الهدى هذا الذي ذكرناه أن هذا هو الذي التمسوه وطلبوه فوجب أن يكون المراد من الهداية هذا المعنى . ثم قال : { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا } أي مستو علينا الجزع والصبر والهمزة وأم للتسوية ونظيره : { اصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم } ( الطور : 16 ) ثم قالوا : ما لنا من محيص ، أي منجي ومهرب ، والمحيص قد يكون مصدرا كالمغيب والمشيب ، ومكانا كالمبيت والمضيق ، ويقال حاص عنه وحاض بمعنى واحد ، والله أعلم . ! 7 < { وقال الشيطان لما قضى الا مر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى فلا تلومونى ولوموا أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخى إنى كفرت بمآ أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم } > 7 < إبراهيم : ( 22 ) وقال الشيطان لما . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر المناظرة التي وقعت بين الرؤساء والأتباع من كفرة الإنس ، أردفها بالمناظرة التي وقعت بين الشيطان وبين أتباعه من الإنس فقال تعالى : { وقال الشيطان لما قضى الامر } وفي المراد بقوله : { لما قضى الامر } وجوه : / القول الأول : قال المفسرون : إذا استقر أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، أخذ أهل النار في لوم إبليس وتقريعه فيقوم في النار فيما بينهم خطيبا ويقول ما أخبر الله عنه بقوله : { وقال الشيطان لما قضى الامر } .

Bölüm V19/P086–V19/P087

القول الثاني : أن المراد من قوله : { قضى الامر } لما انقضت المحاسبة ، والقول الأول أولى ، لأن آخر أمر أهل القيامة استقرار المطيعين في الجنة واستقرار الكافرين في النار ، ثم يدوم الأمر بعد ذلك . والقول الثالث : وهو أن مذهبنا أن الفساق من أهل الصلاة يخرجون من النار ويدخلون الجنة فلا يبعد أن يكون المراد من قوله : { لما قضى الامر } ذلك الوقت ، لأن في ذلك الوقت تنقطع الأحوال المعتبرة ، ولا يحصل بعده إلا دوام ما حصل فيه قبل ذلك ، وأما الشيطان فالمراد به إبليس لأن لفظ الشيطان لفظ مفرد فيتناول الواحد وإبليس رأس الشياطين ورئيسهم ، فحمل اللفظ عليه أولى ، لا سيما وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم يقول الكافر قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول ) . أما قوله : { إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم } ففيه مباحث : البحث الأول : المراد أن الله تعالى وعدكم وعد الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفى لكم بما وعدكم ووعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم ، وتقرير الكلام أن النفس تدعو إلى هذه الأحوال الدنيوية ولا تتصور كيفية السعادات الأخروية والكمالات النفسانية والله يدعو إليها ويرغب فيها كما قال : { والاخرة خير وأبقى } ( الأعلى : 17 ) . البحث الثاني : قوله : { وعد الحق } من باب إضافة الشيء إلى نفسه كقوله : { حب الحصيد } ( ق : 9 ) ومسجد الجامع على قول الكوفيين ، والمعنى : وعدكم الوعد الحق ، وعلى مذهب البصريين يكون التقدير وعد اليوم الحق أو الأمر الحق أو يكون التقدير وعدكم الحق . ثم ذكر المصدر تأكيدا . البحث الثالث : في الآية إضمار من وجهين : الأول : أن التقدير إن الله وعدكم وعد الحق فصدقكم ووعدتكم فأخلفتكم وحذف ذلك لدلالة تلك الحالة على صدق ذلك الوعد ، لأنهم كانوا يشاهدونها وليس وراء العيان بيان ولأنه ذكر في وعد الشيطان الإخلاف فدل ذلك على الصدق في وعد الله تعالى . الثاني : أن في قوله : { ووعدتكم فأخلفتكم } الوعد يقتضي مفعولا ثانيا وحذف ههنا للعلم به ، والتقدير : ووعدتكم أن لا جنة ولا نار ولا حشر ولا حساب . أما قوله : { وما كان لى عليكم من سلطان } أي قدرة ومكنة وتسلط وقهر فاقهركم على الكفر / والمعاصي وألجئكم إليها ، إلا أن دعوتكم أي إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني قال النحويون : ليس الدعاء من جنس السلطان فقوله : { إلا أن دعوتكم } من جنس قولهم ما تحيتهم إلا الضرب ، وقال الواحدي : إنه استثناء منقطع ، أي لكن دعوتكم وعندي أنه يمكن أن يقال كلمة ( إلا ) ههنا استثناء حقيقي ، لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة يكون بالقهر والقسر ، وتارة يكون بتقوية الداعية في قلبه بإلقاء الوساوس إليه ، فهذا نوع من أنواع التسلط ، ثم إن ظاهر هذه الآية يدل على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان وعلى تعويج أعضائه وجوارحه ، وعلى إزالة العقل عنه كما يقوله العوام والحشوية ، ثم قال : { فلا تلومونى ولوموا أنفسكم } يعني ما كان مني إلا الدعاء والوسوسة ، وكنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبياء الله تعالى فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي ولا تلتفتوا إلي فلما رجحتم قولي على الدلائل الظاهرة كان اللوم عليكم لا علي في هذا الباب . وفي الآية مسألتان :

Bölüm V19/P087–V19/P088

المسألة الأولى : قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أشياء : الأول : أنه لو كان الكفر والمعصية من الله لوجب أن يقال : فلا تلوموني ولا أنفسكم فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه . الثاني : ظاهر هذه الآية يدل على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان وعلى تعويج أعضائه وعلى إزالة العقل عنه كما تقول الحشوية والعوام . الثالث : أن هذه الآية تدل على أن الإنسان لا يجوز ذمه ولومه وعقابه بسبب فعل الغير ، وعند هذا يظهر أنه لا يجوز عقاب أولاد الكفار بسبب كفر آبائهم . أجاب بعض الأصحاب عن هذه الوجوه بأن هذا قول الشيطان فلا يجوز التمسك به . وأجاب الخصم عنه : بأنه لو كان هذا القول منه باطلا لبين الله بطلانه وأظهر إنكاره ، وأيضا فلا فائدة في ذلك اليوم في ذكر هذا الكلام الباطل والقول الفاسد . ألا ترى أن قوله : { إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم } كلام حق وقوله : { وما كان لى عليكم من سلطان } قول حق بدليل قوله تعالى : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } ( الحجر : 42 ) . المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أن الشيطان الأصلي هو النفس ، وذلك لأن الشيطان بين أنه ما أتى إلا بالوسوسة ، فلولا الميل الحاصل بسبب الشهوة والغضب والوهم والخيال لم يكن لوسوسته تأثير ألبتة ، فدل هذا على أن الشيطان الأصلي هو النفس . فإن قال قائل : بينوا لنا حقيقة الوسوسة . قلنا : الفعل إنما يصدر عن الإنسان عند حصول أمور أربعة يترتب بعضها على البعض ترتيبا / لازما طبيعيا وبيانه أن أعضاء الإنسان بحكم السلامة الأصلية والصلاحية الطبيعية صالحة للفعل والترك ، والإقدام والإحجام ، فما لم يحصل في القلب ميل إلى ترجيح الفعل على الترك أو بالعكس فإنه يمتنع صدور الفعل ، وذلك الميل هو الإرادة الجازمة ، والقصد الجازم . ثم إن تلك الإرادة الجازمة لا تحصل إلا عند حصول علم أو اعتقاد أو ظن بأن ذلك الفعل سبب للنفع أو سبب للضرر فإن لم يحصل فيه هذا الإعتقاد لم يحصل الميل لا إلى الفعل ولا إلى الترك ، فالحاصل أن الإنسان إذا أحس بشيء ترتب عليه شعوره بكونه ملائما له أو بكونه منافرا له أو بكونه غير ملائم ولا منافر ، فإن حصل الشعور بكونه ملائما له ترتب عليه الميل الجازم إلى الفعل وإن حصل الشعور بكونه منافرا له ترتب عليه الميل الجازم إلى الترك ، وإن لم يحصل لا هذا ولا ذاك لم يحصل الميل لا إلى ذلك الشيء ولا إلى ضده ، بل بقي الإنسان كما كان ، وعند حصول ذلك الميل الجازم تصير القدرة مع ذلك الميل موجبة للفعل . إذا عرفت هذا فنقول : صدور الفعل عن مجموع القدرة والداعي الحاصل أمر واجب فلا يكون للشيطان مدخل فيه وصدور الميل عن تصور كونه خيرا أو تصور كونه شرا أمر واجب فلا يكون للشيطان فيه مدخل وحصول كونه خيرا أو تصورا كونه شرا عن مطلق الشعور بذاته أمر لازم فلا مدخل للشيطان فيه / فلم يبق للشيطان مدخل في شيء من هذه المقامات إلا في أن يذكره شيئا بأن يلقي إليه حديثه مثل أن الإنسان كان غافلا عن صورة امرأة فيلقي الشيطان حديثها في خاطره فالشيطان لا قدرة له إلا في هذا المقام ، وهو عين ما حكى الله تعالى عنه أنه قال : { وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى فلا تلومونى } يعني ما كان مني إلا مجرد هذه الدعوة فأما بقية المراتب فما صدرت مني وما كان لي فيها أثر ألبتة . بقي في هذا المقام سؤالان : السؤال الأول : كيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه .

Bölüm V19/P088–V19/P089

والجواب : للناس في الملائكة والشياطين قولان : القول الأول : أن ما سوى الله بحسب القسمة العقلية على أقسام ثلاثة : المتحيز ، والحال في المتحيز ، والذي لا يكون متحيزا ولا حالا فيه ، وهذا القسم الثالث لم يقم الدليل ألبتة على فساد القول به بل الدلائل الكثيرة قامت على صحة القول به ، وهذا هو المسمى بالأرواح فهذه الأرواح إن كانت طاهرة مقدسة من عالم الروحانيات القدسية فهم الملائكة وإن كانت خبيثة داعية إلى الشرور وعالم الأجساد ومنازل الظلمات فهم الشياطين . / إذا عرفت هذا فنقول : فعلى هذا التقدير الشيطان لا يكون جسما يحتاج إلى الولوج في داخل البدن بل هو جوهر روحاني خبيث الفعل مجبول على الشر ، والنفس الإنسانية أيضا كذلك فلا يبعد على هذا التقدير في أن يلقى شيء من تلك الأرواح أنواعا من الوساوس والأباطيل إلى جوهر النفس الإنسانية ، وذكر بعض العلماء في هذا الباب احتمالا ثانيا ، وهو أن النفوس الناطقة البشرية مختلفة بالنوع ، فهي طوائف ، وكل طائفة منها في تدبير روح من الأرواح السماوية بعينها ، فنوع من النفوس البشرية تكون حسنة الأخلاق كريمة الأفعال موصوفة بالفرح والبشر وسهولة الأمر ، وهي تكون منتسبة إلى روح معين من الأرواح السماوية ، وطائفة أخرى منها تكون موصوفة بالحدة والقوة والغلظة ، وعدم المبالاة بأمر من الأمور ، وهي تكون منتسبة إلى روح آخر من الأرواح السماوية وهذه الأرواح البشرية كالأولاد لذلك الروح السماوي وكالنتائج الحاصلة ، وكالفروع المتفرعة عليها ، وذلك الروح السماوي هو الذي يتولى إرشادها إلى مصالحها ، وهو الذي يخصها بالإلهامات حالتي النوم واليقظة . والقدماء كانوا يسمون ذلك الروح السماوي بالطباع التام ولا شك أن لذلك الروح السماوي الذي هو الأصل والينبوع شعبا كثيرة ونتائج كثيرة وهي بأسرها تكون من جنس روح هذا الإنسان وهي لأجل مشاكلتها ومجانستها يعين بعضها بعضا على الأعمال اللائقة بها والأفعال المناسبة لطبائعها ، ثم إنها إن كانت خيرة طاهرة طيبة كانت ملائكة وكانت تلك الإعانة مسماة بالإلهام . وإن كانت شريرة خبيثة قبيحة الأعمال كانت شياطين وكانت تلك الإعانة مسماة بالوسوسة ، وذكر بعض العلماء أيضا فيه احتمالا ثالثا ، وهو أن النفوس البشرية والأرواح الإنسانية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان وكملت فيها فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن نوع تعلق بسبب المشاكلة الحاصلة بين هذا البدن وبين ما كان بدنا لتلك النفس المفارقة ، فيصير لتلك النفس المفارقة تعلق شديد بهذا البدن وتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن ، ومعاضدة لها على أفعالها وأحوالها بسبب هذه المشاكلة ثم إن كان هذا المعنى في أبواب الخير والبركات كان ذلك إلهاما وإن كان في باب الشر كان وسوسة فهذه وجوه محتملة تفريعا على القول بإثبات جواهر قدسية مبرأة عن الجسمية والتحيز / والقول بالأرواح الطاهرة والخبيثة كلام مشهور عند قدماء الفلاسفة فليس لهم أن ينكروا إثباتها على صاحب شريعتنا محمد صلى الله عليه وسلم .

Bölüm V19/P089–V19/P090

وأما القول الثاني : وهو أن الملائكة والشياطين لا بد وأن تكون أجساما فنقول : إن على / هذا التقدير يمتنع أن يقال إنها أجسام كثيفة ، بل لا بد من القول بأنها أجسام لطيفة والله سبحانه ركبها تركيبا عجيبا وهي أن تكون مع لطافتها لا تقبل التفرق والتمزق والفساد والبطلان ونفوذ الأجرام اللطيفة في عمق الأجرام الكثيفة غير مستبعد ألا ترى أن الروح الإنسانية جسم لطيف ، ثم إنه نفذ في داخل عمق البدن فإذا عقل ذلك فكيف يستبعد نفوذ أنواع كثيرة من الأجسام اللطيفة في داخل هذا البدن ، أليس أن جرم النار يسري في جرم الفحم ، وماء الورد يسري في ورق الورد ، ودهن السمسم يجري في جسم السمسم فكذا ههنا ، فظهر بما قررنا أن القول بإثبات الجن والشياطين أمر لا تحيله العقول ولا تبطله الدلائل ، وأن الإصرار على الإنكار ليس إلا من نتيجة الجهل وقلة الفطنة ، ولما ثبت أن القول بالشياطين ممكن في الجملة فنقول : الأحق والأولى أن يقال : الملائكة على هذا القول مخلوقون من النور ، والشياطين مخلوقون من الدخان واللهب ، كما قال الله تعالى : { والجآن خلقناه من قبل من نار السموم } ( الحجر : 27 ) وهذا الكلام من المشهورات عند قدماء الفلاسفة ، فكيف يليق بالعاقل أن يستبعده من صاحب شريعتنا محمد صلى الله عليه وسلم . السؤال الثاني : لم قال الشيطان : { فلا تلومونى ولوموا أنفسكم } وهو أيضا ملوم بسبب اقدامه على تلك الوسوسة الباطلة . والجواب : أراد بذلك فلا تلوموني على ما فعلتم ولوموا أنفسكم عليه ، لأنكم عدلتم عما توجبه هداية الله تعالى لكم . ثم قال الله تعالى حكاية عن الشيطان أنه قال : { ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخى } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال ابن عباس : بمغيثكم ولا منقذكم ، قال ابن الأعرابي : الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث . يقال : صرخ فلان إذا استغاث وقال : واغوثاه وأصرحته أغثته . المسألة الثانية : قرأ حمزة : بمصرخي بكسر الياء . قال الواحدي : وهي قراءة الأعمش ويحيى بن وثاب . قال الفراء : ولعلها من وهم القراء فإنه قل من سلم منهم عن الوهم ولعله ظن أن الباء في قوله { بمصرخى } خافضة لجملة هذه الكلمة وهذا خطأ لأن الياء من المتكلم خارجة من ذلك قال ، ومما نرى أنهم وهموا فيه قوله : { نوله ما تولى ونصله جهنم } ( النساء : 115 ) بجزم الهاء ظنوا والله أعلم أن الجزم في الهاء وهو خطأ ، لأن الهاء في موضع نصب وقد انجزم الفعل قبلها بسقوط الياء منه ، ومن النحويين من تكلف في ذكر وجه لصحته إلا أن الأكثرين قالوا إنه لحن والله أعلم . ثم قال تعالى حكاية عنه : { إنى كفرت بما أبويك من قبل } وفيه مسائل :

Bölüm V19/P090–V19/P091

/ المسألة الأولى : ( ما ) في قوله : { إنى كفرت بما أبويك من قبل } فيه قولان : الأول : إنها مصدرية والمعنى : كفرت بإشراككم إياي مع الله تعالى في الطاعة ، والمعنى : أنه جحد ما كان يعتقده أولئك الأتباع من كون إبليس شريكا لله تعالى في تدبير هذا العالم وكفر به ، أو يكون المعنى أنهم كانوا يطيعون الشيطان في أعمال الشر كما كانوا قد يطيعون الله في أعمال الخير وهذا هو المراد بالإشراك . والثاني : وهو قول الفراء أن المعنى أن إبليس قال : إني كفرت بالله الذي أشركتموني به من قبل كفركم ، والمعنى : أنه كان كفره قبل كفر أولئك الأتباع ويكون المراد بقوله : ( ما ) في هذا الموضع ( من ) والقول هو الأول ، لأن الكلام إنما ينتظم بالتفسير الأول / ويمكن أن يقال أيضا الكلام منتظم على التفسير الثاني ، والتقدير كأنه يقول : لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت قبل أن وقعتم في الكفر وما كان كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة ، وعلى هذا التقدير ينتظم الكلام . أما قوله : { إن الظالمين لهم عذاب أليم } فالأظهر أنه كلام الله عز وجل وأن كلام إبليس تم قبل هذا الكلام ، ولا يبعد أيضا أن يكون ذلك من بقية كلام إبليس قطعا لأطماع أولئك الكفار عن الإعانة والإغاثة ، والله أعلم . ! 7 < { وأدخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام } > 7 ! < < إبراهيم : ( 23 ) وأدخل الذين آمنوا . . . . . > > وفيه مسألتان : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بالغ في شرح أحوال الأشقياء من الوجوه الكثيرة ، شرح أحوال السعداء ، وقد عرفت أن الثواب يجب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، فالمنفعة الخالصة إليها الإشارة بقوله تعالى : { وأدخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الانهار } وكونها دائمة أشير إليه بقوله : { خالدين فيها } والتعظيم حصل من وجهين : أحدهما : أن تلك المنافع إنما حصلت بإذن الله تعالى وأمره . والثاني : قوله : { تحيتهم فيها سلام } لأن بعضهم يحيي بعضا بهذه الكلمة ، والملائكة يحيونهم بها كما قال : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم } ( الرعد : 23 ) والرب الرحيم يحييهم أيضا بهذه الكلمة كما قال : { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) . واعلم أن السلام مشتق من السلامة وإلا ظهر أن المراد أنهم سلموا من آفات الدنيا وحسراتها أو فنون آلامها وأسقامها ، وأنواع غمومها وهمومها ، وما أصدق ما قالوا ، فإن السلامة من محن عالم الأجسام الكائنة الفاسدة من أعظم النعم ، لا سيما إذا حصل بعد الخلاص منها الفوز بالبهجة الروحانية والسعادة الملكية . المسألة الثانية : قرأ الحسن : { وأدخل الذين ءامنوا } على معنى وأدخلهم أنا ، وعلى هذه القراءة فقوله : { بإذن ربهم } متعلق بما بعده ، أي تحيتهم فيها سلام بإذن ربهم . يعني : أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم . ! 7 < { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السمآء تؤتىأكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الا رض ما لها من قرار } > 7 < إبراهيم : ( 24 - 26 ) ألم تر كيف . . . . . > >

Sorular