Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
/ أما قوله : { عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل } فهو نظير قول جده إبراهيم عليه السلام : { إنى ذاهب إلى ربى سيهدين } ( الصافات : 99 ) وموسى عليه السلام قلما يذكر كلاما في الاستدلال والجواب والدعاء والتضرع إلا ما ذكره إبراهيم عليه السلام ، وهكذا الخلف الصدق للسلف الصالح صلوات الله عليهم وعلى جميع الطيبين المطهرين { ولما ورد ماء مدين } وهو الماء الذي يسقون منه وكان بئرا فيما روي ووروده مجيئه والوصول إليه { وجد عليه } أي فوق شفيره ومستقاه { أمة } جماعة كثيرة العدد { من الناس } من أناس مختلفين { ووجد من دونهم } في مكان أسفل من مكانهم { امرأتين تذودان } والذود الدفع والطرد فقوله ( تذودان ) أي تحبسان ثم فيه أقوال : الأول : تحبسان أغنامهما واختلفوا في علة ذلك الحبس على وجوه : أحدها : قال الزجاج لأن على الماء من كان أقوى منهما فلا يتمكنان من السقي وثانيها : كانتا تكرهان المزاحمة على الماء وثالثها : لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم ورابعها : لئلا تختلطا بالرجال القول الثاني : كانتا تذودان عن وجوههما نظرا الناظر ليراهما والقول الثالث : تذودان الناس عن غنمهما القول الرابع : قال الفراء تحبسانها عن أن تتفرق وتتسرب { قال ما خطبكما } أي ما شأنكما وحقيقته ما مخطوبكما أي مطلوبكما من الذياد فسمى المخطوب خطبا كما يسمى المشئون شأنا في قولك ما شأنك { قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير } وذلك يدل على ضعفهما عن السقي من وجوه : أحدها : أن العادة في السقي للرجال ، والنساء يضعفن عن ذلك وثانيها : ما ظهر من ذودهما الماشية على طريق التأخير وثالثها : قولهما حتى يصدر الرعاء ورابعها : انتظارهما لما يبقى من القوم من الماء وخامسها : قولهما : { وأبونا شيخ كبير } ودلالة ذلك على أنه لو كان قويا حضر ولو حضر لم يتأخر السقي ، فعند ذلك سقى لهما قبل صدر الرعاء ، وعادتا إلى أبيهما قبل الوقت المعتاد . قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم بفتح الياء وضم الدال ، وقرأ الباقون بضم الياء ، وكسر الدال فالمعنى في القرارة الأولى حتى ينصرفوا عن الماء ويرجعوا عن سقيهم وصدر ضد ورد ، ومن قرأ بضم الياء فالمعنى في القراءة حتى يصدر القوم مواشيهم .
أما قوله : { فسقى لهما } أي سقى غنمهما لأجلهما ، وفي كيفية السقي أقوال : أحدها : أنه عليه السلام سأل القوم أن يسمحوا فسمحوا وثانيهما : قال قوم عمد إلى بئر على رأسه صخرة لا يقلها إلا عشرة ، وقيل أربعون ، وقيل مائة فنحاها بنفسه واستقى الماء من ذلك البئر وثالثها : أن القوم لما زاحمهم موسى عليه السلام تعمدوا إلقاء ذلك الحجر على رأس البئر فهو عليه السلام رمى ذلك الحجر وسقى لهما وليس بيان ذلك في القرآن والله أعلم بالصحيح منه ، لكن المرأة وصفت موسى عليه السلام بالقوة فدل ذلك على أنها شاهدت منه ما يدل على فضل قوته ، وقال تعالى : { ثم تولى إلى الظل } وفيه دلالة على أنه سقى لهما في شمس وحر ، وفيه دلالة أيضا على كمال قوة موسى عليه السلام ، قال الكلبي : أتى موسى أهل الماء فسألهم دلوا من ماء ، فقالوا له إن / شئت ائت الدلو فاستق لهما قال نعم ، وكان يجتمع على الدلو أربعون رجلا حتى يخرجوه من البئر فأخذ موسى عليه السلام الدلو فاستقى به وحده وصب في الحوض ودعا بالبركة ثم قرب غنمهما فشربت حتى رويت ثم سرحهما مع غنمهما . فإن قيل كيف ساغ لنبي الله الذي هو شعيب أن يرضى لابنتيه بسقي الماشية ؟ قلنا ليس في القرآن ما يدل على أن أباهما كان شعيبا والناس مختلفون فيه ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما إن أباهما هو بيرون ابن أخي شعيب وشعيب مات بعدما عمي وهو اختيار أبي عبيد وقال الحسن إنه رجل مسلم قبل الدين عن شعيب على أنا وإن سلمنا أنه كان شعيبا عليه السلام لكن لا مفسدة فيه لأن الدين لا يأباه ، وأما المروءة فالناس فيها مختلفون وأحوال أهل البادية غير أحوال أهل الحضر ، لا سيما إذا كانت الحالة حالة الضرورة . وأما قوله : { قال رب إنى لما أنزلت إلى من خير فقير } فالمعنى إني لأي شيء أنزلت إلي من خير قليل أو كثير غث أو سمين لفقير ، وإنما عدى فقيرا باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب . واعلم أن هذا الكلام يدل على الحاجة ، إما إلى الطعام أو إلى غيره ، إلا أن المفسرين حملوه على الطعام قال ابن عباس يريد طعاما يأكله ، وقال الضحاك مكث سبعة أيام لم يذق فيها طعاما إلا بقل الأرض / وروي أن موسى عليه السلام لما قال ذلك رفع صوته ليسمع المرأتين ذلك ، فإن قيل إنه عليه السلام لما بقي معه من القوة ما قدر بها على حمل ذلك الدلو العظيم ، فكيف يليق بهمته العالية أن يطلب الطعام ، أليس أنه عليه السلام قال : ( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي قوة سوي ) ؟ قلنا أما رفع الصوت بذلك لإسماع المرأتين وطلب الطعام فذاك لا يليق بموسى عليه السلام ألبتة فلا تقبل تلك الرواية ولكن لعله عليه السلام قال ذلك في نفسه مع ربه تعالى ، وفي الآية وجه آخر كأنه قال رب إني بسبب ما أنزلت إلي من خير الدين صرت فقيرا في الدنيا لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة ، فقال ذلك رضي بهذا البدل وفرحا به وشكرا له ، وهذا التأويل أليق بحال موسى عليه السلام .
أما قوله تعالى : { فجاءته إحداهما تمشى على استحياء } فقوله { على استحياء } في موضع الحال أي مستحيية ، قال عمر بن الخطاب قد استترت بكم قميصها ، وقيل ماشية على بعد مائلة عن الرجال وقال عبد العزيز بن أبي حازم على إجلال له ومنهم من يقف على قوله : { تمشى } ثم يبتدىء فيقول : { على استحياء } قالت : { إن أبى يدعوك } يعني أنها على الاستحياء قالت هذا القول لأن الكريم إذا دعا غيره إلى الضيافة يستحيي ، لا سيما المرأة وفي ذلك دلالة على أن شعيبا لم يكن له معين سواهما وروي أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس ، قال لهما ما أعجلكما قالتا وجدنا رجلا صالحا رحمنا فسقى لنا ، فقال لإحداهما اذهبي فادعيه لي ، أما الاختلاف في أن ذلك الشيخ كان شعيبا عليه السلام أو غيره فقد تقدم ، والأكثرون على أنه شعيب . وقال محمد بن إسحاق في البنتين اسم الكبرى صفورا ، والصغرى ليا ، وقال غيره صفرا وصفيرا ، وقال الضحاك صافورا والتي جاءت إلى / موسى عليه السلام هي الكبرى على قول الأكثرين ، وقال الكلبي الصغرى ، وليس في القرآن دلالة على شيء من هذه التفاصيل . أما قوله : { قالت إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } ففيه إشكالات : أحدها : كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يعمل بقول امرأة وأن يمشي معها وهي أجنبية ، فإن ذلك يورث التهمة العظيمة ، وقال عليه السلام : ( اتقوا مواضع التهم ) ؟ وثانيها : أنه سقى أغنامهما تقربا إلى الله تعالى فكيف يليق به أخذ الأجرة عليه فإن ذلك غير جائز في المروءة ، ولا في الشريعة ؟ وثالثها : أنه عرف فقرهن وفقر أبيهن وعجزهم وأنه عليه السلام كان في نهاية القوة بحيث كان يمكنه الكسب الكثير بأقل سعي ، فكيف يليق بمروءة مثله طلب الأجرة على ذلك القدر من السقي من الشيخ الفقير والمرأة الفقيرة ؟ ورابعها : كيف يليق بشعيب النبي عليه السلام أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شاب قبل العلم بكون ذلك الرجل عفيفا أو فاسقا ؟ والجواب : عن الأول أن نقول : أما العمل بقول امرأة فكما نعمل بقول الواحد حرا كان أو عبدا ذكرا كان أو أنثى في الأخبار وما كانت إلا مخبرة عن أبيها ، وأما المشي مع المرأة فلا بأس به مع الاحتياط والتورع والجواب : عن الثاني ، أن المرأة وإن قالت ذلك فلعل موسى عليه السلام ما ذهب إليهم طلبا للأجرة بل للتبرك برؤية ذلك الشيخ ، وروي أنها لما قالت ليجزيك كره ذلك ، ولما قدم إليه الطعام امتنع ، وقال إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بدنيانا ، ولا نأخذ على المعروف ثمنا ، حتى قال شعيب عليه السلام هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا ، وأيضا فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ إلى حيث ما كان يطيق تحمله فقبل ذلك على سبيل الاضطرار وهذا هو الجواب : عن الثالث فإن الضرورات تبيح المحظورات والجواب : عن الرابع لعله عليه السلام كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها فكان يعتمد عليها .
أما قوله : { فلما جاءه } قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقام يمشي والجارية أمامه فهبت الريح فكشفت عنها فقال موسى عليه السلام إني من عنصر إبراهيم عليه السلام فكوني من خلفي حتى لا ترفع الريح ثيابك فأرى ما لا يحل لي ، فلما دخل على شعيب فإذا الطعام موضوع ، فقال شعيب تناول يا فتى ، فقال موسى عليه السلام أعوذ بالله قال شعيب ولم ؟ قال لأنا من أهل بيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهبا ، فقال شعيب ولكن عادتي وعادة آبائي إطعام الضيف فجلس موسى عليه السلام فأكل ، وإنما كره أكل الطعام خشية أن يكون ذلك أجرة له على عمله ، ولم يكره ذلك مع الخضر حين قال : { لو شئت لاتخذت عليه أجرا } ( الكهف : 77 ) والفرق أن أخذ الأجر على الصدقة لا يجوز ، أما الاستئجار ابتداء فغير مكروه . أما قوله : { وقص عليه القصص } فالقصص مصدر كالعلل سمي به المقصوص ، قال الضحاك لما دخل عليه قال له من أنت يا عبدالله ، فقال أنا موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب وذكر له جميع أمره من لدن ولادته وأمر القوابل والمراضع والقذف في اليم ، وقتل / القبطي وأنهم يطلبونه ليقتلوه ، فقال شعيب : { لا تخف نجوت من القوم الظالمين } أي لا سلطان له بأرضنا فلسنا في مملكته وليس في الآية دلالة على أنه قال ذلك عن الوحي أو على ما تقتضيه العادة . فإن قيل : المفسرون قالوا إن فرعون يوم ركب خلف موسى عليه السلام ركب في ألف ألف وستمائة ألف ، فالملك الذي هذا شأنه كيف يعقل أن لا يكون في ملكه قرية على بعد ثمانية أيام من دار مملكته ؟ قلنا هذا وإن كان نادرا إلا أنه ليس بمحال . أما قوله : { قالت إحداهما ياأبت ياأبت استجره إن خير من استجرت القوى الامين } ففيه مسائل : المسألة الأولى : وصفته بالقوة لما شاهدت من كيفية السقي وبالأمانة لما حكينا من غض بصره حال ذودهما الماشية وحال سقيه لهما وحال مشيه بين يديها إلى أبيها . المسألة الثانية : إنما جعل { خير من استجرت } اسما و { القوى الامين } خبرا مع أن العكس أولى لأن العناية هي سبب التقديم . المسألة الثالثة : القوة والأمانة لا يكفيان في حصول المقصود ما لم ينضم إليهما الفطنة والكياسة ، فلم أهمل أمر الكياسة ؟ ويمكن أن يقال إنها داخلة في الأمانة ، عن ابن مسعود رضي الله : ( أفرس الناس ثلاثة بنت شعيب وصاحب يوسف وأبو بكر في عمر ) .
أما قوله : { قال إنى أريد أنكحك إحدى ابنتى } فلا شبهة في أن هذا اللفظ ، وإن كان على الترديد لكنه عند التزويج عين ولا شبهة في أن العقد وقع على أقل الأجلين ، فكانت الزيادة كالتبرع ، والفقهاء ربما استدلوا به على أن العمل قد يكون مهرا كالمال وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمن جائز ، ولكنه شرع من قبلنا فلا يلزمنا ، ويدل على أنه قد كان جائزا في تلك الشريعة أن يشرط للولي منفعة ، وعلى أنه كان جائزا في تلك الشريعة نكاح المرأة بغير بدل تستحقه المرأة وعلى أن عقد النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها العقد ، ثم قال : { هاتين على أن تأجرنى ثمانى حجج } تأجرني من أجرته إذا كنت له أجيرا وثماني حجج ظرفه أو من أجرته كذا إذا أثبته إياه ومنه أجركم الله ورحمكم وثماني حجج مفعول به ومعناه رعية ثماني حجج ثم قال : { وما أريد أن أشق عليك } وفيه وجهان : الأول : لا أريد أن أشق عليك بإلزام أثم الرجلين ، فإن قيل ما حقيقة قولهم شققت عليه وشق عليه الأمر ؟ قلنا حقيقته أن الأمر إذا تعاظمك فكأنه شق عليك ظنك باثنين ، تقول تارة أطيقه وتارة لا أطيقه الثاني : لا أريد أن أشق عليك في الرعي ولكني أساهلك فيها وأسامحك بقدر الإمكان ولا أكلفك الاحتياط الشديد في كيفية الرعي / وهكذا كان الأنبياء عليهم السلام آخذين بالأسمح في معاملات الناس ، ومنه الحديث ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شريكي فكان خير شريك لا يداري ولا يشاري ولا يماري ) ثم قال : { ستجدنى إن شاء الله من الصالحين } وفيه وجهان : الأول : يريد بالصلاح حسن المعاملة ولين الجانب والثاني : يريد الصلاح على العموم ويدخل تحته حسن المعاملة ، وإنما قال إن شاء الله للاتكال على توفيقه ومعونته . / فإن قيل فالعقد كيف ينعقد مع هذا الشرط ، فإنك لو قلت امرأتي طالق إن شاء الله لا تطلق ؟ قلنا هذا مما يختلف بالشرائع . أما قوله تعالى : { قال ذلك بينى وبينك } فاعلم أن ذلك مبتدأ وبيني وبينك خبره وهو إشارة إلى ما عاهده عليه شعيب عليه السلام ، يريد ذلك الذي قلته وعاهدتني عليه قائم بيننا جميعا لا يخرج كلانا عنه لا أنا عما شرطت علي ولا أنت عما شرطت على نفسك ، ثم قال : { أيما الاجلين قضيت } من الأجلين أطولهما الذي هو العشر أو أقصرهما الذي هو الثمان { فلا عدوان على } أي لا يعتدي علي في طلب الزيادة أراد بذلك تقرير أمر الخيار يعني إن شاء هذا وإن شاء هذا ويكون اختيار الأجل الزائد موكولا إلى رأيه من غير أن يكون لأحد عليه إجبار ، ثم قال : { والله على ما نقول وكيل } والوكيل هو الذي وكل إليه الأمر ولما استعمل الوكيل في معنى الشاهد عدي بعلي لهذا السبب . ! 7 < { فلما قضى موسى الا جل وسار بأهله ءانس من جانب الطور نارا قال لاهله امكثوا إنىءانست نارا لعلىءاتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون فلمآ أتاها نودى من شاطىء الوادى الأيمن فى البقعة المباركة من الشجرة أن ياموسى إنىأنا الله رب العالمين وأن ألق عصاك فلما رءاها تهتز كأنها جآن ولى مدبرا ولم يعقب ياموسى أقبل ولا تخف إنك من الا منين اسلك يدك فى جيبك تخرج بيضآء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين } . > 7 < القصص : ( 29 - 32 ) فلما قضى موسى . . . . . > >
/ اعلم أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( تزوج صغراهما وقضى أوفاهما ) أي قضى أوفى الأجلين ، وقال مجاهد قضى الأجل عشر سنين ومكث بعد ذلك عنده عشر سنين وقوله : { فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله ءانس } يدل على أن ذلك الإيناس حصل عقيب مجموع الأمرين ولا يدل على أنه حصل عقيب أحدهما وهو قضاء الأجل ، فبطل ما قاله القاضي من أن ذلك يدل على أنه لم يزد عليه وقوله : { وسار بأهله } ليس فيه دلالة على أنه خرج منفردا معها وقوله : { امكثوا } فيه دلالة على الجمع . أما قوله : { إنى آنست نارا } فقد مر تفسيره في سورة طه والنمل . أما قوله : { فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله ءانس من جانب الطور } ففيه أبحاث : الأول : قال صاحب ( الكشاف ) الجذوة باللغات الثلاث وقد قرىء بهن جميعا وهو العود الغليظ كانت في رأسه نار أو لم تكن ، قال الزجاج الجذوة القطعة الغليظة من الحطب . الثاني : قد حكينا في سورة طه أنه أظلم عليه الليل في الصحراء وهبت ريح شديدة فرقت ماشيته وضل وأصابهم مطر فوجدوا بردا شديدا فعنده أبصر نارا بعيدة فسار إليها يطلب من يدله على الطريق وهو قوله : { منها بخبر أو } أو آتيكم من هذه النار بجذوة من الحطب لعلكم تصطلون وفي قوله : { فلما قضى موسى الاجل } دلالة على إنه ضل وفي قوله : { لعلكم تصطلون } دلالة على البرد . أما قوله : { فلما أتاها نودى من شاطىء الوادى الايمن فى البقعة المباركة من الشجرة أن ياموسى موسى إنى أنا الله رب العالمين } فاعلم أن شاطىء الوادي جانبه وجاء النداء عن يمين موسى من شاطىء الوادي من قبل الشجرة وقوله : { من الشجرة } بدل من قوله : { من شاطىء الوادى } بدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطىء كقوله : { لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم } ( الزخرف : 33 ) وإنما وصف البقعة بكونها مباركة لأنه حصل فيها ابتداء الرسالة وتكليم الله تعالى إياه وههنا مسائل : المسألة الأولى : احتجت المعتزلة على قولهم إن الله تعالى متكلم بكلام يخلقه في جسم بقوله : { من الشجرة } فإن هذا صريح في أن موسى عليه السلام سمع النداء من الشجرة والمتكلم بذلك النداء هو الله سبحانه وهو تعالى منزه أن يكون في جسم فثبت أنه تعالى إنما يتكلم بخلق الكلام في جسم أجاب القائلون بقدم الكلام فقالوا لنا مذهبان الأول : قول أبي منصور الماتريدي وأئمة ما وراء النهر وهو أن الكلام القديم القائم بذات الله تعالى غير مسموع إنما المسموع هو الصوت والحرف وذلك كان مخلوقا في الشجرة ومسموعا منها / وعلى هذا التقدير زال السؤال / الثاني : قول أبي الحسن الأشعري وهو أن الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت يمكن أن يكون مسموعا ، كما أن الذات التي ليست بجسم ولا عرض يمكن أن تكون مرئية فعلى هذا القول لا يبعد أنه سمع الحرف والصوت من الشجرة وسمع الكلام القديم من الله تعالى لا من الشجرة فلا منافاة بين الأمرين ، واحتج أهل السنة بأن محل قوله : { إنى أنا الله رب العالمين } لو كان هو الشجرة لكان قد قالت الشجرة إني أنا الله ، والمعتزلة أجابوا بأن هذا إنما يلزم لو كان المتكلم بالكلام هو محل الكلام لا فاعله وهذا هو أصل المسألة ، أجاب أهل السنة بأن الذراع المسموم قال لا تأكل مني فإني مسموم ففاعل ذلك الكلام هو الله تعالى ، فإن كان المتكلم بالكلام هو فاعل ذلك الكلام لزم أن يكون الله قد قال لا تأكل مني فإني مسموم ، وهذا باطل وإن كان المتكلم هو محل الكلام لزم أن تكون الشجرة قد قالت إني أنا الله وكل ذلك باطل .
المسألة الثانية : يحتمل أن يقال إنه تعالى خلق فيه علما ضروريا بأن ذلك الكلام كلام الله ، والمعتزلة لا يرضون بذلك قالوا لأنه لو علم بالضرورة أن ذلك الكلام كلام الله لوجب أن يعلم بالضرورة وجود الله تعالى لأنه يستحيل أن تكون الصفة معلومة بالضرورة والذات معلومة بالنظر ولو علم موسى أنه الله تعالى بالضرورة لزال التكليف ويحتمل أن يقال إنه تعالى لما أسمعه الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت عرف أن مثل ذلك الكلام لا يمكن أن يكون كلام الخلق ويحتمل أن يقال إن ظهور الكلام من الشجرة كظهور التسبيح من الحصى في أنه يعلم أن مثل ذلك لا يكون إلا من الله تعالى ، ويحتمل أن يكون المعجز هو أنه رأى النار في الشجرة الرطبة فعلم أنه لا يقدر على الجمع بين النار وبين خضرة الشجرة إلا الله تعالى ، ويحتمل أن يصح ما يروى أن إبليس لما قال له كيف عرفت أنه نداء الله تعالى ؟ قال لأني سمعته بجميع أجزائي ، فلما وجد حس السمع من جميع الأجزاء علم أن ذلك مما لا يقدر عليه أحد سوى الله تعالى ، وهذا إنما يصح على مذهبنا حيث قلنا البنية ليست شرطا . المسألة الثالثة : قال في سورة النمل ( 8 ) { نودى أن بورك من فى النار ومن حولها } وقال ههنا { ياموسى إنى أنا الله رب العالمين } وقال في طه ( 11 ، 12 ) : { نودى إنى أنا ربك } ولا منافاة بين هذه الأشياء فهو تعالى ذكر الكل إلا أنه حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه ذلك النداء . المسألة الرابعة : قال الحسن إن موسى عليه السلام نودي نداء الوحي لا نداء الكلام والدليل عليه قوله تعالى : { فاستمع لما يوحى } قال الجمهور إن الله تعالى كلمه من غير واسطة والدليل عليه قوله تعالى : { وكلم الله موسى تكليما } ( النساء : 164 ) وسائر الآيات ، وأما الذي تمسك به الحسن فضعيف لأن قوله : { فاستمع لما يوحى } لم يكن بالوحي لأنه لو كان ذلك أيضا بالوحي لانتهى آخر الأمر إلى كلام يسمعه المكلف لا بالوحي وإلا لزم التسلسل بل المراد من قوله : { فاستمع لما يوحى } وصيته بأن يتشدد في الأمور التي تصل إليه في مستقبل الزمان بالوحي .
/ أما قوله : { وأن ألق عصاك فلما رءاها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب ياموسى موسى أقبل ولا تخف إنك من الامنين } فقد تقدم تفسير كل ذلك ، وقوله { كأنها جان } صريح في أنه تعالى شبهها بالجان ولم يقل إنه في نفسه جان ، فلا يكون هذا مناقضا لكونه ثعبانا بل شبهها بالجان من حيث الاهتزاز والحركة لا من حيث المقدار ، وقد تقدم الكلام في خوفه / ومعنى { ولم يعقب } لم يرجع ، يقال عقب المقاتل إذا كر بعد الفر ، وقال وهب إنها لم تدع شجرة ولا صخرة إلا ابتلعتها حتى سمع موسى عليه السلام صرير أسنانها وسمع قعقعة الصخر في جوفها فحينئذ ولى ، واختلفوا في العصا على وجوه : أحدها : قالوا إن شعيبا كانت عنده عصي الأنبياء عليهم السلام ، فقال لموسى بالليل إذا دخلت ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي ، فأخذ عصا هبط بها آدم عليه السلام من الجنة ولم تزل الأنبياء تتوارثها حتى وقعت إلى شعيب عليه السلام فقال أرني العصا فلمسها وكان مكفوفا فضن بها فقال خذ غيرها فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له معها شأنا . وروي أيضا أن شعيبا عليه السلام أمر ابنته أن تأتي بعصا لأجل موسى عليه السلام فدخلت البيت وأخذت العصا وأتته بها فلما رآها الشيخ قال ائتيه بغيرها فألقتها وأرادت أن تأخذ غيرها فلم يقع في يدها غيرها ، فلما رأى الشيخ ذلك رضي به ثم ندم بعد ذلك وخرج يطلب موسى عليه السلام فلما لقيه قال أعطني العصا ، قال موسى هي عصاي فأبى أن يعطيه إياها فاختصما ، ثم توافقا على أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما فأتاهما ملك يمشي فقضى بينهما فقال ضعوها على الأرض فمن حملها فهي له فعالجها الشيخ فلم يطق وأخذها موسى عليه السلام بسهولة ، فتركها الشيخ لع ورعى له عشر سنين وثانيها : روى ابن صالح عن ابن عباس قال كان في دار بيرون ابن أخي شعيب بيت لا يدخله إلا بيرون وابنته التي زوجها من موسى عليه السلام ، وأنها كانت تكنسه وتنطفه ، وكان في ذلك البيت ثلاث عشرة عصا ، وكان لبيرون أحد عشر ولدا من الذكور فكلما أدرك منهم ولد أمره بدخول البيت وإخراج عصا من تلك العصي فرجع موسى ذات يوم إلى منزله ، فلم يجد أهله واحتج إلى عصا لرعيه فدخل ذلك البيت وأخذ عصا من تلك العصي وخرج بها فلما علمت المرأة ذلك انطلقت إلى أبيها وأخبرته بذلك فسر بذلك بيرون وقال لها إن زوجك هذا لنبي ، وإن له مع هذه العصا لشأنا وثالثها : في بعض الأخبار أن موسى عليه السلام لما عقد العقد مع شعيب وأصبح من الغد وأراد الرعي قال له شعيب عليه السلام اذهب بهذه الأغنام فإذا بلغت مفرق الطريق فخذ على يسارك ولا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ بها أكثر فإن بها تنينا عظيما فأخشى عليك وعلى الأغنام منه ، فذهب موسى بالأغنام فلما بلغ مفرق الطريق أخذت الأغنام ذات اليمين فاجتهد موسى على أن يردها فلم يقدر فسار على أثرها فرأى عشبا كثيرا ، ثم إن موسى عليه السلام نام والأغنام ترعى وإذا بالتنين قد جاء فقامت عصا موسى عليه السلام فقاتلته حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى وهي دامية فلما استيقظ موسى عليه السلام رأى العصا دامية والتنين / مقتولا فارتاح لذلك وعلم أن لله تعالى في تلك العصا قدرة وآية ، وعاد إلى شعيب عليه السلام وكان ضريرا فمس الأغنام فإذا هي أحسن حالا مما كانت فسأله عن ذلك فأخبره موسى عليه السلام بالقصة ففرح بذلك وعلم أن لموسى عليه السلام وعصاه شأنا ، فأراد أن يجازي موسى عليه السلام على حسن رعيه إكراما وصلة لابنته فقال إني وهبت لك من السخال التي تضعها أغنامي في هذه السنة كل أبلق وبلقاء ، فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن اضرب بعصاك الماء الذي تسقي الغنم منه ففعل ثم سقى الأغنام منه فما أخطت واحدة منها إلا وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء ، فعلم شعيب أن ذلك رزق ساقه الله تعالى إلى موسى عليه السلام وامرأته فوفى له شرطه ورابعها : قال بعضهم تلك العصا هي عصا آدم عليه السلام وإن جبريل عليه السلام أخذ تلك العصا بعد موت آدم عليه السلام فكانت معه حتى لقي بها موسى عليه السلام ربه ليلا وخامسها : قال الحسن ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضا أي أخذها من عرض الشجر يقال اعترض إذا لم يتخير / وعن الكلبي : الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج ومنها كانت عصاه ولا مطمع في ترجيح بعض هذه الوجوه على بعض لأنه ليس في القرآن ما يدل عليها والأخبار متعارضة والله أعلم بها .
أما قوله تعالى : { اسلك يدك فى جيبك تخرج بيضاء من غير سوء } فاعلم أن الله تعالى قد عبر عن هذا المعنى بثلاث عبارات أحدها : هذه وثانيها : قوله في طه ( 22 ) { واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء } وثالثها : قوله في النمل ( 12 ) { وأدخل يدك فى جيبك } قال العزيزي في غريب القرآن : { اسلك يدك فى جيبك } أدخلها فيه . أما قوله : { واضمم إليك جناحك من الرهب } فأحسن الناس كلاما فيه ، قال صاحب ( الكشاف ) : فيه معنيان أحدهما : أن موسى عليه السلام لما قلب الله له العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء ، فقيل له إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء ، فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران اجتناب ما هو غضاضة عليك وإظهار معجزة أخرى ، والمراد بالجناح اليد لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر ، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى فقد ضم جناحه إليه الثاني : أن يراد بضم جناحه إليه تجلده وضبطه نفسه وتشدده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب استعاره من فعل الطائر ، لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران ، ومعنى قوله : { من الرهب } من أجل الرهب ، أي إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك وقوله : { اسلك يدك فى جيبك } على أحد التفسيرين واحد ، ولكن خولف بين العبارتين ، وإنما كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين ، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء وفي الثاني إخفاء الرهب ، فإن قيل قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين / مضموما وفي الآخر مضموما إليه ، وذلك قوله : { واضمم إليك جناحك } وقوله : { واضمم يدك إلى جناحك } ( طه : 22 ) فما التوفيق بينهما ؟ قلنا المراد بالجناح المضموم هو اليد اليمنى ، وبالمضموم إليه اليد اليسرى ، وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح ، هذا كله كلام صاحب ( الكشاف ) وهو في نهاية الحسن . أما قوله تعالى : { فذانك } قرىء مخففا ومشددا ، فالمخفف مثنى ( ذا ) ، والمشدد مثنى ( ذان ) ، قوله : { برهانان من ربك } حجتان نيرتان على صدقه في النبوة وصحة ما دعاهم إليه من التوحيد ، وظاهر الكلام يقتضي أنه تعالى أمره بذلك قبل لقاء فرعون حتى عرف ما الذي يظهره عنده من المعجزات ، لأنه تعالى حكى بعد ذلك عن موسى عليه السلام أنه قال : { إنى قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون } ( القصص : 33 ) قال القاضي : وإذا كان كذلك فيجب أن يكون في حال ظهور البرهانين هناك من دعاه إلى رسالته من أهله أو غيرهم ، إذا المعجزات إنما تظهر على الرسل في حال الإرسال لا قبله ، وإنما تظهر لكي يستدل بها غيرهم على الرسالة وهذا ضعيف ، لأنه ثبت أنه لا بد في إظهار المعجزة من حكمة ولا حكمة أعظم من أن يستدل بها الغير على صدق المدعي ، وأما كونه لا حكمة ههنا فلا نسلم ، فلعل هناك أنواعا من الحكم والمقاصد سوى ذلك ، لا سيما وهذه الآيات متطابقة على أنه لم يكن هناك مع موسى عليه السلام أحد .
! 7 < { قال رب إنى قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون وأخى هرون هو أفصح منى لسانا فأرسله معى ردءا يصدقنى إنىأخاف أن يكذبون قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بأاياتنآ أنتما ومن اتبعكما الغالبون فلما جآءهم موسى بأاياتنا بينات قالوا ما هاذآ إلا سحر مفترى وما سمعنا بهاذا فىءابآئنا الا ولين وقال موسى ربىأعلم بمن جآء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون } . > 7 < القصص : ( 33 - 37 ) قال رب إني . . . . . > > / اعلم أنه تعالى لما قال : { فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه } ( القصص : 32 ) تضمن ذلك أن يذهب موسى بهذين البرهانين إلى فرعون وقومه ، فعند ذلك طلب من الله تعالى ما يقوي قلبه ويزيل خوفه فقال : { رب إنى قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون وأخى هرون هو أفصح منى لسانا } لأنه كان في لسانه حبسة ، إما في أصل الخلقة ، وإما لأجل أنه وضع الجمرة في فيه عندما نتف لحية فرعون . أما قوله : { فأرسله معى ردءا يصدقنى } ففيه أبحاث : البحث الأول : الردء اسم ما يستعان به ، فعل بمعنى مفعول به ، كما أن الدفء اسم لما يدفأ به ، يقال ردأت الحائط أردؤه إذا دعمته بخشب أو غيره لئلا يسقط . البحث الثاني : قرأ نافع ( ردا ) بغير همز والباقون بالهمز ، وقرأ عاصم وحمزة ( يصدقني ) برفع القاف ، ويروى ذلك أيضا عن أبي عمرو والباقون بجزم القاف وهو المشهور عن أبي عمرو ، فمن رفع فالتقدير ردءا مصدقا لي ، ومن جزم كان على معنى الجزاء ، يعني أن أرسلته صدقني ونظيره قوله : { فهب لى من لدنك وليا يرثنى } ( مريم : 5 ، 6 ) بجزم الثاء من يرثني . وروى السدي عن بعض شيوخه ردءا كيما يصدقني . البحث الثالث : الجمهور على أن التصديق لهرون ، وقال مقاتل : المعنى كي يصدقني فرعون والمعنى أرسل معي أخي حتى يعاضدني على إظهار الحجة والبيان ، فعند اجتماع البرهانين ربما حصل المقصود من تصديق فرعون . البحث الرابع : ليس الغرض بتصديق هرون أن يقول له صدقت ، أو يقول للناس صدق موسى ، وإنما هو أن يلخص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل ، ويجيب عن الشبهات ويجادل به الكفار فهذا هو التصديق المفيد ، ألا ترى إلى قوله : { وأخى هرون هو أفصح منى لسانا فأرسله معى } وفائدة الفصاحة إنما تظهر فيما ذكرناه لا في مجرد قوله : صدقت . البحث الخامس : قال الجبائي : إنما سأل موسى عليه السلام أن يرسل هرون بأمر الله تعالى وإن كان لا يدري هل يصلح هرون للبعثة أم لا ؟ فلم يكن ليسأل مالا يأمن أن يجاب أو لا يكون حكمة ، ويحتمل أيضا أن يقال إنه سأله لا مطلقا بل مشروطا على معنى ، إن اقتضت الحكمة ذلك كما يقوله الداعي في دعائه . البحث السادس : قال السدي : إن نبيين وآيتين أقوى من نبي يواحد وآية واحدة . قال القاضي والذي قاله من جهة العادة أقوى ، فأما من حيث الدلالة فلا فرق بين معجزة ومعجزتين ونبي ونبيين ، لأن المبعوث إليه إن نظر في أيهما كان علم ، وإن لم ينظر فالحالة واحدة ، هذا إذا / كانت طريقة الدلالة في المعجزتين واحدة ، فإما إذا اختلفت وأمكن في إحداهما إزالة الشبهة ما لا يمكن في الأخرى ، فغير ممتنع أن يختلفا ويصلح عند ذلك أن يقال إنهما بمجموعهما أقوى من إحداهما على ما قاله السدي / لكن ذلك لا يتأتى في موسى وهرون عليهما السلام ، لأن معجزتهما كانت واحدة لا متغايرة .
أما قوله : { سنشد عضدك بأخيك } فاعلم أن العضد قوام اليد وبشدتها تشتد ، يقال في دعاء الخير شد الله عضدك ، وفي ضده فت الله في عضدك . ومعنى سنشد عضدك بأخيك سنقويك به ، فإما أن يكون ذلك لأن اليد تشتد لشدة العضد والجملة تقوى بشدة اليد على مزاولة الأمور ، وإما لأن الرجل شبه باليد في اشتدادها باشتداد العضد فجعل كأنه يد مشتدة بعضد شديدة . أما قوله : { ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما } فالمقصود أن الله تعالى آمنه مما كان يحذر فإن قيل بين تعالى أن السلطان هو بالآيات فكيف لا يصلون إليهما لأجل الآيات أو ليس فرعون قد وصل إلى صلب السحرة وإن كانت هذه الآيات ظاهرة ، قلنا إن الآية التي هي قلب العصا حية كما أنها معجزة فهي أيضا تمنع من وصول ضرر فرعون إلى موسى وهرون عليهما السلام ، لأنهم إذا علموا أنه متى ألقاها صارت حية عظيمة وإن أراد إرسالها عليهم أهلكتهم زجرهم ذلك عن الإقدام عليهما فصارت مانعة من الوصول إليهما بالقتل وغيره وصارت آية ومعجزة فجمعت بين الأمرين ، فأما صلب السحرة ففيه خلاف فمنهم من قال ما صلبوا وليس في القرآن ما يدل عليه وإن سلمنا ذلك ولكنه تعالى قال : { فلا يصلون إليكما } فالمنصوص أنهم لا يقدرون على إيصال الضرر إليهما وإيصال الضرر إلى غيرهما لا يقدح فيه ، ثم قال : { أنتما ومن اتبعكما الغالبون } والمراد إما الغلبة بالحجة والبرهان في الحال ، أو الغلبة في الدولة والمملكة في ثاني الحال والأول أقرب إلى اللفظ . أما قوله : { فلما جاءهم موسى بئاياتنا بينات } فقد بينا في سورة طه أنه كيف أطلق لفظ الآيات وهو جمع على العصا واليد . أما قوله : { قالوا ما هاذا إلا سحر مفترى } فقد اختلفوا في مفترى ، فقال بعضهم المراد أنه إذا كان سحرا وفاعله يوهم خلافه فهو المفترى ، وقال الجبائي المراد أنه منسوب إلى الله تعالى وهو من قبله فكأنهم قالوا هو كذب من هذا الوجه ثم ضموا إليه ما يدل على جهلهم وهو قولهم : { وما سمعنا بهاذا فىءابائنا الاولين } أي ما حدثنا بكونه فيهم ، ولا يخلو من أن يكونوا كاذبين في ذلك وقد سمعوا مثله ، أو يريدوا أنهم لم يسمعوا بمثله في فظاعته ، أو ما كان الكهان يخبرون بظهور موسى عليه السلام ومجيئه بما جاء به .
واعلم أن هذه الشبهة ساقطة لأن حاصلها يرجع إلى التقليد ولأن حال الأولين لا يخلو من وجهين ، إما أن لا يورد عليهم بمثل هذه الحجة فحينئذ الفرق ظاهر أو أورد عليهم فدفعوه فحينئذ / لا يجوز جعل جهلهم وخطئهم حجة ، فعند ذلك قال موسى عليه السلام وقد عرف منهم العناد { ربى أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار } فإن من أظهر الحجة ولم يجد من الخصم اعتراضا عليها وإنما لما وجد منه العناد صح أن يقول ربي أعلم بمن معه الهدى والحجة منا جميعا ومن هو على الباطل ويضم إليه طريق الوعيد والتخويف وهو قوله : { ومن تكون له عاقبة الدار } من ثواب على تمسكه بالحق أو من عقاب وعاقبة الدار هي العاقبة المحمودة والدليل عليه قوله تعالى : { أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن } ( الرعد : 22 ، 23 ) وقوله : { وسيعلم الكفار لمن عقبى } ( البلد : 42 ) والمراد بالدار الدنيا وعاقبتها وعقباها أن يختم للعبد بالرحمة والرضوان وتلقى الملائكة بالبشرى عند الموت فإن قيل العاقبة المحمودة والمذمومة كلتاهما يصح أن تسمى عاقبة الدار / لأن الدنيا قد تكون خاتمتها بخير في حق البعض وبشر في حق البعض الآخر ، فلم اختصت خاتمتها بالخير بهذه التسمية دون خاتمتها بالشر ؟ قلنا إنه قد وضع الله سبحانه الدنيا مجازا إلى الآخرة وأمر عباده أن لا يعملوا فيها إلا الخير ليبلغوا خاتمة الخير وعاقبة الصدق ، فمن عمل فيها خلاف ما وضعها الله له فقد حرف ، فإذن عاقبتها الأصلية هي عاقبة الخير ، وأما عاقبة السوء فلا اعتداد بها لأنها من نتائج تحريف الفجار ، ثم إنه عليه السلام أكد ذلك بقوله : { بئاياته إنه لا يفلح الظالمون } والمراد أنهم لا يظفرون بالفوز والنجاة والمنافع بل يحصلون على ضد ذلك وهذا نهاية في زجرهم عن العناد الذي ظهر منهم . ! 7 < { وقال فرعون ياأيها الملأ ما علمت لكم من إلاه غيرى فأوقد لى ياهامان على الطين فاجعل لى صرحا لعلىأطلع إلى إلاه موسى وإنى لأظنه من الكاذبين واستكبر هو وجنوده فى الا رض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم فى اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم فى هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين ولقد ءاتينا موسى الكتاب من بعد مآ أهلكنا القرون الا ولى بصآئر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون } . > 7 ! / < < القصص : ( 38 - 43 ) وقال فرعون يا . . . . . > > اعلم أن فرعون كانت عادته متى ظهرت حجة موسى أن يتعلق في دفع تلك الحجة بشبهة يروجها على أغمار قومه وذكر ههنا شبهتين الأولى : قوله : { ما علمت لكم من إلاه غيرى } وهذا في الحقيقة يشتمل على كلامين : أحدهما : نفى إله غيره والثاني : إثبات إلهية نفسه ، فأما الأول فقد كان اعتماده على أن ما لا دليل عليه لم يجز إثباته ، أما أنه لا دليل عليه فلأن هذه الكواكب والأفلاك كافية في اختلاف أحوال هذا العالم السفلي فلا حاجة إلى إثبات صانع ، وأما أن ما لا دليل عليه لم يجز إثباته فالأمر فيه ظاهر .
واعلم أن المقدمة الأولى كاذبة فإنا لا نسلم أنه لا دليل على وجود الصانع وذلك لأنا إذا عرفنا بالدليل حدوث الأجسام عرفنا حدوث الأفلاك والكواكب ، وعرفنا بالضرورة أن المحدث لا بد له من محدث فحينئذ نعرف بالدليل أن هذا العالم له صانع ، والعجب أن جماعة اعتمدوا في نفي كثير من الأشياء على أن قالوا لا دليل عليه فوجب نفيه ، قالوا وإنما قلنا إنه لا دليل لأنا بحثنا وسبرنا فلم نجد عليه دليلا ، فرجع حاصل كلامهم بعد التحقيق إلى أن كل ما لا يعرف عليه دليل وجب نفيه ، وإن فرعون لم يقطع بالنفي بل قال لا دليل عليه فلا أثبته بل أظنه كاذبا في دعواه ، ففرعون على نهاية جهله أحسن حالا من هذا المستدل . أما الثاني وهو إثباته إلهية نفسه ، فاعلم أنه ليس المراد منه أنه كان يدعي كونه خالقا للسموات والأرض والبحار والجبال وخالقا لذوات الناس وصفاتهم ، فإن العلم بامتناع ذلك من أوائل العقول فالشك فيه يقتضي زوال العقل ، بل الإله هو المعبود فالرجل كان ينفي الصانع ويقول لا تكليف على الناس إلا أن يطيعوا ملكهم وينقادوا لأمره ، فهذا هو المراد من ادعائه الإلهية لا ما ظنه الجمهور من ادعائه كونه خالقا للسماء والأرض ، لا سيما وقد دللنا في سورة طه ( 49 ) في تفسير قوله : { فمن ربكما ياموسى موسى } على أنه كان عارفا بالله تعالى وأنه كان يقول ذلك ترويجا على الأغمار من الناس الشبهة الثانية : قوله : { فأوقد لى ياهامان ياهامان على الطين فاجعل لى صرحا لعلى أطلع إلى إلاه موسى وإنى لاظنه من الكاذبين } وههنا أبحاث : الأول : تعلقت المشبهة بهذه الآية في أن الله تعالى في السماء قالوا لولا أن موسى عليه السلام دعاه إلى ذلك لما قال فرعون هذا القول والجواب : أن موسى عليه السلام دل فرعون بقوله : / { رب السماوات والارض } ( الشعراء : 24 ) ولم يقل هو الذي في السماء دون الأرض ، فأوهم فرعون أنه يقول إن إلهه في السماء / وذلك أيضا من خبث فرعون ومكره ودهائه . الثاني : اختلفوا في أن فرعون هل بنى هذا الصرح ؟ فال قوم إنه بناه قالوا إنه لما أمر ببناء الصرح جمع هامان العمال حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير فشيدوه حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق ، فبعث الله تعالى جبريل عليه السلام عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع قطعة وقعت على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل وقطعة وقعت في البحر وقطعة في المغرب ، ولم يبق أحد من عماله إلا وقد هلك ، ويروى في هذه القصة أن فرعون ارتقى فوقه ورمى بنشابة نحو السماء فأراد الله أن يفتنهم فردت إليهم وهي ملطوخة بالدم ، فقال قد قتلت إله موسى فعند ذلك بعث الله تعالى جبريل عليه السلام لهدمه . ومن الناس من قال إنه لم يبن ذلك الصرح لأنه يبعد من العقلاء أن يظنوا أنهم بصعود الصرح يقربون من السماء مع علمهم بأن من على أعلى الجبال الشاهقة يرى السماء كما كان يراها حين كان على قرار الأرض ، ومن شك في ذلك خرج عن حد العقل ، وهكذا القول فيما يقال من رمى السهم إلى السماء ورجوعه متلطخا بالدم ، فإن كل من كان كامل العقل يعلم أنه لا يمكنه إيصال السهم إلى السماء ، وأن من حاول ذلك كان من المجانين فلا يليق بالعقل والدين حمل القصة التي حكاها الله تعالى في القرآن على محمل يعرف فساده بضرورة العقل ، فيصير ذلك مشرعا قويا لمن أحب الطعن في القرآن ، فالأقرب أنه كان أوهم البناء ولم يبن أو كان هذا من تتمة قوله : { ما علمت لكم من إلاه غيرى } يعني لا سبيل إلى إثباته بالدليل ، فإن حركات الكواكب كافية في تغير هذا العالم ولا سبيل إلى إثباته بالحس ، فإن الإحساس به لا يمكن إلا بعد صعود السماء وذلك مما لا سبيل إليه ، ثم قال عند ذلك لهامان : { ابن لى صرحا أبلغ به أسباب السماوات } وإنما قال ذلك على سبيل التهكم فبمجموع هذه الأشياء قرر أنه لا دليل على الصانع ، ثم إنه رتب النتيجة عليه فقال : { وإنى لاظنه من الكاذبين } فهذا التأويل أولى مما عداه .
الثالث : إنما قال : { غيرى فأوقد لى ياهامان على الطين } ولم يقل اطبخ لي الآجر واتخذه لأنه أول من عمل الآجر فهو يعلمه الصنعة ولأن هذه العبارة أليق بفصاحة القرآن وأشبه بكلام الجبابرة وأمر هامان ، وهو وزيره بالإيقاد على الطين فنادى باسمه بيافي وسط الكلام دليل على التعظم والتجبر ، والطلوع والاطلاع الصعود يقال طلع الجبل واطلع بمعنى واحد . أما قوله : { واستكبر هو وجنوده فى الارض بغير الحق } فاعلم أن الاستكبار بالحق إنما هو لله تعالى وهو المتكبر في الحقيقة أي المبالغ في كبرياء الشأن ، قال عليه السلام فيما حكى عن ربه ( الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار ) وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق . / المسألة الثانية : قال الجبائي الآية تدل على أنه تعالى ما أعطاه الملك وإلا لكان ذلك بحق وهكذا كل متغلب ، لا كما ادعى ملوك بني أمية عند تغلبهم أن ملكهم من الله تعالى فإن الله تعالى قد بين في كل غاصب لحكم الله أنه أخذ ذلك بغير حق ، واعلم أن هذا ضعيف لأن وصول ذلك الملك إليه ، إما أن يكون منه أو من الله تعالى ، أو لا منه ولا من الله تعالى ، فإن كان منه فلم لم يقدر عليه غيره ، فربما كان العاجز أقوى وأعقل بكثير من المتولي للأمر ؟ وإن كان من الله تعالى فقد صح الغرض ، وإن كان من سائر الناس فلم اجتمعت دواعي الناس على نصرة أحدهما وخذلان الآخر ؟ واعلم أن هذا أظهر من أن يرتاب فيه العاقل . أما قوله : { وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون } فهذا يدل على أنهم كانوا عارفين بالله تعالى إلا أنهم كانوا ينكرون البعث فلأجل ذلك تمردوا وطغوا . أما قوله : { فأخذناه وجنوده فنبذناهم فى اليم } فهو من الكلام المفحم الذي دل به على عظم شأنه وكبرياء سلطانه ، شبههم استحقارا لهم واستقلالا لعددهم ، وإن كانوا الكبير الكثير والجم الغفير بحصيات أخذهن آخذ في كفه فطرحهن في البحر ونحو ذلك وقوله : { وجعلنا فيها رواسى شامخات } ( المرسلات : 27 ) { وحملت الارض والجبال فدكتا دكة واحدة } ( الحاقة : 14 ) { وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه } ( الزمر : 67 ) سبحانه وتعالى وليس الغرض منه إلا تصوير أن كل مقدور وإن عظم فهو حقير بالقياس إلى قدرته .
أما قوله : { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار } فقد تمسك به الأصحاب في كونه تعالى خالقا للخير والشر ، قال الجبائي المراد بقوله : { وجعلناهم } أي بينا ذلك من حالهم وسميناهم به ، ومنه قوله : { وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمان إناثا } ( الزخرف : 19 ) وتقول أهل اللغة في تفسير فسقه وبخله جعله فاسقا وبخيلا ، لا أنه خلقهم أئمة لأنهم حال خلقهم لهم كانوا أطفالا ، وقال الكعبي : إنما قال : { وجعلناهم أئمة } من حيث خلى بينهم وبين ما فعلوه ولم يعاجل بالعقوبة ، ومن حيث كفروا ولم يمنعهم بالقسر ، وذلك كقوله : { فزادتهم رجسا } ( التوبة : 125 ) لما زادوا عندها ونظير ذلك أن الرجل يسأل ما يثقل عليه ، وإن أمكنه فإذا بخل به قيل للسائل جعلت فلانا بخيلا أي قد بخلته ، وقال أبو مسلم معنى الإمامة التقدم فلما عجل الله تعالى لهم العذاب صاروا متقدمين لمن وراءهم من الكافرين . واعلم أن الكلام فيه قد تقدم في سورة مريم ( 83 ) في قوله : { أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين } ومعنى دعوتهم إلى النار دعوتهم إلى موجباتها من الكفر والمعاصي فإن أحدا لا يدعو إلى النار ألبتة ، وإنما جعلهم الله تعالى أئمة في هذا الباب لأنهم بلغوا في هذا الباب أقصى النهايات ، ومن كان كذلك استحقق أن يكون إماما يقتدى به في ذلك الباب ، ثم بين تعالى أن ذلك العقاب سينزل بهم على وجه لا يمكن التخلص منه وهو معنى قوله : { ويوم القيامة لا ينصرون } أو يكون معناه ويوم القيامة لاينصرون كما ينصر الأئمة الدعاة إلى الجنة . / أما قوله : { وأتبعوا فى هاذه الدنيا لعنة } معناه لعنة الله والملائكة لهم وأمره تعالى بذلك فيها للمؤمنين ، وبين أنهم يوم القيامة من المقبوحين أي المبعدين الملعونين ، والقبح هو الإبعاد ، قال الليث يقال قبحه الله ، أي نحاه عن كل خير . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : من المشئومين بسواد الوجه وزرقة العين ، وعلى الجملة فالأولون حملوا القبح على القبح الروحاني وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى ، والباقون حملوه على القبح في الصور . وقيل فيه إنه تعالى يقبح صورهم ويقبح عليهم عملهم ويجمع بين الفضيحتين . ثم بين تعالى أن الذي يجب التمسك به ما جاء به موسى عليه السلام فقال : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الاولى } والكتاب هو التوراة ، ووصفه تعالى بأنه بصائر للناس ، من حيث يستبصر به في باب الدين ، وهدى من حيث يستدل به ، ومن حيث إن المتمسك به يفوز بطلبته من الثواب ، ووصفه بأنه رحمة لأنه من نعم الله تعالى على من تعبد به . وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما أهلك الله تعالى قرنا من القرون بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل التوراة ، غير أهل القرية التي مسخها قردة ) . أما قوله : { لعلهم يتذكرون } فالمراد لكي يتذكروا ، قال القاضي : وذلك يدل على إرادة التذكر من كل مكلف سواء اختار ذلك أو لم يختره ، ففيه إبطال مذهب المجبرة الذين يقولون ما أراد التذكر إلا ممن يتذكر ، فأما من لا يتذكر فقد كره ذلك منه ، ونص القرآن دافع لهذا القول ، قلنا أليس أنكم حملتم قوله تعالى : { ولقد ذرأنا لجهنم } ( الأعراف : 179 ) على العاقبة ، فلم لا يجوز حمله ههنا على العاقبة ، فإن عاقبة الكل حصول هذا التذكر له وذلك في الآخرة .
! 7 < { وما كنت بجانب الغربى إذ قضينآ إلى موسى الا مر وما كنت من الشاهدين ولكنآ أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا فىأهل مدين تتلو عليهم ءاياتنا ولكنا كنا مرسلين وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولاكن رحمة من ربك لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون ولولاأن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولاأرسلت إلينا رسولا فنتبع ءاياتك ونكون من المؤمنين } . > 7 < القصص : ( 44 - 47 ) وما كنت بجانب . . . . . > > اعلم أن في الآية سؤالات : / السؤال الأول : الجانب موصوف ، والغربي صفة ، فكيف أضاف الموصوف إلى الصفة ؟ الجواب : هذه مسألة خلافية بين النحويين ، فعند البصريين لا يجوز إضافة الموصوف إلى الصفة إلا بشرط خاص سنذكره ، وعند الكوفيين يجوز ذلك مطلقا حجة البصريين ، أن إضافة الموصوف إلى الصفة تقتضي إضافة الشيء إلى نفسه ، وهذا غير جائز فذاك أيضا غير جائز ، بيان الملازمة أنك إذا قلت جاءني زيد الظريف ، فلفظ الظريف يدل على شيء معين في نفسه مجهول بحسب هذا اللفظ حصلت له الظرافة ، فإذا نصصت على زيد عرفنا أن ذلك الشيء الذي حصلت له الظرافة هو زيد ، إذا ثبت هذا ، فلو أضفت زيدا إلى الظريف ، كنت قد أضفت زيدا إلى زيد ، وإضافة الشيء إلى نفسه غير جائزة ، فإضافة الموصوف إلى صفته وجب أن لا تجوز ، إلا أنه جاء على خلاف هذه القاعدة ألفاظ ، وهي قوله تعالى في هذه الآية : { وما كنت بجانب الغربى } وقوله : { وذلك دين القيمة } ( البينة : 5 ) وقوله : { حق اليقين } ( الواقعة : 95 ) { ولدار الاخرة } ( النحل : 30 ) ويقال صلاة الأولى ومسجد الجامع وبقلة الحمقاء ، فقالوا التأويل فيه جانب المكان الغربي ودين الملة القيمة وحق الشيء اليقين ودار الساعة الآخرة وصلاة الساعة الأولى ومسجد المكان الجامع وبقلة الحبة الحمقاء ، ثم قالوا في هذه المواضع : المضاف إليه ليس هو النعت ، بل المنعوت ، إلا أنه حذف المنعوت وأقيم النعت مقامه فههنا ينظر إن كان ذلك النعت كالمتعين لذلك المنعوت ، حسن ذلك وإلا فلا ، ألا ترى أنه ليس لك أن تقول عندي جيد على معنى عندي درهم جيد ، ويجوز مررت بالفقيه على معنى مررت بالرجل الفقيه ، لأن الفقيه يعلم أنه لا يكون إلا من الناس والجيد قد يكون درهما وقد يكون غيره ، وإذا كان كذلك حسن قوله جانب الغربي ، لأن الشيء الموصوف بالغربي الذي يضاف إليه الجانب لا يكون إلا مكانا أو ما يشبهه ، فلا جرم حسنت هذه الإضافة ، وكذا القول في البواقي والله أعلم . السؤال الثاني : ما معنى قوله : { إذ قضينا إلى موسى الامر } ؟ الجواب : الجانب الغربي هو المكان الواقع في شق الغرب ، وهو المكان الذي وقع فيه ميقات موسى عليه السلام من الطور ، وكتب الله ( له ) في الألواح والأمر المقضي إلى موسى عليه السلام الوحي الذي أوحى إليه ، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم يقول : وما كنت حاضرا المكان الذي أوحينا فيه إلى موسى عليه السلام ، ولا كنت من جملة الشاهدين للوحي إليه أو على ( الموحى ) إليه ، ( وهي لأن الشاهد لا بد وأن يكون حاضرا ) ، وهم نقباؤه الذين اختارهم للميقات .
/ السؤال الثالث : لما قال { وما كنت بجانب الغربى } ثبت أنه لم يكن شاهدا ، لأن الشاهد لا بد أن يكون حاضرا ، فما الفائدة في إعادة قوله : { وما كنت من الشاهدين } ؟ الجواب : قال ابن عباس رضي الله عنهما : التقدير لم تحضر ذلك الموضع ، ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع ، فإنه يجوز أن يكون هناك ، ولا يشهد ولا يرى . السؤال الرابع : كيف يتصل قوله : { ولكنا أنشأنا قرونا } بهذا الكلام ومن أي وجه يكون استدراكا له ؟ الجواب : معنى الآية : ولكنا أنشأنا بعد عهد موسى عليه السلام إلى عهدك قرونا كثيرة فتطاول عليهم العمر وهو القرن الذي أنت فيه ، فاندرست العلوم فوجب إرسالك إليهم ، فأرسلناك وعرفناك أحوال الأنبياء وأحوال موسى ، فالحاصل كأنه قال وما كنت شاهدا لموسى وما جرى عليه ، ولكنا أوحيناه إليك فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب ، فإذن هذا الاستدراك شبيه الاستدراكين بعده . واعلم أن هذا تنبيه على المعجز كأنه قال إن في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله ، دلالة ظاهرة على نبوتك كما قال : { أو لم تأتهم بينة ما فى الصحف الاولى } ( طه : 133 ) . أما قوله : { وما كنت ثاويا فى أهل مدين } فالمعنى ما كنت مقيما فيه . وأما قوله : { تتلو عليهم ءاياتنا } ففيه وجهان : الأول : قال مقاتل : يقول لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم { ولكنا كنا مرسلين } أي أرسلناك إلى أهل مكة وأنزلنا عليك هذه الأخبار ، ولولا ذلك لما علمتها الثاني : قال الضحاك : يقول إنك يا محمد لم تكن الرسول إلى أهل مدين تتلو عليهم الكتاب وإنما كان غيرك ولكنا كنا مرسلين في كل زمان رسولا ، فأرسلنا إلى أهل مدين شعيبا وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم الأنبياء . أما قوله : { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } يريد مناداة موسى ليلة المناجاة وتكليمه { ولاكن رحمة من ربك } أي علمناك رحمة ، وقرأ عيسى بن عمر بالرفع أي هي رحمة ، وذكر المفسرون في قوله : { إذ نادينا } وجوها أخر أحدها : إذ نادينا أي قلنا لموسى { ورحمتى وسعت كل شىء } إلى قوله : { أولئك هم المفلحون } ( الأعراف : 156 ، 157 ) . وثانيها : قال ابن عباس إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم : ( يا أمة محمد أجبتكم قبل أن تدعوني ، وأعطيتكم قبل أن تسألوني ، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني ) قال وإنما قال الله تعالى ذلك حين اختار موسى عليه السلام سبعين رجلا لميقات ربه وثالثها : قال وهب : ( لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال رب أرنيهم قال إنك لن تدركهم وإن شئت أسمعتك أصواتهم قال بلى يا رب فقال سبحانه يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم فأسمعه الله تعالى أصواتهم ثم قال : أجبتكم قبل أن تدعوني ) الحديث كما ذكره ابن عباس ورابعها : روى سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } قال كتب الله كتابا قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم وضعه على العرش ثم / نادى ( يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي أعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أدخلته الجنة ) .
أما قوله : { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك } فالإنذار هو التخويف بالعقاب على المعصية . واعلم أنه تعالى لما بين قصة موسى عليه السلام قال لرسوله : { وما كنت بجانب الغربى وما كنت ثاويا فى أهل مدين وما كنت بجانب الطور } فجمع تعالى بين كل ذلك لأن هذه الأحوال الثلاثة هي الأحوال العظيمة التي اتفقت لموسى عليه السلام إذ المراد بقوله : { إذ قضينا إلى موسى الامر } إنزال التوراة حتى تكامل دينه واستقر شرعه والمراد بقوله : { وما كنت ثاويا } أول أمره والمراد ناديناه وسط أمره وهو ليلة المناجاة ، ولما بين تعالى أنه عليه السلام لم يكن في هذه الأحوال حاضرا بين تعالى أنه بعثه وعرفه هذه الأحوال رحمة للعالمين ثم فسر تلك الرحمة بأن قال : { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك } واختلفوا فيه فقال بعضهم لم يبعث إليهم نذير منهم : وقال بعضهم : حجة الأنبياء كانت قائمة عليهم ولكنه ما بعث إليهم من يجد تلك الحجة عليهم ، وقال بعضهم لا يبعد وقوع الفترة في التكاليف فبعثه الله تعالى تقريرا للتكاليف وإزالة لتلك الفترة . أما قوله : { ولولا أن تصيبهم مصيبة } الآية فقال صاحب ( الكشاف ) : ( لولا ) الأولى امتناعية وجوابها محذوف ، والثانية تحضيضية ، والفاء في قوله { فيقولوا } للعطف ، ( وفي قوله للعطف ) . وفي قوله : { فنتبع } جواب ( لولا ) لكونها في حكم الأمر من قبل أن الأمر باعث على الفعل ، والباعث والمحضض من واد واحد ، والمعنى لولا أنهم قائلون إذا عوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصي : هلا أرسلت إلينا رسولا ، محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم ، يعني إنما أرسلنا الرسول إزالة لهذا العذر وهو كقوله : { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ( النساء : 165 ) { أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير } ( المائدة : 19 ) { لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ءاياتك } واعلم أنه تعالى لم يقل ولولا أن يقولوا هذا العذر لما أرسلنا ، بل قال : { ولولا أن تصيبهم مصيبة فيقولوا } هذا العدو لما أرسلنا وإنما قال ذلك لنكتة وهي أنهم لو لم يعاقبوا مثلا وقد عرفوا بطلان دينهم لما قالوا ذلك ، بل إنما يقولون ذلك إذا نالهم العقاب فيدل ذلك على أنهم لم يذكروا هذا العذر تأسفا على كفرهم ، بل لأنهم ما أطاقوا وفيه تنبيه على استحكام كفرهم ورسوخه فيهم كقوله : { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } ( الأنعام : 28 ) وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : احتج الجبائي على وجوب فعل اللطف قال لو لم يجب ذلك لم يكن لهم أن يقولوا : هلا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ، إذ من الجائز أن لا يبعث إليهم وإن كانوا لا يختارون الإيمان إلا عنده على قول من خالف في وجوب اللطف كما مر أن الجائز إذا كان في المعلوم لو خلق له لم يمكن إلا أن يفعل ذلك . / المسألة الثانية : احتج الكعبي به على أن الله تعالى يقبل حجة العباد وليس الأمر كما يقوله أهل السنة من أنه تعالى لا يقبل الحجة وظهر بهذا أنه ليس المراد من قوله : { لا يسأل عما يفعل } ( الأنبياء : 23 ) ما يظنه أهل السنة ، وإذا ثبت أنه يقبل الحجة وجب أن لا يكون فعل العبد بخلق الله تعالى وإلا لكان للكافر أعظم حجة على الله تعالى .
المسألة الثالثة : قال القاضي : فيه إبطال القول بالجبر من جهات : إحداها : أن اتباعهم وإيمانهم موقوف على أن يخلق الله ذلك فيهم سواء أرسل الرسول إليهم أم لا وثانيتها : أنه إذا خلق القدرة على ذلك فيهم وجب سواء أرسل الرسول أم لا وثالثتها : إذا أراد ذلك وجب أرسل الرسول إليهم أم لا ، فأي فائدة في قولهم هذا لو كانت أفعالهم خلقا لله تعالى ؟ فيقال للقاضي هب أنك نازعت في الخلق والإرادة ولكنك وافقت في العلم فإذا علم الكفر منهم فهل يجب أم لا ، فإن لم يجب أمكن أن لا يوجد الكفر مع حصول العلم بالكفر وذلك جمع بين الضدين وإن وجب لزمك ما أوردته علينا ، واعلم أن الكلام وإن كان قويا حسنا إلا أنه إذا توجه عليه النقض الذي لا محيص عنه ، فكيف يرضى العاقل بأن يعول عليه ؟ ! 7 < { فلما جآءهم الحق من عندنا قالوا لولاأوتى مثل مآ أوتى موسى أولم يكفروا بمآ أوتى موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهمآ أتبعه إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوآءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدى القوم الظالمين ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون الذين ءاتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا ءامنا به إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين أولائك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين } . > 7 < القصص : ( 48 - 55 ) فلما جاءهم الحق . . . . . > > / اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم عند الخوف قالوا هلا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ، بين أيضا أنه بعد الإرسال إلى أهل مكة قالوا { لولا أوتى مثل ما أوتى موسى } فهؤلاء قبل البعثة يتعلقون بشبهة وبعد البعثة يتعلقون بأخرى ، فظهر أنه لا مقصود لهم سوى الزيغ والعناد . أما قوله : { فلما جاءهم الحق من عندنا } أي جاءهم الرسول المصدق بالكتاب المعجز مع سائر المعجزات قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى من الكتاب المنزل جملة واحدة ومن سائر المعجزات كقلب العصا حية واليد البيضاء وفلق البحر وتظليل الغمام وانفجار الحجر بالماء والمن والسلوى ومن أن الله كلمه وكتب له في الألواح وغيرها من الآيات فجاؤا بالاقتراحات المبنية على التعنت والعناد كما قالوا { لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك } ( هود : 12 ) وما أشبه ذلك .
واعلم أن الذي اقترحوه غير لازم لأنه لا يجب في معجزات الأنبياء عليهم السلام أن تكون واحدة ولا فيما ينزل إليهم من الكتب أن يكون على وجه واحد إذ الصلاح قد يكون في إنزاله مجموعا كالتوراة ومفرقا كالقرآن ، ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله : { أو لم يكفروا بما أوتى موسى من قبل } واختلفوا في أن الضمير في قوله : { أو لم يكفروا } إلى من يعود ، وذكروا وجوها : أحدها : أن اليهود أمروا قريشا أن يسألوا محمدا أن يؤتى مثل ما أوتي موسى عليه السلام فقال تعالى : { أو لم يكفروا بما أوتى موسى } يعني أو لم تكفروا يا هؤلاء اليهود الذين استخرجوا هذا السؤال بموسى عليه السلام مع تلك الآيات الباهرة وثانيها : أن الذين أوردوا هذا الاقتراح كفار مكة ، والذين كفروا بموسى هم الذين كانوا في زمان موسى عليه السلام إلا أنه تعالى جعلهم كالشيء الواحد لأنهم في الكفر والتعنت كالشيء الواحد وثالثها : قال الكلبي إن مشركي مكة بعثوا رهطا إلى يهود المدينة ليسألهم عن محمد وشأنه فقالوا إنا نجده في التوراة بنعته وصفته ، فلما / رجع الرهط إليهم وأخبروهم بقول اليهود قالوا إنه كان ساحرا كما أن محمدا ساحر ، فقال تعالى : { أو لم يكفروا بما أوتى موسى } ورابعها : قال الحسن قد كان للعرب أصل في أيام موسى عليه السلام فمعناه على هذا أو لم يكفر آباؤهم بأن قالوا في موسى وهرون ساحران وخامسها : قال قتادة أو لم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد عليهما السلام فقالوا ساحران وسادسها : وهو الأظهر عندي أن كفار قريش ومكة كانوا منكرين لجميع النبوات ثم إنهم لما طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم معجزات موسى عليه السلام قال الله تعالى : { أو لم يكفروا بما أوتى موسى من قبل } بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل ، فعلمنا أنه لا غرض لكم في هذا الاقتراح إلا التعنت ، ثم إنه تعالى حكى كيفية كفرهم بما أوتي موسى من وجهين : الأول : قولهم : { وإن تظاهرا } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأهل المدينة ( ساحران ) بالألف وقرأ أهل الكوفة بغير ألف وذكروا في تفسير الساحرين وجوها : أحدها : المراد هرون وموسى عليهما السلام تظاهرا أي تعاونا وقرىء ( اظاهرا ) على الإدغام وسحران بمعنى ذوي سحر وجعلوهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر وكثير من المفسرين فسروا قوله : { سحران } بأن المراد هو القرآن والتوراة واختار أبو عبيدة القراءة بالألف لأن المظاهرة بالناس وأفعالهم أشبه منها بالكتب وجوابه : إنا بينا أن قوله : { سحران } يمكن حمله على الرجلين وبتقدير أن يكون المراد الكتابين لكن لما كان كل واحد من الكتابين يقوي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا كما تقول تظاهرت الأخبار وهذه التأويلات إنما تصح إذا حملنا قوله : { أو لم يكفروا بما أوتى موسى } إما على كفار مكة أو على الكفار الذين كانوا في زمان موسى عليه السلام ولا شك أن ذلك أليق بمساق الآية الثاني : قولهم : { إنا بكل كافرون } أي بما أنزل على محمد وموسى وسائر الأنبياء عليهم السلام ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق إلا بالمشركين لا باليهود وذلك مبالغة في أنهم مع كثرة آيات موسى عليه السلام كذبوه فما الذي يمنع من مثله في محمد صلى الله عليه وسلم وإن ظهرت حجته ، ولما أجاب الله تعالى عن شبههم ذكر الحجة الدالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم فقال : { قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه } وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثله ، قال الزجاج ( أتبعه ) بالجزم على الشرط ومن قرأ ( أتبعه ) بالرفع فالتقدير أنا أتبعه ، ثم قال : { فإن لم يستجيبوا لك } قال ابن عباس يريد فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج ، وقال مقاتل فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما وهذا أشبه بالآية فإن قيل الاستجابة تقتضي دعاء فأين الدعاء ههنا ؟
Sorular
- Tevhid nedir; Müslümanların Allah'ın birliğine imanı?
- İslam'da imanın altı şartı nedir?
- Müslümanlar peygamberler hakkında neye inanır?
- İslam helal ve haram yiyecekler hakkında ne öğretir?
- Fâtiha Sûresi'nin anlamı nedir?
- Kur'an sabır hakkında ne öğretir?
- Kur'an hayatın amacı hakkında ne der?
- İhlas nedir ve neden önemlidir?