Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bölüm V28/P146

يقال ما أفعل شيئا أي في الحال ، وإذا قال القائل ماذا يفعل غدا ، يقال لا يفعل شيئا أو لن يفعل شيئا إذا أريد زيادة بيان النفي ، فإن قيل هل فيه بيان معنوي يفيد افتراق ما ولا في المعنى نقول : نعم ، وذلك لأن كلمة لا أدل على النفي لكونها موضوعة للنفي وما في معناه كالنهي خاصة لا يفيد الإثبات إلا بطريق الحذف أو الإضمار وبالجملة فبطريق المجاز كما في قوله { لا أقسم } ( البلد : 1 ) وأما ما فغير متمحضة للنفي لأنها واردة لغيره من المعاني حيث تكون اسما والنفي في الحال لا يفيد النفي المطلق لجواز أن يكون مع النفي في الحال الإثبات في الاستقبال ، كما يقال ما يفعل الآن شيئا وسيفعل إن شاء الله ، فاختص بما لم يتمحض نفيا حيث لم تكن متمحضة للنفي لا يقال إن لا للنفي في الاستقبال والإثبات في الحال فاكتفى في استقبال بما لم يتمحض نفيا لأنا نقول ليس كذلك إذ لا يجوز أن يقال لا يفعل زيد ويفعل الآن نعم يجوز أن يقال لا يفعل غدا ويفعل الآن لكون قولك غدا يجعل الزمان مميزا فلم يكن قولك لا يفعل للنفي في الاستقبال بل كان للنفي في بعض أزمنة الاستقبال / وفي مثالنا قلنا ما يفعل وسيفعل وما قلنا سيفعل غدا وبعد غد ، بل ههنا نفينا في الحال وأثبتنا في الاستقبال من غير تمييز زمان من أزمة الاستقبال عن زمان ، ومثاله في العكس أن يقال لا يفعل زيد وهو يفعل من غير تعيين وتمييز ومعلوم أن ذلك غير جائز .

Bölüm V28/P146–V28/P147

/ وقوله تعالى { وما أنا بظلام للعبيد } مناسب لما تقدم على الوجهين جميعا ، أما إذا قلنا بأن المراد من قوله { لدى } أن قوله { فألقياه } ( ق: 26 ) وقول القائل في قوله : { قيل ادخلوا أبواب جهنم } ( الزمر : 72 ) لا تبديل له فظاهر ، لأن الله تعالى بين أن قوله : { ألقيا فى جهنم } ( ق: 24 ) لا يكون إلا للكافر العنيد فلا يكون هو ظلاما للعبيد . وأما إذا قلنا بأن المراد { ما يبدل القول لدى } بل كان الواجب التبديل قبل الوقوف بين يدي فكذلك لأنه أنذر من قبل ، وما عذب إلا بعد أن أرسل وبين السبل ، وفيه مباحث لفظية ومعنوية . أما اللفظية فهي من الباء من قوله ليس { بظلام } وفي اللام من قوله { للعبيد } أما الباء فنقول الباء تدخل في المفعول به حيث لا يكون تعلق الفعل به ظاهرا ولا يجوز إدخالها فيه حيث يكون في غاية الظهور ، ويجوز الإدخال والترك حيث لا يكون في غاية الظهور ولا في غاية الخفاء ، فلا يقال ضربت بزيد لظهور تعلق الفعل يزيد ، ولا يقال خرجت وذهبت زيدا بدل قولنا خرجت وذهبت بزيد لخفاه تعلق الفعل بزيد فيهما ، ويقال شكرته وشكرت له للتوسط فكذلك خبر ما لما كان مشبها بالمفعول ، وليس في كونه فعلا غير ظاهر غاية الظهور ، لأن إلحاق الضمائر التي تلحق بالأفعال الماضية كالتاء والنون في قولك : لست ولستم ولستن ولسنا يصحح كونها فعلا كما في قولك كنت وكنا ، لكن في الاستقبال يبين الفرق حيث نقول يكون وتكون ، وكن ، ولا نقول ذلك في ليس وما يشبه بها فصارتا كالفعل الذي لا يظهر تعلقه بالمفعول غاية الظهور ، فجاز أن يقال ليس زيد جاهلا وليس زيد بجاهل ، كما يقال مسحته ومسحت به وغير ذلك مما يعدى بنفسه وبالباء ، ولم يجز أن يقال كان زيد بخارج وصار عمرو بدارج لأن صار وكان فعل ظاهر غاية الظهور بخلاف ليس وما النافية ، وهذا يؤيد قول من قال : ( ما هذا بشر ) وهذا ظاهر . البحث الثاني : لو قال قائل : كان ينبغي أن لا يجوز إخلاء خبر ما عن الباء ، كما لا يجوز إدخال الباء في خبر كان وخبر ليس يجوز فيه الأمران وتقرير هذا السؤال هو أن كان لما كان فعلا ظاهرا جعلناه بمنزلة ضرب حيث منعنا دخول الباء في خبره كما منعناه في مفعوله ، وليس لما كان فعلا من وجه نظرا إلى قولنا لست ولسنا ولستم ، ولم يكن فعلا ظاهرا نظرا إلى صيغ الاستقبال والأمر جعلناه متوسطا وجوزنا إدخال الباء في خبره وتركه ، كما قلنا في مفعول شكرته وشكرت له ، وما لما لم يكن فعلا بوجه كان ينبغي أن يكون بمنزلة الفعل الذي لا يتعدى إلى المفعول إلا بالحرف وكان ينبغي أن لا يجيء خبره إلا مع الباء كما لا يجيء مفعول ذهب إلا مع الباء ، ويؤيد هذا أنا فرقنا بين ما وليس وكان ، وجعلنا لكل واحدة مرتبة ليست للأخرى فجوزنا تأخير كان في اللفظ حيث جوزنا أن يقول القائل زيد خارجا كان وما جوزنا زيد خارجا ليس ، لأن كان فعل ظاهر وليس / دونه في الظهور ، وما جوزنا تأخير ما عن أحد شطري الكلام أيضا بخلاف ليس ، حيث لا يجوز أن يقول القائل : زيد ما بظلام ، إلا أن يعيد ما يرجع إليه فيقول زيد ما هو بظلام فصار بينهما ترتيب ما يوجه ، وليس يؤخر عن أحد الشطرين ولا يؤخر في الكلام بالكلية ، وكان يؤخر بالكلية لما ذكرنا من الظهور والخفاء ، فكذلك القول في إلحاق الباء كان ينبغي أن لا يصح إخلاء خبر ما عن الباء / وفي ليس يجوز الأمران ، وفي كان لا يجوز الإدخال ، وهذا هو المعتمد عليه في لغة بني تميم حيث قالوا : إن ما بعد ما إذا جعل خبرا يجب إدخال الباء عليه فإن لم تدخل عليه يكون ذلك معربا على الابتداء أو على وجه آخر ولا يكون خبرا ، والجواب عن السؤال هو أن نقول الأكثر إدخال الباء في خبر ما ولا سيما في القرآن قال الله تعالى : { وما أنت بهادى العمى عن ضلالتهم } ( الروم : 53 ) ، { وما أنت بمسمع } ( فاطر : 22 ) ، { وما هم بخارجين } ( البقرة : 167 ) ، { وما أنا بظلام } وأما الوجوب فلا لأن ما أشبه ليس في المعنى في الحقيقة وخالفها في العوارض وهو لحوق التاء والنون ، وأما في المعنى فهما لنفي الحال فالشبه مقتض لجواز الإخلاء والمخالفة مقتضية لوجوب الإدخال ، لكن ذلك المقتضي أقوى لأنه راجع إلى الأمر الحقيقي ، وهذا راجع إلى الأمر العارضي وما بالنفس أقوى مما بالعارض ، وأما التقديم والتأخير فلا يلزم منه وجوب إدخال الباء ، وأما الكلام في اللام فنقول اللام لتحقيق معنى الإضافة يقال غلام زيد وغلام لزيد ، وهذا في الإضافات الحقيقية بإثبات التنوين فيه ، وأما في الإضافات اللفظية كقولنا : ضارب زيد وقاتل عمرو ، فإن الإضافة فيه غير معنوية فإذا خرج الضارب عن كونه مضافا بإثبات التنوين فقد كان يجب أن يعاد الأصل وينصب ما كان مضافا إليه الفاعل بالمفعول به ولا يؤتى باللام لأنه حينئذ لم تبق الإضافة في اللفظ ، ولم تكن الإضافة في المعنى ، غير أن اسم الفاعل منحط الدرجة عن الفعل فصار تعلقه بالمفعول أضعف من تعلق الفعل بالمفعول ، وصار من باب الأفعال الضعيفة التعلق حيث بينا جواز تعديتها إلى المفعول بحرف وغير حرف ، فلذلك جاز أن يقال : ضارب زيد أو ضارب لزيد ، كما جاز : مسحته ومسحت به وشكرته وشكرت له ، وذلك إذا تقدم المفعول كما في قوله تعالى : { إن كنتم للرؤيا تعبرون } ( يوسف : 43 ) للضعف ، وأما المعنوية فمباحث :

Bölüm V28/P147–V28/P148

الأول : الظلام مبالغة في الظالم ويلزم من إثباته إثبات أصل الظلم إذا قال القائل هو كذاب يلزم أن يكون كاذبا كثر كذبه ، ولا يلزم من نفيه نفي أصل الكذب لجواز أن يقال فلان ليس بكذاب كثير الكذب لكنه يكذب أحيانا ففي قوله تعالى : { وما أنا بظلام } لا يفهم منه نفي أصل الظلم والله ليس بظالم فما الوجه فيه ؟ نقول : الجواب عنه من ثلاثة أوجه : أحدها : أن الظلام بمعنى الظالم كالتمار بمعنى التامر وحينئذ يكون اللام في قوله : { للعبيد } لتحقيق النسبة لأن الفعال حينئذ بمعنى ذي ظلم ، وهذا وجه جيد مستفاد من الإمام زين الدين أدام الله فوائده . والثاني : ما ذكره الزمخشري وهو أن ذلك أمر تقديري كأنه تعالى يقول : لو ظلمت عبدي الضعيف الذي هو محل الرحمة لكان ذلك غاية الظلم ، وأما أنا بذلك فيلزم من نفي كونه ظلاما نفي كونه ظالما ، ويحقق هذا الوجه / إظهار لفظ العبيد حيث يقول : { ما أنا بظلام للعبيد } أي في ذلك اليوم الذي امتلأت جهنم مع سعتها حتى تصيح وتقول لم يبق لي طاقة بهم ، ولم يبق في موضع لهم فهل من مزيد استفهام استكثار ، فذلك اليوم مع أني ألقي فيها عددا لا حصر له لا أكون بسبب كثرة التعذيب كثير الظلم وهذا مناسب ، وذلك لأنه تعالى خصص النفي بالزمان حيث قال : ما أنا بظلام يوم نقول : أي وما أنا بظلام في جميع الأزمان أيضا ، وخصص بالعبيد حيث قال : { وما أنا بظلام للعبيد } ولم يطلق ، فكذلك خصص النفي بنوع من أنواع الظلم ولم يطلق ، فلم يلزم منه أن يكون ظالما في غير ذلك الوقت ، وفي حق غير العبيد وإن خصص والفائدة في التخصيص أنه أقرب إلى التصديق من التعميم . والثالث : هذا يدل على أن التخصيص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه / لأنه نفى كونه ظلاما ولم يلزم منه نفي كونه ظالما ، ونفي كونه ظلاما للعبيد ، ولم يلزم منه نفي كونه ظلاما لغيرهم ، كما قال في حق الآدمي : { فمنهم ظالم لنفسه } ( فاطر : 32 ) . البحث الثاني : قال ههنا : { وما أنا بظلام للعبيد } من غير إضافة ، وقال : { ما أنت بهادى العمى } ( النمل : 81 ) ، { وما أنت بمسمع من فى القبور } ( فاطر : 22 ) على وجه الإضافة ، فما الفرق بينهما ؟ نقول الكلام قد يخرج أولا مخرج العموم ، ثم يخصص لأمر ما لا لغرض التخصيص ، يقول القائل : فلان يعطي ويمنع ويكون غرضه التعميم ، فإن سأل سائل : يعطي من ، ويمنع من ؟ يقول : زيدا وعمرا ، ويأتي بالمخصص لا لغرض التخصيص ، وقد يخرج أولا مخرج الخصوص ، فيقول فلان يعطي زيدا ماله إذا علمت هذا فقوله : { وما أنا بظلام } كلام لو اقتصر عليه لكان للعموم ، فأتى بلفظ العبيد لا لكون عدم الظلم مختصا بهم ، بل لكونهم أقرب إلى كونهم محل الظلم من نفسه تعالى ، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكان في نفسه هاديا ، وإنما أراد نفي ذلك الخاص فقال : { وما أنت بهادى العمى } وما قال : ما أنت بهاد ، وكذلك قوله تعالى : { أليس الله بكاف عبده } ( الزمر : 36 ) .

Bölüm V28/P148–V28/P149

البحث الثالث : العبيد يحتمل أن يكون المراد منه الكفار ، كما في قوله تعالى : { خامدون ياحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول } ( يس : 30 ) يعني أعذبهم وما أنا بظلام لهم ، ويحتمل أن يكون المراد منه المؤمنين ووجهه هو أن الله تعالى يقول : لو أبدلت القول ورحمت الكافر ، لكنت في تكليف العباد ظالما لعبادي المؤمنين ، لأني منعتهم من الشهوات لأجل هذا اليوم ، فإن كان ينال من لم يأت بما أتى المؤمن ما يناله المؤمن ، لكان إتيانه بما أتى به من الإيمان والعبادة غير مفيد فائدة ، وهذا معنى قوله تعالى : { لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون } ( الحشر : 20 ) ، ومعنى قوله تعالى : { قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون } ( الزمر : 9 ) ، وقوله تعالى : { لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر } ( النساء : 95 ) ويحتمل أن يكون المراد التعميم . ثم قال تعالى : ! 7 < { يوم نقول لجهنم هل امتلات وتقول هل من مزيد } . > 7 ! < < ق : ( 30 ) يوم نقول لجهنم . . . . . > > العامل في { يوم } ماذا ؟ فيه وجوه : الأول : ما أنا بظلام مطلقا . والثاني : الوقت ، حيث قال ما أنا يوم كذا ، / ولم يقل : ما أن بظلام في سائر الأزمان ، وقد تقدم بيانه ، فإن قيل فما فائدة التخصيص ؟ نقول النفي الخاص أقرب إلى التصديق من النفي العام لأن المتوهم ذلك ، فإن قاصر النظر يقول : يوم يدخل الله عبده الضعيف جهنم يكون ظالما له ، ولا يقول : بأنه يوم خلقه يرزقه ويربيه يكون ظالما ، ويتوهم أنه يظلم عبده بإدخاله النار ، ولا يتوهم أنه يظلم نفسه أو غير عبيده المذكورين ، ويتوهم أنه من يدخل خلقا كثيرا لا يجوزه حد ، ولا يدركه عد النار ، ويتركهم فيه زمانا لا نهاية له كثير الظلم ، فنفى ما يتوهم دون ما لا يتوهم ، وقوله : { هل امتلات } بيان لتصديق قوله تعالى : { لاملان جهنم } ، وقوله : { هل من مزيد } فيه وجهان : أحدهما : أنه لبيان استكثارها الداخلين ، كما أن من يضرب غيره ضربا مبرحا ، أو يشتمه شتما قبيحا فاحشا ، ويقول المضروب : هل بقي شيء آخرا ، ويدل عليه قوله تعالى : { لاملان } لأن الامتلاء لا بد من أن يحصل ، فلا يبقى في جهنم موضع خال حتى تطلب المزيد . والثاني : هو أنها تطلب الزيادة ، وحينئذ لو قال قائل فكيف يفهم مع هذا معنى قوله تعالى : { لاملان } ؟ نقول : الجواب : عنه من وجوه : أحدها : أن هذا الكلام ربما يقع قبل إدخال الكل ، وفيه لطيفة ، وهي أن جهنم تتغيظ على الكفار فتطلبهم ، ثم يبقى فيها موضع لعصاة المؤمنين ، فتطلب جهنم امتلاءها لظنها بقاء أحد من الكفار خارجا ، فيدخل العاصي من المؤمنين ، فيبرد إيمانه حرارتها ، ويسكن إيقانه غيظها فتسكن ، وعلى هذا يحمل ما ورد في بعض الأخبار ، أن جهنم تطلب الزيادة حتى يضع الجبار قدمه ، والمؤمن جبار متكبر على ما سوى الله تعالى ذليل متواضع لله . الثاني : أن تكون جهنم تطلب أولا سعة في نفسها ، ثم مزيدا في الداخلين لظنها بقاء أحد من الكفار . الثالث : أن الملء له درجات ، فإن الكيل إذا ملىء من غير كبس صح أن يقال : ملىء وامتلأ ، فإذا كبس يسع غيره ولا ينافي كونه ملآن أو لا ، فكذلك في جهنم ملأها الله ثم تطلب زيادة تضييقا للمكان عليهم وزيادة في التعذيب ، والمزيد جار أن يكون بمعنى المفعول ، أي هل بقي أحد تزيد به ، ثم قال تعالى :

Bölüm V28/P149–V28/P150

! 7 < { وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد } . > 7 ! < < ق : ( 31 ) وأزلفت الجنة للمتقين . . . . . > > بمعنى قريبا أو بمعنى قريب ، والأول أظهر وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما وجه التقريب ، مع أن الجنة مكان والأمكنة يقرب منها وهي لا تقرب ؟ نقول : الجواب : عنه من وجوه : الأول : أن الجنة لا تزال ولا تنقل ، ولا المؤمن يؤمر في ذلك اليوم بالانتقال إليها مع بعدها ، لكن الله تعالى يطوي المسافة التي بين المؤمن والجنة فهو التقريب . فإن قيل : فعلى هذا ليس إزلاف الجنة من المؤمن بأولى من إزلاف المؤمن من الجنة ، فما الفائدة في / قوله : أزلفت الجنة ؟ نقول إكراما للمؤمن ، كأنه تعالى أراد بيان شرف المؤمن المتقي أنه ممن يمشي إليه ويدني منه . الثاني : قربت من الحصول في الدخول ، لا بمعنى القرب المكاني ، يقال يطلب من الملك أمرا خطيرا ، والملك بعيد عن ذلك ، ثم إذا رأى منه مخايل إنجاز حاجته ، يقال قرب الملك وما زلت أنهي إليه حالك حتى قربته ، فكذلك الجنة كانت بعيدة الحصول ، لأنها بما فيها لا قيمة لها ، ولا قدرة للمكلف على تحصيلها لولا فضل الله تعالى ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( ما من أحد يدخل الجنة إلا بفضل الله تعالى ، فقيل : ولا أنت يا رسول الله ، فقال : ولا أنا ) وعلى هذا فقوله غير نصب على الحال ، تقديره قربت من الحصول ، ولم تكن بعيدة في المسافة حتى يقال كيف قربت . الثالث : هو أن الله تعالى قادر على نقل الجنة من السماء إلى الأرض فيقربها للمؤمن . وأما إن قلنا إنها قربت ، فمعناه جمعت محاسنها ، كما قال تعالى : { والصلح خير وأحضرت الأنفس } ( الزخرف : 71 ) . المسألة الثانية : على هذا الوجه وعلى قولنا قربت تقريب حصول ودخول ، فهو يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون قوله تعالى : { وأزلفت } أي في ذلك اليوم ولم يكن قبل ذلك ، وأما في جمع المحاسن قربما يزيد الله فيها زينة وقت الدخول ، وأما في الحصول فلأن الدخول قبل ذلك كان مستبعدا إذا لم يقدر الله دخول المؤمنين الجنة في الدنيا ووعد به في الآخرة فقربت في ذلك اليوم . وثانيهما : أن يكون معنى قوله تعالى : { وأزلفت الجنة } أي أزلفت في الدنيا ، إما بمعنى جمع المحاسن فلأنها مخلوقة وخلق فيها كل شيء ، وإما بمعنى تقريب الحصول فلأنها تحصل بكلمة حسنة وإما على تفسير الإزلاف بالتقريب المكاني فلا يكون ذلك محمولا إلا على ذلك الوقت أي أزلفت في ذلك اليوم للمتقين .

Bölüm V28/P150–V28/P151

المسألة الثانية : إن حمل على القرب المكاني ، فما الفائدة في الاختصاص بالمتقين مع أن المؤمن والكافر في عرصة واحدة ؟ فنقول قد يكون شخصان في مكان واحد وهناك مكان آخر هو إلى أحدهما في غاية القرب ، وعن الآخر في غاية البعد ، مثاله مقطوع الرجلين والسليم الشديد العدو إذا اجتمعا في موضع وبحضرتهما شيء لا تصل إليه اليد بالمد فذلك بعيد عن المقطوع وهو في غاية القرب من العادي ، أو نقول : إذا اجتمع شخصان في مكان وأحدهما أحيط به سد من حديد ووضع بقربه شيء لا تناله يده بالمد والآخر لم يحط به ذلك السد يصح أن يقال هو بعيد عن المسدود وقريب من المحظوظ والمجدود ، وقوله تعالى : { غير بعيد } يحتمل أن يكون نصبا على الظرف يقال اجلس غير بعيد مني أي مكانا غير بعيد ، وعلى هذا فقوله غير بعيد يفيد التأكيد وذلك لأن القريب قد يكون بعيدا بالنسبة إلى شيء ، فإن المكان الذي هو على مسيرة يوم قريب بالنسبة إلى البلاد النائية وبعيد بالنسبة إلى متنزهات المدينة ، فإذا قال قائل أيما أقرب المسجد الأقصى أو البلد الذي هو بأقصى المغرب أو المشرق ؟ يقال له المسجد الأقصى قريب ، وإن قال أيهما أقرب هو أو البلد ؟ يقل له هو بعيد . فقوله تعالى : { وأزلفت الجنة غير بعيد } أي قربت قربا حقيقيا لا نسبيا حيث لا يقال فيها إنها بعيدة عنه مقايسة أو مناسبة ، ويحتمل أن يكون نصبا على / الحال تقديره : قربت حال كون ذلك غاية التقريب أو نقول على هذا الوجه يكون معنى أزلفت قربت وهي غير بعيد ، فيحصل المعنيان جميعا الإقراب والاقتراب أو يكون المراد القرب والحصول لا للمكان فيحصل معنيان القرب المكاني بقوله غير بعيد والحصول بقوله : { أزلفت } وقوله : { غير بعيد } مع قوله : { أزلفت } على التأنيث يحتمل وجوها : الأول : إذا قلنا إن { غير } نصب على المصدر تقديره مكانا غير . الثاني : التذكير فيه كما في قوله تعالى : { ولا تفسدوا فى الارض } ( الأعراف : 56 ) إجراء لفعيل بمعنى فاعل مجرى فعيل بمعنى مفعول . الثالث : أن يقال { غير } منصوب نصبا على المصدر على أنه صفة مصدر محذوف تقديره : أزلفت الجنة إزلافا غير بعيد ، أي عن قدرتنا فإنا قد ذكرنا أن الجنة مكان ، والمكان لا يقرب وإنما يقرب منه ، فقال : الإزلاف غير بعيد عن قدرتنا فإنا نطوي المسافة بينهما . ! 7 < { هاذا ما توعدون لكل أواب حفيظ } . > 7 < ق : ( 32 ) هذا ما توعدون . . . . . > > ثم قال تعالى : { هاذا ما توعدون } قال الزمخشري : هي جملة معترضة بين كلامين وذلك لأن قوله تعالى : { لكل أواب } بدل عن المتقين كأنه تعالى قال : ( أزلفت الجنة للمتقين لكل أواب ) كما في قوله تعالى : { لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم } ( الزخرف : 33 ) غير أن ذلك بدل الاشتمال وهذا بدل الكل وقال : { هاذا } إشارة إلى الثواب أي هذا الثواب ما توعدون أو إلى الإزلاف المدلول عليه بقوله : { أزلفت } ( ق: 31 ) أي هذا الإزلاف ما وعدتم به ، ويحتمل أن يقال هو كلام مستقل ووجهه أن ذلك محمول على المعنى لا ما يوعد به يقال للموعود هذا لك وكأنه تعالى قال هذا ما قلت إنه لكم .

Bölüm V28/P151–V28/P152

ثم قال تعالى : { لكل أواب حفيظ } بدلا عن الضمير في { توعدون } ، وكذلك إن قرىء بالياء يكون تقديره هذا لكل أواب بدلا عن الضمير ، والأواب الرجاع ، قيل هو الذي يرجع من الذنوب ويستغفر ، والحفيظ الحافظ للذي يحفظ توبته من النقض . ويحتمل أن يقال الأواب هو الرجاع إلى الله بفكره ، والحفيظ الذي يحفظ الله في ذكره أي رجع إليه بالفكر فيرى كل شيء واقعا به وموجدا منه ثم إذا انتهى إليه حفظه بحيث لا ينساه عند الرخاء والنعماء ، والأواب الحفيظ كلاهما من باب المبالغة أي يكون كثير الأوب شديد الحفظ ، وفيه وجوه أخر أدق ، وهو أن الأواب هو الذي رجع عن متابعة هواه في الإقبال على ما سواه ، والحفيظ هو الذي إذا أدركه بأشرف قواه لا يتركه فيكمل بها تقواه ويكون هذا تفسيرا للمتقي ، لأن المتقي هو الذي أتقى الشرك والتعطيل ولم ينكره ولم يعترف بغيره ، والأواب هو الذي لا يعترف بغيره ويرجع عن كل شيء غير الله تعالى ، والحفيظ هو الذي لم يرجع عنه إلى شيء مما عداه . ثم قال تعالى : ! 7 < { من خشى الرحمان بالغيب وجآء بقلب منيب } . > 7 ! < < ق : ( 33 ) من خشي الرحمن . . . . . > > وفي { من } وجوه . أحدها : / وهو أغربها أنه منادى كأنه تعالى قال : يا من خشيء الرحمن أدخلوها بسلام وحذف حرف النداء شائع . وثانيها : { من } بدل عن كل في قوله تعالى : { لكل أواب } ( ق: 32 ) من غير إعادة حرف الجر تقديره أزلفت الجنة لمن خشي الرحمن بالغيب ، ثالثها : في قوله تعالى : { أواب حفيظ } ( ق: 32 ) موصوف معلوم غير مذكور كأنه يقول لكل شخص أواب أو عبد أو غير ذلك ، فقوله تعالى : { من خشى الرحمان بالغيب } بدل عن ذلك الموصوف هذه وجوه ثلاثة ذكرها الزمخشري ، وقال لا يجوز أن يكون بدلا عن أواب أو حفيظ لأن أواب وحفيظ قد وصف به موصوف معلوم غير مذكور كما بيناه والبدل في حكم المبدل منه ، فتكون { من } موصوفا بها ومن لا يوصف بها لا يقال : الرجل من جاءني جالسني ، كم يقال الرجل الذي جاءني جالسني ، هذا تمام كلام الزمخشري ، فإن قال قائل إذا كان { من } والذي يشتركان في كونهما من الموصولات فلماذا لا يشتركان في جواز الوصف بهما ؟ نقول : الأمر معقول نبينه في ما ، ومنه يتبين الأمر فيه فنقول : ما اسم مبهم يقع على كل شيء فمفهومه هو شيء لكن الشيء هو أعم الأشياء فإن الجوهر شيء والعرض شيء والواجب شيء والممكن شيء والأعم قبل الأخص في الفهم لأنك إذا رأيت من البعد شبحا تقول أولا إنه شيء ثم إذا ظهر لك منه ما يختص بالناس تقول إنسان فإذا بان ذلك أنه ذكر قلت هو رجل فإذا وجدته ذا قوة تقول شجاع إلى غير ذلك ، فالأعم أعرف وهو قبل الأخص في الفهم فمفهوم ما قبل كل شيء فلا يجوز أن يكون صفة لأن الصفة بعد الموصوف هذا من حيث المعقول ، وأما من حيث النحو فلأن الحقائق لا يوصف بها ، فلا يقال جسم رجل جاءني كما يقال جسم ناطق جاءني كما يقال جسم ناطق جاءني لأن الوصف يقوم بالموصوف والحقيقة تقوم بنفسها لا بغيرها وكل ما يقع وصفا للغير يكون معناه شيء له كذا ، فقولنا عالم معناه شيء له علم أو عالمية فيدخل في مفهوم الوصف شيء مع أمر آخر وهو له كذا لكن ما لمجرد شيء فلا يوجد فيه ما يتم به الوصف وهو الأمر الآخر الذي معناه ذو كذا فلم يجز أن يكون صفة وإذا بان القول فمن في العقلاء كما في غيرهم وفيهم فمن معناه إنسان أو ملك أو غيرهما من الحقائق العاقلة ، والحقائق لا تقع صفات ، وأما الذي يقع على الحقائق والأوصاف ويدخل في مفهومه تعريف أكثر مما يدخل في مجاز الوصف بما دون من .

Bölüm V28/P152

وفي الآية لطائف معنوية . الأول : الخشية والخوف معناهما واحد عند أهل اللغة ، لكن بينهما فرق وهو أن الخشية من عظمة المخشي ، وذلك لأن تركيب حرف خ ش ي في تقاليبها يلزمه معنى الهيبة يقال شيخ للسيد والرجل الكبير السن وهم جميعا مهيبان ، والخوف خشية من ضعف الخاشي وذلك لأن تركيب خ و ف في تقاليبها يدل على الضعف تدل عليه الخيفة والخفية ولولا قرب معناهما لما ورد في القرآن { تضرعا وخفية } ( الأنعام : 63 ) و { تضرعا وخفية } ( الأعراف : 205 ) والمخفي فيه ضعف كالخائف إذا علمت هذا تبين لك اللطيفة وهي أن الله تعالى في كثير من المواضع ذكر لفظ الخشية حيث كان الخوف من عظمة المخشي قال تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) ، وقال : { لو أنزلنا هاذا القرءان على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله } ( الحشر : 21 ) فإن الجبل ليس فيه ضعف يكون الخوف من ضعفه وإنما الله عظيم يخشاه كل قوي { هم من خشية ربهم مشفقون } ( المؤمنون : 57 ) مع أن الملائكة أقوياء وقال تعالى : { وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } ( الأحزاب : 33 ) أي تخافهم إعظاما لهم إذ لا ضعف فيك بالنسبة إليهم ، وقال تعالى : { لا تخف ولا تحزن } ( العنكبوت : 33 ) أي لا تخف ضعفا فإنهم لا عظمة لهم وقال : { يخافون يوما } ( الإنسان : 7 ) حيث كان عظمة اليوم بالنسبة إلى عظمة الله ضعيفة وقال : { ألا تخافوا ولا تحزنوا } ( فصلت : 30 ) أي بسبب مروه يلحقكم من الآخرة فإن المكروهات كلها مدفوعة عنكم ، وقال تعالى : { خائفا يترقب } ( القصص : 21 ) وقال : { إنى أخاف إن يقتلون } ( القصص : 33 ) لوحدته وضعفه وقال هارون : { إنى خشيت } ( طه : 94 ) لعظمة موسى في عين هارون لا لضعف فيه وقال : { فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا } ( الكهف : 80 ) حيث لم يكن لضعف فيه ، وحاصل الكلام أنك إذا تأملت استعمال الخشية وجدتها مستعملة لخوف بسبب عظمة المخشي ، وإذا نظرت إلى استعمال الخوف وجدته مستعملا لخشية من ضعف الخائف ، وهذا في الأكثر وربما يتخلف المدعى عنه لكن الكثرة كافية .

Bölüm V28/P152–V28/P153

الثانية : قال الله تعالى ههنا : { خشى الرحمان مع ءان تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون لو أنزلنا هاذا القرءان على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله } ( الحشر : 21 ) إشارة إلى ذم الكافر حيث لم تحمله الألوهية التي تنبىء عنها لفظة الله وفيها العظمة على خوفه وقال : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) لأن { إنما } للحصر فكان فيه إشارة إلى أن الجاهل لا يخشاه فذكر الله ليبين أن عدم خشيته مع قيام المقتضى وعدم المانع وهو الرحمة ، وقد ذكرنا ذلك في سورة يسونزيد ههنا شيئا آخر ، وهو أن نقول لفظة : { الرحمان } إشارة إلى مقتضى لا إلى المانع ، وذلك لأن الرحمن معناه واهب الوجود بالخلق ، والرحيم واهب البقاء بالرزق وهو في الدنيا رحمان حيث أوجدنا بالرحمة ، ورحيم حيث أبقى بالرزق ، ولا يقال لغيره رحيم لأن البقاء بالرزق قد يظن أن مثل ذلك يأتي ممن يطعم المضطر ، فيقال فلان هو الذي أبقى فلانا ، وهو في الآخرة أيضا رحمان حيث يوجدنا ، ورحيم حيث يرزقنا ، وذكرنا ذلك في تفسير الفاتحة حيث قلنا قال : { بسم الله الرحمان الرحيم } إشارة إلى كونه رحمانا في الدنيا حيث خلقنا ، رحيما في الدنيا حيث رزقنا رحمة ثم قال مرة أخرى بعد قوله : { الحمد لله رب العالمين الرحمان الرحيم } أي هو رحمان مرة أخرى في الآخرة بخلقنا ثانيا ، واستدللنا عليه بقوله بعد ذلك : { مالك يوم الدين } ( الفاتحة : 4 ) أي يخلقنا ثانيا ، ورحيم يرزقنا ويكون هو المالك في ذلك اليوم ، إذا علمت هذا فمن يكون منه وجود الإنسان لا يكون خوفه خشية من غيره ، فإن القائل يقول لغيره أخاف منك أن تقطع رزقي أو تبدل حياتي ، فإذا كان الله تعالى رحمانا منه الوجود ينبغي أن يخشى ، فإن من بيده الوجود بيده العدم ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( خشية الله رأس كل حكمة ) وذلك لأن الحكيم إذا تفكر في غير الله وجده محل التغير يجوز عليه العدم في كل طرفة عين ، وربما يقدر الله عدمه قبل أن يتمكن من الإضرار ، لأن غير الله إن / لم يقدر الله أن يضر لا يقدر على الضرر وإن قدر عليه بتقدير الله فسيزول الضرر بموت المعذب أو المعذب ، وأما الله تعالى فلا راد لما أراد ولا آخر لعذابه / وقال تعالى : { بالغيب } أي كانت خشيتهم قبل ظهور الأمور حيث ترى رأي العين ، وقوله تعالى : { وجاء بقلب منيب } إشارة إلى صفة مدح أخرى ، وذلك لأن الخاشي قد يهرب ويترك القرب من المخشي ولا ينتفع ، وإذا علم المخشي أنه تحت حكمه تعالى علم أنه لا ينفعه الهرب ، فيأتي المخشي وهو ( غير ) خاش فقال : { وجاء } ولم يذهب كما يذهب الآبق ، وقوله تعالى : { بقلب منيب } الباء فيه يحتمل وجوها ذكرناها في قوله تعالى : { وجاءت سكرة الموت بالحق } ( ق: 19 ) . أحدها : التعدية أي أحضر قلبا سليما ، كما يقال ذهب به إذا أذهبه . ثانيها : المصاحبة يقال : اشترى فلان الفرس بسرجه أي مع سرجه ، وجاء فلان بأهله أي مع أهله .

Bölüm V28/P153

ثالثها : وهو أعرفها الباء للسبب يقال : ما أخذ فلان إلا بقول فلان وجاء بالرجاء له فكأنه تعالى قال : جاء وما جاء إلا بسبب إنابة في قلبه علم أنه لا مرجع إلا إلى الله فجاء بسبب قلبه المنيب ، والقلب المنيب كالقلب السليم في قوله تعالى : { إذا جاء ربه بقلب سليم } ( الصافات : 84 ) أي سليم من الشرك ، ومن سلم من الشرك يترك غير الله ويرجع إلى الله فكان منيبا ، ومن أناب إلى الله برىء من الشرك فكان سليما :

Bölüm V28/P153–V28/P154

! 7 < { ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود } . > 7 < ق : ( 34 ) ادخلوها بسلام ذلك . . . . . > > ثم قال تعالى : { ادخلوها بسلام } . فالضمير عائد إلى الجنة التي في { وأزلفت الجنة } ( ق: 31 ) أي لما تكامل حسنها وقربها وقيل لهم إنها منزلكم بقوله : { هاذا ما توعدون } ( ق: 32 ) أذن لهم في دخولها وفيه مسائل : المسألة الأولى : الخطاب مع من ؟ نقول : إن قرىء { ما توعدون } بالتاء فهو ظاهر إذ لا يخفى أن الخطاب مع الموعودين ، وإن قرىء بالياء فالخطاب مع المتقين أي يقال للمتقين أدخلوها . المسألة الثانية : هذا يدل على أن ذلك يتوقف على الإذن ، وفيه من الانتظار ما لا يليق بالإكرام ، نقول ليس كذلك ، فإن من دعا مكرما إلى بستانه يفتح له الباب ويجلس في موضعه ، ولا يقف على الباب من يرحبه ، ويقول إذا بلغت بستاني فادخله ، وإن لم يكن هناك أحد يكون قد أخل بإكرامه بخلاف من يقف على باب قوم يقولون : أدخل باسم الله ، يدل على الإكرام قوله تعالى : { بسلام } كما يقول المضيف : أدخل مصاحبا بالسلامة والسعادة والكرامة ، والباء للمصاحبة في معنى الحال ، أي سالمين مقرونين بالسلامة ، أو معناه أدخلوها مسلما عليكم ، ويسلم الله وملائكته عليكم ، ويحتمل عندي وجها آخر ، وهو أن يكون ذلك إرشادا للمؤمنين إلى مكارم الاخلاق في ذلك اليوم كما أرشدوا إليها في الدنيا ، حيث قال تعالى : { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } ( النور : 27 ) فكأنه تعالى قال : هذه داركم ومنزلكم ، ولكن لا تتركوا حسن / عادتكم ، ولا تخلوا بمكارم أخلاقكم ، فادخلوها بسلام ، ويصيحون سلاما على من فيها ، ويسلم ممن فيها عليهم ، ويقولون السلام عليكم ، ويدل عليه قوله تعالى : { إلا قيلا سلاما سلاما } ( الواقعة : 26 ) أي يسلمون على من فيها ، ويسلم من فيها عليهم ، وهذا الوجه إن كان منقولا فنعم ، وإن لم يكن منقولا فهو مناسب معقول أيده دليل منقول . قوله تعالى : { ذلك يوم الخلود } . حتى لا يدخل في قلبهم أن ذلك ربما ينقطع عنهم فتبقى في قلبهم حسرته ، فإن قيل المؤمن قد علم أنه إذا دخل الجنة خلد فيها ، فما الفائدة في التذكير ؟ والجواب : عنه من وجهين . أحدهما : أن قوله : { ذلك يوم الخلود } قول قاله الله في الدنيا إعلاما وإخبارا ، وليس ذلك قولا يقوله عند قوله : { ادخلوها } فكأنه تعالى أخبرنا في يومنا أن ذلك اليوم يوم الخلود . ثانيهما : اطمئنان القلب بالقول أكثر ، قال الزمخشري في قوله : { يوم الخلود } إضمار تقديره : ذلك يوم تقدير الخلود ، ويحتمل أن يقال اليوم يذكر ، ويراد الزمان المطلق سواء كان يوما أو ليلا ، نقول : يوم ولد لفلان ابن يكون السرور العظيم ، ولو ولد له بالليل لكان السرور حاصلا ، فتريد به الزمان ، فكأنه تعالى قال : ذلك زمان الإقامة الدائمة . ثم قال تعالى : ! 7 < { لهم ما يشآءون فيها ولدينا مزيد } . > 7 ! < < ق : ( 35 ) لهم ما يشاؤون . . . . .

Bölüm V28/P154–V28/P155

> > وفي الآية ترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأنه تعالى بدأ ببيان إكرامهم حيث قال : { وأزلفت الجنة للمتقين } ( الشعراء : 90 ) ولم يقل : قرب المتقون من الجنة بيانا للإكرام حيث جعلهم ممن تنقل إليهم الجنان بما فيها من الحسان ، ثم قال لهم هذا لكم ، بقوله : { هاذا ما توعدون } ( ق: 32 ) ثم بين أنه أجر أعمالهم الصالحة بقوله : { لكل أواب حفيظ حفيظ من خشى الرحمان } ( ق: 33 ) فإن تصرف المالك الذي ملك شيئا بعوض أتم فيه من تصرف من ملك بغير عوض ، لإمكان الرجوع في التمليك بغير عوض ، ثم زاد في الإكرام بقوله : { ادخلوها } ( ق: 34 ) كما بينا أن ذلك إكرام ، لأن من فتح بابه للناس ، ولم يقف ببابه من يرحب الداخلين ، لا يكون قد أتى بالإكرام التام ، ثم قال : { ذلك يوم الخلود } ( ق: 34 ) أي لا تخافوا ما لحقكم من قبل حيث أخرج أبويكم منها ، فهذا دخول لا خروج بعده منها . ثم لما بين أنهم فيها خالدون قال : لا تخافوا انقطاع أرزاقكم وبقاءكم في حاجة ، كما كنتم في الدنيا من كان يعمر ينكس ويحتاج ، بل لكم الخلود ، ولا ينفد ما تمتعون به فلكم ما تشاءون في أي وقت تشاءون ، وإلى الله المنتهى ، وعند الوصول إليه ، والمثول بين يديه ، فلا يوصف ما لديه ، ولا يطلع أحد عليه ، وعظمة من عنده تدلك على فضيلة ما عنده ، هذا هو الترتيب ، وأما التفسير ، ففيه مسألتان : / المسألة الأولى : قال تعالى : { ادخلوها بسلام } ( ق: 34 ) على سبيل المخاطبة ، ثم قال : { لهم } ولم يقل لكم ما الحكمة فيه ؟ الجواب : عنه من وجوه . الأول : هو أن قوله تعالى : { ادخلوها } مقدر فيه يقال لهم ، أي يقال لهم { ادخلوها } فلا يكون على هذا التفاتا . الثاني : هو أنه من باب الالتفات والحكمة الجمع بين الطرفين ، كأنه تعالى يقول : أكرمهم به في حضورهم ، ففي حضورهم الحبور ، وفي غيبتهم الحور والقصور . والثالث : هو أن يقال قوله تعالى : { لهم } جاز أن يكون كلاما مع الملائكة ، يقول للملائكة : توكلوا بخدمتهم ، واعلموا أن لهم ما يشاءون فيها ، فأحضروا بين أيديهم ما يشاءون ، وأما أنا فعندي ما لا يخطر ببالهم ، ولا تقدرون أنتم عليه . المسألة الثانية : قد ذكرنا أن لفظ { مزيد } ( ق: 30 ) يحتمل أن يكون معناه الزيادة ، فيكون كما في قوله تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ( يونس : 26 ) ويحتمل أن يكون بمعنى المفعول ، أي عندنا ما نزيده على ما يرجون وما يكون مما يشتهون : ! 7 < { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا فى البلاد هل من محيص } . > 7 ! < < ق : ( 36 ) وكم أهلكنا قبلهم . . . . . > > ثم قال تعالى : { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا } .

Bölüm V28/P155–V28/P156

لما أنذرهم بما بين أيديهم من اليوم العظيم والعذاب الأليم ، أنذرهم بما يعجل لهم من العذاب المهلك والإهلاك المدرك ، وبين لهم حال من تقدمهم ، وقد تقدم تفسيره في مواضع ، والذي يختص بهذا الموضع أمور . أحدها : إذا كان ذلك للجمع بين الإنذار بالعذاب العاجل والعقاب الآجل ، فلم توسطهما قوله تعالى : { وأزلفت الجنة للمتقين } إلى قوله : { ولدينا مزيد } ( ق: 31 35 ) نقول ليكون ذلك دعاء بالخوف والطمع ، فذكر حال الكفور المعاند ، وحال الشكور العابد في الآخرة ترهيبا وترغيبا ، ثم قال تعالى : إن كنتم في شك من العذاب الأبدي الدائم ، فما أنتم في ريب من العذاب العاجل المهلك الذي أهلك أمثالكم ، فإن قيل : فلم لم يجمع بين الترهيب والترغيب في العاجلة ، كما جمع بينهما في الآجلة ، ولم يذكر حال من أسلم من قبل وأنعم عليه ، كما ذكر حال من أشرك به فأهلكه نقول لأن النعمة كانت قد وصلت إليهم ، وكانوا متقلبين في النعم ، فلم يذكرهم به ، وإنما كانوا غافلين عن الهلاك فأنذرهم به ، وأما في الآخرة ، فكانوا غافلين عن الأمرين جميعا ، فأخبرهم بهما . الثاني : قوله تعالى : { فنقبوا فى البلاد } . في معناه وجوه . أحدها : هو ما قاله تعالى في حق ثمود : { الذين جابوا الصخر بالواد } ( الفجر : 9 ) من قوتهم خرق الطرق ونقبوها ، وقطعوا الصخور وثقبوها . ثانيها : نقبوا ، أي ساروا في الأسفار ولم يجدوا ملجأ ومهربا ، وعلى هذا يحتمل أن يكون المراد أهل مكة ، أي هم ساروا في الأسفار ، ورأوا ما فيها من الآثار . ثالثها : { فنقبوا فى البلاد } أي صاروا نقباء في الأرض أراد ما أفادهم / بطشهم وقوتهم ، ويدل على هذا الفاء ، لأنها تصير حينئذ مفيدة ترتب الأمر على مقتضاه ، تقول كان زيد أقوى من عمرو فغلبه ، وكان عمرو مريضا فغلبه زيد ، كذلك ههنا قال تعالى : { هم أشد منهم بطشا } فصاروا نقباء في الأرض ، وقرىء : { فنقبوا } بالتشديد ، وهو أيضا يدل على ما ذكرنا في الوجه الثالث ، لأن التنقيب البحث ، وهو من نقب بمعنى صار نقيبا . الثالث : قوله تعالى : { هل من محيص } . يحتمل وجوها ثلاثة . الأول : على قراءة من قرأ بالتشديد يحتمل أن يقال هو مفعول ، أي بحثوا عن المحيص { هل من محيص } . الثاني : على القراءات جميعا استفهام بمعنى الإنكار أي لم يكن لهم محيص . الثالث : هو كلام مستأنف كأنه تعالى يقول لقوم محمد صلى الله عليه وسلم هم أهلكوا مع قوة بطشهم فهل من محيص لكم تعتمدون عليه والمحيص كالمحيد غير أن المحيص معدل ومهرب عن الشدة ، يدلك عليه قولهم وقعوا في حيص بيص أي في شدة وضيق ، والمحيد معدل وإن كان لهم بالاختيار يقال حاد عن الطريق نظرا ، ولا يقال حاص عن الأمر نظرا . ! 7 < { إن فى ذالك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد } . > 7 < ق : ( 37 ) إن في ذلك . . . . . > > ثم قال تعالى : { إن فى ذالك لذكرى لمن كان له قلب } .

Bölüm V28/P156–V28/P157

الإشارة إلى الإهلاك ويحتمل أن يقال هو إشارة إلى ما قاله من إزلاف الجنة وملء جهنم وغيرهما ، والذكرى اسم مصدر هو التذكر والتذكرة وهي في نفسها مصدر ذكره يذكره ذكرا وذكرى وقوله لمن { كان له قلب } قيل : المراد قلب موصوف بالوعي ، أي لمن كان له قلب واع يقال لفلان مال أي كثير فالتنكير يدل على معنى في الكمال ، والأولى أن يقال هو لبيان وضوح الأمر بعد الذكر وأن لا خفاء فيه لمن كان له قلب ما ولو كان غير كامل ، كما يقال أعطه شيئا ولو كان درهما ، ونقول الجنة لمن عمل خيرا ولو حسنة ، فكأنه تعالى قال : إن في ذلك لذكرى لمن يصح أن يقال له قلب وحينئذ فمن لا يتذكر لا قلب له أصلا كما في قوله تعالى : { صم بكم عمى } ( البقرة : 18 ) حيث لم تكن آذانهم وألسنتهم وأعينهم مفيدة لما يطلب منها كذلك من لا يتذكر كأنه لا قلب له ، ومنه قوله تعالى : { كالانعام بل هم أضل } ( الأعراف : 179 ) أي هم كالجماد وقوله تعالى : { كأنهم خشب مسندة } ( المنافقون : 4 ) أي لهم صور وليس لهم قلب للذكر ولا لسان للشكر . وقوله تعالى : { أو ألقى السمع وهو شهيد } أي استمع وإلقاء السمع كناية في الاستماع ، لأن من لا يسمع فكأنه حفظ سمعه وأمسكه فإذا أرسله حصل الاستماع ، فإن قيل على قول من قال التنكير في القلب للتكثير يظهر حسن ترتيب في قوله : { أو ألقى السمع } وذلك لأنه يصير كأنه / تعالى يقول : إن في ذلك لذكرى لمن كان ذا قلب واع ذكي يستخرج الأمور بذكائه أو ألقى السمع ويستمع من المنذر فيتذكر ، وأما على قولك المراد من صح أن يقال له قلب ولو كان غير واع لا يظهر هذا الحسن ، نقول على ما ذكرنا ربما يكون الترتيب أحسن وذلك لأن التقدير يصير كأنه تعالى قال : فيه ذكرى لكل واحد كيف كان له قلب لظهور الأمر ، فإن كان لا يحصل لكل أحد فلمن يستمع حاصل ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى : { أو ألقى السمع } حيث لم يكل أو استمع لأن الاستماع ينبىء عن طلب زائد ، وأما إلقاء السمع فمعناه أن الذكرى حاصلة لمن لا يمسك سمعه بل يرسله إرسالا ، وإن لم يقصد السماع كالسامع في الصوت الهائل فإنه يحصل عند مجرد فتح الأذن وإن لم يقصد السماع والصوت الخفي لا يسمع إلا باستماع وتطلب ، فنقول الذكرى حاصلة لمن كان له قلب كيف كان قلبه لظهورها فإن لم تحصل فلمن له أذن غير مسدودة كيف كان حاله سواء استمع باجتهاده أو لم يجتهد في سماعه ، فإن قيل فقوله تعالى : { وهو شهيد } للحال وهو يدل على أن إلقاء السمع بمجرده غير كاف ، نقول هذا يصحح ما ذكرناه لأنا قلنا بأن الذكرى حاصلة لمن له قلب ما ، فإن لم تحصل له فتحصل له إذا ألقى السمع وهو حاضر بباله من القلب ، وأما على الأول فمعناه من ليسه له قلب واع ، يحصل له الذكر إذا ألقى السمع وهو حاضر بقلبه فيكون عند الحضور بقلبه يكون له قلب واع ، وقد فرض عدمه هذا إذا قلنا بأن قوله : { وهو شهيد } بمعنى الحال ، وإذا لم نقل به فلا يرد ما ذكر وهو يحتمل غير ذلك بيانه هو أن يقال ذلك إشارة إلى القرآن وتقريره هو أن الله تعالى لما قال في أول السورة : { ق والقرءان المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم } ( ق: 1 ، 2 ) وذكر ما يدفع تعجبهم وبين كونه منذرا صادقا وكون الحشر أمرا واقعا ورغب وأرهب بالثواب والعذاب آجلا وعاجلا وأتم الكلام قال : { إن فى ذلك } أي القرآن الذي سبق ذكره { لذكرى لمن كان له قلب } أو لمن يستمع ، ثم قال : { وهو شهيد } أي المنذر الذي تعجبتم منه شهيد كما قال تعالى : { إنا أرسلناك شاهدا } ( الفتح : 8 ) وقال تعالى : { ليكون الرسول شهيدا عليكم } ( الحج : 78 ) . ثم قال تعالى :

Bölüm V28/P157–V28/P158

! 7 < { ولقد خلقنا السماوات والا رض وما بينهما فى ستة أيام وما مسنا من لغوب } . > 7 ! < < ق : ( 38 ) ولقد خلقنا السماوات . . . . . > > أعاد الدليل مرة أخرى ، وقد ذكرنا تفسير ذلك في الم السجدة ، وقلنا : إن الأجسام ثلاثة أجناس . أحدها : السماوات ، ثم حركها وخصصها بأمور ومواضع وكذلك الأرض خلقها ، ثم دحاها وكذلك ما بينهما خلق أعيانها وأصنافها { في ستة أيام } إشارة إلى ستة أطوار ، والذي يدل عليه / ويقرره هو أن المراد من الأيام لا يمكن أن يكون هو المفهوم في وضع اللغة ، لأن اليوم عبارة في اللغة عن زمان مكث الشمس فوق الأرض من الطلوع إلى الغروب ، وقبل السماوات لم يكن شمس ولا قمر لكن اليوم يطلق ويراد به الوقت يقال يوم يولد للملك ابن يكون سرور عظيم ويوم يموت فلان يكون حزن شديد ، وإن اتفقت الولادة أو الموت ليلا ولا يتعين ذلك ويدخل في مراد العاقل لأنه أراد باليوم مجرد الحين والوقت ، إذا علمت الحال من إضافة اليوم إلى الأفعال فافهم ما عند إطلاق اليوم في قوله : { ستة أيام } وقال بعض المفسرين : المراد من الآية الرد على اليهود ، حيث قالوا : بدأ الله تعالى خلق العالم يوم الأحد وفرغ منه في ستة أيام آخرها يوم الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على عرشه فقال تعالى : { وما مسنا من لغوب } ردا عليهم ، والظاهر أن المراد الرد على المشرك والاستدلال بخلق السماوات والأرض ومما بينهما وقوله تعالى : { وما مسنا من لغوب } أي ما تعبنا بالخلق الأول حتى لا نقدر على الإعادة . ثانيا : والخلق الجديد كما قال تعالى : { أفعيينا بالخلق الاول } ( ق: 15 ) وأما ما قاله اليهود ونقلوه من التوراة فهو إما تحريف منهم أو لم يعلموا تأويله ، وذلك لأن الأحد والاثنين أزمنة متميز بعضها عن بعض ، فلو كان خلق السماوات ابتدىء يوم الأحد لكان الزمان متحققا قبل الأجسام والزمان لا ينفك عن الأجسام فيكون قبل خلق الأجسام أجسام أخر فيلزم القول بقدم العالم وهو مذهب الفلاسفة ، ومن العجيب أن بين الفلاسفة والمشبهة غاية الخلاف ، فإن الفلسفي لا يثبت لله تعالى صفة أصلا ويقول بأن الله تعالى لا يقبل صفة بل هو واحد من جميع الوجوه ، فعلمه وقدرته وحياته هو حقيقته وعينه وذاته ، والمشبهي يثبت لله صفة الأجسام من الحركة والسكون والاستواء والجلوس والصعود والنزول فبينهما منافاة ، ثم إن اليهود في هذا الكلام جمعوا بين المسألتين فأخذوا بمذهب الفلاسفة في المسألة التي هي أخص المسائل بهم وهي القدم حيث أثبتوا قبل خلق الأجسام أياما معدودة وأزمنة محدودة ، وأخذوا بمذهب المشبهة في المسألة التي هي أخص المسائل بهم وهي الاستواء على العرش فأخطوا ( وضلوا ) وأضلوا في الزمان والمكان جميعا . ! 7 < { فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } . > 7 < ق : ( 39 ) فاصبر على ما . . . . . > > ثم قال تعالى : { فاصبر على ما يقولون } قال من تقدم ذكرهم من المفسرين إن معناه اصبر على ما يقولون من حديث التعب بالاستلقاء ، وعلى ما قلناه معناه اصبر على ما يقولون إن هذا لشيء عجيب ، { وسبح بحمد ربك } وما ذكرناه أقرب لأنه مذكور ، وذكر اليهود وكلامهم لم يجر . وقوله : { وسبح بحمد ربك } يحتمل وجوها . أحدها : أن يكون الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة ، فيكون كقوله تعالى : { وأقم الصلواة طرفى النهار وزلفا من اليل } ( هود : 114 ) .

Bölüm V28/P158–V28/P159

وقوله تعالى : { قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } إشارة إلى طرفي النهار . ! 7 < { ومن اليل فسبحه وأدبار السجود } . > 7 < ق : ( 40 ) ومن الليل فسبحه . . . . . > > / وقوله : { ومن اليل فسبحه } إشارة إلى زلفا من الليل ، ووجه هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم له شغلان . أحدهما : عبادة الله . وثانيهما : هداية الخلق فإذا هداهم ولم يهتدوا ، قيل له أقبل على شغلك الآخر وهو عبادة الحق . ثانيها : سبح بحمد ربك ، أي نزهه عما يقولون ولا تسأم من امتناعهم بل ذكرهم بعظمة الله تعالى ونزهه عن الشرك والعجز عن الممكن الذي هو الحشر قبل الطلوع وقبل الغروب ، فإنهما وقت اجتماعهم { ومن اليل فسبحه } أي أوائل الليل ، فإنه أيضا وقت اجتماع العرب ، ووجه هذا أنه لا ينبغي أن تسأم من تكذيبهم فإن الرسل من قبلك أوذوا وكذبوا وصبروا على ما كذبوا وأوذوا ، وعلى هذا فلقوله تعالى : { وأدبار السجود } فائدة جليلة وهي الإشارة إلى ما ذكرنا أن شغل الرسول أمر أن العبادة والهداية فقوله : { وأدبار السجود } أي عقب ما سجدت وعبدت نزه ربك بالبرهان عند اجتماع القوم ليحصل لك العبادة بالسجود والهداية أدبار السجود . ثالثها : أن يكون المراد قل سبحان الله ، وذلك لأن ألفاظا معدودة جاءت بمعنى التلفظ بكلامهم ، فقولنا كبر يطلق ويراد به قول القائل الله أكبر ، وسلم يراد به قوله السلام عليكم ، وحمد يقال لمن قال الحمد لله ، ويقال هلل لمن قال لا إلاه إلا الله ، وسبح لمن قال سبحان الله ، ووجه هذا أن هذه أمور تتكرر من الإنسان في الكلام والحاجة تدعو إلى الإخبار عنها ، فلو قال القائل فلان قال لا إلاه إلا الله أو قال الله أكبر طول الكلام ، فمست الحاجة إلى استعمال لفظة واحدة مفيدة لذلك لعدم تكرر ما في الأول ، وأما مناسبة هذا الوجه للكلام الذي هو فيه ، فهي أن تكذيبهم الرسول وتعجبهم من قوله أو استهزاءهم كان يوجب في العادة أن يشتغل النبي صلى الله عليه وسلم بلعنهم وسبهم والدعاء عليهم فقال : فاصبر على ما يقولون واجعل كلامك بدل الدعاء عليهم التسبيح لله والحمد له ولا تكن كصاحب الحوت أو كنوح عليه السلام حيث قال : { رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا } ( نوح : 26 ) بل ادع إلى ربك فإذا ضجرت عن ذلك بسبب إصرارهم فاشتغل بذكر ربك في نفسك ، وفيه مباحث :

Bölüm V28/P159

البحث الأول : استعمل الله التسبيح تارة مع اللام في قوله تعالى : { يسبح الله } ( الجمعة : 1 ) ، و { يسبحون له } ( فصلت : 38 ) وأخرى مع الباء في قوله تعالى : { فسبح باسم ربك العظيم } ( الواقعة : 74 ) و { سبح بحمد ربك } ( طه : 42 ) وقوله : { سبح اسم ربك الاعلى } ( الأعلى : 1 ) فما الفرق بينهما ؟ نقول : أما الباء فهي الأهم وبالتقديم أولى في هذا الموضع كقوله تعالى : { وسبع بحمد ربك } فنقول أما على قولنا المراد من سبح قل سبحان الله ، فالباء للمصاحبة أي مقترنا بحمد الله ، فيكون كأنه تعالى قال قل سبحان الله والحمد لله ، وعلى قولنا المراد التنزيه لذلك أي نزهه وأقرنه بحمده أي سبحه واشكره حيث وفقك الله لتسبيحه فإن السعادة الأبدية لمن سبحه ، وعلى هذا فيكون المفعول / غير مذكور لحصول العلم به من غير ذكر تقديره : سبح الله بحمد ربك ، أي ملتبسا ومقترنا بحمد ربك ، وعلى قولنا صل ، نقول يحتمل أن يكون ذلك أمرا بقراءة الفاتحة في الصلاة يقال : صلى فلان بسورة كذا أو صلى بقل هو الله أحد ، فكأنه يقول صلى بحمد الله أي مقروءا فيها : الحمد لله رب العالمين ، وهو أبعد الوجوه ، وأما التعدية من غير حرف فنقول هو الأصل لأن التسبيح يتعدى بنفسه لأن معناه تبعيد من السوء / وأما اللام فيحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون كما في قول القائل نصحته ونصحت له ، وشكرته وشكرت له . وثانيهما : أن يكون لبيان الأظهر أي يسبحون الله وقلوبهم لوجه الله خالصة . البحث الثاني : قال ههنا : { سبح بحمد ربك } ثم قال تعالى : { ومن اليل فسبحه } من غير باء فما الفرق بين الموضعين ؟ نقول الأمر في الموضعين واحد على قولنا التقدير سبح الله مقترنا بحمد ربك ، وذلك لأن سبح الله كقول القائل فسبحه غير أن المفعول لم يدكر . أولا : لدلالة قوله بحمد ربك عليه . وثانيا : لدلالة ما سبق عليه لم يذكر بحمد ربك ، الجواب الثاني على قولنا سبح بمعنى صل يكون الأول أمرا بالصلاة ، والثاني أمرا بالتنزيه ، أي وصل بحمد ربك في الوقت وبالليل نزهه عما لا يليق ، وحينئذ يكون هذا إشارة إلى العمل والذكر والفكر . فقوله : { سبح } إشارة إلى خير الأعمال وهو الصلاة ، وقوله : { بحمد ربك } إشارة إلى الذكر ، وقوله : { ومن اليل فسبحه } إشارة إلى خير الأعمال وهو الصلاة ، وقوله : { بحمد ربك } إشارة إلى الذكر ، وقوله : { ومن اليل فسبحه } إشارة إلى الفكر حين هدوا الأصواب ، وصفاء الباطن أي نزهه عن كل سوء بفكرك ، واعلم أنه لا يتصف إلا بصفات الكمال ونعوت الجلال ، وقوله تعالى : { وأدبار السجود } قد تقدم بعض ما يقال في تفسيره ، ووجه آخر هو أنه إشارة إلى الأمر بإدامة التسبيح ، فقوله : { بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن اليل فسبحه } إشارة إلى أوقات الصلاة ، وقوله : { وأدبار السجود } يعني بعدما فرغت من السجود وهو الصلاة فلا تترك تسبيح الله وتنزيهه بل داوم أدبار السجود ليكون جميع أوقاتك في التسبيح فيفيد فائدة قوله تعالى : { واذكر ربك إذا نسيت } ( الكهف : 24 ) وقوله : { فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب } ( الشرح : 7 ، 8 ) وقرىء : { والركع السجود } .

Bölüm V28/P159–V28/P160

البحث الثالث : الفاء في قوله تعالى : { فسبحه } ما وجهها ؟ نقول هي تفيد تأكيد الأمر بالتسبيح من الليل ، وذلك لأنه يتضمن الشرط كأنه يقول : وأما من الليل فسبحه ، وذلك لأن الشرط يفيد أن عند وجوده يجب وجود الجزاء ، وكأنه تعالى يقول النهار محل الاشتغال وكثرة الشواغل ، فأما الليل فمحل السكون والانقطاع فهو وقت التسبيح ، أو نقول بالعكس الليل محل النوم والثبات والغفلة ، فقال : أما الليل فلا تجعله للغفلة بل اذكر فيه ربك ونزهه . البحث الرابع : { من } في قوله : { ومن اليل } يحتمل وجهين . أحدهما : أن يكون لابتداء الغاية أي من أول الليل فسبحه ، وعلى هذا فلم يذكر له غاية لاختلاف ذلك بغلبة النوم وعدمها ، يقال أنا من الليل أنتظرك . ثانيهما : أن يكون للتبعيض أي اصرف من الليل طرفا إلى التسبيح يقال : من مالك منع ومن الليل انتبه ، أي بعضه . / البحث الخامس : قوله : { وأدبار السجود } عطف على ماذا ؟ نقول : يحتمل أن يكون عطفا على ما قبل الغروب كأنه تعالى قال : ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب وأدبار السجود ) وذكر بينهما قوله : { ومن اليل فسبحه } وعلى هذا ففيه ما ذكرنا من الفائدة وهي الأمر بالمداومة ، كأنه قال : سبح قبل طلوع الشمس ، وإذا جاء وقت الفراغ من السجود قبل الطلوع فسبح وسبح قبل الغروب ، وبعد الفراغ من السجود قبل الغروب سبحه فيكون ذلك إشارة إلى صرف الليل إلى التسبيح ، ويحتمل أن يكون عطفا على { ومن اليل فسبحه } وعلى هذا يكون عطفا على الجار والمجرور جميعا ، تقديره وبعض الليل ( فسبحه وأدبار السجود ) . ثم قال تعالى : ! 7 < { واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب } . > 7 ! < < ق : ( 41 ) واستمع يوم يناد . . . . . > > هذا إشارة إلى بيان غاية التسبيح ، يعني اشتغل بتنزيه الله وانتظر المنادي كقوله تعالى : { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ( الحجر : 99 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما الذي يستمعه ؟ قلنا : يحتمل وجوها ثلاثة . أحدها : أن يترك مفعوله رأسا ويكون المقصود كن مستمعا ولا تكن مثل هؤلاء المعرضين الغافلين ، يقال هو رجل سميع مطيع ولا يراد مسموع بعينه كما يقال فلان وكاس ، وفلان يعطي ويمنع . ثانيهما : استمع لما يوحي إليك . ثالثها : استمع نداء المنادي .

Bölüm V28/P160–V28/P161

المسألة الثانية : { يوم يناد المناد } منصوب بأي فعل ؟ نقول : هو مبني على المسألة الأولى ، إن قلنا استمع لا مفعول له فعامله ما يدل عليه قوله تعالى : { يوم الخروج } ( ق: 42 ) تقديره : يخرجون يوم ينادي المنادي ، وإن قلنا مفعوله لما يوحى فتقديره ( واستمع ) لما يوحى ( يوم ينادي ) ويحتمل ما ذكرنا وجها آخر ، وهو ما يوحي أي ما يوحى { يوم يناد المناد } اسمعه ، فإن قيل : استمع عطف على فاصبر وسبح وهو في الدنيا ، والاستماع يكون في الدنيا ، وما يوحى { يوم يناد المناد } لا يستمع في الدنيا ، نقول ليس بلازم ذلك لجواز أن يقال صل وادخل الجنة أي صل في الدنيا وادخل الجنة في العقبى ، فكذلك ههنا ، ويحتمل أن يقال بأن استمع بمعنى انتظر فيحتمل الجمع في الدنيا ، وإن قلنا استمع الصيحة وهو نداء المنادي : يا عظام انتشري ، والسؤال الي ذكره علم الجواب منه ، وجواب آخر نقوله حينئذ وهو أن الله تعالى قال : { ونفخ فى الصور فصعق من فى السماوات ومن فى الارض إلا من شاء الله } ( الزمر : 68 ) قلنا : إن من شاء الله هم الذين علموا وقوع الصيحة ، واستيقظوا لها فلم تزعجهم كمن يرى برقا أومض ، وعلم أن عقبيه يكون رعد قوي فينظره ويستمع له ، وآخر غافل فإذا رعد بقوة ربما يغشى على الغافل ولا يتأثر منه المستمع ، فقال : استمع ذلك كي لا تكون ممن يصعق في ذلك اليوم . / المسألة الثانية : ما الذي ينادي المنادي ؟ فيه وجوه محتملة منقولة معقولة وحصرها بأن نقول المنادي إما أن يكون هو الله تعالى أو الملائكة أو غيرهما وهم المكلفون من الإنس والجن في الظاهر ، وغيرهم لا ينادي ، فإن قلنا هو تعالى فيه وجوه . أحدها : ينادي : { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم } ( الصافات : 22 ) . ثانيها : ينادي { ألقيا فى جهنم كل كفار عنيد } ( ق: 24 ) مع قوله : أدخلوها بسلام } ( ق: 34 ) ومثله قوله تعالى : { } ( ق: 34 ) ومثله قوله تعالى : { خذوه فغلوه } ( الحاقة : 30 ) يدل على هذا قوله تعالى : { يوم يناد المناد من مكان قريب } ( ق: 41 ) وقال : { وأخذوا من مكان قريب } ( سبأ : 51 ) . ثالثها : غيرهما لقوله تعالى : { يناديهم أين شركائى } وغير ذلك ، وأما على قولنا المنادي غير الله ففيه وجوه أيضا . أحدها : قول إسرافيل : أيتها العظام البالية اجتمعوا للوصل واستمعوا للفصل . ثانيها : النداء مع النفس يقال للنفس ارجعي إلى ربك لتدخلي مكانك من الجنة أو النار . ثالثها : ينادي مناد هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار ، كما قال تعالى : { فريق فى الجنة وفريق فى السعير } ( الشورى : 7 ) وعلى قولنا المنادي هو المكلف فيحتمل أن يقال هو ما بين الله تعالى في قوله : { ونادوا يامالك مالك } ( الزخرف : 77 ) أو غير ذلك إلا أن الظاهر أن المراد أحد الوجهين الأولين ، لأن قوله المنادي للتعريف وكون الملك في ذلك اليوم مناديا معروف عرف حاله وإن لم يجر ذكره / فيقال : قال صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن قد سبق ذكره ، وأما أن الله تعالى مناد فقد سبق في هذه السورة في قوله : { ألقيا } ( ق: 24 ) وهذا نداء ، وقوله : { يوم نقول لجهنم } ( ق: 30 ) وهو نداء ، وأما المكلف ليس كذلك ، وقوله تعالى : { من مكان قريب } إشارة إلى أن الصوت لا يخفى على أحد بل يستوي في استماعه كل أحد وعلى هذا فلا يبعد حمل المنادي على الله تعالى إذ ليس المراد من المكان القريب نفس المكان بل ظهور النداء وهو من الله تعالى أقرب ، وهذا كما قال في هذه السورة : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ( ق: 16 ) وليس ذلك بالمكان . ثم قال تعالى :

Bölüm V28/P161–V28/P162

! 7 < { يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج } . > 7 < ق : ( 42 ) يوم يسمعون الصيحة . . . . . > > هذا تحقيق ما بينا من الفائدة في قوله : { واستمع } ( ق: 41 ) أي لا تكن من الغافلين حتى لا تصعق يوم الصيحة ، وبيانه هو أنه قال استمع أي كن قبل أن تستمع مستيقظا لوقوعه ، فإن السمع لا بد منه أنت وهم فيه سواء فهم يسمعون لكن من غير استماع فيصعقون وأنت تسمع بعد الاستماع فلا يؤثر فيك إلا ما لا بد منه و { يوم } يحتمل وجوها . أحدها : ما قاله الزمخشري أنه بدل من يوم في قوله : { واستمع يوم يناد المناد } والعامل فيهما الفعل الذي يدل عليه قوله تعالى : { ذلك يوم الخروج } ( ق: 42 ) أي يخرجون يوم يسمعون . ثانيها : أن { يوم يسمعون } العامل فيه مما في قوله ذلك { يوم يناد المناد } العامل فيه ما ذكرنا . ثالثها : أن يقال استمع عامل في يوم ينادي كما ذكرنا وينادي عامل في يسمعون ، وذلك لأن يوم ينادي وإن لم يجز أن يكون منصوبا بالمضاف إليه وهو ينادي لكن غيره يجوز أن يكون منصوبا به ، يقال : اذكر حال زيد ومذلته يوم ضربه عمرو ، ويوم كان عمرو واليا ، إذا كان القائل يريد / بيان مذلة زيد عندما صار زيد يكرم بسبب من الأسباب ، فلا يكون يوم كان عمرو واليا منصوبا بقوله اذكر لأن غرض القائل التذكير بحال زيد ومذلته وذلك يوم الضرب ، لكن يوم كان عمرو منصوب بقوله ضربه عمرو يوم كان واليا ، فكذلك ههنا قال : { واستمع يوم يناد المناد } لئلا تكون ممن يفزع ويصعق ، ثم بين هذا النداء بقوله : { يناد المناد } يوم يسمعون أي لا يكون نداء خفيا بحيث لا يسمعه بعض الناس بل يكون نداؤه بحيث تكون نسبته إلى من في أقصى المغرب كنسبته إلى من في المشرق ، وكلكم تسمعون ، ولا شك أن مثل هذا الصوت يجب أن يكون الإنسان متهيئا لاستماعه ، وذلك يشغل النفس بعبادة الله تعالى وذكره والتفكير فيه فظهر فائدة جليلة من قوله : { فاصبر وسبح واستمع يوم يناد المناد ويوم يسمعون } واللام في الصيحة للتعريف ، وقد عرف حالها وذكرها الله مرارا كما في قوله تعالى : { إن كانت إلا صيحة واحدة } ( يس : 29 ) وقوله } ( فإنما هي زجرة واحدة } ( الصافات : 19 ) وقوله : { } ( فإنما هي زجرة واحدة } ( الصافات : 19 ) وقوله : { } ( الصافات : 19 ) وقوله : { نفخة واحدة } ( الحاقة : 13 ) وقوله : { بالحق } جاز أن يكون متعلقا بالصيحة أي الصحة بالحق يسمعونها ، وعلى هذا ففيه وجوه :

Sorular