Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bölüm V28/P162–V28/P163

الأول : الحق الحشر أي الصيحة بالحشر وهو حق يسمعونها يقال صاح زيد بيا قوم اجتمعوا على حد استعمال تكلم بهذا الكلام وتقديره حينئذ يسمعون الصيحة بيا عظام اجتمعي وهو المراد بالحق . الثاني : الصيحة بالحق أي باليقين والحق هو اليقين ، يقل صاح فلان بيقين لا بظن وتخمين أي وجد منه الصياح يقينا لا كالصدى وغيره وهو يجري مجرى الصفة للصيحة ، يقال استمع سماعا بطلب ، وصاح صيحة بقوة أي قوية فكأنه قال الصيحة المحققة . الثالث : أن يكون معناه الصيحة المقترنة بالحق وهو الوجود ، يقال كن فيتحقق ويكون ، ويقال اذهب بالسلام وارجع بالسعادة أي مقرونا ومصحوبا ، فإن قيل زد بيانا فإن الباء في الحقيقة للإلصاق فكيف يفهم معنى الإلصاق في هذه المواضع ؟ نقول التعدية قد تتحقق بالباء يقال ذهب بزيد على معنى ألصق الذهاب بزيد فوجد قائما به فصار مفعولا ، فعلى قولنا المراد يسمعون صيحة من صاح بيا عظام اجتمعي هو تعدية المصدر بالباء يقال أعجبني ذهاب زيد بعمرو ، وكذلك قوله : { الصيحة بالحق } أي ارفع الصوت على الحق وهو الحشر / وله موعد نبينه في موضع آخر إن شاء الله تعالى . الوجه الثاني : أن يكون الحق متعلقا بقوله : { يسمعون } أي يسمعون الصيحة بالحق وفيه وجهان . الأول : هو قول القائل سمعته بيقين . الثاني : الباء في يسمعون بالحق قسم أي يسمعون الصيحة بالله الحق وهو ضعيف وقوله تعالى : { ذلك يوم } فيه وجهان . أحدهما : ذلك إشارة إلى يوم أي ذلك اليوم يوم الخروج . ثانيهما : ذلك إشارة إلى نداء المنادي . ثم قال تعالى : ! 7 < { إنا نحن نحى ونميت وإلينا المصير } . > 7 < ق : ( 43 ) إنا نحن نحيي . . . . . > > / قد ذكرنا في سورة يس ما يتعلق بقوله : { كريم إنا نحن } ، وأما قوله : { إنا نحن } فالمراد من الإحياء الإحياء أولا { ونميت } إشارة إلى الموتة الأولى وقوله : { وإلينا } بيان للحشر فقدم { إنا نحن } لتعريف عظمته يقول القائل أنا أنا أي مشهور و { إنا نحن } أمور مؤكدة معنى العظمة { وإلينا المصير } بيان للمقصود . ! 7 < { يوم تشقق الا رض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير } . > 7 < ق : ( 44 ) يوم تشقق الأرض . . . . . > > وقوله تعالى : { يوم تشقق الارض عنهم سراعا } العامل فيه هو ما في قوله { يوم الخروج } ( ق: 42 ) من الفعل أي يخرجون يوم تشقق الأرض عنهم سراعا وقوله : { سراعا } حال للخارجين لأن قوله تعالى : { عنهم } يفيد كونهم مفعولين بالتشقق فكان التشقق عند الخروج من القبر كما يقال كشف عنه فهو مكشوف عنه فيصير سراعا هيئة المفعول كأنه قال مسرعين والسراع جمع سريع كالكرام جمع كريم . قوله : { ذلك حشر } يحتمل أن يكون إشارة إلى التشقق عنهم ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى الإخراج المدلول عليه بقوله سراعا ، ويحتمل أن يكون معناه ذلك الحشر حشر يسير ، لأن الحشر علم مما تقدم من الألفاظ . وقوله تعالى : { علينا يسير } بتقديم الظرف يدل على الاختصاص ، أي هو علينا هين لا على غيرنا وهو إعادة جواب قولهم : { ذلك رجع بعيد } ( ق: 3 ) والحشر الجمع ويوم القيامة جمع الأجزاء بعضها إلى بعض وجمع الأرواح مع الأشباح أي يجمع بين كل روح وجسدها وجمع الأمم المتفرقة والرمم المتمزقة والكل واحد في الجمع .

Bölüm V28/P163–V28/P164

! 7 < { نحن أعلم بما يقولون ومآ أنت عليهم بجبار فذكر بالقرءان من يخاف وعيد } . > 7 ! < < ق : ( 45 ) نحن أعلم بما . . . . . > > فيه وجوه . أحدها : تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وتحريض لهم على ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصبر والتسبيح ، أي اشتغل بما قلناه ولا يشغلك الشكوى إلينا فإنا نعلم أقوالهم ونرى أعمالهم ، وعلى هذا فقوله : { وما أنت عليهم بجبار } مناسب له أي لا تقل بأني أرسلت إليهم لأهديهم ، فكيف أشتغل بما يشغلني عن الهداية وهو الصلاة والتسبيح ، فإنك ما بعثت مسلطا على دواعيهم وقدرهم ، وإنما أمرت بالتبليغ ، وقد بلغت فاصبر وسبح وانتظر اليوم الذي يفصل فيه بينكم . ثانيها : هي كلمة تهديد وتخويف لأن قوله : { وإلينا المصير } ( ق: 43 ) ظاهر في التهديد بالعلم بعملكم لأن من يعلم أن مرجعه إلى الملك ولكنه يعتقد أن الملك لا يعلم ما يفعله لا يمتنع من القبائح ، أما إذا علم أنه يعلمه وعنده غيبه وإليه عوده يمتنع فقال تعالى : { وإلينا المصير } و { نحن أعلم } / وهو ظاهر في التهديد ، وهذا حينئذ كقوله تعالى : { ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور } ( الزمر : 7 ) . ثالثها تقرير الحشر وذلك لأنه لما بين أن الحشر عليه يسير لكمال قدرته ونفوذ إرادته ولكن تمام ذلك بالعلم الشامل حتى يميز بين جزء بدنين جزء بدن زيد وجزء بدن عمرو فقال : { ذلك حشر علينا يسير } لكمال قدرتنا ، ولا يخفى علينا الأجزاء لمكان علمنا ، وعلى هذا فقوله : { نحن أعلم بما يقولون } معناه نحن نعلم عين ما يقولون في قولهم { أءذا متنا وكنا ترابا } ( المؤمنون : 82 ) { أءذا ضللنا فى الارض } ( السجدة : 10 ) فيقول : نحن نعلم الأجزاء التي يقولون فيها إنها ضالة وخفية ولا يكون المراد نحن نعلم وقولهم في الأول جاز أن تكون ما مصدرية فيكون المراد من قوله : { بما يقولون } أي قولهم ، وفي الوجه الآخر تكون خبرية ، وعلى هذا الدليل فلا يصح قوله : { نحن أعلم } إذ لا عالم بتلك الأجزاء سواه حتى يقول : { نحن أعلم } نقول قد علم الجواب عنه مرارا من وجوه : أحدها : أن أفعل لا يقتضي الاشتراك في أصل الفعل كما في قوله تعالى : { والله أحق أن تخشاه } ( الأحزاب : 37 ) وفي قوله تعالى : { أحسن نديا } ( مريم : 77 ) ، وفي قوله : { وهو أهون عليه } ( الروم : 27 ) ( .

Bölüm V28/P164

ثانيها : معناه نحن أعلم بما يقولون من كل عالم بما يعلمه ، والأول أصح وأظهر وأوضح وأشهر وقوله : { وما أنت عليهم بجبار } فيه وجوه : أحدها : أن للتسلية أيضا ، وذلك لأنه لما من عليه بالإقبال على الشغل الأخروي وهو العبادة أخبر بأنه لم يصرف عن الشغل الآخر وهو البعث ، كما أن الملك إذا أمر بعض عبيده بشغلين فظهر عجزه في أحدهما : يقول له أقبل على الشغل الآخر ومنهما ونحن نبعث من يقدر على الذي عجزت عن منهما ، فقال : { اصبر وسبح وما أنت بجبار } أي فما كان امتناعهم بسبب تجبر منك أو تكبر فاشمأزوا من سوء خلقك ، بل كنت بهم رؤوفا وعليهم عطوفا وبالغت وبلغت وامتنعوا فأقبل على الصبر والتسبيح غير مصروف عن الشغل الأول بسبب جبروتك ، وهذا في معنى قوله تعالى : { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } إلى أن قال : { وإنك لعلى خلق عظيم } ( القلم : 2 4 ) ، ثانيها : هو بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بما عليه من الهداية / وذلك لأنه أرسله منذرا وهاديا لا ملجأ ومجبرا ، وهذا كما في قوله تعالى : { فما أرسلناك عليهم حفيظا } ( الشورى : 18 ) أي تحفظهم من الكفر والنار ، وقوله : { وما أنت عليهم } في معنى قول القائل : اليوم فلان علينا ، في جواب من يقول : من عليكم اليوم ؟ أي من الوالي عليكم . ثالثها : هو بيان لعدم وقت نزول العذاب بعد ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنذر وأعذر وأظهر لم يؤمنوا كان يقول إن هذا وقت العذاب ، فقال : نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بمسلط فذكر بعذابي إن لم يؤمنوا من بقي منهم ممن تعلم أنه يؤمن ثم تسلط ، ويؤيد هذا قول المفسرين أن الآية نزلت قبل نزول آية القتال ، وعلى هذا فقوله : { فذكر بالقرءان من يخاف وعيد } أي من بقي منهم ممن يخاف يوم الوعيد ، وفيه وجوه أخر . أحدها : أنا بينا في أحد الوجوه أن قوله تعالى : { فاصبر على ما يقولون وسبح } ( ق: 39 ) معناه أقبل على العبادة ، ثم قال : ولا تترك الهداية بالكلية بل وذكر المؤمنين { فإن الذكرى تنفع المؤمنين } ( الذاريات : 55 ) { وأعرض عن الجاهلين } ( الأعراف : 199 ) / وقوله : { بالقرءان } فيه وجوه . الأول : فذكر بما في القرآن واتل عليهم القرآن يحصل لهم بسبب ما فيه المنفعة . الثاني : { فذكر بالقرءان } أي بين به أنك رسول لكونه معجزا ، وإذا ثبت كونك رسولا لزمهم قبول قولك في جميع ما تقول به .

Bölüm V28/P164

الثالث : المراد فذكر بمقتضى ما في القرآن من الأوامر الواردة بالتبليغ والتذكير ، وحينئذ يكون ذكر القرآن لانتفاع النبي صلى الله عليه وسلم به أي اجعل القرآن إمامك ، وذكرهم بما أخبرت فيه بأن تذكرهم ، وعلى الأول معناه اتل عليهم القرآن ليتذكروا بسببه ، وقوله تعالى : { من يخاف وعيد } من جملة ما يبين كون الخشية دالة على عظمة المخشي أكثر مما يدل عليه الخوف ، حيث قال : { يخاف } عندما جعل المخوف عذاب ووعيده ، وقال : { اخشوني } ( البقرة : 150 ) عندما جعل المخوف نفسه العظيم ، وفي هذه الآية إشارة إلى الأصول الثلاثة ، وقوله : { تزكى وذكر } إشارة إلى أنه مرسل مأمور بالتذكير منزل عليه القرآن حيث قال : { بالقرءان } وقوله : { وعيد } إشارة إلى اليوم الآخر وضمير المتكلم في قوله : { وعيد } يدل على الوحدانية ، فإنه لو قال من يخاف وعيد الله كان يذهب وهم الله إلى كل صوب فلذا قال : { وعيد } والمتكلم أعرف المعارف وأبعد عن الإشراك به وقبول الاشتراك فيه ، وقد بينا في أول السورة أن أول السورة وآخرها متقاربان في المعنى حيث قال في الأول : { ق والقرءان المجيد } ( ق: 1 ) وقال في آخرها : { فذكر بالقرءان } .

Bölüm V28/P164–V28/P166

وهذا آخر تفسير هذه السورة والحمد لله رب العالمين ، وصلاته على خاتم النبيين وسيد المرسلين محمد النبي وآله وصحبه وأزواجه وذريته أجمعين . < > 1 ( سورة الذاريات ) 1 < > ستون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم / ! 7 < { والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا } . > 7 ! < < الذاريات : ( 1 ) والذاريات ذروا > > أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها ، وذلك لأنه تعالى لما بين الحشر بدلائله وقال : { ذلك حشر علينا يسيرا } ( ق: 44 ) وقال : { وما أنت عليهم بجبار } ( ق: 45 ) أي تجبرهم وتلجئهم إلى الإيمان إشارة إلى إصرارهم على الكفر بعد إقامة البرهان وتلاوة القرآن عليهم لم يبق إلا اليمين فقال : { والذريات ذروا إنما توعدون لصادق } وأول هذه السورة وآخرها متناسبان حيث قال في أولها : { إنما توعدون لصادق } ( الذاريات : 5 ) وقال في آخرها : { فويل للذين كفروا من يومهم الذى يوعدون } ( الذاريات : 60 ) وفي تفسير الآيات مسائل : المسألة الأولى : قد ذكرنا الحكمة وهي في القسم من المسائل الشريفة والمطالب العظيمة في سورة والصافات ، ونيدها ههنا وفيها وجوه . الأول : أن الكفار كانوا في بعض الأوقات يعترفون بكون النبي صلى الله عليه وسلم غالبا في إقامة الدليل وكانوا ينسبونه إلى المجادلة وإلى أنه عارف في نفسه بفساد ما يقوله ، وإنه يغلبنا بقوة الجدل لا بصدق المقال ، كما أن بعض الناس إذا أقام عليه الخصم الدليل ولم يبق له حجة ، يقول : إنه غلبني لعلمه بطريق الجدل وعجزي عن ذلك ، وهو في نفسه يعلم أن الحق بيدي فلا يبقى للمتكلم المبرهن طريق غير اليمين ، فيقول : والله إن الأمر كما أقول ، ولا أجادلك بالباطل ، وذلك لأنه لو سلك طريقا آخر من ذكر دليل آخر ، فإذا تم الدليل الآخر يقول الخصم فيه مثل ما قال في الأول إن ذلك تقرير بقوة علم الجدل فلا يبقى إلا السكوت أو التمسك بالإيمان وترك إقامة البرهان . الثاني : هو أن العرب كانت تحترز عن الأيمان الكاذبة وتعتقد أنها تدع الديار بلافع ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من الأيمان بكل شريف ولم يزده ذلك إلا رفعة وثباتا ، وكان يحصل لهم العلم بأنه لا يحلف بها كاذبا ، وإلا لأصابه شؤم الإيمان ولناله / المكروه في بعض الأزمان . الثالث : وهو أن الأيمان التي حلف الله تعالى بها كلها دلائل أخرجها في صورة الأيمان مثاله قول القائل لمنعمه : وحق نعمك الكثيرة إني لا أزال أشكرك فيذكر النعم وهي سبب مفيد لدوام الشكر ويسلك مسلك القسم ، كذلك هذه الأشياء كلها دليل على قدرة الله تعالى على الإعادة ، فإن قيل فلم أخرجها مخرج الإيمان ؟ نقول لأن المتكلم إذا شرع في أول كلامه بحلف بعلم السامع أنه يريد أن يتكلم بكلام عظيم فيصغي إليه أكثر من أن يصغي إليه حيث يعلم أن الكلام ليس بمعتبر فبدأ بالحلف وأدرج الدليل في صورة اليمين حتى أقبل القوم على سماعه فخرج لهم البرهان المبين ، والتبيان المتين في صورة اليمين ، وقد استوفينا الكلام في سورة الصافات .

Bölüm V28/P166–V28/P167

المسألة الثانية : في جميع السور التي أقسم الله في ابتدائها بغير الحروف كان القسم لإثبات أحد الأصول الثلاثة وهي : الوحدانية والرسالة والحشر ، وهي التي يتم بها الإيمان ، ثم إنه تعالى لم يقسم لإثبات الوحدانية إلا في سورة واحدة من تلك السور وهي { والصافات } حيث قال فيها : { إن إلاهكم لواحد } ( الصافات : 4 ) وذلك لأنهم وإنن كانوا يقولون : { أجعل الالهة إلاها واحدا } } ( ص: 50 ) على سبيل الإنكار ، وكانوا يبالغون في الشرك ، لكنهم في تضاعيف أقوالهم ، وتصاريف أحوالهم كانوا يصرحون بالتوحيد ، وكانوا يقولون : { } ( ص: 50 ) على سبيل الإنكار ، وكانوا يبالغون في الشرك ، لكنهم في تضاعيف أقوالهم / وتصاريف أحوالهم كانوا يصرحون بالتوحيد ، وكانوا يقولون : { ما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) وقال تعالى : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله } ( الزمر : 38 ) فلم يبالغوا في الحقيقة في إنكار المطلوب الأول ، فاكتفى بالبرهان ، ولم يكثر من الأيمان ، وفي سورتين منها أقسم لإثبات صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، وكونه رسولا في إحداهما بأمر واحد ، وهو قوله تعالى : { والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم } ( النجم : 1 ، 2 ) وفي الثانية بأمرين وهو قوله تعالى : { والضحى واليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى } ( الضحى : 1 3 ) وذلك لأن القسم على إثبات رسالته قد كثر بالحروف والقرآن ، كما في قوله تعالى : { يس والقرءان الحكيم إنك لمن المرسلين } ( يس : 1 3 ) وقد ذكرنا الحكم فيه أن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ، فأقسم به ليكون في القسم الإشارة واقعة إلى البرهان ، وفي باقي السور كان المقسم عليه الحشر والجزاء وما يتعلق به لكون إنكارهم في ذلك خارجا عن الحد ، وعدم استيفاء ذلك في صورة القسم بالحروف . المسألة الثالثة : أقسم الله تعالى بجموع السلامة المؤنثة في سور خمس ، ولم يقسم بجموع السلامة المذكورة في سورة أصلا ، فلم يقل : والصالحين من عبادي ، ولا المقربين إلى غير ذلك ، مع أن المذكر أشرف ، وذلك لأن جموع السلام بالواو والنون في الأمر الغالب لمن يعقل ، وقد ذكرنا أن القسم بهذه الأشياء ليس لبيان التوحيد إلا في صورة ظهور الأمر فيه ، وحصول الاعتراف منهم به ، ولا للرسالة لحصول ذلك في صور القسم بالحروف والقرآن . بقي أن يكون المقصود إثبات الحشر والجزاء ، لكن إثبات الحشر لثواب الصالح ، وعذاب / الصالح ، ففائدة ذلك راجع إلى من يعقل ، فكان الأمر يقتضي أن يكون القسم بغيرهم ، والله أعلم . المسألة الرابعة : في السورة التي أقسم لإثبات الوحدانية ، أقسم في أول الأمر بالساكنات حيث قال : { والصافات } ( الصافات : 1 ) وفي السور الأربع الباقية أقسم بالمتحركات ، فقال : { والذريات } وقال : { والمرسلات } ( المرسلات : 1 ) وقال : { والنازعات } ( النازعات : 1 ) ويؤيده قوله تعالى : { والسابحات فالسابقات } ( النازعات : 3 ، 4 ) وقال : { والعاديات } ( العاديات : 1 ) وذلك لأن الحشر فيه جمع وتفريق ، وذلك بالحركة أليق ، أو أن نقول في جميع السور الأربع أقسم بالرياح على ما بين وهي التي تجمع وتفرق ، فالقادر على تأليف السحاب المتفرق بالرياح الذارية والمرسلة ، قادر على تأليف الأجزاء المتفرقة بطريق من الطرق التي يختارها بمشيئته تعالى .

Bölüm V28/P167

المسألة الخامسة : في الذاريات أقوال . الأول : هي الرياح تذور التراب وغيره ، كما قال تعالى : { تذروه الرياح } ( الكهف : 45 ) . الثاني : هي الكواكب من ذرا يذرو إذا أسرع . الثالث : هي الملائكة . الرابع : رب الذاريات ، والأول أصح . المسألة السادسة : الأمور الأربعة جاز أن تكون أمورا متباينة ، وجاز أن تكون أمرا له أربع اعتبارات . الأول : هي ما روي عن علي عليه السلام ، أن الذاريات هي الرياح والحاملات هي السحاب ، والجاريات هي السفن ، والمقسمات هي الملائكة الذين يقسمون الأرزاق . والثاني : وهو الأقرب أن هذه صفات أربع للرياح ، فالذاريات هي الرياح التي تنشىء السحاب أولا ، والحاملات هي الرياح التي تحمل السحب التي هي بخار المياه التي إذا سحت جرت السيول العظيمة ، وهي أوقار أثقال من جبال ، والجاريات هي الرياح التي تجري بالسحب بعد حملها ، والمقسمات هي الرياح التي تفرق الأمطار على الأقطار / ويحتمل أن يقال هذه أمور أربعة مذكورة في مقابلة أمور أربعة بها تتم الإعادة ، وذلك لأن الأجزاء التي تفرقت بعضها في تخوم الأرضين ، وبعضها في قعور البحور ، وبعضها في جو الهواء ، وهي الأجزاء اللطيفة البخارية التي تنفصل عن الأبدان ، فقوله تعالى : { والذريات } يعني الجامع للذاريات من الأرض ، على أن الذارية هي التي تذرو التراب عن وجه الأرض ، وقوله تعالى : { فالحاملات وقرا } هي التي تجمع الأجزاء من الجو وتحمله حملا ، فإن التراب لا ترفعه الرياح حملا ، بل تنقله من موضع ، وترميه في موضع بخلاف السحاب ، فإنه يحمله وينقله في الجو حملا لا يقع منه شيء ، وقوله : { فالجاريات يسرا } إشارة إلى الجامع من الماء ، فإن من يجري السفن الثقيلة من تيار البحار إلى السواحل يقدر على نقل الأجزاء من البحر إلى البر ، فإذا تبين أن الجمع من الأرض ، وجو الهواء ووسط البحار ممكن ، وإذا اجتمع يبقى نفخ الروح لكن الروح من أمر الله ، كما قال تعالى : { ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى } ( الإسراء : 85 ) فقال : { فالمقسمات أمرا } الملائكة التي تنفخ الروح في الجسد بأمر الله ، وإنما ذكرهم بالمقسمات ، لأن الإنسان في الأجزاء الجسمية غير مخالف تخالفا بينا ، فإن لكل أحد رأسا ورجلا ، والناس متقاربة في الأعداد والأقدار ، لكن التفاوت الكثير في / النفوس ، فإن الشريفة والخسيسة بينهما غاية الخلاف ، وتلك القسمة المتفاوتة تنقسم بمقسم مختار ومأمور مختار فقال : { فالمقسمات أمرا } .

Bölüm V28/P167–V28/P168

المسألة الخامسة : ما هذه المنصوبات من حيث النحو ؟ فنقول أما { ذروا } فلا شك في كونه منصوبا على أنه مصدر ، وأما { وقرا } فهو مفعول به ، كما يقال : حمل فلان عدلا ثقيلا ، ويحتمل أن يكون اسما أقيم مقام المصدر ، كما يقال : ضربه سوطا يؤيده قراءة من قرأ بفتح الواو . وأما { يسرا } فهو أيضا منصوب على أنه صفة مصدر ، تقديره جريا ذا يسر ، وأما { لك أمرا } فهو إما مفعول به ، كما يقال : فلان قسم الرزق أو المال وإما حال أتى على صورة المصدر ، كما يقال : قتلته صبرا ، أي مصبورا كذلك ههنا { لك أمرا } أي مأمورة ، فإن قيل : إن كان { وقرا } مفعوله به فلم لم يجمع ، ومما قيل : والحاملات أوقارا ؟ نقول : لأن الحاملات على ما ذكرنا صفة الرياح ، وهي تتوارد على وقر واحد ، فإن ريحا تهب وتسوق السحابة فتسبق السحاب ، فتهب أخرى وتسوقها ، وربما تتحول عنه يمنة ويسرة بسبب اختلاف الرياح ، وكذلك القول في المقسمات أمرا ، إذا قلنا هو مفعول به ، لأن جماعة يكونون مأمورين تنقسم أمرا واحدا ، أو نقول هو في تقدير التكرير كأنه قال : فالحاملات وقرا وقرا ، والمقسمات أمرا أمرا . المسألة الثامنة : ما فائدة الفاء ؟ نقول : إن قلنا إنها صفات الرياح فلبيان ترتيب الأمور في الوجود ، فإن الذاريات تنشىء السحاب فتقسم الأمطار على الأمطار ، وإن قلنا إنها أمور أربعة فالفاء للترتيب في القسم لا للترتيب في القسم لا للترتيب في المقسم به ، كأنه يقول : أقسم بالرياح الذاريات ثم بالسحب الحاملات ثم بالسفن الجاريات ثم بالملائكة المقسمات ، وقوله : { فالحاملات } وقوله : { فالجاريات } إشارة إلى بيان ما في الرياح من الفوائد ، أما في البر فإنشاء السحب ، وأما في البحر فإجراء السفن ، ثم المقسمات إشارة إلى ما يترتب على حمل السحب وجري السفن من الأرزاق ، والأرياح التي تكون بقسمة الله تعالى فتجري سفن بعض الناس كما يشتهي ولا تربح وبعضهم تربح وهو غافل عنه ، كما قال تعالى : { نحن قسمنا بينهم معيشتهم } ( الزخرف : 32 ) . ثم قال تعالى : ! 7 < { إنما توعدون لصادق } . > 7 ! ( < < الذاريات : ( 5 ) إنما توعدون لصادق > > ما ) يحتمل أن يكون مصدرية معناه الإيعاد صادق و ( إن ) تكون موصولة أي الذي توعدون صادق ، والصادق معناه ذو صدق كعيشة راضية ووصف المصدر بما يوصف به الفاعل بالمصدر فيه إفادة مبالغة ، فكما أن من قال فلان لطف محض وحلم يجب أن يكون قد بالغ كذلك من قال كلام صادق وبرهان قاهر للخصم أو غير ذلك يكون قد بالغ ، والوجه فيه هو أنه إذا قال هو لطف بدل قوله لطيف فكأنه قال اللطيف شيء له لطف ففي اللطيف لطف وشيء آخر ، فأراد أن يبين كثرة اللطف فجعله كله لطفا ، وفي الثاني لما كان / الصدق يقوم بالمتكلم بسبب كلامه ، فكأنه قال هذا الكلام لا يحوج إلى شيء آخر حتى يصح إطلاق الصادق عليه ، بل هو كاف في إطلاق الصادق لكونه سببا قويا وقوله تعالى : { توعدون } يحتمل أن يكون من وعد ويحتمل أن يكون من أوعد ، والثاني هو الحق لأن اليمين مع المنكر بوعيد لا بوعد . وقوله تعالى : ! 7 < { وإن الدين لواقع } . > 7 ! < < الذاريات : ( 6 ) وإن الدين لواقع

Bölüm V28/P168–V28/P169

> > أي الجزاء كائن ، وعلى هذا فالإبعاد بالحشر في الموعد هو الحساب والجزاء هو العقاب ، فكأنه بين بقوله : { إن ما توعدون لصادق وإن الدين لواقع } أن الحساب يستوفي والعقاب يوفى ثم قال تعالى : ! 7 < { والسمآء ذات الحبك إنكم لفى قول مختلف } . > 7 < الذاريات : ( 7 - 8 ) والسماء ذات الحبك > > وفي تفسيره مباحث : الأول : { والسماء ذات الحبك } قيل : الطرائق ، وعلى هذا فيحتمل أن يكون المراد طرائق الكواكب وممراتها كما يقال في المحابك ، ويحتمل أن يكون المراد ما في السماء من الأشكال بسبب النجوم ، فإن في سمت كواكبها طريق التنين والعقرب والنسر الذي يقول به أصحاب الصور ومنطقة الجوزاء وغير ذلك كالطرائق ، وعلى هذا فالمراد به السماء المزينة بزينة الكواكب ، ومثله قوله تعالى : { والسماء ذات البروج } ( البروج : 1 ) وقيل : حبكها صفاقها يقال في الثوب الصفيق حسن الحبك وعلى هذا فهو كقوله تعالى : { والسماء ذات الرجع } ( الطارق : 11 ) لشدتها وقوتها وهذا ما قيل فيه . البحث الثاني : في المقسم عليه وهو قوله تعالى : { إنكم لفى قول مختلف } وفي تفسيره أقوال مختلفة كلها محكمة . الأول : إنكم لفي قول مختلف ، في حق محمد صلى الله عليه وسلم ، تارة يقولون إنه أمين وأخرى إنه كاذب ، وتارة تنسبونه إلى الجنون ، وتارة تقولون إنه كاهن وشاعر وساحر ، وهذا محتمل لكنه ضعيف إذ لا حاجة إلى اليمين على هذا ، لأنهم كانوا يقولون ذلك من غير إنكار حتى يؤكد بيمين . الثاني : { إنكم لفى قول مختلف } أي غير ثابتين على أمر ومن لا يثبت على قول لا يكون متيقنا في اعتقاده فيكون كأنه قال تعالى ، والسماء إنكم غير جازمين في اعتقادكم وإنما تظهرون الجزم لشدة عنادكم وعلى هذا القول فيه فائدة وهي أنهم لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إنك تعلم أنك غير صادق في قولك ، وإنما تجادل ونحن نعجز عن الجدل قال : { والذريات ذروا } أي أنك صادق ولست معاندا ، ثم قال تعالى : بل أنتم والله جازمون بأني صادق فعكس الأمر عليهم . الثالث : إنك لفي قول مختلف ، أي متناقض ، أما في الحشر فلأنكم تقولون لا حشر ولا حياة بعد الموت ثم تقولون إنا وجدنا آباءنا على أمة ، فإذا كان لا حياة بعد الموت ولا شعور للميت ، فماذا يصيب آباءكم إذا خالفتموهم ؟ وإنما يصح هذا ممن يقولون بأن بعد الموت عذابا فلو / علمنا شيئا يكرهه الميت يبدي فلا معنى لقولكم إنا لا ننسب آباءنا بعد موتهم إلى الضلال ، وكيف وأنتم تربطون الركائب على قبور الأكابر ، وأما في التوحيد فتقولون خالق السماوات والأرض هو الله تعالى لا غيره ثم تقولون هو إلاه الآلهة وترجعون إلى الشرك ، وأما في قول النبي صلى الله عليه وسلم فتقولون إنه مجنون ثم تقولون له إنك تغلبنا بقوة جدلك ، والمجنون كيف يقدر على الكلام المنتظم المعجز ، إلى غير ذلك من الأمور المتناقضة . ثم قال تعالى : ! 7 < { يؤفك عنه من أفك } . > 7 ! < < الذاريات : ( 9 ) يؤفك عنه من . . . . . > > وفيه وجوه . أحدها : أنه مدح للمؤمنين ، أي يؤفك عن القول المختلف ويصرف من صرف عن ذلك القول ويرشد إلى القول المستوي . وثانيها : أنه ذم معناه يؤفك عن الرسول . ثالثها : يؤفك عن القول بالحشر . رابعها : يؤفك عن القرآن ، وقرىء يؤفن عنه من أفن ، أي يحرم ، وقرىء يؤفك عنه من أفك ، أي كذب . ثم قال تعالى :

Bölüm V28/P169–V28/P170

! 7 < { قتل الخراصون } . > 7 ! < < الذاريات : ( 10 ) قتل الخراصون > > وهذا يدل على أن المراد من قوله : { لفى قول مختلف } ( الذاريات : 8 ) أنهم غير ثابتين على أمر وغير جازمين بل هم يظنون ويخرصون ، ومعناه لعن الخراصون دعاء عليهم بمكروه . ثم وصفهم فقال : ! 7 < { الذين هم فى غمرة ساهون } . > 7 ! < < الذاريات : ( 11 ) الذين هم في . . . . . > > وفيه مسألتان إحداهما لفظية والأخرى معنوية . أما اللفظية : فقوله : { ساهون } يحتمل أن يكون خبرا بعد خبر ، والمبتدأ هو قوله : { هم } وتقديره هم كائنون في غمرة ساهون ، كما يقال زيد جاهل جائز لا على قصد وصف الجاهل بالجائز ، بل الإخبار بالوصفين عن زيد ، ويحتمل أن يكون { ساهون } خبرا و { فى غمرة } ظرف له كما يقال : زيد في بيته قاعد يكون الخبر هو القاعد لا غير وفي بيته لبيان ظرف القعود كذلك { فى غمرة } لبيان ظرف السهو الذي يصحح وصف المعرفة بالجملة ، ولولاها لما جاز وصف المعرفة بالجملة . وأما المعنوية : فهي أن وصف الخراص بالسهو والانهماك في الباطل ، يحقق ذلك كون الخراص صفة ذم ، وذلك لأن ما لا سبيل إليه إلا الظن إذا خرص الخارص وأطلق عليه الخراص لا يكون ذلك مفيد نقص ، كما يقال في خراص الفواكه والعساكر وغير ذلك ، وأما الخرص في محل المعرفة واليقين فهو ذم فقال : قتل الخراصون الذين هم جاهلون ساهلون لا الذين تعين طريقهم في التخمين والحزر وقوله تعالى : { ساهون } بعد قوله : { فى غمرة } يفيد أنهم وقعوا في جهل وباطل ونسوا أنفسهم يه فلم يرجعوا عنه . ثم قال تعالى : ! 7 < { يسألون أيان يوم الدين } . > 7 ! < < الذاريات : ( 12 ) يسألون أيان يوم . . . . . > > فإن قيل : الزمان يجعل ظرف الأفعال ولا يمكن / أن يكون الزمان ظرفا لظرف آخر ، وههنا جعل أيان ظرف اليوم فقال : { أيان يوم الدين } ويقال متى يقدم زيد ، فيقال : يوم الجمعة ولا يقال : متى يوم الجمعة ، فالجواب : التقدير متى يكون يوم الجمعة وأيان يكون يوم الدين ، وأيان من المركبات ركب من أي التي يقع بها الاستفهان وآن التي هي الزمان أو من أي وأوان فكأنه قال أي أوان فلما ركب بني وهذا منهم جواب لقوله : { وإن الدين لواقع } فكأنهم قالوا أيان يقع استهزاء وترك المسؤول في قوله : { يسئلون } حيث لم يقل يسألون من ، يدل على أن غرضهم ليس بالجواب وإنما يسألون استهزاء . وقوله تعالى : ! 7 < { يوم هم على النار يفتنون } . > 7 ! < < الذاريات : ( 13 ) يوم هم على . . . . .

Bölüm V28/P170–V28/P171

> > يحتمل وجهين . أحدهما : أن يكون جوابا عن قولهم { أيان } يقع وحينئذ كما أنهم لم يسألوا سؤال مستفهم طالب لحصول العلم كذلك لم يجبهم جواب مجيب معلم مبين حيث قال : { يوم هم على النار يفتنون } وجهلهم بالثاني أقوى من جهلهم بالأول ، ولا يجوز أن يكون الجواب بالأخفى ، فإذا قال قائل متى يقدم زيد فلو قال المجيب يوم يقدم رفيقه ولا يعلم يوم قدوم الرفيق ، لا يصح هذا الجواب إلا إذا كان الكلام في صورة جواب ، ولا يكون جوابا كما أن القائل إذا قال كم تعد عداتي تخلفها إلى متى هذا الإخلاف فيغضب ويقول إلى أشأم يوم عليك ، الكلامان في صورة سؤال وجواب ولا الأول يريد به السؤال ، ولا الثاني يريد به الجواب ، فكذلك ههنا قال : { يوم هم على النار يفتنون } مقابلة استهزائهم بالإيعاد لا على وجه الإتيان . والثاني : أن يكون ذلك ابتداء كلام تمامه . في قوله تعالى : ! 7 < { ذوقوا فتنتكم هاذا الذى كنتم به تستعجلون } . > 7 ! < < الذاريات : ( 14 ) ذوقوا فتنتكم هذا . . . . . > > فإن قيل : هذا يفضي إلى الإضمار ، نقول الإضمار لا بد منه لأن قوله : { ذوقوا فتنتكم } غير متصل بما قبله إلا بإضمار ، يقال : ويفتنون قيل معناه : يحرقون ، والأولى أن يقال معناه يعرضون على النار عرض المجرب الذهب على النار كلمة على تناسب ذلك ، ولو كان المراد يحرقون لكان بالنار أو في النار أليق لأن الفتنة هي التجربة ، وأما ما يقال من اختبره ومن أنه تجربة الحجارة فعنى بذلك المعنى مصدر الفتن ، وههنا يقال : { ذوقوا فتنتكم } والفتنة الامتحان ، فإن قيل : فإذا جعلت { يوم هم على النار يفتنون } مقولا لهم { ذوقوا فتنتكم } فما قوله : { هاذا الذى كنتم به تستعجلون } ؟ قلنا : يحتمل أن يكون المراد كنتم تستعجلون بصريح القول كما في قوله تعالى حكاية عنهم : { ربنا عجل لنا قطنا } ( ص: 16 ) وقوله : { فأتنا بما تعدنا } ( الأعراف : 70 ) إلى غير ذلك يدله عليه ههنا قوله تعالى : { يسئلون أيان يوم الدين } ( الذاريات : 12 ) فإنه نوع استعجال ، ويحتمل أن يكون المراد الاستعجال بالفعل وهو الإصرار على العنار وإظهار الفساد فإنه يعجل العقوبة . / ثم قال تعالى : ! 7 < { إن المتقين فى جنات وعيون } . > 7 ! < < الذاريات : ( 15 ) إن المتقين في . . . . . > > بعد بيان حال المغترين المجرمين بين حال المحق المتقي ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قد ذكرنا أن المتقي له مقامات أدناها أن يتقي الشرك ، وأعلاها أن يتقي ما سوى الله ، وأدنى درجات المتقي الجنة ، فما من مكلف اجتنب الكفر إلا ويدخل الجنة فيرزق نعيمها .

Bölüm V28/P171–V28/P172

المسألة الثانية : الجنة تارة وحدها كما قال تعالى : { مثل الجنة التى وعد المتقون } ( الرعد : 35 ) وأخرى جمعها كما في هذا المقام قال : { إن المتقين فى جنات } وتارة ثناها فقال تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ( الرحمن : 46 ) فما الحكمة فيه ؟ نقول : أما الجنة عند التوحيد فلأنها لاتصال المنازل والأشجار والأنهار كجنة واحدة ، وأما حكمة الجمع فلأنها بالنسبة إلى الدنيا وبالإضافة إلى جنانها جنات لا يحصرها عدد ، وأما التثنية فسنذكرها في سورة الرحمن غير أنا نقول ههنا الله تعالى عند الوعد وحد الجنة ، وكذلك عند الشراء حيث قال : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } ( التوبة : 111 ) وعند الإعطاء جمعها إشارة إلى أن الزيادة في الوعد موجودة والخلاف ما لو وعد بجنات ، ثم كان يقول إنه في جنة لأنه دون الموعود . الثالثة : قوله تعالى : { وعيون } يقتضي أن يكون المتقي فيها ولا لذة في كون الإنسان في ماء أو غير ذلك من المائعات ، نقول معناه في خلال العيون ، وذلك بين الأنهار بدليل أن قوله تعالى : { في جنات } ليس معناه إلا بين جنات وفي خلالها لأن الجنة هي الأشجار ، وإنما يكون بينها كذلك القول في العيون والتنكير ، مع أنها معرفة للتعظيم يقال فلان رجل أي عظيم في الرجولية . ! 7 < { ءاخذين مآ ءاتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين } > 7 ! . < < الذاريات : ( 16 ) آخذين ما آتاهم . . . . . > > وقوله تعالى : { ءاخذين ما ءاتاهم ربهم } فيه مسائل ولطائف ، أما المسائل : فالأولى منها : ما معنى آخذين ؟ نقول فيه وجهان . أحدهما : قابضين ما آتاهم شيئا فشيئا ولا يستوفونه بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له . ثانيها : آخذين قابلين قبول راض كما قال تعالى : { ويأخذ الصدقات } ( التوبة : 104 ) أي يقبلها ، وهذا ذكره الزمخشري وفيه وجه ثالث : وهو أن قوله : { في جنات } يدل على السكنى فحسب وقوله : { ءاخذين } يدل على التملك ولذا يقال أخذ بلاد كذا وقلعة كذا إذا دخلها متملكا لها ، وكذلك يقال لمن اشترى دارا أو بستانا أخذه بثمن قليل أي تملكه ، وإن لم يكن هناك قبض حسا ولا قبول برضا ، وحينئذ فائته بيان أن دخولهم فيها ليس دخول مستعير أو ضعف يسترد منه ذلك ، بل هو ملكه الذي اشتراه بماله ونفسه من الله تعالى وقوله : { ءاتاهم } يكون لبيان أن أخذهم ذلك لم يكن عنوة وفتوحا ، وإنما كان بإعطاء الله تعالى ، وعلى هذا الوجه { ما } راجعة إلى الجنات والعيون . / وقوله : { إنهم كانوا قبل ذلك محسنين } إشارة إلى ثمنها أي أخذوها وملكوها بالإحسان ، كما قال تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى } ( يونس : 26 ) بلام الملك وهي الجنة .

Bölüm V28/P172

المسألة الثانية : { ءاخذين } حال وهو في معنى قول القائل يأخذون فكيف قال ما آتاهم ولم يقل ما يؤتيهم ليتفق اللفظان ، ويوافق المعنى لأن قوله : { ءاتاهم } ينبىء عن الانقراض وقوله : { يؤتيهم } تنبيه على الدوام وإيتاء الله في الجنة كل يوم متجدد ولا نهاية له ، ولا سيما إذا فسرنا الأخذ بالقبول ، كيف يصح أن يقال فلان يقبل اليوم ما آتاه زيد أمس ؟ نقول : أما على ما ذكرنا من التفسير لا يرد لأن معناه يتملكون ما أعطاهم ، وقد يوجد الإعطاء أمس ويتملكاليوم ، وأما على ما ذكروه فنقول الله تعالى أعطى المؤمن الجنة وهو في الدنيا غير أنه لم يكن جنى ثمارها فهو يدخلها على هيئة الآخذ وربما يأخذ خيرا مما أتاه ، ولا ينافي ذلك كونه داخلا على تلك الهيئة ، يقول القائل : جئتك خائفا فإذا أنا آمن وما ذكرتم إنما يلزم أن لو كان أخذهم مقتصرا على ما آتاهم من قبل ، وليس كذلك وإنما هم دخلوها على ذلك ولم يخطر ببالهم غيره فيؤتيهم الله ما لم يخطر ببالهم فيأخذون ما يؤتيهم الله وإن دخلوها ليأخذوا ما آتاهم ، وقوله تعالى : { إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل } هو أخذهم ما آتاهم وقد ذكرناه في سورة يس ( 55 ) . المسألة الثالثة : { ذالك } إشارة إلى ماذا ؟ نقول : يحتمل وجهين . أحدهما : قبل دخولهم لأن قولهتعالى : { في جنات } فيه معنى الدخول يعني قبل دخولهم الجنة أحسنوا . ثانيهما : قبل إيتاء الله ما آتاهم الحسنى وهي الجنة فأخذوها ، وفيه وجوه أخر ، وهو أن ذلك إشارة إلى يوم الدين وقد تقدم . وأما اللطائف فقد سبق بعضها ، ومنها أن قوله تعالى : { إن المتقين } لما كان إشارة إلى التقوى من الشرك كان كأنه قال الذين آمنا لكن الإيمان مع العمل الصالح يفيد سعادتين ، ولذلك دلالة أتم من قول القائل أنهم أحسنوا . اللطيفة الثانية : أما التقوى فلأنه لما قال لا إلاه فقد اتقى الشرك ، وأما الإحسان فلأنه لما قال إلا الله فقد أتى بالإحسان ، ولهذا قيل في معنى كلمة التقوى إنها لا إلاه إلا الله وفي الإحسان قال تعالى : { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله } ( فصلت : 33 ) وقيل في تفسير : { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } ( الرحمن : 60 ) إن الإحسان هو الإتيان بكلمة لا إلاه إلا الله وهما حينئذ لا يتفاصلان بل هما متلازمان . وقوله تعالى : ! 7 < { كانوا قليلا من اليل ما يهجعون } . > 7 ! < < الذاريات : ( 17 ) كانوا قليلا من . . . . . > > كالتفسير لكونهم محسنين ، تقول حاتم كان سخيا كان يبذل موجوده ولا يترك مجهوده ، وفيه مباحث :

Bölüm V28/P172–V28/P173

الأول : { قللا } منصوب على الظرف تقديره يهجعون قليلا تقول قام بعض الليل فتنصب بعض على الظرف وخبر كان هو قوله : { ما يهجعون } و ( ما ) زائدة هذا هو المشهور وفيه وجه آخر وهو / أن يقال كانوا قليلا ، معناه نفي النوم عنهم وهذا منقول عن الضحاك ومقاتل ، وأنكر الزمخشري كون ما نافية ، وقال : لا يجوز أن تكون نافية لأن بعد ما لا يعمل فيما قبلها لا تقول زيدا ما ضربت ويجوز أن يعمل ما بعد لم فيما تقول زيدا لم أضرب ، وسبب ذلك هو أن الفعل المتعدي إنما يفعل في النفي حملا له على الإثبات لأنك إذا قلت ضرب زيد عمرا ثبت تعلق فعله بعمرو فإذا قلت ما ضربه لم يوجد منه فعل حتى يتعلق به ويتعدى إليه لكن المنفي محمول على الإثبات ، فإذا ثبت هذا فالنفي بالنسبة إلى الإثبات كاسم الفاعل بالنسبة إلى الفعل فإنه يعمل عمل الفعل ، لكن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل ، فلا تقول زيد ضارب عمرا أمس ، وتقول : زيد ضارب عمرا غدا واليوم والآن ، لأن الماضي لم يبق موجودا ولا متوقع الوجود فلا يتعلق بالمفعول حقيقة لكن الفعل لقوته يعمل واسم الفاعل لضعفه لم يعمل ، إذا عرفت هذا فنقول ما ضرب للنفي في المضي فاجتمع فيه النفي والمضي فضعف ، وأما لم أضرب وإن كان يقلب المستقبل إلى الماضي لكن الصيغة صيغة المستقبل فوجد فيه ما يوجد في قول القائل زيد ضارب عمرا غدا فاعمل هذا بيان قوله غير أن القائل بذلك القول يقول : { قليلا } ليس منصوبا بقوله : { يهجعون } وإنما ذلك خبر كانوا أي كانوا قليلين ، ثم قال : { ومن اليل ما يهجعون } أي ما يهجعون أصلا بل يحيون الليل جميعه ومن يكون لبيان الجنس لا للتبعيض ، وهذا الوجه حينئذ فيه معنى قوله تعالى : { قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن } ( ص: 24 ) وذلك لأنا ذكرنا أن قوله : { إن المتقين } ( الذاريات : 16 ) فيه معنى الذين آمنوا ، وقوله : { محسنين } فيه معئنى الذين عملوا الصالحات ، وقوله : { كانوا قليلا } فيه معنى قوله تعالى : { وقليل ما هم } . البحث الثاني : على القول المشهور وهو أن ما زائدة يحتمل أن يكون قليلا صفة مصدر تقديره يهجعون هجوعا قليلا .

Bölüm V28/P173–V28/P174

البحث الثالث : يمكن أن يقال : { قليلا } منصوب على أنه خبر كان و ( ما ) مصدرية تقديره كان هجوعهم من الليل قليلا كما يقال : كان زيد خلقه حسنا ، فلا يحتاج إلى القول بزيادة ، واعلم أن النحاة لا يقولون فيه إنه بدل فيفرقون بين قول القائل زيد حسن وجهه أو الوجه وبين قوله زيد وجهه حسن فيقولون في الأول صفة وفي الثاني بدل ونحن حيث قلنا إنه من باب بدل الاشتمال أردنا به معنى لا اصطلاحا ، وإلا فقليلا عند التقديم ليس في النحو مثله عند التأخير حتى قولك فلان قليل هجوعه ليس ببدل ، وفلان هجوعه قليل بدل ، وعلى هذا يمكن أن تكون ما موصولة معناه كان ما يهجعون فيه قليلا من الليل ، هذا ما يتعلق باللفظ ، أما ما يتعلق بالمعنى فنقول تقديم قليلا في الذكر ليس لمجرد السجع حتى يقع يهجعون ويستغفرون في أواخر الآيات ، بل فيه فائدتان . الأولى : هي أن الهجوع راحة لهم ، وكان المقصود بيان اجتهادهم وتحملهم السهر لله / تعالى فلو قال كانوا يهجعون كان المذكور أولا راحتهم ثم يصفه بالقلة وربما يغفل الإنسان السامع عما بعد الكلام فيقول إحسانهم وكونهم محسنين بسبب أنهم يهجعون وإذا قدم قوله : { قليلا } يكون السابق إلى الفهم قلة الهجوع ، وهذه الفائدة من يراعيها يقول فلان قليل الهجوع ولا يقول هجوعه قليل ، لأن الغرض بيان قلة الهجوع لا بيان الهجوع بوصف القلة أو الكثرة ، فإن الهجوع لو لم يكن لكان نفي القلة أولى ولا كذلك قلة الهجوع لأنها لو لم تكن لكان بدلها الكثرة في الظاهر . الفائدة الثانية : في قوله تعالى : { من اليل } وذلك لأن النوم القليل بالنهار قد يوجد من كل أحد ، وأما الليل فهو زمان النوم لا يسهره في الطاعة إلا متعبد مقبل ، فإن قيل : الهجوع لا يكون إلا بالليل والنوم نهارا ، لا يقال له الهجوع قلنا ذكر الأمر العام وإرادة التخصيص حسن فنقول : رأيت حيوانا ناطقا فصيحا ، وذكر الخاص وإرادة العام لا يحسن إلا في بعض المواضع فلا نقول رأيت فصيحا ناطقا حيوانا ، إذا عرفت هذا فنقول في قوله تعالى : { كانوا قليلا من اليل } ذكر أمرا هو كالعام يحتمل أن يكون بعده : كانوا من الليل يسبحون ويستغفرون أو يسهرون أو غير ذلك ، فإذا قال يهجعون فكأنه خصص ذلك العام المحتمل له ولغيره فلا إشكال فيه . ثم قال تعالى : ! 7 < { وبالا سحار هم يستغفرون } . > 7 ! < < الذاريات : ( 18 ) وبالأسحار هم يستغفرون > > إشارة إلى أنهم كانوا يتهجدون ويجتهدون يريدون أن يكون عملهم أكثر من ذلك وأخلص منه ويستغفرون من التقصير وهذا سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم ويستقله ويعتذر من التقصير ، واللئيم يأتي بالقليل ويستكثره ويمن به . وفيه وجه آخر ألطف منه ، وهو أنه تعالى لما بين أنهم يهجعون قليلا ، والهجوع مقتضى الطبع ، قال : { يستغفرون } أي من ذلك القدر من النوم القليل ، وفيه لطيفة أخرى تنبيها في جواب سؤال ، وهو أنه تعالى مدحهم بقلة الهجوع ، ولم يمدحهم بكثرة السهر ، وما قال : كانوا كثيرا من الليل ما يسهرون ، فما الحكمة فيه ، مع أن السهر هو الكلفة والاجتهاد لا الهجوع ؟ نقول : إشارة إلى أن نومهم عبادة ، حيث مدحهم الله تعالى بكونهم هاجعين قليلا ، وذلك الهجوع أورثهم لاشتغال بعبادة أخرى ، وهو الاستغفار في وجوه الأسحار ، ومنعهم من الإعجاب بأنفسهم والاستكبار . وفيه مباحث :

Bölüm V28/P174–V28/P175

البحث الأول : في الباء فإنها استعملت للظرف ههنا ، وهي ليست للظرف ، نقول : قال بعض النحاة : إن حروف الجر ينوب بعضها مناب بعض ، يقال في الظرف خرجت لعشر بقين وبالليل وفي شهر رمضان ، فيستعمل اللام والباء وفي ، وكذلك في المكان ، نقول : أقمت بالمدينة كذا وفيها ، ورأيته ببلدة كذا وفيها ، فإن قيل ما التحقيق فيه ؟ نقول : الحروف لها معاني مختلفة ، كما أن الأسماء والأفعال كذلك ، غير أن الحروف غير مستقلة بإفادة المعنى ، والاسم والفعل / مستقلان ، لكن بين بعض الحروف وبعضها تناف وتباعد ، كما في الأسماء والأفعال ، فإن البيت والمسكن مختلفان متفاوتان ، وكذلك سكن ومكث ، ولا كذلك كل اسمين يفرض أو كل فعلين يوجد ، إذا عرفت هذا فنقول : بين الباء واللام وفي مشاركة ، أما الباء فإنها للإلصاق ، والمتمكن في مكان ملتصق به متصل ، وكذلك الفعل بالنسبة إلى الزمان ، فإذا قال : سار بالنهار معناه ذهب ذهابا متصلا بالنهار ، وكذا قوله تعالى : { وبالاسحار هم يستغفرون } أي استغفارا متصلا بالأسحار مقترنا بها ، لأن الكائن فيها مقترنا بها ، فإن قيل : فهل يكون بينهما في المعنى تفاوت ؟ نقول : نعم ، وذلك لأن من قال : قمت بالليل واستغفر بالأسحار أخبر عن الأمرين ، وذلك أدل على وجود الفعل مع أول جزء من أجزاء الوقت من قوله : قمت في الليل ، لأنه يستدعي احتواش الزمان بالفعل وكذلك قول القائل : أقمت ببلد كذا ، لا يفيد أنه كان محاطا بالبلد ، وقوله : أقمت فيها يدل على إحاطتها به ، فإذن قول القائل : أقمت بالبلدة ودعوت بالأسحار ، أعم من قوله : قمت فيه ، لأن القائم فيه قائم به ، والقائم به ليس قائما فيه من كل بد ، إذا علمت هذا فقوله تعالى : { وبالاسحار هم يستغفرون } إشارة إلى أنهم لا يخلون وقتا عن العبادة ، فإنهم بالليل لا يهجعون ، ومع أول جزء من السحر يستغفرون ، فيكون فيه بيان كونهم مستغفرين من غير أن يسبق منهم ذنب ، لأنهم وقت الانتباه في الأسحار لم يخلو الوقت للذنب ، فإن قيل : زدنا بيانا فإن من الأزمان أزمانا لا تجعل ظروفا بالباء ، فلا يقال خرجت بيوم الجمعة ويقال بفي ، نقول : إن كل فعل جار في زمان فهو متصل به ، فالخروج يوم الجمعة متصل مقترن بذلك الزمان ، ولم يستعمل خرجت بيوم الجمعة ، نقول الفارق بينهما الإطلاق والتقييد ، بدليل أنك إن قلت : خرجت بنهارنا وبليلة الجمعة لم يحسن ، ولو قلت : خرجت بيوم سعد ، وخرج هو بيوم نحس حسن ، فالنهار والليل لما لم يكن فيهما خصوص وتقييد جاز استعمال الباء فيهما ، فإذا قيدتهما وخصصتهما زال ذلك الجواز ، ويوم الجمعة لما كان فيه خصوص لم يجز استعمال الباء / وحيث زال الخصوص بالتنكير ، وقلت خرت بيوم كذا عاد الجواز ، والسر فيه أن مثل يوم الجمعة ، وهذه الساعة ، وتلك الليلة وجد فيها أمر غير الزمان وهو خصوصيات ، وخصوصية الشيء في الحقيقة أمور كثيرة غير محصورة عند العاقل على وجه التفصيل لكنها محصورة على الإجمال ، مثاله إذا قلت هذا الرجل فالعام فيه هو الرجل ، ثم إنك لو قلت الرجل الطويل ، ما كان يصير مخصصا ، لكنه يقرب من الخصوص ، ويخرج من القصار ، فإن قلت العالم لم يصر مخصصا لكنه يخرج عن الجهال ، فإذا قلت الزاهد فكذلك ، فإذا قلت ابن عمرو خرج عن أبناء زيد وبكر وخالد وغيرهم ، فإذا قلت هذا يتناول تلك المخصصات التي بأجمعها لا تجتمع إلا في ذلك ، فإذن الزمان المتعين فيه أمور غير الزمان ، والفعل حدث مقترن بزمان لا ناشىء عن الزمان ، وأما في فصحيح ، لأن ما حصل في العام فهو في الخاص ، لأن العام أمر داخل في الخاص ، وأما في فيدخل في الذي فيه الشيء ، فصح أن يقال : في يوم الجمعة ، وفي / هذه الساعة ، وأما بحث اللام فنؤخره إلى موضعه ، وقد تقدم بعضه في تفسير قوله تعالى : { والشمس تجرى لمستقر لها } ( يس : 38 ) وقوله : { هم } غير خال عن فائدة ، قال الزمخشري : فائدته انحصار المستغفرين ، أي لكمالهم في الاستغفار ، كأن غيرهم ليس بمستغفر ، فهم المستغفرون لا غير ، يقال فلان هو العالم لكماله في العلم كأنه تفرد به وهو جيد ، ولكن فيه فائدة أخرى ، وهي أن الله تعالى لما عطف { وبالاسحار هم يستغفرون } على قوله : { كانوا قليلا من اليل ما يهجعون } ( الذاريات : 17 ) فلو لم يؤكد معنى الإثبات بكلمة { هم } لصلح أن يكون معناه : وبالأسحار قليلا ما يستغفرون ، تقول فلان قليلا ما يؤذي وإلى الناس يحسن قد يفهم أنه قليل الإيذاء قليل الإحسان ، فإذا قلت قليلا ما يؤذي وهو يحسن زال ذلك الفهم وظهر فيه معنى قوله : قليل الإيذاء كثير الإحسان ، والاستغفار يحتمل وجوها .

Bölüm V28/P175

أحدها : طلب المغفرة بالذكر بقولهم ربنا اغفر لنا . الثاني : طلب المغفرة بالفعل ، أي بالأسحار يأتون بفعل آخر طلبا للغفران ، وهو الصلاة أو غيرها من العبادات . الثالث : وهو أغربها الاستغفار من باب استحصد الزرع إذا جاء أوان حصاده ، فكأنهم بالأسحار يستحقون المغفرة ويأتيهم أوان المغفرة ، فإن قيل : فالله لم يؤخر مغفرتهم إلى السحر ؟ نقول وقت السحر تجتمع ملائكة الليل والنهار ، وهو الوقت المشهود ، فيقول الله على ملأ منهم : إني غفرت لعبدي ، والأول أظهر ، والثاني عند المفسرين أشهر . ثم قال تعالى :

Bölüm V28/P175–V28/P176

! 7 < { وفىأموالهم حق للسآئل والمحروم } . > 7 ! < < الذاريات : ( 19 ) وفي أموالهم حق . . . . . > > وقد ذكرنا مرارا أن الله تعالى بعد ذكر تعظيم نفسه يذكر الشفقة على خلقه ، ولا شك أن قليل الهجوع المستغفر في وجوه الأسحار وجد منه التعظيم العظيم ، فأشار إلى الشفقة بقوله : { وفى أموالهم حق } وفيه مسائل : المسألة الأولى : أضاف المال إليهم ، وقال في مواضع : { أنفقوا مما رزقكم الله } ( يس : 47 ) وقال : { ومما رزقناهم ينفقون } ( الشورى : 38 ) نقول سببه أن في تلك المواضع كان الذكر للحث ، فذكر معه ما يدفع الحث ويرفع المانع ، فقال : هو رزق الله والله يزرقكم فلا تخافوا الفقر وأعطوا ، وأما ههنا فمدح على ما فعلوه فلم يكن إلى الحرص حاجة .

Bölüm V28/P176

المسألة الثانية : المشهور في الحق أنه هو القدر الذي علم شرعا وهو الزكاة وحينئذ لا يبقى هذا صفة مدح ، لأن كون المسلم في ماله حق وهو الزكاة ليس صفة مدح لأن كل مسلم كذلك ، بل الكافر إذا قلنا إنه مخاطب بفروع الإسلام في ماله حق معلوم غير أنه إذا أسلم سقط عنه وإن مات عوقب على تركه ، وإن أدى من غير الإسلام لا يقع الموقع ، فكيف يفهم كونه مدحا ؟ نقول الجواب عنه من وجوه . أحدها : أنا نفسر بمن يطلب شرعا ، والمحروم الذي لا مكنة له / من الطلب ومنعه الشارع من المطالبة ، ثم إن المنع قد يكون لكون الطالب غير مستحق ، وقد يكون لكون المطلوب منه لم يبق عليه حق فلا يطالب فقال تعالى في ماله حق للطالب وهو الزكاة ولغير الطالب وهو الصدقة المتطوع بها فإن ذلك المالك لا يطالب بها ويحرم الطالب منه طلبا على سبيل الجزية والزكاة ، بل يسأل سؤالا اختياريا فيكون حينئذ كأنه قال في ماله زكاة وصدقة والصدقة في المال لا تكون إلا بفرضه هو ذلك وتقديره وإفرازه للفقراء والمساكين ، الجواب الثاني : هو أن قوله : { وفى أموالهم حق للسائل } أي مالهم ظرف لحقوقهم فإن كلمة في للظرفية لكن الظرف لا يطلب إلا للمظروف فكأنه تعالى قال هم لا يطلبون المال ولا يجمعونه إلا ويجعلونه ظرفا للحق ، ولا شك أن المطلوب من الظرف هو المظروف والظرف مالهم فجعل مالهم ظرفا للحقوق ولا يكون فوق هذا مدح فإن قيل فلو قيل مالهم للسائل هل كان أبلغ ؟ قلنا : لا وذلك لأن من يكون له أربعون دينارا فتصدق بها لا تكون صدقته دائمة لكن إذا اجتهد واتجر وعاش سنين وأدى الزكاة والصدقة يكون مقدار المؤدى أكثر وهذا كما في الصلاة والصوم ولو أضعف واحد نفسه بهما حتى عجز عنهما لا يكون مثل من اقتصد فيهما ، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ) وفي السائل والمحروم وجوه . أحدها : أن السائل هو الناطق وهو الآدمي والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوانات المحرومة قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لكل كبد حرى أجر ) . وثانيها : وهو الأظهر والأشهر ، أن السائل هو الذي يسأل ، والمحروم المتعفف الذي يحسبه بعض الناس غنيا فلا يعطيه شيئا . والأول : كقوله تعالى : { كلوا وارعوا أنعامكم } ( طه : 54 ) . والثاني : كقوله : { وأطعموا القانع والمعتر } ( الحج : 36 ) فالقانع كالمحروم فإن قيل على الوجه الأول الترتيب في غاية الحسن ، فإن دفع حاجة الناطق مقدم على دفع حاجة البهائم ، فما وجه الترتيب في الوجه الثاني ؟ نقول فيه وجهان . أحدهما : أن السائل اندفاع حاجته قبل اندفاع حاجة المحروم في الوجود لأنه يعرف حاله بمقاله ويطلب لقلة ماله فيقدم بدفع حاجته ، والمحروم غير معلوم فلا تندفع حاجته إلا بعد الاطلاع عليه / فكان الذكر على الترتيب الواقع . وثانيهما : هو أن ذلك إشارة إلى كثرة العطاء فيقول يعطي السائل فإذا لم يجدهم يسأل هو عن المحتاجين فيكون سائلا ومسؤولا .

Bölüm V28/P176–V28/P177

الثالث : هو أن المحاسن اللفظية غير مهجورة في الكلام الحكمي ، فإن قول القائل إن رجوعهم إلينا وعلينا حسابهم ليس كقوله تعالى : { إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم } ( الغاشية : 26 ) والكلام له جسم وهو اللفظ وله روح وهو المعنى ، وكما أن الإنسان الذي نور روحه بالمعرفة ينبغي أن ينور جسمه الظاهر بالنظافة ، كذلك الكلام ورب كلمة حكمية لا تؤثر في النفوس لركاكة لفظها ، إذا عرفت هذا فقوله : { وبالاسحار هم يستغفرون وفى أموالهم حق للسائل والمحروم } أحسن من حيث اللفظ من قولنا وبالأسحار هم يستغفرون ، وفي أموالهم حق للمحروم والسائل ، فإن قيل قدم السائل على المحروم ههنا لما ذكرت من الوجوه ، ولم قدم المحروم على السائل في قوله : { القانع والمعتر } لأن القانع / هو الذي لا يسأل { والمعتر } السائل ؟ نقول قد قيل إن القانع هو السائل والمعتر الذي لا يسأل ، فلا فرق بين الموضعين ، وقيل بأن القانع والمعتر كلاهما لا يسأل لكن القانع لا يتعرض ولا يخرج من بيته والمعتر يتعرض للأخذ بالسلام والتردد ولا يسأل ، وقيل بأن القانع لا يسأل والمعتر يسأل ، فعلى هذا فلحم البدنة يفرق من غير مطالبة ساع أو مستحق مطالبة جزية ، والزكاة لها طالب وسائل هو الساعي والإمام ، فقوله : { للسائل } إشارة إلى الزكاة وقوله : { والمحروم } أي الممنوع إشارة إلى الصدقة المتطوع بها واحدهما قبل الأخرى بخلاف إعطاء اللحم . ثم قال تعالى :

Sorular