Qur'an&Sunnah

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

Bölüm V01/P315–V01/P316

وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد، عن سعيد -أو عكرمة-عن ابن عباس: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} أي من آمن بما كفرتم به، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها. يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله، لا انقطاع له أبدا . {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون } يذكر تبارك وتعالى بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر، وأخذ ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصدا وعمدا، وهم يعرفونه ويذكرونه، فأمرهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. وبهذا أمر جميع خلقه، ولذلك خلقهم كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25] وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36] وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله تعالى، أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن الله تعالى بين حقه وحق الوالدين، كما قال تعالى: {أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} [لقمان: 14] وقال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} الآية إلى أن قال: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل} [الإسراء: 23-26] وفي الصحيحين، عن ابن مسعود، قلت: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: "الصلاة على وقتها". قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" . ولهذا جاء في الحديث الصحيح: أن رجلا قال: يا رسول الله، من أبر؟ قال: "أمك". قال: ثم من ؟ قال: "أمك". قال: ثم من؟ قال: "أباك. ثم أدناك أدناك" . [وقوله: {لا تعبدون إلا الله} قال الزمخشري: خبر بمعنى الطلب، وهو آكد. وقيل: كان أصله: ألا تعبدوا كما قرأها بعض السلف فحذفت أن فارتفع، وحكي عن أبي وابن مسعود، رضي الله عنهما، أنهما قرآها: "لا تعبدوا إلا الله". وقيل: {لا تعبدون} مرفوع على أنه قسم، أي: والله لا تعبدون إلا الله، ونقل هذا التوجيه القرطبي في تفسيره عن سيبويه. وقال: اختاره المبرد والكسائي والفراء] . قال: {واليتامى} وهم: الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء. [وقال أهل اللغة: اليتيم في بني آدم من الآباء، وفي البهائم من الأم، وحكى الماوردي أن اليتيم أطلق في بني آدم من الأم أيضا] {والمساكين} الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم، وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية النساء، التي أمرنا الله تعالى بها صريحا في قوله: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا} الآية [النساء: 36] . وقوله تعالى: {وقولوا للناس حسنا} أي: كلموهم طيبا، ولينوا لهم جانبا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف، كما قال الحسن البصري في قوله: {وقولوا للناس حسنا} فالحسن من القول: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلم، ويعفو، ويصفح، ويقول للناس حسنا كما قال الله، وهو كل خلق حسن رضيه الله. وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا أبو عامر الخزاز، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تحقرن من المعروف شيئا، وإن لم تجد فالق أخاك بوجه منطلق ". وأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي [وصححه] من حديث أبي عامر الخزاز، واسمه صالح بن رستم، به .

Bölüm V01/P316–V01/P318

وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنا، بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل، فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي. ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس بالمعين من ذلك، وهو الصلاة والزكاة، فقال: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} وأخبر أنهم تولوا عن ذلك كله، أي: تركوه وراء ظهورهم، وأعرضوا عنه على عمد بعد العلم به، إلا القليل منهم، وقد أمر تعالى هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء، بقوله: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} [النساء: 36] فقامت هذه الأمة من ذلك بما لم تقم به أمة من الأمم قبلها، ولله الحمد والمنة. ومن النقول الغريبة هاهنا ما ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبد الله بن يوسف -يعني التنيسي-حدثنا خالد بن صبيح، عن حميد بن عقبة، عن أسد بن وداعة: أنه كان يخرج من منزله فلا يلقى يهوديا ولا نصرانيا إلا سلم عليه، فقيل له: ما شأنك؟ تسلم على اليهودي والنصراني. فقال: إن الله يقول: {وقولوا للناس حسنا} وهو: السلام. قال: وروي عن عطاء الخراساني، نحوه. قلت: وقد ثبت في السنة أنهم لا يبدؤون بالسلام، والله أعلم . {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون } يقول، تبارك وتعالى، منكرا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج، وهم الأنصار، كانوا في الجاهلية عباد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع. وبنو النضير حلفاء الخزرج. وبنو قريظة حلفاء الأوس. فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم في دينه ونص كتابه، ويخرجونهم من بيوتهم وينهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكوا الأسارى من الفريق المغلوب، عملا بحكم التوراة؛ ولهذا قال تعالى: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} ولهذا قال تعالى: {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} أي: لا يقتل بعضكم بعضا، ولا يخرجه من منزله، ولا يظاهر عليه، كما قال تعالى: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم} [البقرة: 54] وذلك أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة، كما قال عليه الصلاة والسلام: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". [وقوله] {ثم أقررتم وأنتم تشهدون} أي: ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته وأنتم تشهدون به.

Bölüm V01/P318–V01/P319

{ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم} قال محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير -أو عكرمة-عن ابن عباس: {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} الآية، قال: أنبهم الله من فعلهم، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقين: طائفة منهم بنو قينقاع وإنهم حلفاء الخزرج، والنضير، وقريظة وإنهم حلفاء الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، ولا يعرفون جنة ولا نارا، ولا بعثا ولا قيامة، ولا كتابا، ولا حلالا ولا حراما، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم، تصديقا لما في التوراة، وأخذا به؛ بعضهم من بعض، يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلبون ما أصابوا من دمائهم وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى ذكره حيث أنبهم بذلك: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} أي: يفاديه بحكم التوراة ويقتله، وفي حكم التوراة ألا يفعل، ولا يخرج من داره، ولا يظاهر عليه من يشرك بالله، ويعبد الأوثان من دونه، ابتغاء عرض الدنيا. ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج -فيما بلغني-نزلت هذه القصة . وقال أسباط عن السدي: كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب سمير، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضير وحلفاءهم، وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها، ويغلبونهم، فيخربون ديارهم، ويخرجونهم منها، فإذا أسر رجل من الفريقين كليهما، جمعوا له حتى يفدوه. فتعيرهم العرب بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتالهم، قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحيي أن تستذل حلفاؤنا . فذلك حين عيرهم الله، فقال: {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم} وقال شعبة، عن السدي: نزلت هذه الآية في قيس بن الخطيم: {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان} وقال أسباط، عن السدي، عن عبد خير، قال: غزونا مع سلمان بن ربيعة الباهلي بلنجر فحاصرنا أهلها ففتحنا المدينة وأصبنا سبايا واشترى عبد الله بن سلام يهودية بسبعمائة، فلما مر برأس الجالوت نزل به، فقال له عبد الله: يا رأس الجالوت، هل لك في عجوز هاهنا من أهل دينك، تشتريها مني؟ قال: نعم. قال: أخذتها بسبعمائة درهم. قال: فإني أربحك سبعمائة أخرى. قال: فإني قد حلفت ألا أنقصها من أربعة آلاف. قال: لا حاجة لي فيها، قال: والله لتشترينها مني، أو لتكفرن بدينك الذي أنت عليه. قال: ادن مني، فدنا منه، فقرأ في أذنه التي في التوراة: إنك لا تجد مملوكا من بني إسرائيل إلا اشتريته فأعتقته {وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم} قال: أنت عبد الله بن سلام؟ قال: نعم. قال: فجاء بأربعة آلاف، فأخذ عبد الله ألفين، ورد عليه ألفين. وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره: حدثنا أبو جعفر يعني الرازي، حدثنا الربيع بن أنس، أخبرنا أبو العالية: أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليها العرب، ولا يفادي من وقع عليها العرب، فقال عبد الله بن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهن كلهن.

Bölüm V01/P319–V01/P321

والذي أرشدت إليه الآية الكريمة، وهذا السياق، ذم اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي يعتقدون صحتها، ومخالفة شرعها، مع معرفتهم بذلك وشهادتهم له بالصحة، فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها ولا على نقلها، ولا يصدقون فيما يكتمونه من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعته، ومبعثه ومخرجه، ومهاجره، وغير ذلك من شؤونه، التي قد أخبرت بها الأنبياء قبله. واليهود عليهم لعائن الله يتكاتمونه بينهم، ولهذا قال تعالى {فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا} أي: بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره {ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب} جزاء على ما كتموه من كتاب الله الذي بأيديهم {وما الله بغافل عما تعملون أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة} أي: استحبوها على الآخرة واختاروها {فلا يخفف عنهم العذاب} أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة {ولا هم ينصرون} أي: وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي، ولا يجيرهم منه. {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون } ينعت، تبارك وتعالى، بني إسرائيل بالعتو والعناد والمخالفة، والاستكبار على الأنبياء، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم، فذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب -وهو التوراة-فحرفوها وبدلوها، وخالفوا أوامرها وأولوها. وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته، كما قال تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء} الآية [المائدة: 44] ، ولهذا قال: {وقفينا من بعده بالرسل} قال السدي، عن أبي مالك: أتبعنا. وقال غيره: أردفنا. والكل قريب، كما قال تعالى: {ثم أرسلنا رسلنا تترا} [المؤمنون: 44] حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، فجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام، ولهذا أعطاه الله من البينات، وهي: المعجزات. قال ابن عباس: من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فتكون طيرا بإذن الله، وإبرائه الأسقام، وإخباره بالغيوب، وتأييده بروح القدس، وهو جبريل عليه السلام -ما يدلهم على صدقه فيما جاءهم به. فاشتد تكذيب بني إسرائيل له وحسدهم وعنادهم لمخالفة التوراة في البعض، كما قال تعالى إخبارا عن عيسى: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم} الآية [آل عمران: 50] . فكانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء عليهم السلام أسوأ المعاملة، ففريقا يكذبونه. وفريقا يقتلونه، وما ذاك إلا لأنهم كانوا يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم وبإلزامهم بأحكام التوراة التي قد تصرفوا في مخالفتها، فلهذا كان يشق ذلك عليهم، فيكذبونهم، وربما قتلوا بعضهم؛ ولهذا قال تعالى: {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} والدليل على أن روح القدس هو جبريل، كما نص عليه ابن مسعود في تفسير هذه الآية، وتابعه على ذلك [ابن عباس و] محمد بن كعب القرظي، وإسماعيل بن أبي خالد، والسدي، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة مع قوله تعالى: {نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين [بلسان عربي مبين] } [الشعراء: 193-195] ما قال البخاري: وقال ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع لحسان بن ثابت منبرا في المسجد، فكان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك" . وهذا من البخاري تعليق . وقد رواه أبو داود في سننه، عن لوين، والترمذي، عن علي بن حجر، وإسماعيل بن موسى الفزاري، ثلاثتهم عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه وهشام بن عروة، كلاهما عن عروة، عن عائشة به . وقال الترمذي: حسن صحيح، وهو حديث أبي الزناد .

Bölüm V01/P321–V01/P323

وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن عمر مر بحسان، وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه، فقال: قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك. ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أجب عني، اللهم أيده بروح القدس"؟. فقال: اللهم نعم . وفي بعض الروايات: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان: "اهجهم -أو: هاجهم-وجبريل معك". [وفي شعر حسان قوله: وجبريل رسول الله ينادي وروح القدس ليس به خفاء] وقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، عن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرا من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخبرنا عن الروح. فقال: "أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل؟ وهو الذي يأتيني؟ " قالوا: نعم . [وفي صحيح ابن حبان أظنه عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن روح القدس نفخ في روعي: إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" ] . أقوال أخر: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: {بروح القدس} قال: هو الاسم الأعظم الذي كان عيسى يحيي به الموتى. وقال ابن جرير: حدثت عن المنجاب. فذكره. قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك. [ونقله القرطبي عن عبيد بن عمير -أيضا-قال: وهو الاسم الأعظم] . وقال ابن أبي نجيح: الروح هو حفظة على الملائكة. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: القدس هو الرب تبارك وتعالى. وهو قول كعب. وقال السدي: القدس: البركة. وقال العوفي، عن ابن عباس: القدس: الطهر. [وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن البصري أنهما قالا القدس: هو الله تعالى، وروحه: جبريل، فعلى هذا يكون القول الأول] . وقال ابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: {وأيدناه بروح القدس} قال: أيد الله عيسى بالإنجيل روحا كما جعل القرآن روحا، كلاهما روح من الله، كما قال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} [الشورى: 52] . ثم قال ابن جرير: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: الروح في هذا الموضع جبريل، لأن الله، عز وجل، أخبر أنه أيد عيسى به، كما أخبر في قوله: {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل} الآية [المائدة: 110] . فذكر أنه أيده به، فلو كان الروح الذي أيده به هو الإنجيل، لكان قوله: {إذ أيدتك بروح القدس} {وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل} تكرير قول لا معنى له، والله أعز أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به. قلت: ومن الدليل على أنه جبريل ما تقدم في أول السياق؛ ولله الحمد . وقال الزمخشري {بروح القدس} بالروح المقدسة، كما يقول: حاتم الجود ورجل صدق ووصفها بالقدس كما قال: {وروح منه} فوصفه بالاختصاص والتقريب تكرمة، وقيل: لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث، وقيل: بجبريل، وقيل: بالإنجيل، كما قال في القرآن: {روحا من أمرنا} [الشورى: 52] وقيل باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره، وتضمن كلامه قولا آخر وهو أن المراد روح عيسى نفسه المقدسة المطهرة. وقال الزمخشري في قوله: {ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} إنما لم يقل: وفريقا قتلتم؛ لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل -أيضا-لأنهم حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم بالسم والسحر، وقد قال، عليه السلام، في مرض موته: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان انقطاع أبهري"، وهذا الحديث في صحيح البخاري وغيره . {وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون }

Bölüm V01/P323–V01/P324

قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وقالوا قلوبنا غلف} أي: في أكنة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وقالوا قلوبنا غلف} أي: لا تفقه. وقال العوفي، عن ابن عباس: {وقالوا قلوبنا غلف} [قال] هي القلوب المطبوع عليها. وقال مجاهد: {وقالوا قلوبنا غلف} عليها غشاوة. وقال عكرمة: عليها طابع. وقال أبو العالية: أي لا تفقه. وقال السدي: يقولون: عليها غلاف، وهو الغطاء. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {وقالوا قلوبنا غلف} هو كقوله: {وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} [فصلت: 5] . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قوله: {غلف} قال: يقول: قلبي في غلاف فلا يخلص إليه ما تقول، قرأ {وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} وهذا هو الذي رجحه ابن جرير، واستشهد مما روي من حديث عمرو بن مرة الجملي، عن أبي البختري، عن حذيفة، قال: القلوب أربعة. فذكر منها: وقلب أغلف مغضوب عليه، وذاك قلب الكافر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الرحمن العرزمي، أنبأنا أبي، عن جدي، عن قتادة، عن الحسن في قوله: {قلوبنا غلف} قال: لم تختن. هذا القول يرجع معناه إلى ما تقدم من عدم طهارة قلوبهم، وأنها بعيدة من الخير. قول آخر: قال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: {وقالوا قلوبنا غلف} قال قالوا: قلوبنا مملوءة علما لا تحتاج إلى علم محمد، ولا غيره. وقال عطية العوفي: {وقالوا قلوبنا غلف} أي: أوعية للعلم. وعلى هذا المعنى جاءت قراءة بعض الأنصار فيما حكاه ابن جرير: "وقالوا قلوبنا غلف" بضم اللام، أي: جمع غلاف، أي: أوعية، بمعنى أنهم ادعوا أن قلوبهم مملوءة بعلم لا يحتاجون معه إلى علم آخر. كما كانوا يمنون بعلم التوراة. ولهذا قال تعالى: {بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون} ، أي: ليس الأمر كما ادعوا بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها، كما قال في سورة النساء: {وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} [النساء: 155] . وقد اختلفوا في معنى قوله: {فقليلا ما يؤمنون} وقوله: {فلا يؤمنون إلا قليلا} ، فقال بعضهم: فقليل من يؤمن منهم [واختاره فخر الدين الرازي وحكاه عن قتادة والأصم وأبي مسلم الأصبهاني] وقيل: فقليل إيمانهم. بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمان لا ينفعهم، لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: إنهم كانوا غير مؤمنين بشيء، وإنما قال: {فقليلا ما يؤمنون} وهم بالجميع كافرون، كما تقول العرب: قلما رأيت مثل هذا قط. تريد: ما رأيت مثل هذا قط. [وقال الكسائي: تقول العرب: من زنى بأرض قلما تنبت، أي: لا تنبت شيئا] . . حكاه ابن جرير، والله أعلم. {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين }

Bölüm V01/P324–V01/P325

يقول تعالى: {ولما جاءهم} يعني اليهود {كتاب من عند الله} وهو: القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم {مصدق لما معهم} يعني: من التوراة، وقوله: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} أي: وقد كانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم، يقولون: إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم، كما قال محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر عن قتادة الأنصاري، عن أشياخ منهم قال: قالوا: فينا والله وفيهم -يعني في الأنصار-وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم، نزلت هذه القصة يعني: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} قالوا كنا قد علوناهم دهرا في الجاهلية، ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب، فكانوا يقولون: إن نبيا من [الأنبياء] يبعث الآن نتبعه، قد أظل زمانه، نقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما بعث الله رسوله من قريش [واتبعناه] كفروا به. يقول الله تعالى: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} [النساء: 155] . وقال الضحاك، عن ابن عباس، في قوله: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} قال: يستظهرون يقولون: نحن نعين محمدا عليهم، وليسوا كذلك، يكذبون. وقال محمد بن إسحاق: أخبرني محمد بن أبي محمد، أخبرني عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه. فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن معرور، أخو بني سلمة يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك، وتخبروننا بأنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته. فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله في ذلك من قولهم: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} وقال العوفي، عن ابن عباس: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} يقول: يستنصرون بخروج محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب -يعني بذلك أهل الكتاب-فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه. وقال أبو العالية: كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب، يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم. فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، ورأوا أنه من غيرهم، كفروا به حسدا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} وقال قتادة: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} قال: كانوا يقولون: إنه سيأتي نبي. {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} وقال مجاهد: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} قال: هم اليهود.

Bölüm V01/P325–V01/P327

وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمود بن لبيد، أخي بني عبد الأشهل عن سلمة بن سلامة بن وقش، وكان من أهل بدر قال: كان لنا جار يهودي في بني عبد الأشهل قال: فخرج علينا يوما من بيته قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بيسير، حتى وقف على مجلس بني عبد الأشهل. قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيهم سنا على بردة مضطجعا فيها بفناء أصلي. فذكر البعث والقيامة والحسنات والميزان والجنة والنار. قال ذلك لأهل شرك أصحاب أوثان لا يرون بعثا كائنا بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان، ترى هذا كائنا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، يجزون فيها بأعمالهم؟ فقال: نعم، والذي يحلف به، لود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبق به عليه، وأن ينجو من تلك النار غدا. قالوا له: ويحك وما آية ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن. قالوا: ومتى نراه؟ قال: فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنا، فقال: إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه. قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرنا، فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا. فقلنا: ويلك يا فلان، ألست بالذي قلت لنا؟ قال: بلى وليس به. تفرد به أحمد . وحكى القرطبي وغيره عن ابن عباس، رضي الله عنهما: أن يهود خيبر اقتتلوا في زمان الجاهلية مع غطفان فهزمتهم غطفان، فدعا اليهود عند ذلك، فقالوا: اللهم إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا بإخراجه في آخر الزمان، إلا نصرتنا عليهم. قال: فنصروا عليهم. قال: وكذلك كانوا يصنعون يدعون الله فينصرون على أعدائهم ومن نازلهم. قال الله تعالى: {فلما جاءهم ما عرفوا} أي من الحق وصفة محمد صلى الله عليه وسلم "كفروا به" فلعنة الله على الكافرين. {بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين } قال مجاهد: {بئسما اشتروا به أنفسهم} يهود شروا الحق بالباطل، وكتمان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بأن يبينوه. وقال السدي: {بئسما اشتروا به أنفسهم} يقول: باعوا به أنفسهم، يعني: بئسما اعتاضوا لأنفسهم ورضوا به [وعدلوا إليه من الكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم إلى تصديقه ومؤازرته ونصرته] . وإنما حملهم على ذلك البغي والحسد والكراهية {أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده} ولا حسد أعظم من هذا. قال ابن إسحاق عن محمد، عن عكرمة أو سعيد، عن ابن عباس: {بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده} أي: إن الله جعله من غيرهم {فباءوا بغضب على غضب} قال ابن عباس: فالغضب على الغضب، فغضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم، وغضب بكفرهم بهذا النبي الذي أحدث الله إليهم. قلت: ومعنى {باءوا} استوجبوا، واستحقوا، واستقروا بغضب على غضب. وقال أبو العالية: غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى، ثم غضب عليهم بكفرهم بمحمد، وبالقرآن عليهما السلام، [وعن عكرمة وقتادة مثله] . قال السدي: أما الغضب الأول فهو حين غضب عليهم في العجل، وأما الغضب الثاني فغضب عليهم حين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم [وعن ابن عباس مثله] . وقوله: {وللكافرين عذاب مهين} لما كان كفرهم سببه البغي والحسد، ومنشأ ذلك التكبر، قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر: 60] ، [أي: صاغرين حقيرين ذليلين راغمين] .

Bölüm V01/P327–V01/P328

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، حدثنا ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنا في جهنم، يقال له: بولس فيعلوهم نار الأنيار يسقون من طينة الخبال: عصارة أهل النار" . {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون } يقول تعالى: {وإذا قيل لهم} أي: لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب {آمنوا بما أنزل الله} [أي] : على محمد صلى الله عليه وسلم وصدقوه واتبعوه {قالوا نؤمن بما أنزل علينا} أي: يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التوراة والإنجيل ولا نقر إلا بذلك، {ويكفرون بما وراءه} يعني: بما بعده {وهو الحق مصدقا لما معهم} أي: وهم يعلمون أن ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم الحق {مصدقا} منصوب على الحال، أي في حال تصديقه لما معهم من التوراة والإنجيل، فالحجة قائمة عليهم بذلك، كما قال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} [البقرة: 146] ثم قال تعالى: { [قل] فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} أي: إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاؤوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم والحكم بها وعدم نسخها، وأنتم تعلمون صدقهم؟ قتلتموهم بغيا [وحسدا] وعنادا واستكبارا على رسل الله، فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء، والآراء والتشهي كما قال تعالى {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} [البقرة: 87] . وقال السدي: في هذه الآية يعيرهم الله تعالى: {قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} وقال أبو جعفر بن جرير: قل يا محمد ليهود بني إسرائيل -[الذين] إذا قلت لهم: آمنوا بما أنزل الله قالوا: {نؤمن بما أنزل علينا} -: لم تقتلون -إن كنتم يا معشر اليهود مؤمنين بما أنزل الله عليكم-أنبياءه وقد حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم، بل أمركم فيه باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم، وذلك من الله تكذيب لهم في قولهم: {نؤمن بما أنزل علينا} وتعيير لهم. {ولقد جاءكم موسى بالبينات} أي: بالآيات الواضحات والدلائل القاطعة على أنه رسول الله، وأنه لا إله إلا الله. والبينات هي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، وفلق البحر، وتظليلهم بالغمام، والمن والسلوى، والحجر، وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها {ثم اتخذتم العجل} أي: معبودا من دون الله في زمان موسى وآياته. وقوله {من بعده} أي: من بعد ما ذهب عنكم إلى الطور لمناجاة الله كما قال تعالى: {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار} [الأعراف: 148] ، {وأنتم ظالمون} [أي وأنتم ظالمون] في هذا الصنيع الذي صنعتموه من عبادتكم العجل، وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: {ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 149] . {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين } يعدد، تبارك وتعالى، عليهم خطأهم ومخالفتهم للميثاق وعتوهم وإعراضهم عنه، حتى رفع الطور عليهم حتى قبلوه ثم خالفوه؛ ولهذا قال: {قالوا سمعنا وعصينا} وقد تقدم تفسير ذلك. {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {وأشربوا في قلوبهم العجل [بكفرهم] } قال: أشربوا [في قلوبهم] حبه، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم. وكذا قال أبو العالية، والربيع بن أنس.

Bölüm V01/P328–V01/P330

وقال الإمام أحمد: حدثنا عصام بن خالد، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حبك الشيء يعمي ويصم". ورواه أبو داود عن حيوة بن شريح عن بقية، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم به وقال السدي: أخذ موسى، عليه السلام، العجل فذبحه ثم حرقه بالمبرد، ثم ذراه في البحر، فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه شيء منه، ثم قال لهم موسى: اشربوا منه. فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب. فذلك حين يقول الله تعالى: {وأشربوا في قلوبهم العجل} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن عمارة بن عبد وأبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، قال: عمد موسى إلى العجل، فوضع عليه المبارد، فبرده بها، وهو على شاطئ نهر، فما شرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب . وقال سعيد بن جبير: {وأشربوا في قلوبهم العجل} قال: لما أحرق العجل برد ثم نسف، فحسوا الماء حتى عادت وجوههم كالزعفران. وحكى القرطبي عن كتاب القشيري: أنه ما شرب منه أحد ممن عبد العجل إلا جن [ثم قال القرطبي] وهذا شيء غير ما هاهنا؛ لأن المقصود من هذا السياق، أنه ظهر النقير على شفاههم ووجوههم، والمذكور هاهنا: أنهم أشربوا في قلوبهم حب العجل، يعني: في حال عبادتهم له، ثم أنشد قول النابغة في زوجته عثمة: تغلغل حب عثمة في فؤادي فباديه مع الخافي يسير تغلغل حيث لم يبلغ شراب ولا حزن ولم يبلغ سرور أكاد إذا ذكرت العهد منها أطير لو ان إنسانا يطير وقوله: {قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين} أي: بئسما تعتمدونه في قديم الدهر وحديثه، من كفركم بآيات الله ومخالفتكم الأنبياء، ثم اعتمادكم في كفركم بمحمد صلى الله عليه وسلم -وهذا أكبر ذنوبكم، وأشد الأمور عليكم-إذ كفرتم بخاتم الرسل وسيد الأنبياء والمرسلين المبعوث إلى الناس أجمعين، فكيف تدعون لأنفسكم الإيمان وقد فعلتم هذه الأفاعيل القبيحة، من نقضكم المواثيق، وكفركم بآيات الله، وعبادتكم العجل؟! {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون } قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} أي: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب. فأبوا ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم {ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين} أي: بعلمهم بما عندهم من العلم بك، والكفر بذلك، ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات. وقال الضحاك، عن ابن عباس: {فتمنوا الموت} فسلوا الموت. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، قوله: {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} قال: قال ابن عباس: لو تمنى اليهود الموت لماتوا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عثام، سمعت الأعمش -قال: لا أظنه إلا عن المنهال، عن سعيد بن جبير-عن ابن عباس، قال: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه. وهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس.

Bölüm V01/P330–V01/P331

وقال ابن جرير في تفسيره: وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا. ولرأوا مقاعدهم من النار. ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا". حدثنا بذلك أبو كريب، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه الإمام أحمد عن إسماعيل بن يزيد الرقي [أبي يزيد] حدثنا فرات، عن عبد الكريم، به . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أحمد [قال] : حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار، حدثنا سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن، قال: قول الله ما كانوا ليتمنوه بما قدمت أيديهم. قلت: أرأيتك لو أنهم أحبوا الموت حين قيل لهم: تمنوا، أتراهم كانوا ميتين؟ قال: لا والله ما كانوا ليموتوا ولو تمنوا الموت، وما كانوا ليتمنوه، وقد قال الله ما سمعت: {ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين} وهذا غريب عن الحسن. ثم هذا الذي فسر به ابن عباس الآية هو المتعين، وهو الدعاء على أي الفريقين أكذب منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة، ونقله ابن جرير عن قتادة، وأبي العالية، والربيع بن أنس، رحمهم الله. ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة: {قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} [الجمعة: 6-8] فهم -عليهم لعائن الله-لما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، دعوا إلى المباهلة والدعاء على أكذب الطائفتين منهم، أو من المسلمين. فلما نكلوا عن ذلك علم كل أحد أنهم ظالمون؛ لأنهم لو كانوا جازمين بما هم فيه لكانوا أقدموا على ذلك، فلما تأخروا علم كذبهم. وهذا كما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران من النصارى بعد قيام الحجة عليهم في المناظرة، وعتوهم وعنادهم إلى المباهلة، فقال تعالى: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين} [آل عمران: 61] فلما رأوا ذلك قال بعض القوم لبعض: والله لئن باهلتم هذا النبي لا يبقى منكم عين تطرف. فعند ذلك جنحوا للسلم وبذلوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فضربها عليهم. وبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه، أمينا. ومثل هذا المعنى أو قريب منه قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا} [مريم: 75] ، أي: من كان في الضلالة منا أو منكم، فزاده الله مما هو فيه ومد له، واستدرجه، كما سيأتي تقريره في موضعه، إن شاء الله .

Bölüm V01/P331–V01/P333

فأما من فسر الآية على معنى: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} أي: إن كنتم صادقين في دعواكم، فتمنوا الآن الموت. ولم يتعرض هؤلاء للمباهلة كما قرره طائفة من المتكلمين وغيرهم، ومال إليه ابن جرير بعد ما قارب القول الأول؛ فإنه قال: القول في تفسير قوله تعالى: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} وهذه الآية مما احتج الله به لنبيه صلى الله عليه وسلم على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره، وفضح بها أحبارهم وعلماءهم؛ وذلك أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم إلى قضية عادلة بينه وبينهم، فيما كان بينه وبينهم من الخلاف، كما أمره أن يدعو الفريق الآخر من النصارى إذا خالفوه في عيسى ابن مريم، عليه السلام، وجادلوه فيه، إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة. فقال لفريق [من] اليهود: إن كنتم محقين فتمنوا الموت، فإن ذلك غير ضار بكم إن كنتم محقين فيما تدعون من الإيمان وقرب المنزلة من الله، بل أعطيكم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم، فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا ونصبها وكدر عيشها، والفوز بجوار الله في جناته إن كان الأمر كما تزعمون: من أن الدار الآخرة لكم خالصة دوننا. وإن لم تعطوها علم الناس أنكم المبطلون ونحن المحقون في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم لهم فامتنعت اليهود من الإجابة إلى ذلك لعلمها أنها إن تمنت الموت هلكت، فذهبت دنياها وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها، كما امتنع فريق [من] النصارى. فهذا الكلام منه أوله حسن، وأما آخره فيه نظر؛ وذلك أنه لا تظهر الحجة عليهم على هذا التأويل، إذ يقال: إنه لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون في دعواهم أنهم يتمنوا الموت فإنه لا ملازمة بين وجود الصلاح وتمني الموت، وكم من صالح لا يتمنى الموت، بل يود أن يعمر ليزداد خيرا وترتفع درجته في الجنة، كما جاء في الحديث: "خيركم من طال عمره وحسن عمله" . [وجاء في الصحيح النهي عن تمني الموت، وفي بعض ألفاظه: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به إما محسنا فلعله أن يزداد، وإما مسيئا فلعله أن يستعتب" ] . ولهم مع ذلك أن يقولوا على هذا: فها أنتم تعتقدون -أيها المسلمون-أنكم أصحاب الجنة، وأنتم لا تتمنون في حال الصحة الموت؛ فكيف تلزمونا بما لا نلزمكم؟ وهذا كله إنما نشأ من تفسير الآية على هذا المعنى، فأما على تفسير ابن عباس فلا يلزم عليه شيء من ذلك، بل قيل لهم كلام نصف: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء الله من دون الناس، وأنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنكم من أهل الجنة ومن عداكم [من] أهل النار، فباهلوا على ذلك وادعوا على الكاذبين منكم أو من غيركم، واعلموا أن المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة. فلما تيقنوا ذلك وعرفوا صدقه نكلوا عن المباهلة لما يعلمون من كذبهم وافترائهم وكتمانهم الحق من صفة الرسول صلى الله عليه وسلم ونعته، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ويتحققونه. فعلم كل أحد باطلهم، وخزيهم، وضلالهم وعنادهم -عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. [وسميت هذه المباهلة تمنيا؛ لأن كل محق يود لو أهلك الله المبطل المناظر له ولا سيما إذا كان في ذلك حجة له فيها بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة بالموت؛ لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت] . ولهذا قال تعالى: {ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ولتجدنهم أحرص الناس على حياة} : أي: [أحرص الخلق على حياة أي] : على طول عمر، لما يعلمون من مآلهم السيئ وعاقبتهم عند الله الخاسرة؛ لأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فهم يودون لو تأخروا عن مقام الآخرة بكل ما أمكنهم. وما يحذرون واقع بهم لا محالة، حتى وهم أحرص [الناس] من المشركين الذين لا كتاب لهم. وهذا من باب عطف الخاص على العام.

Bölüm V01/P333–V01/P334

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {ومن الذين أشركوا} قال: الأعاجم. ورواه الحاكم في مستدركه من حديث الثوري، وقال: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه. قال: وقد اتفقا على سند تفسير الصحابي . وقال الحسن البصري: {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة} قال: المنافق أحرص الناس على حياة، وهو أحرص على الحياة من المشرك {يود أحدهم} أي: أحد اليهود كما يدل عليه نظم السياق. وقال أبو العالية: {يود أحدهم} يعني: المجوس، وهو يرجع إلى الأول. {لو يعمر ألف سنة} قال الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {يود أحدهم لو يعمر ألف سنة} قال: هو كقول الفارسي: "زه هزارسال" يقول: عشرة آلاف سنة. وكذا روي عن سعيد بن جبير نفسه أيضا. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت أبي يقول: حدثنا أبو حمزة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {يود أحدهم لو يعمر ألف سنة} قال: هو الأعاجم: "هزارسال نوروزر مهرجان". وقال مجاهد: {يود أحدهم لو يعمر ألف سنة} قال: حببت إليهم الخطيئة طول العمر. وقال محمد بن إسحاق، عن محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس: {وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر} أي: ما هو بمنجيه من العذاب. وذلك أن المشرك لا يرجو بعثا بعد الموت، فهو يحب طول الحياة وأن اليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي بما صنع بما عنده من العلم. وقال العوفي، عن ابن عباس: {وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر} قال: هم الذين عادوا جبريل. وقال أبو العالية وابن عمر فما ذاك بمغيثه من العذاب ولا منجيه منه. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم [في هذه الآية] يهود أحرص على [هذه] الحياة من هؤلاء، وقد ود هؤلاء أن يعمر أحدهم ألف سنة، وليس ذلك بمزحزحه من العذاب لو عمر، كما عمر إبليس لم ينفعه إذ كان كافرا. {والله بصير بما يعملون} أي: خبير بما يعمل عباده من خير وشر، وسيجازي كل عامل بعمله. {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين } قال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا [على] أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك. فقال بعضهم: إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر نبوته. ذكر من قال ذلك

Bölüm V01/P334–V01/P336

حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس أنه قال: حضرت عصابة من اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن خلال نسألك عنهن، لا يعلمهن إلا نبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سلوا عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم شيئا فعرفتموه لتتابعني على الإسلام". فقالوا: ذلك لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سلوني عما شئتم". فقالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن: أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في النوم ووليه من الملائكة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعني؟ " فأعطوه ما شاء الله من عهد وميثاق. فقال: "نشدتكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضا شديدا فطال سقمه منه، فنذر لله نذرا لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها؟ ". فقالوا: اللهم نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اشهد عليهم. وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وأن ماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله، وإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرا بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله؟ ". قالوا: اللهم نعم. قال: "اللهم اشهد". قال: "وأنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ ". قالوا: اللهم نعم. قال: "اللهم اشهد". قالوا: أنت الآن، فحدثنا من وليك من الملائكة، فعندها نجامعك أو نفارقك. قال: "فإن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه". قالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك. قال: "فما منعكم أن تصدقوه؟ " قالوا: إنه عدونا. فأنزل الله عز وجل: {قل من كان عدوا لجبريل} إلى قوله: {لو كانوا يعلمون} [البقرة: 103] فعندها باؤوا بغضب على غضب . وقد رواه الإمام أحمد في مسنده، عن أبي النضر هاشم بن القاسم وعبد بن حميد في تفسيره، عن أحمد بن يونس، كلاهما عن عبد الحميد بن بهرام، به . ورواه الإمام أحمد -أيضا-عن الحسين بن محمد المروزي، عن عبد الحميد، بنحوه [به] . وقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، فذكره مرسلا وزاد فيه: قالوا: فأخبرنا عن الروح قال: "أنشدكم بالله وبآياته عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل، وهو الذي يأتيني؟ " قالوا: نعم، ولكنه لنا عدو، وهو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء، فلولا ذلك اتبعناك . فأنزل الله فيهم: {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} إلى قوله: {كأنهم لا يعلمون} [البقرة: 101] .

Bölüm V01/P336–V01/P337

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي، عن بكير بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك. فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: {الله على ما نقول وكيل} [يوسف:66] قال: "هاتوا". قالوا: أخبرنا عن علامة النبي. قال: "تنام عيناه ولا ينام قلبه". قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف يذكر الرجل؟ قال: "يلتقي الماءان فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت"، قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه. قال: "كان يشتكي عرق النساء، فلم يجد شيئا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا" -قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل، فحرم لحومها -قالوا: صدقت. قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال "ملك من ملائكة الله، عز وجل، موكل بالسحاب بيديه-أو في يده-مخراق من نار يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله عز وجل". قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمعه؟ قال: "صوته". قالوا: صدقت. إنما بقيت واحدة وهي التي نتابعك إن أخبرتنا إنه ليس من نبي إلا وله ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: "جبريل عليه السلام"، قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان فأنزل الله عز وجل: {قل من كان عدوا لجبريل} إلى آخر الآية. ورواه الترمذي، والنسائي من حديث عبد الله بن الوليد، به . وقال الترمذي: حسن غريب. وقال سنيد في تفسيره، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج: أخبرني القاسم بن أبي بزة أن يهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن صاحبه الذي ينزل عليه بالوحي. قال: "جبريل". قالوا: فإنه لنا عدو، ولا يأتي إلا بالشدة والحرب والقتال. فنزل: {قل من كان عدوا لجبريل} الآية. قال ابن جريج: وقال مجاهد: قالت يهود: يا محمد، ما ينزل جبريل إلا بشدة وحرب وقتال، وإنه لنا عدو. فنزل: {قل من كان عدوا لجبريل} الآية. وقال البخاري: قوله: {من كان عدوا لجبريل} قال عكرمة: جبر، وميك، وإسراف: عبد. وإيل: الله. حدثنا عبد الله بن منير سمع عبد الله بن بكر حدثنا حميد، عن أنس بن مالك، قال: سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يخترف. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: "أخبرني بهن جبريل آنفا". قال: جبريل؟ قال: "نعم". قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: {من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك} "أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة [ماء الرجل] نزعت". قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله. يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني . فجاءت اليهود فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ " قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. قال: "أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام". فقالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فقالوا: شرنا وابن شرنا. فانتقصوه. قال هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله. انفرد به البخاري من هذا الوجه وقد أخرجه من وجه آخر، عن أنس بنحوه وفي صحيح مسلم، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قريب من هذا السياق كما سيأتي في موضعه . وحكاية البخاري عن عكرمة هو المشهور أن "إيل" هو الله. وقد رواه سفيان الثوري، عن خصيف، عن عكرمة.

Bölüm V01/P337–V01/P339

ورواه عبد بن حميد، عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة، ورواه ابن جرير، عن الحسين بن يزيد الطحان، عن إسحاق بن منصور، عن قيس، عن عاصم، عن عكرمة، أنه قال: إن جبريل اسمه عبد الله وميكائيل: عبيد الله. إيل: الله. ورواه يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثله سواء. وكذا قال غير واحد من السلف، كما سيأتي قريبا. [وقال الإمام أحمد في أثناء حديث سمرة بن جندب: حدثنا محمد بن سلمة، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء قال: قال لي علي بن الحسين: اسم جبريل عبد الله، واسم ميكائيل: عبيد الله] . ومن الناس من يقول: "إيل" عبارة عن عبد، والكلمة الأخرى هي اسم الله؛ لأن كلمة "إيل" لا تتغير في الجميع، فوزانه: عبد الله، عبد الرحمن، عبد الملك، عبد القدوس، عبد السلام، عبد الكافي، عبد الجليل. فعبد موجودة في هذا كله، واختلفت الأسماء المضاف إليها، وكذلك جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ونحو ذلك، وفي كلام غير العرب يقدمون المضاف إليه على المضاف، والله أعلم. ثم قال ابن جرير: وقال آخرون: بل كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بين عمر بن الخطاب وبينهم في أمر النبي صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن المثنى، حدثني ربعي بن علية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: نزل عمر الروحاء، فرأى رجالا يبتدرون أحجارا يصلون إليها، فقال: ما بال هؤلاء؟ قالوا: يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى هاهنا. قال: فكفر ذلك. وقال: إنما رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركته الصلاة بواد صلاها ثم ارتحل، فتركه. ثم أنشأ يحدثهم، فقال: كنت أشهد اليهود يوم مدراسهم فأعجب من التوراة كيف تصدق الفرقان ومن الفرقان كيف يصدق التوراة؟ فبينما أنا عندهم ذات يوم، قالوا: يا ابن الخطاب، ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك. قلت: ولم ذلك؟ قالوا: إنك تغشانا وتأتينا. فقلت: إني آتيكم فأعجب من الفرقان كيف يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق الفرقان. قال: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا ابن الخطاب، ذاك صاحبكم فالحق به، قال: فقلت لهم عند ذلك: نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من حقه واستودعكم من كتابه: أتعلمون أنه رسول الله؟ قال: فسكتوا. فقال لهم عالمهم وكبيرهم: إنه قد غلظ عليكم فأجيبوه. فقالوا: فأنت عالمنا وكبيرنا فأجبه أنت. قال: أما إذ نشدتنا بما نشدتنا به فإنا نعلم أنه رسول الله، قال: قلت: ويحكم فأني هلكتم؟! قالوا إنا لم نهلك [قال] : قلت: كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله [ثم] ولا تتبعونه ولا تصدقونه؟ قالوا: إن لنا عدوا من الملائكة وسلما من الملائكة، وإنه قرن بنبوته عدونا من الملائكة. قال: قلت: ومن عدوكم ومن سلمكم؟ قالوا: عدونا جبريل، وسلمنا ميكائيل. قال: قلت: وفيم عاديتم جبريل، وفيم سالمتم ميكائيل؟ قالوا: إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا، وإن ميكائيل ملك الرأفة والرحمة والتخفيف ونحو هذا. قال: قلت: وما منزلتهما من ربهما عز وجل؟ قالوا: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره. قال: قلت: فو [الله] الذي لا إله إلا هو، إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما وسلم لمن سالمهما وما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو جبريل. ثم قمت فاتبعت النبي صلى الله عليه وسلم فلحقته وهو خارج من خوخة لبني فلان، فقال: يا ابن الخطاب، ألا أقرئك آيات نزلن قبل؟ " فقرأ علي: {من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه} حتى قرأ هذه الآيات. قال: قلت: بأبي وأمي يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك، فأسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر .

Bölüm V01/P339–V01/P340

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، أنبأنا عامر، قال: انطلق عمر بن الخطاب إلى اليهود، فقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى: هل تجدون محمدا في كتبكم؟ قالوا: نعم. قال: فما يمنعكم أن تتبعوه؟ قالوا: إن الله لم يبعث رسولا إلا جعل له من الملائكة كفلا وإن جبريل كفل محمدا، وهو الذي يأتيه، وهو عدونا من الملائكة، وميكائيل سلمنا؛ لو كان ميكائيل هو الذي يأتيه أسلمنا. قال: فإني أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى: ما منزلتهما من رب العالمين؟ قالوا: جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله. قال عمر. وإني أشهد ما ينزلان إلا بإذن الله، وما كان ميكائيل ليسالم عدو جبريل، وما كان جبريل ليسالم عدو ميكائيل. فبينما هو عندهم إذ مر النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذا صاحبك يا ابن الخطاب: فقام إليه عمر، فأتاه، وقد أنزل الله، عز وجل، عليه: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين} . وهذان الإسنادان يدلان على أن الشعبي حدث به عن عمر، ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر، فإنه لم يدرك وفاته ،والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثنا بشر حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود. فلما أبصروه رحبوا به، فقال لهم عمر: أما والله ما جئت لحبكم ولا للرغبة فيكم، ولكن جئت لأسمع منكم. فسألهم وسألوه. فقالوا: من صاحب صاحبكم ؟ فقال لهم: جبريل. فقالوا: ذاك عدونا من أهل السماء، يطلع محمدا على سرنا، وإذا جاء جاء الحرب والسنة، ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل، وكان إذا جاء جاء الخصب والسلم. فقال لهم عمر: هل تعرفون جبريل وتنكرون محمدا صلى الله عليه وسلم؟ ففارقهم عمر عند ذلك وتوجه نحو النبي صلى الله عليه وسلم، ليحدثه حديثهم، فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية: {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} . ثم قال: حدثني المثنى، حدثنا آدم، حدثنا أبو جعفر عن قتادة، قال: بلغنا أن عمر أقبل إلى اليهود يوما، فذكر نحوه. وهذا -أيضا-منقطع، وكذلك رواه أسباط، عن السدي، عن عمر مثل هذا أو نحوه، وهو منقطع أيضا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن -يعني الدشتكي- حدثنا أبو جعفر، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن يهوديا أتى عمر بن الخطاب، فقال: إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا. فقال عمر: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين} قال: فنزلت على لسان عمر، رضي الله عنه . وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى في قوله: {من كان عدوا لجبريل} قال: قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل كان الذي ينزل عليكم اتبعناكم، فإنه ينزل بالرحمة والغيث، وإن جبريل ينزل بالعذاب والنقمة، فإنه لنا عدو قال: فنزلت هذه الآية. حدثني يعقوب قال: حدثنا هشيم، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء، بنحوه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {قل من كان عدوا لجبريل} قال: قالت اليهود: إن جبريل عدونا، لأنه ينزل بالشدة والسنة، وإن ميكائيل ينزل بالرخاء والعافية والخصب، فجبريل عدونا. فقال الله تعالى: {من كان عدوا لجبريل} [الآية] .

Bölüm V01/P340–V01/P342

وأما تفسير الآية فقوله تعالى: {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} أي: من عادى جبريل فليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم على قلبك من الله بإذنه له في ذلك، فهو رسول من رسل الله ملكي [عليه وعلى سائر إخوانه من الملائكة السلام] ومن عادى رسولا فقد عادى جميع الرسل، كما أن من آمن برسول فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل، وكما أن من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل، كما قال تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} [النساء:150، 151] فحكم عليهم بالكفر المحقق، إذ آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعضهم وكذلك من عادى جبريل فإنه عدو لله؛ لأن جبريل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه، وإنما ينزل بأمر ربه كما قال: {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا} [مريم: 64] وقال تعالى: {وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين} [الشعراء: 192-194] وقد روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب" . ولهذا غضب الله لجبريل على من عاداه، فقال: {من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه} أي: من الكتب المتقدمة {وهدى وبشرى للمؤمنين} أي: هدى لقلوبهم وبشرى لهم بالجنة، وليس ذلك إلا للمؤمنين. كما قال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت: 44] ، وقال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 82] . ثم قال تعالى: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين} يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسلي -ورسله تشمل رسله من الملائكة والبشر، كما قال تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} [الحج: 75] . {وجبريل وميكال} وهذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة، ثم عموم الرسل، ثم خصصا بالذكر؛ لأن السياق في الانتصار لجبريل وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن معه ميكائيل في اللفظ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوهم وميكائيل وليهم، فأعلمهم أنه من عادى واحدا منهما فقد عادى الآخر وعادى الله أيضا؛ لأنه -أيضا-ينزل على الأنبياء بعض الأحيان، كما قرن برسول الله صلى الله عليه وسلم في ابتداء الأمر، ولكن جبريل أكثر، وهي وظيفته، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، هذاك بالهدى وهذا بالرزق، كما أن إسرافيل موكل بالصور للنفخ للبعث يوم القيامة؛ ولهذا جاء في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يقول "اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل ، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" . وقد تقدم ما حكاه البخاري، ورواه ابن جرير عن عكرمة أنه قال: جبر، وميك، وإسراف: عبيد. وإيل: الله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: إنما قوله: "جبريل" كقوله: "عبد الله" و "عبد الرحمن". وقيل جبر: عبد. وإيل: الله. وقال محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن علي بن الحسين، قال: أتدرون ما اسم جبرائيل من أسمائكم؟ قلنا: لا. قال: اسمه عبد الله، قال: فتدرون ما اسم ميكائيل من أسمائكم؟ قلنا: لا. قال: اسمه عبيد الله . وكل اسم مرجعه إلى "يل" فهو إلى الله.

Bölüm V01/P342–V01/P343

قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعكرمة والضحاك ويحيى بن يعمر نحو ذلك. ثم قال: حدثني أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثني عبد العزيز بن عمير قال: اسم جبريل في الملائكة خادم الله. قال: فحدثت به أبا سليمان الداراني، فانتفض وقال: لهذا الحديث أحب إلي من كل شيء [وكتبه] في دفتر كان بين يديه. وفي جبريل وميكائيل لغات وقراءات، تذكر في كتب اللغة والقراءات، ولم نطول كتابنا هذا بسرد ذلك إلا أن يدور فهم المعنى عليه، أو يرجع الحكم في ذلك إليه، وبالله الثقة، وهو المستعان. وقوله تعالى: {فإن الله عدو للكافرين} فيه إيقاع المظهر مكان المضمر حيث لم يقل: فإنه عدو للكافرين. قال: {فإن الله عدو للكافرين} كما قال الشاعر: لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا وقال آخر: ليت الغراب غداة ينعب دائبا كان الغراب مقطع الأوداج وإنما أظهر الاسم هاهنا لتقرير هذا المعنى وإظهاره، وإعلامهم أن من عادى أولياء الله فقد عادى الله، ومن عادى الله فإن الله عدو له، ومن كان الله عدوه فقد خسر الدنيا والآخرة، كما تقدم الحديث: "من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب". وفي الحديث الآخر: "إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب". وفي الحديث الصحيح: "ومن كنت خصمه خصمته". {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون } {واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون } قال الإمام أبو جعفر بن جرير في قوله تعالى: {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات} أي: أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات [دلالات] على نبوتك، وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله من خفايا علوم اليهود، ومكنونات سرائر أخبارهم، وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم، وما حرفه أوائلهم وأواخرهم وبدلوه من أحكامهم، التي كانت في التوراة. فأطلع الله في كتابه الذي أنزله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم؛ فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف نفسه، ولم يدعه إلى هلاكها الحسد والبغي، إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة تصديق من أتى بمثل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات التي وصف، من غير تعلم تعلمه من بشري ولا أخذ شيئا منه عن آدمي. كما قال الضحاك، عن ابن عباس: {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات} يقول: فأنت تتلوه عليهم وتخبرهم به غدوة وعشية، وبين ذلك، وأنت عندهم أمي لا تقرأ كتابا، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه. يقول الله: في ذلك لهم عبرة وبيان، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون.

Bölüm V01/P343–V01/P345

وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال ابن صوريا الفطيوني لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك. فأنزل الله في ذلك من قوله: {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون} وقال مالك بن الصيف -حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرهم ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد صلى الله عليه وسلم والله ما عهد إلينا في محمد صلى الله عليه وسلم ولا أخذ [له] علينا ميثاقا. فأنزل الله: {أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم} وقال الحسن البصري في قوله: {بل أكثرهم لا يؤمنون} قال: نعم، ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه، يعاهدون اليوم، وينقضون غدا. وقال السدي: لا يؤمنون بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: {نبذه فريق منهم} أي: نقضه فريق منهم. وقال ابن جرير: أصل النبذ: الطرح والإلقاء، ومنه سمي اللقيط: منبوذا، ومنه سمي النبيذ، وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء. قال أبو الأسود الدؤلي: نظرت إلى عنوانه فنبذته كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا قلت: فالقوم ذمهم الله بنبذهم العهود التي تقدم الله إليهم في التمسك بها والقيام بحقها. ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعته وصفته وأخباره، وقد أمروا فيها باتباعه ومؤازرته ومناصرته، كما قال: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} الآية [الأعراف: 157] ، وقال هاهنا: {ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون} أي: اطرح طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم، مما فيه البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وراء ظهورهم، أي: تركوها، كأنهم لا يعلمون ما فيها، وأقبلوا على تعلم السحر واتباعه. ولهذا أرادوا كيدا برسول الله صلى الله عليه وسلم وسحروه في مشط ومشاقة وجف طلعة ذكر، تحت راعوثة بئر ذي أروان. وكان الذي تولى ذلك منهم رجل، يقال له: لبيد بن الأعصم، لعنه الله، فأطلع الله على ذلك رسوله صلى الله عليه وسلم، وشفاه منه وأنقذه، كما ثبت ذلك مبسوطا في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، كما سيأتي بيانه قال السدي: {ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم} قال: لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت، فلم يوافق القرآن، فذلك قوله: {كأنهم لا يعلمون} وقال قتادة في قوله: {كأنهم لا يعلمون} قال: إن القوم كانوا يعلمون، ولكنهم نبذوا علمهم، وكتموه وجحدوا به. وقال العوفي في تفسيره، عن ابن عباس في قوله تعالى: {واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} وكان حين ذهب ملك سليمان ارتد فئام من الجن والإنس واتبعوا الشهوات، فلما رجع الله إلى سليمان ملكه، وقام الناس على الدين كما كان أوان سليمان، ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه، وتوفي سليمان، عليه السلام، حدثان ذلك، فظهر الإنس والجن على الكتب بعد وفاة سليمان، وقالوا: هذا كتاب من الله نزل على سليمان وأخفاه عنا فأخذوا به فجعلوه دينا. فأنزل الله: {ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون} واتبعوا الشهوات، [أي] : التي كانت [تتلو الشياطين] وهي المعازف واللعب وكل شيء يصد عن ذكر الله.

Sorular