Qur'an&Sunnah

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

Bölüm V06/P338–V06/P339

وكنا قديما لا نقر ظلامة إذا ما ثنوا صعر الرؤوس نقيمها وقوله: {ولا تمش في الأرض مرحا} أي: جذلا متكبرا جبارا عنيدا، لا تفعل ذلك يبغضك الله؛ ولهذا قال: {إن الله لا يحب كل مختال فخور} أي: مختال معجب في نفسه، فخور: أي على غيره، وقال تعالى: {ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا} [الإسراء: 37] ، وقد تقدم الكلام على ذلك في موضعه. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ثابت بن قيس بن شماس قال: ذكر الكبر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فشدد فيه، فقال: "إن الله لا يحب كل مختال فخور". فقال رجل من القوم: والله يا رسول الله إني لأغسل ثيابي فيعجبني بياضها، ويعجبني شراك نعلي، وعلاقة سوطي، فقال: "ليس ذلك الكبر، إنما الكبر أن تسفه الحق وتغمط الناس" . ورواه من طريق أخرى بمثله، وفيه قصة طويلة، ومقتل ثابت ووصيته بعد موته . وقوله: {واقصد في مشيك} أي: امش مشيا مقتصدا ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل عدلا وسطا بين بين. وقوله: {واغضض من صوتك} أي: لا تبالغ في الكلام، ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه؛ ولهذا قال تعالى: {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} قال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير، أي: غاية من رفع صوته أنه يشبه بالحمير في علوه ورفعه، ومع هذا هو بغيض إلى الله تعالى. وهذا التشبيه في هذا بالحمير يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه". وقال النسائي عند تفسير هذه الآية: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم [أنه] قال: "إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانا". وقد أخرجه بقية الجماعة سوى ابن ماجه، من طرق، عن جعفر بن ربيعة به، وفي بعض الألفاظ: "بالليل"، فالله أعلم. فهذه وصايا نافعة جدا، وهي من قصص القرآن العظيم عن لقمان الحكيم. وقد روي عنه من الحكم والمواعظ أشياء كثيرة، فلنذكر منها أنموذجا ودستورا إلى ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا ابن إسحاق، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا سفيان، أخبرني نهشل بن مجمع الضبي عن قزعة، عن ابن عمر رضي الله عنه قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن لقمان الحكيم كان يقول: إن الله إذا استودع شيئا حفظه" . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن موسى بن سليمان، عن القاسم [بن مخيمرة يحدث عن أبي موسى الأشعري] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني، إياك والتقنع فإنه مخوفة بالليل، مذمة بالنهار" . وقال: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان، عن ضمرة، حدثنا السري بن يحيى قال: قال لقمان لابنه: يا بني، إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك. وقال: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أخبرنا ابن المبارك، حدثنا عبد الرحمن المسعودي ، عن عون بن عبد الله قال: قال لقمان لابنه: يا بني، إذا أتيت نادي قوم فارمهم بسهم الإسلام -يعني السلام -ثم اجلس في ناحيتهم، فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا، فإن أفاضوا في ذكر الله فأجل سهمك معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم إلى غيرهم.

Bölüm V06/P339–V06/P341

وحدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا ضمرة ، عن حفص بن عمر، رضي الله عنه، قال: وضع لقمان جرابا من خردل إلى جانبه، وجعل يعظ ابنه وعظة ويخرج خردلة، حتى نفذ الخردل، فقال: يا بني، لقد وعظتك موعظة لو وعظها جبل لتفطر. قال: فتفطر ابنه. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عبد الباقي المصيصي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الحراني، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، حدثنا أبين بن سفيان المقدسي، عن خليفة بن سلام، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتخذوا السودان فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة: لقمان الحكيم، والنجاشي، وبلال المؤذن" . قال أبو القاسم الطبراني: أراد الحبش. فصل في الخمول والتواضع: وذلك متعلق بوصية لقمان، عليه السلام، لابنه، وقد جمع في ذلك الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا كتابا مفردا [و] نحن، نذكر منه مقاصده، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عبد الله بن موسى المدني، عن أسامة بن زيد، عن حفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "رب أشعث ذي طمرين يصفح عن أبواب الناس، إذا أقسم على الله لأبره" . ثم رواه من حديث جعفر بن سليمان، عن ثابت وعلي بن زيد، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، وزاد، منهم البراء بن مالك . [وروي أيضا عن أنس، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طوبى للأتقياء الأثرياء الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، أولئك مصابيح مجردون من كل فتنة غبراء مشينة"] . وقال أبو بكر بن سهل التميمي: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد، عن عياش بن عباس، عن عيسى بن عبد الرحمن، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، رضي الله عنه، أنه دخل المسجد فإذا هو بمعاذ بن جبل يبكي عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما يبكيك يا معاذ؟ قال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول: "إن اليسير من الرياء شرك، وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء الأثرياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، ينجون من كل غبراء مظلمة" . حدثنا الوليد بن شجاع، حدثنا عثام بن علي، عن حميد بن عطاء الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رب ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره، لو قال: اللهم إني أسألك الجنة لأعطاه الجنة، ولم يعطه من الدنيا شيئا" . وقال أيضا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أمتي من لو أتى باب أحدكم يسأله دينارا أو درهما أو فلسا لم يعطه، ولو سأل الله الجنة لأعطاه إياها، ولو سأله الدنيا لم يعطه إياها، ولم يمنعها إياه لهوانه عليه، ذو طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره" . وهذا مرسل من هذا الوجه. وقال أيضا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جعفر بن سليمان، حدثنا عوف قال: قال أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من ملوك الجنة من هو أشعث أغبر ذو طمرين لا يؤبه له، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا، وإذا قالوا لم ينصت لهم، حوائج أحدهم تتجلجل في صدره، لو قسم نوره يوم القيامة بين الناس لوسعهم" . قال: وأنشدني عمر بن شبة، عن ابن عائشة قال: قال عبد الله بن المبارك: ألا رب ذي طمرين في منزل غدا زرابيه مبثوثة ونمارقه قد اطردت أنهاره حول قصره وأشرق والتفت عليه حدائقه

Bölüm V06/P341–V06/P343

وروي -أيضا -من حديث عبيد الله بن زحر، عن علي بن زيد، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعا: "قال الله: من أغبط أوليائي عندي: مؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه، وأطاعه في السر، وكان غامضا في الناس، لا يشار إليه بالأصابع. إن صبر على ذلك". قال: ثم نقد رسول الله بيده وقال: "عجلت منيته، وقل تراثه، وقلت بواكيه" . وعن عبد الله بن عمرو قال: أحب عباد الله إلى الله الغرباء. قيل: ومن الغرباء؟ قال: الفرارون بدينهم، يجمعون يوم القيامة إلى عيسى بن مريم . وقال الفضيل بن عياض: بلغني أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أنعم عليك؟ ألم أعطك؟ ألم أسترك؟ ألم..؟ ألم..؟ ألم أخمل ذكرك؟ ثم قال الفضيل: إن استطعت ألا تعرف فافعل، وما عليك ألا يثنى عليك، وما عليك أن تكون مذموما عند الناس محمودا عند الله. وكان ابن محيريز يقول: اللهم إني أسألك ذكرا خاملا. وكان الخليل بن أحمد يقول: اللهم اجعلني عندك من أرفع خلقك، واجعلني في نفسي من أوضع خلقك، وعند الناس من أوسط خلقك. ثم قال : باب ما جاء في الشهرة حدثنا أحمد بن عيسى المصري، حدثنا ابن وهب، عن عمر بن الحارث وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حسب امرئ من الشر -إلا من عصم الله -أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه، وإن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن إلى قلوبكم وأعمالكم" . وروي مثله عن إسحاق بن البهلول، عن ابن أبي فديك، عن محمد بن عبد الواحد الأخنسي، عن عبد الواحد بن أبي كثير، عن جابر بن عبد الله مرفوعا، مثله . وروي عن الحسن مرسلا نحوه ، فقيل للحسن: فإنه يشار إليك بالأصابع؟ فقال: إنما المراد من يشار إليه في دينه بالبدعة وفي دنياه بالفسق . وعن علي، رضي الله عنه، قال: لا تبدأ لأن تشتهر، ولا ترفع شخصك لتذكر، وتعلم واكتم، واصمت تسلم، تسر الأبرار، وتغيظ الفجار. وقال إبراهيم بن أدهم، رحمه الله: ما صدق الله من أحب الشهرة. وقال أيوب: ما صدق الله عبده إلا سره ألا يشعر بمكانه. وقال محمد بن العلاء: من أحب الله أحب ألا يعرفه الناس. وقال سماك بن سلمة: إياك وكثرة الأخلاء. وقال أبان بن عثمان: إن أحببت أن يسلم لك دينك فأقل من المعارف؛ كان أبو العالية إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة نهض وتركهم. وقال: حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن عوف، عن أبي رجاء قال: رأى طلحة قوما يمشون معه، فقال: ذباب طمع، وفراش النار. وقال ابن إدريس، عن هارون بن عنترة ، عن سليم بن حنظلة قال: بينا نحن حول أبي إذ علاه عمر بن الخطاب بالدرة وقال: إنها مذلة للتابع، وفتنة للمتبوع. وقال ابن عون، عن الحسن: خرج ابن مسعود فاتبعه أناس، فقال: والله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي، ما اتبعني منكم رجلان. وقال حماد بن زيد: كنا إذا مررنا على المجلس، ومعنا أيوب، فسلم، ردوا ردا شديدا، فكان ذلك يغمه. وقال عبد الرزاق، عن معمر: كان أيوب يطيل قميصه، فقيل له في ذلك، فقال: إن الشهرة فيما مضى كانت في طول القميص، واليوم في تشميره. واصطنع مرة نعلين على حذو نعلي النبي صلى الله عليه وسلم، فلبسهما أياما ثم خلعهما، وقال: لم أر الناس يلبسونهما. وقال إبراهيم النخعي: لا تلبس من الثياب ما يشهر في الفقهاء، ولا ما يزدريك السفهاء. وقال الثوري: كانوا يكرهون من الثياب الجياد، التي يشتهر بها، ويرفع الناس إليه فيها أبصارهم. والثياب الرديئة التي يحتقر فيها، ويستذل دينه. وحدثنا خالد بن خداش: حدثنا حماد، عن أبي حسنة -صاحب الزيادي -قال: كنا عند أبي قلابة إذ دخل عليه رجل عليه أكسية، فقال: إياكم وهذا الحمار النهاق.

Bölüm V06/P343–V06/P344

وقال الحسن، رحمه الله: إن قوما جعلوا الكبر في قلوبهم، والتواضع في ثيابهم، فصاحب الكساء بكسائه أعجب من صاحب المطرف بمطرفه ، ما لهم تفاقدوا. وفي بعض الأخبار أن موسى، عليه السلام، قال لبني إسرائيل: ما لكم تأتوني عليكم ثياب الرهبان، وقلوبكم قلوب الذئاب، البسوا ثياب الملوك، وألينوا قلوبكم بالخشية. فصل في حسن الخلق قال أبو التياح: عن أنس، رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا . وعن عطاء، عن ابن عمر: قيل: يا رسول الله، أي المؤمنين أفضل؟ قال: "أحسنهم خلقا" . وعن نوح بن عباد، عن ثابت، عن أنس مرفوعا: "إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجات الآخرة وشرف المنازل، وإنه لضعيف العبادة. وإنه ليبلغ بسوء خلقه درك جهنم وهو عابد" . وعن سنان بن هارون، عن حميد، عن أنس مرفوعا: "ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة" . وعن عائشة مرفوعا: "إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة قائم الليل وصائم النهار" . وقال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، حدثنا عبد الله بن إدريس، أخبرني أبي وعمي، عن جدي، عن أبي هريرة، رضي الله عنه: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: "تقوى الله وحسن الخلق". وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: "الأجوفان: الفم والفرج" . وقال أسامة بن شريك: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءته الأعراب من كل مكان، فقالوا: يا رسول الله، ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: "حسن الخلق" . وقال يعلى بن مملك : عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء -يبلغ به -قال: "ما [من] شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق" ، وكذا رواه عطاء، عن أم الدرداء، به . وعن مسروق، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: "إن من خياركم أحاسنكم أخلاقا" . حدثنا عبد الله بن أبي بدر، حدثنا محمد بن عبيد ، عن محمد بن أبي سارة، عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليعطي العبد من الثواب على حسن الخلق، كما يعطي المجاهد في سبيل الله، يغدو عليه الأجر ويروح" . وعن مكحول، عن أبي ثعلبة مرفوعا: "إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا، أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني منزلا في الجنة مساويكم أخلاقا، الثرثارون المتشدقون المتفيهقون" . وعن أبي أويس، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعا: "ألا أخبركم بأكملكم إيمانا، أحاسنكم أخلاقا، الموطؤون أكنافا، الذين يؤلفون ويألفون" . وقال الليث، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة، عن بكر بن أبي الفرات قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما حسن الله خلق رجل وخلقه فتطعمه النار" . وعن عبد الله بن غالب الحداني، عن أبي سعيد مرفوعا: "خصلتان لا يجتمعان في مؤمن: البخل، وسوء الخلق" ، وقال ميمون بن مهران، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق؛ وذلك أن صاحبه لا يخرج من ذنب إلا وقع في آخر" . حدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو المغيرة الأحمسي، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن رجل من قريش قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق؛ إن الخلق الحسن ليذيب الذنوب كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيئ ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل" . وقال عبد الله بن إدريس، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة مرفوعا: " إنكم لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط وجوه وحسن خلق" . وقال محمد بن سيرين: حسن الخلق عون على الدين. فصل في ذم الكبر قال علقمة، عن ابن مسعود -رفعه -: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال حبة من إيمان" .

Bölüm V06/P344–V06/P346

وقال إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: "من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، أكبه الله على وجهه في النار" . حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا أبو معاوية، عن عمر بن راشد، عن إياس بن سلمة، عن أبيه مرفوعا: "لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب عند الله من الجبارين، فيصيبه ما أصابهم من العذاب" . وقال مالك بن دينار: ركب سليمان بن داود، عليهما السلام، ذات يوم البساط في مائتي ألف من الإنس، ومائتي ألف من الجن، فرفع حتى سمع تسبيح الملائكة في السماء، ثم خفضوه حتى مست قدمه ماء البحر، فسمعوا صوتا لو كان في قلب صاحبكم مثقال ذرة من كبر لخسف به أبعد مما رفع. حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: كان أبو بكر يخطبنا فيذكر بدء خلق الإنسان، حتى إن أحدنا ليقذر نفسه، يقول: خرج من مجرى البول مرتين . وقال الشعبي: من قتل اثنين فهو جبار، ثم تلا {أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض} [القصص: 19] وقال الحسن: عجبا لابن آدم، يغسل الخرء بيده في اليوم مرتين ثم يتكبر! يعارض جبار السموات، قال: حدثنا خالد بن خداش، حدثنا حماد بن زيد، عن علي بن الحسن، عن الضحاك بن سفيان، فذكر الحديث. ضرب مثل الدنيا بما يخرج من ابن آدم . وقال الحسن، عن يحيى، عن أبي قال: إن مطعم بن آدم ضرب مثل للدنيا وإن قزحه وملحه. وقال محمد بن الحسين بن علي -من ولد علي رضي الله عنه -: ما دخل قلب رجل شيء من الكبر إلا نقص من عقله بقدر ذلك. وقال يونس بن عبيد: ليس مع السجود كبر، ولا مع التوحيد نفاق. ونظر طاوس إلى عمر بن عبد العزيز وهو يختال في مشيته، وذلك قبل أن يستخلف، فطعنه طاوس في جنبه بأصبعه، وقال: ليس هذا شأن من في بطنه خرء؟ فقال له كالمعتذر إليه: يا عم، لقد ضرب كل عضو مني على هذه المشية حتى تعلمتها. قال أبو بكر بن أبي الدنيا: كانت بنو أمية يضربون أولادهم حتى يتعلموا هذه المشية. فصل في الاختيال عن أبي ليلى، عن ابن بريدة، عن أبيه مرفوعا: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه" . ورواه عن إسحاق بن إسماعيل، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر مرفوعا مثله . وحدثنا محمد بن بكار، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعا: "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره" . و"بينما رجل يتبختر في برديه، أعجبته نفسه، خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة" . وروى الزهري عن سالم، عن أبيه: "بينما رجل ... " إلى آخره . {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير } . يقول تعالى منبها خلقه على نعمه عليهم في الدنيا والآخرة، بأنه سخر لهم ما في السموات من نجوم يستضيئون بها في ليلهم ونهارهم، وما يخلق فيها من سحاب وأمطار وثلج وبرد، وجعله إياها لهم سقفا محفوظا، وما خلق لهم في الأرض من قرار وأنهار وأشجار وزروع وثمار. وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة من إرسال الرسل وإنزال الكتب، وإزاحة الشبه والعلل، ثم مع هذا كله ما آمن الناس كلهم، بل منهم من يجادل في الله، أي: في توحيده وإرسال الرسل. ومجادلته في ذلك بغير علم، ولا مستند من حجة صحيحة، ولا كتاب مأثور صحيح؛ ولهذا قال تعالى: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} أي: مبين مضيء.

Bölüm V06/P346–V06/P347

{وإذا قيل لهم} أي: لهؤلاء المجادلين في توحيد الله: {اتبعوا ما أنزل الله} أي: على رسوله من الشرائع المطهرة، {قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا} أي: لم يكن لهم حجة إلا اتباع الآباء الأقدمين، قال الله: {أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} [البقرة: 170] أي: فما ظنكم أيها المحتجون بصنيع آبائهم، أنهم كانوا على ضلالة وأنتم خلف لهم فيما كانوا فيه؛ ولهذا قال: {أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير} . {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ } . يقول تعالى مخبرا عمن أسلم وجهه لله، أي: أخلص له العمل وانقاد لأمره واتبع شرعه؛ ولهذا قال: {وهو محسن} أي: في عمله، باتباع ما به أمر، وترك ما عنه زجر، {فقد استمسك بالعروة الوثقى} أي: فقد أخذ موثقا من الله متينا أنه لا يعذبه، {وإلى الله عاقبة الأمور. ومن كفر فلا يحزنك كفره} أي: لا تحزن يا محمد عليهم في كفرهم بالله وبما جئت به؛ فإن قدر الله نافذ فيهم، وإلى الله مرجعهم فينبئهم بما عملوا، أي: فيجزيهم عليه، {إن الله عليم بذات الصدور} ، فلا تخفى عليه خافية. ثم قال: {نمتعهم قليلا} أي: في الدنيا، {ثم نضطرهم} أي: نلجئهم {إلى عذاب غليظ} أي: فظيع صعب مشق على النفوس، كما قال تعالى: {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون. متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون} [يونس: 69، 70] . {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون لله ما في السموات والأرض إن الله هو الغني الحميد } . يقول تعالى مخبرا عن هؤلاء المشركين به: إنهم يعرفون أن الله خالق السموات والأرض، وحده لا شريك له، ومع هذا يعبدون معه شركاء يعترفون أنها خلق له وملك له؛ ولهذا قال: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله} [أي: إذ قامت عليكم الحجة باعترافكم] ، {بل أكثرهم لا يعلمون} . ثم قال: {لله ما في السموات والأرض} أي: هو خلقه وملكه، {إن الله هو الغني الحميد} أي: الغني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، الحميد في جميع ما خلق، له الحمد في السموات والأرض على ما خلق وشرع، وهو المحمود في الأمور كلها. {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير } . يقول تعالى مخبرا عن عظمته وكبريائه وجلاله، وأسمائه الحسنى وصفاته العلا وكلماته التامة التي لا يحيط بها أحد، ولا اطلاع لبشر على كنهها وإحصائها، كما قال سيد البشر وخاتم الرسل: "لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"، فقال تعالى: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} [أي: ولو أن جميع أشجار الأرض جعلت أقلاما، وجعل البحر مدادا ومده سبعة أبحر] معه، فكتبت بها كلمات الله الدالة على عظمته وصفاته وجلاله لتكسرت الأقلام، ونفد ماء البحر، ولو جاء أمثالها مددا. وإنما ذكرت "السبعة" على وجه المبالغة، ولم يرد الحصر ولا [أن] ثم سبعة أبحر موجودة تحيط بالعالم، كما يقوله من تلقاه من كلام الإسرائيليين التي لا تصدق ولا تكذب، بل كما قال تعالى في الآية الأخرى: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} [الكهف: 109] ، فليس المراد بقوله: {بمثله} آخر فقط، بل بمثله ثم بمثله ثم بمثله، ثم هلم جرا؛ لأنه لا حصر لآيات الله وكلماته.

Bölüm V06/P347–V06/P349

وقال الحسن البصري: لو جعل شجر الأرض أقلاما، وجعل البحر مدادا، وقال الله: "إن من أمري كذا، ومن أمري كذا" لنفد ما في البحور، وتكسرت الأقلام. وقال قتادة: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد، فقال الله تعالى: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام} أي: لو كان شجر الأرض أقلاما، ومع البحر سبعة أبحر، ما كان لتنفد عجائب ربي وحكمته وخلقه وعلمه. وقال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله ذلك: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام} الآية. يقول: لو كان البحر مدادا لكلمات الله والأشجار كلها أقلاما، لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء؛ لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره، ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه. إن ربنا كما يقول، وفوق ما نقول. وقد روي أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود، قال ابن إسحاق: حدثني ابن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس؛ أن أحبار يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة: يا محمد، أرأيت قولك: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} ؟ [الإسراء: 85] ، إيانا تريد أم قومك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلا". فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما يكفيكم". وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام} الآية. وهكذا روي عن عكرمة، وعطاء بن يسار. وهذا يقتضي أن هذه الآية مدنية لا مكية، والمشهور أنها مكية، والله أعلم. وقوله: {إن الله عزيز حكيم} أي: عزيز قد عز كل شيء وقهره وغلبه، فلا مانع لما أراد ولا مخالف ولا معقب لحكمه، {حكيم} في خلقه وأمره، وأقواله وأفعاله، وشرعه وجميع شؤونه. وقوله: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} أي: ما خلق جميع الناس وبعثهم يوم المعاد بالنسبة إلى قدرته إلا كنسبة [خلق] نفس واحدة، الجميع هين عليه و {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] ، {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} [القمر: 50] أي: لا يأمر بالشيء إلا مرة واحدة، فيكون ذلك الشيء لا يحتاج إلى تكرره وتوكده . {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة} [النازعات: 13، 14] . وقوله: {إن الله سميع بصير} أي: كما هو سميع لأقوالهم بصير بأفعالهم كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة كذلك قدرته عليهم كقدرته على نفس واحدة؛ ولهذا قال: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة [إن الله سميع بصير] } . {ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير } يخبر تعالى أنه {يولج الليل في النهار} بمعنى: يأخذ منه في النهار، فيطول ذلك ويقصر هذا، وهذا يكون زمن الصيف يطول النهار إلى الغاية، ثم يسرع في النقص فيطول الليل ويقصر النهار، وهذا يكون في زمن الشتاء، {وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى} قيل: إلى غاية محدودة. وقيل: إلى يوم القيامة. وكلا المعنيين صحيح، ويستشهد للقول الأول بحديث أبي ذر، رضي الله عنه، الذي في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا أبا ذر، أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأذن ربها فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت" .

Bölüm V06/P349–V06/P350

وقال ابن أبي الحاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس أنه قال: الشمس بمنزلة الساقية، تجري بالنهار في السماء في فلكها، فإذا غربت جرت بالليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها، قال: وكذلك القمر. إسناده صحيح. وقوله: {وأن الله بما تعملون خبير} ، كقوله: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض} [الحج: 70] . ومعنى هذا: أنه تعالى الخالق العالم بجميع الأشياء، كقوله: {الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} [الطلاق: 12] . وقوله: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل} أي: إنما يظهر لكم آياته لتستدلوا بها على أنه الحق، أي: الموجود الحق، الإله الحق، وأن كل ما سواه باطل فإنه الغني عما سواه، وكل شيء فقير إليه؛ لأن كل ما في السموات والأرض الجميع خلقه وعبيده، لا يقدر أحد منهم على تحريك ذرة إلا بإذنه، ولو اجتمع كل أهل الأرض على أن يخلقوا ذبابا لعجزوا عن ذلك؛ ولهذا قال: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير} أي: العلي: الذي لا أعلى منه، الكبير: الذي هو أكبر من كل شيء، فكل شيء خاضع حقير بالنسبة إليه. {ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور } يخبر تعالى أنه هو الذي سخر البحر لتجري فيه الفلك بأمره، أي: بلطفه وتسخيره؛ فإنه لولا ما جعل في الماء من قوة يحمل بها السفن لما جرت؛ ولهذا قال: {ليريكم من آياته} أي: من قدرته، {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} أي: صبار في الضراء، شكور في الرخاء. ثم قال: {وإذا غشيهم موج كالظلل} أي: كالجبال والغمام، {دعوا الله مخلصين له الدين} ، كما قال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} [الإسراء: 67] ، وقال {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} [العنكبوت: 65] . ثم قال: {فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد} قال مجاهد: أي كافر. كأنه فسر المقتصد هاهنا بالجاحد، كما قال تعالى: {فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} [العنكبوت: 65] . وقال ابن زيد: هو المتوسط في العمل. وهذا الذي قاله ابن زيد هو المراد في قوله: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} [فاطر: 32] ، فالمقتصد هاهنا هو: المتوسط في العمل. ويحتمل أن يكون مرادا هنا أيضا، ويكون من باب الإنكار على من شاهد تلك الأهوال والأمور العظام والآيات الباهرات في البحر، ثم بعدما أنعم عليه من الخلاص، كان ينبغي أن يقابل ذلك بالعمل التام، والدؤوب في العبادة، والمبادرة إلى الخيرات. فمن اقتصد بعد ذلك كان مقصرا والحالة هذه، والله أعلم. وقوله: {وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور} : فالختار: هو الغدار. قاله مجاهد، والحسن، وقتادة، ومالك عن زيد بن أسلم، وهو الذي كلما عاهد نقض عهده، والختر: أتم الغدر وأبلغه، قال عمرو بن معد يكرب: وإنك لو رأيت أبا عمير ملأت يديك من غدر وختر وقوله: {كفور} أي: جحود للنعم لا يشكرها، بل يتناساها ولا يذكرها. {يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور } . يقول تعالى منذرا للناس يوم المعاد، وآمرا لهم بتقواه والخوف منه، والخشية من يوم القيامة حيث {لا يجزي والد عن ولده} أي: لو أراد أن يفديه بنفسه لما قبل منه. وكذلك الولد لو أراد فداء والده بنفسه لم يتقبل منه.

Bölüm V06/P350–V06/P352

ثم عاد بالموعظة عليهم بقوله: {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} [أي: لا تلهينكم بالطمأنينة فيها عن الدار الآخرة] . {ولا يغرنكم بالله الغرور} يعني: الشيطان. قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة. فإنه يغر ابن آدم ويعده ويمنيه، وليس من ذلك شيء بل كما قال تعالى: {يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} [النساء:120] . قال وهب بن منبه: قال عزير، عليه السلام: لما رأيت بلاء قومي اشتد حزني وكثر همي، وأرق نومي، فضرعت إلى ربي وصليت وصمت فأنا في ذلك أتضرع أبكي إذ أتاني الملك فقلت له: أخبرني هل تشفع أرواح المصدقين للظلمة، أو الآباء لأبنائهم؟ قال: إن القيامة فيها فصل القضاء وملك ظاهر، ليس فيه رخصة، لا يتكلم فيه أحد إلا بإذن الرحمن، ولا يؤخذ فيه والد عن ولده، ولا ولد عن والده، ولا أخ عن أخيه، ولا عبد عن سيده، ولا يهتم أحد بغيره ولا يحزن لحزنه، ولا أحد يرحمه، كل مشفق على نفسه، ولا يؤخذ إنسان عن إنسان، كل يهم همه ويبكي عوله، ويحمل وزره، ولا يحمل وزره معه غيره. رواه ابن أبي حاتم. {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير } . هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها؛ فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب، {لا يجليها لوقتها إلا هو} [الأعراف: 187] ، وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله، ولكن إذا أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء الله من خلقه. وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه [الله] تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرا أو أنثى، أو شقيا أو سعيدا علم الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه. وكذلك لا تدري نفس ماذا تكسب غدا في دنياها وأخراها، {وما تدري نفس بأي أرض تموت} في بلدها أو غيره من أي بلاد الله كان، لا علم لأحد بذلك. وهذه شبيهة بقوله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} الآية [الأنعام: 59] . وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس: مفاتيح الغيب. قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة، سمعت أبي -بريدة - يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خمس لا يعلمهن إلا الله عز وجل: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} . هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجوه. حديث ابن عمر: قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} . انفرد بإخراجه البخاري، فرواه في "كتاب الاستسقاء" من صحيحه، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان بن سعيد الثوري، به . ورواه في التفسير من وجه آخر فقال: حدثنا يحيى بن سليمان، حدثنا ابن وهب، حدثني عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر: أن أباه حدثه أن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مفاتيح الغيب خمس". ثم قرأ: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام} انفرد به أيضا .

Bölüm V06/P352–V06/P353

ورواه الإمام أحمد عن غندر، عن شعبة، عن عمر بن محمد؛ أنه سمع أباه يحدث، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} . [حديث ابن مسعود، رضي الله عنه: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة قال: قال عبد الله : أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم مفاتيح كل شيء غير خمس: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} ] . وكذا رواه عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، به. وزاد في آخره: قال: قلت له: أنت سمعته من عبد الله؟ قال: نعم. أكثر من خمسين مرة . ورواه أيضا عن وكيع، عن مسعر، عن عمرو بن مرة به . وهذا إسناد حسن على شرط أصحاب السنن ولم يخرجوه. حديث أبي هريرة: قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق، عن جرير، عن أبي حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما بارزا للناس، إذ أتاه رجل يمشي، فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: "الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، وتؤمن بالبعث الآخر". قال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: "الإسلام: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". فقال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: "الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها، فذاك من أشراطها. وإذا كان الحفاة العراة رؤوس الناس، فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله. {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام} ، ثم انصرف الرجل فقال: "ردوه علي". فأخذوا ليردوه، فلم يروا شيئا، فقال: "هذا جبريل، جاء ليعلم الناس دينهم" . ورواه البخاري أيضا في "كتاب الإيمان"، ومسلم من طرق، عن أبي حيان، به . وقد تكلمنا عليه في أول شرح البخاري. وذكرنا ثم حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في ذلك بطوله، وهو من أفراد مسلم .

Bölüm V06/P353–V06/P354

حديث ابن عباس: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، حدثنا عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا له، فأتاه جبريل فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا كفيه على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، [حدثني] ما الإسلام؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تسلم وجهك لله عز وجل، وتشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله". قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: "إذا فعلت ذلك فقد أسلمت". قال: يا رسول الله، فحدثني ما الإيمان؟ قال: "الإيمان: أن تؤمن بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، وتؤمن بالموت، وبالحياة بعد الموت، وتؤمن بالجنة والنار، والحساب والميزان، وتؤمن بالقدر كله خيره وشره". قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: "إذا فعلت ذلك فقد آمنت". قال: يا رسول الله، حدثني ما الإحسان؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإحسان أن تعمل لله كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك". قال: يا رسول الله، فحدثني متى الساعة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله. في خمس لا يعلمهن إلا هو: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} ، ولكن إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك؟ ". قال: أجل، يا رسول الله، فحدثني. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيت الأمة ولدت ربتها -أو: ربها -ورأيت أصحاب الشاء يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاة الجياع العالة [كانوا رؤوس الناس، فذلك من معالم الساعة وأشراطها". قال: يا رسول الله، ومن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟ قال: "العرب"] . حديث غريب، ولم يخرجوه. حديث رجل من بني عامر: روى الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن رجل من بني عامر؛ أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أألج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه: "اخرجي إليه، فإنه لا يحسن الاستئذان فقولي له: فليقل: "السلام عليكم، أأدخل؟ " قال: فسمعته يقول ذلك، فقلت: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن، فدخلت، فقلت: بم أتيتنا به؟ قال: "لم آتكم إلا بخير، أتيتكم أن تعبدوا الله وحده لا شريك له، وأن تدعوا اللات والعزى، وأن تصلوا بالليل والنهار خمس صلوات؛ وأن تصوموا من السنة شهرا، وأن تحجوا البيت، وأن تأخذوا الزكاة من مال أغنيائكم فتردوها على فقرائكم". قال: فقال: فهل بقي من العلم شيء لا تعلمه؟ قال: "قد علم الله عز وجل خيرا، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله عز وجل: الخمس: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} . وهذا إسناد صحيح. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: جاء رجل من أهل البادية فقال: إن امرأتي حبلى، فأخبرني ما تلد؟ وبلادنا جدبة، فأخبرني متى ينزل الغيث؟ وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت؟ فأنزل الله عز وجل: {إن الله عنده علم الساعة [وينزل الغيث] } ، إلى قوله: {إن الله عليم خبير} . قال مجاهد: وهي مفاتيح الغيب التي قال الله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} [الأنعام: 59] . رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير. وقال الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت: من حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: {وما تدري نفس ماذا تكسب غدا} .

Bölüm V06/P354–V06/P356

وقوله: {وما تدري نفس بأي أرض تموت} : قال قتادة: أشياء استأثر الله بهن، فلم يطلع عليهن ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا {إن الله عنده علم الساعة} ، فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة، في أي سنة أو في أي شهر، أو ليل أو نهار، {وينزل الغيث} ، فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث، ليلا أو نهارا، {ويعلم ما في الأرحام} ، فلا يعلم أحد ما في الأرحام، أذكر أم أنثى، أحمر أو أسود، وما هو، {وما تدري نفس ماذا تكسب غدا} ، أخير أم شر، ولا تدري يا ابن آدم متى تموت؟ لعلك الميت غدا، لعلك المصاب غدا، {وما تدري نفس بأي أرض تموت} ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض، أفي بحر أم بر، أو سهل أو جبل؟ وقد جاء في الحديث: "إذا أراد الله قبض عبد بأرض، جعل له إليها حاجة"، فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير، في مسند أسامة بن زيد: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي المليح، عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما جعل الله ميتة عبد بأرض إلا جعل له فيها حاجة" . وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن مطر بن عكامس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا قضى الله ميتة عبد بأرض، جعل له إليها حاجة". وهكذا رواه الترمذي في "القدر"، من حديث سفيان الثوري، به . ثم قال: "حسن غريب، ولا يعرف لمطر عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث. وقد رواه أبو داود في "المراسيل"، فالله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي المليح بن أسامة عن أبي عزة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله قبض روح عبد بأرض جعل له فيها -أو قال: بها -حاجة". وأبو عزة هذا هو: يسار بن عبد الله، ويقال: ابن عبد الهذلي. وأخرجه الترمذي من حديث إسماعيل [بن إبراهيم -وهو ابن علية ، وقال: صحيح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأصفهاني، حدثنا المؤمل بن إسماعيل] ، حدثنا عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن أبي عزة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله قبض عبد بأرض، جعل له إليها حاجة، فلم ينته حتى يقدمها". ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} . حديث آخر: قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن ثابت الجحدري ومحمد بن يحيى القطعي قالا حدثنا عمر بن علي، حدثنا إسماعيل، عن قيس، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة". ثم قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدا يرفعه إلا عمر بن علي المقدمي. وقال ابن أبي الدنيا: حدثني سليمان بن أبي مسيح قال: أنشدني محمد بن الحكم لأعشى همدان: فما تزود مما كان يجمعه سوى حنوط غداة البين مع خرق وغير نفحة أعواد تشب له وقل ذلك من زاد لمنطلق! لا تأسين على شيء فكل فتى إلى منيته سيار في عنق وكل من ظن أن الموت يخطئه معلل بأعاليل من الحمق بأيما بلدة تقدر منيته إن لا يسير إليها طائعا يسق أورده الحافظ ابن عساكر، رحمه الله، في ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث، وهو أعشى همدان، وكان الشعبي زوج أخته، وهو مزوج بأخت الشعبي أيضا، وقد كان ممن طلب العلم وتفقه، ثم عدل إلى صناعة الشعر فعرف به.

Bölüm V06/P356–V06/P358

وقد رواه ابن ماجه عن أحمد بن ثابت وعمر بن شبة، كلاهما عن عمر بن علي مرفوعا: "إذا كان أجل أحدكم بأرض أوثبته إليها حاجة، فإذا بلغ أقصى أثره ، قبضه الله عز وجل، فتقول الأرض يوم القيامة: رب، هذا ما أودعتني" . قال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب، عن أبي المليح، عن أسامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما جعل الله منية عبد بأرض، إلا جعل له إليها حاجة" . [آخر تفسير سورة "لقمان" والحمد لله رب العالمين، وهو حسبنا ونعم الوكيل] تفسير سورة السجدة وهي مكية. قال البخاري في "كتاب الجمعة": حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر يوم الجمعة: {الم تنزيل} السجدة، و {هل أتى على الإنسان} . ورواه مسلم أيضا من حديث سفيان الثوري، به. وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا الحسن بن صالح، عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ {الم تنزيل} السجدة و {تبارك الذي بيده الملك} تفرد به أحمد. {الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون } . قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة "البقرة" بما أغنى عن إعادته. وقوله: {تنزيل الكتاب لا ريب فيه} أي: لا شك فيه ولا مرية أنه نزل، {من رب العالمين} . ثم قال مخبرا عن المشركين: {أم يقولون افتراه} ، بل يقولون: {افتراه} أي: اختلقه من تلقاء نفسه، {بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون} أي يتبعون الحق. {الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم } . يخبر تعالى أنه الخالق للأشياء، فخلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش. وقد تقدم الكلام على ذلك. {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} أي: بل هو المالك لأزمة الأمور، الخالق لكل شيء، المدبر لكل شيء، القادر على كل شيء، فلا ولي لخلقه سواه، ولا شفيع إلا من بعد إذنه. {أفلا تتذكرون} يعني: أيها العابدون غيره، المتوكلون على من عداه -تعالى وتقدس وتنزه أن يكون له نظير أو شريك أو نديد، أو وزير أو عديل، لا إله إلا هو ولا رب سواه. وقد أورد النسائي هاهنا حديثا فقال: حدثنا إبراهيم بن يعقوب، حدثني محمد بن الصباح، حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا الأخضر بن عجلان، عن أبي جريج المكي، عن عطاء، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيدي فقال: "إن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش في اليوم السابع، فخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، والمكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة في آخر ساعة من النهار بعد العصر، وخلقه من أديم الأرض، بأحمرها وأسودها، وطيبها وخبيثها، من أجل ذلك جعل الله من بني آدم الطيب والخبيث". هكذا أورد هذا الحديث إسنادا ومتنا، وقد أخرج مسلم والنسائي أيضا من حديث الحجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من هذا السياق.

Bölüm V06/P358–V06/P360

وقد علله البخاري في كتاب "التاريخ الكبير" فقال: "وقال بعضهم: أبو هريرة عن كعب الأحبار وهو أصح"، وكذا علله غير واحد من الحفاظ، والله أعلم. وقوله: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه} أي: يتنزل أمره من أعلى السموات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة، كما قال الله تعالى: {الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} [الطلاق: 12] . وترفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا، ومسافة ما بينها وبين الأرض [مسيرة] خمسمائة سنة، وسمك السماء خمسمائة سنة. وقال مجاهد، وقتادة، والضحاك: النزول من الملك في مسيرة خمسمائة عام، وصعوده في مسيرة خمسمائة عام، ولكنه يقطعها في طرفة عين؛ ولهذا قال تعالى: {في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} . {ذلك عالم الغيب والشهادة} أي: المدبر لهذه الأمور الذي هو شهيد على أعمال عباده، يرفع إليه جليلها وحقيرها، وصغيرها وكبيرها -هو {العزيز} الذي قد عز كل شيء فقهره وغلبه، ودانت له العباد والرقاب، {الرحيم} بعباده المؤمنين. فهو عزيز في رحمته، رحيم في عزته [وهذا هو الكمال: العزة مع الرحمة، والرحمة مع العزة، فهو رحيم بلا ذل] . {الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون } . يقول تعالى: إنه الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها. وقال مالك، عن زيد بن أسلم: {الذي أحسن كل شيء خلقه} قال: أحسن خلق كل شيء. كأنه جعله من المقدم والمؤخر. ثم لما ذكر خلق السموات والأرض، شرع في ذكر خلق الإنسان فقال: {وبدأ خلق الإنسان من طين} يعني: خلق أبا البشر آدم من طين. {ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} أي: يتناسلون كذلك من نطفة تخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة. {ثم سواه} يعني: آدم، لما خلقه من تراب خلقه سويا مستقيما، {ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} ، يعني: العقول، {قليلا ما تشكرون} أي: بهذه القوى التي رزقكموها الله عز وجل. فالسعيد من استعملها في طاعة ربه عز وجل. {وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون } يقول تعالى مخبرا عن المشركين في استبعادهم المعاد حيث قالوا: {أئذا ضللنا في الأرض} أي: تمزقت أجسامنا وتفرقت في أجزاء الأرض وذهبت، {أئنا لفي خلق جديد} ؟ أي: أئنا لنعود بعد تلك الحال؟! يستبعدون ذلك، وهذا إنما هو بعيد بالنسبة إلى قدرتهم العاجزة، لا بالنسبة إلى قدرة الذي بدأهم وخلقهم من العدم، الذي إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون؛ ولهذا قال: {بل هم بلقاء ربهم كافرون} . ثم قال: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} ، الظاهر من هذه الآية أن ملك الموت شخص معين من الملائكة، كما هو المتبادر من حديث البراء المتقدم ذكره في سورة "إبراهيم"، وقد سمي في بعض الآثار بعزرائيل، وهو المشهور، قاله قتادة وغير واحد، وله أعوان. وهكذا ورد في الحديث أن أعوانه ينتزعون الأرواح من سائر الجسد، حتى إذا بلغت الحلقوم تناولها ملك الموت. قال مجاهد: حويت له الأرض فجعلت له مثل الطست، يتناول منها حيث يشاء. ورواه زهير بن محمد عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه مرسلا. وقاله ابن عباس، رضي الله عنهما.

Bölüm V06/P360–V06/P361

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن أبي يحيى المقري، حدثنا عمرو بن شمر عن جعفر بن محمد قال: سمعت أبي يقول: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يا ملك الموت، ارفق بصاحبي فإنه مؤمن". فقال ملك الموت: يا محمد، طب نفسا وقر عينا فإني بكل مؤمن رفيق، واعلم أن ما في الأرض بيت مدر ولا شعر، في بر ولا بحر، إلا وأنا أتصفحه في كل يوم خمس مرات، حتى إني أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله يا محمد، لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها. قال جعفر: بلغني أنه إنما يتصفحهم عند مواقيت الصلاة، فإذا حضرهم عند الموت فإن كان ممن يحافظ على الصلاة دنا منه الملك، ودفع عنه الشيطان، ولقنه الملك: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" في تلك الحال العظيمة. وقال عبد الرزاق: حدثنا محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن ميسرة قال: سمعت مجاهدا يقول ما على ظهر الأرض من بيت شعر أو مدر إلا وملك الموت يطيف به كل يوم مرتين. وقال كعب الأحبار: والله ما من بيت فيه أحد من أهل الدنيا إلا وملك الموت يقوم على بابه كل يوم سبع مرات. ينظر هل فيه أحد أمر أن يتوفاه. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {ثم إلى ربكم ترجعون} أي: يوم معادكم وقيامكم من قبوركم لجزائكم. {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون } . يخبر تعالى عن حال المشركين يوم القيامة، وحالهم حين عاينوا البعث، وقاموا بين يدي الله حقيرين ذليلين، ناكسي رؤوسهم، أي: من الحياء والخجل، يقولون: {ربنا أبصرنا وسمعنا} أي: نحن الآن نسمع قولك ونطيع أمرك، كما قال تعالى: {أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا} [مريم: 38] . وكذلك يعودون على أنفسهم بالملامة إذا دخلوا النار بقولهم: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك:10] . وهكذا هؤلاء يقولون: {ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا} أي: إلى الدار الدنيا، {نعمل صالحا إنا موقنون} أي: قد أيقنا وتحققنا أن وعدك حق ولقاءك حق، وقد علم الرب تعالى منهم أنه لو أعادهم إلى الدار الدنيا لكانوا كما كانوا فيها كفارا يكذبون آيات الله ويخالفون رسله، كما قال: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين. بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} [الأنعام: 27-29] . وقال هاهنا {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} ، كما قال تعالى {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} [يونس: 99] . {ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} أي: من الصنفين، فدارهم النار لا محيد لهم عنها ولا محيص لهم منها، نعوذ بالله وكلماته التامة من ذلك. {فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا} أي: يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ: ذوقوا [هذا] العذاب بسبب تكذيبكم به، واستبعادكم وقوعه، وتناسيكم له؛ إذ عاملتموه معاملة من هو ناس له، {إنا نسيناكم} أي: [إنا] سنعاملكم معاملة الناسي؛ لأنه تعالى لا ينسى شيئا ولا يضل عنه شيء، بل من باب المقابلة، كما قال تعالى: {اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا} [الجاثية: 34] . وقوله: {وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون} أي: بسبب كفركم وتكذيبكم، كما قال في الآية الأخرى: {لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا. إلا حميما وغساقا جزاء وفاقا. إنهم كانوا لا يرجون حسابا. وكذبوا بآياتنا كذابا. وكل شيء أحصيناه كتابا. فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا} [النبأ: 24-30] .

Bölüm V06/P361–V06/P363

{إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } . يقول تعالى: {إنما يؤمن بآياتنا} أي: إنما يصدق بها {الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا} أي: استمعوا لها وأطاعوها قولا وفعلا {وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون} [أي] عن اتباعها والانقياد لها، كما يفعله الجهلة من الكفرة الفجرة، [وقد] قال الله تعالى: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر:60] . ثم قال [تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} يعني بذلك: قيام الليل، وترك النوم والاضطجاع على الفرش الوطيئة. قال مجاهد والحسن في قوله تعالى] : {تتجافى جنوبهم} يعني بذلك: قيام الليل. وعن أنس، وعكرمة، ومحمد بن المنكدر، وأبي حازم، وقتادة: هو الصلاة بين العشاءين. وعن أنس أيضا: هو انتظار صلاة العتمة. رواه ابن جرير بإسناد جيد. وقال الضحاك: هو صلاة العشاء في جماعة، وصلاة الغداة في جماعة. {يدعون ربهم خوفا وطمعا} أي: خوفا من وبال عقابه، وطمعا في جزيل ثوابه، {ومما رزقناهم ينفقون} ، فيجمعون بين فعل القربات اللازمة والمتعدية، ومقدم هؤلاء وسيدهم وفخرهم في الدنيا والآخرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال عبد الله بن رواحة، رضي الله عنه: وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروف من الصبح ساطع [أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع] يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع وقال الإمام أحمد: حدثنا روح وعفان قالا حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا عطاء بن السائب، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عجب ربنا من رجلين: رجل ثار من وطائه ولحافه، ومن بين أهله وحيه إلى صلاته، [فيقول ربنا: أيا ملائكتي، انظروا إلى عبدي، ثار من فراشه ووطائه، ومن بين حيه وأهله إلى صلاته] رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي. ورجل غزا في سبيل الله، عز وجل، فانهزموا، فعلم ما عليه من الفرار، وما له في الرجوع، فرجع حتى أهريق دمه، رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي. فيقول الله، عز وجل للملائكة: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي، ورهبة مما عندي، حتى أهريق دمه". وهكذا رواه أبو داود في "الجهاد"، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، به بنحوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصبحت يوما قريبا منه، ونحن نسير، فقلت: يا نبي الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار. قال: "لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت". ثم قال: "ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل". ثم قرأ: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} ، حتى بلغ {يعملون} . ثم قال: "ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ " فقلت: بلى، يا رسول الله. فقال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله". ثم قال: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ " فقلت: بلى، يا نبي الله. فأخذ بلسانه ثم قال: "كف عليك هذا". فقلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به. فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم -إلا حصائد ألسنتهم".

Bölüm V06/P363–V06/P365

رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم، من طرق عن معمر، به. وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه ابن جرير من حديث شعبة، عن الحكم قال: سمعت عروة بن النزال يحدث عن معاذ بن جبل؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تكفر الخطيئة، وقيام العبد في جوف الليل"، وتلا هذه الآية: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون} . ورواه أيضا من حديث الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن الحكم، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، ومن حديث الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، والحكم عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ مرفوعا بنحوه. ومن حديث حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن شهر، عن معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم، في قوله تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} قال: "قيام العبد من الليل". وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا فطر بن خليفة، عن حبيب بن أبي ثابت، والحكم، وحكيم بن جبير، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فقال: "إن شئت أنبأتك بأبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل"، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون} . ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، جاء مناد فنادى بصوت يسمع الخلائق: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم. ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} الآية، فيقومون وهم قليل". وقال البزار: حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا الوليد بن عطاء بن الأغر، حدثنا عبد الحميد بن سليمان، حدثني مصعب، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قال بلال لما نزلت هذه الآية: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} [الآية] ، كنا نجلس في المجلس، وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون بعد المغرب إلى العشاء، فنزلت هذه الآية: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} . ثم قال: لا نعلم روى أسلم عن بلال سواه، وليس له طريق عن بلال غير هذه الطريق . وقوله: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} أي: فلا يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم، واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد، لما أخفوا أعمالهم أخفى الله لهم من الثواب، جزاء وفاقا؛ فإن الجزاء من جنس العمل. قال الحسن [البصري] : أخفى قوم عملهم فأخفى الله لهم ما لم تر عين، ولم يخطر على قلب بشر. رواه ابن أبي حاتم. قال البخاري: قوله: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} الآية: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". قال أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} . قال: وحدثنا سفيان، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال الله مثله . قيل لسفيان: رواية؟ قال: فأي شيء؟. ورواه مسلم والترمذي من حديث سفيان بن عيينة، به . وقال الترمذي: حسن صحيح.

Bölüm V06/P365–V06/P366

ثم قال البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ذخرا من بله ما أطلعتم عليه"، ثم قرأ: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} . قال أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، قرأ أبو هريرة: "قرات أعين". انفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى قال: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". أخرجاه في الصحيحين من رواية عبد الرزاق . ورواه الترمذي في التفسير، وابن جرير، من حديث عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه، قال حماد: أحسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة، به. وروى الإمام أحمد: حدثنا هارون، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر، أن أبا حازم حدثه قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي، رضي الله عنه، يقول: شهدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا وصف فيه الجنة، حتى انتهى، ثم قال في آخر حديثه: "فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"، ثم قرأ هذه الآية: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع [يدعون ربهم خوفا وطمعا] } ، إلى قوله: {يعملون} . وأخرجه مسلم في صحيحه عن هارون بن معروف، وهارون بن سعيد، كلاهما عن ابن وهب، به. وقال ابن جرير: حدثني العباس بن أبي طالب، حدثنا معلى بن أسد، حدثنا سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يروي عن ربه، عز وجل، قال: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". لم يخرجوه. وقال مسلم أيضا في صحيحه: حدثنا ابن أبي عمر وغيره، حدثنا سفيان، حدثنا مطرف بن طريف وعبد الملك بن سعيد، سمعا الشعبي يخبر عن المغيرة بن شعبة قال: سمعته على المنبر -يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم -قال: "سأل موسى، عليه السلام ربه عز وجل: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة. فيقول: أي رب، كيف وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب. فيقول: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب. فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك. فيقول: رضيت رب. قال: رب، فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر"، قال: ومصداقه من كتاب الله: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} . ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر، وقال: حسن صحيح، قال: ورواه بعضهم عن الشعبي، عن المغيرة ولم يرفعه، والمرفوع أصح.

Bölüm V06/P366–V06/P368

قال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن منير المدائني، حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، حدثنا زياد بن خيثمة، عن محمد بن جحادة، عن عامر بن عبد الواحد قال: بلغني أن الرجل من أهل الجنة يمكث في مكانه سبعين سنة، ثم يلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه، فتقول له: قد أنى لك أن يكون لنا منك نصيب؟ فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من المزيد. فيمكث معها سبعين سنة، ثم يلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه، فتقول له: قد أنى لك أن يكون لنا منك نصيب، فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا التي قال الله: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} . وقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: تدخل عليهم الملائكة في مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات، معهم التحف من الله من جنات عدن ما ليس في جناتهم، وذلك قوله: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} ، ويخبرون أن الله عنهم راض. وقال ابن جرير: حدثنا سهل بن موسى الرازي، حدثنا الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن أبي اليمان الهوزني -أو غيره -قال: الجنة مائة درجة، أولها درجة فضة وأرضها فضة، ومساكنها فضة، [وآنيتها فضة] وترابها المسك. والثانية ذهب، وأرضها ذهب، ومساكنها ذهب، وآنيتها ذهب، وترابها المسك. والثالثة لؤلؤ، وأرضها لؤلؤ، ومساكنها اللؤلؤ، وآنيتها اللؤلؤ، وترابها المسك. وسبع وتسعون بعد ذلك، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ثم تلا هذه الآية: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا معتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن الروح الأمين قال: "يؤتى بحسنات العبد وسيئاته، ينقص بعضها من بعض، فإن بقيت حسنة [واحدة] وسع الله له في الجنة"، قال: فدخلت على "يزداد" فحدث بمثل هذا الحديث، قال: فقلت: فأين ذهبت الحسنة؟ قال: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون} [الأحقاف: 16] . قلت: قوله تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} ، قال: العبد يعمل سرا أسره إلى الله، لم يعلم به الناس، فأسر الله له يوم القيامة قرة أعين. {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون } {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون } يخبر تعالى عن عدله [وكرمه] أنه لا يساوي في حكمه يوم القيامة من كان مؤمنا بآياته متبعا لرسله، بمن كان فاسقا، أي: خارجا عن طاعة ربه مكذبا لرسله إليه ، كما قال تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} [الجاثية: 21] ، وقال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} [ص: 28] ، وقال تعالى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} [الحشر: 20] ؛ ولهذا قال تعالى هاهنا: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} أي: عند الله يوم القيامة.

Bölüm V06/P368–V06/P370

وقد ذكر عطاء بن يسار والسدي وغيرهما: أنها نزلت في علي بن أبي طالب، وعقبة بن أبي معيط؛ ولهذا فصل حكمهم فقال: {أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: صدقت قلوبهم بآيات الله وعملوا بمقتضاها ، وهي الصالحات {فلهم جنات المأوى} أي: التي فيها المساكن والدور والغرف العالية {نزلا} أي: ضيافة وكرامة {بما كانوا يعملون. وأما الذين فسقوا} أي: خرجوا عن الطاعة، {فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} كقوله: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها} الآية [الحج: 22] . قال الفضيل بن عياض: والله إن الأيدي لموثقة، وإن الأرجل لمقيدة، وإن اللهب ليرفعهم والملائكة تقمعهم. {وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} أي: يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا. وقوله: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون [لعلهم يرجعون] } قال ابن عباس: يعني بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها، وما يحل بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه. وروي مثله عن أبي بن كعب، وأبي العالية، والحسن، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وعلقمة، وعطية، ومجاهد، وقتادة، وعبد الكريم الجزري، وخصيف. وقال ابن عباس -في رواية عنه -: يعني به إقامة الحدود عليهم. وقال البراء بن عازب، ومجاهد، وأبو عبيدة: يعني به عذاب القبر. وقال النسائي: أخبرنا عمرو بن علي، أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص وأبي عبيدة ، عن عبد الله: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر} قال: سنون أصابتهم. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني عبد الله بن عمر القواريري، حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن عزرة ، عن الحسن العرني، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أبي ليلى عن أبي بن كعب في هذه الآية: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر} قال: المصيبات والدخان قد مضيا، والبطشة واللزام. ورواه مسلم من حديث شعبة، به موقوفا نحوه. وعند البخاري عن ابن مسعود، نحوه. وقال عبد الله بن مسعود أيضا، في رواية عنه: العذاب الأدنى: ما أصابهم من القتل والسبي يوم بدر. وكذا قال مالك، عن زيد بن أسلم. قال السدي وغيره: لم يبق بيت بمكة إلا دخله الحزن على قتيل لهم أو أسير، فأصيبوا أو غرموا ، ومنهم من جمع له الأمران. وقوله: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها} أي: لا أظلم ممن ذكره الله بآياته وبينها له ووضحها، ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها وتناساها، كأنه لا يعرفها. قال قتادة، رحمه الله: إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإن من أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر الغرة، وأعوز أشد العوز ، وعظم من أعظم الذنوب. ولهذا قال تعالى متهددا لمن فعل ذلك: {إنا من المجرمين منتقمون} أي: سأنتقم ممن فعل ذلك أشد الانتقام. وقال ابن جرير: حدثني عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عبد العزيز بن عبيد الله، عن عبادة بن نسي، عن جنادة بن أبي أمية عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ثلاث من فعلهن فقد أجرم، من عقد لواء في غير حق، أو عق والديه، أو مشى مع ظالم ينصره، فقد أجرم، يقول الله تعالى: {إنا من المجرمين منتقمون} ورواه ابن أبي حاتم، من حديث إسماعيل بن عياش، به، وهذا حديث غريب جدا. {ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني إسرائيل وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله موسى، عليه السلام، أنه آتاه الكتاب وهو التوراة.

Sorular