Qur'an&Sunnah

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

Bölüm V08/P389–V08/P391

وقيل: المراد بذلك العشر الأول من المحرم، حكاه أبو جعفر ابن جرير ولم يعزه إلى أحد وقد روى أبو كدينة، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس: {وليال عشر} قال: هو العشر الأول من رمضان. والصحيح القول الأول؛ قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا عياش بن عقبة، حدثني خير بن نعيم، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر". ورواه النسائي عن محمد بن رافع وعبدة بن عبد الله، كل منهما عن زيد بن الحباب، به ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم، من حديث زيد بن الحباب، به وهذا إسناد رجاله لا بأس بهم، وعندي أن المتن في رفعه نكارة، والله أعلم. وقوله: {والشفع والوتر} قد تقدم في هذا الحديث أن الوتر يوم عرفة، لكونه التاسع، وأن الشفع يوم النحر لكونه العاشر. وقاله ابن عباس، وعكرمة، والضحاك أيضا. قول ثان: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثني عقبة بن خالد، عن واصل ابن السائب قال: سألت عطاء عن قوله: {والشفع والوتر} قلت: صلاتنا وترنا هذا؟ قال: لا ولكن الشفع يوم عرفة، والوتر ليلة الأضحى. قول ثالث: قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عامر بن إبراهيم الأصبهاني، حدثني أبي، عن النعمان -يعني ابن عبد السلام-عن أبي سعيد بن عوف، حدثني بمكة قال: سمعت عبد الله ابن الزبير يخطب الناس، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن الشفع والوتر. فقال: الشفع قول الله، عز وجل: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} والوتر قوله: {ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] . وقال ابن جريج: أخبرني محمد بن المرتفع أنه سمع ابن الزبير يقول: الشفع أوسط أيام التشريق، والوتر آخر أيام التشريق. وفي الصحيحين من رواية أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر" . قول رابع: قال الحسن البصري، وزيد بن أسلم: الخلق كلهم شفع، ووتر، أقسم تعالى بخلقه. وهو رواية عن مجاهد، والمشهور عنه الأول. وقال العوفي، عن ابن عباس: {والشفع والوتر} قال: الله وتر واحد، وأنتم شفع. ويقال: الشفع صلاة الغداة، والوتر: صلاة المغرب. قول خامس: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: {والشفع والوتر} قال: الشفع الزوج، والوتر: الله عز وجل. وقال أبو عبد الله، عن مجاهد: الله الوتر، وخلقه الشفع، الذكر والأنثى. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: {والشفع والوتر} كل شيء خلقه الله شفع، السماء والأرض، والبر والبحر، والجن والإنس، والشمس والقمر، ونحو هذا. ونحا مجاهد في هذا ما ذكروه في قوله تعالى: {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} [الذاريات:49] أي: لتعلموا أن خالق الأزواج واحد. قول سادس: قال قتادة، عن الحسن: {والشفع والوتر} هو العدد، منه شفع ومنه وتر. قول سابع: في الآية الكريمة رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق ابن جريج، ثم قال ابن جرير: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر يؤيد القول الذي ذكرنا عن أبي الزبير: حدثني عبد الله بن أبي زياد القطواني، حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني عياش بن عقبة، حدثني خير بن نعيم، عن أبي الزبير، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الشفع اليومان، والوتر اليوم الثالث" . هكذا ورد هذا الخبر بهذا اللفظ، وهو مخالف لما تقدم من اللفظ في رواية أحمد والنسائي وابن أبي حاتم، وما رواه هو أيضا، والله أعلم. قال أبو العالية، والربيع بن أنس، وغيرهما: هي الصلاة، منها شفع كالرباعية والثنائية، ومنها وتر كالمغرب، فإنها ثلاث، وهي وتر النهار. وكذلك صلاة الوتر في آخر التهجد من الليل.

Bölüm V08/P391–V08/P393

وقد قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن عمران بن حصين: {والشفع والوتر} قال: هي الصلاة المكتوبة، منها شفع ومنها وتر. وهذا منقطع وموقوف، ولفظه خاص بالمكتوبة. وقد روي متصلا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه عام، قال الإمام أحمد: حدثنا أبو داود -هو الطيالسي-حدثنا همام، عن قتادة، عن عمران بن عصام: أن شيخا حدثه من أهل البصرة، عن عمران بن حصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الشفع والوتر، فقال: "هي الصلاة، بعضها شفع، وبعضها وتر" . هكذا وقع في المسند، وكذا رواه ابن جرير عن بندار، عن عفان وعن أبي كريب، عن عبيد الله بن موسى، كلاهما عن همام -وهو ابن يحيى-عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن شيخ، عن عمران بن حصين وكذا رواه أبو عيسى الترمذي، عن عمرو بن علي، عن ابن مهدي وأبي داود، كلاهما عن همام، عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن رجل من أهل البصرة، عن عمران بن حصين، به. ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث قتادة، وقد رواه خالد بن قيس أيضا عن قتادة . وقد روي عن عمران بن عصام، عن عمران نفسه، والله أعلم. قلت: ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام عن قتادة، عن عمران بن عصام الضبعي -شيخ من أهل البصرة-عن عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، هكذا رأيته في تفسيره، فجعل الشيخ البصري هو عمران بن عصام [الضبعي] . وهكذا رواه ابن جرير: حدثنا نصر بن علي، حدثني أبي، حدثني خالد بن قيس، عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشفع والوتر قال: "هي الصلاة منها شفع، ومنها وتر" . فأسقط ذكر الشيخ المبهم، وتفرد به عمران بن عصام الضبعي أبو عمارة البصري، إمام مسجد بني ضبيعة وهو والد أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي. روى عنه قتادة، وابنه أبو جمرة والمثنى بن سعيد، وأبو التياح يزيد بن حميد. وذكره ابن حبان في كتاب الثقات وذكره خليفة ابن خياط في التابعين من أهل البصرة، وكان شريفا نبيلا حظيا عند الحجاج بن يوسف، ثم قتله يوم الزاوية سنة ثلاث وثمانين لخروجه مع ابن الأشعث، وليس له عند الترمذي سوى هذا الحديث الواحد. وعندي أن وقفه على عمران بن حصين أشبه، والله أعلم. ولم يجزم ابن جرير بشيء من هذه الأقوال في الشفع والوتر. وقوله: {والليل إذا يسر} قال العوفي، عن ابن عباس: أي إذا ذهب. وقال عبد الله بن الزبير: {والليل إذا يسر} حتى يذهب بعضه بعضا. وقال مجاهد، وأبو العالية، وقتادة، ومالك، عن زيد بن أسلم وابن زيد: {والليل إذا يسر} إذا سار. وهذا يمكن حمله على ما قاله ابن عباس، أي: ذهب. ويحتمل أن يكون المراد إذا سار، أي: أقبل. وقد يقال: إن هذا أنسب؛ لأنه في مقابلة قوله: {والفجر} فإن الفجر هو إقبال النهار وإدبار الليل، فإذا حمل قوله: {والليل إذا يسر} على إقباله كان قسما بإقبال الليل وإدبار النهار، وبالعكس، كقوله: {والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس} [التكوير:17، 18] . وكذا قال الضحاك: { [والليل] إذا يسر} أي: يجري. وقال عكرمة: {والليل إذا يسر} يعني: ليلة جمع. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عامر، حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو قال: سمعت محمد بن كعب القرظي، يقول في قوله: {والليل إذا يسر} قال: اسر يا سار ولا تبين إلا بجمع.

Bölüm V08/P393–V08/P394

وقوله: {هل في ذلك قسم لذي حجر} أي: لذي عقل ولب وحجا [ودين] وإنما سمي العقل حجرا لأنه يمنع الإنسان من تعاطي ما لا يليق به من الأفعال والأقوال، ومنه حجر البيت لأنه يمنع الطائف من اللصوق بجداره الشامي. ومنه حجر اليمامة، وحجر الحاكم على فلان: إذا منعه التصرف، {ويقولون حجرا محجورا} [الفرقان:22] ، كل هذا من قبيل واحد، ومعنى متقارب، وهذا القسم هو بأوقات العبادة، وبنفس العبادة من حج وصلاة وغير ذلك من أنواع القرب التي يتقرب بها [إليه عباده] المتقون المطيعون له، الخائفون منه، المتواضعون لديه، الخاشعون لوجهه الكريم. ولما ذكر هؤلاء وعبادتهم وطاعتهم قال بعده: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد} وهؤلاء كانوا متمردين عتاة جبارين، خارجين عن طاعته مكذبين لرسله، جاحدين لكتبه. فذكر تعالى كيف أهلكهم ودمرهم، وجعلهم أحاديث وعبرا، فقال: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد} وهؤلاء عاد الأولى، وهم أولاد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح، قاله ابن إسحاق وهم الذين بعث الله فيهم رسوله هودا، عليه السلام، فكذبوه وخالفوه، فأنجاه الله من بين أظهرهم ومن آمن معه منهم، وأهلكهم بريح صرصر عاتية، {سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية} [الحاقة:7، 8] وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير ما موضع، ليعتبر بمصرعهم المؤمنون. فقوله تعالى: {إرم ذات العماد} عطف بيان؛ زيادة تعريف بهم. وقوله: {ذات العماد} لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع بالأعمدة الشداد، وقد كانوا أشد الناس في زمانهم خلقة وأقواهم بطشا، ولهذا ذكرهم هود بتلك النعمة وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم، فقال: {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله [لعلكم تفلحون] } [الأعراف:69] . وقال تعالى: {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة} [فصلت:15] ، وقال هاهنا: {التي لم يخلق مثلها في البلاد} أي: القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم، لقوتهم وشدتهم وعظم تركيبهم. قال مجاهد: إرم: أمة قديمة. يعني: عادا الأولى، كما قال قتادة بن دعامة، والسدي: إن إرم بيت مملكة عاد. وهذا قول حسن جيد قوي. وقال مجاهد، وقتادة، والكلبي في قوله: {ذات العماد} كانوا أهل عمود لا يقيمون. وقال العوفي، عن ابن عباس: إنما قيل لهم: {ذات العماد} لطولهم. واختار الأول ابن جرير، ورد الثاني فأصاب. وقوله: {التي لم يخلق مثلها في البلاد} أعاد ابن زيد الضمير على العماد؛ لارتفاعها، وقال: بنوا عمدا بالأحقاف لم يخلق مثلها في البلاد. وأما قتادة وابن جرير فأعاد الضمير على القبيلة، أي: لم يخلق مثل تلك القبيلة في البلاد، يعني في زمانهم. وهذا القول هو الصواب، وقول ابن زيد ومن ذهب مذهبه ضعيف؛ لأنه لو كان أراد ذلك لقال: التي لم يعمل مثلها في البلاد، وإنما قال: {لم يخلق مثلها في البلاد} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثنا معاوية بن صالح، عمن حدثه، عن المقدام، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر إرم ذات العماد فقال: "كان الرجل منهم يأتي على صخرة فيحملها على الحي فيهلكهم" . ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو الطاهر، حدثنا أنس بن عياض، عن ثور بن زيد الديلي. قال: قرأت كتابا -قد سمى حيث قرأه-: أنا شداد بن عاد، وأنا الذي رفعت العماد، وأنا الذي شددت بذراعي نظر واحد، وأنا الذي كنزت كنزا على سبعة أذرع، لا يخرجه إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

Bölüm V08/P394–V08/P396

قلت: فعلى كل قول سواء كانت العماد أبنية بنوها، أو أعمدة بيوتهم للبدو، أو سلاحا يقاتلون به، أو طول الواحد منهم -فهم قبيلة وأمة من الأمم، وهم المذكورون في القرآن في غير ما موضع، المقرونون بثمود كما هاهنا، والله أعلم. ومن زعم أن المراد بقوله: {إرم ذات العماد} مدينة إما دمشق، كما روي عن سعيد بن المسيب وعكرمة، أو إسكندرية كما روي عن القرظي أو غيرهما، ففيه نظر، فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد} إن جعل ذلك بدلا أو عطف بيان، فإنه لا يتسق الكلام حينئذ. ثم المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد، وما أحل الله بهم من بأسه الذي لا يرد، لا أن المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم. وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عند هذه الآية، من ذكر مدينة يقال لها: {إرم ذات العماد} مبنية بلبن الذهب والفضة، قصورها ودورها وبساتينها، وإن حصباءها لآلئ وجواهر، وترابها بنادق المسك، وأنهارها سارحة، وثمارها ساقطة، ودورها لا أنيس بها، وسورها وأبوابها تصفر، ليس بها داع ولا مجيب. وأنها تنتقل فتارة تكون بأرض الشام، وتارة باليمن، وتارة بالعراق، وتارة بغير ذلك من البلاد -فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين، من وضع بعض زنادقتهم، ليختبروا بذلك عقول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك. وذكر الثعلبي وغيره أن رجلا من الأعراب -وهو عبد الله بن قلابة-في زمان معاوية ذهب في طلب أباعر له شردت، فبينما هو يتيه في ابتغائها، إذ طلع على مدينة عظيمة لها سور وأبواب، فدخلها فوجد فيها قريبا مما ذكرناه من صفات المدينة الذهبية التي تقدم ذكرها، وأنه رجع فأخبر الناس، فذهبوا معه إلى المكان الذي قال فلم يروا شيئا. وقد ذكر ابن أبي حاتم قصة {إرم ذات العماد} هاهنا مطولة جدا، فهذه الحكاية ليس يصح إسنادها، ولو صح إلى ذلك الأعرابي فقد يكون اختلق ذلك، أو أنه أصابه نوع من الهوس والخبال فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج، وليس كذلك. وهذا مما يقطع بعدم صحته. وهذا قريب مما يخبر به كثير من الجهلة والطامعين والمتحيلين، من وجود مطالب تحت الأرض، فيها قناطير الذهب والفضة، وألوان الجواهر واليواقيت واللآلئ والإكسير الكبير، لكن عليها موانع تمنع من الوصول إليها والأخذ منها، فيحتالون على أموال الأغنياء والضعفة والسفهاء، فيأكلونها بالباطل في صرفها في بخاخير وعقاقير، ونحو ذلك من الهذيانات، ويطنزون بهم. والذي يجزم به أن في الأرض دفائن جاهلية وإسلامية وكنوزا كثيرة، من ظفر بشيء منها أمكنه تحويله فأما على الصفة التي زعموها فكذب وافتراء وبهت، ولم يصح في ذلك شيء مما يقولون إلا عن نقلهم أو نقل من أخذ عنهم، والله سبحانه وتعالى الهادي للصواب. وقول ابن جرير: يحتمل أن يكون المراد بقوله: {إرم} قبيلة أو بلدة كانت عاد تسكنها فلذلك لم تصرف فيه نظر؛ لأن المراد من السياق إنما هو الإخبار عن القبيلة، ولهذا قال بعده: {وثمود الذين جابوا الصخر بالواد} يعني: يقطعون الصخر بالوادي. قال ابن عباس: ينحتونها ويخرقونها. وكذا قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد. ومنه يقال: "مجتابي النمار". إذا خرقوها، واجتاب الثوب: إذا فتحه. ومنه الجيب أيضا. وقال الله تعالى: {وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين} [الشعراء:149] . وأنشد ابن جرير وابن أبي حاتم هاهنا قول الشاعر: ألا كل شيء -ما خلا الله-بائد كما باد حي من شنيف ومارد هم ضربوا في كل صماء صعدة بأيد شداد أيدات السواعد وقال ابن إسحاق: كانوا عربا، وكان منزلهم بوادي القرى. وقد ذكرنا قصة "عاد" مستقصاة في سورة "الأعراف" بما أغنى عن إعادته.

Bölüm V08/P396–V08/P397

وقوله: {وفرعون ذي الأوتاد} قال العوفي، عن ابن عباس: الأوتاد: الجنود الذين يشدون له أمره. ويقال: كان فرعون يوتد أيديهم وأرجلهم في أوتاد من حديد يعلقهم بها. وكذا قال مجاهد: كان يوتد الناس بالأوتاد. وهكذا قال سعيد بن جبير، والحسن، والسدي. قال السدي: كان يربط الرجل، كل قائمة من قوائمه في وتد ثم يرسل عليه صخرة عظيمة فتشدخه . وقال قتادة: بلغنا أنه كانت له مطال وملاعب، يلعب له تحتها، من أوتاد وحبال. وقال ثابت البناني، عن أبي رافع: قيل لفرعون {ذي الأوتاد} ؛ لأنه ضرب لامرأته أربعة أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت. وقوله: {الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد} أي: تمردوا وعتوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذية للناس، {فصب عليهم ربك سوط عذاب} أي: أنزل عليهم رجزا من السماء، وأحل بهم عقوبة لا يردها عن القوم المجرمين. وقوله: {إن ربك لبالمرصاد} قال ابن عباس: يسمع ويرى. يعني: يرصد خلقه فيما يعملون، ويجازي كلا بسعيه في الدنيا والأخرى، وسيعرض الخلائق كلهم عليه، فيحكم فيهم بعدله، ويقابل كلا بما يستحقه. وهو المنزه عن الظلم والجور. وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبا جدا -وفي إسناده نظر وفي صحته- فقال: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا يونس الحذاء، عن أبي حمزة البيساني، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معاذ، إن المؤمن لدى الحق أسير. يا معاذ، إن المؤمن لا يسكن روعه ولا يأمن اضطرابه حتى يخلف جسر جهنم خلف ظهره. يا معاذ، إن المؤمن قيده القرآن عن كثير من شهواته، وعن أن يهلك فيها هو بإذن الله، عز وجل، فالقرآن دليله، والخوف محجته، والشوق مطيته، والصلاة كهفه، والصوم جنته، والصدقة فكاكه، والصدق أميره، والحياء وزيره، وربه، عز وجل، من وراء ذلك كله بالمرصاد" . قال ابن أبي حاتم: يونس الحذاء وأبو حمزة مجهولان، وأبو حمزة عن معاذ مرسل. ولو كان عن أبي حمزة لكان حسنا. أي: لو كان من كلامه لكان حسنا. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن أيفع بن عبد الكلاعي: أنه سمعه وهو يعظ الناس يقول: إن لجهنم سبع قناطر -قال: والصراط عليهن، قال: فيحبس الخلائق عند القنطرة الأولى، فيقول: {وقفوهم إنهم مسئولون} [الصافات:24] ، قال: فيحاسبون على الصلاة ويسألون عنها، قال: فيهلك فيها من هلك، وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثانية حوسبوا على الأمانة كيف أدوها، وكيف خانوها؟ قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا. فإذا بلغوا القنطرة الثالثة سئلوا عن الرحم كيف وصلوها وكيف قطعوها؟ قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا. قال: والرحم يومئذ متدلية إلى الهوي في جهنم تقول: اللهم من وصلني فصله، ومن قطعني فاقطعه. قال: وهي التي يقول الله عز وجل: {إن ربك لبالمرصاد} . هكذا أورد هذا الأثر، ولم يذكر تمامه. {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما } يقول تعالى منكرا على الإنسان في اعتقاده إذا وسع الله عليه في الرزق ليختبره في ذلك، فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له وليس كذلك، بل هو ابتلاء وامتحان. كما قال تعالى: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} [المؤمنون:55، 56] . وكذلك في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه وضيق عليه في الرزق، يعتقد أن ذلك من الله إهانة له. قال الله: {كلا} أي: ليس الأمر كما زعم، لا في هذا ولا في هذا، فإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من الحالين، إذا كان غنيا بأن يشكر الله على ذلك، وإذا كان فقيرا بأن يصبر.

Bölüm V08/P397–V08/P399

وقوله: {بل لا تكرمون اليتيم} فيه أمر بالإكرام له، كما جاء في الحديث الذي رواه عبد الله ابن المبارك، عن سعيد بن أبي أيوب، عن يحيى بن سليمان، عن زيد بن أبي عتاب عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه" ثم قال بأصبعه: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" . وقال أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا عبد العزيز -يعني ابن أبي حازم-حدثني أبي، عن سهل -يعني ابن سعد-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة". وقرن بين إصبعيه: الوسطى والتي تلي الإبهام . {ولا تحاضون على طعام المسكين} يعني: لا يأمرون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين، ويحث بعضهم على بعض في ذلك، {وتأكلون التراث} يعني: الميراث {أكلا لما} أي: من أي جهة حصل لهم، من حلال أو حرام، {وتحبون المال حبا جما} أي: كثيرا -زاد بعضهم: فاحشا. {كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى } {يقول يا ليتني قدمت لحياتي فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي } يخبر تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة، فقال: {كلا} أي: حقا {إذا دكت الأرض دكا دكا} أي: وطئت ومهدت وسويت الأرض والجبال، وقام الخلائق من قبورهم لربهم، {وجاء ربك} يعني: لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم، بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحدا بعد واحد، فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم، حتى تنتهي النوبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: "أنا لها، أنا لها". فيذهب فيشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء فيشفعه الله في ذلك، وهي أول الشفاعات، وهي المقام المحمود كما تقدم بيانه في سورة "سبحان" فيجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا. وقوله: {وجيء يومئذ بجهنم} قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، عن العلاء بن خالد الكاهلي، عن شقيق، عن عبد الله -هو ابن مسعود-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها". وهكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عمر بن حفص، به ورواه أيضا عن عبد بن حميد، عن أبي عامر، عن سفيان الثوري، عن العلاء بن خالد، عن شقيق ابن سلمة -وهو أبو وائل-عن عبد الله بن مسعود، قوله ولم يرفعه وكذا رواه ابن جرير، عن الحسن بن عرفة، عن مروان بن معاوية الفزاري، عن العلاء بن خالد، عن شقيق، عن عبد الله، قوله . وقوله: {يومئذ يتذكر الإنسان} أي: عمله وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه، {وأنى له الذكرى} أي: وكيف تنفعه الذكرى؟ {يقول يا ليتني قدمت لحياتي} يعني: يندم على ما كان سلف منه من المعاصي -إن كان عاصيا-ويود لو كان ازداد من الطاعات -إن كان طائعا-كما قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله -يعني ابن المبارك-حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن محمد بن أبي عميرة -وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم-قال: لو أن عبدا خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرما في طاعة الله، لحقره يوم القيامة، ولود أنه يرد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب. ورواه بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عتبة بن عبد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

Bölüm V08/P399–V08/P400

قال الله تعالى: {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد} أي: ليس أحد أشد عذابا من تعذيب الله من عصاه، {ولا يوثق وثاقه أحد} أي: وليس أحد أشد قبضا ووثقا من الزبانية لمن كفر بربهم، عز وجل، هذا في حق المجرمين من الخلائق والظالمين فأما النفس الزكية المطمئنة وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق فيقال لها: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك} أي: إلى جواره وثوابه وما أعد لعباده في جنته، {راضية} أي: في نفسها {مرضية} أي: قد رضيت عن الله ورضي عنها وأرضاها، {فادخلي في عبادي} أي: في جملتهم، {وادخلي جنتي} وهذا يقال لها عند الاحتضار، وفي يوم القيامة أيضا، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره، وكذلك هاهنا. ثم اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية، فروى الضحاك، عن ابن عباس: نزلت في عثمان بن عفان. وعن بريدة بن الحصيب: نزلت في حمزة بن عبد المطلب، رضي الله عنه. وقال العوفي، عن ابن عباس: يقال للأرواح المطمئنة يوم القيامة: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك} يعني: صاحبك، وهو بدنها الذي كانت تعمره في الدنيا، {راضية مرضية} وروي عنه أنه كان يقرؤها: "فادخلي في عبدي وادخلي جنتي". وكذا قال عكرمة والكلبي، واختاره ابن جرير، وهو غريب، والظاهر الأول؛ لقوله: {ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق} [الأنعام:62] {وأن مردنا إلى الله} [غافر:43] أي: إلى حكمه والوقوف بين يديه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي، حدثنا أبي، عن أبيه، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية} قال: نزلت وأبو بكر جالس، فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذا. فقال: "أما إنه سيقال لك هذا" . ثم قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن سعيد بن جبير قال: قرأت عند النبي صلى الله عليه وسلم: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية} فقال أبو بكر، رضي الله عنه: إن هذا حسن. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أما إن الملك سيقول لك هذا عند الموت". وكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن ابن يمان، به. وهذا مرسل حسن . ثم قال ابن أبي حاتم: وحدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا مروان بن شجاع الجزري، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طير لم ير على خلقه فدخل نعشه، ثم لم ير خارجا منه فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر، ما يدرى من تلاها: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} . رواه الطبراني عن عبد الله بن أحمد عن أبيه، عن مروان بن شجاع، عن سالم بن عجلان الأفطس، به فذكره . وقد ذكر الحافظ محمد بن المنذر الهروي -المعروف بشكر-في كتاب "العجائب" بسنده عن قباث بن رزين أبي هاشم قال: أسرت في بلاد الروم، فجمعنا الملك وعرض علينا دينه، على أن من امتنع ضربت عنقه. فارتد ثلاثة، وجاء الرابع فامتنع، فضربت عنقه، وألقي رأسه في نهر هناك، فرسب في الماء ثم طفا على وجه الماء، ونظر إلى أولئك الثلاثة فقال: يا فلان، ويا فلان، ويا فلان -يناديهم بأسمائهم-قال الله تعالى في كتابه: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} ثم غاص في الماء، [قال] فكادت النصارى أن يسلموا، ووقع سرير الملك، ورجع أولئك الثلاثة إلى الإسلام. قال: وجاء الفداء من عند الخليفة أبي جعفر المنصور فخلصنا. وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة رواحة بنت أبي عمرو الأوزاعي، عن أبيها: حدثني سليمان بن حبيب المحاربي، حدثني أبو أمامة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "قل اللهم، إني أسألك نفسا بك مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك" ثم روى عن أبي سليمان بن زبر أنه قال: حديث رواحة هذا واحد أمه.

Bölüm V08/P400–V08/P402

آخر تفسير سورة "الفجر" ولله الحمد [والمنة] . تفسير سورة البلد وهي مكية. بسم الله الرحمن الرحيم {لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد لقد خلقنا الإنسان في كبد أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يقول أهلكت مالا لبدا أيحسب أن لم يره أحد ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين } هذا قسم من الله عز وجل بمكة أم القرى في حال كون الساكن فيها حالا؛ لينبه على عظمة قدرها في حال إحرام أهلها. قال خصيف، عن مجاهد: {لا أقسم بهذا البلد} لا رد عليهم؛ أقسم بهذا البلد. وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: {لا أقسم بهذا البلد} يعني: مكة، {وأنت حل بهذا البلد} قال: أنت -يا محمد-يحل لك أن تقابل به. وكذا روي عن سعيد بن جبير، وأبي صالح، وعطية، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن زيد. وقال مجاهد: ما أصبت فيه فهو حلال لك. وقال قتادة: {وأنت حل بهذا البلد} قال: أنت به من غير حرج ولا إثم. وقال الحسن البصري: أحلها الله له ساعة من نهار. وهذا المعنى الذي قالوه قد ورد به الحديث المتفق على صحته: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره ولا يختلى خلاه. وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد الغائب". وفي لفظ [آخر] فإن أحد ترخص بقتال رسول الله فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم" . وقوله: {ووالد وما ولد} قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عطية، عن شريك، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: {ووالد وما ولد} الوالد: الذي يلد، وما ولد: العاقر الذي لا يولد له. ورواه [ابن جرير و] ابن أبي حاتم، من حديث شريك -وهو ابن عبد الله القاضي-به. وقال عكرمة: الوالد: العاقر، وما ولد: الذي يلد. رواه ابن أبي حاتم. وقال مجاهد، وأبو صالح، وقتادة، والضحاك، وسفيان الثوري، وسعيد بن جبير، والسدي، والحسن البصري، وخصيف، وشرحبيل بن سعد وغيرهم: يعني بالوالد آدم، وما ولد ولده. وهذا الذي ذهب إليه مجاهد وأصحابه حسن قوي؛ لأنه تعالى لما أقسم بأم القرى وهي المساكن أقسم بعده بالساكن، وهو آدم أبو البشر وولده. وقال أبو عمران الجوني: هو إبراهيم وذريته. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. واختار ابن جرير أنه عام في كل والد وولده. وهو محتمل أيضا. وقوله: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} روي عن ابن مسعود، وابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وخيثمة، والضحاك، وغيرهم: يعني منتصبا -زاد ابن عباس في رواية عنه-في بطن أمه. والكبد: الاستواء والاستقامة. ومعنى هذا القول: لقد خلقنا الإنسان سويا مستقيما كقوله: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك} [الانفطار: 6، 7] ، وكقوله {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} [التين:4] . وقال ابن [أبي نجيح] جريج وعطاء عن ابن عباس: في كبد، قال: في شدة خلق، ألم تر إليه ... وذكر مولده ونبات أسنانه. قال مجاهد: {في كبد} نطفة، ثم علقة، ثم مضغة يتكبد في الخلق -قال مجاهد: وهو كقوله: {حملته أمه كرها ووضعته كرها} وأرضعته كرها، ومعيشته كره، فهو يكابد ذلك. وقال سعيد بن جبير: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} في شدة وطلب معيشة. وقال عكرمة: في شدة وطول. وقال قتادة: في مشقة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، سمعت محمد بن علي أبا جعفر الباقر سأل رجلا من الأنصار عن قول الله: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} قال: في قيامه واعتداله. فلم ينكر عليه أبو جعفر. وروى من طريق أبي مودود: سمعت الحسن قرأ هذه الآية: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} قال: يكابد أمرا من أمر الدنيا، وأمرا من أمر الآخرة -وفي رواية: يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة.

Bölüm V08/P402–V08/P404

وقال ابن زيد: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} قال: آدم خلق في السماء، فسمي ذلك الكبد. واختار ابن جرير أن المراد [بذلك] مكابدة الأمور ومشاقها. وقوله: {أيحسب أن لن يقدر عليه أحد} قال الحسن البصري: يعني أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يأخذ ماله. وقال قتادة: {أيحسب أن لن يقدر عليه أحد} قال: ابن آدم يظن أن لن يسأل عن هذا المال: من أين اكتسبه؟ وأين أنفقه؟ وقال السدي: {أيحسب أن لن يقدر عليه أحد} قال: الله عز وجل. وقوله: {يقول أهلكت مالا لبدا} أي: يقول ابن آدم: أنفقت مالا لبدا، أي: كثيرا. قاله مجاهد [والحسن] وقتادة، والسدي، وغيرهم. {أيحسب أن لم يره أحد} قال مجاهد: أي أيحسب أن لم يره الله عز وجل. وكذا قال غيره من السلف. وقوله: {ألم نجعل له عينين} أي: يبصر بهما، {ولسانا} أي: ينطق به، فيعبر عما في ضميره، {وشفتين} يستعين بهما على الكلام وأكل الطعام، وجمالا لوجهه وفمه. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي الربيع الدمشقي، عن مكحول قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: يا ابن آدم، قد أنعمت عليك نعما عظاما لا تحصي عددها ولا تطيق شكرها، وإن مما أنعمت عليك أن جعلت لك عينين تنظر بهما، وجعلت لهما غطاء، فانظر بعينيك إلى ما أحللت لك، وإن رأيت ما حرمت عليك فأطبق عليهما غطاءهما. وجعلت لك لسانا، وجعلت له غلافا، فانطق بما أمرتك وأحللت لك، فإن عرض لك ما حرمت عليك فأغلق عليك لسانك. وجعلت لك فرجا، وجعلت لك سترا، فأصب بفرجك ما أحللت لك، فإن عرض لك ما حرمت عليك فأرخ عليك سترك. يا ابن آدم، إنك لا تحمل سخطي، ولا تطيق انتقامي" . {وهديناه النجدين} قال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله -هو ابن مسعود-: {وهديناه النجدين} قال: الخير والشر. وكذا روي عن علي، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبي وائل، وأبي صالح، ومحمد بن كعب، والضحاك، وعطاء الخراساني في آخرين. وقال عبد الله بن وهب: أخبرني بن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هما نجدان، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير" . تفرد به سنان بن سعد -ويقال: سعد بن سنان -وقد وثقه ابن معين. وقال الإمام أحمد والنسائي والجوزجاني: منكر الحديث. وقال أحمد: تركت حديثه لاضطرابه. وروى خمسة عشر حديثا منكرة كلها، ما أعرف منها حديثا واحدا. يشبه حديثه حديث الحسن -يعني البصري-لا يشبه حديث أنس. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء قال: سمعت الحسن يقول: {وهديناه النجدين} قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "يا أيها الناس، إنهما النجدان، نجد الخير ونجد الشر، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير" . وكذا رواه حبيب بن الشهيد، ويونس بن عبيد، وأبو وهب، عن الحسن مرسلا. وهكذا أرسله قتادة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عيسى ابن عقال عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: {وهديناه النجدين} قال: الثديين. وروي عن الربيع بن خثيم وقتادة وأبي حازم، مثل ذلك. ورواه ابن جرير عن أبي كريب، عن وكيع، عن عيسى بن عقال، به. ثم قال: والصواب القول الأول. ونظير هذه الآية قوله: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} [سورة الإنسان: 2، 3] . {فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة عليهم نار مؤصدة }

Bölüm V08/P404–V08/P406

قال ابن جرير: حدثني عمر بن إسماعيل بن مجالد، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن أبيه، عن عطية، عن ابن عمر في قوله: {فلا اقتحم العقبة} قال: جبل في جهنم. وقال كعب الأحبار: {فلا اقتحم العقبة} هو سبعون درجة في جهنم. وقال الحسن البصري: {فلا اقتحم العقبة} قال: عقبة في جهنم. وقال قتادة: إنها قحمة شديدة فاقتحموها بطاعة الله عز وجل. وقال قتادة {وما أدراك ما العقبة} ثم أخبر عن اقتحامها. فقال: {فك رقبة أو إطعام} وقال ابن زيد: {اقتحم العقبة} أي: أفلا سلك الطريق التي فيها النجاة والخير. ثم بينها فقال: {وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام} قرئ: {فك رقبة} بالإضافة، وقرئ على أنه فعل، وفيه ضمير الفاعل والرقبة مفعوله وكلتا القراءتين معناهما متقارب. قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إبراهيم، حدثنا عبد الله -يعني ابن سعيد بن أبي هند-عن إسماعيل بن أبي حكيم -مولى آل الزبير-عن سعيد بن مرجانة: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب منها إربا منه من النار، حتى إنه ليعتق باليد اليد، وبالرجل الرجل، وبالفرج الفرج". فقال علي بن الحسين: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال سعيد: نعم. فقال علي بن الحسين لغلام له -أفره غلمانه-: ادع مطرفا. فلما قام بين يديه قال: اذهب فأنت حر لوجه الله. وقد رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، من طرق، عن سعيد بن مرجانة، به وعند مسلم أن هذا الغلام الذي أعتقه علي بن الحسين زين العابدين كان قد أعطي فيه عشرة آلاف درهم. وقال قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي نجيح قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أيما مسلم أعتق رجلا مسلما، فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامه عظما من عظام محرره من النار، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامها عظما من عظامها من النار". رواه ابن جرير هكذا وأبو نجيح هذا هو عمرو بن عبسة السلمي، رضي الله عنه. قال الإمام أحمد: حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن عمرو بن عبسة أنه حدثهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من بنى مسجدا ليذكر الله فيه، بنى الله له بيتا في الجنة. ومن أعتق نفسا مسلمة، كانت فديته من جهنم. ومن شاب شيبة في الإسلام، كانت له نورا يوم القيامة" . طريق أخرى: قال أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا حريز؛ عن سليم بن عامر: أن شرحبيل بن السمط قال لعمرو بن عبسة حدثنا حديثا ليس فيه تزيد ولا نسيان. قال عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أعتق رقبة مسلمة كانت فكاكه من النار، عضوا بعضو. ومن شاب شيبة في سبيل الله، كانت له نورا يوم القيامة، ومن رمى بسهم فبلغ فأصاب أو أخطأ، كان كمعتق رقبة من بني إسماعيل" . وروى أبو داود، والنسائي بعضه . طريق أخرى: قال أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الفرج، حدثنا لقمان، عن أبي أمامة، عن عمرو بن عبسة قال السلمي قلت له: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيه انتقاص ولا وهم. قال: سمعته يقول: "من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث، أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورا يوم القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل الله، بلغ به العدو، أصاب أو أخطأ، كان له عتق رقبة. ومن أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار، ومن أنفق زوجين في سبيل الله، فإن للجنة ثمانية أبواب، يدخله الله من أي باب شاء منها" . وهذه أسانيد جيدة قوية، ولله الحمد [والمنة] .

Bölüm V08/P406–V08/P408

حديث آخر: قال أبو داود: حدثنا عيسى بن محمد الرملي، حدثنا ضمرة، عن ابن أبي عبلة، عن الغريف بن الديلمي قال: أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا له: حدثنا حديثا ليس فيه زيادة ولا نقصان. فغضب وقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته، فيزيد وينقص. قلنا: إنما أردنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب -يعني النار-بالقتل، فقال: "أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار". وكذا رواه النسائي من حديث إبراهيم بن أبي عبلة، عن الغريف بن عياش الديلمي، عن واثلة، به . حديث آخر: قال أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا هشام، عن قتادة، عن قيس الجذامي، عن عقبة بن عامر الجهني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أعتق رقبة مسلمة فهو فداؤه من النار" . وحدثنا عبد الوهاب الخفاف، عن سعيد، عن قتادة قال: ذكر أن قيسا الجذامي حدث عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار" . تفرد به أحمد من هذا الوجه. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم وأبو أحمد قالا حدثنا عيسى بن عبد الرحمن البجلي -من بني بجيلة-من بني سليم -عن طلحة-قال أبو أحمد: حدثنا طلحة بن مصرف -عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، علمني عملا يدخلني الجنة. فقال: "لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة. أعتق النسمة، وفك الرقبة". فقال: يا رسول الله، أوليستا بواحدة؟ قال: "لا إن عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها. والمنحة الوكوف، والفيء على ذي الرحم الظالم؛ فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من الخير" . وقوله: {أو إطعام في يوم ذي مسغبة} قال ابن عباس: ذي مجاعة. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وغير واحد. والسغب: هو الجوع. وقال إبراهيم النخعي: في يوم الطعام فيه عزيز. وقال قتادة: في يوم يشتهى فيه الطعام. وقوله: {يتيما} أي: أطعم في مثل هذا اليوم يتيما، {ذا مقربة} أي: ذا قرابة منه. قاله ابن عباس، وعكرمة، والحسن، والضحاك، والسدي. كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا هشام، عن حفصة بنت سيرين، عن سليمان بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان، صدقة وصلة". وقد رواه الترمذي والنسائي وهذا إسناد صحيح. وقوله: {أو مسكينا ذا متربة} أي: فقيرا مدقعا لاصقا بالتراب، وهو الدقعاء أيضا. قال ابن عباس: {ذا متربة} هو المطروح في الطريق الذي لا بيت له، ولا شيء يقيه من التراب -وفي رواية: هو الذي لصق بالدقعاء من الفقر والحاجة، ليس له شيء -وفي رواية عنه: هو البعيد التربة. قال ابن أبي حاتم: يعني الغريب عن وطنه. وقال عكرمة: هو الفقير المديون المحتاج. وقال سعيد بن جبير: هو الذي لا أحد له. وقال ابن عباس، وسعيد، وقتادة، ومقاتل بن حيان: هو ذو العيال. وكل هذه قريبة المعنى. وقوله: {ثم كان من الذين آمنوا} أي: ثم هو مع هذه الأوصاف الجميلة الطاهرة مؤمن بقلبه، محتسب ثواب ذلك عند الله عز وجل. كما قال تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} [الإسراء: 19] وقال {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن} الآية [النحل: 97] . وقوله: {وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة} أي: كان من المؤمنين العاملين صالحا، المتواصين بالصبر على أذى الناس، وعلى الرحمة بهم. كما جاء في الحديث: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" وفي الحديث الآخر: "لا يرحم الله من لا يرحم الناس" .

Bölüm V08/P408–V08/P410

وقال أبو داود: حدثنا [أبو بكر] بن أبي شيبة، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن ابن عامر عن عبد الله بن عمرو -يرويه-قال: "من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا، فليس منا" . وقوله: {أولئك أصحاب الميمنة} أي: المتصفون بهذه الصفات من أصحاب اليمين. ثم قال: {والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة} أي: أصحاب الشمال، {عليهم نار مؤصدة} أي: مطبقة عليهم، فلا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها. قال أبو هريرة، وابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومحمد بن كعب القرظي، وعطية العوفي، والحسن، وقتادة، والسدي: {مؤصدة} أي: مطبقة -قال ابن عباس: مغلقة الأبواب. وقال مجاهد: أصد الباب بلغة قريش: أي أغلقه. وسيأتي في ذلك حديث في سورة: {ويل لكل همزة لمزة} وقال الضحاك: {مؤصدة} حيط لا باب له. وقال قتادة: {مؤصدة} مطبقة فلا ضوء فيها ولا فرج، ولا خروج منها آخر الأبد. وقال أبو عمران الجوني: إذا كان يوم القيامة أمر الله بكل جبار وكل شيطان وكل من كان يخاف الناس في الدنيا شره، فأوثقوا في الحديد، ثم أمر بهم إلى جهنم، ثم أوصدوها عليهم، أي: أطبقوها -قال: فلا والله لا تستقر أقدامهم على قرار أبدا، ولا والله لا ينظرون فيها إلى أديم سماء أبدا، ولا والله لا تلتقي جفون أعينهم على غمض نوم أبدا،. ولا والله لا يذوقون فيها بارد شراب أبدا. رواه ابن أبي حاتم. آخر تفسير سورة "البلد" ولله الحمد والمنة تفسير سورة والشمس وضحاها وهي مكية. تقدم حديث جابر الذي في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: "هلا صليت ب {سبح اسم ربك الأعلى} {والشمس وضحاها} {والليل إذا يغشى} ؟ بسم الله الرحمن الرحيم {والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } قال مجاهد: {والشمس وضحاها} أي: وضوئها. وقال قتادة: {وضحاها} النهار كله. قال ابن جرير: والصواب أن يقال: أقسم الله بالشمس ونهارها؛ لأن ضوء الشمس الظاهر هو النهار . {والقمر إذا تلاها} قال مجاهد: تبعها. وقال العوفي، عن ابن عباس: {والقمر إذا تلاها} قال: يتلو النهار. وقال قتادة: {إذا تلاها} ليلة الهلال، إذا سقطت الشمس رؤي الهلال. وقال ابن زيد: هو يتلوها في النصف الأول من الشهر، ثم هي تتلوه. وهو يتقدمها في النصف الأخير من الشهر. وقال مالك، عن زيد بن أسلم: إذا تلاها ليلة القدر. وقوله: {والنهار إذا جلاها} قال مجاهد: أضاء. وقال قتادة: {والنهار إذا جلاها} إذا غشيها النهار. قال ابن جرير: وكان بعض أهل العربية يتأول ذلك بمعنى: والنهار إذا جلا الظلمة، لدلالة الكلام عليها. قلت: ولو أن هذا القائل تأول [ذلك] بمعنى {والنهار إذا جلاها} أي: البسيطة، لكان أولى، ولصح [تأويله في] قول الله {والليل إذا يغشاها} فكان أجود وأقوى، والله أعلم. ولهذا قال مجاهد: {والنهار إذا جلاها} إنه كقوله: {والنهار إذا تجلى} [الليل: 2] . وأما ابن جرير فاختار عود الضمير في ذلك كله على الشمس، لجريان ذكرها. وقالوا في قوله: {والليل إذا يغشاها} يعني: إذا يغشى الشمس حين تغيب، فتظلم الآفاق. وقال بقية بن الوليد، عن صفوان، حدثني يزيد بن ذي حمامة قال: إذا جاء الليل قال الرب جل جلاله: غشي عبادي خلقي العظيم، فالليل يهابه، والذي خلقه أحق أن يهاب. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {والسماء وما بناها} يحتمل أن تكون "ما" هاهنا مصدرية، بمعنى: والسماء وبنائها. وهو قول قتادة، ويحتمل أن تكون بمعنى "من" يعني: والسماء وبانيها. وهو قول مجاهد، وكلاهما متلازم، والبناء هو الرفع، كقوله: {والسماء بنيناها بأيد} أي: بقوة {وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون} [الذاريات: 47، 48] . وهكذا قوله: {والأرض وما طحاها} قال مجاهد: {طحاها} دحاها. وقال العوفي، عن ابن عباس: {وما طحاها} أي: خلق فيها. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {طحاها} قسمها. وقال مجاهد، وقتادة والضحاك، والسدي، والثوري، وأبو صالح، وابن زيد: {طحاها} بسطها.

Bölüm V08/P410–V08/P412

وهذا أشهر الأقوال، وعليه الأكثر من المفسرين، وهو المعروف عند أهل اللغة، قال الجوهري: طحوته مثل دحوته، أي: بسطته. وقوله: {ونفس وما سواها} أي: خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة، كما قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ ". أخرجاه من رواية أبي هريرة وفي صحيح مسلم من رواية عياض بن حمار المجاشعي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" . وقوله: {فألهمها فجورها وتقواها} أي: فأرشدها إلى فجورها وتقواها، أي: بين لها ذلك، وهداها إلى ما قدر لها. قال ابن عباس: {فألهمها فجورها وتقواها} بين لها الخير والشر. وكذا قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، والثوري. وقال سعيد بن جبير: ألهمها الخير والشر. وقال ابن زيد: جعل فيها فجورها وتقواها. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا صفوان بن عيسى وأبو عاصم النبيل قالا حدثنا عزرة بن ثابت، حدثني يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل فيه الناس ويتكادحون فيه، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم، وأكدت عليهم الحجة؟ قلت: بل شيء قضي عليهم. قال: فهل يكون ذلك ظلما؟ قال: ففزعت منه فزعا شديدا، قال: قلت له: ليس شيء إلا وهو خلقه وملك يده، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. قال: سددك الله، إنما سألت لأخبر عقلك، إن رجلا من مزينة -أو جهينة-أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق، أم شيء مما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم، وأكدت به عليهم الحجة؟ قال: "بل شيء قد قضي عليهم". قال: ففيم نعمل؟ قال: "من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه لها، وتصديق ذلك في كتاب الله: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها} رواه أحمد ومسلم، من حديث عزرة بن ثابت به . وقوله: {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} يحتمل أن يكون المعنى: قد أفلح من زكى نفسه، أي: بطاعة الله -كما قال قتادة-وطهرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل. ويروى نحوه عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير. وكقوله: {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى: 14، 15] . {وقد خاب من دساها} أي: دسسها، أي: أخملها ووضع منها بخذلانه إياها عن الهدى، حتى ركب المعاصي وترك طاعة الله عز وجل. وقد يحتمل أن يكون المعنى: قد أفلح من زكى الله نفسه، وقد خاب من دسى الله نفسه، كما قال العوفي وعلي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي وأبو زرعة قالا حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا أبو مالك -يعني عمرو بن هشام-عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قول الله: {قد أفلح من زكاها} قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أفلحت نفس زكاها الله" . ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي مالك، به. وجويبر [هذا] هو ابن سعيد، متروك الحديث، والضحاك لم يلق ابن عباس. وقال الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بهذه الآية: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها} وقف، ثم قال: "اللهم آت نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وخير من زكاها" .

Bölüm V08/P412–V08/P414

حديث آخر: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يعقوب بن حميد المدني، حدثنا عبد الله بن عبد الله الأموي، حدثنا معن بن محمد الغفاري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ: {فألهمها فجورها وتقواها} قال: "اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" لم يخرجوه من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن نافع -عن ابن عمر-عن صالح بن سعيد، عن عائشة: أنها فقدت النبي صلى الله عليه وسلم من مضجعه، فلمسته بيدها، فوقعت عليه وهو ساجد، وهو يقول: "رب، أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" تفرد به. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث، عن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم، إني أعوذ بك من العجز والكسل والهرم، والجبن والبخل وعذاب القبر. اللهم، آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم، إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، وعلم لا ينفع، ودعوة لا يستجاب لها". قال زيد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمناهن ونحن نعلمكوهن. رواه مسلم من حديث أبي معاوية، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث -وأبي عثمان النهدي، عن زيد بن أرقم، به . {كذبت ثمود بطغواها إذ انبعث أشقاها فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها } يخبر تعالى عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم، بسبب ما كانوا عليه من الطغيان والبغي. وقال محمد بن كعب: {بطغواها} أي: بأجمعها. والأول أولى، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما. فأعقبهم ذلك تكذيبا في قلوبهم بما جاءهم به رسولهم من الهدى واليقين. {إذ انبعث أشقاها} أي: أشقى القبيلة، هو قدار بن سالف عاقر الناقة، وهو أحيمر ثمود، وهو الذي قال تعالى: {فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر} [القمر: 29] . وكان هذا الرجل عزيزا فيهم، شريفا في قومه، نسيبا رئيسا مطاعا، كما قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الناقة، وذكر الذي عقرها، فقال: " {إذ انبعث أشقاها} انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه، مثل أبي زمعة". ورواه البخاري في التفسير، ومسلم في صفة النار، والترمذي والنسائي في التفسير من سننهما وكذا ابن جرير وابن أبي حاتم [من طرق] عن هشام بن عروة، به . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن محمد بن خثيم عن محمد بن كعب القرظي، عن محمد بن خثيم أبي يزيد عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: "ألا أحدثك بأشقى الناس؟ ". قال: بلى: قال: "رجلان؛ أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذا -يعني قرنه-حتى تبتل منه هذه" يعني: لحيته . وقوله: {فقال لهم رسول الله} يعني: صالحا، عليه السلام: {ناقة الله} أي: احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء، {وسقياها} أي: لا تعتدوا عليها في سقياها، فإن لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم. قال الله: {فكذبوه فعقروها} أي: كذبوه فيما جاءهم به فأعقبهم ذلك أن عقروا الناقة التي أخرجها الله من الصخرة آية لهم وحجة عليهم، {فدمدم عليهم ربهم بذنبهم} أي: غضب عليهم، فدمر عليهم، {فسواها} أي: فجعل العقوبة نازلة عليهم على السواء. قال قتادة: بلغنا أن أحيمر ثمود لم يعقر الناقة حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما اشترك القوم في عقرها دمدم الله عليهم بذنوبهم فسواها. وقوله: {ولا يخاف عقباها} وقرئ: "فلا يخاف عقباها". قال ابن عباس: لا يخاف الله من أحد تبعة. وكذا قال مجاهد، والحسن، وبكر بن عبد الله المزني، وغيرهم.

Bölüm V08/P414–V08/P416

وقال الضحاك والسدي: {ولا يخاف عقباها} أي: لم يخف الذي عقرها عاقبة ما صنع. والقول الأول أولى؛ لدلالة السياق عليه، والله أعلم. آخر تفسير "والشمس وضحاها". تفسير سورة الليل وهي مكية. تقدم قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ: "فهلا صليت ب " سبح اسم ربك الأعلى " " والشمس وضحاها " " والليل إذا يغشى "؟ ". بسم الله الرحمن الرحيم {والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى إن سعيكم لشتى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى وما يغني عنه ماله إذا تردى } قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة: أنه قدم الشام فدخل مسجد دمشق، فصلى فيه ركعتين وقال: اللهم، ارزقني جليسا صالحا. قال: فجلس إلى أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة. قال: كيف سمعت ابن أم عبد يقرأ: {والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى} ؟ قال علقمة: "والذكر والأنثى". فقال أبو الدرداء: لقد سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زال هؤلاء حتى شككوني. ثم قال: ثم ألم يكن فيكم صاحب الوساد وصاحب السر الذي لا يعلمه أحد غيره، والذي أجير من الشيطان على لسان النبي صلى الله عليه وسلم؟ . وقد رواه البخاري هاهنا ومسلم، من طريق الأعمش، عن إبراهيم قال: قدم أصحاب عبد الله على أبي الدرداء، فطلبهم فوجدهم، فقال: أيكم يقرأ علي قراءة عبد الله؟ قالوا: كلنا، قال: أيكم أحفظ؟ فأشاروا إلى علقمة، فقال: كيف سمعته يقرأ: {والليل إذا يغشى} ؟ قال: "والذكر والأنثى". قال: أشهد إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدوني أن أقرأ: {وما خلق الذكر والأنثى} والله لا أتابعهم . هذا لفظ البخاري: هكذا قرأ ذلك ابن مسعود، وأبو الدرداء -ورفعه أبو الدرداء-وأما الجمهور فقرأوا ذلك كما هو مثبت في المصحف الإمام العثماني في سائر الآفاق: {وما خلق الذكر والأنثى} فأقسم تعالى ب {والليل إذا يغشى} أي: إذا غشي الخليقة بظلامه، {والنهار إذا تجلى} أي: بضيائه وإشراقه، {وما خلق الذكر والأنثى} كقوله: {وخلقناكم أزواجا} [النبأ: 8] ، وكقوله: {ومن كل شيء خلقنا زوجين} [الذاريات: 49] . ولما كان القسم بهذه الأشياء المتضادة كان القسم عليه أيضا متضادا؛ ولهذا قال: {إن سعيكم لشتى} أي: أعمال العباد التي اكتسبوها متضادة أيضا ومتخالفة، فمن فاعل خيرا ومن فاعل شرا. قال الله تعالى: {فأما من أعطى واتقى} أي: أعطى ما أمر بإخراجه، واتقى الله في أموره، {وصدق بالحسنى} أي: بالمجازاة على ذلك -قاله قتادة، وقال خصيف: بالثواب. وقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو صالح، وزيد بن أسلم: {وصدق بالحسنى} أي: بالخلف. وقال أبو عبد الرحمن السلمي، والضحاك: {وصدق بالحسنى} أي: بلا إله إلا الله. وفي رواية عن عكرمة: {وصدق بالحسنى} أي: بما أنعم الله عليه. وفي رواية عن زيد بن أسلم: {وصدق بالحسنى} قال: الصلاة والزكاة والصوم. وقال مرة: وصدقة الفطر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا زهير بن محمد، حدثني من سمع أبا العالية الرياحي يحدث عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسنى قال: "الحسنى: الجنة" . وقوله: {فسنيسره لليسرى} قال ابن عباس: يعني للخير. وقال زيد بن أسلم: يعني للجنة. وقال بعض السلف: من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها؛ ولهذا قال تعالى: {وأما من بخل} أي: بما عنده، {واستغنى} قال عكرمة، عن ابن عباس: أي بخل بماله، واستغنى عن ربه، عز وجل. رواه ابن أبي حاتم. {وكذب بالحسنى} أي: بالجزاء في الدار الآخرة.

Bölüm V08/P416–V08/P418

{فسنيسره للعسرى} أي: لطريق الشر، كما قال تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأنعام: 11] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أن الله، عز وجل، يجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان. وكل ذلك بقدر مقدر، والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة: رواية أبي بكر الصديق، رضي الله عنه: قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عياش، حدثني العطاف بن خالد، حدثني رجل من أهل البصرة، عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أبيه قال: سمعت أبي يذكر أن أباه سمع أبا بكر وهو يقول: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أنعمل على ما فرغ منه أو على أمر مؤتنف؟ قال: "بل على أمر قد فرغ منه". قال: ففيم العمل يا رسول الله؟ قال: "كل ميسر لما خلق له" . رواية علي، رضي الله عنه: قال البخاري، حدثنا أبو نعيم: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بقيع الغرقد في جنازة، فقال: "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار". فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل؟ فقال: "اعملوا، فكل ميسر لما خلق له". قال: ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى} إلى قوله: {للعسرى} . وكذا رواه من طريق شعبة ووكيع، عن الأعمش، بنحوه ثم رواه عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن منصور، عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: "ما منكم من أحد -أو: ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة". فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكل وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى أهل الشقاء؟ فقال: "أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فييسرون إلى عمل أهل الشقاء". ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى} الآية . وقد أخرجه بقية الجماعة، من طرق، عن سعد بن عبيدة، به . رواية عبد الله بن عمر: وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة عن عاصم بن عبيد الله قال: سمعت سالم بن عبد الله يحدث عن ابن عمر: قال: قال عمر: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل فيه؟ أفي أمر قد فرغ أو مبتدأ أو مبتدع؟ قال: " فيما قد فرغ منه، فاعمل يا ابن الخطاب، فإن كلا ميسر، أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء". ورواه الترمذي في القدر، عن بندار، عن ابن مهدي، به وقال: حسن صحيح. حديث آخر من رواية جابر: قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو ابن الحارث، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله أنه قال: يا رسول الله، أنعمل لأمر قد فرغ منه، أو لأمر نستأنفه؟ فقال: "لأمر قد فرغ منه". فقال سراقة: ففيم العمل إذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل عامل ميسر لعمله". ورواه مسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، به .

Bölüm V08/P418–V08/P419

حديث آخر: قال ابن جرير: حدثني يونس، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طلق ابن حبيب، عن بشير بن كعب العدوي قال: سأل غلامان شابان النبي صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله، أنعمل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أو في شيء يستأنف؟ فقال: "بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير". قالا ففيم العمل إذا؟ قال: "اعملوا فكل عامل ميسر لعمله الذي خلق له". قالا فالآن نجد ونعمل . رواية أبي الدرداء: قال الإمام أحمد: حدثنا هيثم بن خارجة، حدثنا أبو الربيع سليمان بن عتبة السلمي، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء قال: قالوا: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل، أمر قد فرغ منه أم شيء نستأنفه؟ قال: "بل أمر قد فرغ منه". قالوا: فكيف بالعمل يا رسول الله؟ قال: "كل امرئ مهيأ لما خلق له" . تفرد به أحمد من هذا الوجه. حديث آخر: قال ابن جرير: حدثني الحسن بن سلمة بن أبي كبشة، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا عباد بن راشد، عن قتادة، حدثني خليد العصري، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان بصوت يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين: اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا". وأنزل الله في ذلك القرآن: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} . ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن ابن أبي كبشة، بإسناده مثله. حديث آخر: قال ابن أبي حاتم: حدثني أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عمر العداني، حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رجلا كان له نخل، ومنها نخلة فرعها إلى دار رجل صالح فقير ذي عيال، فإذا جاء الرجل فدخل داره وأخذ الثمر من نخلته، فتسقط الثمرة فيأخذها صبيان الفقير فنزل من نخلته فنزع الثمرة من أيديهم، وإن أدخل أحدهم الثمرة في فمه أدخل أصبعه في حلق الغلام ونزع الثمرة من حلقه. فشكا ذلك الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبره بما هو فيه من صاحب النخلة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اذهب". ولقي النبي صلى الله عليه وسلم صاحب النخلة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أعطني نخلتك التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة" فقال له: لقد أعطيت، ولكن يعجبني ثمرها، وإن لي لنخلا كثيرا ما فيها نخلة أعجب إلي ثمرة من ثمرها. فذهب النبي صلى الله عليه وسلم فتبعه رجل كان يسمع الكلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صاحب النخلة. فقال الرجل: يا رسول الله، إن أنا أخذت النخلة فصارت لي النخلة فأعطيتها أتعطيني بها ما أعطيته بها نخلة في الجنة؟ قال: "نعم". ثم إن الرجل لقي صاحب النخلة، ولكلاهما نخل، فقال له: أخبرك أن محمدا، [قد] أعطاني بنخلتي المائلة في دار فلان نخلة في الجنة، فقلت، له: قد أعطيت ولكن يعجبني ثمرها. فسكت عنه الرجل، فقال له: أتراك إذا بعتها؟ قال: لا إلا أن أعطى بها شيئا، ولا أظنني أعطاه. قال: وما مناك بها ؟ قال: أربعون نخلة. فقال الرجل: لقد جئت بأمر عظيم، نخلتك تطلب بها أربعين نخلة؟! ثم سكتا وأنشأ في كلام [آخر] ثم قال: أنا أعطيتك أربعين نخلة، فقال: أشهد لي إن كنت صادقا. فأمر بأناس فدعاهم فقال: اشهدوا أني قد أعطيته من نخلي أربعين نخلة بنخلته التي فرعها في دار فلان ابن فلان. ثم قال: ما تقول؟ فقال صاحب النخلة: قد رضيت. ثم قال بعد: ليس بيني وبينك بيع لم نفترق قال له: قد أقالك الله، ولست بأحمق حين أعطيتك أربعين نخلة بنخلتك المائلة. فقال صاحب النخلة: قد رضيت على أن تعطيني الأربعين على ما أريد. قال: تعطينيها على ساق. ثم مكث ساعة، ثم قال: هي لك على ساق وأوقف له شهودا وعد له أربعين نخلة على ساق، فتفرقا، فذهب الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن النخلة المائلة في دار فلان قد صارت لي، فهي لك. فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرجل صاحب الدار فقال له: "النخلة لك ولعيالك". قال عكرمة: قال ابن عباس: فأنزل الله عز وجل: {والليل إذا يغشى} إلى قوله: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} إلى آخر السورة .

Bölüm V08/P419–V08/P421

هكذا رواه ابن أبي حاتم، وهو حديث غريب جدا. قال ابن جرير: وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه: حدثني هارون ابن إدريس الأصم، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد ابن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناسا ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالا جلداء يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟! فقال: أي أبت، إنما أريد -أظنه قال -ما عند الله: قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية أنزلت فيه: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى} . وقوله: {وما يغني عنه ماله إذا تردى} قال مجاهد: أي إذا مات. وقال أبو صالح، ومالك عن زيد بن أسلم: إذا تردى في النار. {إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى فأنذرتكم نارا تلظى } {لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى } قال قتادة: {إن علينا للهدى} أي: نبين الحلال والحرام. وقال غيره: من سلك طريق الهدى وصل إلى الله. وجعله كقوله تعالى: {وعلى الله قصد السبيل} [النحل: 9] . حكاه ابن جرير. وقوله: {وإن لنا للآخرة والأولى} أي: الجميع ملكنا وأنا المتصرف فيهما. وقوله: {فأنذرتكم نارا تلظى} قال مجاهد: أي توهج. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، سمعت النعمان بن بشير يخطب يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: "أنذركم النار [أنذرتكم النار، أنذرتكم النار] حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا. قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه . وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني أبو إسحاق: سمعت النعمان ابن بشير يخطب ويقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منها دماغه". رواه البخاري وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا، وإنه لأهونهم عذابا" . وقوله: {لا يصلاها إلا الأشقى} أي: لا يدخلها دخولا يحيط به من جميع جوانبه إلا الأشقى. ثم فسره فقال: {الذي كذب} أي: بقلبه، {وتولى} أي: عن العمل بجوارحه وأركانه. قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عبد ربه بن سعيد، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل النار إلا شقي". قيل: ومن الشقي؟ قال: "الذي لا يعمل بطاعة، ولا يترك لله معصية" . وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس وسريج قالا حدثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى". قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى". ورواه البخاري عن محمد بن سنان، عن فليح، به وقوله: {وسيجنبها الأتقى} أي: وسيزحزح عن النار التقي النقي الأتقى. ثم فسره بقوله: {الذي يؤتي ماله يتزكى} أي: يصرف ماله في طاعة ربه؛ ليزكي نفسه وماله وما وهبه الله من دين ودنيا.

Bölüm V08/P421–V08/P422

{وما لأحد عنده من نعمة تجزى} أي: ليس بذله حاله في مكافأة من أسدى إليه معروفا، فهو يعطي في مقابلة ذلك، وإنما دفعه ذلك {ابتغاء وجه ربه الأعلى} أي: طمعا في أن يحصل له رؤيته في الدار الآخرة في روضات الجنات، قال الله تعالى: {ولسوف يرضى} أي: ولسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات. وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك. ولا شك أنه داخل فيها، وأولى الأمة بعمومها، فإن لفظها لفظ العموم، وهو قوله تعالى: {وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى} ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة؛ فإنه كان صديقا تقيا كريما جوادا بذالا لأمواله في طاعة مولاه، ونصرة رسول الله، فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده منة يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل؛ ولهذا قال له عروة بن مسعود -وهو سيد ثقيف، يوم صلح الحديبية-: أما والله لولا يد لك كانت عندي لم أجزك بها لأجبتك. وكان الصديق قد أغلظ له في المقالة، فإذا كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل، فكيف بمن عداهم؟ ولهذا قال: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى} وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أنفق زوجين في سبيل الله دعته خزنة الجنة: يا عبد الله، هذا خير"، فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما على من يدعى منها ضرورة فهل يدعى منها كلها أحد؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم" . آخر تفسير سورة "الليل" ولله الحمد والمنة تفسير سورة الضحى وهي مكية. روينا من طريق أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة المقرئ قال: قرأت على عكرمة بن سليمان، وأخبرني أنه قرأ على إسماعيل بن قسطنطين وشبل بن عباد، فلما بلغت " والضحى " قالا لي: كبر حتى تختم مع خاتمة كل سورة، فإنا قرأنا على ابن كثير فأمرنا بذلك. وأخبرنا أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك. وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس فأمره بذلك، وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أبي بن كعب فأمره بذلك، وأخبره أبي أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بذلك . فهذه سنة تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي، من ولد القاسم بن أبي بزة، وكان إماما في القراءات، فأما في الحديث فقد ضعفه أبو حاتم الرازي وقال: لا أحدث عنه، وكذلك أبو جعفر العقيلي قال: هو منكر الحديث. لكن حكى الشيخ شهاب الدين أبو شامة في شرح الشاطبية عن الشافعي أنه سمع رجلا يكبر هذا التكبير في الصلاة، فقال له: أحسنت وأصبت السنة. وهذا يقتضي صحة هذا الحديث. ثم اختلف القراء في موضع هذا التكبير وكيفيته، فقال بعضهم: يكبر من آخر " والليل إذا يغشى " وقال آخرون: من آخر " والضحى " وكيفية التكبير عند بعضهم أن يقول: الله أكبر ويقتصر، ومنهم من يقول الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر. وذكر الفراء في مناسبة التكبير من أول سورة "الضحى": أنه لما تأخر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتر تلك المدة [ثم] جاءه الملك فأوحى إليه: " والضحى والليل إذا سجى " السورة بتمامها، كبر فرحا وسرورا. ولم يرو ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف، فالله أعلم . بسم الله الرحمن الرحيم {والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث }

Bölüm V08/P422–V08/P424

قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن الأسود بن قيس قال: سمعت جندبا يقول: اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتت امرأة فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك. فأنزل الله عز وجل: {والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى} . رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن جرير، من طرق، عن الأسود بن قيس، عن جندب -هو ابن عبد الله البجلي ثم العلقي به وفي رواية سفيان بن عيينة عن الأسود بن قيس: سمع جندبا قال: أبطأ جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المشركون: ودع محمد. فأنزل الله: {والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى} . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وعمرو بن عبد الله الأودي قالا حدثنا أبو أسامة، حدثني سفيان، حدثني الأسود بن قيس، أنه سمع جندبا يقول: رمي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر في أصبعه فقال: هل أنت إلا إصبع دميت في سبيل الله ما لقيت? قال: فمكث ليلتين أو ثلاثا لا يقوم، فقالت له امرأة: ما أرى شيطانك إلا قد تركتك فنزلت: {والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى} والسياق لأبي سعيد. قيل: إن هذه المرأة هي: أم جميل امرأة أبي لهب، وذكر أن أصبعه، عليه السلام، دميت. وقوله -هذا الكلام الذي اتفق أنه موزون-ثابت في الصحيحين ولكن الغريب هاهنا جعله سببا لتركه القيام، ونزول هذه السورة. فأما ما رواه ابن جرير: حدثنا ابن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني، عن عبد الله ابن شداد: أن خديجة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أرى ربك إلا قد قلاك. فأنزل الله: {والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى} وقال أيضا: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، فجزع جزعا شديدا، فقالت خديجة: إني أرى ربك قد قلاك مما نرى من جزعك. قال: فنزلت: {والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى} إلى آخرها . فإنه حديث مرسل من [هذين الوجهين] ولعل ذكر خديجة ليس محفوظا، أو قالته على وجه التأسف والتحزن، والله أعلم. وقد ذكر بعض السلف -منهم ابن إسحاق-أن هذه السورة هي التي أوحاها جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين تبدى له في صورته التي خلقه الله عليها، ودنا إليه وتدلى منهبطا عليه وهو بالأبطح، {فأوحى إلى عبده ما أوحى} [النجم: 10] . قال: قال له هذه السورة: {والضحى والليل إذا سجى} قال العوفي، عن ابن عباس: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، أبطأ عنه جبريل أياما، فتغير بذلك، فقال المشركون: ودعه ربه وقلاه. فأنزل الله: {ما ودعك ربك وما قلى} وهذا قسم منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء، {والليل إذا سجى} أي: سكن فأظلم وادلهم. قاله مجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، وغيرهم. وذلك دليل ظاهر على قدرة خالق هذا وهذا. كما قال: {والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى} [الليل: 1، 2] ، وقال: {فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم} [الأنعام: 96] . وقوله: {ما ودعك ربك} أي: ما تركك، {وما قلى} أي: وما أبغضك، {وللآخرة خير لك من الأولى} أي: والدار الآخرة خير لك من هذه الدار. ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا، وأعظمهم لها إطراحا، كما هو معلوم [بالضرورة] من سيرته. ولما خير، عليه السلام، في آخر عمره بين الخلد في الدنيا إلى آخرها ثم الجنة، وبين الصيرورة إلى الله عز وجل، اختار ما عند الله على هذه الدنيا الدنية.

Sorular

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm · 140 · Qur'an & Sunnah