Qur'an&Sunnah

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

Bölüm V04/P565–V04/P566

وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم: أول جبار كان في الأرض نمرود، فبعث الله عليه بعوضة، فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه، وكان جبارا أربعمائة سنة، فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته الله. وهو الذي كان بنى صرحا إلى السماء، وهو الذي قال الله: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} وقال آخرون: بل هو بختنصر. وذكروا من المكر الذي حكى الله هاهنا، كما قال في سورة إبراهيم: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} [إبراهيم: 46] . وقال آخرون: هذا من باب المثل، لإبطال ما صنعه هؤلاء الذين كفروا بالله وأشركوا في عبادته غيره، كما قال نوح، عليه السلام: {ومكروا مكرا كبارا} [نوح: 22] أي: احتالوا في إضلال الناس بكل حيلة وأمالوهم إلى شركهم بكل وسيلة، كما يقول لهم أتباعهم يوم القيامة: {بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا} [الآية] [سبأ: 33] . وقوله: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} أي: اجتثه من أصله، وأبطل عملهم، وأصلها كما قال تعالى: {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} [المائدة: 64] . وقوله: {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] . وقال هاهنا: {فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ثم يوم القيامة يخزيهم} أي: يظهر فضائحهم، وما كانت تجنه ضمائرهم، فيجعله علانية، كما قال تعالى: {يوم تبلى السرائر} [الطارق: 9] أي: تظهر وتشتهر ، كما في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان" . وهكذا هؤلاء، يظهر للناس ما كانوا يسرونه من المكر، ويخزيهم الله على رءوس الخلائق، ويقول لهم الرب تبارك وتعالى مقرعا لهم وموبخا: {أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم} تحاربون وتعادون في سبيلهم، [أي] : أين هم عن نصركم وخلاصكم هاهنا؟ {هل ينصرونكم أو ينتصرون} [الشعراء: 93] ، {فما له من قوة ولا ناصر} [الطارق: 10] . فإذا توجهت عليهم الحجة، وقامت عليهم الدلالة، وحقت عليهم الكلمة، وأسكتوا عن الاعتذار حين لا فرار {قال الذين أوتوا العلم} -وهم السادة في الدنيا والآخرة، والمخبرون عن الحق في الدنيا والآخرة، فيقولون حينئذ: {إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين} أي: الفضيحة والعذاب اليوم [محيط] بمن كفر بالله، وأشرك به ما لا يضره ولا ينفعه. {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين } يخبر تعالى عن حال المشركين الظالمي أنفسهم عند احتضارهم ومجيء الملائكة إليهم لقبض أرواحهم: {فألقوا السلم} أي: أظهروا السمع والطاعة والانقياد قائلين: {ما كنا نعمل من سوء} كما يقولون يوم المعاد: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] {يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم} [المجادلة: 18] . قال الله مكذبا لهم في قيلهم ذلك: {بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين} أي: بئس المقيل والمقام والمكان من دار هوان، لمن كان متكبرا عن آيات الله واتباع رسله. وهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم، ويأتي أجسادهم في قبورها من حرها وسمومها، فإذا كان يوم القيامة سلكت أرواحهم في أجسادهم، وخلدت في نار جهنم، {لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} [فاطر: 36] ، كما قال الله تعالى: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر: 46] .

Bölüm V04/P566–V04/P568

{وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } هذا خبر عن السعداء، بخلاف ما أخبر به عن الأشقياء، فإن أولئك قيل لهم: {ماذا أنزل ربكم} فقالوا معرضين عن الجواب: لم ينزل شيئا، إنما هذا أساطير الأولين. وهؤلاء {قالوا خيرا} أي: أنزل خيرا، أي: رحمة وبركة وحسنا لمن اتبعه وآمن به. ثم أخبروا عما وعد الله [به] عباده فيما أنزله على رسله فقالوا: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير} كما قال تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل: 97] ، أي: من أحسن عمله في الدنيا أحسن الله إليه في الدنيا والآخرة. ثم أخبر بأن دار الآخرة خير، أي: من الحياة الدنيا، والجزاء فيها أتم من الجزاء في الدنيا، كما قال تعالى: {وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير} [القصص: 80] وقال تعالى: {وما عند الله خير للأبرار} [آل عمران: 198] وقال تعالى {والآخرة خير وأبقى} [الأعلى: 17] ، وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم : {وللآخرة خير لك من الأولى} [الضحى: 4] . ثم وصفوا الدار الآخرة فقالوا : {ولنعم دار المتقين} وقوله: {جنات عدن} بدل من [قوله] : {دار المتقين} أي: لهم في [الدار] الآخرة {جنات عدن} أي: إقامة يدخلونها {تجري من تحتها الأنهار} أي: بين أشجارها وقصورها، {لهم فيها ما يشاءون} كما قال تعالى: {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون} [الزخرف: 71] ، وفي الحديث: "إن السحابة لتمر بالملأ من أهل الجنة وهم جلوس على شرابهم ، فلا يشتهي أحد منهم شيئا إلا أمطرته عليهم، حتى إن منهم لمن يقول: أمطرينا كواعب أترابا، فيكون ذلك " . { كذلك يجزي الله المتقين} أي: كذلك يجزي الله كل من آمن به واتقاه وأحسن عمله. ثم أخبر تعالى عن حالهم عند الاحتضار، أنهم طيبون، أي: مخلصون من الشرك والدنس وكل سوء، وأن الملائكة تسلم عليهم وتبشرهم بالجنة، كما قال تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم} [فصلت: 30 -32] . وقد قدمنا الأحاديث الواردة في قبض روح المؤمن وروح الكافر عند قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} [إبراهيم: 27] . {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } يقول تعالى متهددا للمشركين على تماديهم في الباطل واغترارهم بالدنيا: هل ينتظر هؤلاء إلا الملائكة أن تأتيهم بقبض أرواحهم، قاله قتادة. {أو يأتي أمر ربك} أي: يوم القيامة وما يعاينونه من الأهوال. وقوله: {كذلك فعل الذين من قبلهم} أي: هكذا تمادى في شركهم أسلافهم ونظراؤهم وأشباههم من المشركين حتى ذاقوا بأس الله، وحلوا فيما هم فيه من العذاب والنكال. {وما ظلمهم الله} ؛ لأنه تعالى أعذر إليهم، وأقام حججه عليهم بإرسال رسله وإنزال كتبه، {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} أي: بمخالفة الرسل والتكذيب بما جاءوا به، فلهذا أصابتهم عقوبة الله على ذلك، {وحاق بهم} أي: أحاط بهم من العذاب الأليم {ما كانوا به يستهزئون} أي: يسخرون من الرسل إذا توعدوهم بعقاب الله؛ فلهذا يقال يوم القيامة: {هذه النار التي كنتم بها تكذبون} [الطور: 14] .

Bölüm V04/P568–V04/P570

{وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين } يخبر تعالى عن اغترار المشركين بما هم فيه من الشرك واعتذارهم محتجين بالقدر، في قولهم: {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء} أي: من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك، مما كانوا ابتدعوه واخترعوه من تلقاء أنفسهم، ما لم ينزل الله به سلطانا. ومضمون كلامهم: أنه لو كان تعالى كارها لما فعلنا، لأنكره علينا بالعقوبة ولما مكنا منه. قال الله رادا عليهم شبهتهم: {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} أي: ليس الأمر كما تزعمون أنه لم يعيره عليكم ولم ينكره، بل قد أنكره عليكم أشد الإنكار، ونهاكم عنه آكد النهي، وبعث في كل أمة رسولا أي: في كل قرن من الناس وطائفة رسولا وكلهم يدعو إلى عبادة الله، وينهى عن عبادة ما سواه: {أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك، منذ حدث الشرك في بني آدم، في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب، وكلهم كما قال الله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25] ، وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} [الزخرف: 45] ، وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} فمشيئته تعالى الشرعية منتفية ؛ لأنه نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله، وأما مشيئته الكونية، وهي تمكينهم من ذلك قدرا، فلا حجة لهم فيها لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك حجة بالغة وحكمة قاطعة. ثم إنه تعالى قد أخبر أنه عير عليهم، وأنكر عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل؛ فلهذا قال: {فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} أي: اسألوا عما كان من أمر من خالف الرسل وكذب الحق كيف {دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها} [محمد: 10] ، {ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير} [الملك: 18] . ثم أخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن حرصه على هدايتهم لا ينفعهم، إذا كان الله قد أراد إضلالهم، كما قال تعالى: {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا} [المائدة: 41] ، وقال نوح لقومه: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} [هود: 34] ، وقال في هذه الآية الكريمة: {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل} كما قال تعالى: {من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأعراف: 186] ، وقال تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97] . فقوله: {فإن الله} أي: شأنه وأمره أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ فلهذا قال: {لا يهدي من يضل} أي: من أضله فمن الذي يهديه من بعد الله؟ أي: لا أحد {وما لهم من ناصرين} أي: ينقذونهم من عذابه ووثاقه، {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} [الأعراف: 54] .

Bölüm V04/P570–V04/P571

{وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } يقول تعالى مخبرا عن المشركين: أنهم حلفوا فأقسموا {بالله جهد أيمانهم} أي: اجتهدوا في الحلف وغلظوا الأيمان على أنه {لا يبعث الله من يموت} أي: استبعدوا ذلك، فكذبوا الرسل في إخبارهم لهم بذلك، وحلفوا على نقيضه. فقال تعالى مكذبا لهم وردا عليهم: {بلى} أي: بلى سيكون ذلك، {وعدا عليه حقا} أي: لا بد منه، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي: فلجهلهم يخالفون الرسل ويقعون في الكفر. ثم ذكر تعالى حكمته في المعاد وقيام الأجساد يوم التناد، فقال: {ليبين لهم} أي: للناس {الذي يختلفون فيه} أي: من كل شيء، و {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} [النجم: 31] ، {وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} أي: في أيمانهم وأقسامهم: لا يبعث الله من يموت؛ ولهذا يدعون يوم القيامة إلى نار جهنم دعا، وتقول لهم الزبانية: {هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون} [الطور: 14 -16] . ثم أخبر تعالى عن قدرته على ما يشاء، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: "كن"، فيكون، والمعاد من ذلك إذا أراد كونه فإنما يأمر به مرة واحدة، فيكون كما يشاء، كما قال {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} [القمر: 50] وقال: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} [لقمان: 28] ، وقال في هذه الآية الكريمة: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} [النحل: 40] ، أي: أن يأمر به دفعة واحدة فإذا هو كائن، كما قال الشاعر : إذا ما أراد الله أمرا فإنما يقول له: "كن"، قولة فيكون أي: أنه تعالى لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به، فإنه تعالى لا يمانع ولا يخالف، لأنه [هو] الواحد القهار العظيم، الذي قهر سلطانه وجبروته وعزته كل شيء، فلا إله إلا هو ولا رب سواه. وقال ابن أبي حاتم: ذكر الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني عطاء: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال الله تعالى: سبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يسبني، وكذبني ولم يكن ينبغي له أن يكذبني، فأما تكذيبه إياي فقال: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت} قال: وقلت: {بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون} وأما سبه إياي فقال: {إن الله ثالث ثلاثة} [المائدة: 73] ، وقلت: {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد} [سورة الإخلاص] . هكذا ذكره موقوفا، وهو في الصحيحين مرفوعا، بلفظ آخر . {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون } يخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته، الذين فارقوا الدار والإخوان والخلان، رجاء ثواب الله وجزائه. ويحتمل أن يكون سبب نزول هذه الآية الكريمة في مهاجرة الحبشة الذي اشتد أذى قومهم لهم بمكة، حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد الحبشة، ليتمكنوا من عبادة ربهم، ومن أشرافهم: عثمان بن عفان، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعفر بن أبي طالب، ابن عم الرسول وأبو سلمة بن عبد الأسد في جماعة قريب من ثمانين، ما بين رجل وامرأة، صديق وصديقة، رضي الله عنهم وأرضاهم. وقد فعل فوعدهم تعالى بالمجازاة الحسنة في الدنيا والآخرة فقال: {لنبوئنهم في الدنيا حسنة} قال ابن عباس والشعبي، وقتادة: المدينة. وقيل: الرزق الطيب، قاله مجاهد.

Bölüm V04/P571–V04/P573

ولا منافاة بين القولين، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم فعوضهم الله خيرا منها في الدنيا، فإن من ترك شيئا لله عوضه الله بما هو خير له منه وكذلك وقع فإنهم مكن الله لهم في البلاد وحكمهم على رقاب العباد، فصاروا أمراء حكاما، وكل منهم للمتقين إماما، وأخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا، فقال: {ولأجر الآخرة أكبر} أي: مما أعطيناهم في الدنيا {لو كانوا يعلمون} أي: لو كان المتخلفون عن الهجرة معهم يعلمون ما ادخر الله لمن أطاعه واتبع رسوله؛ ولهذا قال هشيم، عن العوام، عمن حدثه؛ أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أفضل، ثم قرأ هذه الآية: {لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} . ثم وصفهم تعالى فقال: {الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} أي: صبروا على أقل من آذاهم من قومهم، متوكلين على الله الذي أحسن لهم العاقبة في الدنيا والآخرة. {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } قال الضحاك، عن ابن عباس: لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا. فأنزل الله: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم} [يونس: 2] ، وقال {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} يعني: أهل الكتب الماضية: أبشر كانت الرسل التي أتتكم أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أنكرتم، وإن كانوا بشرا فلا تنكروا أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم رسولا؟ [و] قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} ليسوا من أهل السماء كما قلتم. وهكذا روي عن مجاهد، عن ابن عباس، أن المراد بأهل الذكر: أهل الكتاب. وقاله مجاهد، والأعمش. وقول عبد الرحمن بن زيد -الذكر: القرآن واستشهد بقوله: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9]-صحيح، [و] لكن ليس هو المراد هاهنا؛ لأن المخالف لا يرجع في إثباته بعد إنكاره إليه. وكذا قول أبي جعفر الباقر: "نحن أهل الذكر" -ومراده أن هذه الأمة أهل الذكر-صحيح، فإن هذه الأمة أعلم من جميع الأمم السالفة، وعلماء أهل بيت الرسول، عليهم السلام والرحمة، من خير العلماء إذا كانوا على السنة المستقيمة، كعلي، وابن عباس، وبني علي: الحسن والحسين، ومحمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين زين العابدين، وعلي بن عبد الله بن عباس، وأبي جعفر الباقر -وهو محمد بن علي بن الحسين-وجعفر ابنه، وأمثالهم وأضرابهم وأشكالهم، ممن هو متمسك بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، وعرف لكل ذي حق حقه، ونزل كل المنزل الذي أعطاه الله ورسوله واجتمع إليه قلوب عباده المؤمنين. والغرض أن هذه الآية الكريمة أخبرت أن الرسل الماضين قبل محمد صلى الله عليه وسلم كانوا بشرا كما هو بشر، كما قال تعالى: {قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا} [الإسراء: 93، 94] وقال تعالى: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} [الفرقان: 20] وقال {وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين [ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين] } [الأنبياء: 8، 9] ، وقال: {قل ما كنت بدعا من الرسل} [الأحقاف: 9] ، وقال تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي} [الكهف: 110] . ثم أرشد الله تعالى من شك في كون الرسل كانوا بشرا، إلى سؤال أصحاب الكتب المتقدمة عن الأنبياء الذين سلفوا: هل كان أنبياؤهم بشرا أو ملائكة؟ ثم ذكر تعالى أنه أرسلهم {بالبينات} أي: بالدلالات والحجج، {والزبر} وهي الكتب. قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وغيرهم.

Bölüm V04/P573–V04/P575

والزبر: جمع زبور، تقول العرب: زبرت الكتاب إذا كتبته، وقال تعالى: {وكل شيء فعلوه في الزبر} [القمر: 52] وقال: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105] . ثم قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر} يعني: القرآن، {لتبين للناس ما نزل إليهم} من ربهم، أي: لعلمك بمعنى ما أنزل عليك، وحرصك عليه، واتباعك له، ولعلمنا بأنك أفضل الخلائق وسيد ولد آدم، فتفصل لهم ما أجمل، وتبين لهم ما أشكل: {ولعلهم يتفكرون} أي: ينظرون لأنفسهم فيهتدون، فيفوزون بالنجاة في الدارين. {أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم } يخبر تعالى عن حلمه [وإمهاله] وإنظاره العصاة الذين يعملون السيئات ويدعون إليها، ويمكرون بالناس في دعائهم إياهم وحملهم عليها، مع قدرته على {أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون} أي: من حيث لا يعلمون مجيئه إليهم، كما قال تعالى: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير} [الملك: 16، 17] ، وقوله {أو يأخذهم في تقلبهم} أي: في تقلبهم في المعايش واشتغالهم بها، من أسفار ونحوها من الأشغال الملهية. قال قتادة والسدي: {تقلبهم} أي: أسفارهم. وقال مجاهد، والضحاك: {في تقلبهم} في الليل والنهار، كما قال تعالى: {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون} [الأعراف: 97، 98] . وقوله {فما هم بمعجزين} أي: لا يعجزون الله على أي حال كانوا عليه. وقوله: {أو يأخذهم على تخوف} أي: أو يأخذهم الله في حال خوفهم من أخذه لهم، فإنه يكون أبلغ وأشد حالة الأخذ؛ فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد؛ ولهذا قال العوفي، عن ابن عباس: {أو يأخذهم على تخوف} يقول: إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه وتخوفه بذلك. وكذا روي عن مجاهد، والضحاك، وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى: {فإن ربكم لرءوف رحيم} أي: حيث لم يعاجلكم بالعقوبة، كما ثبت في الصحيحين " [لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم " ، وفي الصحيحين] إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} [هود: 102] وقال تعالى: {وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير} [الحج: 48] . {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون } يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه الذي خضع له كل شيء، ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها: جمادها وحيواناتها، ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة، فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال، أي: بكرة وعشيا، فإنه ساجد بظله لله تعالى. قال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله عز وجل. وكذا قال قتادة، والضحاك، وغيرهم. وقوله: {وهم داخرون} أي: صاغرون. وقال مجاهد أيضا: سجود كل شيء فيه. وذكر الجبال قال: سجودها فيها. وقال أبو غالب الشيباني: أمواج البحر صلاته. ونزلهم منزلة من يعقل إذ أسند السجود إليهم. ثم قال: {ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة} كما قال: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال} [الرعد: 15] ، وقوله: {والملائكة وهم لا يستكبرون} أي: تسجد لله أي غير مستكبرين عن عبادته، {يخافون ربهم من فوقهم} أي: يسجدون خائفين وجلين من الرب جل جلاله، {ويفعلون ما يؤمرون} أي: مثابرين على طاعته تعالى، وامتثال أوامره، وترك زواجره.

Bölüm V04/P575–V04/P577

{وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون } {ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون } يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه لا ينبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، فإنه مالك كل شيء وخالقه وربه. {وله الدين واصبا} قال ابن عباس، ومجاهد وعكرمة وميمون بن مهران، والسدي، وقتادة، وغير واحد: أي دائما. وعن ابن عباس أيضا: واجبا. وقال مجاهد: خالصا. أي: له العبادة وحده ممن في السماوات والأرض، كقوله: {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} [آل عمران: 83] . هذا على قول ابن عباس وعكرمة، فيكون من باب الخبر، وأما على قول مجاهد فإنه يكون من باب الطلب، أي: ارهبوا أن تشركوا به شيئا، وأخلصوا له الطلب ، كما في قوله تعالى: {ألا لله الدين الخالص} [الزمر: 3] . ثم أخبر أنه مالك النفع والضر، وأن ما بالعبد من رزق ونعمة وعافية ونصر فمن فضله عليه وإحسانه إليه. {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} أي: لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا هو، فإنكم عند الضرورات تلجئون إليه، وتسألونه وتلحون في الرغبة مستغيثين به كما قال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا} [الإسراء: 67] ، وقال هاهنا: {ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم} قيل: "اللام" هاهنا لام العاقبة. وقيل: لام التعليل، بمعنى: قيضنا لهم ذلك ليكفروا، أي: يستروا ويجحدوا نعم الله عليهم، وأنه المسدي إليهم النعم، الكاشف عنهم النقم. ثم توعدهم قائلا {فتمتعوا} أي: اعملوا ما شئتم وتمتعوا بما أنتم فيه قليلا {فسوف تعلمون} أي: عاقبة ذلك. {ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم } يخبر تعالى عن قبائح المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأصنام والأوثان والأنداد، وجعلوا لها نصيبا مما رزقهم الله فقالوا: {هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله [بغير علم] وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم} [الأنعام: 136] أي: جعلوا لآلهتهم نصيبا مع الله وفضلوهم أيضا على جانبه، فأقسم الله تعالى بنفسه الكريمة ليسألنهم عن ذلك الذي افتروه، وائتفكوه، وليقابلنهم عليه وليجازينهم أوفر الجزاء في نار جهنم، فقال: {تالله لتسألن عما كنتم تفترون} ثم أخبر تعالى عنهم أنهم جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، وجعلوها بنات الله، وعبدوها معه، فأخطؤوا خطأ كبيرا في كل مقام من هذه المقامات الثلاث، فنسبوا إليه تعالى أن له ولدا، ولا ولد له! ثم أعطوه أخس القسمين من الأولاد وهو البنات، وهم لا يرضونها لأنفسهم، كما قال: {ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى} [النجم: 21، 22] وقال هاهنا: {ويجعلون لله البنات سبحانه} أي: عن قولهم وإفكهم {ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون} [الصافات: 151 -154] .

Bölüm V04/P577–V04/P578

وقوله: {ولهم ما يشتهون} أي: يختارون لأنفسهم الذكور ويأنفون لأنفسهم من البنات التي نسبوها إلى الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، فإنه {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا} أي: كئيبا من الهم، {وهو كظيم} ساكت من شدة ما هو فيه من الحزن، {يتوارى من القوم} أي: يكره أن يراه الناس {من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب} أي: إن أبقاها أبقاها مهانة لا يورثها، ولا يعتني بها، ويفضل أولاده الذكور عليها، {أم يدسه في التراب} أي: يئدها: وهو: أن يدفنها فيه حية، كما كانوا يصنعون في الجاهلية، أفمن يكرهونه هذه الكراهة ويأنفون لأنفسهم عنه يجعلونه لله؟ {ألا ساء ما يحكمون} أي: بئس ما قالوا، وبئس ما قسموا، وبئس ما نسبوا إليه، كما قال تعالى: {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم} [الزخرف: 17] ، وقال هاهنا: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء} أي: النقص إنما ينسب إليهم، {ولله المثل الأعلى} أي: الكمال المطلق من كل وجه، وهو منسوب إليه، {وهو العزيز الحكيم} {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون } يخبر تعالى عن حلمه بخلقه مع ظلمهم، وأنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك على ظهر الأرض من دابة، أي: لأهلك جميع دواب الأرض تبعا لإهلاك بني آدم، ولكن الرب، جل جلاله، يحلم ويستر، وينظر {إلى أجل مسمى} أي: لا يعاجلهم بالعقوبة؛ إذ لو فعل ذلك بهم لما أبقى أحدا. قال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص أنه قال: كاد الجعل أن يعذب بذنب بني آدم، وقرأ: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة} . وكذا روى الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: كاد الجعل أن يهلك في جحره بخطيئة بني آدم. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا إسماعيل بن حكيم الخزاعي، حدثنا محمد بن جابر الحنفي ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: سمع أبو هريرة رجلا وهو يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه . قال: فالتفت إليه فقال: بلى والله، حتى إن الحبارى لتموت في وكرها [هزالا] بظلم الظالم . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، أنبأنا الوليد بن عبد الملك بن عبيد الله بن مسرح، حدثنا سليمان بن عطاء، عن مسلمة بن عبد الله، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي، عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، قال: ذكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله لا يؤخر شيئا إذا جاء أجله، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة، يرزقها الله العبد فيدعون له من بعده، فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر" . وقوله: {ويجعلون لله ما يكرهون} أي: من البنات ومن الشركاء الذين هم [من] عبيده، وهم يأنفون أن يكون عند أحدهم شريك له في ماله.

Bölüm V04/P578–V04/P580

وقوله: {وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى} إنكار عليهم في دعواهم مع ذلك أن لهم الحسنى في الدنيا، وإن كان ثم معاد ففيه أيضا لهم الحسنى، وإخبار عن قيل من قال منهم، كقوله: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور} [هود: 9، 10] ، وكقوله : {ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ} [فصلت: 50] ، وقوله: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا [أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا] } [مريم: 77، 78] وقال إخبارا عن أحد الرجلين: أنه {ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا} [الكهف: 35، 36]-فجمع هؤلاء بين عمل السوء وتمني الباطل، بأن يجازوا على ذلك حسنا وهذا مستحيل، كما ذكر ابن إسحاق: أنه وجد حجر في أساس الكعبة حين نقضوها ليجددوها مكتوب عليه حكم ومواعظ، فمن ذلك: تعملون السيئات ويجزون الحسنات؟ أجل كما يجتنى من الشوك العنب . وقال مجاهد، وقتادة: {وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى} أي الغلمان. وقال ابن جرير: {أن لهم الحسنى} أي: يوم القيامة، كما قدمنا بيانه، وهو الصواب، ولله الحمد. ولهذا قال الله تعالى رادا عليهم في تمنيهم [ذلك] {لا جرم} أي: حقا لا بد منه {أن لهم النار} أي: يوم القيامة، {وأنهم مفرطون} قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة وغيرهم: منسيون فيها مضيعون. وهذا كقوله تعالى: {فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا} [الأعراف: 51] . وعن قتادة أيضا: {مفرطون} أي: معجلون إلى النار، من الفرط وهو السابق إلى الورد ولا منافاة لأنهم يعجل بهم يوم القيامة إلى النار، وينسون فيها، أي: يخلدون. {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } {والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون } يذكر تعالى أنه أرسل إلى الأمم الخالية رسلا فكذبت الرسل، فلك يا محمد في إخوانك من المرسلين أسوة، فلا يهيدنك تكذيب قومك لك، وأما المشركون الذين كذبوا الرسل، فإنما حملهم على ذلك تزيين الشيطان لهم ما فعلوه، {فهو وليهم اليوم} أي: هم تحت العقوبة والنكال، والشيطان وليهم، ولا يملك لهم خلاصا؛ ولا صريخ لهم ولهم عذاب أليم. ثم قال تعالى لرسوله: أنه إنما أنزل عليه الكتاب ليبين للناس الذي يختلفون فيه، فالقرآن فاصل بين الناس في كل ما يتنازعون فيه {وهدى} أي: للقلوب، {ورحمة} أي: لمن تمسك به، {لقوم يؤمنون} وكما جعل تعالى القرآن حياة للقلوب الميتة بكفرها، كذلك يحيي [الله] الأرض بعد موتها بما ينزله عليها من السماء من ماء، {إن في ذلك لآية لقوم يسمعون} أي: يفهمون الكلام ومعناه. {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون } يقول تعالى: {وإن لكم} أيها الناس {في الأنعام} وهي: الإبل والبقر والغنم، {لعبرة} أي: لآية ودلالة على قدرة خالقها وحكمته ولطفه ورحمته، {نسقيكم مما في بطونه} وأفرد هاهنا [الضمير] عودا على معنى النعم، أو الضمير عائد على الحيوان؛ فإن الأنعام حيوانات، أي نسقيكم مما في بطن هذا الحيوان. وفي الآية الأخرى: {مما في بطونها} [المؤمنون: 21] ، ويجوز هذا وهذا، كما في قوله تعالى: {كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره} [المدثر: 54، 55] ، وفي قوله تعالى: {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون فلما جاء سليمان} [النمل: 35، 36] أي: المال.

Bölüm V04/P580–V04/P581

وقوله: {من بين فرث ودم لبنا خالصا} أي: يتخلص الدم بياضه وطعمه وحلاوته من بين فرث ودم في باطن الحيوان، فيسري كل إلى موطنه، إذا نضج الغذاء في معدته تصرف منه دم إلى العروق، ولبن إلى الضرع وبول إلى المثانة، وروث إلى المخرج، وكل منها لا يشوب الآخر ولا يمازجه بعد انفصاله عنه، ولا يتغير به. وقوله: {لبنا خالصا سائغا للشاربين} أي: لا يغص به أحد . ولما ذكر اللبن وأنه تعالى جعله شرابا للناس سائغا ، ثنى بذكر ما يتخذه الناس من الأشربة، من ثمرات النخيل والأعناب، وما كانوا يصنعون من النبيذ المسكر قبل تحريمه؛ ولهذا امتن به عليهم فقال: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا} دل على إباحته شرعا قبل تحريمه، ودل على التسوية بين السكر المتخذ من العنب، والمتخذ من النخل كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء، وكذا حكم سائر الأشربة المتخذة من الحنطة والشعير والذرة والعسل، كما جاءت السنة بتفصيل ذلك، وليس هذا موضع بسط ذلك، كما قال ابن عباس في قوله: {سكرا ورزقا حسنا} قال: السكر: ما حرم من ثمرتيهما، والرزق الحسن ما أحل من ثمرتيهما. وفي رواية: السكر حرامه، والرزق الحسن حلاله. يعني: ما يبس منهما من تمر وزبيب، وما عمل منهما من طلاء -وهو الدبس -وخل ونبيذ، حلال يشرب قبل أن يشتد، كما وردت السنة بذلك. {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} ناسب ذكر العقل هاهنا، فإنه أشرف ما في الإنسان؛ ولهذا حرم الله على هذه الأمة الأشربة المسكرة صيانة لعقولها؛ قال الله تعالى: {وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} [يس: 34 -36] . {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } المراد بالوحي هاهنا: الإلهام والهداية والإرشاد إلى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتا تأوي إليها، ومن الشجر، ومما يعرشون. ثم هي محكمة في غاية الإتقان في تسديسها ورصها، بحيث لا يكون بينها خلل. ثم أذن لها تعالى إذنا قدريا تسخيريا أن تأكل من كل الثمرات، وأن تسلك الطرق التي جعلها الله تعالى لها مذللة، أي: سهلة عليها حيث شاءت في هذا الجو العظيم والبراري الشاسعة، والأودية والجبال الشاهقة، ثم تعود كل واحدة منها إلى موضعها وبيتها، لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة، بل إلى بيتها وما لها فيه من فراخ وعسل، فتبني الشمع من أجنحتها، وتقيء العسل من فيها وتبيض الفراخ من دبرها، ثم تصبح إلى مراعيها. وقال قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {فاسلكي سبل ربك ذللا} أي: مطيعة. فجعلاه حالا من السالكة. قال ابن زيد: وهو كقول الله تعالى: {وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون} [يس: 72] قال: ألا ترى أنهم ينقلون النحل من بيوته من بلد إلى بلد وهو يصحبهم. والقول الأول أظهر، وهو أنه حال من الطريق، أي: فاسلكيها مذللة لك، نص عليه مجاهد. وقال ابن جرير: كلا القولين صحيح . وقد قال أبو يعلى الموصلي: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا سكين بن عبد العزيز، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عمر الذباب أربعون يوما، والذباب كله في النار إلا النحل" . وقوله تعالى {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه} أي: ما بين أبيض وأصفر وأحمر وغير ذلك من الألوان الحسنة، على اختلاف مراعيها ومأكلها منها . وقوله: {فيه شفاء للناس} أي: في العسل شفاء للناس من أدواء تعرض لهم. قال بعض من تكلم على الطب النبوي: لو قال فيه: "الشفاء للناس" لكان دواء لكل داء، ولكن قال {فيه شفاء للناس} أي: يصلح لكل أحد من أدواء باردة، فإنه حار، والشيء يداوى بضده. وقال مجاهد بن جبر في قوله: {فيه شفاء للناس} يعني: القرآن.

Bölüm V04/P581–V04/P583

وهذا قول صحيح في نفسه، ولكن ليس هو الظاهر هاهنا من سياق الآية؛ فإن الآية إنما ذكر فيها العسل، ولم يتابع مجاهد على قوله هاهنا، وإنما الذي قاله ذكروه في قوله تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} الآية [الإسراء: 82] . وقوله تعالى: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين} [يونس: 57] . والدليل على أن المراد بقوله تعالى: {فيه شفاء للناس} هو العسل -الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من رواية قتادة، عن أبي المتوكل علي بن داود الناجي، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي استطلق بطنه. فقال: "اسقه عسلا". فسقاه عسلا ثم جاء فقال: يا رسول الله، سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا! قال: "اذهب فاسقه عسلا". فذهب فسقاه، ثم جاء فقال: يا رسول الله، ما زاده إلا استطلاقا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدق الله، وكذب بطن أخيك! اذهب فاسقه عسلا". فذهب فسقاه فبرئ . قال بعض العلماء بالطب: كان هذا الرجل عنده فضلات، فلما سقاه عسلا وهو حار تحللت، فأسرعت في الاندفاع، فزاد إسهاله، فاعتقد الأعرابي أن هذا يضره وهو مصلحة لأخيه، ثم سقاه فازداد التحليل والدفع، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن استمسك بطنه، وصلح مزاجه، واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام . وفي الصحيحين، من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، رضي الله عنها؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الحلواء والعسل. هذا لفظ البخاري . وفي صحيح البخاري: من حديث سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي عن الكي" . وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل، عن عاصم بن عمر بن قتادة، سمعت جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن كان في شيء من أدويتكم، أو يكون في شيء من أدويتكم خير: ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي". ورواه مسلم من حديث عاصم بن عمر بن قتادة، عن جابر، به . وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله، أنبأنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا عبد الله بن الوليد، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث إن كان في شيء شفاء: فشرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية تصيب ألما، وأنا أكره الكي ولا أحبه" . ورواه الطبراني عن هارون بن ملول المصري، عن أبي عبد الرحمن المقرئ، [عن حيوة بن شريح] عن عبد الله بن الوليد، به. ولفظه: "إن كان في شيء شفاء: فشرطة محجم" ... وذكره وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه. وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه: حدثنا علي بن سلمة -هو اللبقي-حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله -هو ابن مسعود-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن" . وهذا إسناد جيد، تفرد بإخراجه ابن ماجه مرفوعا، وقد رواه ابن جرير، عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن سفيان -هو الثوري-به موقوفا : ولهو أشبه.

Bölüm V04/P583–V04/P584

وروينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنه قال: إذا أراد أحدكم الشفاء فليكتب آية من كتاب الله في صحفة، وليغسلها بماء السماء، وليأخذ من امرأته درهما عن طيب نفس منها، فليشتر به عسلا فليشربه بذلك، فإنه شفاء . أي: من وجوه، قال الله: {وننزل من القرآن ما هو شفاء} [الإسراء: 82] وقال: {ونزلنا من السماء ماء مباركا} [ق: 9] وقال: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء: 4] ، وقال في العسل: {فيه شفاء للناس} وقال ابن ماجه أيضا: حدثنا محمود بن خداش، حدثنا سعيد بن زكريا القرشي، حدثنا الزبير بن سعيد الهاشمي، عن عبد الحميد بن سالم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لعق العسل ثلاث غدوات في كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء" . الزبير بن سعيد متروك. وقال ابن ماجه أيضا: حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف بن سرح الفريابي، حدثنا عمرو بن بكر السكسكي، حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة. سمعت أبا أبي ابن أم حرام -وكان قد صلى القبلتين-يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "عليكم بالسنى والسنوت، فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام". قيل: يا رسول الله، وما السام؟ قال: "الموت". قال عمرو: قال ابن أبي عبلة: "السنوت": الشبت. وقال آخرون: بل هو العسل الذي [يكون] في زقاق السمن، وهو قول الشاعر: هم السمن بالسنوت لا ألس فيهم وهم يمنعون الجار أن يقردا كذا رواه ابن ماجه . وقوله: "لا ألس فيهم" أي: لا خلط. وقوله: "يمنعون الجار أن يقردا"، [أي يضطهد ويظلم] . وقوله: {إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} أي: إن في إلهام الله لهذه الدواب الضعيفة الخلقة إلى السلوك في هذه المهامة والاجتناء من سائر الثمار، ثم جمعها للشمع والعسل، وهو من أطيب الأشياء، {لآية لقوم يتفكرون} في عظمة خالقها ومقدرها ومسخرها وميسرها، فيستدلون بذلك على أنه [الفاعل] القادر، الحكيم العليم، الكريم الرحيم. {والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير } يخبر تعالى عن تصرفه في عباده، وأنه هو الذي أنشأهم من العدم، ثم بعد ذلك يتوفاهم، ومنهم من يتركه حتى يدركه الهرم -وهو الضعف في الخلقة-كما قال الله تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير} [الروم: 54] . وقد روي عن علي، رضي الله عنه، في أرذل العمر [قال] خمس وسبعون سنة. وفي هذا السن يحصل له ضعف القوى والخرف وسوء الحفظ وقلة العلم؛ ولهذا قال: {لكي لا يعلم بعد علم شيئا} أي: بعد ما كان عالما أصبح لا يدري شيئا من الفند والخرف؛ ولهذا روى البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا هارون بن موسى أبو عبد الله الأعور، عن شعيب، عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو: "أعوذ بك من البخل والكسل، والهرم وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات". ورواه مسلم، من حديث هارون الأعور، به . وقال زهير بن أبي سلمى في معلقته المشهورة: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين عاما -لا أبالك-يسأم رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون }

Bölüm V04/P584–V04/P586

يبين تعالى للمشركين جهلهم وكفرهم فيما زعموه لله من الشركاء، وهم يعترفون أنها عبيد له، كما كانوا يقولون في تلبياتهم في حجهم: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك". فقال تعالى منكرا عليهم: إنكم لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم، فكيف يرضى هو تعالى بمساواة عبيده له في الإلهية والتعظيم، كما قال في الآية الأخرى: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} الآية [الروم: 28] . قال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: يقول: لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني، فذلك قوله: {أفبنعمة الله يجحدون} وقال في الرواية الأخرى، عنه: فكيف ترضون لي مالا ترضون لأنفسكم. وقال مجاهد في هذه الآية: هذا مثل الآلهة الباطلة . وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله، فهل منكم من أحد شارك مملوكه في زوجته وفي فراشه، فتعدلون بالله خلقه وعباده؟ فإن لم ترض لنفسك هذا، فالله أحق أن ينزه منك. وقوله: {أفبنعمة الله يجحدون} أي: أنهم جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا، فجحدوا نعمته وأشركوا معه غيره. وعن الحسن البصري قال: كتب عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، هذه الرسالة إلى أبي موسى الأشعري: واقنع برزقك من الدنيا، فإن الرحمن فضل بعض عباده على بعض في الرزق، بل يبتلي به كلا فيبتلي من بسط له، كيف شكره لله وأداؤه الحق الذي افترض عليه فيما رزقه وخوله؟ رواه ابن أبي حاتم. {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون } يذكر تعالى نعمه على عبيده، بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجا من جنسهم وشكلهم [وزيهم] ، ولو جعل الأزواج من نوع آخر لما حصل ائتلاف ومودة ورحمة، ولكن من رحمته خلق من بني آدم ذكورا وإناثا، وجعل الإناث أزواجا للذكور. ثم ذكر تعالى أنه جعل من الأزواج البنين والحفدة، وهم أولاد البنين. قاله ابن عباس، وعكرمة، والحسن، والضحاك، وابن زيد. قال شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {بنين وحفدة} هم الولد وولد الولد. وقال سنيد: حدثنا حجاج عن أبي بكر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: بنوك حين يحفدونك ويرفدونك ويعينونك ويخدمونك. قال جميل: حفد الولائد حولهن وأسلمت بأكفهن أزمة الأجمال وقال مجاهد: {بنين وحفدة} ابنه وخادمه. وقال في رواية: الحفدة: الأنصار والأعوان والخدام. وقال طاوس: الحفدة: الخدم وكذا قال قتادة، وأبو مالك، والحسن البصري. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة أنه قال: الحفدة: من خدمك من ولدك وولد ولدك . قال الضحاك: إنما كانت العرب يخدمها بنوها. وقال العوفي، عن ابن عباس قوله: {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} يقول: بنو امرأة الرجل، ليسوا منه. ويقال: الحفدة: الرجل يعمل بين يدي الرجل، يقال: فلان يحفد لنا قال: ويزعم رجال أن الحفدة أختان الرجل. وهذا [القول] الأخير الذي ذكره ابن عباس قاله ابن مسعود، ومسروق، وأبو الضحى، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والقرظي. ورواه عكرمة، عن ابن عباس. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هم الأصهار. قال ابن جرير: وهذه الأقوال كلها داخلة في معنى: "الحفد" وهو الخدمة، الذي منه قوله في القنوت: "وإليك نسعى ونحفد"، ولما كانت الخدمة قد تكون من الأولاد والأصهار والخدم فالنعمة حاصلة بهذا كله؛ ولهذا قال: {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} قلت: فمن جعل {وحفدة} متعلقا بأزواجكم فلا بد أن يكون المراد الأولاد، وأولاد الأولاد، والأصها ر؛ لأنهم أزواج البنات، وأولاد الزوجة، وكما قال الشعبي والضحاك، فإنهم غالبا يكونون تحت كنف الرجل وفي حجره وفي خدمته. وقد يكون هذا هو المراد من قوله [عليه الصلاة] والسلام في حديث بصرة بن أكثم: "والولد عبد لك" رواه أبو داود .

Bölüm V04/P586–V04/P588

وأما من جعل الحفدة هم الخدم فعنده أنه معطوف على قوله: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا} أي: وجعل لكم الأزواج والأولاد . {ورزقكم من الطيبات} من المطاعم والمشارب. ثم قال تعالى منكرا على من أشرك في عبادة المنعم غيره: {أفبالباطل يؤمنون} وهم : الأصنام والأنداد، {وبنعمة الله هم يكفرون} أي: يسترون نعم الله عليهم ويضيفونها إلى غيره. وفي الحديث الصحيح: "أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة ممتنا عليه" ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع ؟ " . {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } يقول تعالى إخبارا عن المشركين الذين عبدوا معه غيره، مع أنه هو المنعم المتفضل الخالق الرازق وحده لا شريك له، ومع هذا يعبدون من دونه من الأصنام والأنداد والأوثان {ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا} أي: لا يقدر على إنزال مطر ولا إنبات زرع ولا شجر، ولا يملكون ذلك، أي: ليس لهم ذلك ولا يقدرون عليه لو أرادوه، ولهذا قال تعالى {فلا تضربوا لله الأمثال} أي: لا تجعلوا له أندادا وأشباها وأمثالا {إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون} أي: أنه يعلم ويشهد أنه لا إله إلا الله وأنتم بجهلكم تشركون به غيره. {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون } قال العوفي، عن ابن عباس: هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن: وكذا قال قتادة، واختاره ابن جرير. والعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء مثل الكافر والمرزوق الرزق الحسن، فهو ينفق منه سرا وجهرا، هو المؤمن. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: هو مثل مضروب للوثن وللحق تعالى، فهل يستوي هذا وهذا؟ ولما كان الفرق ما بينهما بينا واضحا ظاهرا لا يجهله إلا كل غبي، قال [الله] تعالى: {الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} [ثم قال الله تعالى] {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم } قال مجاهد: وهذا أيضا المراد به الوثن والحق تعالى، يعني: أن الوثن أبكم لا يتكلم ولا ينطق بخير ولا بشيء ، ولا يقدر على شيء بالكلية، فلا مقال، ولا فعال، وهو مع هذا {كل} أي: عيال وكلفة على مولاه، {أينما يوجهه} أي: يبعثه {لا يأت بخير} ولا ينجح مسعاه {هل يستوي} من هذه صفاته، {ومن يأمر بالعدل} أي: بالقسط، فقاله حق وفعاله مستقيمة {وهو على صراط مستقيم} وبهذا قال السدي، وقتادة وعطاء الخراساني. واختار هذا القول ابن جرير. وقال العوفي، عن ابن عباس: هو مثل للكافر والمؤمن أيضا، كما تقدم. وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن الصباح البزار، حدثنا يحيى بن إسحاق، السيلحيني ، حدثنا حماد، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن إبراهيم، عن عكرمة، عن يعلى بن أمية، عن ابن عباس في قوله: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} نزلت في رجل من قريش وعبده. وفي قوله: { [وضرب الله] مثلا رجلين أحدهما أبكم [لا يقدر على شيء] } إلى قوله: {وهو على صراط مستقيم} قال: هو عثمان بن عفان. قال: والأبكم الذي أينما يوجهه لا يأت بخير قال هو: مولى لعثمان بن عفان، كان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المئونة، وكان الآخر يكره الإسلام ويأباه وينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما . {ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون }

Bölüm V04/P588–V04/P590

يخبر تعالى عن كماله وقدرته على الأشياء، في علمه غيب السماوات والأرض، واختصاصه بذلك، فلا اطلاع لأحد على ذلك إلا أن يطلعه [الله] تعالى على ما يشاء -وفي قدرته التامة التي لا تخالف ولا تمانع، وأنه إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن، فيكون، كما قال: {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} [القمر: 50] أي: فيكون ما يريد كطرف العين. وهكذا قال هاهنا: {وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير} كما قال: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} [لقمان: 28] . ثم ذكر تعالى منته على عباده، في إخراجه إياهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا، ثم بعد هذا يرزقهم تعالى السمع الذي به يدركون الأصوات، والأبصار اللاتي بها يحسون المرئيات، والأفئدة -وهي العقول-التي مركزها القلب على الصحيح، وقيل: الدماغ والعقل به يميز بين الأشياء ضارها ونافعها. وهذه القوى والحواس تحصل للإنسان على التدريج قليلا قليلا كلما كبر زيد في سمعه وبصره وعقله حتى يبلغ أشده. وإنما جعل تعالى هذه في الإنسان، ليتمكن بها من عبادة ربه تعالى، فيستعين بكل جارحة وعضو وقوة على طاعة مولاه، كما جاء في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقول تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه. ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطيته، ولئن دعاني لأجيبنه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه" . فمعنى الحديث: أن العبد إذا أخلص الطاعة صارت أفعاله كلها لله عز وجل، فلا يسمع إلا الله، ولا يبصر إلا الله، أي: ما شرعه الله له، ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعة الله عز وجل، مستعينا بالله في ذلك كله؛ ولهذا جاء في بعض رواية الحديث في غير الصحيح، بعد قوله: "ورجله التي يمشي بها": "فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي"؛ ولهذا قال تعالى: {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} كما قال في الآية الأخرى: {قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون} [الملك: 23، 24] . ثم نبه تعالى عباده إلى النظر إلى الطير المسخر بين السماء والأرض، كيف جعله يطير بجناحيه بين السماء والأرض، في جو السماء ما يمسكه هناك إلا الله بقدرته تعالى، الذي جعل فيها قوى تفعل ذلك، وسخر الهواء يحملها ويسر الطير لذلك، كما قال تعالى في سورة الملك: {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير} [الملك: 19] . وقال هاهنا: {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون }

Bölüm V04/P590–V04/P591

يذكر تبارك وتعالى تمام نعمه على عبيده، بما جعل لهم من البيوت التي هي سكن لهم، يأوون إليها، ويستترون بها، وينتفعون بها سائر وجوه الانتفاع، وجعل لهم أيضا {من جلود الأنعام بيوتا} أي: من الأدم، يستخفون حملها في أسفارهم، ليضربوها لهم في إقامتهم في السفر والحضر ولهذا قال: {تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها} أي: الغنم، {وأوبارها} أي: الإبل، {وأشعارها} أي: المعز -والضمير عائد على الأنعام- {أثاثا} أي: تتخذون منه أثاثا، وهو المال. وقيل: المتاع. وقيل: الثياب والصحيح أعم من هذا كله، فإنه يتخذ من الأثاث البسط والثياب وغير ذلك، ويتخذ مالا وتجارة. وقال ابن عباس: الأثاث: المتاع. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، والضحاك، وقتادة. وقوله: {إلى حين} أي: إلى أجل مسمى ووقت معلوم. وقوله: {والله جعل لكم مما خلق ظلالا} قال قتادة: يعني: الشجر. {وجعل لكم من الجبال أكنانا} أي: حصونا ومعاقل، كما {جعل لكم سرابيل تقيكم الحر} وهي الثياب من القطن والكتان والصوف، {وسرابيل تقيكم بأسكم} كالدروع من الحديد المصفح والزرد وغير ذلك، {كذلك يتم نعمته عليكم} أي: هكذا يجعل لكم ما تستعينون به على أمركم، وما تحتاجون إليه، ليكون -عونا لكم على طاعته وعبادته، {لعلكم تسلمون} هكذا فسره الجمهور، وقرؤوه بكسر اللام من " تسلمون " أي: من الإسلام. وقال قتادة في قوله: {كذلك يتم نعمته عليكم [لعلكم تسلمون] } هذه السورة تسمى سورة النعم. وقال عبد الله بن المبارك وعباد بن العوام، عن حنظلة السدوسي، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس أنه كان يقرؤها "تسلمون" بفتح اللام، يعني من الجراح . رواه أبو عبيد القاسم بن سلام، عن عباد، وأخرجه ابن جرير من الوجهين، ورد هذه القراءة . وقال عطاء الخراساني: إنما نزل القرآن على قدر معرفة العرب، ألا ترى إلى قوله تعالى: {والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا} وما جعل [لكم] من السهل أعظم وأكثر ، ولكنهم كانوا أصحاب جبال ؟ ألا ترى إلى قوله: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين} وما جعل لكم من غير ذلك أعظم منه وأكثر ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر، ألا ترى إلى قوله: {وينزل من السماء من جبال فيها من برد} [النور: 43] ، لعجبهم من ذلك، وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر ، ولكنهم كانوا لا يعرفونه؟ ألا ترى إلى قوله تعالى: {سرابيل تقيكم الحر} وما بقي من البرد أعظم وأكثر ولكنهم كانوا أصحاب حر. وقوله {فإن تولوا} أي: بعد هذا البيان وهذا الامتنان، فلا عليك منهم، {فإنما عليك البلاغ المبين} وقد أديته إليهم. {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها} أي: يعرفون أن الله تعالى هو المسدي إليهم ذلك، وهو المتفضل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك، ويعبدون معه غيره، ويسندون النصر والرزق إلى غيره، {وأكثرهم الكافرون} -كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن مجاهد؛ أن أعرابيا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا} قال الأعرابي: نعم. قال: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم} قال الأعرابي: نعم. ثم قرأ عليه، كل ذلك يقول الأعرابي: نعم، حتى بلغ: {كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} فولى الأعرابي، فأنزل الله: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون} . {ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون } {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون }

Bölüm V04/P591–V04/P593

يخبر تعالى عن شأن المشركين يوم معادهم في الدار الآخرة، وأنه يبعث من كل أمة شهيدا، وهو نبيها، يشهد عليها بما أجابته فيما بلغها عن الله تعالى، {ثم لا يؤذن للذين كفروا} أي: في الاعتذار؛ لأنهم يعلمون بطلانه وكذبه، كما قال: {هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون} [المرسلات: 35، 36] . ولهذا قال: {ولا هم يستعتبون وإذا رأى الذين ظلموا} أي: أشركوا {العذاب فلا يخفف عنهم} أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة، {ولا هم ينظرون} أي: [و] لا يؤخر عنهم، بل يأخذهم سريعا من الموقف بلا حساب، فإنه إذا جيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، فيشرف عنق منها على الخلائق، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه، فتقول: إني وكلت بكل جبار عنيد، الذي جعل مع الله إلها آخر، وبكذا وكذا وتذكر أصنافا من الناس، كما جاء في الحديث. ثم تنطوي عليهم وتتلقطهم من الموقف كما يتلقط الطائر الحب قال الله تعالى: {إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا} [الفرقان: 12 -14] ، وقال تعالى: {ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا} [الكهف: 53] . وقال تعالى: {لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون} [الأنبياء: 39، 40] . ثم أخبر تعالى عن تبرئ آلهتهم منهم أحوج ما يكونون إليها، فقال: {وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم} أي: الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا، {قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون} أي: قالت لهم الآلهة: كذبتم، ما نحن أمرناكم بعبادتنا. كما قال تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} [الأحقاف: 5، 6] وقال تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} [مريم: 81، 82] . وقال الخليل عليه الصلاة والسلام: {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} [العنكبوت: 25] وقال تعالى: {ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا} [الكهف: 52] والآيات في هذا كثيرة. وقوله: {وألقوا إلى الله يومئذ السلم} -قال قتادة، وعكرمة: ذلوا واستسلموا يومئذ، أي: استسلموا لله جميعهم، فلا أحد إلا سامع مطيع، كما قال: {أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا} [مريم: 38] أي: ما أسمعهم وما أبصرهم يومئذ! وقال تعالى: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون} [السجدة: 12] ، وقال: {وعنت الوجوه للحي القيوم} [طه: 111] أي: خضعت وذلت واستكانت وأنابت واستسلمت. {وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي: ذهب واضمحل ما كانوا يعبدونه افتراء على الله فلا ناصر لهم ولا معين ولا مجيز. ثم قال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون} أي: عذابا على كفرهم، وعذابا على صدهم الناس عن اتباع الحق، كما قال تعالى: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} [الأنعام: 26] أي: ينهون الناس، عن اتباعه، ويبتعدون هم منه أيضا {وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون} [الأنعام: 26] وهذا دليل على تفاوت الكفار في عذابهم، كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم، كما قال [الله] تعالى: {قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون} [الأعراف: 38] . وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سريح بن يونس، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله في قول الله: {زدناهم عذابا فوق العذاب} قال: زيدوا عقارب أنيابها كالنخل الطوال .

Bölüm V04/P593–V04/P595

وحدثنا سريج بن يونس، حدثنا إبراهيم بن سليمان، حدثنا الأعمش، عن الحسن، عن ابن عباس أنه قال: {زدناهم عذابا فوق العذاب} قال: هي خمسة أنهار فوق العرش يعذبون ببعضها بالليل وببعضها بالنهار . {ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } يقول تعالى مخاطبا عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم: {ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء} يعني أمته. أي: اذكر ذلك اليوم وهوله وما منحك الله فيه من الشرف العظيم والمقام الرفيع. وهذه الآية شبيهة بالآية التي انتهى إليها عبد الله بن مسعود حين قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم صدر سورة "النساء" فلما وصل إلى قوله تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} [النساء: 41] . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حسبك". قال ابن مسعود، رضي الله عنه: فالتفت فإذا عيناه تذرفان . وقوله: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} قال ابن مسعود: [و] قد بين لنا في هذا القرآن كل علم، وكل شيء. وقال مجاهد: كل حلال وحرام. وقول ابن مسعود: أعم وأشمل؛ فإن القرآن اشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق، وعلم ما سيأتي، وحكم كل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم، ومعاشهم ومعادهم. {وهدى} أي: للقلوب، {ورحمة وبشرى للمسلمين} وقال الأوزاعي: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} أي: بالسنة. ووجه اقتران قوله: {ونزلنا عليك الكتاب} مع قوله: {وجئنا بك شهيدا على هؤلاء} أن المراد -والله أعلم-: إن الذي فرض عليك تبليغ الكتاب الذي أنزله عليك، سائلك عن ذلك يوم القيامة، {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} [الأعراف: 6] ، {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} [الحجر: 92، 93] ، {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} [المائدة: 109] ، وقال تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} [القصص: 85] أي: إن الذي أوجب عليك تبليغ القرآن لرادك إليه، ومعيدك يوم القيامة، وسائلك عن أداء ما فرض عليك. هذا أحد الأقوال، وهو متجه حسن. {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون } يخبر تعالى أنه يأمر عباده بالعدل، وهو القسط والموازنة، ويندب إلى الإحسان، كما قال تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} [النحل: 126] ، وقال {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله} [الشورى: 40] ، وقال {والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له} [المائدة: 45] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا، من شرعية العدل والندب إلى الفضل. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {إن الله يأمر بالعدل} قال: شهادة أن لا إله إلا الله. وقال سفيان بن عيينة: العدل في هذا الموضع: هو استواء السريرة والعلانية من كل عامل لله عملا. والإحسان: أن تكون سريرته أحسن من علانيته. والفحشاء والمنكر: أن تكون علانيته أحسن من سريرته. وقوله: {وإيتاء ذي القربى} أي: يأمر بصلة الأرحام، كما قال: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا} [الإسراء: 26] . وقوله: {وينهى عن الفحشاء والمنكر} فالفواحش: المحرمات. والمنكرات: ما ظهر منها من فاعلها؛ ولهذا قيل في الموضع الآخر: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} [الأعراف: 33] . وأما البغي فهو: العدوان على الناس. وقد جاء في الحديث: "ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا، مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم" . وقوله {يعظكم} أي: يأمركم بما يأمركم به من الخير، وينهاكم عما ينهاكم عنه من الشر، {لعلكم تذكرون}

Bölüm V04/P595–V04/P596

قال الشعبي، عن شتير بن شكل: سمعت ابن مسعود يقول: إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} الآية. رواه ابن جرير . وقال سعيد عن قتادة: قوله: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} الآية، ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به، وليس من خلق سيئ كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه. وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها. قلت: ولهذا جاء في الحديث: "إن الله يحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها" . وقال الحافظ أبو نعيم في كتابه "كتاب معرفة الصحابة": حدثنا أبو بكر محمد بن الفتح الحنبلي، حدثنا يحيى بن محمد مولى بني هاشم، حدثنا الحسن بن داود المنكدري، حدثنا عمر بن علي المقدمي، عن علي بن عبد الملك بن عمير عن أبيه قال: بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يأتيه فأبى قومه أن يدعوه وقالوا: أنت كبيرنا، لم تكن لتخف إليه! قال: فليأته من يبلغه عني ويبلغني عنه. فانتدب رجلان فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقالا نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك: من أنت؟ وما أنت ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما من أنا فأنا محمد بن عبد الله، وأما ما أنا فأنا عبد الله ورسوله". قال: ثم تلا عليهم هذه الآية: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} قالوا: اردد علينا هذا القول فردده عليهم حتى حفظوه. فأتيا أكثم فقالا أبى أن يرفع نسبه، فسألنا عن نسبه، فوجدناه زاكي النسب، وسطا في مضر، وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها، فلما سمعهن أكثم قال: إني قد أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رءوسا، ولا تكونوا فيه أذنابا . وقد ورد في نزول هذه الآية الكريمة حديث حسن، رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، حدثني عبد الله بن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء بيته جالس، إذ مر به عثمان بن مظعون، فكشر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا تجلس؟ " فقال: بلى. قال: فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبله، فبينما هو يحدثه إذ شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره في السماء، فنظر ساعة إلى [السماء] فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمنته في الأرض، فتحرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره فأخذ ينغض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له، وابن مظعون ينظر فلما قضى حاجته واستفقه ما يقال له، شخص بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء كما شخص أول مرة. فأتبعه بصره حتى توارى في السماء. فأقبل إلى عثمان بجلسته الأولى فقال: يا محمد، فيما كنت أجالسك؟ ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة! قال: "وما رأيتني فعلت؟ " قال: رأيتك شخص بصرك إلى السماء ثم وضعته حيث وضعته على يمينك، فتحرفت إليه وتركتني، فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئا يقال لك. قال: "وفطنت لذلك؟ " فقال عثمان: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاني رسول الله آنفا وأنت جالس". قال: رسول الله؟ قال: "نعم". قال: فما قال لك؟ قال: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} قال عثمان: فذلك حين استقر الإيمان في قلبي، وأحببت محمدا صلى الله عليه وسلم . إسناد جيد متصل حسن، قد بين فيه السماع المتصل. ورواه ابن أبي حاتم، من حديث عبد الحميد بن بهرام مختصرا. حديث آخر: عن عثمان بن أبي العاص الثقفي في ذلك، قال الإمام أحمد:

Bölüm V04/P596–V04/P598

حدثنا أسود بن عامر، حدثنا هريم، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا، إذ شخص بصره فقال: "أتاني جبريل، فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان [وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون] } . وهذا إسناد لا بأس به، ولعله عند شهر بن حوشب من الوجهين، والله أعلم. {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } وهذا مما يأمر الله تعالى به وهو الوفاء بالعهود والمواثيق، والمحافظة على الأيمان المؤكدة؛ ولهذا قال: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} ولا تعارض بين هذا وبين قوله: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا [وتصلحوا بين الناس] } [البقرة: 224] وبين قوله تعالى: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم} [المائدة: 89] أي: لا تتركوها بلا تكفير، وبين قوله، عليه السلام فيما ثبت عنه في الصحيحين : إني والله إن شاء الله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها". وفي رواية: "وكفرت عن يميني" لا تعارض بين هذا كله، ولا بين الآية المذكورة هاهنا وهي قوله: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها [وقد جعلتم الله عليكم كفيلا] } ؛ لأن هذه الأيمان، المراد بها الداخلة في العهود والمواثيق، لا الأيمان التي هي واردة على حث أو منع؛ ولهذا قال مجاهد في قوله: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} يعني: الحلف، أي: حلف الجاهلية؛ ويؤيده ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد -هو ابن أبي شيبة-حدثنا ابن نمير وأبو أسامة، عن زكريا -هو ابن أبي زائدة-عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة". وكذا رواه مسلم، عن ابن أبي شيبة، به . ومعناه أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، فإن في التمسك بالإسلام كفاية عما كانوا فيه. وأما ما ورد في الصحيحين، عن عاصم الأحول، عن أنس، رضي الله عنه، أنه قال: حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دارنا -فمعناه: أنه آخى بينهم، فكانوا يتوارثون به، حتى نسخ الله ذلك والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عمارة الأسدي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا ابن أبي ليلى، عن مزيدة في قوله: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} قال: نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم، كان من أسلم بايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فقال: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} هذه البيعة التي بايعتم على الإسلام، {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} البيعة، لا يحملنكم قلة محمد [وأصحابه] وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي تبايعتم على الإسلام. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا صخر بن جويرية، عن نافع قال: لما خلع الناس يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر بنيه وأهله، ثم تشهد، ثم قال: أما بعد، فإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال هذه غدرة فلان وإن من أعظم الغدر -إلا أن يكون الإشراك بالله-أن يبايع رجل رجلا على بيعة الله ورسوله، ثم ينكث بيعته، فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر، فيكون صيلم بيني وبينه" . المرفوع منه في الصحيحين .

Sorular