Qur'an&Sunnah

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

Bölüm V05/P110–V05/P111

وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وهذا القول هو أشهر الأقوال. وقال: العوفي عن ابن عباس: {أدخلني مدخل صدق} يعني: الموت {وأخرجني مخرج صدق} يعني: الحياة بعد الموت. وقيل غير ذلك من الأقوال. والأول أصح، وهو اختيار ابن جرير. وقوله: {واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} قال الحسن البصري في تفسيرها: وعده ربه لينزعن ملك فارس، وعز فارس، وليجعلنه له، وملك الروم، وعز الروم، وليجعلنه له. وقال قتادة فيها أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، علم ألا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانا نصيرا لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله؛ فإن السلطان رحمة من الله جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، فأكل شديدهم ضعيفهم. قال مجاهد: {سلطانا نصيرا} حجة بينة. واختار ابن جرير قول الحسن وقتادة، وهو الأرجح؛ لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه؛ ولهذا قال [سبحانه و] تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب} [الحديد: 25] وفي الحديث: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" أي: ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام، ما لا يمتنع كثير من الناس بالقرآن، وما فيه من الوعيد الأكيد، والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع. وقوله: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} تهديد ووعيد لكفار قريش؛ فإنه قد جاءهم من الله الحق الذي لا مرية فيه ولا قبل لهم به، وهو ما بعثه الله به من القرآن والإيمان والعلم النافع. وزهق باطلهم، أي اضمحل وهلك، فإن الباطل لا ثبات له مع الحق ولا بقاء {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} [الأنبياء: 18] . وقال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: {جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} ، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد" . وكذا رواه البخاري أيضا في غير هذا الموضع، ومسلم، والترمذي، والنسائي، كلهم من طرق عن سفيان بن عيينة به. [وكذا رواه عبد الرزاق عن الثوري عن ابن أبي نجيح] . وكذا رواه الحافظ أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا شبابة، حدثنا المغيرة، حدثنا أبو الزبير، عن جابر رضي الله عنه، قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما يعبدون من دون الله. فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبت لوجهها، وقال: "جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا" . {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } . يقول تعالى مخبرا عن كتابه الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم -وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد -إنه: {شفاء ورحمة للمؤمنين} أي: يذهب ما في القلوب من أمراض، من شك ونفاق، وشرك وزيغ وميل، فالقرآن يشفي من ذلك كله. وهو أيضا رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه، فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة. وأما الكافر الظالم نفسه بذلك، فلا يزيده سماعه القرآن إلا بعدا وتكذيبا وكفرا. والآفة من الكافر لا من القرآن، كما قال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت: 44] وقال تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} [التوبة: 124، 125] . والآيات في ذلك كثيرة.

Bölüm V05/P111–V05/P113

قال قتادة في قوله: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه {ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} إنه لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه، فإن الله جعل هذا القرآن شفاء، ورحمة للمؤمنين. {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا } . يخبر تعالى عن نقص الإنسان من حيث هو، إلا من عصم الله تعالى في حالتي سرائه وضرائه، بأنه إذا أنعم الله عليه بمال وعافية، وفتح ورزق ونصر، ونال ما يريد، أعرض عن طاعة الله وعبادته ونأى بجانبه. قال مجاهد: بعد عنا. قلت: وهذا كقوله تعالى: {فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} [يونس: 12] ، وقوله {فلما نجاكم إلى البر أعرضتم} [الإسراء: 67] . وبأنه إذا مسه الشر -وهو المصائب والحوادث والنوائب - {كان يئوسا} أي: قنط أن يعود يحصل له بعد ذلك خير، كما قال تعالى: {ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير} [هود: 10، 11] . وقوله تعالى: {قل كل يعمل على شاكلته} قال ابن عباس: على ناحيته. وقال مجاهد: على حدته وطبيعته. وقال قتادة: على نيته. وقال ابن زيد: دينه. وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى. وهذه الآية -والله أعلم -تهديد للمشركين ووعيد لهم، كقوله تعالى: {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون} [هود: 121، 122] ولهذا قال: {قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا} أي: منا ومنكم، وسيجزي كل عامل بعمله، فإنه لا تخفى عليه خافية. {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله -هو ابن مسعود رضي الله عنه -قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث في المدينة، وهو متوكئ على عسيب، فمر بقوم من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح. فقال بعضهم: لا تسألوه. قال: فسألوه عن الروح فقالوا يا محمد، ما الروح؟ فما زال متوكئا على العسيب، قال: فظننت أنه يوحى إليه، فقال: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم لا تسألوه. وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث الأعمش، به . ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية، عن عبد الله بن مسعود قال: بينا أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث، وهو متوكئ على عسيب، إذ مر اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال: ما رابكم إليه. وقال بعضهم: لا يستقبلنكم بشيء تكرهونه. فقالوا سلوه فسألوه عن الروح، فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليه شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} الآية . وهذا السياق يقتضي فيما يظهر بادي الرأي: أن هذه الآية مدنية، وأنها إنما نزلت حين سأله اليهود، عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة كلها مكية. وقد يجاب عن هذا: بأنه قد يكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك، أو أنه نزل عليه الوحي بأنه يجيبهم عما سألوا بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهي هذه الآية: {ويسألونك عن الروح} ومما يدل على نزول هذه الآية بمكة ما قال الإمام أحمد:

Bölüm V05/P113–V05/P114

حدثنا قتيبة، حدثنا يحيى بن زكريا، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل. فقالوا: سلوه عن الروح. فسألوه، فنزلت: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} قالوا: أوتينا علما كثيرا، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا. قال: وأنزل الله: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} [الكهف: 109] . وقد روى ابن جرير، عن محمد بن المثنى، عن عبد الأعلى، عن داود، عن عكرمة قال: سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح، فأنزل الله: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} فقالوا يزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلا وقد أوتينا التوراة، وهي الحكمة {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} ؟ [البقرة: 269] قال: فنزلت: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} [لقمان: 27] . قال: ما أوتيتم من علم، فنجاكم الله به من النار، فهو كثير طيب وهو في علم الله قليل . وقال محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار قال: نزلت بمكة: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أتاه أحبار يهود. وقالوا يا محمد، ألم يبلغنا عنك أنك تقول: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} أفعنيتنا أم عنيت قومك؟ فقال: "كلا قد عنيت". قالوا: إنك تتلو أنا أوتينا التوراة، وفيها تبيان كل شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي في علم الله قليل، وقد آتاكم ما إن عملتم به استقمتم"، وأنزل الله: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم} [لقمان: 27] . وقد اختلف المفسرون في المراد بالروح هاهنا على أقوال: أحدها: أن المراد [بالروح] : أرواح بني آدم. قال العوفي، عن ابن عباس في قوله: {ويسألونك عن الروح} الآية، وذلك أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرنا عن الروح؟ وكيف تعذب الروح التي في الجسد، وإنما الروح من الله؟ ولم يكن نزل عليه فيه شيء، فلم يحر إليهم شيئا. فأتاه جبريل فقال له: {قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقالوا: من جاءك بهذا؟ فقال: "جاءني به جبريل من عند الله؟ " فقالوا له: والله ما قاله لك إلا عدو لنا. فأنزل الله: {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله [مصدقا لما بين يديه] } الآية [البقرة: 97] . وقيل: المراد بالروح هاهنا: جبريل. قاله قتادة، قال: وكان ابن عباس يكتمه. وقيل: المراد به هاهنا: ملك عظيم بقدر المخلوقات كلها. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: {ويسألونك عن الروح} يقول: الروح: ملك. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله بن عرس المصري، حدثنا وهب بن رزق أبو هريرة حدثنا بشر بن بكر، حدثنا الأوزاعي، حدثنا عطاء، عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن لله ملكا، لو قيل له: التقم السماوات السبع والأرضين بلقمة واحدة، لفعل، تسبيحه: سبحانك حيث كنت" . وهذا حديث غريب، بل منكر. وقال أبو جعفر بن جرير، رحمه الله: حدثني علي، حدثني عبد الله، حدثني أبو نمران يزيد بن سمرة صاحب قيسارية، عمن حدثه عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنه قال في قوله: {ويسألونك عن الروح} قال: هو ملك من الملائكة، له سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف لسان، لكل لسان منها [سبعون] ألف لغة، يسبح الله تعالى بتلك اللغات كلها، يخلق الله من كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة .

Bölüm V05/P114–V05/P116

وهذا أثر غريب عجيب، والله أعلم. وقال السهيلي: روي عن علي أنه قال: هو ملك، له مائة ألف رأس، لكل رأس مائة ألف وجه، في كل وجه مائة ألف فم، في كل فم مائة ألف لسان، يسبح الله تعالى بلغات مختلفة. قال السهيلي: وقيل المراد بذلك: طائفة من الملائكة على صور بني آدم. وقيل: طائفة يرون الملائكة ولا تراهم فهم للملائكة كالملائكة لبني آدم. وقوله: {قل الروح من أمر ربي} أي: من شأنه، ومما استأثر بعلمه دونكم؛ ولهذا قال: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} أي: وما أطلعكم من علمه إلا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء تبارك وتعالى. والمعنى: أن علمكم في علم الله قليل، وهذا الذي تسألون عنه من أمر الروح مما استأثر به تعالى، ولم يطلعكم عليه، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى. وسيأتي إن شاء الله في قصة موسى والخضر: أن الخضر نظر إلى عصفور وقع على حافة السفينة، فنقر في البحر نقرة، أي: شرب منه بمنقاره، فقال: يا موسى، ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر. أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا قال تبارك وتعالى: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} وقال السهيلي: قال بعض الناس: لم يجبهم عما سألوا؛ لأنهم سألوا على وجه التعنت. وقيل: أجابهم، وعول السهيلي على أن المراد بقوله: {قل الروح من أمر ربي} أي: من شرعه، أي: فادخلوا فيه، وقد علمتم ذلك لأنه لا سبيل إلى معرفة هذا من طبع ولا فلسفة، وإنما ينال من جهة الشرع. وفي هذا المسلك الذي طرقه وسلكه نظر، والله أعلم. ثم ذكر السهيلي الخلاف بين العلماء في أن الروح هي النفس، أو غيرها، وقرر أنها ذات لطيفة كالهواء، سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر. وقرر أن الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس بشرط اتصالها بالبدن، واكتسابها بسببه صفات مدح أو ذم، فهي إما نفس مطمئنة أو أمارة بالسوء. قال: كما أن الماء هو حياة الشجر، ثم يكسب بسبب اختلاطه معها اسما خاصا، فإذا اتصل بالعنبة وعصر منها صار إما مصطارا أو خمرا، ولا يقال له: "ماء" حينئذ إلا على سبيل المجاز، وهكذا لا يقال للنفس: "روح" إلا على هذا النحو، وكذلك لا يقال للروح: نفس إلا باعتبار ما تئول إليه. فحاصل ما يقول أن الروح أصل النفس ومادتها، والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن، فهي هي من وجه لا من كل وجه وهذا معنى حسن، والله أعلم. قلت: وقد تكلم الناس في ماهية الروح وأحكامها وصنفوا في ذلك كتبا. ومن أحسن من تكلم على ذلك الحافظ ابن منده، في كتاب سمعناه في: الروح . {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا } {إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا } . يذكر تعالى نعمته وفضله العظيم على عبده ورسوله الكريم، فيما أوحاه إليه من القرآن المجيد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. قال ابن مسعود، رضي الله عنه: يطرق الناس ريح حمراء -يعني في آخر الزمان -من قبل الشام، فلا يبقى في مصحف رجل ولا في قلبه آية، ثم قرأ ابن مسعود: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} الآية. ثم نبه تعالى على شرف هذا القرآن العظيم، فأخبر أنه لو اجتمعت الإنس والجن كلهم، واتفقوا على أن يأتوا بمثل ما أنزله على رسوله، لما أطاقوا ذلك ولما استطاعوه، ولو تعاونوا وتساعدوا وتظافروا، فإن هذا أمر لا يستطاع، وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق، الذي لا نظير له، ولا مثال له، ولا عديل له؟!

Bölüm V05/P116–V05/P117

وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد [بن جبير] أو عكرمة، عن ابن عباس: إن هذه الآية نزلت في نفر من اليهود، جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: إنا نأتيك بمثل ما جئتنا به، فأنزل الله هذه الآية. وفي هذا نظر؛ لأن هذه السورة مكية، وسياقها كله مع قريش، واليهود إنما اجتمعوا به في المدينة. فالله أعلم. وقوله: {ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} أي: بينا لهم الحجج والبراهين القاطعة، ووضحنا لهم الحق وشرحناه وبسطناه، ومع هذا {فأبى أكثر الناس إلا كفورا} أي: جحودا وردا للصواب. {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا } قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني شيخ من أهل مصر، قدم منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، ورجلا من بني عبد الدار، وأبا البختري أخا بني أسد، والأسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية، وأمية ابن خلف، والعاص بن وائل، ونبيها ومنبها ابني الحجاج السهميين، اجتمعوا، أو: من اجتمع منهم، بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه فبعثوا إليه: أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك. فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بداء، وكان عليهم حريصا، يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك! لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، فما بقي من أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك! فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا، سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك -وكانوا يسمون التابع من الجن: الرئي -فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب، حتى نبرئك منه، أو نعذر فيك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم". أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما. فقالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق منا بلادا، ولا أقل مالا ولا أشد عيشا منا، فاسأل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا قصي بن كلاب، فإنه كان شيخا صدوقا، فنسألهم عما تقول حق هو أم باطل؟ فإن صنعت ما سألناك وصدقوك، صدقناك، وعرفنا منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول!

Bölüm V05/P117–V05/P119

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلغتكم ما أرسلت به، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم". قالوا: فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك، فاسأل ربك أن يبعث ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لك جنانا، وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة، ويغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك، إن كنت رسولا كما تزعم. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم". قالوا: فأسقط السماء، كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ذلك، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك". فقالوا: يا محمد، أما علم ربك أنا سنجلس معك، ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب فيقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا، إذا لم نقبل منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة، يقال له: الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا. فلما قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته، ابن عاتكة ابنة عبد المطلب، فقال: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا، فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله، فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل لهم ما تخوفهم به من العذاب، فوالله لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه، وأنا أنظر حتى تأتيها، وتأتي معك بنسخة منشورة، معك أربعة من الملائكة، يشهدون أنك كما تقول. وايم الله، لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك. ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا أسفا لما فاته، مما كان طمع فيه من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه . وهكذا رواه زياد بن عبد الله البكائي، عن ابن إسحاق، حدثني بعض أهل العلم، عن سعيد ابن جبير وعكرمة، عن ابن عباس، فذكر مثله سواء. وهذا المجلس الذي اجتمع هؤلاء له، لو علم الله منهم أنهم يسألون ذلك استرشادا لأجيبوا إليه، ولكن علم أنهم إنما يطلبون ذلك كفرا وعنادا، فقيل للرسول: إن شئت أعطيناهم ما سألوا فإن كفروا عذبتهم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة، فقال: "بل تفتح عليهم باب التوبة والرحمة" كما تقدم ذلك في حديثي ابن عباس والزبير بن العوام أيضا، عند قوله تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} [الإسراء: 59] وقال تعالى: {وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا} [الفرقان: 7 -11] .

Bölüm V05/P119–V05/P120

وقوله تعالى: {حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} الينبوع: العين الجارية، سألوه أن يجري لهم عينا معينا في أرض الحجاز هاهنا وهاهنا، وذلك سهل يسير على الله تعالى، لو شاء لفعله ولأجابهم إلى جميع ما سألوا وطلبوا، ولكن علم أنهم لا يهتدون، كما قال تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97] وقال تعالى: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون} [الأنعام: 111] . وقوله تعالى {أو تسقط السماء كما زعمت} أي: أنك وعدتنا أن يوم القيامة تنشق فيه السماء وتهي، وتدلى أطرافها، فعجل ذلك في الدنيا، وأسقطها كسفا [أي: قطعا، كقولهم: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} الآية [الأنفال: 32] ، وكذلك سأل قوم شعيب منه فقالوا: {أسقط علينا كسفا] من السماء إن كنت من الصادقين} [الشعراء: 187] . فعاقبهم الرب بعذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم. وأما نبي الرحمة، ونبي التوبة المبعوث رحمة للعالمين، فسأل إنظارهم وتأجيلهم، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا. وكذلك وقع، فإن من هؤلاء الذين ذكروا من أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه حتى "عبد الله بن أبي أمية" الذي تبع النبي صلى الله عليه وسلم وقال له ما قال، أسلم إسلاما تاما، وأناب إلى الله عز وجل. {أو يكون لك بيت من زخرف} قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: هو الذهب. وكذلك هو في قراءة ابن مسعود: "أو يكون لك بيت من ذهب"، {أو ترقى في السماء} أي: تصعد في سلم ونحن ننظر إليك {ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه} قال مجاهد: أي مكتوب فيه إلى كل واحد واحد صحيفة: هذا كتاب من الله لفلان بن فلان، تصبح موضوعة عند رأسه . وقوله: {قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا} أي: سبحانه وتعالى وتقدس أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكوته، بل هو الفعال لما يشاء، إن شاء أجابكم إلى ما سألتم، وإن شاء لم يجبكم، وما أنا إلا رسول إليكم أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم، وقد فعلت ذلك، وأمركم فيما سألتم إلى الله عز وجل. قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عرض ربي عز وجل ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، فقلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوما، وأجوع يوما -أو نحو ذلك -فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك". ورواه الترمذي في "الزهد" عن سويد بن نصر عن ابن المبارك، به وقال: هذا حديث حسن. وعلي بن يزيد يضعف في الحديث. {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } يقول تعالى: {وما منع الناس} أي: أكثرهم {أن يؤمنوا} ويتابعوا الرسل، إلا استعجابهم من بعثته البشر رسلا كما قال تعالى: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا} [يونس: 2] . وقال تعالى: {ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد} [التغابن: 6] ، وقال فرعون وملؤه: {أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون} [المؤمنون: 47] ، وكذلك قالت الأمم لرسلهم: {إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين} [إبراهيم: 10] ، والآيات في هذا كثيرة.

Bölüm V05/P120–V05/P122

ثم قال تعالى منبها على لطفه ورحمته بعباده: إنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم، ليفقهوا عنه ويفهموا منه، لتمكنهم من مخاطبته ومكالمته، ولو بعث إلى البشر رسولا من الملائكة لما استطاعوا مواجهته ولا الأخذ عنه، كما قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} [آل عمران: 164] ، وقال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [التوبة: 128] ، وقال تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} [البقرة: 151، 152] ؛ ولهذا قال هاهنا: {لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين} أي: كما أنتم فيها {لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا} أي: من جنسهم، ولما كنتم أنتم بشرا، بعثنا فيكم رسلنا منكم لطفا ورحمة. {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } يقول تعالى مرشدا نبيه إلى الحجة على قومه، في صدق ما جاءهم به: أنه شاهد علي وعليكم، عالم بما جئتكم به، فلو كنت كاذبا [عليه] انتقم مني أشد الانتقام، كما قال تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين} [الحاقة: 44 -46] . وقوله: {إنه كان بعباده خبيرا بصيرا} أي: عليم بهم بمن يستحق الإنعام والإحسان والهداية، ممن يستحق الشقاء والإضلال والإزاغة؛ ولهذا قال: {ومن يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا } . يقول تعالى مخبرا عن تصرفه في خلقه، ونفوذ حكمه، وأنه لا معقب له، بأنه من يهده فلا مضل له (ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه) أي: يهدونهم، كما قال: {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا} [الكهف: 17] . وقوله: (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم) قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل عن نفيع قال : سمعت أنس بن مالك يقول: قيل: يا رسول الله، كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال: "الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم". وأخرجاه في الصحيحين . وقال الإمام أحمد أيضا: [حدثنا يزيد] ، حدثنا الوليد بن جميع القرشي، عن أبيه، حدثنا أبو الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد قال: قام أبو ذر فقال: يا بني غفار، قولوا ولا تحلفوا، فإن الصادق المصدوق حدثني: أن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج: فوج راكبين طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النار. فقال قائل منهم: هذان قد عرفناهما، فما بال الذين يمشون ويسعون ؟ قال: يلقي الله، عز وجل، الآفة على الظهر حتى لا يبقى ظهر، حتى إن الرجل لتكون له الحديقة المعجبة، فيعطيها بالشارف ذات القتب، فلا يقدر عليها . وقوله: (عميا) أي: لا يبصرون (وبكما) يعني: لا ينطقون (وصما) : لا يسمعون. وهذا يكون في حال دون حال جزاء لهم كما كانوا في الدنيا بكما وعميا وصما عن الحق فجوزوا في محشرهم بذلك أحوج ما يحتاجون إليه (مأواهم) أي: منقلبهم ومصيرهم (جهنم كلما خبت) قال ابن عباس: سكنت . وقال مجاهد: طفئت (زدناهم سعيرا) أي: لهبا ووهجا وجمرا، كما قال: {فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا} [النبإ: 30] . {ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا } .

Bölüm V05/P122–V05/P123

يقول تعالى: هذا الذي جازيناهم به، من البعث على العمى والبكم والصمم، جزاؤهم الذي يستحقونه؛ لأنهم كذبوا (بآياتنا) أي بأدلتنا وحججنا، واستبعدوا وقوع البعث (وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا) بالية نخرة (أئنا لمبعوثون خلقا جديدا) أي: بعد ما صرنا إلى ما صرنا إليه من البلى والهلاك، والتفرق والذهاب في الأرض نعاد مرة ثانية؟ فاحتج تعالى عليهم، ونبههم على قدرته على ذلك، بأنه خلق السماوات والأرض، فقدرته على إعادتهم أسهل من ذلك كما قال: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} [غافر: 57] وقال {أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} [الأحقاف: 33] وقال {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون} [يس: 81، 83] . وقال هاهنا: (أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم) أي: يوم القيامة يعيد أبدانهم وينشئهم نشأة أخرى، ويعيدهم كما بدأهم. وقوله: (وجعل لهم أجلا لا ريب فيه) أي: جعل لإعادتهم وإقامتهم من قبورهم أجلا مضروبا ومدة مقدرة لا بد من انقضائها، كما قال تعالى: {وما نؤخره إلا لأجل معدود} [هود: 104] . وقوله: (فأبى الظالمون) أي: بعد قيام الحجة عليهم (إلا كفورا) إلا تماديا في باطلهم وضلالهم. {قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا } يقول تعالى لرسوله صلوات الله عليه وسلامه قل لهم يا محمد: لو أنكم -أيها الناس -تملكون التصرف في خزائن الله، لأمسكتم خشية الإنفاق. قال ابن عباس، وقتادة: أي الفقر أي: خشية أن تذهبوها ، مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبدا؛ لأن هذا من طباعكم وسجاياكم؛ ولهذا قال: (وكان الإنسان قتورا) قال ابن عباس، وقتادة : أي بخيلا منوعا. وقال الله تعالى: {أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا} [النساء: 53] أي: لو أن لهم نصيبا في ملك الله لما أعطوا أحدا شيئا، ولا مقدار نقير، والله تعالى يصف الإنسان من حيث هو، إلا من وفقه الله وهداه؛ فإن البخل والجزع والهلع صفة له، كما قال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين} [المعارج: 19 -22] . ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز، ويدل هذا على كرمه وجوده وإحسانه، وقد جاء في الصحيحين: "يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه" . {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا } . يخبر تعالى أنه بعث موسى بتسع آيات بينات، وهي الدلائل القاطعة على صحة نبوته وصدقه فيما أخبر به عمن أرسله إلى فرعون، وهي: العصا، واليد، والسنين ، والبحر، والطوفان ، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات. قاله ابن عباس. وقال محمد بن كعب: هي اليد، والعصا، والخمس في الأعراف، والطمسة والحجر. وقال: ابن عباس أيضا، ومجاهد، وعكرمة والشعبي، وقتادة: هي يده، وعصاه، والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم.

Bölüm V05/P123–V05/P125

وهذا القول ظاهر جلي حسن قوي. وجعل الحسن البصري "السنين ونقص الثمرات" واحدة، وعنده أن التاسعة هي: تلقف العصا ما يأفكون. {فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين} [الأعراف: 133] أي: ومع هذه الآيات ومشاهدتهم لها، كفروا بها وجحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا، وما نجعت فيهم، فكذلك لو أجبنا هؤلاء الذين سألوا منك سألوا، وقالوا: {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} [الإسراء: 90] إلى آخرها، لما استجابوا ولا آمنوا إلا أن يشاء الله، كما قال فرعون لموسى -وقد شاهد منه ما شاهد من هذه الآيات-: (إني لأظنك يا موسى مسحورا) قيل: بمعنى ساحر. والله تعالى أعلم. فهذه الآيات التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة هي المرادة هاهنا، وهي المعنية في قوله تعالى: {وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين} [النمل: 10 -12] . فذكر هاتين الآيتين: العصا واليد، وبين الآيات الباقيات في "سورة الأعراف" وفصلها. وقد أوتي موسى، عليه السلام، آيات أخر كثيرة، منها ضربه الحجر بالعصا، وخروج الأنهار منه، ومنها تظليلهم بالغمام، وإنزال المن والسلوى، وغير ذلك مما أوتوه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم بلاد مصر، ولكن ذكر هاهنا التسع الآيات التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر، وكانت حجة عليهم فخالفوها وعاندوها كفرا وجحودا. فأما الحديث الذي رواه الإمام [أحمد] : حدثنا يزيد، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن سلمة يحدث، عن صفوان بن عسال المرادي، رضي الله عنه، قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي [صلى الله عليه وسلم] حتى نسأله عن هذه الآية: (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات) فقال: لا تقل له: نبي فإنه لو سمعك لصارت له أربع أعين. فسألاه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة -أو قال: لا تفروا من الزحف -شعبة الشاك -وأنتم يا يهود، عليكم خاصة أن لا تعدوا في السبت". فقبلا يديه ورجليه، وقالا نشهد أنك نبي. [قال: "فما يمنعكما أن تتبعاني؟ " قالا لأن داود، عليه السلام، دعا ألا يزال من ذريته نبي] ، وإنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا يهود. فهذا الحديث رواه هكذا الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير في تفسيره من طرق عن شعبة بن الحجاج، به وقال الترمذي: حسن صحيح. وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات، فإنها، وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون، والله أعلم. ولهذا قال موسى لفرعون: (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر) أي: حججا وأدلة على صدق ما جئتك به (وإني لأظنك يا فرعون مثبورا) أي: هالكا. قاله مجاهد وقتادة. وقال ابن عباس ملعونا. وقال: أيضا هو والضحاك: (مثبورا) أي: مغلوبا. والهالك -كما قال مجاهد -يشمل هذا كله، قال عبد الله بن الزبعرى: إذ أجاري الشيطان في سنن الغ ي ومن مال ميله مثبور [بمعنى هالك] . وقرأ بعضهم برفع التاء من قوله: "علمت" وروي ذلك عن علي بن أبي طالب. ولكن قراءة الجمهور بفتح التاء على الخطاب لفرعون، كما قال تعالى: {فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} [النمل: 13، 14] .

Bölüm V05/P125–V05/P126

فهذا كله مما يدل على أن المراد بالتسع الآيات إنما هي ما تقدم ذكره من العصا، واليد، والسنين، ونقص من الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. التي فيها حجج وبراهين على فرعون وقومه، وخوارق ودلائل على صدق موسى ووجود الفاعل المختار الذي أرسله. وليس المراد منها كما ورد في هذا الحديث، فإن هذه الوصايا ليس فيها حجج على فرعون وقومه، وأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون؟ وما جاء هذا الوهم إلا من قبل "عبد الله بن سلمة فإن له بعض ما ينكر. والله أعلم. ولعل ذينك اليهوديين إنما سألا عن العشر الكلمات، فاشتبه على الراوي بالتسع الآيات، فحصل وهم في ذلك. والله أعلم. وقوله: (فأراد أن يستفزهم من الأرض) أي: يخليهم منها ويزيلهم عنها (فأغرقناه ومن معه جميعا وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض) وفي هذا بشارة لمحمد صلى الله عليه وسلم بفتح مكة مع أن السورة نزلت قبل الهجرة، وكذلك وقع؛ فإن أهل مكة هموا بإخراج الرسول منها، كما قال تعالى: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا} [الإسراء: 76، 77] ؛ ولهذا أورث الله رسوله مكة، فدخلها عنوة على أشهر القولين، وقهر أهلها، ثم أطلقهم حلما وكرما، كما أورث الله القوم الذين كانوا يستضعفون من بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها، وأورثهم بلاد فرعون وأموالهم وزروعهم وثمارهم وكنوزهم، كما قال: {كذلك وأورثناها بني إسرائيل} [الشعراء: 59] وقال هاهنا (وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا) أي: جميعكم أنتم وعدوكم. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: (لفيفا) أي: جميعا. {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا } . يقول تعالى مخبرا عن كتابه العزيز، وهو القرآن المجيد، أنه بالحق نزل، أي: متضمنا للحق، كما قال تعالى: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه} [النساء: 166] أي: متضمنا علم الله الذي أراد أن يطلعكم عليه، من أحكامه وأمره ونهيه. وقوله: {وبالحق نزل} أي: ووصل إليك -يا محمد -محفوظا محروسا، لم يشب بغيره، ولا زيد فيه ولا نقص منه، بل وصل إليك بالحق، فإنه نزل به شديد القوى، [القوي] الأمين المكين المطاع في الملإ الأعلى. وقوله: {وما أرسلناك} أي: يا محمد {إلا مبشرا} لمن أطاعك من المؤمنين {ونذيرا} لمن عصاك من الكافرين. وقوله: {وقرآنا فرقناه} أما قراءة من قرأ بالتخفيف، فمعناه: فصلناه من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفرقا منجما على الوقائع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة. قاله عكرمة عن ابن عباس. وعن ابن عباس أيضا أنه قال {فرقناه} بالتشديد، أي: أنزلناه آية آية، مبينا مفسرا؛ ولهذا قال: {لتقرأه على الناس} أي: لتبلغه الناس وتتلوه عليهم {على مكث} أي: مهل {ونزلناه تنزيلا} أي: شيئا بعد شيء. {قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا } .

Bölüm V05/P126–V05/P128

يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قل} يا محمد لهؤلاء الكافرين بما جئتهم به من هذا القرآن العظيم: {آمنوا به أو لا تؤمنوا} أي: سواء آمنتم به أم لا فهو حق في نفسه، أنزله الله ونوه بذكره في سالف الأزمان في كتبه المنزلة على رسله؛ ولهذا قال: {إن الذين أوتوا العلم من قبله} أي: من صالح أهل الكتاب الذين يمسكون بكتابهم ويقيمونه، ولم يبدلوه ولا حرفوه {إذا يتلى عليهم} هذا القرآن، {يخرون للأذقان} جمع ذقن، وهو أسفل الوجه {سجدا} أي: لله عز وجل، شكرا على ما أنعم به عليهم، من جعله إياهم أهلا إن أدركوا هذا الرسول الذي أنزل عليه [هذا] الكتاب؛ ولهذا يقولون: {سبحان ربنا} أي: تعظيما وتوقيرا على قدرته التامة، وأنه لا يخلف الميعاد الذي وعدهم على ألسنة الأنبياء [المتقدمين عن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قالوا: {سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا} ] . وقوله: {ويخرون للأذقان يبكون} أي: خضوعا لله عز وجل وإيمانا وتصديقا بكتابه ورسوله، ويزيدهم الله خشوعا، أي: إيمانا وتسليما كما قال: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد: 17] . وقوله: {ويخرون} عطف صفة على صفة لا عطف سجود على سجود، كما قال الشاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا } . يقول تعالى: قل يا محمد، لهؤلاء المشركين المنكرين صفة الرحمة لله، عز وجل، المانعين من تسميته بالرحمن: {ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} أي: لا فرق بين دعائكم له باسم "الله" أو باسم " الرحمن "، فإنه ذو الأسماء الحسنى، كما قال تعالى: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم} إلى أن قال: {له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} [الحشر: 22 -24] . وقد روى مكحول أن رجلا من المشركين سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول في سجوده: "يا رحمن يا رحيم"، فقال: إنه يزعم أنه يدعو واحدا، وهو يدعو اثنين. فأنزل الله هذه الآية. وكذا روي عن ابن عباس، رواهما ابن جرير. وقوله: {ولا تجهر بصلاتك} الآية، قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية وهو متوار بمكة {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها [وابتغ بين ذلك سبيلا] } قال: كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن، وسبوا من أنزله، ومن جاء به. قال: فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ولا تجهر بصلاتك} أي: بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن {ولا تخافت بها} عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك {وابتغ بين ذلك سبيلا} . أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي بشر جعفر بن إياس، به وكذا روى الضحاك عن ابن عباس، وزاد: "فلما هاجر إلى المدينة، سقط ذلك، يفعل أي ذلك شاء" . وقال محمد بن إسحاق: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقرآن وهو يصلي، تفرقوا عنه وأبوا أن يسمعوا منه، فكان الرجل إذا أراد أن يستمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو وهو يصلي، استرق السمع دونهم فرقا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ، ذهب خشية أذاهم فلم يستمع ، فإن خفض صوته صلى الله عليه وسلم لم يستمع الذين يستمعون من قراءته شيئا، فأنزل الله {ولا تجهر بصلاتك} فيتفرقوا عنك {ولا تخافت بها} فلا تسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك دونهم، لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع، فينتفع به {وابتغ بين ذلك سبيلا}

Bölüm V05/P128–V05/P130

وهكذا قال عكرمة، والحسن البصري، وقتادة: نزلت هذه الآية في القراءة في الصلاة. وقال شعبة عن أشعث بن أبي سليم عن الأسود بن هلال، عن ابن مسعود: لم يخافت بها من أسمع أذنيه. قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ قال: أناجي ربي، عز وجل، وقد علم حاجتي. فقيل: أحسنت. وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان. قيل أحسنت. فلما نزلت: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} قيل لأبي بكر: ارفع شيئا، وقيل لعمر: اخفض شيئا . وقال أشعث بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس: نزلت في الدعاء. وهكذا روى الثوري، ومالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: نزلت في الدعاء. وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو عياض، ومكحول، وعروة بن الزبير. وقال الثوري عن [ابن] عياش العامري، عن عبد الله بن شداد قال: كان أعراب من بني تميم إذا سلم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: اللهم ارزقنا إبلا وولدا. قال: فنزلت هذه الآية: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} قول آخر: قال ابن جرير: حدثنا أبو السائب، حدثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، رضي الله عنها، نزلت هذه الآية في التشهد: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} وبه قال حفص، عن أشعث بن سوار، عن محمد بن سيرين، مثله. قول آخر: قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} قال: لا تصل مراءاة الناس، ولا تدعها مخافة الناس. وقال الثوري، عن منصور، عن الحسن البصري: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} قال: لا تحسن علانيتها وتسيء سريرتها. وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، به. وهشيم، عن عوف، عنه به. وسعيد، عن قتادة، عنه كذلك. قول آخر: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {وابتغ بين ذلك سبيلا} قال: أهل الكتاب يخافتون، ثم يجهر أحدهم بالحرف فيصيح به، ويصيحون هم به وراءه، فنهاه أن يصيح كما يصيح هؤلاء، وأن يخافت كما يخافت القوم، ثم كان السبيل الذي بين ذلك، الذي سن له جبريل من الصلاة. وقوله: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا} لما أثبت تعالى لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى، نزه نفسه عن النقائص فقال: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك} بل هو الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. {ولم يكن له ولي من الذل} أي: ليس بذليل فيحتاج أن يكون له ولي أو وزير أو مشير، بل هو تعالى [شأنه] خالق الأشياء وحده لا شريك له، ومقدرها ومدبرها بمشيئته وحده لا شريك له. قال مجاهد في قوله: {ولم يكن له ولي من الذل} لم يحالف أحدا ولا يبتغي نصر أحد. {وكبره تكبيرا} أي: عظمه وأجله عما يقول الظالمون المعتدون علوا كبيرا. قال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن القرظي أنه كان يقول في هذه الآية: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا} الآية، قال: إن اليهود والنصارى قالوا: اتخذ الله ولدا، وقال العرب: [لبيك] لبيك، لا شريك لك؛ إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. وقال الصابئون والمجوس: لولا أولياء الله لذل. فأنزل الله هذه الآية: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا} وقال أيضا: حدثنا بشر، [حدثنا يزيد] حدثنا سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أهله هذه الآية {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا} الصغير من أهله والكبير.

Bölüm V05/P130–V05/P133

قلت: وقد جاء في حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها آية العز وفي بعض الآثار: أنها ما قرئت في بيت في ليلة فيصيبه سرق أو آفة. والله أعلم. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا بشر بن سيحان البصري، حدثنا حرب بن ميمون، حدثنا موسى ابن عبيدة الربذي، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة قال: خرجت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ويدي في يده، فأتى على رجل رث الهيئة، فقال: "أي فلان، ما بلغ بك ما أرى؟ ". قال: السقم والضر يا رسول الله. قال: "ألا أعلمك كلمات تذهب عنك السقم والضر؟ ". قال: لا قال: ما يسرني بها أن شهدت معك بدرا أو أحدا. قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "وهل يدرك أهل بدر وأهل أحد ما يدرك الفقير القانع؟ ". قال: فقال أبو هريرة: يا رسول الله، إياي فعلمني قال: فقل يا أبا هريرة: "توكلت على الحي الذي لا يموت، الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيرا". قال: فأتى علي رسول الله وقد حسنت حالي، قال: فقال لي: "مهيم". قال: قلت: يا رسول الله، لم أزل أقول الكلمات التي علمتني . إسناده ضعيف وفي متنه نكارة. [والله أعلم] . [بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين] تفسير سورة الكهف وهي مكية. ذكر ما ورد في فضلها، والعشر الآيات من أولها وآخرها، وأنها عصمة من الدجال: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: قرأ رجل الكهف، وفي الدار دابة، فجعلت تنفر، فنظر فإذا ضبابة -أو: سحابة-قد غشيته، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " اقرأ فلان، فإنها السكينة تنزلت عند القرآن، أو تنزلت للقرآن ". أخرجاه في الصحيحين، من حديث شعبة، به . وهذا الرجل الذي كان يتلوها هو: أسيد بن الحضير، كما تقدم في تفسير البقرة . وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف، عصم من الدجال ". رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي من حديث قتادة به . ولفظ الترمذي: " من حفظ الثلاث الآيات من أول الكهف " وقال: حسن صحيح. طريق أخرى: قال] الإمام [ أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، عن قتادة سمعت سالم بن أبي الجعد يحدث عن معدان، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال ". ورواه مسلم أيضا والنسائي، من حديث قتادة، به . وفي لفظ النسائي: " من قرأ عشر آيات من الكهف "، فذكره. حديث آخر: وقد رواه النسائي في " اليوم والليلة " عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن شعبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف، فإنه عصمة له من الدجال " . فيحتمل أن سالما سمعه من ثوبان ومن أبي الدرداء. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن فايد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من قرأ أول سورة الكهف وآخرها، كانت له نورا من قدمه إلى رأسه، ومن قرأها كلها كانت له نورا ما بين الأرض إلى السماء " انفرد به أحمد ولم يخرجوه

Bölüm V05/P133–V05/P135

وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه [في تفسيره] بإسناد له غريب، عن خالد بن سعيد بن أبي مريم، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء، يضيء له يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين " . وهذا الحديث في رفعه نظر، وأحسن أحواله الوقف. وهكذا روى الإمام: " سعيد بن منصور " في سننه، عن هشيم بن بشير ، عن أبي هاشم ، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، أنه قال: من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق. هكذا وقع موقوفا، وكذا رواه الثوري، عن أبي هاشم ، به . من حديث أبي سعيد الخدري. وقد أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي بكر محمد بن المؤمل، حدثنا الفضيل بن محمد الشعراني، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا هشيم، حدثنا أبو هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعتين "، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وهكذا رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في سننه، عن الحاكم ، ثم قال البيهقي: ورواه يحيى بن كثير، عن شعبة، عن أبي هاشم بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من قرأ سورة الكهف كما أنزلت كانت له نورا يوم القيامة ". [والله أعلم] . وفي " المختارة " للحافظ الضياء المقدسي من حديث عبد الله بن مصعب بن منظور بن زيد بن خالد الجهني، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي مرفوعا: " من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة، وإن خرج الدجال عصم منه " بسم الله الرحمن الرحيم [رب وفقني] {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا } {ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا } . قد تقدم في أول التفسير أنه تعالى يحمد نفسه المقدسة عند فواتح الأمور وخواتيمها، فإنه المحمود على كل حال، وله الحمد في الأولى والآخرة؛ ولهذا حمد نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم محمد، صلوات الله وسلامه عليه؛ فإنه أعظم نعمة أنعمها الله على أهل الأرض؛ إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، حيث جعله كتابا مستقيما لا اعوجاج فيه ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم، بينا واضحا جليا نذيرا للكافرين وبشيرا للمؤمنين؛ ولهذا قال: {ولم يجعل له عوجا} أي: لم يجعل فيه اعوجاجا ولا زيغا ولا ميلا بل جعله معتدلا مستقيما؛ ولهذا قال: {قيما} أي: مستقيما. {لينذر بأسا شديدا من لدنه} أي: لمن خالفه وكذبه ولم يؤمن به، ينذره بأسا شديدا، عقوبة عاجلة في الدنيا وآجلة في الآخرة {من لدنه} أي: من عند الله الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد. {ويبشر المؤمنين} أي: بهذا القرآن الذين صدقوا إيمانهم بالعمل الصالح {أن لهم أجرا حسنا} أي: مثوبة عند الله جميلة {ماكثين فيه} في ثوابهم عند الله، وهو الجنة، خالدين فيه {أبدا} دائما لا زوال له ولا انقضاء. {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا} قال ابن إسحاق: وهم مشركو العرب في قولهم: نحن نعبد الملائكة، وهم بنات الله. {ما لهم به من علم} أي: بهذا القول الذي افتروه وائتفكوه من علم {ولا لآبائهم} أي: أسلافهم. {كبرت كلمة} : نصب على التمييز، تقديره: كبرت كلمتهم هذه كلمة.

Bölüm V05/P135–V05/P136

وقيل: على التعجب، تقديره: أعظم بكلمتهم كلمة، كما تقول: أكرم بزيد رجلا قاله بعض البصريين. وقرأ ذلك بعض قراء مكة: {كبرت كلمة} كما يقال: عظم قولك، وكبر شأنك. والمعنى على قراءة الجمهور أظهر؛ فإن هذا تبشيع لمقالتهم واستعظام لإفكهم؛ ولهذا قال: {كبرت كلمة تخرج من أفواههم} أي: ليس لها مستند سوى قولهم، ولا دليل لهم عليها إلا كذبهم وافتراؤهم؛ ولهذا قال: {إن يقولون إلا كذبا} . وقد ذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه السورة الكريمة، فقال: حدثني شيخ من أهل مصر قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعثت قريش النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله؛ فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء. فخرجا حتى قدما المدينة، فسألوا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصفوا لهم أمره وبعض قوله، وقالا إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. قال: فقالت لهم: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن، فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول فروا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان من أمرهم؟ فإنهم قد كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه ؟ [وسلوه عن الروح، ما هو؟] فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش، فقالا يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور، فأخبروهم بها، فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، أخبرنا: فسألوه عما أمروهم به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخبركم غدا بما سألتم عنه". ولم يستثن، فانصرفوا عنه، ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة، لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبريل، عليه السلام، حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا، واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها، لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه. وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل، عليه السلام، من عند الله، عز وجل، بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف، وقول الله عز وجل: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء:85] {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا } . يقول تعالى مسليا رسوله صلى الله عليه وسلم في حزنه على المشركين، لتركهم الإيمان وبعدهم عنه، كما قال تعالى: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر:8] ، وقال {ولا تحزن عليهم} [النحل:127] ، وقال {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} [الشعراء:3] باخع: أي مهلك نفسك بحزنك عليهم؛ ولهذا قال {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث} يعني: القرآن {أسفا} يقول: لا تهلك نفسك أسفا. قال قتادة: قاتل نفسك غضبا وحزنا عليهم. وقال مجاهد: جزعا. والمعنى متقارب، أي: لا تأسف عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. ثم أخبر تعالى أنه جعل الدنيا دارا فانية مزينة بزينة زائلة. وإنما جعلها دار اختبار لا دار قرار، فقال: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا} . قال قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الدنيا خضرة حلوة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا ، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء"

Bölüm V05/P136–V05/P138

ثم أخبر تعالى بزوالها وفنائها، وفراغها وانقضائها، وذهابها وخرابها، فقال: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} أي: وإنا لمصيروها بعد الزينة إلى الخراب والدمار، فنجعل كل شيء عليها هالكا {صعيدا جرزا} : لا ينبت ولا ينتفع به، كما قال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} يقول: يهلك كل شيء عليها ويبيد. وقال مجاهد: {صعيدا جرزا} بلقعا. وقال قتادة: الصعيد: الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات. وقال ابن زيد: الصعيد: الأرض التي ليس فيها شيء، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون} [السجدة:27] . وقال محمد بن إسحاق: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} يعني الأرض، إن ما عليها لفان وبائد، وإن المرجع لإلى الله فلا تأس ولا يحزنك ما تسمع وترى. {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا } هذا إخبار عن قصة أصحاب الكهف [والرقيم] على سبيل الإجمال والاختصار، ثم بسطها بعد ذلك فقال: {أم حسبت} يعني: يا محمد {أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} أي: ليس أمرهم عجيبا في قدرتنا وسلطاننا، فإن خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والكواكب، وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى، وأنه على ما يشاء قادر ولا يعجزه شيء أعجب من أخبار أصحاب الكهف [والرقيم] كما قال ابن جريج عن مجاهد: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} يقول: قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك! وقال العوفي، عن ابن عباس: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} يقول: الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب، أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم. وقال محمد بن إسحاق: ما أظهرت من حججي على العباد، أعجب من شأن أصحاب الكهف والرقيم. [وأما "الكهف" فهو: الغار في الجبل، وهو الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية المذكورون. وأما "الرقيم"] فقال العوفي، عن ابن عباس: هو واد قريب من أيلة. وكذا قال عطية العوفي، وقتادة. وقال الضحاك: أما "الكهف" فهو: غار الوادي، و "الرقيم": اسم الوادي. وقال مجاهد: "الرقيم": كان بنيانهم ويقول بعضهم: هو الوادي الذي فيه كهفهم. وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: "الرقيم"، قال: يزعم كعب أنها القرية. وقال ابن جريج عن ابن عباس: "الرقيم" الجبل الذي فيه الكهف. وقال ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن [مجاهد عن] ابن عباس قال: اسم ذلك الجبل بنجلوس. وقال ابن جريج: أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي: أن اسم جبل الكهف بنجلوس، واسم الكهف حيزم، والكلب حمران. وقال عبد الرزاق: أنبأنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: القرآن أعلمه إلا حنانا، والأواه، والرقيم. وقال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع عكرمة يقول: قال ابن عباس: ما أدري ما الرقيم؟ أكتاب أم بنيان؟ وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الرقيم: الكتاب. وقال سعيد بن جبير: [الرقيم] لوح من حجارة، كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف ثم وضعوه على باب الكهف. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرقيم: الكتاب. ثم قرأ: {كتاب مرقوم} [المطففين:9] وهذا هو الظاهر من الآية، وهو اختيار ابن جرير قال: "الرقيم" فعيل بمعنى مرقوم، كما يقول للمقتول: قتيل، وللمجروح: جريح. والله أعلم.

Bölüm V05/P138–V05/P139

وقوله: {إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا} يخبر تعالى عن أولئك الفتية، الذين فروا بدينهم من قومهم لئلا يفتنوهم عنه، فهربوا منه فلجؤوا إلى غار في جبل ليختفوا عن قومهم، فقالوا حين دخلوا سائلين من الله تعالى رحمته ولطفه بهم: {ربنا آتنا من لدنك رحمة} أي: هب لنا من عندك رحمة ترحمنا بها وتسترنا عن قومنا {وهيئ لنا من أمرنا رشدا} أي: وقدر لنا من أمرنا هذا رشدا، أي: اجعل عاقبتنا رشدا كما جاء في الحديث: "وما قضيت لنا من قضاء، فاجعل عاقبته رشدا"، وفي المسند من حديث بسر بن أبي أرطاة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو: "اللهم، أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة". وقوله: {فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا} أي: ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف، فناموا سنين كثيرة {ثم بعثناهم} أي: من رقدتهم تلك، وخرج أحدهم بدراهم معه ليشتري لهم بها طعاما يأكلونه، كما سيأتي بيانه وتفصيله؛ ولهذا قال: {ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين} أي: المختلفين فيهم {أحصى لما لبثوا أمدا} قيل: عددا وقيل: غاية فإن الأمد الغاية كقوله سبق الجواد إذا استولى على الأمد. {نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا } من هاهنا شرع في بسط القصة وشرحها، فذكر تعالى أنهم فتية -وهم الشباب-وهم أقبل للحق، وأهدى للسبيل من الشيوخ، الذين قد عتوا وعسوا في دين الباطل؛ ولهذا كان أكثر المستجيبين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم شبابا. وأما المشايخ من قريش، فعامتهم بقوا على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل. وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شبابا. قال مجاهد: بلغني أنه كان في آذان بعضهم القرطة يعني: الحلق فألهمهم الله رشدهم وآتاهم تقواهم. فآمنوا بربهم، أي: اعترفوا له بالوحدانية، وشهدوا أنه لا إله إلا هو. {وزدناهم هدى} : استدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة كالبخاري وغيره ممن ذهب إلى زيادة الإيمان وتفاضله، وأنه يزيد وينقص؛ ولهذا قال تعالى: {وزدناهم هدى} كما قال {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد:17] ، وقال: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا} [التوبة:124] ، وقال {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} [الفتح:4] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. وقد ذكر أنهم كانوا على دين عيسى ابن مريم، عليه السلام، والله أعلم -والظاهر أنهم كانوا قبل ملة النصرانية بالكلية، فإنه لو كانوا على دين النصرانية، لما اعتنى أحبار اليهود بحفظ خبرهم وأمرهم، لمباينتهم لهم. وقد تقدم عن ابن عباس: أن قريشا بعثوا إلى أحبار اليهود بالمدينة يطلبون منهم أشياء يمتحنون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعثوا إليهم أن يسألوه عن خبر هؤلاء، وعن خبر ذي القرنين، وعن الروح، فدل هذا على أن هذا أمر محفوظ في كتب أهل الكتاب، وأنه متقدم على دين النصرانية، والله أعلم.

Bölüm V05/P139–V05/P141

وقوله: {وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض} يقول تعالى: وصبرناهم على مخالفة قومهم ومدينتهم، ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة، فإنه قد ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم، وأنهم خرجوا يوما في بعض أعياد قومهم، وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت، ويذبحون لها، وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له: "دقيانوس"، وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه ويدعوهم إليه. فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك، وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم، عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها، لا ينبغي إلا لله الذي خلق السموات والأرض. فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه، وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية. فكان أول من جلس منهم [وحده] أحدهم، جلس تحت ظل شجرة، فجاء الآخر فجلس عنده، وجاء الآخر فجلس إليهما، وجاء الآخر فجلس إليهم، وجاء الآخر، وجاء الآخر، وجاء الآخر، ولا يعرف واحد منهم الآخر، وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري تعليقا، من حديث يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف" . وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم . والناس يقولون: الجنسية علة الضم. والغرض أنه جعل كل أحد منهم يكتم ما هو فيه عن أصحابه، خوفا منهم، ولا يدري أنهم مثله، حتى قال أحدهم: تعلمون -والله يا قوم-إنه ما أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم، إلا شيء فليظهر كل واحد منكم بأمره. فقال آخر: أما أنا فإني [والله] رأيت ما قومي عليه، فعرفت أنه باطل، وإنما الذي يستحق أن يعبد [وحده] ولا يشرك به شيء هو الله الذي خلق كل شيء: السموات والأرض وما بينهما. وقال الآخر: وأنا والله وقع لي كذلك. وقال الآخر كذلك، حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة، فصاروا يدا واحدة وإخوان صدق، فاتخذوا لهم معبدا يعبدون الله فيه، فعرف بهم قومهم، فوشوا بأمرهم إلى ملكهم، فاستحضرهم بين يديه فسألهم عن أمرهم وما هم عليه فأجابوه بالحق، ودعوه إلى الله عز وجل؛ ولهذا أخبر تعالى عنهم بقوله: {وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها} ولن: لنفي التأبيد، أي: لا يقع منا هذا أبدا؛ لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلا؛ ولهذا قال عنهم: {لقد قلنا إذا شططا} أي: باطلا وكذبا وبهتانا. {هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين} أي: هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلا واضحا صحيحا؟! {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا} يقولون: بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك، فيقال: إن ملكهم لما دعوه إلى الإيمان بالله، أبى عليهم، وتهددهم وتوعدهم، وأمر بنزع لباسهم عنهم الذي كان عليهم من زينة قومهم، وأجلهم لينظروا في أمرهم، لعلهم يراجعون دينهم الذي كانوا عليه. وكان هذا من لطف الله بهم، فإنهم في تلك النظرة توصلوا إلى الهرب منه. والفرار بدينهم من الفتنة. وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس، أن يفر العبد منهم خوفا على دينه، كما جاء في الحديث: "يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنما يتبع بها شغف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن" ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس، ولا تشرع فيما عداها، لما يفوت بها من ترك الجماعات والجمع.

Bölüm V05/P141–V05/P142

فلما وقع عزمهم على الذهاب والهرب من قومهم، واختار الله تعالى لهم ذلك، وأخبر عنهم بذلك في قوله: {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله} أي: وإذا فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضا بأبدانكم {فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته} أي: يبسط عليكم رحمة يستركم بها من قومكم {ويهيئ لكم من أمركم} [أي] الذي أنتم فيه، {مرفقا} أي: أمرا ترتفقون به. فعند ذلك خرجوا هرابا إلى الكهف، فأووا إليه، ففقدهم قومهم من بين أظهرهم، وتطلبهم الملك فيقال: إنه لم يظفر بهم، وعمى الله عليه خبرهم. كما فعل بنبيه [محمد] صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق، حين لجأ إلى غار ثور، وجاء المشركون من قريش في الطلب، فلم يهتدوا إليه مع أنهم يمرون عليه، وعندها قال النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى جزع الصديق في قوله: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ "، وقد قال تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم} [التوبة:40] فقصة هذا الغار أشرف وأجل وأعظم وأعجب من قصة أصحاب الكهف، وقد قيل: إن قومهم ظفروا بهم، وقفوا على باب الغار الذي دخلوه، فقالوا: ما كنا نريد منهم من العقوبة أكثر مما فعلوا بأنفسهم. فأمر الملك بردم بابه عليهم ليهلكوا مكانهم ففعل [لهم] ذلك. وفي هذا نظر، والله أعلم؛ فإن الله تعالى قد أخبر أن الشمس تدخل عليهم في الكهف بكرة وعشية، كما قال تعالى: {وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا } . هذا دليل على أن باب هذا الكهف من نحو الشمال؛ لأنه تعالى أخبر أن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تزاور عنه {ذات اليمين} أي: يتقلص الفيء يمنة كما قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة: {تزاور} أي: تميل؛ وذلك أنها كلما ارتفعت في الأفق تقلص شعاعها بارتفاعها حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في مثل ذلك المكان؛ ولهذا قال: {وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال} أي: تدخل إلى غارهم من شمال بابه، وهو من ناحية المشرق، فدل على صحة ما قلناه، وهذا بين لمن تأمله وكان له علم بمعرفة الهيئة، وسير الشمس والقمر والكواكب، وبيانه أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق لما دخل إليه منها شيء عند الغروب، ولو كان من ناحية القبلة لما دخل منها شيء عند الطلوع ولا عند الغروب، ولا تزاور الفيء يمينا ولا شمالا ولو كان من جهة الغرب لما دخلته وقت الطلوع، بل بعد الزوال ولم تزل فيه إلى الغروب. فتعين ما ذكرناه ولله الحمد. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: {تقرضهم} تتركهم. وقد أخبر الله تعالى بذلك وأراد منا فهمه وتدبره، ولم يخبرنا بمكان هذا الكهف في أي البلاد من الأرض؛ إذ لا فائدة لنا فيه ولا قصد شرعي. وقد تكلف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالا فتقدم عن ابن عباس أنه قال: [هو] قريب من أيلة. وقال ابن إسحاق: هو عند نينوى. وقيل: ببلاد الروم. وقيل: ببلاد البلقاء. والله أعلم بأي بلاد الله هو. ولو كان لنا فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله ورسوله إليه فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تركت شيئا يقربكم إلى [الجنة] ويباعدكم من النار، إلا وقد أعلمتكم به". فأعلمنا تعالى بصفته، ولم يعلمنا بمكانه، فقال {وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم} قال مالك، عن زيد بن أسلم: تميل {ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه} أي: في متسع منه داخلا بحيث لا تمسهم؛ إذ لو أصابتهم لأحرقت أبدانهم وثيابهم قاله ابن عباس.

Sorular