Qur'an&Sunnah

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

Bölüm V05/P296–V05/P298

يقول تعالى مخبرا عن فرعون أنه قال لموسى منكرا وجود الصانع الخالق، إله كل شيء وربه ومليكه، قال: {فمن ربكما يا موسى} أي: الذي بعثك وأرسلك من هو؟ فإني لا أعرفه، وما علمت لكم من إله غيري، {قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} . قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول: خلق لكل شيء زوجة. وقال الضحاك عن ابن عباس: جعل الإنسان إنسانا، والحمار حمارا، والشاة شاة. وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: أعطى كل شيء صورته. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: سوى خلق كل دابة. وقال سعيد بن جبير في قوله: {أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} قال: أعطى كل ذي خلق ما يصلحه من خلقه، ولم يجعل للإنسان من خلق الدابة، ولا للدابة من خلق الكلب، ولا للكلب من خلق الشاة، وأعطى كل شيء ما ينبغي له من النكاح، وهيأ كل شيء على ذلك، ليس شيء منها يشبه شيئا من أفعاله في الخلق والرزق والنكاح. وقال بعض المفسرين: {أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} كقوله تعالى: {والذي قدر فهدى} [الأعلى: 3] أي: قدر قدرا، وهدى الخلائق إليه، أي: كتب الأعمال والآجال والأرزاق، ثم الخلائق ماشون على ذلك، لا يحيدون عنه، ولا يقدر أحد على الخروج منه. يقول: ربنا الذي خلق [الخلق] وقدر القدر، وجبل الخليقة على ما أراد. {قال فما بال القرون الأولى} أصح الأقوال في معنى ذلك: أن فرعون لما أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق وقدر فهدى، شرع يحتج بالقرون الأولى، أي: الذين لم يعبدوا الله، أي: فما بالهم إذا كان الأمر كما تقول، لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره؟ فقال له موسى في جواب ذلك: هم وإن لم يعبدوه فإن عملهم عند الله مضبوط عليهم، وسيجزيهم بعملهم في كتاب الله، وهو اللوح المحفوظ وكتاب الأعمال، {لا يضل ربي ولا ينسى} أي: لا يشذ عنه شيء، ولا يفوته صغير ولا كبير، ولا ينسى شيئا. يصف علمه تعالى بأنه بكل شيء محيط، وأنه لا ينسى شيئا، تبارك وتعالى وتقدس، فإن علم المخلوق يعتريه نقصانان أحدهما: عدم الإحاطة بالشيء، والآخر نسيانه بعد علمه، فنزه نفسه عن ذلك. {الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى } . هذا من تمام كلام موسى فيما وصف به ربه، عز وجل، حين سأله فرعون عنه، فقال: {الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} ، ثم اعترض الكلام بين ذلك، ثم قال: {الذي جعل لكم الأرض مهادا} وفي قراءة بعضهم "مهدا" أي: قرارا تستقرون عليها وتقومون وتنامون عليها وتسافرون على ظهرها، {وسلك لكم فيها سبلا} أي: جعل لكم طرقا تمشون في مناكبها، كما قال تعالى: {وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون} [الأنبياء: 31] . {وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى} أي: [من] ألوان النباتات من زروع وثمار، ومن حامض وحلو، وسائر الأنواع. {كلوا وارعوا أنعامكم} أي: شيء لطعامكم وفاكهتكم، وشيء لأنعامكم لأقواتها خضرا ويابسا. {إن في ذلك لآيات} أي: لدلالات وحججا وبراهين {لأولي النهى} أي: لذوي العقول السليمة المستقيمة، على أنه لا إله إلا الله، ولا رب سواه. {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} أي: من الأرض مبدؤكم، فإن أباكم آدم مخلوق من تراب من أديم الأرض، {وفيها نعيدكم} أي: وإليها تصيرون إذا متم وبليتم، ومنها نخرجكم تارة أخرى. {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} [الإسراء: 52] . وهذه الآية كقوله تعالى: {قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون} [الأعراف: 25] .

Bölüm V05/P298–V05/P299

وفي الحديث الذي في السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر جنازة، فلما دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر ثم قال {منها خلقناكم} ثم [أخذ] أخرى وقال: {وفيها نعيدكم} . ثم أخذ أخرى وقال: {ومنها نخرجكم تارة أخرى} . وقوله {ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى} ، يعني: فرعون، أنه قامت عليه الحجج والآيات والدلالات وعاين ذلك وأبصره، فكذب بها وأباها كفرا وعنادا وبغيا، كما قال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} [النمل: 14] . {قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى } . يقول تعالى مخبرا عن فرعون أنه قال لموسى حين أراه الآية الكبرى، وهي إلقاء عصاه فصارت ثعبانا عظيما ونزع يده من تحت جناحه فخرجت بيضاء من غير سوء فقال: هذا سحر، جئت به لتسحرنا وتستولي به على الناس، فيتبعونك وتكاثرنا بهم، ولا يتم هذا معك، فإن عندنا سحرا مثل سحرك، فلا يغرنك ما أنت فيه {فاجعل بيننا وبينك موعدا} أي: يوما نجتمع نحن وأنت فيه، فنعارض ما جئت به بما عندك من السحر في مكان معين ووقت معين فعند ذلك {قال} لهم موسى {موعدكم يوم الزينة} وهو يوم عيدهم ونوروزهم وتفرغهم من أعمالهم واجتماعهم جميعهم؛ ليشاهد الناس قدرة الله على ما يشاء، ومعجزات الأنبياء، وبطلان معارضة السحر لخوارق العادات النبوية، ولهذا قال: {وأن يحشر الناس} أي: جميعهم {ضحى} أي: ضحوة من النهار ليكون أظهر وأجلى وأبين وأوضح، وهكذا شأن الأنبياء، كل أمرهم واضح، بين، ليس فيه خفاء ولا ترويج؛ ولهذا لم يقل "ليلا" ولكن نهارا ضحى. قال ابن عباس: وكان يوم الزينة يوم عاشوراء. وقال السدي، وقتادة، وابن زيد: كان يوم عيدهم. وقال سعيد بن جبير: يوم سوقهم. ولا منافاة. قلت: وفي مثله أهلك الله فرعون وجنوده، كما ثبت في الصحيح. وقال وهب بن منبه: قال فرعون: يا موسى، اجعل بيننا وبينك أجلا ننظر فيه. قال موسى: لم أومر بهذا، إنما أمرت بمناجزتك، إن أنت لم تخرج دخلت إليك. فأوحى الله إلى موسى أن اجعل بينك وبينه أجلا وقل له أن يجعل هو. قال فرعون: اجعله إلى أربعين يوما. ففعل. وقال مجاهد، وقتادة: {مكانا سوى} منصفا. وقال السدي: عدلا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {مكانا سوى} [مستوى] يتبين الناس ما فيه، لا يكون صوب ولا شيء يتغيب بعض ذلك عن بعض مستو حتى يرى. {فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى } يقول تعالى مخبرا عن فرعون أنه لما تواعد هو بموسى عليه السلام، إلى وقت ومكان معلومين، تولى، أي: شرع في جمع السحرة من مدائن مملكته، كل من ينسب إلى سحر في ذلك الزمان. وقد كان السحر فيهم كثيرا نافقا جدا، كما قال تعالى: {وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم} [يونس: 79] .

Bölüm V05/P299–V05/P301

{ثم أتى} أي: اجتمع الناس لميقات يوم معلوم وهو يوم الزينة، وجلس فرعون على سرير مملكته، واصطف له أكابر دولته، ووقفت الرعايا يمنة ويسرة وأقبل موسى، عليه السلام، يتوكأ على عصاه، ومعه أخوه هارون، ووقف السحرة بين يدي فرعون صفوفا، وهو يحرضهم ويحثهم، ويرغبهم في إجادة عملهم في ذلك اليوم، ويتمنون عليه، وهو يعدهم ويمنيهم، فيقولون: {أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين} [الشعراء: 41، 42] . {قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا} أي: لا تخيلوا للناس بأعمالكم إيجاد أشياء لا حقائق لها، وأنها مخلوقة، وليست مخلوقة، فتكونون قد كذبتم على الله، {فيسحتكم بعذاب} أي: يهلككم بعقوبة هلاكا لا بقية له، {وقد خاب من افترى فتنازعوا أمرهم بينهم} قيل: معناه: أنهم تشاجروا فيما بينهم فقائل يقول: ليس هذا بكلام ساحر، إنما هذا كلام نبي. وقائل يقول: بل هو ساحر. وقيل غير ذلك، والله أعلم. وقوله: {وأسروا النجوى} أي: تناجوا فيما بينهم، {قالوا إن هذان لساحران} هذه لغة لبعض العرب، جاءت هذه القراءة على إعرابها، ومنهم من قرأ: "إن هذين لساحران" وهذه اللغة المشهورة، وقد توسع النحاة في الجواب عن القراءة الأولى بما ليس هذا موضعه. والغرض أن السحرة قالوا فيما بينهم: تعلمون أن هذا الرجل وأخاه -يعنون: موسى وهارون-ساحران عالمان خبيران بصناعة السحر، يريدان في هذا اليوم أن يغلباكم وقومكم ويستوليا على الناس، وتتبعهما العامة ويقاتلا فرعون وجنوده، فينتصرا عليه ويخرجاكم من أرضكم. وقوله: {ويذهبا بطريقتكم المثلى} أي: ويستبدا بهذه الطريقة، وهي السحر، فإنهم كانوا معظمين بسببها، لهم أموال وأرزاق عليها، يقولون: إذا غلب هذان أهلكاكم وأخرجاكم من الأرض، وتفردا بذلك، وتمحضت لهما الرياسة بها دونكم. وقد تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس [قال] في قوله: {ويذهبا بطريقتكم المثلى} يعني: ملكهم الذي هم فيه والعيش. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا هشيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، سمع الشعبي يحدث عن علي في قوله: {ويذهبا بطريقتكم المثلى} قال: يصرفا وجوه الناس إليهما. وقال مجاهد: {ويذهبا بطريقتكم المثلى} قال: أولي الشرف والعقل والأسنان. وقال أبو صالح: {بطريقتكم المثلى} أشرافكم وسرواتكم. وقال عكرمة: بخيركم. وقال قتادة: وطريقتهم المثلى يومئذ بنو إسرائيل، كانوا أكثر القوم عددا وأموالا فقال عدو الله: يريدان أن يذهبا بها لأنفسهما. وقال عبد الرحمن بن زيد: {بطريقتكم المثلى} بالذي أنتم عليه. وقوله {فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا} أي اجتمعوا كلكم صفا واحدا، وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة، لتبهروا الأبصار، وتغلبوا هذا وأخاه، {وقد أفلح اليوم من استعلى} أي: منا ومنه، أما نحن فقد وعدنا هذا الملك العطاء الجزيل، وأما هو فينال الرياسة العظيمة. {قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى } . يقول تعالى مخبرا عن السحرة حين توافقوا هم وموسى، عليه السلام، أنهم قالوا لموسى: {إما أن تلقي} أي: أنت أولا {إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا} أي: أنتم أولا ليرى ماذا تصنعون من السحر، وليظهر للناس جلية أمرهم، {فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} . وفي الآية الأخرى أنهم لما ألقوا {وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون} [الشعراء: 44] وقال تعالى: {سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم} [الأعراف: 116] ، وقال هاهنا {فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} . وذلك أنهم أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بسببه وتضطرب وتميد، بحيث يخيل للناظر أنها تسعى باختيارها، وإنما كانت حيلة، وكانوا جما غفيرا وجمعا كبيرا فألقى كل منهم عصا وحبلا حتى صار الوادي ملآن حيات يركب بعضها بعضا.

Bölüm V05/P301–V05/P303

وقوله: {فأوجس في نفسه خيفة موسى} أي خاف على الناس أن يفتتنوا بسحرهم ويغتروا بهم قبل أن يلقي ما في يمينه، فأوحى الله تعالى إليه في الساعة الراهنة أن {وألق ما في يمينك} يعني: عصاه، فإذا هي {تلقف ما صنعوا} وذلك أنها صارت تنينا عظيما هائلا ذا عيون وقوائم وعنق ورأس وأضراس، فجعلت تتبع تلك الحبال والعصي حتى لم تبق منها شيئا إلا تلقفته وابتلعته، والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عيانا جهرة، نهارا ضحوة. فقامت المعجزة، واتضح البرهان، وبطل ما كانوا يعملون ؛ ولهذا قال تعالى: {إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى} . وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي، حدثنا محمد بن موسى الشيباني حدثنا حماد بن خالد، حدثنا ابن معاذ -أحسبه الصائغ-عن الحسن، عن جندب بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أخذتم -يعني الساحر-فاقتلوه" ثم قرأ: {ولا يفلح الساحر حيث أتى} قال: "لا يؤمن به حيث وجد". وقد روى أصله الترمذي موقوفا ومرفوعا. فلما عاين السحرة ذلك وشاهدوه، ولهم خبرة بفنون السحر وطرقه ووجوهه، علموا علم اليقين أن هذا الذي فعله موسى ليس من قبيل السحر والحيل، وأنه حق لا مرية فيه، ولا يقدر على هذا إلا الذي يقول للشيء كن فيكون، فعند ذلك وقعوا سجدا لله وقالوا: {آمنا برب العالمين رب موسى وهارون} [الشعراء: 47، 48] . ولهذا قال ابن عباس، وعبيد بن عمير:كانوا أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة. قال محمد بن كعب: كانوا ثمانين ألفا، وقال القاسم بن أبي بزة: كانوا سبعين ألفا. وقال السدي: بضعة وثلاثين ألفا. وقال الثوري: عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ثمامة: كان سحرة فرعون تسعة عشر ألفا. وقال محمد بن إسحاق: كانوا خمسة عشر ألفا. وقال كعب الأحبار كانوا اثني عشر ألفا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن علي بن حمزة، حدثنا علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت السحرة سبعين رجلا أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح بمكة، حدثنا ابن المبارك قال: قال الأوزاعي: لما خر السحرة سجدا رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها. قال: وذكر عن سعيد بن سلام: حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن سليمان، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قوله: {فألقي السحرة سجدا} قال: رأوا منازلهم تبنى لهم وهم في سجودهم. وكذا قال عكرمة والقاسم بن أبي بزة. {قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى } . يقول تعالى مخبرا عن كفر فرعون وعناده وبغيه ومكابرته الحق بالباطل، حين رأى ما رأى من المعجزة الباهرة والآية العظيمة، ورأى الذين قد استنصر بهم قد آمنوا بحضرة الناس كلهم وغلب كل الغلب -شرع في المكابرة والبهت، وعدل إلى استعمال جاهه وسلطانه في السحرة، فتهددهم وأوعدهم وقال {آمنتم له} أي: صدقتموه {قبل أن آذن لكم} أي: وما أمرتكم بذلك، وافتتم علي في ذلك. وقال قولا يعلم هو والسحرة والخلق كلهم أنه بهت وكذب: {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر} أي أنتم إنما أخذتم السحر عن موسى، واتفقتم أنتم وإياه علي وعلى رعيتي، لتظهروه، كما قال في الآية الأخرى: {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون} [الأعراف 123] . ثم أخذ يتهددهم فقال: {فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل} أي: لأجعلنكم مثلة [ولأقتلنكم] ولأشهرنكم. قال ابن عباس: فكان أول من فعل ذلك. رواه ابن أبي حاتم.

Bölüm V05/P303–V05/P305

وقوله: {ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى} أي أنتم تقولون: إني وقومي على ضلالة، وأنتم مع موسى وقومه على الهدى. فسوف تعلمون من يكون له العذاب ويبقى فيه. فلما صال عليهم بذلك وتوعدهم، هانت عليهم أنفسهم في الله عز وجل، و {قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات} أي: لن نختارك على ما حصل لنا من الهدى واليقين. {والذي فطرنا} يحتمل أن يكون قسما، ويحتمل أن يكون معطوفا على البينات. يعنون: لا نختارك على فاطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم، المبتدئ خلقنا من الطين، فهو المستحق للعبادة والخضوع لا أنت. {فاقض ما أنت قاض} أي: فافعل ما شئت وما وصلت إليه يدك، {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} أي: إنما لك تسلط في هذه الدار، وهي دار الزوال ونحن قد رغبنا في دار القرار. {إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا} أي: ما كان منا من الآثام، خصوصا ما أكرهتنا عليه من السحر لنعارض به آية الله تعالى ومعجزة نبيه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: {وما أكرهتنا عليه من السحر} قال: أخذ فرعون أربعين غلاما من بني إسرائيل فأمر أن يعلموا السحر بالفرما، وقال: علموهم تعليما لا يعلمه أحد في الأرض. قال ابن عباس: فهم من الذين آمنوا بموسى، وهم من الذين قالوا: { [إنا] آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر} . وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقوله: {والله خير وأبقى} أي: خير لنا منك {وأبقى} أي: أدوم ثوابا مما كنت وعدتنا ومنيتنا. وهو رواية عن ابن إسحاق، رحمه الله. وقال محمد بن كعب القرظي: {والله خير} أي: لنا منك إن أطيع، {وأبقى} أي: منك عذابا إن عصي. وروي نحوه عن ابن إسحاق أيضا: والظاهر أن فرعون -لعنه الله-صمم على ذلك وفعله بهم، رحمهم الله؛ ولهذا قال ابن عباس وغيره من السلف: أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء. {إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلا جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى } . الظاهر من السياق أن هذا من تمام ما وعظ به السحرة لفرعون، يحذرونه من نقمة الله وعذابه الدائم السرمدي، ويرغبونه في ثوابه الأبدي المخلد، فقالوا: {إنه من يأت ربه مجرما} أي: يلقى الله يوم القيامة وهو مجرم، {فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا} كقوله: {لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور} [فاطر: 36] ، وقال: {ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيا} [الأعلى: 11-13] ، وقال تعالى: {ونادوا يامالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون} [الزخرف: 77] . وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا إسماعيل، أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن [الناس] تصيبهم النار بذنوبهم، فتميتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحما، أذن في الشفاعة، جيء بهم ضبائر، ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة، أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل" فقال رجل من القوم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالبادية. وهكذا أخرجه مسلم في كتابه الصحيح من رواية شعبة وبشر بن المفضل، كلاهما عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد به .

Bölüm V05/P305–V05/P306

وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا أبي حدثنا حيان، سمعت سليمان التيمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فأتى على هذه الآية: {إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا} ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما أهلها الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا من أهلها، فإن النار تمسهم، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فتجعل الضبائر، فيؤتى بهم نهرا يقال له: الحياة -أو: الحيوان-فينبتون كما ينبت القثاء في حميل السيل". وقوله: {ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات} أي: ومن لقي ربه يوم المعاد مؤمن القلب، قد صدق ضميره بقوله وعمله، {فأولئك لهم الدرجات العلا} أي: الجنة ذات الدرجات العاليات، والغرف الآمنات، والمساكن الطيبات. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، أنبأنا همام، حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة ومنها تخرج الأنهار الأربعة، والعرش فوقها، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس". ورواه الترمذي، من حديث يزيد بن هارون، عن همام، به . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، أخبرنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه قال: كان يقال: الجنة مائة درجة، في كل درجة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فيهن الياقوت والحلي، في كل درجة أمير، يرون له الفضل والسؤدد. وفي الصحيحين: "أن أهل عليين ليرون من فوقهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء، لتفاضل ما بينهم". قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء؟ قال: "بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" . وفي السنن: "وإن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما" . وقوله: {جنات عدن تجري} أي: إقامة وهو بدل من الدرجات العلى، { [تجري من تحتها الأنهار] خالدين فيها} أي: ماكثين أبدا، {وذلك جزاء من تزكى} أي: طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك، وعبد الله وحده لا شريك له، وصدق المرسلين فيما جاءوا به من خبر وطلب. {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأضل فرعون قومه وما هدى } . يقول تعالى مخبرا أنه أمر موسى، عليه السلام، حين أبى فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل، أن يسري بهم في الليل، ويذهب بهم من قبضة فرعون. وقد بسط الله هذا المقام في غير هذه السورة الكريمة. وذلك أن موسى لما خرج ببني إسرائيل أصبحوا وليس منهم بمصر لا داع ولا مجيب، فغضب فرعون غضبا شديدا وأرسل في المدائن حاشرين، أي من يجمعون له الجند من بلدانه ورساتيقه، يقول: {إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون} [الشعراء: 54، 55] ثم لما جمع جنده واستوثق له جيشه، ساق في طلبهم {فأتبعوهم مشرقين} [الشعراء: 60] أي: عند طلوع الشمس {فلما تراءى الجمعان} أي: نظر كل من الفريقين إلى الآخر {قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين} [الشعراء: 61، 62] ، ووقف موسى ببني إسرائيل، البحر أمامهم، وفرعون وراءهم، فعند ذلك أوحى الله إليه أن {اضرب لهم طريقا في البحر يبسا} فضرب البحر بعصاه، وقال: "انفلق بإذن الله" {فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم} [الشعراء: 63] أي: الجبل العظيم. فأرسل الله الريح على أرض البحر فلفحته حتى صار يابسا كوجه الأرض؛ فلهذا قال: {فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا} أي: من فرعون، {ولا تخشى} يعني: من البحر أن يغرق قومك. ثم قال تعالى: {فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم} أي: البحر {ما غشيهم} أي: الذي هو معروف ومشهور. وهذا يقال عند الأمر المعروف المشهور، كما قال تعالى: {والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى} [النجم: 53، 54] ، وكما قال الشاعر:

Bölüm V05/P306–V05/P308

أنا أبو النجم وشعري شعري أي: الذي يعرف، وهو مشهور. وكما تقدمهم فرعون فسلك بهم في اليم فأضلهم وما هداهم إلى سبيل الرشاد، كذلك {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود} [هود: 98] . {يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى } . يذكر تعالى نعمه على بني إسرائيل العظام، ومننه الجسام، حيث نجاهم من عدوهم فرعون، وأقر أعينهم منه، وهم ينظرون إليه وإلى جنده قد غرقوا في صبيحة واحدة، لم ينج منهم أحد، كما قال [تعالى] : {وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون} [البقرة: 50] . وقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا شعبة، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى على فرعون، فقال: " نحن أولى بموسى فصوموه " رواه مسلم أيضا في صحيحه . ثم إنه تعالى واعد موسى وبني إسرائيل بعد هلاك فرعون إلى جانب الطور الأيمن، وهو الذي كلمه تعالى عليه، وسأل فيه الرؤية، وأعطاه التوراة هناك. وفي غضون ذلك عبد بنو إسرائيل العجل، كما يقصه تعالى قريبا. وأما المن والسلوى، فقد تقدم الكلام على ذلك في سورة "البقرة" وغيرها. فالمن: حلوى كانت تنزل عليه من السماء. والسلوى: طائر يسقط عليهم، فيأخذون من كل، قدر الحاجة إلى الغد، لطفا من الله ورحمة بهم، وإحسانا إليهم؛ ولهذا قال تعالى: {كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي} أي: كلوا من هذا [الرزق] الذي رزقتكم، ولا تطغوا في رزقي، فتأخذوه من غير حاجة، وتخالفوا ما آمركم به، {فيحل عليكم غضبي} أي: أغضب عليكم {ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي: فقد شقي. وقال شفي بن ماتع: إن في جهنم قصرا يرمى الكافر من أعلاه، فيهوي في جهنم أربعين خريفا قبل أن يبلغ الصلصال، وذلك قوله: {ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى} رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا} أي: كل من تاب إلي تبت عليه من أي ذنب كان، حتى إنه تعالى تاب على من عبد العجل من بني إسرائيل. وقوله: {تاب} أي: رجع عما كان فيه من كفر أو شرك أو نفاق أو معصية. وقوله: {وآمن} أي: بقلبه {وعمل صالحا} أي: بجوارحه. وقوله: {ثم اهتدى} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي ثم لم يشكك. وقال سعيد بن جبير: {ثم اهتدى} أي: استقام على السنة والجماعة. وروي نحوه عن مجاهد، والضحاك، وغير واحد من السلف. وقال قتادة: {ثم اهتدى} أي: لزم الإسلام حتى يموت. وقال سفيان الثوري: {ثم اهتدى} أي: علم أن لهذا ثوابا. وثم هاهنا لترتيب الخبر على الخبر، كقوله: {ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة} [البلد: 17] . {وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري } {فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا } .

Bölüm V05/P308–V05/P310

لما سار موسى عليه السلام ببني إسرائيل بعد هلاك فرعون، وافوا {على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون} [الأعراف: 138، 139] وواعده ربه ثلاثين ليلة ثم أتبعها له عشرا، فتمت [له] أربعين ليلة، أي: يصومها ليلا ونهارا. وقد تقدم في حديث "الفتون" بيان ذلك. فسارع موسى عليه السلام مبادرا إلى الطور، واستخلف على بني إسرائيل أخاه هارون؛ ولهذا قال تعالى: {وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري} أي: قادمون ينزلون قريبا من الطور، {وعجلت إليك رب لترضى} أي: لتزداد عني رضا، {قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري} أخبر تعالى نبيه موسى بما كان بعده من الحدث في بني إسرائيل، وعبادتهم العجل الذي عمله لهم ذلك السامري. وفي الكتب الإسرائيلية: أنه كان اسمه هارون أيضا، وكتب الله تعالى له في هذه المدة الألواح المتضمنة للتوراة، كما قال تعالى: {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين} [الأعراف: 145] أي: عاقبة الخارجين عن طاعتي المخالفين لأمري. وقوله: {فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا} أي: بعد ما أخبره تعالى بذلك، في غاية الغضب والحنق عليهم، هو فيما هو فيه من الاعتناء بأمرهم، وتسلم التوراة التي فيها شريعتهم، وفيها شرف لهم. وهم قوم قد عبدوا غير الله ما يعلم كل عاقل له لب [وحزم] بطلان [ما هم فيه] وسخافة عقولهم وأذهانهم؛ ولهذا رجع إليهم غضبان أسفا، والأسف: شدة الغضب. وقال مجاهد: {غضبان أسفا} أي: جزعا. وقال قتادة، والسدي: {أسفا} أي: حزينا على ما صنع قومه من بعده. {قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا} أي: أما وعدكم على لساني كل خير في الدنيا والآخرة، وحسن العاقبة كما شاهدتم من نصرته إياكم على عدوكم، وإظهاركم عليه، وغير ذلك من أياديه عندكم؟ {أفطال عليكم العهد} أي: في انتظار ما وعدكم الله. ونسيان ما سلف من نعمه، وما بالعهد من قدم. {أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم} "أم" هاهنا بمعنى "بل" وهي للإضراب عن الكلام الأول، وعدول إلى الثاني، كأنه يقول: بل أردتم بصنيعكم هذا أن يحل عليكم غضب من ربكم {فأخلفتم موعدي قالوا} أي: بنو إسرائيل في جواب ما أنبهم موسى وقرعهم: {ما أخلفنا موعدك بملكنا} أي: عن قدرتنا واختيارنا. ثم شرعوا يعتذرون بالعذر البارد، يخبرونه عن تورعهم عما كان بأيديهم من حلي القبط الذي كانوا قد استعاروه منهم، حين خرجوا من مصر، {فقذفناها} أي: ألقيناها عنا. وقد تقدم في حديث "الفتون" أن هارون عليه السلام هو الذي كان أمرهم بإلقاء الحلي في حفرة فيها نار. وفي رواية السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس: إنما أراد هارون أن يجتمع الحلي كله في تلك الحفيرة ويجعل حجرا واحدا. حتى إذا رجع موسى يرى فيه ما يشاء. ثم جاء [بعد] ذلك السامري فألقى عليها تلك القبضة التي أخذها من أثر الرسول، وسأل هارون أن يدعو الله أن يستجيب له في دعوته، فدعا له هارون -وهو لا يعلم ما يريد -فأجيب له فقال السامري عند ذلك: أسأل الله أن يكون عجلا. فكان عجلا له خوار، أي: صوت، استدراجا وإمهالا ومحنة واختبارا؛ ولهذا قالوا: {فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبادة بن البختري حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد عن سماك، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس؛ أن هارون مر بالسامري وهو ينحت العجل، فقال له: ما تصنع؟ فقال: أصنع ما يضر ولا ينفع فقال هارون: اللهم أعطه ما سأل على ما في نفسه ومضى هارون، فقال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور فخار، فكان إذا خار سجدوا له، وإذا خار رفعوا رؤوسهم. ثم رواه من وجه آخر عن حماد وقال: [أعمل] ما ينفع ولا يضر. وقال السدي: كان يخور ويمشي.

Bölüm V05/P310–V05/P311

فقالوا -أي: الضلال منهم، الذين افتتنوا بالعجل وعبدوه -: {هذا إلهكم وإله موسى فنسي} أي: نسيه هاهنا، وذهب يتطلبه. كذا تقدم في حديث "الفتون" عن ابن عباس. وبه قال مجاهد. وقال سماك عن عكرمة عن ابن عباس: {فنسي} أي: نسي أن يذكركم أن هذا إلهكم. وقال محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فقالوا: {هذا إلهكم وإله موسى} قال: فعكفوا عليه وأحبوه حبا لم يحبوا شيئا قط يعني مثله، يقول الله: {فنسي} أي: ترك ما كان عليه من الإسلام يعني: السامري. قال الله تعالى ردا عليهم، وتقريعا لهم، وبيانا لفضيحتهم وسخافة عقولهم فيما ذهبوا إليه: {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} أي: العجل {أفلا يرون} أنه لا يجيبهم إذا سألوه، ولا إذا خاطبوه، {ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} أي: في دنياهم ولا في أخراهم. قال ابن عباس رضي الله عنه لا والله ما كان خواره إلا أن يدخل الريح في دبره فيخرج فيه، فيسمع له صوت. وقد تقدم في متون الحديث عن الحسن البصري: أن هذا العجل اسمه بهموت. وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تورعوا عن زينة القبط، فألقوها عنهم، وعبدوا العجل. فتورعوا عن الحقير وفعلوا الأمر الكبير، كما جاء في الحديث الصحيح عن ابن عمر: أنه سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض إذا أصاب الثوب -يعني: هل يصلي فيه أم لا؟ -فقال ابن عمر، رضي الله عنه: انظروا إلى أهل العراق، قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني: الحسين -وهم يسألون عن دم البعوض؟ . {ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى } . يخبر تعالى عما كان من نهي هارون، عليه السلام، لهم عن عبادة العجل، وإخباره إياهم: إنما هذا فتنة لكم {وإن ربكم الرحمن} الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا، ذو العرش المجيد، الفعال لما يريد {فاتبعوني} أي: فيما آمركم به، واتركوا ما أنهاكم عنه. {قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى} أي: لا نترك عبادته حتى نسمع كلام موسى فيه. وخالفوا هارون في ذلك وحاربوه وكادوا أن يقتلوه. {قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي } . يقول مخبرا عن موسى، عليه السلام، حين رجع إلى قومه، فرأى ما قد حدث فيهم من الأمر العظيم، فامتلأ عند ذلك غيظا، وألقى ما كان في يده من الألواح الإلهية، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وقد قدمنا في "الأعراف" بسط ذلك، وذكرنا هناك حديث "ليس الخبر كالمعاينة". وشرع يلوم أخاه هارون فقال: {ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن} أي: فتخبرني بهذا الأمر أول ما وقع {أفعصيت أمري} أي: فيما كنت تقدمت إليك، وهو قوله: {اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} [الأعراف: 142] . قال: {يا ابن أم} ترفق له بذكر الأم مع أنه شقيقه لأبويه؛ لأن ذكر الأم هاهنا أرق وأبلغ، أي: في الحنو والعطف؛ ولهذا قال: {يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي} . هذا اعتذار من هارون عند موسى في سبب تأخره عنه، حيث لم يلحقه فيخبره بما كان من هذا الخطب الجسيم قال {إني خشيت} أن أتبعك فأخبرك بهذا، فتقول لي: لم تركتهم وحدهم وفرقت بينهم {ولم ترقب قولي} أي: وما راعيت ما أمرتك به حيث استخلفتك فيهم. قال ابن عباس: وكان هارون هائبا له مطيعا.

Bölüm V05/P311–V05/P313

{قال فما خطبك يا سامري قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما } . يقول موسى، عليه السلام، للسامري: ما حملك على ما صنعت؟ وما الذي عرض لك حتى فعلت ما فعلت؟ قال محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان السامري رجلا من أهل باجرما، وكان من قوم يعبدون البقر، وكان حب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام مع بني إسرائيل. وكان اسم السامري: موسى بن ظفر. وفي رواية عن ابن عباس: [أنه] كان من كرمان. وقال قتادة: كان من قرية اسمها سامرا. {قال بصرت بما لم يبصروا به} أي: رأيت جبريل حين جاء لهلاك فرعون، {فقبضت قبضة من أثر الرسول} أي: من أثر فرسه. وهذا هو المشهور عند كثير من المفسرين أو أكثرهم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي بن عمارة، عن علي، رضي الله عنه، قال: إن جبريل، عليه السلام، لما نزل فصعد بموسى إلى السماء، بصر به السامري من بين الناس، فقبض قبضة من أثر الفرس قال: وحمل جبريل موسى خلفه، حتى إذا دنا من باب السماء، صعد وكتب الله الألواح وهو يسمع صرير الأقلام في الألواح. فلما أخبره أن قومه قد فتنوا من بعده قال: نزل موسى، فأخذ العجل فأحرقه. غريب. وقال مجاهد: {فقبضت قبضة من أثر الرسول} قال: من تحت حافر فرس جبريل، قال: والقبضة ملء الكف، والقبضة بأطراف الأصابع. قال مجاهد: نبذ السامري، أي: ألقى ما كان في يده على حلية بني إسرائيل، فانسبك عجلا جسدا له خوار حفيف الريح فيه، فهو خواره. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيى، أخبرنا علي بن المديني، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا عمارة، حدثنا عكرمة؛ أن السامري رأى الرسول، فألقي في روعه أنك إن أخذت من أثر هذا الفرس قبضة فألقيتها في شيء، فقلت له: "كن فكان" فقبض قبضة من أثر الرسول، فيبست أصابعه على القبضة، فلما ذهب موسى للميقات وكان بنو إسرائيل استعاروا حلي آل فرعون، فقال لهم السامري: إنما أصابكم من أجل هذا الحلي، فاجمعوه. فجمعوه، فأوقدوا عليه، فذاب، فرآه السامري فألقي في روعه أنك لو قذفت هذه القبضة في هذه فقلت: "كن" كان. فقذف القبضة وقال: "كن"، فكان عجلا له خوار، فقال: {هذا إلهكم وإله موسى} . ولهذا قال: {فنبذتها} أي: ألقيتها مع من ألقى، {وكذلك سولت لي نفسي} أي: حسنته وأعجبها إذ ذاك. {قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس} أي: كما أخذت ومسست ما لم يكن أخذه ومسه من أثر الرسول، فعقوبتك في الدنيا أن تقول: "لا مساس" أي: لا تماس الناس ولا يمسونك. {وإن لك موعدا} أي: يوم القيامة، {لن تخلفه} أي: لا محيد لك عنه. وقال قتادة: {أن تقول لا مساس} قال: عقوبة لهم، وبقاياهم اليوم يقولون: لا مساس. وقوله: {وإن لك موعدا لن تخلفه} قال الحسن، وقتادة، وأبو نهيك: لن تغيب عنه. وقوله: {وانظر إلى إلهك} أي: معبودك، {الذي ظلت عليه عاكفا} أي: أقمت على عبادته، يعني: العجل {لنحرقنه} قال الضحاك عن ابن عباس، والسدي: سحله بالمبارد، وألقاه على النار. وقال قتادة: استحال العجل من الذهب لحما ودما، فحرقه بالنار، ثم ألقاه، أي: رماده في البحر؛ ولهذا قال: {ثم لننسفنه في اليم نسفا} .

Bölüm V05/P313–V05/P314

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمارة بن عبد وأبي عبد الرحمن، عن علي، رضي الله عنه، قال: إن موسى لما تعجل إلى ربه، عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي نساء بني إسرائيل، ثم صوره عجلا قال: فعمد موسى إلى العجل، فوضع عليه المبارد، فبرده بها، وهو على شط نهر، فلم يشرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب. فقالوا لموسى: ما توبتنا ؟ قال: يقتل بعضكم بعضا. وهكذا قال السدي: وقد تقدم في تفسير سورة "البقرة" ثم في حديث "الفتون" بسط ذلك. وقوله: {إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو [وسع كل شيء علما} يقول لهم موسى، عليه السلام: ليس هذا إلهكم، إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو] أي: لا يستحق ذلك على العباد إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له، فإن كل شيء فقير إليه، عبد لربه. وقوله: {وسع كل شيء علما} نصب على التمييز، أي: هو عالم بكل شيء، {أحاط بكل شيء علما} [الطلاق: 12] ، {وأحصى كل شيء عددا} [الجن: 28] ، فلا {يعزب عنه مثقال ذرة} [سبأ: 3] ، {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [الأنعام: 59] ، {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} [هود: 6] والآيات في هذا كثيرة جدا. {كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا } . يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: كما قصصنا عليك خبر موسى، وما جرى له مع فرعون وجنوده على الجلية والأمر الواقع، كذلك نقص عليك الأخبار الماضية كما وقعت من غير زيادة ولا نقص، هذا {وقد آتيناك من لدنا} أي: عندنا {ذكرا} وهو القرآن العظيم، الذي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} [فصلت: 42] ، الذي لم يعط نبي من الأنبياء [منذ بعثوا إلى أن ختموا] بمحمد صلى الله عليه وسلم تسليما، كتابا مثله ولا أكمل منه، ولا أجمع لخبر ما سبق وخبر ما هو كائن، وحكم الفصل بين الناس منه؛ ولهذا قال تعالى: {من أعرض عنه} أي: كذب به وأعرض عن اتباعه أمرا وطلبا، وابتغى الهدى في غيره، فإن الله يضله ويهديه إلى سواء الجحيم؛ ولهذا قال: {من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا} أي: إثما، كما قال [الله] تعالى: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} [هود: 17] . وهذا عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم، أهل الكتاب وغيرهم، كما قال تعالى: {لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] . فكل من بلغه القرآن فهو نذير له وداع، فمن اتبعه هدي، ومن خالفه وأعرض عنه ضل وشقي في الدنيا، والنار موعده يوم القيامة؛ ولهذا قال: {من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه} أي: لا محيد لهم عنه ولا انفكاك {وساء لهم يوم القيامة حملا} أي: بئس الحمل حملهم. {يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما } . ثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الصور، فقال: "قرن ينفخ فيه" . وقد جاء في حديث "الصور" من رواية أبي هريرة: أنه قرن عظيم، الدارة منه بقدر السماوات والأرض، ينفخ فيه إسرافيل، عليه السلام. وجاء في الحديث: "كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له" فقالوا: يا رسول الله، كيف نقول؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا" .

Bölüm V05/P314–V05/P316

وقوله: {ونحشر المجرمين يومئذ زرقا} قيل: معناه زرق العيون من شدة ما هم فيه من الأهوال. {يتخافتون بينهم} قال ابن عباس: يتسارون بينهم، أي: يقول بعضهم لبعض: {إن لبثتم إلا عشرا} أي: في الدار الدنيا، لقد كان لبثكم فيها قليلا عشرة أيام أو نحوها. قال الله تعالى: {نحن أعلم بما يقولون} أي: في حال تناجيهم بينهم {إذ يقول أمثلهم طريقة} أي: العاقل الكامل فيهم، {إن لبثتم إلا يوما} أي لقصر مدة الدنيا في أنفسهم [يوم المعاد؛ لأن الدنيا كلها وإن تكررت أوقاتها وتعاقبت لياليها وأيامها] وساعاتها كأنها يوم واحد؛ ولهذا تستقصر مدة الحياة الدنيا يوم القيامة: وكان غرضهم في ذلك [درء] قيام الحجة عليهم، لقصر المدة؛ ولهذا قال تعالى: {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون} [الروم: 55، 56] ، وقال تعالى: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير} [فاطر: 37] ، وقال تعالى: {كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون} [المؤمنون: 112-114] أي: إنما كان لبثكم فيها قليلا لو كنتم تعلمون لآثرتم الباقي على الفاني، ولكن تصرفتم فأسأتم التصرف، قدمتم الحاضر الفاني على الدائم الباقي. {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا } يقول تعالى: {ويسألونك عن الجبال} أي: هل تبقى يوم القيامة أو تزول؟ {فقل ينسفها ربي نسفا} أي: يذهبها عن أماكنها ويمحقها ويسيرها تسييرا. {فيذرها} أي: الأرض {قاعا صفصفا} أي: بساطا واحدا. والقاع: هو المستوي من الأرض. والصفصف تأكيد لمعنى ذلك، وقيل: الذي لا نبات فيه. والأول أولى، وإن كان الآخر مرادا أيضا باللازم؛ ولهذا قال: {لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} أي: لا ترى في الأرض يومئذ واديا ولا رابية، ولا مكانا منخفضا ولا مرتفعا، كذلك قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والحسن البصري، والضحاك، وقتادة، وغير واحد من السلف. {يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له} أي: يوم يرون هذه الأحوال والأهوال، يستجيبون مسارعين إلى الداعي، حيثما أمروا بادروا إليه، ولو كان هذا في الدنيا لكان أنفع لهم، ولكن حيث لا ينفعهم، كما قال تعالى: {أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا} [مريم: 38] ، وقال: {مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر} [القمر: 8] . قال محمد بن كعب القرظي: يحشر الله الناس يوم القيامة في ظلمة، وتطوي السماء، وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد، فيتبع الناس الصوت [فيأتونه] فذلك قوله: {يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له} . وقال قتادة: {لا عوج له} لا يميلون عنه. وقال أبو صالح: {لا عوج له} لا عوج عنه. وقوله: {وخشعت الأصوات للرحمن} : قال ابن عباس: سكنت: وكذا قال السدي. {فلا تسمع إلا همسا} قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يعني: وطء الأقدام. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والضحاك، والربيع بن أنس، وقتادة، وابن زيد، وغيرهم. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {فلا تسمع إلا همسا} : الصوت الخفي. وهو رواية عن عكرمة، والضحاك. وقال سعيد بن جبير: {فلا تسمع إلا همسا} : الحديث، وسره، ووطء الأقدام. فقد جمع سعيد كلا القولين وهو محتمل، أما وطء الأقدام فالمراد سعي الناس إلى المحشر، وهو مشيهم في سكون وخضوع. وأما الكلام الخفي فقد يكون في حال دون حال، فقد قال تعالى: {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد} [هود: 105] . {يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما } .

Bölüm V05/P316–V05/P318

يقول تعالى: {يومئذ} أي: يوم القيامة {لا تنفع الشفاعة} أي: عنده {إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} كقوله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] ،وقوله: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} [النجم: 26] ، وقال: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28] وقال: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سبأ: 23] ، وقال: {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} [النبأ: 38] . وفي الصحيحين، من غير وجه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم، وأكرم الخلائق على الله عز وجل أنه قال: "آتي تحت العرش، وأخر لله ساجدا، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع واشفع تشفع". قال: "فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود"، فذكر أربع مرات، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء. وفي الحديث [أيضا] يقول تعالى: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقول: أخرجوا من النار من كان في قلبه نصف مثقال من إيمان، أخرجوا من النار من كان في قلبه ما يزن ذرة، من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان" الحديث. وقوله: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} أي: يحيط علما بالخلائق كلهم، {ولا يحيطون به علما} كقوله: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} [البقرة: 255] . وقوله: {وعنت الوجوه للحي القيوم} قال ابن عباس، وغير واحد: خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت، القيوم: الذي لا ينام، وهو قيم على كل شيء، يدبره ويحفظه، فهو الكامل في نفسه، الذي كل شيء فقير إليه، لا قوام له إلا به. وقوله: {وقد خاب من حمل ظلما} أي: يوم القيامة، فإن الله سيؤدي كل حق إلى صاحبه، حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء. وفي الحديث: "يقول الله تعالى: وعزتي وجلالي، لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم" . وفي الصحيح: "إياكم والظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" . والخيبة كل الخيبة من لقي الله وهو مشرك به؛ فإن الله تعالى يقول: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] وقوله: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما} لما ذكر الظالمين ووعيدهم، ثنى بالمتقين وحكمهم، وهو أنهم لا يظلمون ولا يهضمون، أي: لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم . قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وقتادة، وغير واحد. فالظلم: الزيادة بأن يحمل عليه ذنب غيره، والهضم: النقص. {وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا } {فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما } يقول: ولما كان يوم المعاد والجزاء بالخير والشر واقعا لا محالة، أنزلنا القرآن بشيرا ونذيرا، بلسان عربي مبين فصيح لا لبس فيه ولا عي، {وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون} أي: يتركون المآثم والمحارم والفواحش، {أو يحدث لهم ذكرا} وهو إيجاد الطاعة وفعل القربات. {فتعالى الله الملك الحق} أي: تنزه وتقدس الملك الحق، الذي هو حق، ووعده حق، ووعيده حق، ورسله حق، والجنة حق، والنار حق، وكل شيء منه حق. وعدله تعالى ألا يعذب أحدا قبل الإنذار وبعثة الرسل والإعذار إلى خلقه؛ لئلا يبقى لأحد حجة ولا شبهة.

Bölüm V05/P318–V05/P319

وقوله: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} كقوله تعالى في سورة "لا أقسم بيوم القيامة" {لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه} [القيامة: 16-19] ، وثبت في الصحيح عن ابن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعالج من الوحي شدة، فكان مما يحرك لسانه، فأنزل الله هذه الآية يعني: أنه، عليه السلام، كان إذا جاءه جبريل بالوحي، كلما قال جبريل آية قالها معه، من شدة حرصه على حفظ القرآن، فأرشده الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخف في حقه؛ لئلا يشق عليه. فقال: {لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه} أي: أن نجمعه في صدرك، ثم تقرأه على الناس من غير أن تنسى منه شيئا، {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه} وقال في هذه الآية: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} أي: بل أنصت، فإذا فرغ الملك من قراءته عليك فاقرأه بعده، {وقل رب زدني علما} أي: زدني منك علما. قال ابن عيينة، رحمه الله: ولم يزل صلى الله عليه وسلم في زيادة [من العلم] حتى توفاه الله عز وجل. ولهذا جاء في الحديث: "إن الله تابع الوحي على رسوله، حتى كان الوحي أكثر ما كان يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علما، والحمد لله على كل حال" . وأخرجه الترمذي، عن أبي كريب، عن عبد الله بن نمير، به. وقال: غريب من هذا الوجه. ورواه البزار عن عمرو بن علي الفلاس، عن أبي عاصم، عن موسى بن عبيدة، به. وزاد في آخره: "وأعوذ بالله من حال أهل النار". {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى } قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنما سمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي. وكذا رواه علي بن أبي طلحة، عنه. وقال مجاهد والحسن: ترك. وقوله: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} يذكر تعالى تشريف آدم وتكريمه، وما فضله به على كثير ممن خلق تفضيلا. وقد تقدم الكلام على هذه القصة في سورة "البقرة" وفي "الأعراف" وفي "الحجر" و"الكهف" وسيأتي في آخر سورة "ص" [إن شاء الله تعالى] . يذكر فيها تعالى خلق آدم وأمره الملائكة بالسجود له تشريفا وتكريما، ويبين عداوة إبليس لبني آدم ولأبيهم قديما؛ ولهذا قال تعالى: {فسجدوا إلا إبليس أبى} أي: امتنع واستكبر. {فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك} يعني: حواء، عليهما السلام {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} أي: إياك أن يسعى في إخراجك منها، فتتعب وتعنى وتشقى في طلب رزقك، فإنك هاهنا في عيش رغيد هنيء، لا كلفة ولا مشقة. {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى} إنما قرن بين الجوع والعري؛ لأن الجوع ذل الباطن، والعري ذل الظاهر. {وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى} وهذان أيضا متقابلان، فالظمأ: حر الباطن، وهو العطش. والضحى: حر الظاهر.

Bölüm V05/P319–V05/P321

وقوله: {فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} قد تقدم أنه {دلاهما بغرور} [الأعراف: 22] ؛ {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} [الأعراف: 21] . وقد تقدم أن الله تعالى أوحى إلى آدم وزوجته أن يأكلا من كل الثمار، ولا يقربا هذه الشجرة المعينة في الجنة. فلم يزل بهما إبليس حتى أكلا منها، وكانت شجرة الخلد -يعني: التي من أكل منها خلد ودام مكثه. وقد جاء في الحديث ذكر شجرة الخلد، فقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبي الضحاك سمعت أبا هريرة يحدث، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، ما يقطعها وهي شجرة الخلد". ورواه الإمام أحمد. . وقول: {فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما} قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سحوق. فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأول ما بدا منه عورته. فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة، فأخذت شعره شجرة، فنازعها، فنادى الرحمن: يا آدم، مني تفر؟ فلما سمع كلام الرحمن قال: يا رب، لا ولكن استحياء أرأيت إن تبت ورجعت، أعائدي إلى الجنة؟ قال: نعم" فذلك قوله: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه} وهذا منقطع بين الحسن وأبي بن كعب، فلم يسمعه منه، وفي رفعه نظر أيضا. وقوله: {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} قال مجاهد: يرقعان كهيئة الثوب. وكذا قال قتادة، والسدي. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر، عن عون، حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} قال: ينزعان ورق التين، فيجعلانه على سوآتهما. وقوله: {وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا أيوب بن النجار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حاج موسى آدم، فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم؟ قال آدم: يا موسى، أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني -أو: قدره الله علي قبل أن يخلقني -" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فحج آدم موسى". وهذا الحديث له طرق في الصحيحين، وغيرهما من المسانيد . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أنس بن عياض، عن الحارث بن أبي ذباب، عن يزيد بن هرمز قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حج آدم وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى: أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس إلى الأرض بخطيئتك؟ قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجيا، فبكم وجدت الله كتب التوراة [قبل أن أخلق] قال موسى: بأربعين عاما. قال آدم: فهل وجدت فيها {وعصى آدم ربه فغوى} قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملت عملا كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فحج آدم موسى". قال الحارث: وحدثني عبد الرحمن بن هرمز بذلك، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. . {قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } {قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى } .

Bölüm V05/P321–V05/P323

يقول تعالى لآدم وحواء وإبليس: اهبطوا منها جميعا، أي: من الجنة كلكم. وقد بسطنا ذلك في سورة البقرة". {بعضكم لبعض عدو} قال: آدم وذريته، وإبليس وذريته. وقوله: {فإما يأتينكم مني هدى} قال أبو العالية: الأنبياء والرسل والبيان. {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} قال ابن عباس: لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. {ومن أعرض عن ذكري} أي: خالف أمري، وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه {فإن له معيشة ضنكا} أي: في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره [ضيق] حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد. فهذا من ضنك المعيشة. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {فإن له معيشة ضنكا} قال: الشقاء. وقال العوفي، عن ابن عباس: {فإن له معيشة ضنكا} قال: كل مال أعطيته عبدا من عبادي، قل أو كثر، لا يتقيني فيه، فلا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة. ويقال: إن قوما ضلالا أعرضوا عن الحق، وكانوا في سعة من الدنيا متكبرين، فكانت معيشتهم ضنكا؛ [و] ذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس مخلفا لهم معايشهم، من سوء ظنهم بالله والتكذيب، فإذا كان العبد يكذب بالله، ويسيء الظن به والثقة به اشتدت عليه معيشته، فذلك الضنك. وقال الضحاك: هو العمل السيئ، والرزق الخبيث، وكذا قال عكرمة، ومالك بن دينار. وقال سفيان بن عيينة، عن أبي حازم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد في قوله: {معيشة ضنكا} قال: يضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه فيه. قال أبو حاتم الرازي: النعمان بن أبي عياش يكنى أبا سلمة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: {فإن له معيشة ضنكا} قال: "ضمة القبر" الموقوف أصح. وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج أبو السمح، عن ابن حجيرة -اسمه عبد الرحمن -عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المؤمن في قبره في روضة خضراء، ويرحب له في قبره سبعون ذراعا، وينور له قبره كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيم أنزلت هذه الآية: {فإن له معيشة ضنكا} ؟ أتدرون ما المعيشة الضنك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده، إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينا، أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية، لكل حية سبعة رؤوس، ينفخون في جسمه، ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم يبعثون". . رفعه منكر جدا. وقال البزار: حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، حدثنا محمد بن عمرو حدثنا هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، [عن أبي حجيرة] عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: {فإن له معيشة ضنكا} قال: "المعيشة الضنك الذي قال الله تعالى: أنه يسلط عليه تسعة وتسعون حية، ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة" . وقال أيضا: حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: {فإن له معيشة ضنكا} قال: "عذاب القبر". إسناد جيد . وقوله: {ونحشره يوم القيامة أعمى} قال مجاهد، وأبو صالح، والسدي: لا حجة له. وقال عكرمة: عمي عليه كل شيء إلا جهنم. ويحتمل أن يكون المراد: أنه يحشر أو يبعث إلى النار أعمى البصر والبصيرة أيضا، كما قال تعالى: {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا} [الإسراء: 97] . ولهذا يقول: {رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} أي: في الدنيا.

Bölüm V05/P323–V05/P324

{قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} أي: لما أعرضت عن آيات الله، وعاملتها معاملة من لم يذكرها، بعد بلاغها إليك تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها، كذلك نعاملك [اليوم] معاملة من ينساك {فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا} [الأعراف: 51] فإن الجزاء من جنس العمل، فأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه، فليس داخلا في هذا الوعيد الخاص، وإن كان متوعدا عليه من جهة أخرى، فإنه قد وردت السنة بالنهي الأكيد، والوعيد الشديد في ذلك، قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن رجل، عن سعد بن عبادة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من رجل قرأ القرآن فنسيه، إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم" . ثم رواه الإمام أحمد من حديث يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله سواء . {وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } يقول تعالى: وهكذا نجازي المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والآخرة، {لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق} [الرعد: 34] ولهذا قال: {ولعذاب الآخرة أشد وأبقى} أي: أشد ألما من عذاب الدنيا، وأدوم عليهم، فهم مخلدون فيه؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين: "إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة". {أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى } . يقول تعالى: {أفلم يهد} لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به: يا محمد، كم أهلكنا من الأمم المكذبين بالرسل قبلهم، فبادوا فليس لهم باقية ولا عين ولا أثر، كما يشاهدون ذلك من ديارهم الخالية التي خلفوهم فيها، يمشون فيها، {إن في ذلك لآيات لأولي النهى} أي: العقول الصحيحة والألباب المستقيمة، كما قال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46] ، وقال في سورة "الم السجدة": {أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون} [السجدة: 26] . قال تعالى: {ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى} أي: لولا الكلمة السابقة من الله وهو أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، والأجل المسمى الذي ضربه الله تعالى لهؤلاء المكذبين إلى مدة معينة لجاءهم العذاب بغتة؛ ولهذا قال لنبيه مسليا له: {فاصبر على ما يقولون} أي: من تكذيبهم لك، {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس} يعني: صلاة الفجر، {وقبل غروبها} يعني: صلاة العصر، كما جاء في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا" ثم قرأ هذه الآية . وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن عمارة بن رويبة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ". رواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير، به . وفي المسند والسنن، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر في ملكه مسيرة ألف سنة، ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه، وإن أعلاهم منزلة لمن ينظر إلى الله عز وجل في اليوم مرتين " .

Bölüm V05/P324–V05/P326

وقوله: {ومن آناء الليل فسبح} أي: من ساعاته فتهجد به. وحمله بعضهم على المغرب والعشاء، {وأطراف النهار} في مقابلة آناء الليل، {لعلك ترضى} كما قال تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} [الضحى: 5] . وفي الصحيح: " يقول الله: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: إني أعطيكم أفضل من ذلك. فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا " . وفي الحديث [الآخر] يقال: " يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه. فيقولون: وما هو؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويزحزحنا عن النار، ويدخلنا الجنة؟ فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم خيرا من النظر إليه، وهي الزيادة " . {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى } يقول تعالى لنبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه: لا تنظر إلى هؤلاء المترفين وأشباههم ونظرائهم، وما فيه من النعم فإنما هو زهرة زائلة، ونعمة حائلة، لنختبرهم بذلك، وقليل من عبادي الشكور. وقال مجاهد: {أزواجا منهم} يعني: الأغنياء فقد آتاك [الله] خيرا مما آتاهم، كما قال في الآية الأخرى: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم} [الحجر: 87، 88] ، وكذلك ما ادخره الله تعالى لرسوله في الدار الآخرة أمر عظيم لا يحد ولا يوصف، كما قال تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} [الضحى: 5] ولهذا قال: {ورزق ربك خير وأبقى} . وفي الصحيح: أن عمر بن الخطاب لما دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المشربة التي كان قد اعتزل فيها نساءه، حين آلى منهم فرآه متوسدا مضطجعا على رمال حصير وليس في البيت إلا صبرة من قرظ، وأهب معلقة، فابتدرت عينا عمر بالبكاء، فقال رسول الله: " ما يبكيك ؟ ". فقال: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه؟ فقال: "أوفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا ". فكان صلوات الله وسلامه عليه أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها، إذا حصلت له ينفقها هكذا وهكذا، في عباد الله، ولم يدخر لنفسه شيئا لغد. قال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس، أخبرني ابن وهب، أخبرني مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله من زهرة الدنيا ". قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟ قال: " بركات الأرض " . وقال قتادة والسدي: زهرة الحياة الدنيا، يعني: زينة الحياة الدنيا. وقال قتادة {لنفتنهم فيه} لنبتليهم. وقوله: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} أي: استنقذهم من عذاب الله بإقام الصلاة، واصطبر أنت على فعلها كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم: 6] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب كان يبيت عنده أنا ويرفأ، وكان له ساعة من الليل يصلي فيها، فربما لم يقم فنقول: لا يقوم الليلة كما كان يقوم، وكان إذا [استيقظ أقام] -يعني أهله -وقال: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} .

Bölüm V05/P326–V05/P328

وقوله: {لا نسألك رزقا نحن نرزقك} يعني إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2، 3] ، وقال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} [الذاريات: 56-58] ولهذا قال: {لا نسألك رزقا نحن نرزقك} وقال الثوري: {لا نسألك رزقا} أي: لا نكلفك الطلب. وقال ابن أبي حاتم [أيضا] حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه؛ أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا، فرأى من دنياهم طرفا فإذا رجع إلى أهله، فدخل الدار قرأ: {ولا تمدن عينيك} إلى قوله: {نحن نرزقك} ثم يقول: الصلاة الصلاة، رحمكم الله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، عن ثابت قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابه خصاصة نادى أهله: " يا أهلاه، صلوا، صلوا ". قال ثابت: وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة. وقد روى الترمذي وابن ماجه، من حديث عمران بن زائدة، عن أبيه، عن أبي خالد الوالبي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقول الله تعالى: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك " . وروى ابن ماجه من حديث الضحاك، عن الأسود، عن ابن مسعود: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: " من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه الله هم دنياه. ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديته هلك " . وروي أيضا من حديث شعبة، عن عمر بن سليمان عن عبد الرحمن بن أبان، عن أبيه، عن زيد بن ثابت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له. ومن كانت الآخرة نيته، جمع له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة " . {والعاقبة للتقوى} أي: وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة، وهي الجنة، لمن اتقى الله. وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع وأنا أتينا برطب [من رطب] ابن طاب، فأولت ذلك أن العاقبة لنا في الدنيا والرفعة وأن ديننا قد طاب " . {وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى } . يقول تعالى مخبرا عن الكفار في قولهم: {لولا} أي: هلا {يأتينا} محمد {بآية من ربه} أي: بعلامة دالة على صدقه في أنه رسول الله؟ قال الله تعالى: {أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى} يعني: القرآن العظيم الذي أنزله عليه الله وهو أمي، لا يحسن الكتابة، ولم يدارس أهل الكتاب، وقد جاء فيه أخبار الأولين، بما كان منهم في سالف الدهور، بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها؛ فإن القرآن مهيمن عليها، يصدق الصحيح، ويبين خطأ المكذوب فيها وعليها. وهذه الآية كقوله تعالى في سورة "العنكبوت": {وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} [العنكبوت: 50، 51] وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " .

Bölüm V05/P328–V05/P330

وإنما ذكر هاهنا أعظم الآيات التي أعطيها، عليه السلام، وهو القرآن، وله من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر، كما هو مودع في كتبه، ومقرر في مواضعه. ثم قال تعالى: {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا} أي: لو أنا أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل أن نرسل إليهم هذا الرسول الكريم، وننزل عليهم هذا الكتاب العظيم لكانوا قالوا: {ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا} قبل أن تهلكنا، حتى نؤمن به ونتبعه؟ كما قال: {فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى} ، يبين تعالى أن هؤلاء المكذبين متعنتون معاندون لا يؤمنون {ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 97] ، كما قال تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون} [الأنعام: 155-157] وقال: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا} [فاطر: 42] وقال: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأنعام: 109، 110] . ثم قال تعالى {قل} أي: يا محمد لمن كذبك وخالفك واستمر على كفره وعناده {كل متربص} أي: منا ومنكم {فتربصوا} أي: فانتظروا، {فستعلمون من أصحاب الصراط السوي} أي: الطريق المستقيم، {ومن اهتدى} إلى الحق وسبيل الرشاد، وهذا كقوله تعالى {وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا} [الفرقان: 42] ، {سيعلمون غدا من الكذاب الأشر} [القمر: 26] . آخر تفسير سورة طه، ولله الحمد والمنة. سورة الأنبياء وهي مكية. قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق: سمعت عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله قال: بنو إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، هن من العتاق الأول، وهن من تلادي . بسم الله الرحمن الرحيم {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون } هذا تنبيه من الله، عز وجل، على اقتراب الساعة ودنوها، وأن الناس في غفلة عنها، أي: لا يعملون لها، ولا يستعدون من أجلها. وقال النسائي: حدثنا أحمد بن نصر، حدثنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم {في غفلة معرضون} قال: "في الدنيا" ، وقال تعالى: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} [النحل: 1] ، وقال [تعالى] : {اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر} [القمر: 1، 2] وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الحسن بن هانئ أبي نواس الشاعر أنه قال: أشعر الناس الشيخ الطاهر أبو العتاهية حيث يقول: الناس في غفلاتهم ورحا المنية تطحن فقيل له: من أين أخذ هذا؟ قال : من قوله تعالى: {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون} .

Sorular