İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb)
وتحقيق هذا المبحث مذكور بالتّفصيل في الرّسالة الّتي حرّرتها لتحقيق حقيقة الجذبة والسّلوك وأمثالها. والحاصل أنّ العبور من الصّورة إلى الحقيقة ضروريّ والإكتفاء من الحقيقة بالصّورة مهجوريّ. حقّقنا الله سبحانه بالحقيقة الحقّة وجنّبنا عن الصّورة الباطلة بحرمة النّبيّ المختار وآله الأبرار عليه وعليهم من الصّلوات أكملها ومن التّحيّات أفضلها. المكتوب الثّالث والسّتّون إلى السّيّد النّقيب الشّيخ فريد في بيان أنّ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام متّفقون في أصول الدّين واختلافهم إنّما هو في الفروع وبيان بعض كلماتهم المتّفقة ثبّتنا الله تعالى وإيّاكم على جادّة آبائكم الكرام على أفضلهم أصالة وعلى بواقيهم متابعة الصّلاة والسّلام واعلم: أنّ الأنبياء صلوات الله تعالى وتسليماته وبركاته على جميعهم عموما وعلى أفضلهم خصوصا كلّهم رحمات من الله سبحانه استسعد العالم بتوسّط هؤلاء العظام بالنّجاة الأبديّة وتخلّصوا من البليّات السّرمديّة فلولا وجودهم الشّريف لما أخبر الحقّ سبحانه الّذي هو الغنيّ المطلق أحدا من أهل العالم عن ذاته وصفاته تعالى وتقدّس ولما دلّ عليها أحدا ولما أهدى إلى معرفته شخصا أبدا ولما كلّف عباده بامتثال أوامره والإنتهاء عن مناهيه سرمدا اللّذين كلّفهم بهما بمحض كرمه لنفعهم ولما امتازت مرضيّاته تعالى من غير مرضيّاته، فشكر هذه النّعمة العظمى بأيّ لسان يؤدّي ولمن يكون مجال الخروج عن عهدته، الحمد لله الّذي أنعم علينا وهدانا إلى الإسلام وجعلنا من مصدّقي الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وهؤلاء العظام متّفقون في الأصول وكلمتهم متّحدة في ذات الحقّ وصفاته تعالى وتقدّس وفي الحشر والنّشر وإرسال الرّسل ونزول الملك وورود الوحي ونعيم الجنّة وعذاب الجحيم بطريق الخلود والتّأبيد، واختلافهم إنّما هو في بعض الأحكام المتعلّقة بفروع الدّين وذلك لأنّ الحقّ سبحانه أرسل في كلّ زمان إلى أنبياء ذلك الزّمان بعض الأحكام المناسبة لذلك الزّمان بطريق الوحي، وكلّفهم بأحكام مخصوصة، والنّسخ والتّبديل دائران على حكم من الحقّ سبحانه ومصالح وكثيرا ما وردت إلى نبيّ صاحب شريعة يعني مستقلّة أحكام متضادّة في أوقات مختلفة بطريق النّسخ والتّبديل. ومن كلماتهم المتّحدة وعباراتهم المتّفقة نفي عبادة غير الحقّ سبحانه ومنع الإشتراك معه تعالى وتقدّس ومنع المخلوقات عن اتّخاذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله. وهذا الحكم مخصوص بالأنبياء ولم يشرّف بهذه الدّولة غير متابعيهم ولم يتكلّم بهذا الكلام أحد غير الأنبياء. والّذين ينكرون الأنبياء وإن أقرّوا بوحدانيّة الحقّ سبحانه ولكنّ خالهم غير خال عن أحد أمرين: إمّا تقليد أهل الإسلام، وإمّا التّوحيد في وجوب الوجود فقط دون استحقاق العبادة بخلاف أهل الإسلام يعني اتباع الأنبياء الكرام فإنّهم يوحّدونه سبحانه في وجوب الوجود وفي استحقاق العبادة، فإنّ المراد بنطق كلمة: لا إله إلّا الله نفي الآلهة الباطلة وإثبات المعبود بالحقّ، وممّا يختصّ بهؤلاء العظام اعتقاد أنفسهم بشرا مثل سائر النّاس واعتقاد أنّ الإله المعبود هو الحقّ سبحانه ودعوة النّاس إليه تعالى وتنزيهه جلّ شأنه عن الحلول والإتّحاد. ومنكرو النّبوّة ليسوا كذلك بل رؤساؤهم يدّعون الألوهيّة ويثبتون حلول الحقّ في أنفسهم ولا يتحاشون من دعوى استحقاق العبادة وإطلاق اسم الألوهيّة على أنفسهم. فلا جرم أنّهم لا يزالون يخلعون ربقة العبوديّة عن رقابهم ويقعون في منكرات الأفعال ومستقبحات الأعمال ويسلكون سبيل الإباحة ويزعمون أنّ الله غير ممنوع من شيء أصلا وكلّما يقولونه يحسبونه صوابا وكلّما يفعلون يزعمونه مباحا ضلّوا فأضلّوا فويل لهم ولأتباعهم ولأشياعهم. وممّا اتّفق عليه الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وحرمه منكروهم وصاروا لا نصيب لهم من هذه الدّولة أنّهم عليهم الصّلاة والسّلام قائلون بنزول الملائكة الكرام الّذين هم معصومون مطلقا من الآثام وليس فيهم تلوّث وتعلّق بالأنام ومعتقدون أنّهم أمناء الوحي وحملة كلام الله تعالى وتقدّس يعني إلى الأنبياء العظام فكلّ ما يقوله هؤلاء الأكابر يقولونه من الحقّ سبحانه وكلّما يبلّغون يبلّغونه منه تعالى، وأحكامهم الإجتهاديّة أيضا مؤيّدة بالوحي فإن وقعت منهم زلّة فرضا تداركها الله سبحانه في الحال بالوحي القاطع.
ورؤساء المنكرين الّذين يدّعون الألوهيّة كلّ ما يقولون يقولونه من قبل أنفسهم ويحسبونه صوابا بواسطة زعم الألوهيّة، فينبغي الإنصاف لو أنّ شخصا زعم نفسه من كمال قلّة العقل إلها مستحقّا للعبادة وبهذا الزّعم الفاسد يرتكب أفعالا قبيحة، أيّ اعتبار يكون في كلامه وما الباعث والمدار على اتّباعه (ع) وكلّ إناء بالّذي فيه ينضح وإيراد أمثال هذه الكلمات إنّما هو لزيادة الإيضاح، وإلّا فالحقّ ممتاز عن الباطل والنّور مباين ومغاير للظّلمة جاءَ الْحَقُّ وزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا اللهمّ ثبّتنا على متابعة هؤلاء الأكابر عليهم الصّلاة والسّلام أوّلا وآخرا. وبقيّة المقصود أنّ جنابكم أعلم بالسّيّد ميان ? ير كمال فما الحاجة إلى الكتابة في هذا الباب ولكن نكتب هذا القدر أنّ الفقير محظوظ بمودّته من مدّة أزمان وفيه اشتياق تقبيل العتبة العليّة من مدّة مديدة ولكن الآن طرأ عليه الضّعف بحسب الأبدان حتّى صار صاحب فراش منذ أزمان، وبعد القيام يتوجّه نحو ذلك الجانب العالي راجيا العناية من حضرتكم محطّ الآمال والأمانيّ. المكتوب الرّابع والسّتّون إلى السّيّد النّقيب الشّيخ فريد في بيان اللّذّة والألم الجسمانيّين والرّوحانيّين والتّحريض على تحمّل المصائب والآلام الجسمانيّة وما يناسب ذلك سلّمكم الله سبحانه وعافاكم في الدّارين بحرمة سيّد الثّقلين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات واعلم: أنّ لذّة الدّنيا وألمها على قسمين: جسمانيّ وروحانيّ، وكّل شيء فيه لذّة للجسم فيه ألم للرّوح وكلّ شيء فيه ألم للجسم فيه التذاذ للرّوح، فالرّوح والجسم ضدّان، وفي هذه النّشأة الّتي تنزّلت الرّوح فيها إلى مقام الجسم وتعلّقت به اكتسبت حكم الجسم فصارت تتلذّذ بتلذّذه وتتألّم بتألّمه، وهذا هو مرتبة العوامّ كالأنعام وقوله تعالى ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ صادق في شأنهم فآها ألف آه لو لم تتخلّص الرّوح من هذا التّعلّق ولم ترجع إلى وطنها الأصليّ، (شعر): ومرتبة الإنسان في آخر الورى . لذلك من عزّ الحضور تأخّرا فلو لم يعد من بعده واغترابه . فلا شيء محروم كأنس من الورى والرّوح من مرضها تزعم ألمها لذّة وتظنّ لذّتها ألما ومثلها مثل الصّفراويّ حيث يجد الحلو بواسطة علّة الصّفراء مرّا، فالفكر في إزالة هذا المرض لازم للعقلاء حتّى يغشاهم الفرح والسّرور في الآلام والمصائب الجسمانيّتين (شعر): من أجل هذا العيش والمعيشة . لا بدّ من شقّ المرائر يا فتى فإن لوحظ ملاحظة جيّدة لتبيّن أنّه لو لم يكن الألم والمصيبة والمرض في الدّنيا لما تساوى بشعيرة فإنّ الوقائع والحوادث هي الّتي تزيل ظلمتها، ومرارة الحوادث مثل مرارة الدّواء النّافع المزيل للمرض. وكان محسوسا للفقير أنّ كثيرا من النّاس يهيّئون الطّعام لدعوة عامّة ولا يقدرون أن يصحّحوا النّيّة وأن يخلّصوها عن شائبة الرّياء والسّمعة، فيشرع في ذلك الأثناء طائفة من الحاضرين في ذلك المجمع والآكلين من ذلك الطّعام في ذمّ صاحب الطّعام ومنقصته ومنقصة طعامه، فيحصل لصاحب الطّعام انكسار القلب من هذه الجهة، وبهذا الإنكسار ترتفع ظلمة الطّعام الّتي طرأت عليه من عدم خلوص النّيّة، ويقع في معرض القبول. فإن لم يكن شكوى هؤلاء الجماعة وذمّهم ولم يحصل لصاحب الطّعام انكسار القلب بسببه لكان الطّعام مملوءا بالظّلمة والكدورة، فكيف المساغ لإحتمال القبول في هذه الصّورة. فكان مدار الأمر إذا على الإنكسار والعجز والإفتقار. والأمر مشكل على أمثالنا أرباب التّربية وطالبي العيش الحسن والتّنعّم وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ نصّ قاطع. والعبادة عبارة عن التّذلّل والإنكسار فالمقصود من خلق الإنسان هو التّذلّل خصوصا المسلمين والمتدّينين، فإنّ الدّنيا سجنهم وطلب العيش الحسن في السّجن بعيد من طور العقل، فلا بدّ إذا للإنسان من تحمّل المشقّة والمحنة، ولا مندوحة له في ذلك التّحمّل. أكرمنا الله سبحانه بالإستقامة على هذا المعنى بحرمة جدّكم الأمجد عليه وعلى آله من الصّلوات أتمّها ومن التّحيّات أيمنها.
المكتوب الخامس والسّتّون إلى الخان الأعظم في التّأسّف والتّلهّف على ضعف الإسلام وعجز المسلمين والتّحريض على تقوية أهل الإسلام والإغراء على إجراء أحكام الدّين أيّدكم الله سبحانه ونصركم على أعداء الإسلام في إعلاء الأحكام قال المخبر الصّادق عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها : «الاسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء " وقد بلغت غربة الإسلام حدّا يطعن الكفّار في الإسلام بين ملء ويذمّون المسلمين ويجرون أحكام الكفر بلا تحاش ويمدحون أهله في الأزقّة والأسواق والمسلمون عاجزون ممنوعون من إجراء أحكام الإسلام ومطعون فيهم في إتيان أحكام الشّرائع عند هؤلاء الكفرة اللّئام، (شعر): مليح عديم المثل مرميّ وضدّه . يقبّل منه الخدّ والعين والفم سبحان الله وبحمده وقد قيل: الشّرع تحت السّيف وجعل رونق الشّرع الشّريف مربوطا بالملوك والسّلاطين، والآن قد انعكست القضيّة وانقلبت المعاملة في هذا الزّمان وا حسرتا وا ندامتا وا وايلتا. ونحن اليوم نعدّ وجودكم الشّريف مغتنما ولا ندري من المبارز في هذه المعركة الضّعيفة المنكسرة غيركم، والله سبحانه يكون مؤيّدكم وناصركم بحرمة النّبيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات والتّحيّات والبركات. وقد ورد في الخبر " لن يؤمن أحدكم حتّى يقال إنّه مجنون " وهذا الجنون الّذي مبناه على فرط غيرة الإسلام محسوس في شيمتكم في ذلك الوقت والحمد لله على ذلك. وهذا اليوم يوم يقبل فيه عمل قليل بالإعتبار التّامّ على أجر جزيل ولا يعلم وقوع عمل من أصحاب الكهف سوى هجرتهم وفرارهم من الكفّار، مع هذا الإعتبار فيهم والإشتهار ألا ترى أنّ العساكر إذا صدرت عنهم خدمة يسيرة وإقدام قليل وقت غلبة الأعداء ينالون بها اعتبارات كثيرة وإنعامات جزيلة، بخلاف وقت الأمن وسكون الأعداء. وهذا الجهاد القوليّ الّذي تيسّر لكم اليوم ينبغي أن تغتنمه وتقول هل من مزيد معتقدا أنّ هذا الجهاد القوليّ أفضل من جهاد القتل، وأمثالنا العاجزون المقعدون مقطوعو اليدين والرّجلين محرومون من هذه الدّولة، (شعر): هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها . وللعاشق المسكين ما يتجرّع (آخر) وأبديت من كنز المرام علامة . وأرجوك أن تحظى به ان تحاول قال حضرة الخواجه عبيد الله أحرار قدّس الله سرّه: ولو كنت في مقام المشيخة والإرشاد لما وجد شيخ من شيوخ العالم مريدا ولكن أمرت يعني من عالم الغيب بأمر آخر وهو ترويج الشّريعة وتأييد الملّة فلا جرم اختار صحبة السّلاطين وجعلهم منقادين إليه بتصرّفه وروّج الشّريعة بواسطتهم وقد جعل الله سبحانه كلامكم مؤثّرا وأودع فيه تأثيرا ببركة محبّتكم لأكابر هذه الطّائفة قدّس الله أسرارهم وظهرت عظمة إسلاميّتكم في نظر الأقران، فالملتمس سعيكم في هذا الباب ولو لهدم أكبر أحكام الكفر الّذي له شيوع تامّ بين أهل الإسلام حتّى يكون أهل الإسلام محفوظين من تلك المنكرات جزاكم الله عنّا وعن سائر المسلمين خير الجزاء. وقد فهم العناد للدّين المصطفويّ عليه الصّلاة والسّلام في السّلطنة الأولى وليس هذا العناد ظاهرا في هذه السّلطنة، فإن كان فمبنيّ على عدم العلم، ونحن في خوف من أن ينجرّ الأمر هنا أيضا إلى العناد فتصير المعاملة ضيّقة على المسلمين. (ع) وما خوفي لشيء غير ديني ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على متابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. والفقير قد جئت هنا بسبب من الأسباب ولم أستصوب أن لا أطلعكم على مجيئى وأن لا أكتب بعض كلمات نافعة وأن لا أخبر عن محبّة متعلّقة بواحد من الأعزّة بحسب المناسبة الفطريّة قال عليه الصّلاة والسّلام «من أحبّ أخاه فليعلم إيّاه " والسّلام عليكم وعلى جميع من اتّبع الهدى.
المكتوب السّادس والسّتّون إلى المذكور أيضا في مدح الطّريقة العليّة النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم وبيان مناسبة هذا الطّريق بطريق الأصحاب الكرام وبيان فضيلة الأصحاب العظام على غيرهم ولو كان ذلك الغير أويسا القرنيّ أو عمر بن عبد العزيز المروانيّ الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى اعلم: أنّ طريق حضرات خواجكان قدّس الله أسرارهم مبنيّ على اندراج النّهاية قال حضرة الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس الله سرّه: نحن ندرج النّهاية في البداية وهذا الطّريق هو طريق الأصحاب الكرام بعينه فإنّه كان يتيسّر لهم في أوّل صحبة النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام ما يتيسّر لسائر أولياء الأمّة نبذة منه في نهاية النّهاية، ولهذا كان وحشيّ قاتل حمزة رضي الله عنه أفضل من أويس القرنيّ الّذي هو خير التّابعين وذلك لتشرّفه بشرف صحبة سيّد الأوّلين والآخرين في بداية إسلامه مرّة واحدة، وما حصل لوحشيّ في أوّل صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام لم يتيسّر لأويس القرنيّ في الإنتهاء بتلك الخصوصيّة، فلا جرم كان خير القرون قرن الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين، وأخّرت كلمة ثمّ أمر الآخرين وأشارت إلي بعد ما بيّن الدّرجتين. سئل عبد الله بن المبارك أيّهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ قال: الغبار الّذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خير من عمر بن عبد العزيز كذا مرّة. فلا جرم كانت سلسلة هؤلاء الأكابر سلسلة الذّهب. وكون مزيّة هذا الطّريق العالي على سائر الطّرق كمزيّة قرن الأصحاب على سائر القرون صار مبرهنا، والإطّلاع على حقيقة جماعة ذاقوا في أوّل شرب من ذلك الجام من كمال الفضل والكرم متعذّر من غيرهم، فإنّ نهايتهم فوق نهاية الآخرين. (ع) وعام الرّخص يعلم من ربيع ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . قال حضرة الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه: نحن المفضّلون جعلنا الله سبحانه وإيّاكم من محبّي هؤلاء الأكابر ومتابعي آثارهم بحرمة النّبيّ القرشيّ عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّحيّات أكملها. المكتوب السّابع والسّتّون إلى خان خانان في تفويض محتاج ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على متابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات ظاهرا وباطنا ويرحم الله عبدا قال آمينا قد اضطّرني إلى تصديعكم أمران أهمّان: أحدهما إظهار رفع مظنّة الأذى بل إظهار حصول المودّة والإخلاص، وثانيهما: الإيماء إلى احتياج محتاج متحلّي بالفضيلة والصّلاح ومتزيّن بالمعرفة، والشّهود كريم من جهة النّسب شريف من جهة الحسب. أيّها المخدوم: إنّ في إظهار الحقّ نوعا من المرارة وإن كانت متفاوتة بحسب الشّدّة والضّعف. فيا سعادة من يأكل هذه المرارة مثل العسل ويقول: هل من مزيد. وتلوينات الأحوال من لوازم صفة الإمكان، حتّى انّ طائفّة بلغوا مرتبة التّمكين لم يتخلّصوا من التّلوين فإنّ الممكن المسكين لا يخلو إمّا أن يكون مغلوب سلطان الصّفات الجلاليّة أو يكون مغلوب الصّفات الجماليّة، أو يكون وقتا محلّا للقبض ووقتا موطنا للبسط، ولكلّ موسم أحكام على حدة كان بالأمس ذلك واليوم هذا " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرّحمن يقلّبها كيف يشاء» والسّلام. المكتوب الثّامن والسّتّون إلى المذكور أيضا في بيان أنّ التّواضع يستحسن من أرباب الغنى والإستغناء من أصحاب الفقر وما يناسب ذلك الخير فيما صنع الله أيّها المخدوم. شعر: وما هو من شرط البلاغ أقوله . فخذ منه نصحا ناصحا أو ملالة التّواضع مستحسن من أرباب الغنى والإستغناء من أصحاب الفقر، لأنّ المعالجة إنّما تكون بالأضداد، ولم يفهم من مكاتيبكم الثّلاثة شيء غير الإستغناء وإن كان مقصودكم التّواضع وكان في المكتوب الأخير مسطورا بعد الحمد والصّلاة فليعلم إلخ: ينبغي أن يلاحظ في هذه العبارة ملاحظة جيّدة حتّى يظهر أنّها إلى أين يكتب وإلى من ترسل. نعم، قد خدمتم الفقراء كثيرا، ولكنّ رعاية الأدب أيضا ضروريّة لتترتّب الثّمرة عليها وبدونها خرط القتاد. نعم إنّ أتقياء أمّته صلّى الله عليه وسلّم بريئون من التّكلّف ولكنّ التّكبّر مع المتكّبرين صدقة.
قال شخص لحضرة الخواجه إنّه متكبّر فقال في جوابه: إنّ تكبّري من كبريائه تعالى لا ينبغي لأحد أن يظنّ هذه الطّائفة ذليلين حقيرين " ربّ أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرّه» حديث نبويّ عليه الصّلاة والسّلام، شعر: بثثت قليلا من همومي وخفت أن . تملّوا وإلّا فالكلام كثير وينبغي لمحبّيكم الأعزّة ومخلصيكم الأجلّة أن يكونوا من أصحاب الملاحظة المطابقة لنفس الأمر، وأن يبلّغوا إليك كلّ ما هو واقع في نفس الأمر، وأن ينظروا في كلّ مشورة إلى ما فيه صلاحكم لا إلى ما فيه صلاح أنفسهم فإنّه خيانة، ولقد كان من العلل الغائيّة لهذا السّفر إفادة ما فيه بعض منافعكم ولكن محبّوكم لم يتركوني لأن ألاقيكم فلا تنسبوا التّقصير إلى هذا الطّرف. وهذه المقدّمات وإن كانت مرّا في الظّاهر ولكنّ من يمدحكم ويستميلكم كثير، فاكتفوا بهم. والمقصود من مودّة الفقراء ومحبّتهم الإطّلاع على العيوب المكنونة وظهور الرّذائل المخزونة، ولكن ينبغي أن يعلم أنّ إظهار أمثال هذه الكلمات ليس على وجه الإيذاء بل على وجه النّصيحة وحرقة القلب. وأيقن أنّ الخواجه محمّد صدّيق لو تقدّم يوما واحدا لاوصل هذا الفقير نفسه إليكم على كلّ حال ولكنّه لقي في أثناء طريق سرهند فالمأمول مسامحتكم. الخير فيما صنع الله سبحانه. المكتوب التّاسع والسّتّون إلى المذكور أيضا في بيان أنّ التّواضع موجب للرّفعة في الدّارين وأنّ النّجاة مربوطة بمتابعة أهل السّنّة والجماعة الّذين هم الفرقة النّاجية الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله. وصل مكتوبكم الشّريف صحبة الأخ مولانا محمّد صدّيق وقد أكرمتم جزاكم الله سبحانه عنّا خير الجزاء، وحيث انّكم راعيتم الأدب مع الفقراء وسقتم الكلام بالتّواضع نرجو أن يكون هذا التّنزّل بحكم " من تواضع لله رفعه الله» موجبا للرّفعة الدّينيّة والدّنيويّة بل كان كذلك بشرى لكم، وحيث أوردتم الكلام في البين من الإنابة والمراجعة فتصوّر أنّ هذه الإنابة قد وقعت على يد درويش من الدّراويش، وكن مترصّدا لنتائجه وثمراته ولكن ينبغي لك أن تراعي حقوقه مهما أمكن وايش نكتب من الوصايا والنّصائح وماذا نبيّن من العلوم والمعارف، فإنّ العلماء المجتهدين والصّوفيّة المحقّقين شكر الله سعيهم لم يقصّروا في بسط الكلام وتفصيله. وأظنّ أنّ بعض الأصحاب أوصل بعض مسودّات هذا الفقير قليل البضاعة إلى خدمتكم ولعلّ نظركم الشّريف وقع عليه. وبالجملة: انّ طريق النّجاة هو متابعة أهل السّنّة والجماعة كثّرهم الله سبحانه في الأفعال والأقوال وفي الفروع والأصول; فإنّهم هم الفرقة النّاجية وما سواهم من الفرق فإنّهم في معرض الزّوال وشرف الهلاك علمه اليوم واحد أو لم يعلم، وأمّا غدا فيعلمه كلّ أحد ولا ينفع. اللهمّ نبّهنا قبل أن ينبّهنا الموت. والسّيّد إبراهيم منسوب إلى تلك العتبة العليّة من قديم الأيّام ومنتظم في سلك الدّعاة، فاللّازم لذمّة الكرام أن يعينوه ويأخذوا بيده حتّى يخلّصوه وأهله من الفقر والعجز ليحصل له فراغ الخاطر ويشتغل بدعاء سلامة الدّارين والسّلام. المكتوب السّبعون إلى المذكور أيضا في بيان أنّ جامعيّة الإنسان سبب لبعده كما أنّها سبب لقربه وما يناسب ذلك ثبّتكم الله سبحانه على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة رحم الله عبدا قال آمينا اعلم: أنّ جامعيّة الإنسان كما أنّها سبب لقربه وتكريمه وتفضيله كذلك هي سبب أيضا لبعده وتجهيله وتضليله، أمّا قربه فبواسطة أتمّيّة مرآته وقابليّته لظهور جميع الأسماء والصّفات بل للتّجلّيات الذّاتيّة، وما ورد من الحديث القدسيّ " لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن» رمز من هذا البيان. وأمّا بعده فبسبب احتياجه إلى كلّ شيء من جزئيّات العالم " فإنّ له احتياجا إلى كلّ ما في العالم خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فبواسطة هذا الإحتياج له تعلّق بجميع الأشياء وهذا التّعلّق هو الّذي صار سببا لبعده وضلاله، (شعر): ومرتبة الإنسان في آخر الورى . لذلك عن عزّ الحضور تأخّرا فإن لم يعد من بعده واغترابه .
فلا شيء محروم كأنس من الورى فكان الإنسان أشرف الموجودات وشرّ الكائنات أيضا إذ منه محمّد حبيب ربّ العالمين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات والتّحيّات ومنه أبو جهل اللّعين عدوّ ربّ الأرضين والسّموات، فلا جرم كان الأمر مشكلا جدّا ما لم يتيسّر النّجاة من جميع التّعلّقات الشّتّى ولم يحصل تعلّق بواحد منزّه عن الوحدة أيضا ولكن بمقتضى " ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه " ينبغي أن يلتزم كون المعاملة والمعيشة في أيّام قليلة على وفق السّنّة واتّباع صاحب الشّريعة عليه وعلى آله الصّلاة والتّحيّة، فإنّ التّخلّص من عذاب الآخرة والفوز بالتّنعّمات السّرمديّة مربوطة بسعادة هذا الإتّباع، فينبغي أداء الزّكاة من الأموال النّامية والأنعام السّائمة كما هو حقّها وأن يجعل ذلك وسيلة لقطع التّعلّق عن الأموال والأنعام، وينبغي أن لا يكون حظّ النّفس ملحوظا ومنظورا إليه في أكل الأطعمة اللّذيذة ولبس الألبسة النّفيسة، بل اللّائق في استعمال الأطعمة والأشربة أن لا ينوي شيئا غير حصول القوّة لأداء الطّاعات. وفي لبس الثّوب النّفيس ينبغي أن ينوي التّزيّن المأمور بقوله تعالى خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أي عند كلّ صلاة، وأن لا يشوبه نيّة أخرى. فإن لم تتيسّر حقيقة النّيّة ينبغي أن يتكلّف فيها " فإن لم تبكوا فتباكوا " وأن يلتجئ ويتضرّع إلى الله سبحانه دائما لتتيسّر حقيقة النّيّة وليتخلّص من التّكلّف. ولعلّ يقبل دمعي المتقاطر . من كان يخلق لؤلؤا من قطرة وعلى هذا القياس ينبغي أن يعامل في جميع الأمور بمقتضى فتاوى العلماء المتديّنين الّذين اختاروا العزيمة واجتنبوا الرّخصة، وأن يعتقد ذلك وسيلة للنّجاة الأبديّة ما يَفْعَلُ الله بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وآمَنْتُمْ . المكتوب الحادي والسّبعون إلى الميرزا داراب بن خان خانان في بيان أنّ شكر المنعم واجب على المنعم عليه وحصول الشّكر إنّما هو بإتيان أحكام الشّريعة لا غير أيّدكم الله سبحانه ونصركم اعلم أنّ شكر المنعم واجب على المنعم عليه عقلا وشرعا ومن المعلوم أنّ وجوب الشّكر على قدر وصول النّعمة، فكلّما كان وصول النّعمة أكثر كان وجوب الشّكر أزيد وأوفر، فكان الشّكر على الأغنياء على تفاوت درجاتهم بأضعاف ما يجب على الفقراء، ولهذا ورد في الخبر " إنّ فقراء هذه الأمّة يدخلون الجنّة قبل الأغنياء بخمسمائة عام» والشّكر لله المنعم تعالى وتقدّس إنّما يكون بتصحيح العقائد أوّلا على مقتضى آراء الفرقة النّاجية أهل السّنّة والجماعة، وإتيان الأحكام الشّرعيّة العمليّة ثانيا على وفق بيان مجتهدي هذه الفرقة العليّة، والتّصفية والتّزكية ثالثا على طبق سلوك الصّوفيّة العليّة من هذه الفرقة النّاجية السّنيّة، ووجوب هذه الرّكن الأخير استحسانيّ بخلاف الرّكنين السّابقين. فإنّ أصل الإسلام مربوط بذينك الرّكنين وإنّما المنوط بالرّكن الأخير هو كمال الإسلام لا أصله، والعمل المخالف لهذه الأركان الثّلاثة ولو كان من جنس الرّياضات الشّاقّة والمجاهدة الشّديدة فهو داخل في المعصية والبغي والطّغيان على المنعم جلّ سلطانه. ولم يقصّر براهمة الهند وفلاسفة اليونان في الرّياضات والمجاهدات شيئا ولم يفوّتوا فيها دقيقة، ولكن لمّا لم تكن تلك الرّياضات والمجاهدات على وفق شرائع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام كانوا مردودين وصاروا من النّصيب الأخرويّ محرومين، فعليكم بمتابعة سيّدنا ومولانا وشفيع ذنوبنا وطبيب قلوبنا محمّد رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم ومتابعة خلفائه الرّاشدين المهديّين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. المكتوب الثّاني والسّبعون إلى الخواجه جهان في بيان أنّ جمع الدّين مع الدّنيا متعسّر وما يناسب ذلك سلّمكم الله سبحانه وعافاكم (ع) ما أحسن الدّين والدّنيا لو اجتمعا والجمع بين الدّين والدّنيا من قبيل الجمع بين الأضداد، فلا بدّ إذا لطالب الآخرة من ترك الدّنيا. وحيث كان تركها حقيقة متعسّرا في هذه الأوان ينبغي أن يلتزم تركها حكما بالضّرورة. والتّرك الحكميّ عبارة عن أن يكون محكوما بمقتضى حكم الشّريعة الغرّاء في الأمور الدّينيّة، وأن يراعي حدود الشّرع في المطاعم والمشارب والمساكن غير مجوّز لمجاوزتها، وأن يؤدّي الزّكاة المفروضة في الأموال النّامية والأنعام السّائمة.
فإذا تيسّر التّحلّي بالأحكام الشّرعيّة فقد حصلت النّجاة من مضرّة الدّنيا واجتمعت الدّنيا حينئذ بالآخرة، ومن لم يتيسّر له هذا القسم أيضا من التّرك فهو خارج من المبحث وحكمه حكم المنافق وصورة الإيمان الّتي فيه لا تنفعه في الآخرة وإنّما نتيجتها عصمة الدّماء والأموال في الدّنيا، (شعر): وما هو من شرط البلاغ أقوله . فخذ منه نصحا نافعا أو ملالة وأيّ صاحب دولة يسمع الكلمة الحقّة بسمع القبول مع هذه الزّمزمة الدّنياويّة والخدم والحشم والأطعمة اللّذيذة والألبسة الفاخرة، (شعر): فى أذنه من أنّتى صمم فلا . يرضى سماع نصيحتي وبكائيا وفّقنا الله سبحانه وإيّاكم لمتابعة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة وبقيّة المرام: أنّ الشّيخ ميان زكريّا كان سابقا مستوفي الخراج وهو عالم وفاضل وقد مضت مدّة مديدة وهو محبوس في السّجن بشؤم أعماله، وقد عجز الآن بواسطة ضعف الهرم وضيق المعيشة وتمادت مدّة حبسه. وقد كتب إلى الفقير يطلب حضوري في العسكر فأسعى في تخليصه، ولكنّ كثرة مسافة الطّريق كانت مانعة من ذلك. ولمّا أراد أخي الخواجه محمّد صادق التّوجّه إلى خدمتكم كنت سببا للتّصديع بتحرير كلمات بالضّرورة فالمرجوّ رعاية التّوجّه العالي في حقّ ذلك الضّعيف فإنّه عالم وشيخ كبير والسّلام أوّلا وآخرا. المكتوب الثّالث والسّبعون إلى قلي? الله ابن قلي? خان في مذمّة الدّنيا وأبنائها وترك تحصيل العلوم الغير النّافعة والإجتناب عن فضول المباحات والتّحريض على الخيرات والأعمال الصّالحة وما يناسب ذلك رزقنا الله سبحانه الإستقامة على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة الأبديّة السّرمديّة أيّها الولد انّ الدّنيا محلّ الإمتحان والإبتلاء ظاهرها مموّه ومزيّن بأنواع المزخرفات وصورتها منقّشة وملوّنة بالخيلان والخطوط والذّوائب والخدود الموهومة حلوة في بادي النّظر متخيّلة بالطّراوة والنّضارة في البصر ولكنّها في الحقيقة جيفة مرشوش عليها العطر ومزبلة ملآنة بالذّباب والدّود، سراب يرى كالشّراب وسمّ في صورة سكّر باطنها خراب وأبتر ومعاملتها مع أبنائها مع وجود هذه الذّمامة والوقاحة شرّ من جميع ما يقال ويذكر، عاشقها سفيه ومسحور ومفتونها مجنون ومخدوع، كلّ من افتتن بظاهرها فقد اتّسم بسيمة الخسارة الأبديّة، وكلّ من نظر إلى حلاوتها وطراوتها كان نصيبه النّدامة السّرمديّة. قال سيّد الكائنات حبيب ربّ العالمين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " ما الدّنيا والآخرة إلّا ضرّتان إن رضيت إحداهما سخطت الأخرى فمن أرضى الدّنيا فقط أسخط الآخرة على نفسه " فلا جرم لا يكون له نصيب من الآخرة أعاذنا الله سبحانه وإيّاكم من محبّتها ومحبّة أهلها. (أيّها الولد) هل تدري ما الدّنيا، كلّ ما يعوّقك ويحجبك عن الحقّ سبحانه وتعالى من النّساء والأولاد والأموال والجاه والرّياسة واللهو واللّعب والإشتغال بما لا يعني فهو داخل في الدّنيا، والعلوم الّتي لا دخل لها في أمور الآخرة فهى أيضا من الدّنيا، فلو نفع تحصيل علم النّجوم والمنطق والهندسة والحساب وأمثالها من العلوم الّتي لا طائل فيها لكانت الفلاسفة من أهل النّجاة قال النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام «علامة إعراضه تعالى عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه» ، (شعر): من كان في قلبه مقدار خردلة . سوى هوى الحقّ فاعلم أنّه مرض وما قالوا من أنّ معرفة علم النّجوم لازمة لمعرفة أوقات الصّلاة ليس معناه أنّ معرفة أوقات الصّلاة لا تمكن إلّا بمعرفة علم النّجوم، بل بمعنى أنّ علم النّجوم أحد طرق معرفة الأوقات وكثير من النّاس لا خبر لهم من علم النّجوم ومع ذلك يعرفون أوقات الصّلاة أزيد من علماء علم النّجوم، وقريب من ذلك الوجوه الّتي ذكروها في تحصيل المنطق والحساب وأمثالهما من العلوم الّتي لها دخل في الجملة في بعض العلوم الشّرعيّة. وبالجملة لا يظهر وجه جواز الإشتغال بهذه العلوم إلّا بعد تمحّلات كثيرة، وذلك أيضا بشرط أن لا يكون المقصود منها غير معرفة الأحكام الشّرعيّة وتقوية الأدلّة الكلاميّة، وإلّا فلا يجوز الإشتغال بها أصلا. ينبغي الإنصاف أنّ الأمر المباح إذا كان الإشتغال به مستلزما لفوات أمر واجب هل يخرج من الإباحة أو لا، ولا شكّ أنّ الإشتغال بهذه العلوم مستلزم لفوات الإشتغال بالعلوم الشّرعيّة الضّروريّة.
(أيّها الولد) إنّ الحقّ سبحانه قد رزقك من كمال عنايته الّتي لا غاية لها التّوفيق للتّوبة في عنفوان الشّباب ووفّقك للإنابة على يد واحد من دراويش السّلسلة النّقشبنديّة العليّة قدّس الله أسرار أهلها ولا أدري هل لك على تلك التّوبة ثبات أو أغوتك عنها النّفس بأنواع المزخرفات، وأرى الإستقامة عليها مشكلة، فإنّ الموسم عنفوان الشّباب ومتاع الدّنيا متيسّر الأسباب وأكثر القرناء غير مناسب في هذا الباب. (أيّها الولد) إنّ الأمر والحزم هو الإجتناب عن فضول المباحات والإكتفاء بقدر الضّرورة، وأن يكون هو أيضا بنيّة حصول القوّة والجمعيّة لأداء وظائف العبوديّة، فإنّ المقصود من الأكل مثلا هو حصول القوّة على أداء الطّاعة ومن لبس اللّباس ستر العورة ودفع الحرّ والبرد، وعلى هذا القياس سائر المباحات الضّروريّة. واختار أكابر النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم العليّة العمل بالعزيمة واجتنبوا من الرّخصة مهما أمكن ومن جملة العزائم الإكتفاء بقدر الضّرورة فإن لم تتيسّر هذه الدّولة ينبغي أن لا يخرج من دائرة المباحات إلى حدّ المشتبهات والمحرّمات، ولقد أباح الله سبحانه بكمال كرمه تنعّمات كثيرة على الوجه الأتمّ وجعل دائرة هذه التّنعّمات واسعة جدّا، ومع قطع النّظر عن هذه التّنعّمات أيّ عيش يساوي رضا مولى العبد بأفعاله وأيّ جفاء يشبه بسخط سيّده على أعماله رضاء الله في الجنّة خير من الجنّة وسخط الله في النّار شرّ من النّار والإنسان عبد محكوم بحكم لم يجعله المولى ولده ولم يتركه سدى حتّى يتهافت على كلّ ما يشاء فينبغي التّفكّر وإعمال القلب، ولا يحصل غدا شيء غير النّدامة والخسارة، وقت العمل إنّما هو عهد الشّباب، والعاقل من لا يضيّع هذا الوقت ويغتنم الفرصة فإنّ الأمر مبهم فعساه أن لا يبقى إلى زمن الشّيخوخة ولئن بقي فلعلّه لا تتيسّر له الجمعيّة ولئن تيسّرت فلعلّه لا يقدر على العمل في أوان استيلاء الضّعف والعجز. والحال أنّ أسباب الجمعيّة كلّها متيسّرة الآن ووجود الوالدين أيضا من إنعامات الحقّ سبحانه فإنّ همّ معيشتك على ذمّتهم والموسم موسم الفرصة وزمان القوّة والإستطاعة فبأيّ عذر يمكن أن يؤخّر شغل اليوم إلى غد ويختار التّسويف قال عليه الصّلاة والسّلام: «هلك المسوّفون " نعم إذا أخّرت المهمّات الدّنيويّة الدّنيّة إلى غد لأجل الإشتغال بأمور الآخرة في اليوم يكون مستحسنا جدّا كما أنّ عكسه مستقبح جدّا، وفي هذا الوقت الّذي هو عنفوان الشّباب ووقت استيلاء أعداء الدّين من النّفس والشّيطان لعمل قليل من الإعتبار ما ليس ذلك في غير هذا الوقت لأضعاف مضاعفة، كما أنّ في القاعدة العسكريّة للعساكر " الشّجعان أقوياء الجنان " اعتبار زائد وقت استيلاء الأعداء حتّى يعتبر منهم في ذلك الوقت عمل يسير وثبات قليل ويكون ذلك منظورا، ولا يكون مثل هذا الإعتبار وقت الأمن من شرّ الأعداء. (أيّها الولد) إنّ المقصود من خلق الإنسان الّذي هو خلاصة الموجودات ليس هو اللهو واللّعب ولا الأكل والنّوم، وإنّما المقصود منه أداء وظائف العبوديّة والذّلّ والإنكسار والعجز والإفتقار ودوام الإلتجاء والتّضرّع إلى جناب قدس الغفّار جلّ سلطانه والعبادات الّتي الشّرع المحمّديّ ناطق بها المقصود من أدائها منافع العباد ومصالحهم ولا يعود منها شيء إلى جناب قدسه عزّ شأنه، فينبغي إذا أداؤها بغاية الممنونيّة وأن يسعى ويجتهد في انقياد الأوامر وامتثالها والإنتهاء عن المناهي وامتناعها وقد أكرم الله سبحانه عباده بالأوامر والنّواهي مع وجود غناه المطلق، فينبغي لنا أن نشكر على هذه النّعمة على الوجه الأتمّ وأن نجتهد في امتثال أحكامها بكمال الممنونيّة. (اعلم) أيّها الولد، لو أنّ واحدا من أبناء الدّنيا الّذين تحقّقوا بشوكة ظاهريّة وجاه صوريّ أنعم على واحد من متعلّقيه بخدمة يرجع منها نفع للآمر بها أيضا كيف يعدّها عزيزة ويقول إنّ شخصا عظيم القدر أمرني بهذه الخدمة فينبغي لي القيام بها بغاية الممنونيّة، فأيّ بلاء نزل وأيّ مصيبة أصابت. هل كانت عظمة الحقّ جلّ شأنه في النّظر أقلّ من عظمة هذا الشّخص حيث لا يجتهد في امتثال أحكام الحقّ جلّت عظمته ينبغي أن يستحي وأن يتنبّه من نوم الأرنب.
وعدم امتثال أوامر الله جلّ سلطانه لا يخلو من أمرين: إمّا أن يكذّب الإخبارات الشّرعيّة، وإمّا أن تكون عظمة أمر الحقّ تعالى وتقدّس أحقر من عظمة أمر أبناء الدّنيا، فينبغي أن يلاحظ شناعة هذين الأمرين. (أيّها الولد) لو أنّ شخصا قد جرّب كذبه مرارا، أخبر بأنّ الأعداء في صدد الهجوم باللّيل لإستيلاء تامّ على قوم كذا لاجتهد عقلاء ذلك القوم في المحافظة وفكر دفع تلك البليّة مع علمهم بأنّ ذلك المخبر متّهم بالكذب لكون الإحتراز عمّا يتوهّم فيه الخطر لازما. وقد أخبر المخبر الصّادق عليه الصّلاة والسّلام بتمام المبالغة عن عذاب الآخرة ومع ذلك لم يتأثّروا منه أصلا، فإنّهم إن تأثّروا لا نزعجوا وتفكّروا في دفعه والحال أنّهم عرفوا علاج دفعه ببيان المخبر الصّادق عليه الصّلاة والسّلام، فبئس الإيمان الّذي لا يكون لخبر المخبر الصّادق اعتبار عند صاحبه مثل اعتبار خبر الكاذب. وصورة الإسلام لا تنفع من النّجاة شيئا بل لا بدّ لحصول النّجاة من تحصيل اليقين وأين اليقين بل لا ظنّ ولا وهم أيضا فإنّ العقلاء يعتبرون الوهم في أمور فيها خطر وخوف وكذلك قال الله تعالى في كتابه المجيد (والله بصير بما تعملون) ومع ذلك أنّهم يعملون هذه الأعمال القبيحة والحال أنّهم لو أحسّوا اطّلاع شخص حقير على أعمالهم لما عملوا حينئذ عملا شنيعا أصلا. فحال هؤلاء لا يخلو عن أحد الحالين: إمّا أن يكذّبوا خبر الحقّ سبحانه، وإمّا أن لا يعتبروا اطّلاعه تعالى. فمثل هذا العمل هل هو من الإيمان أو من الكفر فيلزم لذلك الولد ان يجدّد الإيمان قال عليه الصّلاة والسّلام «جدّدوا إيمانكم بقول لا إله إلّا الله» وأن يعيد توبة نصوحا من أمور لا يرضى بها الله سبحانه وأن يجتنب عن أمور محرّمة منهيّة عنها وأن يؤدّي الصّلوات الخمس مع الجماعة فإن تيسّر قيام اللّيل وصلاة التّهجّد فنعمت السّعادة، وأداء زكاة الأموال أيضا من أركان الإسلام فلا بدّ من أدائها البتّة. وأسهل طرق أدائها أن يعزل حقّ الفقراء من المال في كلّ سنة بنيّة الزّكاة فيحفظه عنده ويصرفه في مصارف الزّكاة في تمام السّنة، فعلى هذا التّقدير لا يلزم تجديد نيّة أداء الزّكاة في كلّ مرّة بل تكفي النّيّة وقت العزل مرّة واحدة. ومن المعلوم أنّه كم يصرف إلى الفقراء والمستحقّين في جميع السّنة ولكن لمّا لم يكن بنيّة أداء الزّكاة لم يكن محسوبا منها، وفي الصّورة المذكورة تسقط الزّكاة من الذّمّة ويحصل التّخلّص أيضا من الخرج من غير مضايقة، فإن لم يصرف للفقراء في تمام السّنة مقدار الزّكاة بل بقيت منها بقيّة ينبغي أن يحفظها كذلك معزولة عن سائر الأموال، فإنّ مثل هذا العمل يحتاج إليه في كلّ عام، ومتى كان مال الفقراء ممتازا ومعزولا فعسى أن يحصل التّوفيق لإنفاقه غدا وإن لم يحصل اليوم. أيّها الولد، إنّ النّفس بخيلة بالذّات وهاربة من امتثال الأحكام الإلهيّة جلّ سلطانه فلا جرم يصدر الكلام بالرّفق واللّين وإلّا فالأموال والأملاك كلّها حقّ الله تعالى، فأين المجال للعبد في المكث والتّوقّف فيه بل ينبغي أداؤها بالممنونيّة التّامّة، وكذلك ينبغي أن لا يتساهل في أداء العبادات باتّباع هوى النّفس وأن يسعى في أداء حقوق العباد سعيا بليغا وأن يبذل الجهد فيه حتّى لا يبقى لأحد حقّ في الذّمّة فإنّ أداء الحقّ هنا يعني في الدّنيا سهل بحيث يمكن تحصيله بالملايمة والتّملّق، وأمّا في الآخرة فالأمر مشكل غير قابل للعلاج. (وينبغي) الإستفسار عن الأحكام الشّرعيّة والإستفتاء فيها من علماء الآخرة فإنّ لكلامهم تأثيرا فعسى أن يحصل التّوفيق للعمل بها ببركة أنفاسهم. وينبغي الإجتناب عن علماء الدّنيا الّذين جعلوا العلم وسيلة للجاه إلّا أن لا يوجد العلماء المتّقون فيرجع إليهم بالضّرورة بقدر الضّرورة. والحاجّ ميان محمّد الأترة من العلماء المتديّنين هناك والشّيخ عليّ الأترة من أحبابكم وكلّ من هذين الشّخصين مغتنم في تلك النّواحي والرّجوع إليهما في تحقيق المسائل الشّرعيّة أنسب. (أيّها الولد) ما لنا ولأبناء الدّنيا وأيّة مناسبة بيننا وبينهم حتّى نتكلّم في خيرهم وشرّهم، وقد وردت النّصائح الشّرعيّة في هذا الباب على الوجه الأتمّ والأكمل فلله الحجّة البالغة.
ولكن لمّا كان ذلك الولد راجعا إلى الفقراء ومنسوبا إليهم من طريق الإنابة كان للقلب توجّه في أكثر الأوقات إلى أحواله، وكان هذا التّوجّه باعثا على القيل والقال. (واعلم) أنّ أكثر هذه النّصائح والمسائل قد بلغه وقرع سمعه ولكنّ المقصود هو العمل لا مجرّد العلم، ألا ترى أنّ مريضا إذا كان عالما بداء مرضه لا ينفعه علمه بذلك الدّواء ولا يحصل الشّفاء بدون أكل الدّواء. وكلّ هذا الإبرام والمبالغة لأجل العمل فإنّ العلم العاري عن العمل يقيم الحجّة على صاحبه قال عليه الصّلاة والسّلام «أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه». وليعلم ذلك الولد انّ الإنابة السّابقة وإن لم تثمر بواسطة قلّة صحبة أرباب الجمعيّة ولكنّها تنبئ عن نفاسة جوهر استعداده. والمرجوّ أن يوفّقه الله سبحانه لمرضيّاته ببركة تلك الإنابة وأن يجعله من أهل النّجاة. وعلى كلّ حال ينبغي أن لا يفلت حبل محبّة هذه الطّائفة، وأن يجعل الإلتجاء والتّضرّع إلى هؤلاء القوم شعارا وأن ينتظر تشريف الحقّ سبحانه بمحبّته بسبب محبّة هذه الطّائفة وجذبه إليه بالتّمام وتخليصه من الأدناس والأوساخ بالكلّيّة، (شعر): ما العشق إلّا شعلة قد أحرقت . كلّ الورى إلّا الحبيب الباقي المكتوب الرّابع والسّبعون إلى المرزا بديع الزّمان في التّحريض على محبّة الفقراء والتّوجّه إليهم وعلى اتّباع صاحب الشّريعة عليه الصّلاة والسّلام قد وردت الرّقعة الشّريفة والنّميقة اللّطيفة حمدا لله سبحانه حيث يفهم من فحواه محبّة الفقراء والتّوجّه إلى الدّراويش الّتي هي رأس مال السّعادة لأنّهم جلساء الله سبحانه وهم قوم لا يشقى جليسهم، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يستفتح بصعاليك المهاجرين، وقال عليه الصّلاة والسّلام في شأنهم " ربّ أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لابرّه " وقد اندرجت في الصّحيفة الشّريفة فقرة خديو النّشأتين وهذه لغة مخصوص إطلاقها بحضرة واجب الوجود جلّ سلطانه وكيف يسوغ لعبد مملوك لا يقدر على شيء أن يبتغي المشاركة بالله جلّ شأنه بوجه من الوجوه، وأن يسعى ويعدو في طريق الإستقلال خصوصا في النّشأة الأخرويّة الّتي تختصّ فيها المالكيّة والملكيّة سواء كانت بطريق الحقيقة أو بطريق المجاز بمالك يوم الدّين، ويومئذ ينادي الحقّ سبحانه ويقول " لمن الملك اليوم " يقول في جوابه بنفسه " لله الواحد القهّار»، وليس للعباد في ذلك اليوم شيء سوى الهول والدّهشة والنّدم والحسرة وقد أخبر الله سبحانه في القرآن المجيد عن شدّة ذلك اليوم وغاية اضطراب الخلائق حيث قال تبارك وتعالى " إنّ زلزلة السّاعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت وتضع كلّ ذات حمل حملها وترى النّاس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد» (شعر) عن الفعل لا قول بذا اليوم تسأل . قلوب ذوي الألباب تشوى وتذبل ويدهش فيه الأنبياء جميعهم . فما عذر ذنب فيك أم كيف تفعل وبقيّة النّصح أنّه لا بدّ من اتّباع صاحب الشّريعة عليه الصّلاة والسّلام والتّحيّة فإنّ النّجاة بدونه محال. وينبغي أن لا يلتفت إلى زخارف الدّنيا وأن لا يعتنى بوجودها وعدمها فإنّ الدّنيا مبغوضة الله سبحانه لا قدر لها عنده تعالى، فينبغي أن يكون عدمها خيرا من وجودها عند العباد. وعدم وفائها وسرعة زوالها مشهورة بل مشهودة، فاعتبروا بأبنائها الّذين مضوا من قبل. وفّقنا الله وإيّاكم لمتابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. المكتوب الخامس والسّبعون إلى المرزا بديع الزّمان أيضا في التّحريض على متابعة سيّد الكونين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بتصحيح العقائد أوّلا وتعلّم الأحكام الفقهيّة الضّروريّة ثانيا وما يناسبه سلّمكم الله سبحانه وعافاكم اعلم أنّ نقد سعادة الدّارين منوط بمتابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات على نهج بيّنه علماء أهل السّنّة شكر الله سعيهم وذلك بتصحيح الإعتقاد أوّلا على مقتضى آراء هؤلاء الأكابر، وبتحصيل علم الحلال والحرام والفرض والواجب والسّنّة والمندوب والمباح والمشتبه ثانيا. ولا بدّ من العمل بمقتضى هذا العلم. وبعد حصول هذين الجناحين الاعتقاديّ والعمليّ إذا سبقت العناية الأزليّة بحصول السّعادة السّرمديّة يتيسّر الطّيران نحو عالم القدس، وبدونها خرط القتاد.
والدّنيا الدّنيّة ليست ممّا يخفى فعلها حتّى تعدّ من المطالب، ويظنّ حصول آمالها وجاهها من المقاصد. ينبغي أن يكون عالي الهمّة، فإنّ الإنسان كلّما يجد من الله سبحانه إنّما يجده بالوسيلة، فينبغي إذا طلب الوسيلة إليه تعالى. (ع) هذا هو الأمر والباقي من العبث وحيث طلبت الهمّة من كمال الإلتفات فبشرى لك ترجع سالما وغانما، لكن لا بدّ من أن تراعي شرطا واحدا وهو توحيد قبلة التّوجّه، فإنّ جعل قبلة التّوجّه متعدّدة إلقاء السّالك نفسه إلى التّفرقة. ومن الأمثال المشهورة أنّ المقيم في محلّ في كلّ محلّ، والمتردّد بين المحالّ ليس في محلّ أصلا. رزقنا الله سبحانه وإيّاكم الإستقامة على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. والسّلام على من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. المكتوب السّادس والسّبعون إلى قلي? خان في بيان أن التّرقّي مربوط بالورع والتّقوى وفي التّحريض على ترك فضول المباحات وما يناسب ذلك عصمكم الله سبحانه عمّا يصمكم وصانكم عمّا شانكم بحرمة سيّد البشر المنفىّ عنه زيغ البصر عليه وعلى آله من الصّلوات أكملها ومن التّسليمات أفضلها. قال الله تعالى " وما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " فكان مدار النّجاة على جزأين: امتثال الأوامر، والإنتهاء عن المناهي. ومعظم هذين الجزأين هو الجزء الأخير المعبّر عنه بالورع والتّقوى. ذكر رجل عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعبادة واجتهاد فيها وذكر آخر برعة فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا تعدل بالرّعة شيئا " يعني الورع وقال أيضا عليه من الصّلوات أتمّها ومن التّسليمات أكملها: «ملاك دينكم الورع " وفضيلة الإنسان على الملك إنّما هي بسبب هذا الجزء، والتّرقّي في مدارج القرب أيضا من هذا الجزء، فإنّ الملائكة أيضا متشاركون في الجزء الأوّل والتّرقّي مفقود فيهم. فكانت رعاية جزء الورع والتّقوى من أهمّ مهامّ الإسلام وأشدّ ضروريّات الدّين، ورعاية هذا الجزء الّذي مداره على الإجتناب من المحارم إنّما تتيسّر على وجه الكمال إذا حصل الإجتناب عن فضول المباحات واكتفى منها بقدر الضّرورة فإنّ إرخاء عنان النّفس في ارتكاب المباحات يجرّ إلى المشتبهات، والمشتبه قريب من المحرّم ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فلا بدّ إذا في حصول كمال الورع والتّقوى من الإكتفاء بقدر الضّرورة من المباحات، وهو أيضا مشروط بنيّة تحصيل القوّة على أداء وظائف العبوديّة، وإلّا فهذا القدر أيضا وبال ولقليله حكم الكثير. ولمّا كان الإجتناب عن فضول المباحات بالكلّيّة في جميع الأوقات خصوصا في هذا الزّمان متعسّرا وعزيز الوجود، لزم الإجتناب عن المحرّمات وتضييق دائرة ارتكاب فضول المباحات مهما أمكن، وأن يكون نادما على هذا الإرتكاب ومستغفرا منه دائما، وأن يلتجئ ويتضرّع إلى الله تعالى في جميع الأوقات معتقدا أنّ هذا الإرتكاب لفضول المباحات فتح باب الدّخول حوالي المحرّمات. فعسى أن تقوم هذه النّدامة والإستغفار والإلتجاء والتّضرّع مقام الإجتناب عن فضول المباحات، وأن تسدّ مسدّه، وأن تدفع آفاتها وتحفظ عنها. قال واحد من أعزّة الأكابر: انكسار العاصين أحبّ إلى الله تعالى من صولة المطيعين. والإجتناب عن المحرّمات على قسمين: قسم يتعلّق بحقوق الله سبحانه وتعالى، وقسم يتعلّق بحقوق العباد. ورعاية القسم الثّاني أهمّ من رعاية القسم الأوّل، فإنّ الحقّ سبحانه غنيّ على الإطلاق وأرحم الرّاحمين، والعباد فقراء محتاجون وبخلاء ولئام بالذّات. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم " من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلّله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم وإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيّئات صاحبه فحمل عليه " وقال أيضا صلّى الله عليه وسلّم: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع!
فقال: إنّ المفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثمّ طرح في النّار " صدق رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم. (ونقول) إظهارا لمحمدتكم وشكرا على صنيعكم: إنّ كثيرا من الأحكام الشّرعيّة صار مروّجا في بلدة لا هور بوجودكم في مثل هذا الزّمان وحصلت تقوية الدّين وترويج الملّة في تلك البقعة وهذه البلدة عند الفقير بالنّسبة إلى سائر بلاد الهند كقطب الإرشاد بالنّسبة إلى سائر النّاس، وخير هذه البلدة وبركاتها سار في جميع بلاد الهند فإذا حصل هناك ترويج يتحقّق نحو من التّرويج في كلّ محلّ كان الله سبحانه مؤيّدكم وناصركم. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من خذلهم حتّى يأتي أمر الله وهم على ذلك». ولمّا كان حبل ارتباطكم الحبّيّ بحضرة معدن المعارف شيخنا وقبلتنا قدّس سرّه محكما قويّا، كنت باعثا على تحريك ذلك الإرتباط الحبّيّ بتسويد الأوراق وتحرير بعض الكلمات، والزّيادة على ذلك إطناب. وحامل رقيمة الدّعاء رجل صالح ذو نسب طيّب وقد وقعت له حاجة إلى جنابكم فالمرجوّ رعاية التّوجّه الشّريف في حقّه، وإنجاح حاجته. رزقنا الله سبحانه وإيّاكم الدّولة الحقيقيّة والسّعادة السّرمديّة بحرمة النّبيّ وآله الأمجاد عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات المكتوب السّابع والسّبعون إلى جبّارى خان في بيان أنّ عبادة الله الّذي ليس كمثله شيء متّى تكون ميسّرة وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى (شعر): وما عبدوا غير الإله فباطل . فيا ويل من يختار ما كان باطلا وعبادة الله الّذي ليس كمثله شيء إنّما تتيسّر إذا تخلّص العبد عن رقّيّة سواه جلّ سلطانه بالتّمام، ولم تبق قبلة التّوجّه غير الذّات الأحديّة. ومصداق هذا التّوجّه استواء إنعامه وإيلامه تعالى، بل يكون الإيلام أرغب فيه من الإنعام في ابتداء حصول هذا المقام، وإن انجرّ الأمر أخيرا إلى التّفويض وكان كلّما يصل ويحصل هو الأولى والأنسب. والعبادة الّتي منشؤها الرّغبة والرّهبة فتلك العبادة هي عبادة النّفس في الحقيقة، فإنّ المقصود منها إمّا حصول نجاة النّفس أو سرورها، (شعر): ما دمت مفتونا بنفسك يا خلي . دعوى المحبّة منك دعوى كاذب وحصول هذه الدّولة منوط بالفناء المطلق. وهذا التّوجّه من نتيجة المحبّة الذّاتيّة، ومقدّمة ظهور الولاية الخاصّة المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. وحصول هذه النّعمة العظمى موقوف على كمال اتّباع شريعته عليه من الصّلوات أتمّها ومن التّحيّات أكملها فإنّ شريعة كلّ نبيّ الّتي أعطاه الله إيّاها من طريق النّبوّة مناسبة لولايته، فإنّ التّوجّه في الولاية إلى الحقّ بالكلّيّة، فإذا نزل بإذن الله سبحانه إلى مقام النّبوّة ينزل بذلك النّور ويجمع ذلك الكمال مع التّوجّه إلى الخلق. وسبب حصول كمالات مقام النّبوّة هو ذلك النّور أيضا (ولهذا قيل) ولاية النّبيّ أفضل من نبوّته، فلا جرم تكون شريعة كلّ نبيّ مناسبة لولايته واتّباع تلك الشّريعة مستلزم للوصول إلى تلك الولاية. فإن قيل: إنّ بعض من يتبع شريعة نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام لا نصيب له من ولايته صلّى الله عليه وسلّم بل هو على قدم نبيّ آخر وله نصيب من ولايته. (أجيب) إنّ شريعة نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام جامعة لجميع الشّرائع، والكتاب الّذي أنزل إليه شامل لجميع الكتب السّماويّة. فاتّباع هذه الشّريعة كأنّه اتّباع لجميع الشّرائع، فمن له مناسبة لنبيّ من الأنبياء يأخذ نصيبا من ولايته على قدر استعداده ولا محذور فيه. بل أقول إنّ ولايته عليه الصّلاة والسّلام حاوية لولايات جميع الأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات. فالوصول إلى واحدة من تلك الولايات وصول إلى جزء من أجزاء هذه الولاية الخاصّة، وسبب عدم الوصول إلى تلك الولاية القصور في كمال متابعته عليه الصّلاة والسّلام، وللقصور درجات.
فلا جرم حصل التّفاوت في درجات الولاية، ولو تيسّر كمال الإتّباع لأمكن الوصول إلى تلك الولاية، والإعتراض إنّما يرد إذا حصلت الولاية المحمّديّة لمتابعي شرائع الأنبياء الأخر عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات والتّحيّات وليس فليس. الحمد لله الّذي أنعم علينا وهدانا إلى الصّراط المستقيم والدّين القويم. والصّراط المستقيم عبارة عن هذا الطّريق المتين والشّرع المبين (إنّك لمن المرسلين على صراط مستقيم) دليل لهذا المعنى رزقنا الله سبحانه وإيّاكم كمال اتّباع شريعته عليه الصّلاة والسّلام بحرمة كمّل أتباعه ومعظم أوليائه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين آمين. وحامل رقيمة الدّعاء لمّا كان في صدد التّوجّه إلى تلك الحدود صار باعثا على تحريك سلسلة المحبّة بتحرير كلمات. والسّلام عليكم ورحمة الله سبحانه لديكم. المكتوب الثّامن والسّبعون إلى جبّارى خان أيضا في بيان معنى السّفر في الوطن والسّير الآفاقيّ والأنفسيّ وأنّ حصول هذه الدّولة موقوف على اتّباعه صلّى الله عليه وسلّم رزقنا الله سبحانه الإستقامة على جادّة الشّريعة الحقّة على مصدرها الصّلاة والتّحيّة. قد مضت مدّة من العود من سفر دهلى وأكره إلى الوطن المألوف ونقد الوقت الآن حبّ الوطن من الإيمان فإن وقع السّفر بعد الوصول إلى الوطن فهو في نفس الوطن فإنّ السّفر في الوطن من الأصول المقرّرة عند أكابر الطّائفة النّقشبنديّة العليّة قدّس الله أسرارهم السّنيّة. ويحصل في هذا الطّريق ذوق من هذا السّفر في الإبتداء بطريق اندراج النّهاية في البداية، ويجعل جمع من هؤلاء الطّائفة مجذوبين سالكين إذا أريد ذلك، ويرمون أوّلا في السّير الآفاقيّ ثمّ يجذبون إلى السّير الأنفسيّ بعد تمام السّير الآفاقيّ. والسّفر في الوطن عبارة عن هذا السّير الأنفسيّ (ع) وهذي سعادات تكون نصيب من (آخر) هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها . والوصول إلى هذه النّعمة العظمى منوط باتّباع سيّد الأوّلين والآخرين عليه وعلى آله من الصّلوات أكملها ومن التّحيّات أفضلها. وما لم يفن السّالك نفسه في الشّريعة ولم يتحلّ بحلا امتثال الأوامر والإنتهاء عن المناهي لا تصل رائحة من هذه الدّولة إلى مشامّ روحه، فإن حصلت له الأحوال والمواجيد فرضا مع وجود مخالفة الشّريعة، ولو مقدار شعرة فهى داخلة في الإستدراج تفضحه أخيرا، ولا إمكان للخلاص بدون اتّباع محبوب ربّ العالمين عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها ينبغي للعاقل أن يصرف حياة أيّام معدودة في مرضيّات الله سبحانه وتعالى، وأيّ صفاء في عيش وأيّة لذّة في معيشة إذا لم يكن مولى العبد راضيا عن أفعاله والحقّ سبحانه وتعالى مطّلع على الأحوال الكلّيّة والجزئيّة وحاضر وناظر، فينبغي أن يستحيي منه سبحانه. فإنّه لو ظنّ اطّلاع مخلوق على الغيوب والأفعال القبيحة لما صدرت حينئذ قبيحة ولا عيب قطعا ولا يراد إطّلاعه على الغيوب البتّة، فأيّ بلاء وقع فإنّ أكثر النّاس لا يتّقون ولا ينقبضون ولا يبالون مع علمهم بحضور الحقّ سبحانه واطّلاعه على الضّمائر والسّرائر فأيّ إسلام هذا حيث لا اعتبار للحقّ عندهم مثل اعتبار هذا المخلوق. نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا فبحكم: جدّدوا إيمانكم بقول لا إله إلّا الله ينبغي أن يجدّد الإيمان في كلّ آن بهذا القول العظيم الشّأن، وأن يتوب إلى الله سبحانه من جميع الأفعال المذمومة وينيب إليه تعالى، فإنّه لا يدري ربّما تكون الفرصة للتّوبة في وقت آخر هلك المسوّفون. حديث نبويّ عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. (وينبغي) أن يغتنم الفرصة ويصرفها في مرضاته تعالى والتّوفيق للتّوبة من عناية الحقّ سبحانه. فينبغي أن يطلب هذا المعنى دائما، وأن يطلب الهمّة من الدّراويش الّذين لهم قدم راسخ في الشّريعة ومعرفة تامّة من عالم الحقيقة، وأن يستمدّ منهم حتّى تظهر عناية الحقّ سبحانه من بابهم فتجذب إلى جناب قدسه تعالى بالتّمام فلا تبقى حينئذ مخالفة أصلا، فإنّه لو وجدت من مخالفة الشّريعة مقدار شعرة فالأمر في خطر، فلا بدّ من سدّ سبل المخالفة بالتّمام، (شعر): ومن المحال المشي في طرق الصّفا . يا سعد من غير اتّباع المصطفى صلوات الله سبحانه عليه وعلى آله.
ولا ينبغي الإعتراض على أهل الله خصوصا إذا تحقّق في البين اسم المرشديّة والمريديّة، وكان طريق الإفادة والإستفادة مفتوحا. وينبغي أن يعتقده سمّا قاتلا. والزّيادة على ذلك إطناب. وقد حرّرت هذه الكلمات بسبب ارتباط المحبّة والإخلاص. فالمرجوّ أن لا تكون موجبة للملال ثمّ إنّ الملّا عمر وشاه حسينا كليهما من أولاد الكبار يريدان ملازمتكم، فالمرجوّ إدخالهما في زمرة الملازمين المخصوصين وجاء الشّيخ إسماعيل أيضا بهذه الإرادة ولو كان راجلا فالمأمول أن يحتظّ بما يناسب حاله. ولنكتف بهذا القدر من زيادة التّصديع والسّلام والإكرام. المكتوب التّاسع والسّبعون إلى المذكور أيضا في بيان أنّ هذه الشّريعة الغرّاء جامعة للشّرائع المتقدّمة والإتيان بمقتضى هذه الشّريعة إتيان بمقتضى الشّرائع وما يناسب ذلك رزقكم الله سبحانه الثّبات والإستقامة على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة وجعلكم متوجّها إلى جناب قدسه بالكلّيّة. وقد تقرّر أنّ محمّدا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جامع لجميع الكمالات الأسمائيّة والصّفاتيّة ومظهر جميع الأنبياء على سبيل الإعتدال، والكتاب الّذي أنزل إليه خلاصة جميع الكتب السّماويّة المنزّلة على سائر الأنبياء على نبيّنا وعليهم الصّلوات والتّسليمات، وأيضا إنّ الشّريعة الّتي أعطيها زبدة الشّرائع المتقدّمة، والأعمال بمقتضى هذه الشّريعة الحقّة منتخبة من أعمال الشّرائع، بل من أعمال الملائكة أيضا صلوات الله على نبيّنا وعليهم أجمعين. فإنّ بعض الملائكة مأمورون بالرّكوع وبعضهم بالسّجود وبعضهم بالقيام، وكذلك الأمم السّابقة كان بعضهم مأمورين بصلاة الصّبح وبعضهم بصلاة أخرى. وورد الأمر في هذه الشّريعة بإتيان الأعمال المنتخبة من خلاصة أعمال الأمم السّابقة والملائكة المقرّبين وزبدتها. فالتّصديق بهذه الشّريعة تصديق بجميع الشّرائع والعمل بمقتضاها عمل بمقتضيات تلك الشّرائع، فلا جرم يكون مصدّقوا هذه الشّريعة خير الأمم، وكذلك تكذيب هذه الشّريعة تكذيب لجميع الشّرائع وترك العمل بموجبها ترك العمل بموجب سائر الشّرائع، وكذلك إنكار نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم إنكار لجميع الكمالات الأسمائيّة والصّفاتيّة، وتصديقه تصديق بجميع ذلك، فلا جرم يكون منكره صلّى الله عليه وسلّم ومكذّب شريعته شرّ الأمم ولهذا قال الله تعالى " الأعراب أشدّ كفرا ونفاقا»، (شعر): محمّد سيّد الكونين من عرب . تعسا لمن لم يكن في بابه تربا الحمد لله ذي الإنعام والمنّة قد صار حسن الإعتقاد وحسن الظّنّ بالشّريعة وصاحبها عليه الصّلاة والسّلام والتّحيّة مشهودا فيك بأحسن الوجوه، وكانت النّدامة على الأوضاع المذمومة ممدّتك ومعينتك دائما زادهما الله سبحانه وتعالى. ثمّ إنّ حامل رقيمة الدّعاء الشّيخ ميان مصطفى من نسل القاضي شريح وقد كانت أسلافه الأكابر من كبراء هذه الدّيار وكانت لهم وظائف كثيرة وأسباب معيشة وافرة، وقد توجّه المشار إليه إلى العسكر بسبب ضيق المعيشة ومعه إسناده ومنشوره. فالمرجوّ حصول الجمعيّة له بواسطتكم. والزّيادة على ذلك موجبة للتّصديع، وينبغي تفويض المشار إليه إلى الصّدور العظام على نهج يتيسّر له الأمر فيكون سببا لجمعيّة أرباب التّفرقة والسّلام والإكرام. المكتوب الثّمانون إلى المرزا فتح الله الحكيم في بيان أنّ الفرقة النّاجية من بين الفرق الثّلاثة والسّبعين فرقة أهل السّنّة والجماعة وفي المنع من الإلتفات إلى الفرق المبتدعة والإختلاط معهم وما يناسب ذلك رزقنا الله سبحانه وإيّاكم الإستقامة على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة (ع) هذا هو الأمر والباقي من العبث وكلّ فرقة من الفرق الثّلاث والسّبعين يدّعون أنّهم متّبعون للشّريعة ويجزمون بكونهم ناجين " كلّ حزب بما لديهم فرحون " مصداق حالهم ونقد وقتهم، وأمّا الدّليل الّذي بيّنه النّبيّ الصّادق عليه من الصّلوات أكملها ومن التّسليمات أفضلها على تمييز فرقة ناجية من تلك الفرق المتعدّدة فهو قوله صلّى الله عليه وسلّم " الّذين هم على ما أنا عليه وأصحابي " وذكر الأصحاب مع وجود الكفاية بذكر صاحب الشّريعة عليه الصّلاة والسّلام والتّحيّة في ذلك المحلّ يمكن أن يكون للإيذان بأنّ طريقي هو طريق الأصحاب، وطريق النّجاة منوط باتّباع طريقهم فحسب. كما قال الله تعالى " ومن يطع الرّسول فقد أطاع الله " فكان إطاعة الرّسول عين إطاعة الله تعالى وخلاف إطاعته صلّى الله عليه وسلّم عين معصيته تعالى وتقدّس.
وقد أخبر الله سبحانه عن حال جماعة زعموا طاعته تعالى خلاف طاعة الرّسول وحكم بكفرهم حيث قال سبحانه " يريدون أن يفرّقوا بين الله ورسوله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض " الآية. فدعوى اتّباع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بدون اتّباع طريق الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين دعوى باطل، بل ذلك الإتّباع في الحقيقة عين معصية الرّسول عليه الصّلاة والسّلام. فأين المجال لطمع النّجاة في ذلك الطّريق " يحسبون أنّهم على شيء ألا إنّهم هم الكاذبون " مطابقة لحالهم، ولا شكّ أنّ الفرقة الملتزمة لإتّباع أصحابه عليه وعليهم الصّلاة والسّلام أهل السّنّة والجماعة شكر الله سعيهم فهم الفرقة النّاجية، فإنّ الطّاعنين في أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كالشّيعة والخوارج محرومون من اتّباعهم. وللمعتزلة مذهب على حدة محدث ورئيسهم واصل بن عطاء كان من أصحاب حسن البصرىّ ثمّ اعتزل مجلسه وصار يقول بإثبات الواسطة بين الكفر والإيمان. فقال الحسن: اعتزل عنّا وعلى هذا القياس سائر الفرق. والطّعن في الأصحاب طعن في رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الحقيقة. ما آمن برسول الله صلّى الله عليه وسلّم من لم يوقّر أصحابه، فإنّ خبثهم ينجرّ إلى خبث صاحبهم نعوذ بالله من هذا الإعتقاد السّوء. (وأيضا) إنّ أحكام الشّريعة الّتي وصلت إلينا من طريق القرآن والأحاديث إنّما وصلت بتوسّط نقلهم، فإذا كان هؤلاء مطعونا فيهم يكون نقلهم أيضا مطعونا فيه. وهذا النّقل ليس مخصوصا ببعض دون بعض، بل كلّهم في العدالة والصّدق والتّبليغ سواء. فالطّعن في واحد منهم أيّ واحد كان طعنا في الدّين والعياذ بالله سبحانه منه. (فإن) قال الطّاعنون في الأصحاب: نحن أيضا نتابعهم ولكن لا يلزم في تحقّق المتابعة متابعة الجميع بل ذلك غير ممكن لتناقض آرائهم واختلاف مذاهبهم. (أجيب) انّ متابعة البعض إنّما تنفع إذا لم يوجد إنكار الباقين، ومتى تحقّق إنكار البعض لا يتحقّق متابعة البعض الآخر. فإنّ عليّا كرّم الله وجهه كان يوقّر الخلفاء الثّلاثة ويعظّمهم رضوان الله عليهم أجمعين وبايعهم عالما باستحقاقهم الإقتداء بهم. فدعوى متابعته مع وجود إنكارهم افتراء محض وادّعاء صرف، بل إنكارهم إنكار في الحقيقة لسيّدنا عليّ كرّم الله وجهه وردّ صريح لأقواله وأفعاله وتجويز احتمال التّقاة في حقّ أسد الله من غاية سخافة العقل، فإنّ العقل الصّحيح لا يجوّز إضمار بغض الخلفاء الثّلاثة لأسد الله قريبا من مدّة ثلاثين سنة، وإظهار خلافه وصحبته معهم على النّفاق أصلا. فإنّ مثل هذا النّفاق لا يتصوّر من أدنى أهل الإسلام. فينبغي التّأمّل والتّفكّر في شناعة هذا الفعل فإنّه يستلزم نسبة ضعف كبير ووهن كثير وخديعة شنيعة إلى أسد الله عليّ كرّم الله وجهه فلئن جوّزنا التّقاة في حقّ أسد الله على سبيل فرض المحال فماذا يقولون في تعظيم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للخلفاء الثّلاثة، وتوقيره إيّاهم من الإبتداء إلى الإنتهاء، فإنّه لا مساغ فيه للتّقاة، لأنّ تبليغ ما هو الحقّ واجب على الرّسول وتجويز التّقاة هناك ينجرّ إلى الزّندقة. قال الله تعالى " يا أيّها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك فإن لم تفعل فما بلّغت رسالته " قال الكفّار: إنّ محمّدا يظهر من الوحي ما يوافقه ويخفي منه ما يخالفه ومن المقرّر أن تقرير النّبيّ على الخطأ غير جائز وإلّا يتطرّق الخلل إلى شريعته، فإذا لم يصدر منه صلّى الله عليه وسلّم خلاف تعظيم الخلفاء الثّلاثة، ولم يظهر ما ينافي توقيرهم، علم أنّ تعظيمه وتوقيره صلّى الله عليه وسلّم إيّاهم مصون عن الخطأ ومحفوظ عن الزّوال.
(ولنرجع) إلى أصل الكلام ونبيّن جواب اعتراضهم يعني شبهتهم أوضح ممّا سبق وأنقح فنقول: إنّ متابعة جميع الأصحاب واجبة في أصول الدّين فإنّه لا اختلاف بينهم في الأصول وإنّما اختلافهم في الفروع فقط، فالّذي يطعن في بعضهم فهو محروم من متابعة جميعهم وكلمة الأصحاب وإن كانت في نفسها متّفقة ولكنّ شؤم الإنكار لأكابر الّذين يخرجها من الإتّفاق إلى الإختلاف، بل يجرّ إنكار القائل إلى إنكار المقول، وأيضا إنّ مبلّغي الشّريعة جميع الأصحاب كما مرّ، لأنّ الأصحاب كلّهم عدول وبلغ من كلّ واحد شيء من الشّريعة إلينا، وكذلك جمعوا القرآن أخذا من كلّ واحد منهم آية فما فوقها. فإنكار البعض إنكار لمبلّغي القرآن، فلا يتحقّق الإتيان بجميع الشّريعة في حقّ المنكر، فكيف النّجاة والفلاح. قال الله تعالى " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض " الآية. مع أنّا نقول: إنّ جامع القرآن عثمان بل أبو بكر الصّدّيق وعمر الفاروق رضي الله عنهم وما جمعه عليّ كرّم الله وجهه وما حواه فهو سوى هذا القرآن. فينبغي التّأمّل والتّفكّر، فإنّ إنكار هؤلاء الأكابر ينجرّ إلى إنكار القرآن في الحقيقة عياذا بالله سبحانه منه. (سأل) شخص مجتهد أهل التّشيّع يعني في زعمهم أنّ القرآن جمعه عثمان. فما اعتقادك في حقّ هذا القرآن؟ فقال: لا أرى المصلحة في إنكاره فإنّ بإنكاره ينهدم الدّين بالتّمام وأيضا إنّ العاقل لا يجوز اجتماع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أمر باطل قبل مرور يوم من رحلته صلّى الله عليه وسلّم ومن المقرّر أنّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كانوا يوم رحلته مقدار ثلاث وثلاثين ألفا، وبايع كلّهم الصّدّيق الأكبر بالطّوع والإختيار، واجتماع جميع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في تلك الحالة على الضّلالة من جملة المحالات. وقد قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يجتمع أمّتي على الضّلالة " وتأخّر عليّ كرّم الله وجهه يعني: من البيعة في الإبتداء ليس إلّا لعدم دعوتهم إيّاه إلى المشورة كما قال بنفسه: ما غضبنا إلّا لتأخّرنا عن المشورة وإلّا لنعلم أنّ أبا بكر خير منّا إلخ وعدم دعوتهم ايّاه يمكن أن يكون مبنيّا على مصلحة كتسلية أهل البيت بقعوده عندهنّ في الصّدمة الأولى من المصيبة أو نحو ذلك. والإختلاف الواقع بين الأصحاب ليس منشأه الهوى النّفسانيّ، فإنّ نفوسهم قد تزكّت وتخلّصت من أن تكون أمّارة بالسّوء وصارت مطمئنّة وكانت أهواؤهم تابعة للشّريعة، بل كان مبناه على الإجتهاد وإعلاء الحقّ، فللمخطئ منهم درجة واحدة عند الله وللمصيب عشر درجات. فينبغي إذا حفظ اللّسان من أذاهم وجفاهم وأن يذكر كلّا منهم بخير. قال الإمام الشّافعيّ رحمه الله تعالى: تلك دماء طهّر الله أيدينا عنها فلنطهّر عتها ألسنتنا. وقال أيضا: اضطرّ النّاس بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم يجدوا تحت أديم السّماء خيرا من أبي بكر فولّوه رقابهم. وهذا القول تصريح منه بنفي التّقاة ورضاء عليّ كرّم الله وجهه بيعة الصّدّيق رضي الله عنه. (بقيّة) المقصود أنّ الميان سيدن ولد الشّيخ ميان أبي الخير من أولاد الكبار، وقد سافر إلى دكّن في رفاقتكم فيرجى في حقّه التفاتكم وعنايتكم وأيضا انّ مولانا محمّدا عارفا طالب علم ومن أولاد الكبار وكان أبوه عالما وقد جاء لأجل الإستمداد في أمر المعاش فيرجى التّوجّه إليه والسّلام والإكرام. المكتوب الحادي والثّمانون إلى لالابك في التّحريض على ترويج الإسلام وبيان حصول الوهن والضّعف للإسلام والمسلمين واستيلاء الكفّار الأشرار وغلبتهم زادنا الله وإيّاكم حميّة الإسلام وقد بلغت غربة الإسلام منذ قرن واحد مبلغا، وغاية لا يرضى أهل الكفر بمجرّد إجراء أحكام الكفر في بلاد الإسلام، بل يريدون إزالة أحكام الإسلام ورفعها بالكلّيّة، ويجتهدون في إعدام أثر الإسلام والمسلمين، وبلغ الأمر حدّا لو أظهر مسلم شيئا من شعار الإسلام يذيقونه القتل. وذبح البقرة من أعظم شعائر الإسلام في بلاد الهند، ولعلّ الكفّار يرضون بأداء الجزية ولا يرضون بذبح البقرة أصلا. فإن حصل الرّواج والقوّة للإسلام والإعتبار للمسلمين في ابتداء السّلطنة فبها، وإلّا فالأمر مشكل في حقّ المسلمين جدّا الغياث الغياث ثمّ الغياث الغياث.
ويا سعادة من يستسعد بهذه السّعادة، ويا إقبال باز يصيد هذه الدّولة ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على متابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها والسّلام. المكتوب الثّاني والثّمانون إلى إسكندر خان اللّوديّ في بيان أنّ سلامة القلب لا تتصوّر بدون نسيان ما سوى الحقّ جلّ وعلا وهذا النّسيان معبّر عنه بالفناء جعلكم الله سبحانه معه على الدّوام ولا يترك مع غيره من الأنام بحرمة سيّد البشر المطهّر عن زيغ البصر عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. وما هو اللّازم لنا ولكم سلامة القلب من غير الحقّ سبحانه وهذه السّلامة إنّما تتيسّر إذا لم يبق لغير الحقّ سبحانه مرور وخطور على القلب، وعدم مرور الغير منوط بنسيان ذلك الغير المعبّر عنه بالفناء عند هذه الطّائفة العليّة. ويبلغ ذلك النّسيان مبلغا لو أرادوا إخطار الغير بالبال وإيقاعه في القلب بالتّكلّف فرضا لا يخطر أبدا ولا يقع سرمدا، وما لم يبلغ النّسيان هذه المرتبة فسلامة القلب محال. وهذه النّسبة يعني نسيان السّوى بهذه المرتبة صارت الآن كعنقاء المغرب، بل لا يصدّق بها إن أخبر عنها، (شعر): هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها . وللعاشق المسكين ما يتجرّع وماذا نكتب أزيد من ذلك والسّلام أوّلا وآخرا. المكتوب الثّالث والثّمانون إلى بهادر خان في التّحريض على الجمع بين جمعيّتي الظّاهر والباطن مع الإستقامة على الشّريعة والحقيقة رزقكم الله سبحانه النّجاة من تعلّقات شتّى وجعلكم مقبلا على جناب قدسه بالكلّيّة بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أكملها ومن التّسليمات أفضلها، (شعر): من كان في قلبه مثقال خردلة . سوى هوى الحقّ فاعلم أنّه مرض وتحلية الظّاهر بالشّريعة الغرّاء، وربط الباطن على الدّوام بالله أمر عظيم. أيّ صاحب دولة يشرّف بهاتين النّعمتين العظيمتين والجمع بين هاتين النّسبتين في هذا الوقت، بل الإستقامة على ظاهر الشّريعة عزيز الوجود جدّا، بل أعزّ من الكبريت الأحمر. رزق الله سبحانه من كمال كرمه كرامة الإستقامة على متابعة سيّد الأوّلين والآخرين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ظاهرا وباطنا. المكتوب الرّابع والثّمانون إلى السّيّد أحمد القادريّ في بيان أنّ كلّا من الشّريعة والحقيقة عين الآخر وأنّ علامة الوصول إلى مرتبة حقّ اليقين مطابقة علوم ذلك المقام ومعارفها بالعلوم الشّرعيّة ومعارفها وما يناسب ذلك رزقكم الله سبحانه الإستقامة على جادّة الشّريعة وجعل جميع همّتكم التّوجّه إلى جناب قدسه وأخذك عنده بالتّمام ويسّر لك ولنا الإعراض عمّا سواه بالكلّيّة بحرمة سيّد البشر المقدّس عن زيغ البصر عليه من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها وعلى آله وأصحابه أجمعين آمين. (ع) وأحسن ما يملى حديث الأحبّة وكلّما قيل عن الحبيب وإن لم يكن من كلامه، ولكن لمّا كان لهذا الكلام نوع مناسبة بجنابه تعالى وتقدّس نغتنم هذا المعنى المناسب ونجترئ في إطالة اللّسان في ذلك الباب المقصود: انّ كلّا من الشّريعة والحقيقة عين الآخر لا تمايز بينهما في الحقيقة غير الإجمال والتّفصيل والإستدلال والكشف والعيبة والشّهادة والتّعمّل وزواله، فإنّ الأحكام والعلوم الّتي صارت معلومة بموجب بيان الشّريعة الغرّاء تنكشف تلك العلوم والأحكام بعينها تفصيلا بعد التّحقّق بحقيقة حقّ اليقين، وتخرج من الغيبة إلى الشّهادة ويرتفع تجشّم الكسب وتمحّل العمل من البين وعلامة الوصول إلى مرتبة حقّ اليقين مطابقة علوم ذلك المقام ومعارفه بعلوم الشّريعة ومعارفها، فلو بقيت المخالفة مقدار شعرة فهو دليل على عدم الوصول إلى حقيقة الحقائق وكلّما وقع من مشائخ الطّريقة ممّا يخالف الشّريعة من علم أو عمل، فهو مبنيّ على سكر الوقت. وسكر الوقت لا يقع إلّا في أثناء الطّريق. وحال المنتهين إلى نهاية النّهاية كلّه صحو، والوقت مغلوب فعالهم والحال والمقام تابعان لكمالهم، (شعر): صوفيّ ابن الوقت آمد في المثال . كلّ صاف فارغ عن كلّ حال فتحقّق من ذلك أنّ مخالفة الشّريعة علامة عدم الوصول إلى حقيقة الأمر.
ووقع في عبارة بعض المشائخ أنّ الشّريعة قشر الحقيقة والحقيقة لبّ الشّريعة، وهذا الكلام وإن كان منبئا عن عدم استقامة قائله ولكن يمكن أن يكون مراده به أنّ المجمل حكمه بالنّسبة إلى المفصّل كحكم القشر بالنّسبة إلى اللّبّ، والإستدلال في جنب الكشف كالقشر في جنب اللّبّ. وأمّا الأكابر المستقيموا الأحوال فلا يجوّزون التّكلّم بأمثال هذه العبارة الموهمة للمخالفة، ولا يثبتون الفرق بينهما غير الإجمال والتّفصيل والإستدلال والكشف. سأل سائل الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس الله سرّه الأقدس أنّه ما المقصود من السّير والسّلوك؟ فقال: كون المعرفة الإجماليّة تفصيليّة والإستدلاليّة كشفيّة رزقنا الله سبحانه الثّبات والإستقامة على الشّريعة علما وعملا صلوات الله وسلامه على صاحبها. وبقيّة التّصديع: أنّ حامل رقيمة الدّعاء الشّيخ مصطفى الشّريحيّ من نسل القاضي شريح وكان آباؤه وأجداده من الأكابر وأصحاب وظائف وفيرة ومعائش كثيرة وقد توجّه إلى العسكر بسبب اضطراره من فقدان أسباب المعيشة، وأخذ معه إسناده ومنشوره. والمأمول التفاتكم وتوجّهكم إلى حاله على نهج يكون سببا لحصول الجمعيّة وينجو من الإضطراب والتّفرقة. ولنكتف بهذا القدر من زيادة التّصديع. المكتوب الخامس والثّمانون إلى المرزا فتح الله الحكيم في التّحريض على إتيان الأعمال الصّالحة خصوصا على أداء الصّلوات بالجماعة وما يناسب ذلك وفّقكم الله سبحانه لمرضيّاته واعلم: أنّ الإنسان كما أنّه لا بدّ له من تصحيح الإعتقادات، كذلك لا بدّ له من إتيان الأعمال الصّالحات. وأجمع العبادات وأقرب الطّاعات هو أداء الصّلاة كما قال عليه الصّلاة والسّلام «الصّلاة عماد الدّين فمن أقامها فقد أقام الدّين ومن تركها فقد هدم الدّين " ومن وفّق لمواظبة أداء الصّلاة فقد امتنع عن الفحشاء والمنكر وقوله تعالى " إنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " مؤيّد لهذا الكلام، والصّلاة الّتي ليست بهذه المثابة يعني لم تمنع صاحبها عن الفحشاء والمنكر فهي صورة الصّلاة لا حقيقة لها ولكن ينبغي أن لا تترك الصّورة إلى أن تحصل الحقيقة فإنّ ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه، ولا يستبعد اعتبار أكرم الأكرمين الصّورة وأن يقبلها مكان الحقيقة. فعليكم المواظبة على أداء الصّلاة مع الجماعة ومع الخشوع والخضوع فإنّها سبب النّجاة والفلاح قال الله تعالى " قد أفلح المؤمنون الّذين هم في صلاتهم خاشعون». والحاصل أنّه ينبغي أن يعمل مع وجود الخطر يعني الرّدّ ألا ترى أنّ العساكر يحصل لهم اعتبار كثير في مقابلة حركتهم اليسيرة ومناضلتهم القليلة وقت غلبة العدوّ، وإنّما يعتبر صلاح الشّبّان لأنّهم اختاروا لصلاح وكلّفوا أنفسهم عليه مع وجود غلبة الشّهوة النّفسانيّة فيهم، وقد نال أصحاب الكهف جميع تلك الحشمة والعظمة والرّتبة عند الله تعالى بسبب هجرة واحدة من مخالفي الدّين. وورد في الحديث النّبويّ عليه الصّلاة والسّلام «عبادة في الهرج كهجرة إليّ " فكان المنافي عين الباعث في الحقيقة. وماذا نكتب أزيد من ذلك. وصحبة الفقراء غير مرغوبة فيها لدى ولدي بهاء الدّين، بل ميله وانجذابه إلى أهل الثّروة والغنا وأرباب التّنعّم والإستغناء، ولا يدرى أنّ صحبتهم سمّ قاتل ولقمتهم السّمينة يعني أطعمتهم اللّذيذة زائدة في ظلمة الباطن وقساوة القلب. الحذر الحذر ثمّ الحذر الحذر منهم. وورد في الحديث الصّحيح على مصدره الصّلاة والسّلام " من تواضع للغنيّ لغناه ذهب ثلثا دينه " فويل لمن تواضعهم لغناهم والله سبحانه الموفّق. المكتوب السّادس والثّمانون إلى شخص من حكّام بعض القصبة في بيان سلامة القلب عمّا سواه تعالى رزقكم الله سبحانه الإستقامة على حدّ الإعتدال ومركز العدالة بجاه سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها، وما هو اللّازم لنا ولكم سلامة القلب من التّعلّق بما سوى الحقّ تعالى.
وهذه السّلامة إنّما تتحقّق على تقدير عدم بقاء خطور غيره تعالى في القلب بحيث لو امتدّت الحياة إلى ألف سنة فرضا لا يقع الغير في القلب بواسطة نسيان ما سواه تعالى الحاصل للقلب، (ع) هذا هو الأمر والباقي من الهوس وقد قلتم وقت الملاقاة على وجه الكرم إنّه إذا وقع أمر مهمّ لازم الرّجوع فيه ينبغي أن تكتبوه إلينا فبناء على ذلك اجترئ على التّصديع: انّ الشّيخ عبد الله الصّوفيّ من الصّلحاء وقد ركبه الدّين بسبب أداء بعض حوائجه فالمرجوّ حصول المدد له منكم في تخليص ذمّته والسّلام. المكتوب السّابع والثّمانون إلى ? هلوان محمود في بيان سعادة من قبله أولياء الله تعالى سلّمكم الله وثبّتكم على جادّة الشّريعة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. أوّل بشارات جماعتكم قدوم الشّيخ ميان مزّمّل وماذا أبيّن من بركات صحبته، وأيّ سعادة أفضل من قبول أولياء الله عزّ وجلّ شخصا، فكيف لو امتاز بمحبّتهم وقربهم هم قوم لا يشقى جليسهم وبالجملة ينبغي اغتنام صحبتهم، حتّى تكون مؤثّرة. وماذا نكتب أزيد من ذلك والسّلام أوّلا وآخرا. المكتوب الثّامن والثّمانون إلى المذكور أيضا في بيان فضيلة الشّيب في الإيمان والصّلاح ولزوم غلبة الخوف في عهد الشّباب والرّجاء في الشّيخوخة جعلكم الله سبحانه معه على الدّوام. أيّ نعمة أعظم من الشّيب في الإيمان والصّلاح وورد في الحديث النّبويّ عليه الصّلاة والسّلام «من شاب شيبة في الإسلام غفر له " ينبغي بعد الشّيب أن يرجّح جانب الرّجاء وأن يغلّب ظنّ المغفرة، فإنّ الخوف ينبغي أن يكون أزيد في عهد الشّباب، وأمّا في سنّ الشّيخوخة فلا ينبغي إلّا ترجيح الرّجاء والسّلام أوّلا وآخرا. المكتوب التّاسع والثّمانون إلى المرزا علي جان في التّعزية رزقكم الله سبحانه الإستقامة على جادّة الشّريعة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة واعلم أنّه لا بدّ للإنسان من الموت تصديقا لقوله تعالى: «كلّ نفس ذائقة الموت " فطوبى لمن طال عمره وكثر عمله. والموت هو الّذي يتسلّى به المشتاقون، وجعل وسيلة لوصول الحبيب إلى الحبيب " من كان يرجو لقاء الله فإنّ أجل الله لآت " نعم إنّ أحوال العاجزين المحرومين من دولة الحضور، والوصول إلى مطلب الواصلين المجرّدين من رقّيّة السّوى خراب وأبتر. وقد كانت المرحومة وليّة نعمتكم مغتنمة لكم في هذه الآوان جدّا، واللّازم لكم الآن مكافأة الإحسان بالإحسان، والإمداد بالدّعاء والصّدقة ساعة فساعة، فإنّ الميّت كالغريق ينتظر دعوة ملحقة من أب أو أمّ أو صديق. (وأيضا) ينبغي لكم أن تعتبروا من موتها وتتذكّروا موتكم وأن تقبلوا على مرضيّات الحقّ سبحانه بالكلّيّة، وأن لا تعدّوا الحياة الدّنيويّة غير متاع الغرور، فإن كان للتّمتّعات الدّنيويّة مقدار شعرة من الإعتبار لما منح بها الكفّار ولما أعطيها الأشرار. رزقنا الله سبحانه وإيّاكم الإعراض عمّا سوى الله سبحانه والإقبال على جناب قدسه بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها والسّلام والإكرام. المكتوب التّسعون إلى الخواجه قاسم في التّحريض على التّوجّه إلى الحقّ سبحانه بالكلّيّة وبيان أنّ حصول هذه الدّولة موقوف في هذا الوقت على الإخلاص لهذه الطّائفة العليّة النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم والتّوجّه إليهم جعل الله سبحانه الدّنيا الدّنيّة حقيرة المقدار عديمة الإعتبار في نظر همّتكم، وجعل جمال الآخرة محلّى ومزيّنا في مرآة بصيرتكم بحرمة سيّد البشر المطهّر عن زيغ البصر عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها. قد وصل مكتوبكم الشّريف المرسل على وجه الإلتفات مع الهدايا المحترمة جزاكم الله سبحانه على كرمكم خير الجزاء. والنّصيحة الّتي ينصح بها المحبّون والمخلصون هو التّرغيب في السّعي والإجتهاد في تحصيل الإقبال بالكلّيّة على جناب قدسه تعالى، والإعراض عمّا سواه عزّ شأنه. (ع) هذا هو الأمر والباقي من العبث وحصول هذه الدّولة العظمى موقوف في هذا الوقت على الإخلاص للطّائفة العليّة النّقشبنديّة والتّوجّه إليهم. فإنّ الّذي يحصل في صحبتهم الواحدة لا يتيسّر بالرّياضات الشّديدة والمجاهدات الشّاقّة في مدّة مديدة، وذلك لأنّ في طريق هؤلاء الأكابر اندراج النّهاية في البداية بحيث يعطى في أوّل صحبتهم ما يقع في يد المنتهين في نهايتهم.
وطريق هؤلاء الأكابر هو طريق الأصحاب الكرام فإنّه كان يحصل لهم في أوّل صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات ما يندر حصوله لأولياء الامّة في النّهاية، وهذا طريق اندراج النّهاية في البداية فعليكم بمحبّة هؤلاء الأكابر فإنّها ملاك الأمر. والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. المكتوب الحادي والتّسعون إلى الشّيخ الكبير في بيان أنّ تصحيح العقائد وإتيان الأعمال الصّالحة كليهما جناحان للطّيران إلى عالم القدس وأنّ المقصود من أعمال الشّريعة وأحوال الحقيقة هو تزكية النّفس وتصفية القلب رزقنا الله سبحانه وإيّاكم الإستقامة على متابعة السّنّة السّنيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة واعلم: أنّ الّذي لا بدّ منه هو تصحيح الإعتقاد أوّلا على وفق آراء علماء أهل السّنّة والجماعة الّذين هم الفرقة النّاجية ثمّ العمل بمقتضى الأحكام الفقهيّة ثانيا فإذا حصل هذان الجناحان الإعتقاديّ والعمليّ ينبغي أن يقصد الطّيران إلى عالم القدس (ع) هذا هو الأمر والباقي من العبث والمقصود من أعمال الشّريعة وأحوال الطّريقة والحقيقة هو تزكية النّفس وتصفية القلب وما لم تتزكّ النّفس لا تحصل السّلامة للقلب، ولا يحصل الإيمان الحقيقيّ الّذي به نيطت النّجاة. وسلامة القلب إنّما تتصوّر إذا لم يخطر ما سواه تعالى في القلب أصلا بحيث لو مضى ألف سنة مثلا لا يقع الغير في القلب ولا يمرّ عليه قطعا لأنّه قد حصل للقلب حينئذ نسيان السّوى بالكلّيّة، بحيث لو ذكّروه بالتّكليف لما يتذكّر. وهذه الحالة هي المعبّر عنها بالفناء وأوّل قدم في هذا الطّريق والسّلام أوّلا وآخرا. المكتوب الثّاني والتّسعون إلى المذكور أيضا في بيان أنّ اطمئنان القلب إنّما هو بالذّكر لا بالإستدلال والنّظر ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة: أَلا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ . وطريق اطمئنان القلب إنّما هو ذكر الله تعالى دون النّظر والإستدلال، (شعر): أقدام أرباب الحجى كالخزف . وما الّذي تمكينه يا أسفى فإنّ في الذّكر اكتساب المناسبة بجناب قدسه تعالى وإن لم تكن مناسبة أصلا يعني في الحقيقة ما للتّراب وربّ الأرباب ولكن يحصل بين الذّاكر والمذكور نوع من الارتباط والعلاقة الموجبة للمحبّة، فإذا استولت المحبّة على الذّاكر فلا شيء بعده سوى الإطمئنان أصلا، وإذا بلغ الأمر اطمئنان القلب كانت الدّولة الأبديّة نقد الوقت، (شعر): عليكم بذكر الحقّ دواما فإنّه . جلاء القلوب والغذاء للأرواح والسّلام أوّلا وآخرا. المكتوب الثّالث والتّسعون إلى اسكندر خان اللّودىّ في التّحريض على صرف الأوقات إلى ذكر الله سبحانه وتعالى ينبغي: صرف الأوقات إلى ذكر الله تعالى بعد أداء الصّلوات الخمس مع الجماعة وأداء السّنن الرّواتب، وأن لا يشتغل بغيره سواء كان وقت الأكل أو النّوم أو المشي. وقد بيّن لكم طريق الذّكر، فينبغي الإشتغال به بهذا الطّريق المعهود. فإن طرأ الفتور على الجمعيّة ينبغي البحث عن سبب ذلك الفتور وتعيينه وتشخيصه أوّلا، ثمّ التّشبّث بأسباب تلافي التّقصير ثانيا. وينبغي التّوجّه إلى الحقّ سبحانه بالإلتجاء والتّضرّع التّامّ، وأن يسأله سبحانه دفع ظلمة الفتور والتّقصير وأن يتوسّل بالشّيخ الّذي أخذ عنه الذّكر. والله سبحانه الميسّر كلّ عسير والسّلام. المكتوب الرّابع والتّسعون إلى خضر خان اللّودىّ في بيان أنّه لا بدّ للإنسان من تصحيح العقائد وإتيان الأعمال الصّالحة ليطير بهذين الجناحين إلى العالم الحقيقة رزقكم الله سبحانه الإستقامة على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. والّذي لا بدّ منه للإنسان هو تصحيح العقائد أوّلا على مقتضى آراء أهل السّنّة والجماعة الصّائبة الّذين هم الفرقة النّاجية، وإتيان الأعمال الصّالحة ثانيا بموجب الأحكام الفقهيّة. فإن ساعد التّوفيق الإلهيّ بعد تعلّم أحكام الفرائض والسّنن والواجبات والمستحبّات والحلال والحرام والمشتبهات وحصول هذين الجناحين الإعتقاديّ والعمليّ، يمكن الطّيران نحو عالم الحقيقة، وبدون حصول هذين السّاعدين يستحيل الطّيران نحوها، (شعر): ومن المحال السّير في طرق الصّفا . يا سعد من غير اتّباع المصطفى ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على متابعته عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام.