Qur'an&Sunnah

İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb)

قسم V01/P140–V01/P142

المكتوب الخامس والتّسعون إلى السّيّد بجواره في بيان أنّ الإنسان نسخة جامعة وقلبه أيضا مخلوق على وصف الجامعيّة وتوجيهات أقوال بعض المشايخ الواقعة حالة السّكر وما يناسب ذلك اعلم: أنّ الإنسان نسخة جامعة، وكلّما هو موجود في جميع الكائنات متفرّقا موجود في الإنسان وحده، ولكن من عالم الإمكان بطريق الحقيقة، ومن مرتبة الوجوب بطريق الصّورة " انّ الله خلق آدم على صورته» وهذه الجامعيّة ثابتة لقلب الإنسان فإنّ جميع ما هو في كلّيّة الإنسان فهو موجود في القلب وحده، ولهذا يقال له الحقيقة الجامعة. ومن حيثيّة هذه الجامعيّة أخبر بعض المشائخ عن وسعة القلب بقوله: لو ألقي العرش وما فيه في زاوية قلب العارف لما أحسّ به أصلا فإنّ القلب جامع للعناصر والأفلاك والعرش والكرسيّ والعقل والنّفس وشامل للمكانيّ واللّامكانىّ فلا جرم لا يكون للعرش مقدار في جنب القلب بواسطة شموله للإمكانيّة لأنّ العرش وما فيه مع وجود الوسعة فيه داخل في دائرة الإمكان، والمكانيّ وإن كان وسيعا في حدّ ذاته لكنّه ضيّق في جنب الإمكانيّ لا مقدار له بالنّسبة إليه. ولكنّ أرباب الصّحو من المشائخ قدّس الله أسرارهم يعلمون أنّ هذا الحكم مبنيّ على السّكر ومحمول على عدم التّمييز بين حقيقة الشّيء وبين انموذجه، فإنّ العرش المجيد الّذي هو محلّ الظّهور التّامّ أجلّ وأرفع من أن يكون له حصول في القلب، والّذي يرى في القلب من العرش فهو أنموذج العرش لا حقيقته، ولا شكّ أنّه لا مقدار لهذا الأنموذج في جنب القلب، فإنّه جامع لانموذجات غير متناهية. ولا يقال للمرآة الّتي ترى فيها السّموات مع هذه الوسعة والكبر بأشياء أخر إنّها أكبر من السّموات. نعم إنّ تمثال السّموات الّذي هو في المرآة أصغر من المرآة لا حقيقة السّموات. (ولنوضّح) هذا المبحث بمثال وهو أنّ أنموذجا من عنصر كرة الأرض مكمون في بدن الإنسان، ولا يقال: إنّ بدن الإنسان أكبر وأوسع من كرة الأرض نظرا إلى جامعيّة الإنسان، بل لا مقدار لبدن الإنسان في جنب كرة الأرض أصلا. ومنشأ هذا الحكم إنّما هو توهّم الجزء الحقير للشّيء بل الانموذج الحقير للشّيء نفس ذلك الشّيء ومن هذا القبيل كلام بعض المشائخ الّذي صدر عنهم وقت غلبة السّكر كقولهم: إنّ الجمع المحمّديّ أجمع من الجمع الإلهيّ جلّ سلطانه فإنّهم لمّا زعموا أنّ محمّدا عليه الصّلاة والسّلام جامع لحقيقة الإمكان ومرتبة الوجوب حكموا بأنّ جامعيّة محمّد عليه الصّلاة والسّلام أجمع من جامعيّة الله تعالى شأنه، وهنا أيضا زعموا الصّورة حقيقة فحكموا بذلك فإنّ محمّدا عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات جامع لصورة مرتبة الوجوب دون حقيقتها، والله سبحانه وتعالى وتقدّس واجب الوجود على الحقيقة. فلو فرّقوا بين حقيقة الوجوب وصورته لما حكموا به حاشا وكلّا من أمثال هذه الأحكام السّكريّة. فإنّ محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد مخلوق متناه محدود والله سبحانه غير متناه وغير محدود. (وينبغي) أن يعلم أنّ كلّما هو من الأحكام السّكريّة فهو من مقام الولاية، وكلّما هو من أحكام الصّحو فله تعلّق بمقام النّبوّة، ولكمّل أتباع الأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات نصيب من هذا المقام بواسطة الصّحو بطريقة التّبعيّة. والبسطاميّة يفضّلون السّكر على الصّحو ولهذا قال الشّيخ أبو يزيد البسطاميّ قدّس سرّه: لوائي أرفع من لواء محمّد. أراد بلوائه لواء الولاية وبلواء محمّد عليه الصّلاة والسّلام لواء النّبوّة. ويرجّح لواء الولاية الّذي هو ناظر إلى السّكر على لواء النّبوّة الّذي هو ناظر إلى الصّحو. (ومن هذا القبيل) قول بعضهم: الولاية أفضل من النّبوّة وذلك لما رأوا من أنّ التّوجّه في الولاية إلى الحقّ، وفي النّبوّة إلى الخلق. ولا شكّ أنّ التّوجّه إلى الحقّ أفضل من التّوجّه إلى الخلق. وقال بعضهم في توجيه هذا الكلام: إنّ ولاية النّبيّ أفضل من نبوّته وأمثال هذه الكلمات بعيدة عن الصّواب عند هذا الفقير، فإنّ التّوجّه في النّبوّة ليس إلى الخلق فقط، بل فيها توجّه إلى الحقّ أيضا مع وجود هذا التّوجّه، فإنّ بواطنهم مع الحقّ سبحانه وظواهرهم مع الخلق.

قسم V01/P142–V01/P143

وأمّا الّذين توجّههم إلى الخلق فقط فهم من المعرضين المدبرين، والأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات أفضل جميع الموجودات، ولهم مسلّم أفضل الدّولات، والولاية جزء من النّبوّة ومندرجة فيها والنّبوّة كلّ شامل لها، فلا جرم تكون النّبوّة أفضل من الولاية سواء كانت ولاية نبيّ أو ولاية غيره. فكان الصّحو أفضل من السّكر، والسّكر مندرج في الصّحو اندراج الولاية في النّبوّة، والصّحو الخالي عن السّكر الّذي هو للعوامّ خارج عن المبحث، ولا معنى لترجيح ذلك، والصّحو المتضمّن للسّكر أفضل من السّكر البتّة. والعلوم الشّرعيّة الّتي مصدرها النّبوّة ناشئة كلّها من كمال الصّحو وما يخالفها كائنا ما كان من السّكر، وصاحب السّكر معذور. وما يستحقّ التّقليد والإستمساك به هو علوم مقام الصّحو لا علوم حالة السّكر. ثبّتنا الله سبحانه على تقليد العلوم الشّرعيّة على مصدرها الصّلاة والسّلام والتّحيّة يرحم الله عبدا قال آمينا. وما وقع في الحديث القدسيّ حيث ورد لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن فالمراد به والله سبحانه أعلم بمراده سعته صورة مرتبة الوجوب لا حقيقتها، فإنّ الحلول محال هناك كما تقدّم، فظهر أنّ شمول القلب للإمكانيّة باعتبار الصّورة لا الحقيقة حتّى لا يكون للعرش وما حواه مقدار فيه فإنّ هذا الحكم مخصوص بحقيقة اللّامكانيّة. المكتوب السّادس والتّسعون إلى محمّد شريف في المنع والزّجر عن التّسويف والتّأخير وفي التّحريض على متابعة الشّريعة على صاحبها الصّلاة والتّحيّة وما يناسبه أيّها الولد: هذا الوقت الّذي هو أوان الفرصة وتيسّر أسباب الجمعيّة كلّها لا مجال فيه للتّسويف والتّأخير أصلا، ينبغي صرف أشرف الأوقات الّذي هو زمان عنفوان الشّباب في أفضل الأعمال الّذي هو طاعة الحقّ سبحانه وعبادته تعالى وتقدّس. وينبغي أيضا أن يلتزم المداومة على الصّلوات الخمس مع الجماعة مجتنبا عن المحرّمات والمشتبهات الشّرعيّة. وأداء الزّكاة على تقدير وجود النّصاب من ضروريّات الإسلام أيضا، فينبغي إذا أداؤها بكمال الرّغبة بل بقبول المنّة. وقد عيّن الحقّ سبحانه بكمال كرمه للعبادة في اليوم واللّيلة خمسة أوقات وعيّن من الأموال النّاميّة والأنعام السّائمة ربع العشر تحقيقا وتقريبا لأجل الفقراء، ووسّع ميدان تصرّف المباحات، والتّكاسل في صرف ساعة واحدة من أربع وعشرين ساعة في طاعة الحقّ سبحانه، والبخل بأداء سهم واحد من أربعين سهما إلى الفقراء ووضع القدم في خارج دائرة المباح الوسيعة الفضاء البعيدة الإرجاء والوقوع في المحرّمات والمشتبهات من غاية عدم الإنصاف. وفي موسم الشّباب الّذي هو أوان غلبة سلطان النّفس الأمّارة وقهرمان الشّيطان اللّعين يعطى على عمل قليل أجر جزيل، فإذا بلغت غدا أرذل العمر وضعفت الحواسّ والقوى وتشتّتت أسباب الجمعيّة، لا يحصل غير النّدامة والتّأسّف، وربّما لا تبقى إلى غد فلا تتيسّر فرصة النّدامة والتّأسّف الّتي هي نوع توبة. والعذاب الأبديّ والعقاب السّرمديّ الّذي أخبر به النّبيّ الصّادق عليه من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها وحذّر عنه العصاة أمامنا لا يتخلّف أبدا، وفي هذا اليوم يلقي الشّيطان اللّعين في التّسويف والغرور والمداهنة بإظهار كرم الله تعالى ويأمر بالمعاصي اتّكاء بعفوه تعالى. (ينبغي) أن يتنبّه ويعلم أنّ الدّنيا الّتي هي دار المحنة والبلاء امتزج فيها الأعداء والأحبّاء واشتبه الأمر، وشملت رحمته تعالى الكلّ كما يشعر به قوله تعالى " ورحمتي وسعت كلّ شيء " وأمّا يوم القيامة الّذي هو دار الجزاء فيمتاز فيه الأعداء والأحبّاء كما أخبر الله تعالى عنه بقوله " وامتازوا اليوم أيّها المجرمون " وتخرج قرعة الرّحمة يومئذ باسم الأحباب، وتصيّر الأعداء محرومين مطلقا وملعونين محقّقا كما يشهد به قوله تعالى " فسأكتبها للّذين يتّقون ويؤتون الزّكاة والّذين هم بآياتنا يؤمنون " فخصّ الكرم والرّحمة في الآخرة بالأبرار وأهل الإسلام الأخبار.

قسم V01/P143–V01/P145

نعم إنّ لمطلق أهل الإسلام نصيبا من الرّحمة على تقدير حسن الخاتمة ونجاة من عذاب جهنّم ولو بعد أزمنة متطاولة، ولكن كيف يبقى نور الإيمان مع تراكم ظلمات المعاصي، وكيف يترك عدم المبالات بالأحكام المنزّلة من الله سبحانه أن يخرج من الدّنيا بالسّلامة، وقد قال العلماء: الإصرار على الصّغيرة يفضي إلى الكبيرة والإصرار على الكبيرة يفضى إلى الكفر عياذا بالله سبحانه، (شعر): بثثت قليلا من همومي وخفت أن . تملّوا وإلّا فالكلام كثير وفّقنا الله سبحانه لمرضيّاته بحرمة محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وبقيّة المقصود أنّ حامل الكتاب مولانا إسحاق من أحباب الفقير ومخلصيه، وله حقّ الجوار من القديم فإن احتاج إلى الإعانة والإمداد ينبغي رعاية التّوجّه في حقّه، وله اطّلاع على فنّ الكتابة والإنشاء وممارسة فيه بقدر الوسع والسّلام. المكتوب السّابع والتّسعون إلى الشّيخ درويش في بيان أنّ المقصود من العبادة هو تحصيل اليقين وما يناسبه شرّف الله سبحانه أمثالنا المفلسين بحقيقة الإيمان بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أتمّها ومن التّسليمات أكملها. وكما أنّ المقصود من خلق الإنسان أداء العبادة المأمور بها، كذلك المقصود من أداء العبادة تحصيل اليقين الّذي هو حقيقة الإيمان، ويمكن أن يكون في قوله تعالى: «واعبد ربّك حتّى يأتيك اليقين " رمز إلى هذا المعنى، فإنّ كلمة (حتّى) كما أنّها تكون للغاية تكون للعلّة أيضا، أي لاجل أن يأتيك وكان الإيمان المتقدّم على أداء العبادة صورة الإيمان لا حقيقته الّتي عبّر عنها باليقين قال الله عزّ شأنه: «يا أيّها الّذين آمنوا آمنوا " أي الّذين آمنوا صورة آمنوا حقيقة بأداء وظائف العبادة المأمور بها. والمقصود من الفناء والبقاء اللّذين الولاية عبارة عن حصول هاتين الدّولتين هو هذا اليقين فحسب، فإن أرادوا بالفناء في الله والبقاء بالله معنى آخر يوهم بالحالّيّة والمحلّيّة، فهو عين الإلحاد والزّندقة. ويظهر في أثناء غلبة الحال وسكر الوقت شيئا ينبغي أن يجاوزها أخيرا وأن يستغفر منها، قال إبراهيم بن شيبان الّذي هو من مشائخ الطّبقات قدّس الله أرواحهم: علم الفناء والبقاء يدور على إخلاص الوحدانيّة وصحّة العبوديّة وما سوى ذلك فمغاليط وزندقة والحقّ أنّه صادق في هذا القول وقوله هذا ينبئ عن استقامته فإنّ الفناء في الله عبارة عن الفناء في مرضيّات الحقّ سبحانه. وعلى هذا القياس السّير إلى الله والسّير في الله ونحوهما. (وبقيّة المرام) أنّ الشّيخ ميان الله بخش رجل متّصف بالصّلاح والتّقوى والفضيلة، وقد ارتبط به جمع كثير، فإن احتاج إلى المعونة في مادّة من الموادّ فالمرجوّ رعاية التّوجّه الشّريف في حاله. والسّلام عليكم وعلى من اتّبع الهدى. المكتوب الثّامن والتّسعون إلى عبد القادر ولد الشّيخ زكريّا في التّحريض على الرّفق وترك العنف بإيراد الأحاديث على مصدرها الصّلاة والسّلام نسأل الله الإستقامة على مركز العدالة. ولنورد أحاديث نبويّة عليه من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها الواردة في باب التّذكير والوعظ والنّصيحة يسّر الله سبحانه العمل بمقتضاها. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ الله رفيق يحبّ الرّفق ويعطي على الرّفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه. رواه مسلم. وفي رواية له قال لعائشة رضي الله عنها وعن أبويها: عليك بالرّفق وإيّاك والعنف والفحش فإنّ الرّفق لا يكون في شيء إلّا زانه ولا ينزع من شيء إلّا شانه. وقال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة أيضا: من يحرم الرّفق يحرم الخير. وقال عليه الصّلاة والسّلام أيضا: إنّ من أحبّكم إليّ أحسنكم أخلاقا. وقال عليه الصّلاة والسّلام أيضا: من أعطي حظّه من الرّفق أعطي حظّه من الدّنيا والآخرة. وقال عليه الصّلاة والسّلام: الحياء من الإيمان والإيمان في الجنّة، والبذاء من الجفاء والجفاء في النّار.

قسم V01/P145–V01/P146

إنّ الله يبغض الفحشاء البذيء ألا أخبركم بمن يحرّم على النّار وبمن يحرّم النّار عليه على كلّ هيّن ليّن قريب سهل المؤمنون هيّنون ليّنون كالجمل الأنف إن قيد انقاد وإن استنيخ على صخرة استناخ من كظم غيظا وهو يقدر أن ينفّذه دعاه الله على رءوس الخلائق يوم القيامة حتّى يخيّره في أيّ الحور شاء إنّ رجلا قال للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أوصني. قال: لا تغضب فردّد مرارا. قال: لا تغضب ألا أخبركم بأهل الجنّة كلّ ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبرّه. ألا أخبركم بأهل النّار كلّ عتلّ جوّاظ مستكبر إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلّا فليضطجع إن الغضب ليفسد الإيمان كما يفسد الصّبر العسل من تواضع لله رفعه الله فهو في نفسه صغير وفي أعين النّاس عظيم ومن تكبّر وضعه الله فهو في أعين النّاس صغير وفي نفسه كبير حتّى لهو أهون عليهم من كلب وخنزير. قال موسى بن عمران على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام: يا ربّ من أعزّ عبادك؟ قال: من إذا قدر غفر وقال أيضا عليه الصّلاة والسّلام: من خزن لسانه ستر الله عورته ومن كفّ غضبه كفّ عنه الله عذابه يوم القيامة ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره. وقال أيضا: من كانت له مظلمة لاخيه من عرضه أو شيء فيتحلّل منه قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ بقدر مظلمته وإن لم يكن حسنات أخذ من سيّئات صاحبه فحمل عليه وقال عليه الصّلاة والسّلام أيضا: أتدرون من المفلس؟ قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إنّ المفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وأخذ مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثمّ طرح في النّار. وعن معاوية رضي الله عنه أنّه كتب إلى عائشة رضي الله عنها " أن اكتبي إليّ كتابا توصيني فيه ولا تكثري. فكتبت: سلام عليك. أمّا بعد فإنّى سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: من التمس رضا الله بسخط النّاس كفاه مؤنة النّاس ومن التمس رضا النّاس بسخط الله وكّله الله إلى النّاس والسّلام عليك " صدق رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم وبارك رزقنا الله سبحانه وإيّاكم التّوفيق للعمل بما أخبر به المخبر الصّادق والسّلام. وهذه الأحاديث وإن كتبت بدون ترجمة ولكن تفهم معانيها بالرّجوع إلى الشّيخ جيو. وينبغي السّعي والإجتهاد للعمل بمقتضاها بقاء الدّنيا قليل جدّا وعذاب الآخرة شديد في الغاية ودائم فعليكم استعمال العقل والفكر وأن لا يغترّ بطراوة الدّنيا الخالية عن الحلاوة، فإن كانت العزّة والأفضليّة بسبب الدّنيا ينبغي أن تكون الكفّار الّذين لهم حظّ وافر من الدّنيا أعزّ وأفضل من الكلّ، والإنخداع بظاهر الدّنيا من عدم العقل وإنّما اللّائق بالعاقل أن يغتنم فرصة أيّام قليلة وأن يجتهد في تلك الفرصة اليسيرة في تحصيل مرضات الله تعالى والإحسان إلى خلق الله عزّ وجلّ، فإنّ التّعظيم لامر الله والشّفقة على خلق الله كليهما أصلان عظيمان لاجل النّجاة من عذاب الآخرة، وكلّ ما أخبر به المخبر الصّادق فهو مطابق لنفس الأمر ليس بالهزل ولا بالهذيان، فإلى متى يمتدّ نوم الغفلة والغرور!

قسم V01/P146–V01/P147

أليس آخره وعقباه إلى الفضيحة; والحرمان قال الله سبحانه " أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثا وأنّكم إلينا لا ترجعون " وإنّي وإن كنت أعلم أنّ وقتك لا يقتضي استماع أمثال هذه الكلمات لكونك في عنفوان الشّباب، والتّنعّمات الدّنيويّة ميسّرة والحكومة والتّسلّط على الخلق حاصلة، ولكنّ الشّفقة على أحوالك كانت باعثة على هذا القيل والقال، ولم يفت إلى الآن شيء من الفرصة، والوقت قابل للتّوبة والإنابة والشّرط البلاغ (ع) كفى الحرف لو في داخل البيت إنسان المكتوب التّاسع والتّسعون إلى الملّا حسن الكشميريّ في جواب استفساره عن كيفيّة دوام الحضور واجتماعه مع النّوم الّذي هو معدن الغفلة قد شرّف مكتوبكم الشّريف بوصوله، وما وقع فيه من الاستفسار عن كيفيّة دوام الحضور واجتماعه مع حالة النّوم الّتي هي حالة الغفلة وتعطّل القوى والإدراك من أوّلها إلى آخرها، كما أخبر بعض أكابر هذه الطّائفة العليّة بحصول هذه الدّولة العظيمة. (أيّها المخدوم): إنّ حلّ هذا المشكل مبنيّ وموقوف على تمهيد مقدّمة لا بدّ من بيانها. فأقول: إنّ طريق التّرقّي والعروج كان مسدودا للرّوح الإنسانيّة قبل تعلّقها بهذا الجسم الهيولانيّ، وكانت مقيّدة ومحبوسة في حبس: وما منّا إلّا له مقام معلوم ولكن كانت قد أودعت في طبعها جوهرة نفيسة وهي الإستعداد للعروج والتّرقّي بشرط النّزول، وكانت مزيّتها على الملك مقرّرة من هذه الجهة، فجمع الحقّ سبحانه من كمال كرمه ذلك الجوهر النّورانيّ بهذا الجسم الظّلمانيّ فسبحان من جمع بين النّور والظّلمة وقرن الأمر بالخلق. ولمّا كان كلّ من هذين الشّيئين واقعا في مقابلة الآخرة ونقيضا له في الحقيقة، أعطى الحكيم المطلق جلّ سلطانه للرّوح نسبة التّعشّق والتّعلّق بالنّفس تحقيقا لهذا الإجتماع وتقريرا لهذا الإنتظام، وجعل هذا التّعلّق سببا للانتظام. وفي قوله تعالى " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثمّ رددناه أسفل سافلين " رمز إلى هذا البيان، وهذا التّنزيل للرّوح وتعلّقها من قبيل المدح بما يشبه الذّمّ في الحقيقة، فتهافتت الرّوح إلى عالم النّفس بالتّمام وتوجّهت إليه بكلّيّتها بواسطة تلك النّسبة الحبّيّة وجعلت نفسها تابعة لها، بل نسيت نفسها مرّة واحدة وضارت تعبّر عن نفسها بالنّفس الأمّارة. وهذه لطافة أخرى للرّوح حيث أنّها تأخذ حكم كلّ شيء تتوجّه إليه من كمال لطافته، فإذا نسيت نفسها فلا جرم أنّها نسيت أيضا حضوره السّابق مع مرتبة الوجوب تعالت وتقدّست بالضّرورة، وتوغّلت في الغفلة بالتّمام وأخذ حكم الظّلمة، فبعث الله من كمال كرمه وشفقته على عباده الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ودعاهم إليه سبحانه بواسطة هؤلاء الأكابر، وأمرهم بمخالفة النّفس الّتي هي معشوقة الرّوح، فمن رجع القهقرى فقد فاز فوزا عظيما، ومن لم يرفع رأسه واختار الخلود إلى الأرض فقد ضلّ ضلالا بعيدا هذا ولنرجع إلى الجواب عن الإشكال ونقول: إنّه قد فهم من هذه المقدّمة من اجتماع الرّوح بالنّفس، أنّ فناء الرّوح في النّفس وبقاءها بها فحسب، فلا جرم تكون غفلة الظّاهر عين غفلة الباطن ما دام هذا الإجتماع والإنتظام موجودا، ويكون النّوم الّذي هو غفلة الظّاهر عين غفلة الباطن. فإذا طرأ الخلل على هذا الإنتظام وأعرض الباطن عن محبّة الظّاهر وأقبل على محبّة أبطن البطون وزال الفناء والبقاء اللّذان كانا للرّوح قبل، وحصل لها الفناء في الباقي الحقيقيّ والبقاء به تعالى وتقدّس فلا تؤثّر غفلة الظّاهر حينئذ في حضور الباطن. وكيف تؤثّر؟ فإنّ الباطن قد أدبر عن الظّاهر بالتّمام وجعله خلف ظهره ولم يبق للظّاهر سبيل إلى الباطن أصلا فيجوز حينئذ أن يكون الظّاهر غافلا والباطن حاضرا ولا محذور فيه ألا ترى أنّ دهن اللّوز مثلا مادام ممتزجا باللّوز حكمه حكم اللّوز فإذا ميّز عن اللّوز ظهر التّغاير والتّمايز في الأحكام.

قسم V01/P147–V01/P148

فإذا أراد الله سبحانه إرجاع مثل صاحب هذه الدّولة إلى العالم لتخليص أهله من الظّلمات النّفسانيّة بتوسّط شريعته الّتي شرعها، ينزل إلى العالم بطريق السّير عن الله بالله فيكون توجّهه إلى العالم بالتّمام من غير تعلّق بهم لأنّه على تعلّقه السّابق يعني بجناب القدس وإنّما أورد إلى هذا العالم من غير اختيار منه، فهذا المنتهى له شركة صوريّة مع سائر المبتدئين في الإعراض عن جناب قدسه تعالى وتقدّس والإقبال على الخلق، ولكن لا مناسبة بينهما في الحقيقة، فإنّ بين التّعلّق وعدم التّعلّق تفاوتا فاحشا. (وأيضا) الإقبال على الخلق في حقّ هذا المنتهى بلا اختيار منه لا رغبة له فيه، وإنّما ذلك لكون رضاء الله تعالى في ذلك الإقبال وفي حقّ المبتدئ ذاتيّ، ومع الرّغبة له فيه وليس فيه رضا الحقّ سبحانه وتعالى. (وفرق آخر) أنّ المبتدئ يمكن له الإعراض عن الخلق والإقبال على الحقّ تعالى وتقدّس، وذلك محال في المنتهى فإنّ دوام الإقبال إلى الخلق لازم لمقامه ومرتبته. إلّا أن يتمّ أمر دعوته وارتحل من دار الفناء إلى دار البقاء، فيكون نداء اللهمّ الرّفيق الأعلى حينئذ نقد وقته. وقد اختلف مشائخ الطّريقة قدّس الله أسرارهم في تعيين مقام الدّعوة. فقال جماعة منهم: إنّه مقام الجمع بين التّوجّه إلى الخلق والتّوجّه إلى الحقّ، والإختلاف فيه مبنيّ على الإختلاف في الأحوال والمقامات. وقد أخبر كلّ شخص عن مقامه والأمر عند الله تعالى. وما قال سيّد الطّائفة جنيد رضي الله تعالى عنه من أنّ النّهاية هي الرّجوع إلى البداية موافق لمقام الدّعوة الّذي حرّر في هذه المسودّة. فإنّ الوجه والتّوجّه في البداية إلى الخلق بالتّمام. (وحديث): تنام عيناي ولا ينام قلبي الّذي حرّرتموه ليس فيه إشارة إلى دوام الحضور، بل هو إخبار عن عدم الغفلة عمّا يجري عليه وعلى أمّته عليه الصّلاة والسّلام وعمّا يصدر منه صلّى الله عليه وسلّم من الأحوال; ولهذا لم يكن نومه ناقضا لوضوئه عليه الصّلاة والسّلام ولما كان النّبيّ مثل الرّاعي في حفظ أمّته لم تكن الغفلة لائقة لمنصب نبوّته. وحديث لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل يمكن أن يكون إشارة إلى التّجلّي البرقيّ الذّاتيّ على تقدير صحّته. وأيضا إنّ هذا التّجلّي ليس بمستلزم للتّوجّه إلى جناب الحقّ سبحانه، بل هو من ذلك الجانب الأقدس لا صنع فيه للمتجلّى له، بل هو من قبيل سير المعشوق في العاشق لشبع العاشق من السّير، (شعر): لا الكون في المرآة من حركاتها . لكنّها قبلت له لصفائها وينبغي أن يعلم أنّ الحجب المرتفعة لا تعود على تقدير الرّجوع، بل مع وجود ارتفاع الحجب يكون المنتهى مشغولا بالخلق لارتباط فلاح الخلق به. ومثل هؤلاء الأكابر كمثل شخص له كمال التّقرّب من الملك بحيث ليس بينهما حائل ومانع أصلا لا صورة ولا معنى. ومع ذلك شغله الملك بقضاء حاجات أرباب الحوائج وخدماتهم، وهذا فرق آخر أيضا بين المبتدي والمنتهي المرجوع. فإنّ المبتدي محجوب بخلاف ذلك المنتهي. والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى. المكتوب المائة إلى الملّا حسن الكشميريّ أيضا في جواب سؤاله عن قول الشّيخ عبد الكريم اليمنيّ: «إنّ الحقّ سبحانه ليس بعالم الغيب» قد شرّفنا المكتوب بوصوله واتّضح ما اندرج فيه بأبوابه وفصوله وفروعه وأصوله، وممّا اندرج فيه أنّ الشّيخ عبد الكريم اليمنيّ قال: إنّ الله سبحانه ليس بعالم الغيب. (أيّها المخدوم) لا طاقة للفقير باستماع أمثال هذه الكلمات أصلا، ويتحرّك عرقي الفاروقيّ من استماعها بلا اختيار، بحيث لا يبقى مجال التّأمّل وفرصة التّأويل والتّوجيه، سواء كان قائلها الشّيخ عبد الكبير اليمنيّ أو الشّيخ الأكبر الشّاميّ، وإنّما اللّازم لنا اتّباع كلام محمّد العربيّ عليه الصّلاة والسّلام دون كلام محيي الدّين بن عربيّ وصدر الدّين القونويّ وعبد الرّزّاق الكاشيّ نحن نتمسّك بالنّصوص لا بالفصوص، وقد أغنانا الفتوحات المدنيّة عن الفتوحات المكّيّة، وقد وصف الله سبحانه نفسه في كلامه المجيد بعالم الغيب، وأطلقه على نفسه.

قسم V01/P148–V01/P150

فنفي علم الغيب عنه تعالى مستقبح ومستكره جدّا، بل هو تكذيب للحقّ سبحانه في الحقيقة، وإرادة معنى آخر من الغيب لا يخرج هذا الكلام من الشّناعة " كبرت كلمة تخرج من أفواههم». (فيا ليت) شعري ما حملهم على التّفوّه بأمثال هذه الكلمات الصّريحة في خلاف الشّريعة. وابن المنصور معذور في قوله: أنا الحقّ وكذلك البسطاميّ في قوله: «سبحاني " لكونهما مغلوبي الحال. وأمّا أمثال هذا الكلام فليس بمبنيّة على غلبة الأحوال، بل هي صادرة بعمل عن صاحبها ومستندة إلى التّأويل. فليست بقابلة للعذر، ولا يقبل في هذا المقام تأويل أصلا، وإنّما يصرف عن الظّاهر كلام السّكارى لا غير. فإن كان مقصود المتكلّم من إظهار هذا الكلام ملامة الخلق إيّاه ونفرتهم عنه، فهو أيضا مستكره ومستهجن; فإنّ طرق تحصيل ملامة الخلق كثيرة، فأيّ ضرورة تدعو إلى أن يرتكب ما يوصّل إلى حدّ الكفر. وحيث تكلّمتم في تأويل هذا الكلام واستفسرتم عنه فبحكم لكلّ سؤال جواب نتكلّم في هذا الباب بالضّرورة: وعلم الغيب عند الله سبحانه وما قيل: إنّ الغيب لا يكون إلّا معدوما والمعدوم لا يكون معلوما فإنّ العلم لا يتعلّق بالمعدوم معناه أنّ الغيب لمّا كان بالنّسبة إليه سبحانه معدوما مطلقا ولا شيئا محضا لا معنى لتعلّق العلم به، فإنّ معلوميّته تخرجه عن معدوميّته المطلقة واللّاشيئيّة المحضة. ألا ترى أنّه لا يقال: إنّ الحقّ سبحانه عالم بشريكه، فإنّ شريكه تعالى وتقدّس ليس بموجود أصلا بل هو لا شيء صرف. نعم يمكن تصوّر مفهوم الغيب والشّريك، ولكنّ الكلام ليس في مفهومهما بل في مصداقهما، ومثل هذا حال جميع المحالات، فإنّ مفهوماتها ممكنة التّصوّر ومصادقها ممتنعة التّصوّر. فإنّ المعلوميّة تخرج عن الإستحالة ولا أقلّ من إعطائها الوجود الذّهنيّ. والإعتراض الّذي أوردته على توجيه مولانا محمّد الرّوجيّ صحيح فإنّ نفي النّسبة العلميّة في مرتبة الاحديّة المجرّدة مستلزم لنفي مطلق العلم، ولا وجه لتخصيص النّفي بعلم الغيب. والإشكال الآخر على توجيه مولانا أنّ النّسبة العلميّة وإن كانت منتفية في مرتبة الاحديّة المجرّدة ولكنّ عالميّته تعالى قائمة على حالها، فإنّه تعالى عالم بالذّات لا بالصّفات لكون الصّفات منتفية في تلك المرتبة. ألا ترى أنّ نفاة الصّفات رأسا يقولون إنّ الحقّ سبحانه عالم مع سلبهم الصّفات عنه سبحانه وتعالى. ويقولون إنّ الإنكشاف الّذي يترتّب على الصّفات يترتّب على الذّات. وكذا هنا. والتّوجيه الّذي بيّنتموه من إرادة غيب الذّات تعالت وتقدّست بالغيب وعدم تجويز تعلّق العلم به فإن كان المراد بالعلم علم الواجب تعالى وتقدّس فهو أقرب التّوجيهات ولكن في عدم جواز تعلّق علم الواجب تعالى بذاته البحت سبحانه بحث للفقير، فإنّ الوجه الّذي بيّنوه في عدم الجواز هو اقتضاء حقيقة العلم لإحاطة المعلوم، والذّات المطلقة تعالت مقتضية لعدم الإحاطة فلا يجتمعان في هذا التّعلّق (وههنا) محلّ خدشة فإنّ هذا المعنى يعني اقتضاء حقيقة العلم لإحاطة المعلوم إنّما هو في العلم الحصوليّ لحصول صورة المعلوم فيه في القوّة العلميّة، وأمّا في العلم الحضوريّ فلا يلزم هذا المعنى أصلا. والعلم فيما نحن فيه حضوريّ لا حصوليّ فلا محذور فإنّ تعلّق علم الواجب سبحانه بذاته تعالى بطريق الحضوريّ لا بطريق الحصول. والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال. وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطّاهرين وبارك وسلّم والسّلام أوّلا وآخرا. المكتوب الحادي والمائة إلى الملّا حسن الكشميريّ أيضا في الرّدّ على جماعة تعرّضوا لاهل الكمال وأطالوا اللّسان في حقّه بأنواع المقال أحسن الله سبحانه حالكم وأصلح بالكم قد أوصل مولانا محمّد صدّيق المفاوضة الشّريفة حمدا لله سبحانه حيث لم تنسوا النّائين المهجورين والخطابات الّتي صدرت للنّفس بحسب الظّاهر صارت واضحة في الجملة. نعم كلّ اعتراض على النّفس مسلّم وقت كونها أمّارة، وأمّا بعد حصول الإطمئنان لها فلا مجال للاعتراض أصلا; فإنّ النّفس في ذلك الموطن راضية عن الحقّ والحقّ سبحانه راض عنها فهي إذا مرضيّة ومقبولة، ولا اعتراض على المرضيّ المقبول، وكيف فإنّ مرادها حينئذ مراد الحقّ سبحانه.

قسم V01/P150–V01/P152

فإنّ حصول هذه الدّولة إنّما هو زمن التّخلّق بأخلاق الله تعالى، وساحة قدسه أعلى وأجلّ من اعتراض أمثالنا وضيعي الفطرة وعديمي القدرة بل كلّ ما نقول عائد إلينا، (شعر): من لم يكن عن نفسه ذا خبرة . هل يقدر الاخبار عن هذا وذا ومن جاهل يتصوّر النّفس المطمئنّة من كمال جهله أمّارة ويجري أحكام الأمّارة على المطمئنّة كما زعم الكفّار الأشرار الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام مثل سائر البشر، وأنكروا كمالات النّبوّة أعاذنا الله سبحانه من إنكار هؤلاء الأكابر وإنكار متابعيهم عليه الصّلوات والتّحيّات. المكتوب الثّاني والمائة إلى الملّا مظفّر في بيان أنّ المحرّم في القرض مع الفيض يعني الرّبا مجموع المبلغ لا الزّيادة فقط وما يتعلّق بذلك الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى قد قلتم في ذلك اليوم إنّ الرّبا في القرض بالفيض هو الفضل فقط، والمحرّم في قرض عشرة دراهم باثني عشر درهما هو الدّرهمان الزّائدان على القرض. ولمّا راجعت بعض الكتب الفقهيّة ظهر أنّ كلّ عقد فيه فضل فهو ربا في الشّريعة، فيكون هذا العقد محرّما بالضّرورة. وكلّ ما يفضي إلى تحصيل المحرّم يكون محرّما، فتكون الدّراهم العشرة أيضا محرّمة. وكان المقصود من إرسال كتاب جامع الرّموز وروايات كتاب إبراهيم الشّاهىّ إظهار هذا المعنى وبقي صورة الإحتياج (أيّها المخدوم) إنّ حرمة الرّبا ثابتة بنصّ قطعيّ شامل للمحتاج وغير المحتاج، فاستثناء المحتاج من هذا الحكم نسخ لذلك الحكم القطعيّ، ورواية القنية ليست في مرتبة تنسخ الحكم القطعيّ. وقد قال مولانا جمال اللّاهوريّ الّذي هو أعلم علماء لاهور: إنّ كثيرا من رواية القنية لا يستحقّ الإعتماد عليه لكونها مخالفة لرواية الكتب المعتبرة ولو سلم صحّة هذه الرّواية ينبغي أن ينزل الإحتياج إلى حالة الإضطرار والمخمصة ليكون مخصّص ذلك الحكم القطعيّ قوله تعالى " فمن اضطرّ في مخمصة " الآية، فإنّه مثله في القوّة (ع) وقاتل رستم أمثال رستم. (وأيضا) لو أخذ المحتاج أعمّ ينبغي أن يكون في محلّ لا يظهر فيه حكم حرمة الرّبا; وإلّا فكلّ من يقبل إعطاء الزّيادة إنّما يقبله بعلّة الإحتياج البتّة، فإنّه لا يقدم أحد على ضرر نفسه من غير احتياج، فلا يبقى لهذا الحكم المنزّل من الحكيم الحميد مزيد فائدة، تعالى كتابه العزيز من أمثال هذا التّوهّم. ولو سلم عموم الإحتياج ولو على سبيل فرض المحال. فأقول: إنّ الإحتياج من جملة الضّرورات، والضّرورة تقدّر بقدرها، وإطعام الطّعام النّاس ممّا استقرض بالفيض ليس بداخل في الإحتياج فإنّه لا تعلّق للضّرورة به، ولهذا يستثنى من تركة الميّت ما يحتاج إليه في تجهيزه وقصروه في الكفن والدّفن. ولم يجعلوا إطعام الطّعام لروحه داخلا في الإحتياج مع أنّه أحوج إلى الصّدقة يعني من الدّفن والكفن فينبغي الملاحظة في الصّورة المتنازع فيها هل المستقرضون بالفيض محتاجون أو لا، وعلى تقدير الإحتياج هل يحلّ لغيرهم الأكل من الطّعام الّذي يطبخونه لهم من ذلك المبلغ أو لا، وجعل الضّيافة وإجراء الرّسم والعادة حيلة الإحتياج والقرض بالفيض بهذه العلّة، واعتقاد ذلك جائزا وحلالا بعيد عن التّديّن والدّيانة. ينبغي رعاية الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ومنع جماعة ابتلوا بهذا البلاء وتنبيههم على عدم صدق هذه الحيلة وعدم جوازها، وكيف ينبغي للإنسان اختيار هذا القسم من الابتلاء بارتكاب محظور. فإنّ أسباب المعاش كثيرة ليست بمحصورة على شيء واحد. وحيث انّكم من أهل الصّلاح والتّقوى أرسلنا لكم رواية الطّيّب في الأكل. وكتبتم أنّ الخالي عن الشّبهة لا يوجد في هذا الزّمان، فهذا الكلام صحيح ولكن ينبغي الإحتراز من الشّبهة مهما أمكن، وقد قيل إنّ الزّراعة بلا طهارة منافية للطّيب، والإجتناب عن ذلك غير ممكن في بلاد الهند " لا يكلّف الله نفسا إلّا وسعها " ولكنّ ترك أكل طعام الرّبا في غاية السّهولة، واعتقاد الحلال حلالا والحرام حراما إنّما هو في الحلال والحرام القطعيّين اللّذين يكفّر جاحدهما، وفي الظّنيّات ليس كذلك. وكم من أمور مباحة عند الحنفيّة غير مباحة عند الشّافعيّة وبالعكس.

قسم V01/P152–V01/P153

ففيما نحن فيه إذا توقّف شخص في حلّيّة القرض بالفيض لمن يشكّ في احتياجه لكونه مخالفا في الظّاهر حكم النّصّ القطعيّ لا ينبغي تضليله وتكليفه باعتقاد حلّيّته، بل الرّاجح أنّ الصّواب في جانبه، بل هذا متيقّن ومخالفه في خطر. (ونقل) بعض أصحابكم أنّ مولانا عبد الفتّاح قال يوما في حضوركم: لو وجد قرض بلا فيض فهو حسن فلماذا يستقرض الإنسان بالفيض فزجرتموه قائلا لا تنكر الحلال. (أيّها المخدوم)، إنّ امثال هذه الكلمات لها مساغ ومجال في الحلال القطعيّ، وأمّا إن كان مشكوكا في حلّيّته فلا شكّ أنّ تركه أولى. وأهل الورع لا يأمرون بالرّخصة بل يدلّون على العزيمة، وقد أفتى علماء لاهور بالحلّيّة بعلّة الإحتياج وذيل الإحتياج واسع بحيث لو مدّ لا يبقى ربا أصلا، ويكون الحكم القطعيّ بحرمة الرّبا عبثا كما سبق آنفا، وكان ينبغي لهم ملاحظة أنّ إطعام الغير أيّ قسم هو من احتياج المستقرض بالفيض، ورواية القنية مجوّزة للاستقراض بالفيض بعد اللّتيّا، والّتي في حقّ المحتاج نفسه فقط لا في حقّ الغير. فإن قيل: يجوز أن يطبخ المحتاج هذا الطّعام للإطعام بنيّة كفّارة اليمين أو الظّهار أو غيرهما ولا شكّ أنّه محتاج إلى أداء هذه الكفّارات. (أقول): إذا لم يكن فيه استطاعة الإطعام يصوم لها لا إنّه يستقرض بالفيض ويكفّر عنها. وكلّ ما يظهر من أقسام الإحتياج من هذا القبيل يندفع بأدنى تأمّل وتوجّه ببركة التّقوى " ومن يتّق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " والزّيادة على ذلك إطناب والسّلام عليكم وعلى من اتّبع الهدى. المكتوب الثّالث والمائة إلى السّيّد فريد في بيان معنى العافية وطلب القاضي لبلد سرهند رزقنا الله سبحانه وإيّاكم العافية والمراد بالعافية المطلوبة ما كان واحد من الأعزّة يدعو الله سبحانه دائما ويتمنّى منه عزّ وجلّ عافية يوم واحد. فسأله شخص أنّ جميع هذه الأوقات الّتي تمرّ عليك اليست تمرّ عليك على عافية؟ قال بل أريد أن يمرّ عليّ يوم لا أرتكب فيه معصية من معاصي الله تعالى من الفجر إلى المغرب وقد مضت مدّة وليس في سرهند قاض ويقع إجراء بعض الأحكام الشّرعيّة بهذا السّبب في التّوقّف مثلا أنّ لي ابن أخ وبقي له ميراث من أبويه وليس له وصيّ والتّصرّف في ذلك المال بلا إذن شرعيّ غير جائز فإن كان هنا قاض لأمكن التّصرّف فيه بإذنه. المكتوب الرّابع والمائة إلى قضاة بعض القصبة في التّعزية اعلموا أنّ مصيبة فوت المغفور له وإن كانت شديدة جدّا ومستصعبة ولكن لا بدّ للعبد من الرّضا بفعل الحقّ سبحانه وتعالى. فإنّا لم نخلق للبقاء في الدّنيا بل للعمل فينبغي السّعي في العمل، فإن ذهب المرحوم بعمله لا ضير فيه بل هو ملك الموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب ثابت في شأنه ليست المصيبة للفوت بل لحال القادم إلى الحبيب أنّه كيف يعامل به، فينبغي الإمداد بالدّعاء والإستغفار والتّصدّق قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما الميّت إلّا كالغريق المتغوّث ينتظر دعوة تلحقه من أب أو أمّ أو أخ أو صديق فإذا لحقته كان أحبّ إليه من الدّنيا وما فيها وإنّ الله تعالى ليدخل على أهل القبور من دعاء أهل الأرض أمثال الجبال من الرّحمة وإنّ هديّة الأحياء إلى الأموات استغفار لهم. وبلغ المكتوب الشّريف والهواء البارد شديد على الفقراء جدّا وإلّا ما كنت أتأخّر وكتب التّفويض مؤكّدا ينفع إن شاء الله تعالى. والزّيادة على ذلك تصديع والدّعوات الكثيرة مبذولة للقاضي حسن وسائر الأعزّة وليكونوا راضين بفعل الحقّ سبحانه وشاكرين عليه تعالى في جميع الأمور.

قسم V01/P153–V01/P155

المكتوب الخامس والمائة إلى الحكيم عبد القادر في بيان أنّ المريض ما لم يصحّ ولم يبرأ لا ينفعه غذاء أصلا وما يناسبه قد تقرّر عند الحكماء أنّ المريض ما دام مريضا لا ينفعه غذاء أصلا ولو كان من أعزّ الأكل وأحسنه، بل هو مقوّ لمرضه (ع) ألا كلّ ما نال العليل عليل فيشتغلون أوّلا بفكر إزالة مرضه ثمّ يجتهدون في تحصيل القوّة بأغذية مناسبة لمزاجه وحاله بالتّدريج، فكذلك الإنسان ما دام مبتلى بمرض القلب كما قال تعالى " في قلوبهم مرض " لا تنفعه عبادة وطاعة أصلا بل هي مضرّة له " ربّ تال للقرآن والقرآن يلعنه " حديث معروف " وربّ صائم ليس من صيامه الّا الجوع والظّمأ " خبر صحيح فأطبّاء القلوب أيضا يأمرون أوّلا بإزالة المرض وذلك المرض عبارة عن تعلّق القلب بغير الحقّ سبحانه وتعالى بل هو تعلّق الإنسان بنفسه، فإنّ الإنسان كلّما يحبّه ويطلبه إنّما يحبّه ويطلبه لنفسه، فإن أحبّ أولاده يحبّهم لنفسه وكذلك الأموال والرّياسة والجاه، فمعبوده في الحقيقة هو نفسه. فما دام الإنسان لم يتخلّص من هذا التّعلّق والإرتباط لا وجه لرجاء النّجاة ففكر إزالة هذا المرض لازم للعلماء أولي الألباب والحكماء ذوي الأبصار (ع) ويكفي من له فهم إشارة المكتوب السّادس والمائة إلى محمّد صادق الكشميريّ في بيان أنّ محبّة هذه الطّائفة المتفرّعة على معرفتهم من أجل نعم الله جلّ شأنه قد وصل المكتوب المرغوب المنبئ عن فرط المحبّة وكمال المودّة لله سبحانه المنّة على ذلك فإنّ محبّة هذه الطّائفة الّتي هي متفرّعة على معرفتهم من أجل نعم الله سبحانه، ويا سعادة من يتشرّف بها. قال شيخ الإسلام الهرويّ قدّس سرّه: إلهي ما هذا الّذي جعلت أولياءك على وجه: من عرفهم وجدك وما لم يجدك لم يعرفهم، وبغض هذه الطّائفة سمّ قاتل والطّعن فيهم موجب للحرمان الأبديّ. نجّانا الله سبحانه وإيّاكم من هذا الإبتلاء. وقال شيخ الإسلام أيضا: إلهي كلّ من أردت سقوطه فأسقطه علينا يعني أوقعه بغيبتنا وملامتنا (شعر) ومن لم يعنه مهيمن وخواصّه . الأمر في خطر ولو هو من ملك وهذه الإنابة الّتي أنعم الله عليك بتجديدها، ينبغي لك أن تعتقدها نعمة عظيمة وأن تسأل الله سبحانه الإستقامة عليها. والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. المكتوب السّابع والمائة إلى محمّد صادق الكشميريّ أيضا في أجوبة أسئلته الّتي كتبها إليه وفيه فوائد ضروريّة نافعة في التّسليم لهذه الطّائفة أسعدنا الله سبحانه بسعادة الإيمان بهذه الطّائفة. قد وصل الكتاب الّذي أرسلته مشتملا على أسئلة، والسّؤال الّذي فيه رائحة التّعنّت والتّعصّب وإن كان لا يستحقّ الجواب ولكن نتصدّى على جوابه على سبيل التّنزّل فإن لم ينفع شخصا لعلّه ينفع آخر. (السّؤال الأوّل) ما السّبب في كثرة ظهور الكرامات وخوارق العادات من الأولياء المتقدّمين وقلّة ظهورها من أكابر هذا الزّمان؟ فإن كان المقصود من هذا السّؤال نفي أكابر هذا الزّمان بواسطة قلّة ظهور الخوارق منهم، كما هو المفهوم من فحوى العبارة فالعياذ بالله سبحانه من تسويلات الشّيطان. فإنّ ظهور الخوارق ليس من أركان الولاية ولا من شرائطها بخلاف المعجزة من النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام فإنّها من شرائط مقام النّبوّة، ومع ذلك انّ ظهور الخوارق من أولياء الله تعالى شائع ذائع قلّما يتخلّف عنهم. ولكنّ كثرة ظهور الخوارق لا تدلّ على الأفضليّة، فإنّ التّفاضل هناك باعتبار درجات القرب الإلهيّ جلّ سلطانه، بل يمكن أن يكون ظهور الخوارق من الوليّ الأقرب أقلّ ومن الأبعد أكثر. ألا ترى أنّ الخوارق الّتي ظهرت من بعض أولياء هذه الأمّة لم يظهر عشر عشيره من الأصحاب الكرام رضوان الله عليهم أجمعين مع أنّ أفضل الأولياء لا يبلغ مرتبة أدنى الصّحابة.

قسم V01/P155–V01/P156

فالنّظر إلى ظهور الخوارق من قصور النّظر ودليل على قصور الإستعداد التّقليديّ، والمستحقّ لقبول فيوض النّبوّة والولأية جماعة غلّب فيهم الإستعداد التّقليديّ على قوّتهم النّظريّة والصّدّيق الأكبر رضي الله عنه بواسطة قوّة استعداده التّقليديّ لم يحتج في تصديق النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام إلى قول " لم " أصلا وأبو جهل اللّعين بواسطة قصور هذا الاستعداد فيه لم يتشرّف بتصديق النّبوّة مع وجود ظهور آيات باهرة ومعجزات قاهرة وقال الله في شأن هؤلاء المنكرين المحرومين " وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها حتّى إذا جاؤك يجادلونك يقول الّذين كفروا إن هذا الّا أساطير الأوّلين " على أنّا نقول: إنّ ظهور الخوارق لم ينقل من أكثر المتقدّمين في طول عمرهم أزيد من خمسة أو ستّة خوارق حتّى أنّ الجنيد سيّد هذه الطّائفة لم يدر هل نقل عنه عشرة خوارق أو لا، ولقد أخبر الله سبحانه عن حال كليمه على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام بقوله عزّ من قائل " ولقد آتينا موسى تسع آيات بيّنات " ومن أين يعلم عدم ظهور أمثال هذه الخوارق من مشائخ هذا الوقت بل لأولياء الله تعالى متقدّميهم ومتأخّريهم في كلّ ساعة ظهور خوارق يعرفها المدّعي أم لا، (شعر): ما ضرّ شمس الضّحى في الافق طالعة . أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر (والثّاني) أنّه هل يكون لالقاء الشّيطان دخل في كشف الطّالبين الصّادقين وشهودهم فإن كان فيماذا يعلم ويتّضح أنّه كشف شيطانيّ وإن لم يكن فما السّبب في وجود الغلط في بعض الامور الملهمة (والجواب) الله أعلم بالصّواب لا أحد محفوظ من القاء الشّيطان كيف وإذا كان ذلك متصوّرا في الأنبياء بل متحقّقا فبالطّريق الأولى أن يكون في الأولياء ومن هو الطّالب الصّادق بعد. (غاية) ما في الباب أنّ الأنبياء ينبّهون على هذا الإلقاء ويميّز الباطل من الحقّ قوله تعالى (فينسخ الله ما يلقى الشّيطان ثمّ يحكم الله آياته) تنبيه دالّ على هذا المعنى وليس هذا التّنبيه بلازم في الأولياء فإنّهم تابعون للنّبيّ فكلّما وجدوه على خلاف ما جاء به النّبيّ يردّونه ويرون بطلانه وأمّا في صورة سكتت عنها الشّريعة ولم تحكم بإثباتها ونفيها فامتياز الحقّ عن الباطل فيها بطريق القطع مشكل فإنّ الإلهام ظنّيّ ولكن لا يتطرّق القصور إلى الولاية بسبب عدم ذلك الإمتياز أصلا فإنّ إتيان أحكام الشّريعة ومتابعة النّبيّ متكفّل بنجاة الدّارين والأمر المسكوت عنه زائد على الشّريعة ونحن لم نكلّف بالامور الزّائدة. وممّا ينبغي أن يعلم: أنّ الغلط في الكشف غير منحصر في إلقاء شيطانيّ فإنّه ربّما يتخيّل أحكام غير صادقة في القوّة المتخيّلة لا مدخل للشّيطان فيها أصلا ومن هذا القبيل رؤية النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في المنام والاخذ عنه بعض الأحكام ممّا الحق في الحقيقة خلاف تلك الأحكام والحال أنّ إلقاء الشّيطان غير متصوّر في تلك الصّورة فإنّ مختار العلماء أنّ الشّيطان لا يتمثّل بصورة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام على أيّ صورة يرى فليس في تلك الصّورة إلّا تصرّف المتخيّلة بإلقاء غير الواقعيّ واقعيّا (والثّالث) أنّ التّصرّف بطريق الكرامة والتّصرّف بطريق الإستدراج متساويان في بادي النّظر فكيف يعرف المبتدي أنّ هذا وليّ صاحب كرامة وذاك مدّع كذّاب صاحب استدراج (الجواب) والله أعلم بالصّواب أنّ الدّليل في هذه التّفرقة واضح للطّالب المبتدي وهو وجدانه الصّحيح فإنّه إن وجد قلبه مائلا ومنجذبا إلى الحقّ سبحانه وحاضرا معه تعالى في صحبته فليعلم أنّه وليّ صاحب كرامة وإن وجد خلاف ذلك فليتيقّن أنّه مدّع كذّاب صاحب استدراج فإن كان في ذلك خفاء فإنّما هو النّسبة إلى العوامّ كالأنعام دون الطّالبين والخفاء على العوامّ ساقط عن حيّز الإعتبار عند الخواصّ فإنّ منشأه مرض القلب وغشاوة البصر.

قسم V01/P156–V01/P157

وكم من شيء خفيت على العوامّ علمها أشدّ ضرورة من إدراك هذه التّفرقة (ولنختم) هذا المكتوب ببعض المعارف الّذي ينفعك في إزالة مثل هذه الشّكوك والشّبهات (اعلم) أنّ التّخلّق بأخلاق الله الّذي هو مأخوذ في الولاية يعني داخلا فيها هو أن يحصل للأولياء صفات مناسبة لصفات الواجب تعالى ولكن تكون المناسبة في الإسم والمشاركة في عموم الصّفات لا في خواصّ المعاني فإنّ ذلك محال ومستلزم لقلب الحقائق (قال) الخواجه محمّد ? ارسا قدّس سرّه في تحقيقاته في مقام بيان " تخلّقوا بأخلاق الله ": (والصّفة الاخرى) الملك ويعني الملك المتصرّف في الكلّ والسّالك، وإن كان متصرّفا في نفسه وقادرا على قهرها وكان تصرّفه نافذا في القلوب يكون موصوفا بهذه الصّفة (والصّفة الاخرى) السّميع فإن سمع السّالك الكلام الحقّ وقبله من كلّ أحد من غير استنكاف وفهم الأسرار الغيبيّة والحقائق اللّارّيبيّة بسمع روحه يكون موصوفا بهذه الصّفة (والصّفة الاخرى) البصير فإن كان بصر بصيرة سالك الطّريق بصيرا ورأى جميع عيوب نفسه بنور الفراسة وشاهد كمال غيره يعني اعتقد أنّ كلّ أحد أفضل منه وكان كون الحقّ سبحانه بصيرا منظورا في نظره بحيث يعمل كلّما يعمله على وجه يكون موجبا لقبول الحقّ سبحانه يكون موصوفا بهذه الصّفة (والصّفة الاخرى) المحيي فإن قام سالك الطّريق بإحياء السّنّة المتروكة يكون موصوفا بهذه الصّفة (والصّفة الاخرى) المميت فإن منع السّالك البدعات الّتي استعملوها مكان السّنّة يكون موصوفا بهذه الصّفة وعلى هذا القياس سائر الصّفات. وفهم العوامّ في معنى " تخلّقوا بأخلاق الله " شيئا آخر فلا جرم وقعوا في تيه الضّلالة وزعموا أنّ الولىّ لا بدّ له من إحياء الجسد الميّت وأن ينكشف له أكثر المغيّبات وأمثال ذلك وهو كما ترى من الظّنون الفاسدة انّ بعض الظّنّ إثم (وأيضا) انّ الخوارق غير منحصرة في الإحياء والإماتة فإنّ العلوم والمعارف الإلهاميّة من أعظم الآيات وأرفع الخوارق ولهذا كان معجز القرآن العظيم أقوى وأبقى في سائر المعجزات (ينبغي) أن يمعن النّظر من أين تحصل هذه العلوم والمعارف الّتي تفاض كمطر الرّبيع وهذه العلوم مع كثرتها موافقة للعلوم الشّرعيّة بالتّمام لا مخالفة بينهما مقدار شعرة وهذه الخصوصيّة علامة صحّة العلوم وقد كتب حضرة شيخنا قدّس سرّه أنّ علومك كلّها صحيحة ولكن ما الفائدة فإنّ كلام حضرة شيخنا لا يكون حجّة عليكم وإن زعمتم أنّكم منقادون إلى الشّيخ وماذا نكتب أزيد من ذلك وأسئلتك هذه وإن كانت ثقيلة أوّلا ولكن لمّا كانت باعثة على ظهور هذه العلوم والمعارف كانت حسنة في الآخر، (شعر): هي? زشتى نيست كورا خوبئى همراه نيست . زنكى شب رنك را دندان ? و در كوهرست (ترجمة) وما من قبيح ليس فيه ملاحة . ألم تر سنّ الزّنج كالشّهب في الدّجى والعجب أنّك أظهرت في المكتوب السّابق إخلاصا كثيرا وزعمت أنّ سببه ظهور واقعتين متعاقبتين وكتبت أنّ أثرهما يوجد في الإقامة أيضا على حدّ تحقّقت النّدامة على الوضع السّابق بالتّمام والجأت إلى التّوبة والإنابة وتجديد الإيمان ولم يمض على ذلك شهر واحد حتّى فهم منك التّغيّر عن هذا الوضع وحصل الإنتقال والتّحوّل إلى الوضع السّابق برجوع القهقرى حتّى صرت في أبدأ وجه لهاتين الواقعتين ينجرّ إلى أنّهما كانتا بإلقاء الشّيطان أو بغلط الكشف فما ذاك وما هذا، (شعر): تقول فلان يفعل الشّرّ قلت لا . يضرّ علينا بل عليه وباله وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات.

قسم V01/P157–V01/P159

المكتوب الثّامن والمائة إلى السّيّد أحمد في بيان أنّ النّبوّة أفضل من الولاية على عكس ما قيل إنّ الولاية أفضل من النّبوّة ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم وجميع المسلمين على متابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها قال بعض المشائخ وقت السّكر: إنّ الولاية أفضل من النّبوّة وأراد بعضهم بهذه الولاية ولأية النّبيّ ليرتفع وهم أفضليّة الوليّ من النّبيّ ولكنّ الأمر على العكس في الحقيقة فإنّ نبوّة نبيّ أفضل من ولايته وفي الولاية إنّما لا يمكن التّوجّه إلى الخلق من ضيق الصّدر وفي النّبوّة تمام انشراح الصّدر بحيث لا يكون التّوجّه إلى الحقّ مانعا من التّوجّه إلى الخلق ولا التّوجّه إلى الخالق مانعا من التّوجّه إلى الحقّ سبحانه وليس التّوجّه في النّبوّة إلى الخلق فقط حتّى تترجّح الولاية بسببه عليها لكون التّوجّه فيها إلى الحقّ عياذا بالله سبحانه من هذا الكلام فإنّ التّوجّه إلى الخلق وحده مرتبة العوامّ كالأنعام وشأن النّبوّة أعلى وأجلّ من ذلك وفهم هذا المعنى إن كان عسيرا فإنّما هو بالنّسبة إلى أرباب السّكر وأمّا الأكابر مستقيمو الأحوال فهم ممتازون بمعرفة ذلك (ع) هنيئا لارباب النّعيم نعيمها وبقيّة المقصود أنّ الشّيخ ميان عبد الله ابن الشّيخ ميان عبد الرّحيم له قرابة قريبة لهذا الفقير وكان والده ملازما لبهادر خان مدّة كثيرة وله احتياج وهو معذور عاجز عن الكسب لكونه ضريرا وقد أرسل ابنه ليكون عند بهادر خان فإن صدرت من ذلك الجانب أيضا إشارة في هذا الباب لكان حسنا والسّلام. المكتوب التّاسع والمائة إلى الحكيم صدر في بيان سلامة القلب ونسيانه ما دون الحقّ سبحانه اعلم: أنّ أهل الله أطبّاء الأمراض القلبيّة وإزالة العلل الباطنيّة منوطة بتوجّه هؤلاء الأكابر، كلامهم دواء ونظرهم شفاء هم قوم لا يشقى جليسهم وهم جلساء الله بهم يمطرون وبهم يرزقون ورأس الأمراض القلبيّة ورئيس العلل الباطنيّة هو تعلّق القلب وارتباطه بما دون الحقّ سبحانه وتعالى وما لم يتيسّر التّخلّص من هذا التّعلّق بالتّمام فالسّلامة محال فإنّه لا مجال للشّركة في جناب الحقّ جلّ سلطانه ألا لله الدّين الخالص فكيف إذا جعل الشريك غالبا وجعل محبّة غير الحقّ غالبة على محبّته تعالى على نهج تكون محبّته تعالى معدومة في جنبها أو مغلوبة غاية الوقاحة ونهاية عدم الحياء ولعلّ المراد من الحياء في قوله عليه السّلام " الحياء من الإيمان " هو هذا الحياء وعلامة عدم تعلّق القلب بما سواه تعالى نسيانه إيّاه بالكلّيّة وذهوله عنه جملة على وجه لو كلّف بتذكّر الأشياء لما تذكّر فكيف يكون لتعلّق القلب بالأشياء مجال في ذلك الموطن وهذه الحالة معبّرة عنها عند أهل الله بالفناء وهو أوّل قدم يوضع في الطّريقة ومبدأ ظهور أنوار القدم ومنشأ ورود المعارف والحكم وبدونها خرط القتاد. المكتوب العاشر والمائة إلى الشّيخ صدر الدّين في بيان أنّ المقصود من خلق الإنسان أداء وظائف السّلوك وكمال الإقبال على جناب الحقّ سبحانه وتعالى بلّغكم الله سبحانه وتعالى إلى منتهى نهاية أرباب الكمال واعلم أنّ المقصود من خلق الإنسان هو أداء وظائف العبوديّة ودوام الإقبال على جناب الحقّ سبحانه وهذا المعنى لا يتيسّر بدون التّحقّق بكمال اتّباع سيّد الأوّلين والآخرين عليه من الصّلوات أكملها ومن التّحيّات أيمنها ظاهرا وباطنا رزقنا الله سبحانه وإيّاكم كمال متابعته صلّى الله عليه وسلّم قولا وفعلا ظاهرا وباطنا عملا واعتقادا آمين يا ربّ العالمين، (شعر): وما اتّخذوا غير الإله فباطل .

قسم V01/P159–V01/P160

فتعسا لمن يختار ما كان باطلا وكلّ ما هو مطلوب غير الحقّ سبحانه ومقصود فهو معبود وإنّما تحصل النّجاة من عبادة غير الحقّ سبحانه إذا لم يبق غير الحقّ مقصود جلّ وعلا وإن كان ذلك الغير من المقاصد الاخرويّة وتنّعمات الجنّة فإنّ المقاصد الاخرويّة وإن كانت من الحسنات لكنّها عند المقرّبين من جملة السّيّئات فإذا كان حال أمور الآخرة على هذا المنوال ما تقول في الامور الدّنياويّة فإنّ الدّنيا مبغوضة الحقّ سبحانه بحيث لم ينظر إليها منذ خلقها وحبّها رأس كلّ خطيئة وطلّابها مستحقّون للطّرد واللّعن: «الدّنيا ملعونة وملعون ما فيها الّا ذكر الله تعالى» نجّانا الله تعالى من شرّها وشرّ ما فيها بحرمة حبيبه محمّد سيّد الأوّلين والآخرين عليه الصّلاة والسّلام. المكتوب الحادي عشر والمائة إلى الشّيخ أحمد السّنبهليّ في بيان أنّ التّوحيد عبارة عن تخليص القلب عمّا دون الحقّ سبحانه وتعالى وما يناسبه الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى (اعلم) أنّ التّوحيد عبارة عن تخليص القلب عن التّوجّه إلى ما دون الحقّ سبحانه وما دام القلب متعلّقا بما سواه تعالى وإن كان أقلّ قليل لا يكون صاحبه من أرباب التّوحيد ومجرّد قول التّوحيد واعتقاد التّوحيد من الفضول عند أرباب الفضائل نعم لا بدّ من القول بالتّوحيد واعتقاد التّوحيد الّذي هو معتبر في التّصديق والإيمان لكنّه بمعنى آخر والفرق بين لا معبود الّا الله وبين لا موجود الّا الله بيّن وتصديق الإيمان علميّ والإدراك الوجدانيّ حالة والتّكلّم به قبل حصول الحال محظور وتكلّم طائفة من المشائخ في هذا الباب لا يخلو عن أحد أمرين إمّا أنّهم في ذلك معذورون لكونهم تحت غلبة الحال مستورين أو كان مقصودهم من كتابة الأحوال وإظهارها كونها محطّا ومعيارا لأحوال غيرهم ليعرفوا بها استقامة أحوالهم واعوجاجها والّا فإنشاء الأسرار بدون حصول هذه الدّولة ممنوع جعل الله سبحانه نبذة من أحوال أرباب الكمال نصيبا لامثالنا المدبرين ورزقنا الإستقامة على متابعة السّنّة السّنيّة المصطفويّة على مصدرها الصّلاة والسّلام والتّحيّة بحرمة النّبيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات. وبقيّة التّصديع أنّ حامل رقيمة الدّعاء الشّيخ الحافظ ميان عبد الفتّاح من أولاد الكبار وكثير العيال خصوصا البنات واضطرّته قلّة أسباب المعيشة إلى أن يوصّل نفسه إلى باب الكرام والمرجوّ وصوله إلى ما قصده ورام يعني بيمن التفاتكم الخاصّ به والعامّ والزّيادة عن ذلك تصديع. المكتوب الثّاني عشر والمائة إلى الشّيخ عبد الجليل في بيان أنّ المدار في التّحقيق على عقائد أهل السّنّة والجماعة إلخ حقّقنا الله سبحانه وتعالى شأنه وأمثالنا المفلسين بحقيقة معتقدات أهل الحقّ يعني أهل السّنّة والجماعة وجعل التّوفيق للأعمال المرضيّة نقد الوقت وأنعم علينا بالأحوال الّتي هي ثمرات هذه الأعمال وجذبه إلى جناب قدسه بالتّمام والكمال (ع) هذا هو الأمر والباقي من العبث فإنّ الأحوال والمواجيد الحاصلة بدون التّحقّق بمعتقدات هذه الفرقة النّاجية لا أعدّها شيئا سوى الإستدراج وما أظنّها غير الخذلان والحرمان فإن اعطينا مع دولة الإتّباع لهذه الفرقة النّاجية شيئا نكن ممنونين ونجتهد في أداء شكره وإن اعطينا هذا الإتّباع فقط ولم نعط الأحوال والمواجيد أصلا لا نغتمّ ولا نحزن بل نرضى به ونقول هذا أولى وأحسن. وما ظهر من بعض المشائخ قدّس الله أرواحهم وقت غلبة الحال والسّكر من بعض العلوم والمعارف المنافية لآراء أهل الحقّ الصّائبة لما كان منشؤها كشفا فهم معذورون في ذلك ونرجو أن لا يؤاخذوا بذلك يوم القيامة بل لهم حكم المجتهد المخطئ فيكون له أجر واحد والحقّ في جانب علماء أهل الحقّ شكر الله سعيهم فإنّ علوم العلماء مقتبسة من مشكاة النّبوّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة المؤيّدة بالوحي القطعيّ ومستند معارف الصّوفيّة الكشف والإلهام اللّذان للخطأ سبيل فيهما وعلامة صحّة الكشف والإلهام مطابقتهما بعلوم علماء أهل السّنّة والجماعة فإن وقعت المخالفة ولو مقدار شعرة فخارج من دائرة الصّواب هذا هو العلم الصّحيح والحقّ الصّريح فماذا بعد الحقّ الّا الضّلال.

قسم V01/P160–V01/P162

رزقنا الله سبحانه وإيّاكم الإستقامة على متابعة سيّد المرسلين ظاهرا وباطنا عملا واعتقادا عليه وعلى آله من الصّلوات أكملها ومن التّسليمات أفضلها والسّلام عليكم وعلى من اتّبع الهدى. المكتوب الثّالث عشر والمائة إلى جمال الدّين حسين في بيان الفرق بين جذبة المبتدئ وبين جذبة المنتهي وأنّ مشهود المجذوبين في الإبتداء ليس الّا الرّوح الّتي هي فوق مقام القلب وأنّهم يتخيّلون أنّ ذلك الشّهود شهود الحقّ سبحانه الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى اعلم أنّ الإنجذاب والإنجرار لا يكون الّا إلى مقام هو فوق مقام السّالك لا إلى ما فوق مقامه وكذا الحال في الشّهود ونحوه فليس للمجذوبين الّذين لا سلوك لهم بعد بل لهم في مقام القلب انجذاب إلى مقام الرّوح الّذي فوق مقام القلب والإنجذاب الإلهيّ إنّما هو في جذبة المنتهي الّتي لا مقام فوقها وأمّا جذبة البداية فليس المشهود فيها الّا الرّوح المنفوخ يعني في آدم عليه السّلام ولمّا كانت الرّوح مخلوقة على صورة أصله إنّ الله خلق آدم على صورته اعتقدوا شهود الرّوح شهود الحقّ تعالى وتقدّس وحيث كانت للرّوح مناسبة قليلة مع عالم الأجسام أطلقوا على ذلك الشّهود أحيانا شهود الاحديّة في الكثرة وأحيانا قالوا بالمعيّة وشهود الحقّ جلّ وعلا لا يتصوّر بدون حصول الفناء المطلق الّذي يتحقّق في نهاية السّلوك، (شعر): ومن لم يكن في حبّ مولاه فانيا . فليس له في كبرياه سبيل وليس لهذا الشّهود مساس بالعلم أصلا والفرق بين الشّهودين أنّه لو كانت له مناسبة بالعالم بوجه من الوجوه فليس هو شهود الحقّ سبحانه فإن انتفت المناسبة أصلا فهو علامة الشّهود الإلهيّ جلّ وعلا وإطلاق الشّهود هنا إنّما هو بواسطة ضيق العبارة والّا فالنّسبة لا مثليّة ولا كيفيّة كالمنتسب إليه لا يحمل عطايا الملك الّا مطاياه. المكتوب الرّابع عشر والمائة إلى الصّوفيّ قربان في التّحريض على متابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات شرّفنا الله سبحانه وأمثالنا المفلسين العاجزين المقعدين بدولة اتّباع سيّد الأوّلين والآخرين الّذي أبرز كمالاته الأسمائيّة والصّفاتيّة في طفيل محبّته إلى عرصة الظّهور وجعله أفضل جميع الكائنات عليه من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها ورزقنا الإستقامة عليه فإنّ ذرّة من هذه المتابعة المرضيّة أفضل من جميع التّلذّذات الدّنيويّة والتّنعّمات الاخرويّة بمراتب كثيرة والفضيلة منوطة بمتابعة سنّته والمزيّة مربوطة بإتيان شريعته عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة والنّوم في نصف النّهار مثلا الواقع على وجه هذه المتابعة أفضل من إحياء ألوف من اللّيالي الواقع على غير وجه المتابعة وكذلك الإفطار في يوم عيد الفطر الّذي أمرت الشّريعة به أفضل من صيام أبد الآباد الّذي لم يؤخذ من الشّريعة وإعطاء حبل بأمر الشّارع أفضل من إنفاق جبل من الذّهب من قبل نفسه صلّى عمر رضي الله عنه مرّة صلاة الصّبح بالجماعة ثمّ تفقّد الأصحاب رضي الله عنهم فلم ير فيهم شخصا منهم فسألهم عنه فقيل: إنّه يحيي اللّيالي كلّها ولعلّ النّوم غلب عليه في هذا الوقت. فقال: لو نام اللّيل كلّه وصلّى صلاة الصّبح بجماعة لكان أفضل ألا ترى أنّ أهل الضّلالة مع ارتكابهم الرّياضات الكثيرة والمجاهدات الشّديدة ليس لهم اعتبار أصلا بل هم أذلّاء يعني عند الله تعالى وذلك لعدم موافقة أعمالهم الشّريعة الحقّة فإن ترتّب أجر على تلك الأعمال الشّاقّة فهو مقصور على بعض المنافع الدّنيويّة وما جميع الدّنيا وكلّها حتّى يعتبر بعضها ومثلهم مثل الكنّاس رياضته أزيد من رياضة الكلّ وأجرته أقلّ من أجرة الكلّ ومثل متابعي الشّريعة مثل جماعة يعملون في الجواهر النّفيسة بالماسات لطيفة عملهم في نهاية القلّة وأجرهم في غاية الرّفعة حتّى أنّ عمل ساعتهم يساوي أجر مائة الف والسّرّ في ذلك أنّ العمل إذا وقع موافقا للشّريعة فهو مرضيّ الحقّ سبحانه وخلافها غير مرضيّه تعالى فكيف يكون غير المرضيّ محلا للثّواب بل هو موقع العقاب والشّاهد لهذا المعنى في هذا العالم المجازيّ واضح يظهر بأدنى التفات، (شعر): كلّ ما نال العليل علّة .

قسم V01/P162–V01/P164

والّذي مال النّبيل ملّة فرأس جميع السّعادات وأصلها متابعة السّنّة وهيولى جميع الفسادات ومادّتها مخالفة الشّريعة ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على متابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات والسّلام. المكتوب الخامس عشر والمائة إلى الشّيخ عبد الحقّ الدّهلويّ في بيان أنّ الطّريق الّذي نحن في صدد قطعه كلّه سبعة أقدام (ع) وأحسن ما يملى حديث الأحبّة اعلم أنّ الطّريق الّذي نحن في صدد قطعه سبعة أقدام قدمان في عالم الخلق وخمسة أقدام في عالم الأمر ففى أوّل قدم توضع في عالم الأمر يظهر التّجلّي الأفعاليّ وفي الثّانية التّجلّي الصّفاتيّ وفي الثّالثة يقع الشّروع في التّجلّيات الذّاتيّة ثمّ وثمّ على تفاوت درجات الكمالات كما لا يخفى على أربابها كلّ ذلك منوط بمتابعة سيّد الأوّلين والآخرين عليه من الصّلوات أكملها ومن التّسليمات أفضلها وما قيل إنّ هذا الطّريق خطوتان فالمراد بهما عالم الخلق وعالم الأمر على سبيل الإجمال تسهيلا للأمر في نظر الطّالبين وحقيقة الأمر ما حقّقته بتوفيق الله سبحانه هذا. المكتوب السّادس عشر والمائة إلى الملّا عبد الواحد اللّاهوريّ في بيان أنّ سلامة القلب موقوفة على نسيان ما سواه تعالى وزواله من القلب بالكلّيّة وفي المنع من كثرة الإشتغال بالدّنيا الدّنيّة لئلّا تحصل الرّغبة فيها وصل مكتوبكم المرغوب واتّضح ما اندرج فيه من بيان سلامة القلب نعم إنّ سلامة القلب موقوفة على نسيان الغير وزواله من القلب على حدّ لو كلّف تذكّره لا يتذكّر فعلى هذا التّقدير لا معنى لخطور الغير وهذه الحالة معبّر عنها بفناء القلب وأوّل قدم توضع في هذا الطّريق ومبشّرة بكمالات مراتب الولاية على تفاوت درجات الإستعدادات. (ينبغي) للعاقل أن يكون عالي الهمّة وأن لا يقنع بالجوز والموز إنّ الله يحبّ معالي الهمم وفي كثرة الإشتغال بأمرر دنياويّة خوف الرّغبة في هذه الامور الدّنيّة ولا تغترّ بهذا القدر من سلامة القلب فإنّ للرّجوع إمكانا فلا ينبغي الإقدام على الاشغالات الدّنيويّة مهما أمكن لئلّا تظهر الرّغبة فيها فتقع في الخسارة عياذا بالله سبحانه. الكناسة في الفقر أفضل من القعود في صدر المجلس في الغنى ينبغي صرف جميع الهمّة في أن يختار معيشة أيّام في الفقر والبأس فرّ من الغنى وأربابه اكثر ممّا تفرّ من الأسد والسّلام. المكتوب السّابع عشر والمائة إلى الملّا يار محمّد البدخشىّ القديم في أنّ القلب تابع للحسّ في الإبتداء ولا تبقى تلك التّبعيّة في الإنتهاء لعلّ مولانا يار محمّد لم ينس أنّ القلب تابع للحسّ مدّة فلا جرم كلّ ما هو بعيد عن الحسّ يكون بعيدا عن القلب وحديث من لم يملك عينه فليس القلب عنده وارد في هذه المرتبة. فإذا لم تبق تبعيّة القلب للحسّ في نهاية الأمر لا يؤثّر بعد الشّيء عن الحسّ في بعده عن القلب بل يكون الشّيء قريبا بحسب القلب وإن كان بعيدا بحسب الحسّ ولهذا لم يجوّز مشائخ الطّريقة مفارقة المبتدئ والمتوسّط صحبة الشّيخ الكامل المكمّل وبالجملة بحكم ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه ينبغي أن تكون على هذا الطّريق وأن تجتنب عن صحبة غير الجنس على أبلغ الوجوه وأن تغتنم صحبة الشّيخ ميان مزّمّل معتقدا قدومه مقدّمة السّعادة وكن في صحبته في أكثر الأوقات فإنّه عزيز الوجود جدّا والسّلام. المكتوب الثّامن عشر والمائة إلى الملّا قاسم علي البدخشيّ في بيان خسارة جماعة يعترضون على أهل الله قد وصل الكتاب الّذي أرسله محبّنا مولانا القاسم عليّ واتّضح مضمونه قال الله تعالى (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها) وقال الخواجه عبد الله الأنصاريّ: إلهي إذا أردت أن تهلك أحدا فأطرحه علينا، (شعر): أخاف على قوم من القوم يضحكو . ن أن يسلب الإيمان عنهم ويطردوا حفظ الله سبحانه كافّة المسلمين من إنكار الفقراء والطّعن في الدّراويش بحرمة سيّد البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام.

قسم V01/P164–V01/P165

المكتوب التّاسع عشر والمائة إلى المير محمّد نعمان في التّرغيب في صحبة الشّيخ المقتدى به وبيان أنّ الكملاء يجيزون بعض مريديهم النّاقصين بتعليم الطّريقة أحيانا بواسطة بعض نيّات صالحة وأغراض صحيحة وصل المكتوب من جانب خدمة المير هذا الطّريق يناسب له الجنون وقد ورد في الخبر " لن يؤمن أحدكم حتّى يقال أنّه مجنون» فما كانت به جنّة كان فارغا من تدبير أمور النّاس والأولاد وتيسّرت له الجمعيّة من التّفكّر في كذا وكذا وهذا الجنون مودوع في جبلّتكم ولكنّكم تدفنونه وتكتمونه بعوارض لا طائل فيها فاذا نفعل ويفهم في هذا الكسب عدم المناسبة جدّا ينبغي أن تداركه سريعا وأن ترفع البعد الصّوريّ معتقدا عدم الإستطاعة فإنّ جمعيّة هذه الطّائفة وراء جمعيّة سائر الخلق وأسباب جمعيّة الخلق باعثة على تفرقة هذه الطّائفة فينبغي التّشبّث بأسباب تفرقة الخلق حتّى تحصل الجمعيّة فإن أعطيت هذه الطّائفة جمعيّة في جمعيّة سائر الخلق ينبغي أن يخاف منها وأن يلتجئ إلى جناب الحقّ سبحانه لئلّا تكون تلك الجمعيّة آفة الرّوح ولا ينبغي القياس على أحوال فلان وفلان فإنّ قبل التّمام كلّه مراتب النّقصان على تفاوت درجاتها (ع) ولا تستقلّ صاح فراق الأحبّة وإعطاء الإجازة لتعليم الطّريقة بعض المريدين قبل بلوغ درجة الكمال من عادة مشائخ الطّريقة قال الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه لمولانا يعقوب ال? رخىّ بعد تعليم الطّريقة وتسليكه بعض المنازل: يا يعقوب، كلّ ما وصل منّا إليك أوصله إلى الخلق والحال أنّه قال له تكون بعدي في خدمة علاء الدّين واشتغل هو بأكثر أمره في خدمة الخواجه علاء الدّين حتّى عدّه مولانا عبد الرّحمن الجاميّ في النّفحات في عداد مريدي الخواجه علاء الدّين أوّلا ثمّ نسبه إلى الخواجه النّقشبند ثانيا وبالجملة انّ علاج هذه التّفرقة هو صحبة أرباب الجمعيّة وقد كتبوا مكرّرا ومؤكّدا وسمعنا أيضا أنّ مولانا محمّد صدّيق اختار العسكريّة وترك وضع الفقراء وطورهم الويل كلّ الويل لمن ينحطّ من أعلى علّيّين إلى أسفل سافلين وحاله لا يخلو عن أحد الأمرين إمّا أن يعطى الجمعيّة في العسكريّة أو لا فإن أعطيها فشرّ وإن لم يعط فأشدّ ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنّك أنت الوهّاب والسّلام. المكتوب العشرون والمائة إلى المير محمّد نعمان أيضا في التّحريض على صحبة أرباب الجمعيّة كأنّه طرأ النّسيان على المير حتّى لا يتذكّر بسلام وتحيّة الفرصة قليلة وصرفها إلى أهمّ المهامّ ضروريّ وهو صحبة أرباب الجمعيّة لا تعدل بالصّحبة شيئا أيّاما كان ألا ترى أنّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبارك فضّلوا بالصّحبة على من عداهم سوى الأنبياء عليهم السّلام وإن كان أويسا قرنيّا أو عمر مروانيّا مع بلوغهما نهاية الدّرجات ووصولهما غاية الكمالات سوى الصّحبة فلا جرم كان خطأ معاوية خيرا من صوابهما ببركة الصّحبة وسهو عمرو بن العاص أفضل من صحوهما لما أنّ إيمان هؤلاء الكبراء صار شهوديّا برؤية الرّسول وحضور الملك وشهود الوحي ومعاينة المعجزات وما اتّفق لمن عداهم هذه الكمالات الّتي هي أصول سائر الكمالات كلّها ولو علم أويس فضيلة الصّحبة بهذه الخاصّيّة لم يمنعه مانع من الصّحبة وما آثر شيئا من الأشياء على هذه الفضيلة؛ والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ، (شعر): سكندر را نمى نجشند آبي . بزور وزر ميسر نيست اينكار ترجمة: وذو القرنين لم يظفر بماء . به المحيا بمال أو بقوّة اللهمّ وإن لم تخلقنا في هذه النّشأة في قرن هؤلاء الأكابر فاجعلنا في النّشأة الآخرة محشورين في زمرتهم بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم الصّلوات والتّحيّات والتّسليمات والسّلام.

قسم V01/P165–V01/P167

المكتوب الحادي والعشرون والمائة إلى المير محمّد نعمان أيضا في بيان أنّ هذا الطّريق تقرّر كلّه على سبعة أقدام وأنّه قد وصل بعض أصحابه إلى القدم السّادسة ليعلم خدمة المير بعد مطالعة الدّعوات الوافرة أنّه قد مضت مدّة ولم يطّلع على أحواله ولم يستخبر عن أحوال فقراء هذه الجهة لله سبحانه الحمد والمنّة انّ الفقراء مرفّهو الأحوال ولنبيّن نبذة من أطوارهم أيّها المحبّ الصّادق إنّ هذا الطّريق تقرّر كلّه على سبعة أقدام. وقد أوصل جمع من الإخوان أمرهم إلى ستّة أقدام والبعض الآخر إلى خمسة وطائفة إلى أربعة وفرقة إلى ثلاثة على تفاوت درجاتهم وأصحاب الأقدام الثّلاث أيضا يقدّرون إفادة النّاس يعني الطّريقة فكيف جماعة لهم سبقة القدم ينبغي للعاقل أن يكون عالي الهمّة دون أن يكتفي بكلّ حقير ونقير ولم يسع الوقت الزّيادة على ذلك والسّلام. المكتوب الثّاني والعشرون والمائة إلى الملّا طاهر البدخشيّ في التّحريض على علوّ الهمّة وعدم الإكتفاء بكلّما يتيسّر انّ مولانا طاهرا معذور ومولانا يار محمّد يبيّن وجه الإنتقال وحيث انّ إرادة السّفر إلى جانب الهند مصمّمة فليذهب وليستخبر عن الأهل والعيال الباقي عند التّلاقي مثل مشهور ودوام الحضور والإجتناب عن الإختلاط بالأغيار ضروريّ ينبغي أن يكون عالي الهمّة دون أن يقنع بكلّما يتيسّر، (شعر): ما از ? ي نوريكه بود مشرق أنوار . از مغربي وكوكب ومشكاة كذشتيم ترجمة: ومن أجل نور مشرق كلّ أنور . تجاوزت مشكاة وغربا وكوكبا وأكثر فقراء هذا الزّمان يقيمون في مقام الرّىّ والإكتفاء يعني بشيء يسير فصحبتهم سمّ قاتل فرّ منهم كما تفرّ من الأسد وكن ملازما لهذا الطّريق وليس للواقعات كثيرا اعتبار فإنّ ميدان التّأويل واسع فلا ينبغي الإنخداع بالمنام والخيال (شعر): كيف الوصول إلى سعاد ودونها . قلل الجبال ودونهنّ خيوف. والسّلام. المكتوب الثّالث والعشرون والمائة إلى الملّا طاهر البدخشيّ أيضا في بيان أنّ أداء النّفل وإن كان حجّا داخل فيما لا يعني إذا استلزم فوت فرض من الفرائض قد وصل مكتوب أخي الأرشد لازال كأسه طاهرا عن دنس التّعلّقات أيّها الأخ. قد ورد في الخبر علامة إعراض الله تعالى عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه والإشتغال بنفل من النّوافل مع الإعراض عن فرض من الفرائض داخل فيما لا يعني فلزمك تفتيش أحوالك لتعلم أنّ اشتغالك بأيّ شيء بنفل أو بفرض وكم من محظور يرتكب في أداء الحجّ النّفل فينبغي أن تلاحظ ملاحظة جيّدة العاقل تكفيه الإشارة والسّلام عليكم وعلى رفقائكم. المكتوب الرّابع والعشرون والمائة إلى المذكور أيضا في بيان أنّ الإستطاعة شرط لوجوب الحجّ والحجّ مع عدم الإستطاعة داخل في تضييع الأوقات بالنّسبة إلى تحصيل المطلوب قد وصل مكتوب أخي الخواجه محمّد طاهر البدخشيّ لله سبحانه الحمد والمنّة لم يتطرّق الفتور إلى إخلاصه للفقراء ومحبّتهم مع وجود تمادي أيّام المهاجرة وهذه علامة سعادة عظيمة (أيّها المحبّ) لمّا طلبت الإذن يعني لسفر الحجّ وصمّمت العزم للسّفر قد ذكرتك وقت الوداع أنّه يحتمل أن الحقكم في هذا السّفر ولكن كلّما قصدت لم توافق الإستخارات ولم يفهم التّجويز في هذا الباب فاخترت التّقاعد بالضّرورة ولم يكن في ذهابكم صلاح الفقراء من الأوّل ولكن لمّا رأيت شوقكم لم أمنع صريحا والإستطاعة شرط الدّخول في الطّريق يعني طريق الحجّ وبدون الإستطاعة تضييع للأوقات والإشتغال بأمر غير ضروريّ تاركا للأمر الأهمّ ليس بمناسب وقد كتبت إليكم هذا المضمون مكرّرا وصل إليكم أوّلا والقول هو هذا وأنتم المخيّر.

قسم V01/P167–V01/P168

المكتوب الخامس والعشرون والمائة إلى المير صالح النّيسابوري في بيان أنّ العالم كبيره وصغيره مظاهر الأسماء والصّفات الإلهيّة تعالى شأنه وليس للعالم نسبة إليه تعالى أصلا سوى المخلوقيّة والمظهريّة وما يناسب ذلك اللهمّ أرنا حقائق الأشياء كما هي اعلم أنّ العالم كلّه كبيره وصغيره مظاهر الأسماء والصّفات الإلهيّة تعالى شأنه ومرايا شئوناته وكمالاته الذّاتيّة وكان عزّ سلطانه كنزا مخفيّا وسرّا مكنونا فأراد سبحانه أن يعرض كمالاته من الخلاء إلى الملاء وأن يوردها من الإجمال إلى التّفصيل فخلق الخلق على نهج يكون دالّا بذاته وصفاته على ذاته وصفاته تعالى وتقدّس فليس للعالم نسبة مع صانعه أصلا إلّا أنّه مخلوقه تعالى ودالّ على أسمائه وشئوناته تعالى والحكم بالإتّحاد والعينيّة ونسبة الإحاطة والسّريان والمعيّة الذّاتيّات هناك من غلبة الحال وسكر الوقت والأكابر المستقيمو الأحوال الّذين لهم شرب من قدح الصّحو لا يثبتون للعالم نسبة مع صانعه إلّا المخلوقيّة والمظهريّة ويقولون بالإحاطة والسّريان والمعيّة العلميّات على طبق قول علماء أهل الحقّ شكر الله سعيهم والعجب من بعض الصّوفيّة حيث يثبتون بعض النّسبة الذّاتيّة كالإحاطة والمعيّة مثلا مع اعترافهم بسلب جميع النّسب عن الذّات حتّى الصّفات الذّاتيّة فهل هذا الّا تناقض وإثبات المراتب في الذّات لدفع هذا التّناقض تكلّف مثل التّدقيقات الفلسفيّة وأرباب الكشف الصّحيح لا يشهدون الذّات الّا بسيطا حقيقيّا ويعدّون ما وراءه كائنا ما كان داخلا في الأسماء، (شعر): وما قلّ هجران الحبيب وإن غدا . قليلا ونصف الشّعر في العين ضائر ولنبيّن مثالا لتحقيق هذا المبحث أراد عالم نحرير متفنّن مثلا إظهار كمالاته المكنونة وإبرازها في عرصة الظّهور فأوجد الحروف والأصوات ليجلو كمالاته في حجاب تلك الحروف والأصوات ففى تلك الصّورة لا نسبة لتلك الحروف والأصوات الدّوالّ مع تلك المعاني المخزونة الّا أنّ هذه الحروف والأصوات مظاهر تلك المعالي المخفيّة ومرايا الكمالات المخزونة ولا معنى لان يقال إنّ الحروف والأصوات عين تلك المعاني المخفيّة وكذلك الحكم بالإحاطة والمعيّة في هذه الصّورة غير مطابق للواقع بل المعاني على صرافته المخزونة لم يتطرّق التّغيّر إليها لا في ذاتها ولا في صفاتها أصلا ولكن لمّا كان بين تلك المعاني وبين الحروف والأصوات الدّالّة نوع مناسبة من الدّاليّة والمدلوليّة يتخيّل منه بعض المعاني الزّائدة وتلك المعاني المخزونة منزّهة ومبرّأة في الحقيقة عن تلك المعاني الزّائدة وهذا هو معتقدنا في هذه المسألة وإثبات الأمر الزّائد على المظهريّة والمرآتيّة من الاتّحاد والعينيّة والإحاطة والمعيّة من السّكر وذاته تعالى في الحقيقة معرّاة عن النّسبة ومبرّأة عن المناسبة ما للتّراب وربّ الأرباب وبهذا القدر من مناسبة الظّاهريّة والمظهريّة يقال بوحدة الوجود أوّلا بل في الواقع وجودات متعدّدة لكن بطريق الأصالة والظّلّيّة والظّاهريّة والمظهريّة لا انّ الموجود واحد وما سواه أوهام وخيالات فإنّ هذا المذهب بعينه مذهب السّوفسطائيّ وإثبات الحقيقة في العالم لا يخرجه من كونه أوهاما وخيالات كما هو مقصود السّوفسطائيّ، (شعر): وإذا عرفته أنت من هو أوّلا . ونسبت نفسك نحو حضرته العلىّ وعلمت أنّك ظلّ من يا من درى .

قسم V01/P168–V01/P170

كن فارغا حيّا وميّتا من ملا المكتوب السّادس والعشرون والمائة إلى المير صالح النّيسابوريّ أيضا في بيان أنّه ينبغي للطّالب الإهتمام في نفي الآلهة الباطلة آفاقيّة كانت أو أنفسيّة وإثبات المعبود على الحقّ وما يناسب ذلك أيّها السّيّد النّقيب ينبغي للطّالب الإهتمام في نفي الآلهة الباطلة آفاقيّة كانت أو أنفسيّة وكلّ ما يدخل في حوصلة الفهم وحيطة الوهم وقت إثبات المعبود بالحقّ جلّ سلطانه ينبغي أن يدخله تحت النّفي أيضا وأن يكتفى بموجوديّة المطلوب (ع) هو الموجود لا شيء سواه وإن لم يكن مساغ للوجود في ذلك الموطن أيضا بل ينبغي أن يطلبه من ما وراء الوجود ولقد أحسن علماء أهل السّنّة شكر الله سعيهم في قولهم بزيادة وجود الواجب تعالى على ذاته سبحانه والقول بعينيّة الوجود مع الذّات وعدم إثبات شيء وراء الوجود من قصور النّظر (قال) الشّيخ علاء الدّولة فوق عالم الوجود عالم الملك الودود ولمّا ترقّى هذا الدّرويش من مرتبة الوجود كان مغلوب الحال أوقاتا ووجد نفسه على وجه الذّوق والوجدان من أرباب التّعطيل ولم يحكم بوجود الواجب فإنّه كان ترك الوجود في الطّريق ولم يجد للوجود مجالا في مرتبة الذّات وكان إسلامه في ذلك الوقت تقليديّا لا تحقيقيّا وبالجملة انّ كلّ ما يحصل في حوصلة الممكن يكون ممكنا بالطّريق الأولى فسبحان من لم يجعل للخلق إلى الله سبيلا الّا بالعجز عن معرفته ولا يظنّنّ أحد من حصول الفناء في الله والبقاء بالله انّ الممكن يصير واجبا حاشا من ذلك فإنّه محال مستلزم لقلب الحقائق فإذا لم يصر الممكن واجبا لا يكون نصيبه غير العجز، (شعر): ولا أحد يصطاد عنقاء فاطرح . الفخاخ والّا دام فيك المتاعب وعلوّ الهمّة يطلب مطلبا لا يحصل منه شيء ولا يبدو منه اسم ولا رسم وطائفة يطلبون شيئا يجدونه عينهم ويثبتون له قربا ومعيّة (ع) لكلّ من الإنسان شأن يخصّه والسّلام أوّلا وآخرا. المكتوب السّابع والعشرون والمائة إلى الملّا صفر أحمد الرّوميّ في بيان أنّ خدمة الوالدين وإن كانت من الحسنات ولكنّها في جنب تحصيل المطلب الحقيقيّ لا شيء محض وما يناسب ذلك قد وصل المكتوب المرغوب والعذر الّذي ذكرته في باب التّوقّف صحيح ينبغي أن تفعل أزيد ممّا وقع وأن تعتقد نفسك مقصّرا قال الله تعالى (ووَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا) وقال الله سبحانه أيضا (أَنِ اُشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ) وينبغي أن تعتقد أنّ كلّ ذلك فضول محض في جنب الوصول إلى المطلب الحقيقيّ بل في جنب طيّ منازل السّلوك أيضا تعطيل صرف وقد سمعت أنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين، (شعر): كلّما دون هوى الحقّ ولو . أكل قند فهو سمّ قاتل وحقّ الله سبحانه مقدّم على حقوق جميع الخلائق فإنّ أداء حقوق الخلائق إنّما هو لامتثال أمره تعالى والّا لمن يكون مجال ترك خدمته والإشتغال بخدمة غيره فخدمة الخلائق بهذا السّبب من جملة خدمات الحقّ سبحانه وتعالى ولكنّ الفرق بين خدمة وخدمة كثير ألا ترى أنّ أرباب الحرث وأصحاب الزّرع كلّهم في خدمة السّلطان ولكن لا مناسبة بين خدمتهم وخدمة المقرّبين حتّى انّ إجراء اسم الزّراعة والحراثة على اللّسان هناك معصية وأجر كلّ أمر على مقدار ذلك الأمر فأهل الحراثة يأخذون درهما واحدا على خدمة يوم كامل مع غاية المحنة والمشقّة والمقرّبون يستحقّون الالوف على ساعة خدمة الحضور ومع ذلك لا تعلّق لهم بتلك الالوف وغاية مرامهم إنّما هي قرب السّلطان فحسب شتّان ما بينهما وفرخ حسين موفّق جدّا يعني للتّرقّي والإجتهاد وليطمئنّ قلبك من طرفه ماذا أكتب أزيد من ذلك والسّلام.

الأسئلة