Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

قسم V02/P082

ومنه قول الآخر: له زجاج ولهاة فارض 02P084 هدلاء كالوطب نحاه الماخض وبمثل الذي قلنا في تأويل فارض قال المتأولون - ذكر من قال ذلك حدثني علي بن سعيد الكندي، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، عن خصيف، عن مجاهد: " {لا فارض} [البقرة: 68] قال: لا كبيرة " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال ثنا شريك، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أو عن عكرمة، شك شريك: " {لا فارض} [البقرة: 68] قال: الكبيرة " حدثني محمد بن سعد، قال: أخبرني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " قوله: {لا فارض} [البقرة: 68] الفارض: الهرمة " حدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {لا فارض} [البقرة: 68] يقول: ليست بكبيرة هرمة " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: " {لا فارض} [البقرة: 68] الهرمة " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " الفارض: الكبيرة " حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد: " قوله: {لا فارض} [البقرة: 68] قال: الكبيرة " حدثنا المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {لا فارض} [البقرة: 68] يعني لا هرمة " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " الفارض: الهرمة " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: قال معمر، قال قتادة: " الفارض: الهرمة؛ يقول: ليست بالهرمة ولا البكر عوان بين ذلك " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " الفارض: الهرمة التي لا تلد " وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " الفارض: الكبيرة " 02P086

قسم V02/P082–V02/P088

[البقرة: 68] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا بكر} [البقرة: 68] والبكر من إناث البهائم وبني آدم ما لم يفتحله الفحل، وهي مكسورة الباء لم يسمع منه فعل ولا يفعل. وأما البكر بفتح الباء فهو الفتى من الإبل. وإنما عنى جل ثناؤه بقوله {ولا بكر} [البقرة: 68] ولا صغيرة لم تلد كما حدثني علي بن سعيد الكندي، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، عن خصيف، عن مجاهد: " {ولا بكر} [البقرة: 68] صغيرة " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " البكر: الصغيرة " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا الحسن بن عطية، قال: ثنا شريك، عن خصيف، عن سعيد، عن ابن عباس أو عكرمة شك: " {ولا بكر} [البقرة: 68] قال: الصغيرة " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: حدثني حجاج قال: قال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: " {ولا بكر} [البقرة: 68] الصغيرة " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني أبو سفيان، عن معمر، عن 02P087 قتادة: " {ولا بكر} [البقرة: 68] ولا صغيرة " حدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {ولا بكر} [البقرة: 68] ولا صغيرة ضعيفة " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع: عن أبي العالية: " {ولا بكر} [البقرة: 68] يعني ولا صغيرة " حدثنا عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله وحدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: «في البكر لم تلد إلا ولدا واحدا» 02P087 [البقرة: 68] القول في تأويل قوله تعالى: {عوان} [البقرة: 68] قال أبو جعفر: العوان: النصف التي قد ولدت بطنا بعد بطن، وليست بنعت للبكر، يقال منه: قد عونت إذا صارت كذلك. وإنما معنى الكلام أنه يقول: إنها بقرة لا فارض ولا بكر بل عوان بين ذلك . ولا يجوز أن يكون عوان إلا مبتدأ، لأن قوله: {بين ذلك} [البقرة: 68] كناية عن الفارض والبكر، فلا يجوز أن يكون متقدما عليهما. ومنه قول الأخطل [+البحر البسيط] وما بمكة من شمط محفلة وما بيثرب من عون وأبكار وجمعها عون يقال: امرأة عوان من نسوة عون. ومنه قول تميم بن مقبل: [+البحر البسيط] ومأتم كالدمى حور مدامعها لم تبأس العيش أبكارا ولا عونا وبقرة عوان وبقر عون. قال: وربما قالت العرب: بقر عون، مثل رسل يطلبون بذلك الفرق بين جمع عوان من البقر، وجمع عانة من الحمر. ويقال: هذه حرب عوان: إذا كانت حربا قد قوتل فيها مرة بعد مرة، يمثل ذلك بالمرأة التي ولدت بطنا بعد بطن. وكذلك يقال: حالة عوان إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أن ابن زيد، أنشده: [+البحر الطويل] قعود لدى الأبواب طلاب حاجة عوان من الحاجات أو حاجة بكرا قال أبو جعفر: والبيت للفرزدق وبنحو الذي قلنا في ذلك تأوله أهل التأويل - ذكر من قال ذلك حدثنا علي بن سعد الكندي، ثنا عبد السلام بن حرب، عن خصيف، عن 02P089 مجاهد: " {عوان بين ذلك} [البقرة: 68] وسط قد ولدن بطنا أو بطنين " حدثني محمد بن عمرو قال ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {عوان} [البقرة: 68] قال: العوان: العانس النصف " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " العوان: النصف " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا شريك، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أو عكرمة، شك شريك: " {عوان} [البقرة: 68] قال: بين ذلك " حدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {عوان} [البقرة: 68] قال بين الصغيرة والكبيرة، وهي أقوى ما تكون من البقر والدواب وأحسن ما تكون " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسن قال: حدثني حجاج قال: قال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: " {عوان} [البقرة : 68] قال: النصف " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية 02P090 : " {عوان} [البقرة: 68] نصف " وحدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: " العوان: نصف بين ذلك " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد: " {عوان} [البقرة: 68] التي تنتج شيئا بشرط أن تكون التي قد نتجت بكرة أو بكرتين " حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " العوان: النصف التي بين ذلك، التي قد ولدت وولد ولدها " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " العوان: بين ذلك ليست ببكر ولا كبير " 02P090

قسم V02/P088–V02/P090

[البقرة: 68] القول في تأويل قوله تعالى: {بين ذلك} [البقرة: 68] يعني بقوله: {بين ذلك} [البقرة: 68] بين البكر والهرمة كما حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {بين ذلك} [البقرة: 68] أي بين البكر والهرمة " فإن قال قائل: قد علمت أن بين لا تصلح إلا أن تكون مع شيئين فصاعدا، فكيف قيل بين ذلك وذلك واحد في اللفظ؟ قيل: إنما صلحت مع كونها واحدة، لأن ذلك بمعنى اثنين، والعرب تجمع في ذلك وذاك شيئين ومعنيين من الأفعال، كما يقول القائل: أظن أخاك قائما، وكان عمرو أباك، ثم يقول: قد كان ذاك، وأظن ذلك. فيجمع بذلك وذاك الاسم والخبر الذي كان لا بد لظن وكان منهما. فمعنى الكلام: قال: إنه يقول إنما بقرة لا مسنة هرمة ولا صغيرة لم تلد، ولكنها بقرة نصف قد ولدت بطنا بعد بطن بين الهرم والشباب. فجمع ذلك معنى الهرم والشباب لما وصفنا، ولو كان مكان الفارض والبكر اسما شخصين لم يجمع مع بين ذلك، وذلك أن ذلك لا يؤدي عن اسم شخصين، وغير جائز لمن قال: كنت بين زيد وعمرو، أن يقول: كنت بين ذلك، وإنما يكون ذلك مع أسماء الأفعال دون أسماء الأشخاص 02P091 [البقرة: 68] القول في تأويل قوله تعالى. {فافعلوا ما تؤمرون} [البقرة: 68] يقول الله لهم جل ثناؤه: افعلوا ما آمركم به تدركوا حاجاتكم وطلباتكم عندي، واذبحوا البقرة التي أمرتكم بذبحها، تصلوا بانتهائكم إلى طاعتي بذبحها إلى العلم بقاتل قتيلكم 02P091

قسم V02/P090–V02/P093

[البقرة: 69] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين} [البقرة: 69] ومعنى ذلك قال قوم موسى لموسى: {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها} [البقرة: 69] أي لون البقرة التي أمرتنا بذبحها. وهذا أيضا تعنت آخر منهم بعد الأول، وتكلف طلب ما قد كانوا كفوه في المرة الثانية والمسألة الآخرة؛ وذلك أنهم لم يكونوا حصروا في المرة الثانية، إذ قيل لهم بعد مسألتهم عن حلية البقرة التي كانوا أمروا بذبحها فأبوا إلا تكلف ما قد كفوه من المسألة عن صفتها فحصروا على نوع دون سائر الأنواع عقوبة من الله لهم على مسألتهم التي سألوها نبيهم صلى الله عليه وسلم تعنتا منهم له، ثم لم يحصرهم على لون منها دون لون، فأبوا إلا تكلف ما كانوا عن تكلفه أغنياء، فقالوا تعنتا منهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم كما ذكر ابن عباس: {ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها} [البقرة: 69] فقل لهم عقوبة لهم: {إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين} [البقرة: 69] فحصروا على لون منها دون لون، ومعنى ذلك أن البقرة التي أمرتكم بذبحها صفراء فاقع لونها. قال: ومعنى قوله: {يبين لنا ما لونها} [البقرة: 69] أي شيء لونها، فلذلك كان اللون مرفوعا، لأنه مرفوع ما وإنما لم ينصب ما بقوله يبين لنا، لأن أصل أي وما جمع متفرق الاستفهام. يقول القائل: بين لنا أسوداء هذه البقرة أم صفراء؟ فلما لم يكن لقوله بين لنا ارتفع على الاستفهام منصرفا عما لم يكن له ارتفع على أي لأنه جمع ذلك المتفرق، وكذلك كل ما كان من نظائره، فالعمل فيه واحد في ما وأي واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {صفراء} [البقرة: 69] فقال بعضهم: معنى ذلك سوداء شديدة السواد ذكر من قال ذلك منهم حدثني أبو مسعود إسماعيل بن مسعود الجحدري، قال: ثنا نوح بن قيس، عن محمد بن سيف، عن الحسن: " {صفراء فاقع لونها} [البقرة: 69] قال: سوداء شديدة السواد " حدثني أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، والمثنى بن إبراهيم قالا: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال، ثنا نوح بن قيس، عن محمد بن سيف، عن أبي رجاء، عن الحسن، مثله وقال آخرون: معنى ذلك: صفراء القرن والظلف ذكر من قال ذلك حدثني هشام بن يونس النهشلي، قال: ثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن الحسن: " في قوله: {صفراء فاقع لونها} [البقرة: 69] قال: صفراء القرن والظلف " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثني هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن كثير بن زياد، عن الحسن: " في قوله: {صفراء فاقع لونها} [البقرة: 69] قال: كانت وحشية " حدثني يعقوب، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن إبراهيم، عن أبي حفص، عن 02P094 مغراء أو عن رجل، عن سعيد بن جبير: " {بقرة صفراء فاقع لونها} [البقرة: 69] قال: صفراء القرن والظلف " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: «هي صفراء» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا الضحاك بن مخلد، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {إنها بقرة صفراء فاقع لونها} [البقرة: 69] قال: لو أخذوا بقرة صفراء لأجزأت عنهم " قال أبوجعفر: وأحسب أن الذي قال في قوله: {صفراء} [البقرة: 69] يعني به سوداء، ذهب إلى قوله في نعت الإبل السرد: هذه إبل صفر، وهذه ناقة صفراء؛ يعني بها سوداء. وإنما قيل ذلك في الإبل لأن سوادها يضرب إلى الصفرة، ومنه قول الشاعر: [+البحر الخفيف] تلك خيلي منها وتلك ركابي هن صفر أولادها كالزبيب يعني بقوله: هن صفر: هن سود، وذلك إن وصفت الإبل به فليس مما توصف به البقر، مع أن العرب لا تصف السواد بالفقوع، وإنما تصف السواد إذا وصفته بالشدة بالحلوكة ونحوها، فتقول: هو أسود 02P095 حالك وحانك وحلكوك، وأسود غربيب ودجوجي، ولا تقول: هو أسود فاقع، وإنما تقول هو أصفر فاقع.

قسم V02/P093

فوصفه إياه بالفقوع من الدليل البين على خلاف التأويل الذي تأوله قوله: {إنها بقرة صفراء فاقع} [البقرة: 69] المتأول بأن معناه سوداء شديدة السواد 02P094

قسم V02/P093–V02/P096

[البقرة: 69] القول في تأويل قوله تعالى: {فاقع لونها} [البقرة: 69] يعني خالص لونها، والفقوع في الصفر نظير النصوع في البياض، وهو شدته وصفاؤه كما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال قتادة: " {فاقع لونها} [البقرة: 69] هي الصافي لونها " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {فاقع لونها} [البقرة: 69] أي صاف لونها " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بمثله حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {فاقع} [البقرة: 69] قال: نقي لونها " حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {فاقع لونها} [البقرة: 69] شديدة الصفرة تكاد من 02P096 صفرتها تبيض " قال أبو جعفر: أراه أبيض حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {فاقع لونها} [البقرة: 69] قال: شديدة صفرتها " يقال منه: فقع لونه يفقع ويفقع فقعا وفقوعا فهو فاقع، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] حملت عليه الورد حتى تركته ذليلا يسف الترب واللون فاقع 02P096 [البقرة: 69] القول في تأويل قوله تعالى: {تسر الناظرين} [البقرة: 69] يعني بقوله: {تسر الناظرين} [البقرة: 69] تعجب هذه البقرة في حسن خلقها ومنظرها وهيئتها الناظر إليها كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {تسر الناظرين} [البقرة: 69] أي تعجب الناظرين " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهبا: " {تسر الناظرين} [البقرة: 69] إذا نظرت إليها يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها " حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {تسر الناظرين} [البقرة: 69] قال: تعجب الناظرين " 02P096

قسم V02/P096–V02/P097

[البقرة: 70] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون} [البقرة: 70] قال أبو جعفر: يعني بقوله: {قالوا} [البقرة: 11] قال قوم موسى الذين أمروا بذبح البقرة لموسى. فترك ذكر موسى وذكر عائد ذكره اكتفاء بما دل عليه ظاهر الكلام. وذلك أن معنى الكلام: قالوا له: ادع ربك، فلم يذكر له لما وصفنا. وقوله: {يبين لنا ما هي} [البقرة: 68] خير من الله عن القوم بجهلة منهم ثالثة، وذلك أنهم لو كانوا إذ أمروا بذبح البقرة ذبحوا أيتها تيسرت مما يقع عليه اسم بقرة كانت عنهم مجزئة، ولم يكن عليهم غيرها، لأنهم لم يكونوا كلفوها بصفة دون صفة، فلما سألوا بيانها بأي صفة هي، فبين لهم أنها بسن من الأسنان دون سن سائر الأسنان، فقيل لهم: هي عوان بين الفارض والبكر الضرع. فكانوا إذا بينت لهم سنها لو ذبحوا أدنى بقرة بالسن التي بينت لهم كانت عنهم مجزئة، لأنهم لم يكونوا كلفوها بغير السن التي حدت لهم، ولا كانوا حصروا على لون منها دون لون. فلما أبوا إلا أن تكون معرفة لهم بنعوتها مبينة بحدودها التي تفرق بينها وبين سائر بهائم الأرض فشددوا على أنفسهم شدد الله عليهم بكثرة سؤالهم نبيهم واختلافهم عليه، ولذلك قال نبينا صلى الله عليه وسلم لأمته: «ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوه، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه ما استطعتم» قال أبو جعفر: ولكن القوم لما زادوا نبيهم موسى صلى الله عليه وسلم أذى وتعنتا، زادهم الله عقوبة وتشديدا كما حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثام بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «لو أخذوا أدنى بقرة اكتفوا بها لكنهم شددوا فشدد الله عليهم» حدثنا عمر بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، قال: «لو أنهم أخذوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، وحدثني المثنى، قال : ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن هشام بن حسان، جميعا، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال: «سألوا وشددوا فشدد الله عليهم» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، قال: " لو أخذ بنو إسرائيل بقرة لأجزأت عنهم، ولولا قولهم: {وإنا إن شاء الله لمهتدون} [البقرة: 70] لما وجدوها " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، 02P099 عن مجاهد: " في قول الله: {وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] لو أخذوا بقرة ما كانت لأجزأت عنهم {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر} [البقرة: 68] قال: لو أخذوا بقرة من هذا الوصف لأجزأت عنهم {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين} [البقرة: 69] قال: لو أخذوا بقرة صفراء لأجزأت عنهم {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} [البقرة: 68] {قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث} [البقرة: 71] الآية " حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه، وزاد فيه: «ولكنهم شددوا فشدد عليهم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد: «لو أخذوا بقرة ما كانت أجزأت عنهم» قال ابن جريج: قال لي عطاء: «لو أخذوا أدنى بقرة كفتهم» قال ابن جريج: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أمروا بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد الله عليهم وايم الله لو أنهم لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد» حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: " لو أن القوم، حين أمروا أن يذبحوا بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، ولولا أن القوم استثنوا فقالوا: {وإنا إن شاء الله لمهتدون} [البقرة: 70] لما هدوا إليها أبدا " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إنما أمر القوم بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد عليهم، والذي نفس محمد بيده لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: «لو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا وتعنتوا موسى فشدد الله عليهم» حدثنا أبو كريب قال: قال أبو بكر بن عياش، قال ابن عباس: «لو أن القوم نظروا أدنى بقرة، يعني بني إسرائيل لأجزأت عنهم، ولكن شددوا فشدد عليهم، فاشتروها بملء جلدها دنانير» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " لو أخذوا بقرة كما أمرهم الله كفاهم ذلك، ولكن البلاء في هذه المسائل، ف {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} [البقرة: 68] فشدد عليهم، فقال: {إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك} [البقرة: 68] ، {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين} [البقرة: 69] قال: وشدد عليهم أشد من الأول فقرأ حتى بلغ: {مسلمة لا شية فيها} [البقرة: 71] فأبوا أيضا {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون} [البقرة: 70] فشدد عليهم ف {قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير} [البقرة: 71] الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة 02P101 لا شية فيها قال: فاضطروا إلى بقرة لا يعلم على صفتها غيرها، وهي صفراء، ليس فيها سواد ولا بياض " قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من الصحابة والتابعين والخالفين بعدهم من قولهم: إن بني إسرائيل لو كانوا أخذوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم، من أوضح الدلالة على أن القوم كانوا يرون أن حكم الله فيما أمر ونهى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم على العموم الظاهر دون الخصوص الباطن، إلا أن يخص بعض ما عمه ظاهر التنزيل كتاب من الله أو رسول الله، وأن التنزيل أو الرسول إن خص بعض ما عمه ظاهر التنزيل بحكم خلاف ما دل عليه الظاهر، فالمخصوص من ذلك خارج من حكم الآية التي عمت ذلك الجنس خاصة، وسائر حكم الآية على العموم، على نحو ما قد بيناه في كتابنا: كتاب الرسالة من لطيف القول في البيان عن أصول الأحكام، في قولنا في العموم والخصوص، وموافقة قولهم في ذلك قولنا، ومذهبهم مذهبنا، وتخطئتهم قول القائلين بالخصوص في الأحكام، وشهادتهم على فساد قول من قال: حكم الآية الجائية مجيء العموم على العموم ما لم يختص منها بعض ما عمته الآية، فإن خص منها بعض، فحكم الآية حينئذ على الخصوص فيما خص منها، وسائر ذلك على العموم.

قسم V02/P097–V02/P103

وذلك أن جميع من ذكرنا قوله آنفا ممن عاب على بني إسرائيل مسألتهم نبيهم صلى الله عليه وسلم عن صفة البقرة التي أمروا بذبحها وسنها وحليتها، رأوا أنهم كانوا في مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى ذلك مخطئين، وأنهم لو كانوا استعرضوا أدنى بقرة من البقر إذ أمروا بذبحها بقوله: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] فذبحوها 02P102 كانوا للواجب عليهم من أمر الله في ذلك مؤدين وللحق مطيعين، إذ لم يكن القوم حصروا على نوع من البقر دون نوع، وسن دون سن ورأوا مع ذلك أنهم إذا سألوا موسى عن سنها، فأخبرهم عنها وحصرهم منها على سن دون سن، ونوع دون نوع، وخص من جميع أنواع البقر نوعا منها، كانوا في مسألتهم إياه في المسألة الثانية بعد الذي خص لهم من أنواع البقر من الخطأ على مثل الذي كانوا عليه من الخطأ في مسألتهم إياه المسألة الأولى. وكذلك رأوا أنهم في المسألة الثالثة على مثل الذي كانوا عليه من ذلك في الأولى والثانية، وأن اللازم كان لهم في الحالة الأولى استعمال ظاهر الأمر وذبح أي بهيمة شاءوا مما وقع عليها اسم بقرة. وكذلك رأوا أن اللازم كان لهم في الحال الثانية استعمال ظاهر الأمر، وذبح أي بهيمة شاءوا مما وقع عليها اسم بقرة عوان لا فارض ولا بكر. ولم يروا أن حكمهم إذ خص لهم بعض البقر دون البعض في الحالة الثانية انتقل عن اللازم الذي كان لهم في الحالة الأولى من استعمال ظاهر الأمر إلى الخصوص، ففي إجماع جميعهم على ما روينا عنهم من ذلك مع الرواية التي رويناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموافقة لقولهم دليل واضح على صحة قولنا في العموم والخصوص، وأن أحكام الله جل ثناؤه في أي كتابه فيما أمر ونهى على العموم ما لم يخص ذلك ما يجب التسليم له، وأنه إذا خص منه شيء فالمخصوص منه خارج حكمه من حكم الآية العامة الظاهر، وسائر حكم الآية على ظاهرها العام، ويؤيد حقيقة ما قلنا في ذلك، وشاهد عدل على فساد قول من خالف قولنا فيه. وقد زعم بعض من عظمت جهالته واشتدت حيرته، أن القوم إنما سألوا موسى ما سألوا بعد أمر الله إياهم بذبح بقرة من البقر؛ لأنهم ظنوا أنهم أمروا بذبح بقرة بعينها 02P103 خصت بذلك، كما خصت عصا موسى في معناها، فسألوه أن يحليها لهم ليعرفوها. ولو كان الجاهل تدبر قوله هذا، لسهل عليه ما استصعب من القول؛ وذلك أنه استعظم من القوم مسألتهم نبيهم ما سألوه تشددا منهم في دينهم، ثم أضاف إليهم من الأمر ما هو أعظم مما استنكره أن يكون كان منهم، فزعم أنهم كانوا يرون أنه جائز أن يفرض الله عليهم فرضا ويتعبدهم بعبادة، ثم لا يبين لهم ما يفرض عليهم ويتعبدهم به حتى يسألوا بيان ذلك لهم. فأضاف إلى الله تعالى ذكره ما لا يجوز إضافته إليه، ونسب القوم من الجهل إلى ما لا ينسب المجانين إليه، فزعم أنهم كانوا يسألون ربهم أن يفرض عليهم الفرائض. فنعوذ بالله من الحيرة، ونسأله التوفيق والهداية وأما قوله: {إن البقر تشابه علينا} [البقرة: 70] فإن البقر جماع بقرة. وقد قرأ بعضهم: «إن الباقر» وذلك وإن كان في الكلام جائزا لمجيئه في كلام العرب وأشعارها، كما قال ميمون بن قيس: [+البحر الطويل] وما ذنبه إن عافت الماء باقر وما إن تعاف الماء إلا ليضربا وكما قال أمية: [+البحر الخفيف] ويسوقون باقر الطود للسه ل مهازيل خشية أن تبورا 02P104 فغير جائزة القراءة به لمخالفته القراءة الجائية مجيء الحجة بنقل من لا يجوز عليه فما نقلوه مجمعين عليه الخطأ والسهو والكذب وأما تأويل: {تشابه علينا} [البقرة: 70] فإنه يعني به: التبس علينا.

قسم V02/P103–V02/P105

والقراء مختلفة في تلاوته، فبعضهم كانوا يتلونه: تشابه علينا، بتخفيف الشيء ونصب الهاء على مثال تفاعل، ويذكر الفعل وإن كان البقر جماعا، لأن من شأن العرب تذكير كل فعل جمع كانت وحدانه بالهاء وجمعه بطرح الهاء وتأنيثه كما قال الله تعالى في نظيره في التذكير: {كأنهم أعجاز نخل منقعر} [القمر: 20] فذكر المنقعر وهو من صفة النخل لتذكير لفظ النخل، وقال في موضع آخر {كأنهم أعجاز نخل خاوية} [الحاقة: 7] فأنث الخاوية وهي من صفة النخل بمعنى النخل؛ لأنها وإن كانت في لفظ الواحد المذكر على ما وصفنا قبل فهي جماع نخلة. وكان بعضهم يتلوه: (إن البقر تشابه علينا) بتشديد الشين وضم الهاء، فيؤنث الفعل بمعنى تأنيث البقر، كما قال: {أعجاز نخل خاوية} [الحاقة: 7] ويدخل في أول تشابه تاء تدل على تأنيثها، ثم تدغم التاء الثانية في شين تشابه لتقارب مخرجها ومخرج الشين فتصير شيئا مشددة وترفع الهاء بالاستقبال والسلام من الجوازم والنواصب. وكان بعضهم يتلوه: «إن البقر يشابه علينا» فيخرج يشابه مخرج الخبر عن الذكر لما ذكرنا من العلة في قراءة من قرأ ذلك: {تشابه} [البقرة: 70] بالتخفيف، ونصب الهاء، غير أنه كان يرفعه بالياء التي يحدثها في أول تشابه التي تأتي بمعنى الاستقبال، وتدغم التاء في الشين كما فعله القارئ في تشابه بالتاء والتشديد. والصواب في ذلك من القراءة عندنا: {إن البقر تشابه علينا} [البقرة: 70] بتخفيف شين تشابه ونصب هائه، بمعنى تفاعل. لإجماع الحجة من القراء على تصويب ذلك ورفعهم ما سواه من القراءات، ولا يعترض على الحجة بقول من يجوز عليه فيما نقل السهو والغفلة والخطأ وأما قوله: {وإنا إن شاء الله لمهتدون} [البقرة: 70] فإنهم عنوا: وإنا إن شاء الله لمبين لنا ما التبس علينا وتشابه من أمر البقرة التي أمرنا بذبحها. ومعنى اهتدائهم في هذا الموضع معنى تبينهم أي ذلك الذي لزمهم ذبحه مما سواه من أجناس البقر 02P105

قسم V02/P105–V02/P107

[البقرة: 71] القول في تأويل قوله تعالى: {قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون} [البقرة: 71] وتأويل ذلك، قال موسى: إن الله يقول: إن البقرة التي أمرتكم بذبحها بقرة لا ذلول ويعني بقوله: {لا ذلول} [البقرة: 71] أي لم يذللها العمل. فمعنى الآية: أنها بقرة لم تذللها إثارة الأرض بأظلافها، ولا سني عليها الماء فيسقى عليها الزرع، كما يقال للدابة التي قد ذللها الركوب أو العمل: دابة ذلول بينة الذل، بكسر الذال، ويقال في مثله من بني آدم: رجل ذليل بين الذل والذلة حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {إنها بقرة لا ذلول} [البقرة: 71] يقول: صعبة لم يذلها عمل تثير الأرض ولا تسقي الحرث " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض} [البقرة: 71] يقول: بقرة ليست بذلول يزرع عليها، وليست تسقي الحرث " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {إنها بقرة لا ذلول} [البقرة: 71] أي لم يذللها العمل {تثير الأرض} [البقرة: 71] يعني ليست بذلول فتثير الأرض {ولا تسقي الحرث} [البقرة: 71] يقول: ولا تعمل في الحرث " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {إنها بقرة لا ذلول} [البقرة: 71] يقول: لم يذلها العمل {تثير الأرض} [البقرة: 71] يقول: تثير الأرض بأظلافها {ولا تسقي الحرث } [البقرة: 71] يقول: لا تعمل في الحرث " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال الأعرج: قال مجاهد: " قوله: {لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث} [البقرة: 71] يقول: ليست بذلول فتفعل ذلك " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: «ليست بذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث» ويعني بقوله: {تثير الأرض} [البقرة: 71] تقلب الأرض للحرث، يقال منه: أثرت الأرض أثيرها إثارة: إذا قلبتها للزرع. 02P107 وإنما وصفها جل ثناؤه بهذه الصفة لأنها كانت فيما قيل وحشية حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن كثير بن زياد، عن الحسن، قال: «كانت وحشية» 02P107 [البقرة: 71] القول في تأويل قوله تعالى: {مسلمة} [البقرة: 71] ومعنى {مسلمة} [البقرة: 71] مفعلة من السلامة، يقال منه: سلمت تسلم فهي مسلمة ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي سلمت منه، فوصفها الله بالسلامة منه فقال مجاهد بما حدثنا به، محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {مسلمة} [البقرة: 71] يقول: مسلمة من الشية و {لا شية فيها} [البقرة: 71] لا بياض فيها ولا سواد " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: " {لا شية فيها} [البقرة: 71] قال: مسلمة من الشية {لا شية فيها} [البقرة: 71] لا بياض فيها ولا سواد " وقال آخرون: مسلمة من العيوب ذكر من قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {مسلمة لا شية فيها} [البقرة: 71] أي مسلمة من العيوب " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " {مسلمة} [البقرة: 71] يقول: لا عيب فيها " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {مسلمة} [البقرة: 71] يعني مسلمة من العيوب " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بمثله حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: قال ابن عباس: " قوله: {مسلمة} [البقرة: 71] لا عوار فيها " والذي قاله ابن عباس وأبو العالية ومن قال بمثل قولهما في تأويل ذلك أولى بتأويل الآية مما قاله مجاهد؛ لأن سلامتها لو كانت من سائر أنواع الألوان سوى لون جلدها، لكان في قوله: {مسلمة} [البقرة: 71] مكتفى عن قوله: {لا شية فيها} [البقرة: 71] . وفي قوله: {لا شية فيها} [البقرة: 71] ما يوضح عن أن معنى قوله: {مسلمة} [البقرة: 71] غير معنى 02P109 قوله: {لا شية فيها} [البقرة: 71] . وإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام أنه يقول: إنها بقرة لم تذللها إثارة الأرض وقلبها للحراثة ولا السنو عليها للمزارع، وهي مع ذلك صحيحة مسلمة من العيوب 02P108

قسم V02/P107–V02/P109

[البقرة: 71] القول في تأويل قوله تعالى: {لا شية فيها} [البقرة: 71] يعني بقوله: {لا شية فيها} [البقرة: 71] لا لون فيها يخالف لون جلدها. وأصله من وشي الثوب، وهو تحسين عيوبه التي تكون فيه بضروب مختلفة من ألوان سداه ولحمته، يقال منه: وشيت الثوب فأنا أشيه شية ووشيا. ومنه قيل للساعي بالرجل إلى السلطان أو غيره: واش، لكذبة عليه عنده وتحسينه كذبه بالأباطيل، يقال منه: وشيت به إلى السلطان وشاية. ومنه قول كعب بن زهير: [+البحر البسيط] تسعى الوشاة جنابيها وقولهم إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول والوشاة جمع واش: يعني أنهم يتقولون بالأباطيل. ويخبرونه أنه إن لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم قتله. وقد زعم بعض أهل العربية أن الوشي: العلامة. وذلك لا معنى له إلا أن يكون أراد بذلك تحسين الثوب بالأعلام، لأنه معلوم أن القائل: وشيت بفلان إلى فلان غير جائز أن يتوهم عليه أنه أراد: جعلت له عنده علامة. وإنما قيل. {لا شية فيها} [البقرة: 71] وهي من وشيت. لأن الواو لما أسقطت من أولها أبدلت مكانها الهاء في آخرها، كما قيل. وزنته زنة، ووسيته سية، ووعدته عدة، ووديته دية. وبمثل الذي قلنا في معنى قوله: {لا شية فيها} [البقرة: 71] قال أهل التأويل حدثنا بشر بن معاذ، قال ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {لا شية فيها} [البقرة: 71] أي لا بياض فيها " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {لا شية فيها} [البقرة: 71] يقول: لا بياض فيها " حدثني محمد بن عمرو، قال، ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {لا شية فيها} [البقرة: 71] أي لا بياض فيها ولا سواد " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: " {لا شية فيها} [البقرة: 71] قال: لونها واحد ليس فيها لون سوى لونها " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {لا شية فيها} [البقرة: 71] من بياض ولا سواد ولا حمرة " حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {لا شية فيها} [البقرة: 71] هي صفراء ليس فيها بياض ولا سواد " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {لا شية فيها} [البقرة: 71] يقول: لا بياض فيها " 02P111

قسم V02/P109

[البقرة: 71] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا الآن جئت بالحق} [البقرة: 71] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {قالوا الآن جئت بالحق} [البقرة: 71] فقال بعضهم: معنى ذلك: الآن بينت لنا الحق فتبيناه، وعرفنا أية بقرة عينت. وممن قال ذلك قتادة حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {قالوا الآن جئت بالحق} [البقرة: 71] أي الآن بينت لنا " وقال بعضهم: ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن القوم أنهم نسبوا نبي الله موسى صلوات الله عليه إلى أنه لم يكن يأتيهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك. وممن روي عنه هذا القول عبد الرحمن بن زيد حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " اضطروا إلى بقرة لا يعلمون على صفتها غيرها، وهي صفراء ليس فيها سواد ولا بياض ، فقالوا: هذه بقرة فلان {الآن جئت بالحق} [البقرة: 71] وقبل ذلك والله قد جاءهم بالحق " وأولى التأويلين عندنا بقوله: {قالوا الآن جئت بالحق} [البقرة: 71] قول قتادة؛ وهو أن تأويله: الآن بينت لنا الحق في أمر البقرة، فعرفنا أنها الواجب علينا ذبحها منها؛ لأن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم قد أطاعوه فذبحوها بعد قيلهم هذا مع غلظ مؤنة ذبحها عليهم وثقل أمرها، فقال: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} [البقرة: 71] وإن كانوا قد قالوا بقولهم: الآن بينت لنا الحق، هراء من القول، وأتوا خطأ وجهلا من الأمر. وذلك أن نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم كان مبينا لهم في كل مسألة سألوها إياه، ورد رادوه في أمر البقرة الحق. وإنما يقال: الآن بينت لنا الحق لمن لم يكن مبينا قبل ذلك، فأما من كان كل قيله فيما أبان عن الله تعالى ذكره حقا وبيانا، فغير جائز أن يقال له في بعض ما أبان عن الله في أمره ونهيه وأدى عنه إلى عباده من فرائضه التي أوجبها عليهم: {الآن جئت بالحق} [البقرة: 71] كأنه لم يكن جاءهم بالحق قبل ذلك. وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم، وكفروا بقولهم لموسى: {الآن جئت بالحق} [البقرة: 71] ويزعم إنهم نفوا أن يكون موسى أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك، وأن ذلك من فعلهم وقيلهم كفر. 02P113 وليس الذي قال من ذلك عندنا كما قال؛ لأنهم أذعنوا بالطاعة بذبحها، وإن كان قيلهم الذي قالوه لموسى جهلة منهم وهفوة من هفواتهم 02P112

قسم V02/P109–V02/P114

[البقرة: 71] القول في تأويل قوله تعالى: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} [البقرة: 71] يعني بقوله: {فذبحوها} [البقرة: 71] فذبح قوم موسى البقرة التي وصفها الله لهم وأمرهم بذبحها. ويعني بقوله: {وما كادوا يفعلون} [البقرة: 71] أي قاربوا أن يدعوا ذبحها، ويتركوا فرض الله عليهم في ذلك. ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله كادوا أن يضيعوا فرض الله عليهم في ذبح ما أمرهم بذبحه من ذلك. فقال بعضهم: ذلك السبب كان غلاء ثمن البقرة التي أمروا بذبحها وبينت لهم صفتها ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا أبو معشر المدني، عن محمد بن كعب القرظي: " في قوله: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} [البقرة: 71] قال: لغلاء ثمنها " حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد الهلالي، قال: ثنا عبد العزيز بن الخطاب، قال: ثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي: " {فذبحوها وما كادوا يفعلون} [البقرة: 71] قال: من كثرة قيمتها " حدثنا القاسم، قال: أخبرنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، وحجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس، في حديث فيه طول، ذكر أن حديث بعضهم دخل في حديث بعض: " قوله: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} [البقرة: 71] لكثرة الثمن، أخذوها بملء مسكها ذهبا من مال المقتول، فكان سواء لم يكن فيه فضل فذبحوها " حدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {فذبحوها وما كادوا يفعلون} [البقرة: 71] يقول: كادوا لا يفعلون. ولم يكن الذي أرادوا لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها، وكل شيء في القرآن كاد أو كادوا أو لو فإنه لا يكون، وهو مثل قوله: {أكاد أخفيها} [طه: 15] " وقال آخرون: لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة إن أطلع الله على قاتل القتيل الذي اختصموا فيه إلى موسى. والصواب من التأويل عندنا، أن القوم لم يكادوا يفعلون ما أمرهم الله به من ذبح البقرة للخلتين كلتيهما إحداهما غلاء ثمنها مع ذكر ما لنا من صغر خطرها وقلة قيمتها. والأخرى خوف عظيم الفضيحة على أنفسهم بإظهار الله نبيه موسى صلوات الله عليه وأتباعه على قاتله. 02P115 فأما غلاء ثمنها فإنه قد روي لنا فيه ضروب من الروايات فحدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: «اشتروها بوزنها عشر مرات ذهبا، فباعهم صاحبها إياها وأخذ ثمنها» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أيوب، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة، قال: «اشتروها بملء جلدها دنانير» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «كانت البقرة لرجل يبر أمه فرزقه الله أن جعل تلك البقرة له، فباعها بملء جلدها ذهبا» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، قال: حدثني خالد بن يزيد، عن مجاهد، قال: «أعطوا صاحبها ملء مسكها ذهبا فباعها منهم» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهبا، يقول: «اشتروها منه على أن يملئوا له جلدها دنانير، ثم ذبحوها فعمدوا إلى جلد البقرة فملئوه دنانير، ثمن دفعوها إليه» حدثني محمد بن سعيد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني يحيى، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: «وجدوها عند رجل يزعم أنه ليس بائعها 02P116 بمال أبدا، فلم يزالوا به حتى جعلوا له أن يسلخوا له مسكها فيملئوه له دنانير، فرضي به فأعطاهم إياها» حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: " لم يجدوها إلا عند عجوز، وإنها سألتهم أضعاف ثمنها، فقال لهم موسى: أعطوها رضاها وحكمها.

قسم V02/P114–V02/P117

ففعلوا، واشتروها فذبحوها " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: «لم يجدوا هذه البقرة إلا عند رجل واحد، فباعها بوزنها ذهبا، أو ملء مسكها ذهبا، فذبحوها» حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال: " وجدوا البقرة عند رجل، فقال: إني لا أبيعها إلا بملء جلدها ذهبا، فاشتروها بملء جلدها ذهبا " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: «جعلوا يزيدون صاحبها حتى ملئوا له مسكها، وهو جلدها، ذهبا» وأما صغر خطرها وقلة قيمتها، فإن الحسن بن يحيى حدثنا قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، قال: حدثني محمد بن سوقة ، عن عكرمة، قال: «ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير» وأما ما قلنا من خوفهم الفضيحة على أنفسهم، فإن وهب بن منبه كان يقول: " إن القوم إذ أمروا بذبح البقرة إنما قالوا لموسى: {أتتخذنا هزوا} [البقرة: 67] لعلمهم بأنهم سيفتضحون إذا ذبحت فحادوا عن ذبحها " حدثت بذلك، عن إسماعيل بن عبد الكريم، عن عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه وكان ابن عباس يقول: " إن القوم بعد أن أحيا الله الميت فأخبرهم بقاتله، أنكرت قتلته قتله، فقالوا: والله ما قتلناه، بعد أن رأوا الآية والحق " حدثني بذلك، محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس 02P117

قسم V02/P117

[البقرة: 72] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون} [البقرة: 72] يعني بقوله جل ثناؤه: {وإذ قتلتم نفسا} [البقرة: 72] واذكروا يا بني إسرائيل إذ قتلتم نفسا. والنفس التي قتلوها هي النفس التي ذكرنا قصتها في تأويل قوله {وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] وقوله: {فادارأتم فيها} [البقرة: 72] يعني فاختلفتم وتنازعتم، وإنما هو فتدارأتم فيها على مثال تفاعلتم من الدرء، والدرء: العوج، ومنه قول أبي النجم العجلي: [+البحر الرجز] خشية طغام إذا هم جسر يأكل ذا الدرء ويقصي من حقر يعني ذا العوج والعسر ومنه قول رؤبة بن العجاج: [+البحر الرجز] 02P118 أدركتها قدام كل مدره بالدفع عني درء كل عنجه ومنه الخبر الذي حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا مصعب بن المقدام، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد، عن السائب، قال: جاءني عثمان وزهير ابنا أمية، فاستأذنا لي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أعلم به منكما، ألم تكن شريكي في الجاهلية؟ » قلت: نعم بأبي أنت وأمي، فنعم الشريك كنت لا تماري ولا تداري " يعني بقوله: لا تداري: لا تخالف رفيقك وشريكك ولا تنازعه ولا تشاره. وإنما أصل {فادارأتم} [البقرة: 72] فتدارأتم، ولكن التاء قريبة من مخرج الدال، 02P119 وذلك أن مخرج التاء من طرف اللسان وأصول الشفتين، ومخرج الدال من طرف اللسان وأطراف الثنيتين، فأدغمت التاء في الدال فجعلت دالا مشددة، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] تولي الضجيع إذا ما استافها خصرا عذب المذاق إذا ما اتابع القبل يريد إذا ما تتابع القبل، فأدغم إحدى التاءين في الأخرى. فلما أدغمت التاء في الدال فجعلت دالا مثلها سكنت، فجلبوا ألفا ليصلوا إلى الكلام بها، وذلك إذا كان قبله شيء؛ لأن الإدغام لا يكون إلا وقبله شيء، ومنه قول الله جل ثناؤه: {حتى إذا اداركوا فيها جميعا} [الأعراف: 38] إنما هو تداركوا، ولكن التاء منها أدغمت في الدال فصارت دالا مشددة، وجعلت فيها ألف إذا وصلت بكلام قبلها ليسلم الإدغام. وإذا لم يكن قبل ذلك ما يواصله، وابتدئ به، قيل: تداركوا وتثاقلوا، فأظهروا الإدغام. وقد قيل: يقال: اداركوا وادارءوا. وقد قيل إن معنى قوله: {فادارأتم فيها} [البقرة: 72] فتدافعتم فيها، من قول القائل: درأت هذا الأمر عني، ومن قول الله: {ويدرأ عنها العذاب} [النور: 8] بمعنى يدفع عنها العذاب. وهذا قول قريب المعنى من القول الأول؛ لأن القوم إنما تدافعوا قتل قتيل، 02P120 فانتفى كل فريق منهم أن يكون قاتله، كما قد بينا قبل فيما مضى من كتابنا هذا. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: {فادارأتم فيها} [البقرة: 72] قال أهل التأويل حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: حدثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " في قول الله: {فادارأتم فيها} [البقرة: 72] قال: اختلفتم فيها " حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: " {وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها} [البقرة: 72] قال بعضهم: أنتم قتلتموه، وقال الآخرون: أنتم قتلتموه " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {فادارأتم فيها} [البقرة: 72] قال: اختلفتم، وهو التنازع تنازعوا فيه.

قسم V02/P117–V02/P121

قال: قال هؤلاء: أنتم قتلتموه، وقال هؤلاء: لا " وكان تدارؤهم في النفس التي قتلوها كما حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «صاحب البقرة رجل من بني إسرائيل قتله رجل فألقاه على باب ناس آخرين، فجاء أولياء المقتول فادعوا دمه عندهم فانتفوا أو انتفلوا منه» شك أبو عاصم حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن 02P121 مجاهد بمثله سواء، إلا أنه قال: «فادعوا دمه عندهم، فانتفوا» ولم يشك، منه حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: «قتيل كان في بني إسرائيل فقذف كل سبط منهم حتى تفاقم بينهم الشر حتى ترافعوا في ذلك إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم، فأوحى إلى موسى أن اذبح بقرة فاضربه ببعضها. فذكر لنا أن وليه الذي كان يطلب بدمه هو الذي قتله من أجل ميراث كان بينهم» حدثني ابن سعد، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " في شأن البقرة: وذلك أن شيخا من بني إسرائيل على عهد موسى كان مكثرا من المال، وكان بنو أخيه فقراء لا مال لهم، وكان الشيخ لا ولد له، وكان بنو أخيه ورثته، فقالوا: ليت عمنا قد مات فورثنا ماله. وإنه لما تطاول عليهم أن لا يموت عمهم أتاهم الشيطان، فقال: هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم فترثوا ماله، وتغرموا أهل المدينة التي لستم بها ديته؟ وذلك أنهما كانتا مدينتين كانوا في إحداهما، فكان القتيل إذا قتل وطرح بين المدينتين، قيس ما بين القتيل وما بين المدينتين، فأيهما كانت أقرب إليه غرمت الدية. وإنهم لما سول لهم الشيطان ذلك وتطاول عليهم أن لا يموت عمهم، عمدوا إليه فقتلوه، ثم عمدوا فطرحوه على باب المدينة التي ليسوا فيها. فلما أصبح أهل المدينة جاء بنو أخي الشيخ، فقالوا: عمنا قتل على باب مدينتكم، فوالله لتغرمن لنا دية عمنا. قال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا . وإنهم عمدوا إلى موسى، فلما أتوا قال بنو أخي الشيخ: عمنا وجدناه مقتولا على باب مدينتهم، وقال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلناه ولا فتحنا باب المدينة من حين أغلقناه حتى أصبحنا. وإن جبريل جاء بأمر ربنا السميع العليم إلى موسى، فقال: قل لهم: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] فتضربوه ببعضها " حدثنا القاسم، قال: ثنا حسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، وحجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: " إن سبطا من بني إسرائيل لما رأوا كثرة شرور الناس بنوا مدينة فاعتزلوا شرور الناس، فكانوا إذا أمسوا لم يتركوا أحدا منهم خارجا إلا أدخلوه، وإذا أصبحوا قام رئيسهم فنظر وتشرف فإذا لم ير شيئا فتح المدينة فكانوا مع الناس حتى يمسوا. وكان رجل من بني إسرائيل له مال كثير، ولم يكن له وارث غير ابن أخيه، فطال عليه حياته، فقتله ليرثه. ثم حمله فوضعه على باب المدينة. ثم كمن في مكان هو وأصحابه، قال: فتشرف رئيس المدينة على باب المدينة فنظر فلم ير شيئا، ففتح الباب، فلما رأى القتيل رد الباب فناداه ابن أخي المقتول وأصحابه: هيهات قتلتموه ثم تردون الباب. وكان موسى لما رأى القتل كثيرا في أصحابه بني إسرائيل كان إذا رأى القتيل بين ظهري القوم آخذهم، 02P123 فكاد يكون بين أخي المقتول وبين أهل المدينة قتال؛ حتى لبس الفريقان السلاح، ثم كف بعضهم عن بعض، فأتوا موسى فذكروا له شأنهم فقالوا: يا رسول الله إن هؤلاء قتلوا قتيلا ثم ردوا الباب، وقال أهل المدينة: يا رسول الله قد عرفت اعتزالنا الشرور وبنينا مدينة كما رأيت نعتزل شرور الناس ما قتلنا ولا علمنا قاتلا.

قسم V02/P121

فأوحى الله تعالى ذكره إليه أن يذبحوا بقرة، فقال لهم موسى: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، قال : " كان في بني إسرائيل رجل عقيم وله مال كثير، فقتله ابن أخ له فجره فألقاه على باب ناس آخرين. ثم أصبحوا فادعاه عليهم حتى تسلح هؤلاء وهؤلاء، فأرادوا أن يقتتلوا، فقال ذوو النهى منهم: أتقتتلون وفيكم نبي الله. فأمسكوا حتى أتوا موسى، فقصوا عليه القصة، فأمرهم أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها، فقالوا: {أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} [البقرة: 67] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " قتيل من بني إسرائيل طرح في سبط من الأسباط، فأتى أهل ذلك السبط إلى ذلك السبط، فقالوا: أنتم والله قتلتم صاحبنا، فقالوا: لا والله. فأتوا إلى موسى فقالوا: هذا قتيلنا بين أظهرهم، وهم والله قتلوه، فقالوا: لا والله يا نبي الله طرح علينا. فقال لهم موسى صلى الله عليه وسلم: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] " قال أبو جعفر: فكان اختلافهم وتنازعهم وخصامهم بينهم في أمر القتيل 02P124 الذي ذكرنا أمره على ما روينا من علمائنا من أهل التأويل هو الدرء الذي قال الله جل ثناؤه لذريتهم وبقايا أولادهم: {فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون} [البقرة: 72] 02P123

قسم V02/P121–V02/P124

[البقرة: 72] القول في تأويل قوله تعالى: {والله مخرج ما كنتم تكتمون} [البقرة: 72] ويعني بقوله: {والله مخرج ما كنتم تكتمون} [البقرة: 72] والله معلن ما كنتم تسرونه من قتل القتيل الذي قتلتم ثم ادارأتم فيه. ومعنى الإخراج في هذا الموضع: الإظهار والإعلان لمن خفي ذلك عنه وإطلاعهم عليه، كما قال الله تعالى ذكره: {ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض} يعني بذلك: يظهره ويطلعه من مخبئه بعد خفائه. والذي كانوا يكتمونه فإخراجه هو قتل القاتل القتيل، كما كتم ذلك القاتل ومن علمه ممن شايعه على ذلك حتى أظهره الله وأخرجه، فأعلن أمره لمن لا يعلم أمره. وعنى جل ثناؤه بقوله: {تكتمون} [البقرة: 33] تسرون وتغيبون كما حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " في قول الله: {والله مخرج ما كنتم تكتمون} [البقرة : 72] قال: تغيبون " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {ما كنتم تكتمون} [البقرة: 72] ما كنتم تغيبون " 02P124

قسم V02/P124–V02/P127

[البقرة: 73] القول في تأويل قوله تعالى: {فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون} [البقرة: 73] يعني جل ذكره بقوله: {فقلنا} [البقرة: 60] لقوم موسى الذين ادارءوا في القتيل 02P125 الذي قد تقدم وصفنا أمره: اضربوا القتيل. والهاء التي في قوله: {اضربوه} [البقرة: 73] من ذكر القتيل {ببعضها} [البقرة: 73] أي ببعض البقرة التي أمرهم الله بذبحها فذبحوها. ثم اختلف العلماء في البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة وأي عضو كان ذلك منها، فقال بعضهم: ضرب بفخذ البقرة القتيل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " ضرب بفخذ البقرة، فقام حيا، فقال: قتلني فلان؛ ثم عاد في ميتته " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال، ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «ضرب بفخذ البقرة» ثم ذكر مثله حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جرير بن نوح، عن النضر بن عربي، عن عكرمة: " {فقلنا اضربوه ببعضها} [البقرة: 73] قال: بفخذها فلما ضرب بها عاش وقال: قتلني فلان؛ ثم عاد إلى حاله " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن خالد بن يزيد، عن مجاهد، قال: " ضرب بفخذها الرجل فقام حيا، فقال: قتلني فلان، ثم عاد في ميتته " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: 02P126 قال أيوب عن ابن سيرين، عن عبيدة: «ضربوا المقتول ببعض لحمها» وقال معمر عن قتادة: ضربوه بلحم الفخذ فعاش، فقال: قتلني فلان حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: «ذكر لنا أنهم ضربوه بفخذها فأحياه الله، فأنبأ بقاتله الذي قتله وتكلم، ثم مات» وقال آخرون: الذي ضرب به منها هو البضعة التي بين الكتفين ذكر من قال ذلك حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط ، عن السدي: " {فقلنا اضربوه ببعضها} [البقرة: 73] فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين فعاش، فسألوه: من قتلك؟ فقال لهم: ابن أخي " وقال آخرون: الذي أمروا أن يضربوه به منها عظم من عظامها ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: «أمرهم موسى أن يأخذوا، عظما منها فيضربوا به القتيل ففعلوا، فرجع إليه روحه، فسمى لهم قاتله ثم عاد ميتا كما كان. فأخذ قاتله، وهو الذي أتى موسى، فشكا إليه فقتله الله على أسوإ عمله» وقال آخرون بما حدثني به، يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " ضربوا الميت ببعض آرابها، فإذا هو قاعد، قالوا: من قتلك؟ قال: ابن أخي قال: وكان قتله وطرحه على ذلك السبط، أراد أن يأخذ ديته " والصواب من القول في تأويل قوله عندنا: {فقلنا اضربوه ببعضها} [البقرة: 73] أن يقال: أمرهم الله جل ثناؤه أن يضربوا القتيل ببعض البقرة ليحيا المضروب. ولا دلالة في الآية ولا خبر تقوم به حجة على أي أبعاضها التي أمر القوم أن يضربوا القتيل به. وجائز أن يكون الذي أمروا أن يضربوه به هو الفخذ، وجائز أن يكون ذلك الذنب وغضروف الكتف وغير ذلك من أبعاضها. ولا يضر الجهل بأي ذلك ضربوا القتيل، ولا ينفع العلم به مع الإقرار بأن القوم قد ضربوا القتيل ببعض البقرة بعد ذبحها، فأحياه الله. فإن قال قائل: وما كان معنى الأمر بضرب القتيل ببعضها؟ قيل: ليحيا فينبئ نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم والذين ادارءوا فيه من قاتله. فإن قال قائل: وأين الخبر عن أن الله جل ثناؤه أمرهم بذلك لذلك؟ قيل: ترك ذلك اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام الدال عليه نحو الذي ذكرنا من نظائر ذلك فيما مضى. ومعنى الكلام: فقلنا: اضربوه ببعضها ليحيا، فضربوه فحيي؛ كما قال جل ثناؤه: {أن اضرب بعصاك البحر فانفلق} [الشعراء: 63] والمعنى: فضرب فانفلق.

قسم V02/P127

يدل على ذلك قوله: {كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون} [البقرة: 73] 02P128

الأسئلة