Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

قسم V02/P127–V02/P129

[البقرة: 73] القول في تأويل قوله تعالى: {كذلك يحيي الله الموتى} [البقرة: 73] وقوله: {كذلك يحيي الله الموتى} [البقرة: 73] مخاطبة من الله عباده المؤمنين، واحتجاج منه على المشركين المكذبين بالبعث، وأمرهم بالاعتبار بما كان منه جل ثناؤه من إحياء قتيل بني إسرائيل بعد مماته في الدنيا، فقال لهم تعالى ذكره: أيها المكذبون بالبعث بعد الممات، اعتبروا بإحيائي هذا القتيل بعد مماته، فإني كما أحييته في الدنيا فكذلك أحيي الموتى بعد مماتهم، فأبعثهم يوم البعث. فإنما احتج جل ذكره بذلك على مشركي العرب وهم قوم أميون لا كتاب لهم، لأن الذين كانوا يعلمون علم ذلك من بني إسرائيل كانوا بين أظهرهم وفيهم نزلت هذه الآيات، فأخبرهم جل ذكره بذلك ليتعرفوا علم من قبلهم 02P128 [البقرة: 73] القول في تأويل قوله تعالى: {ويريكم آياته لعلكم تعقلون} [البقرة: 73] يعني جل ذكره: ويريكم الله أيها الكافرون المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله من آياته، وآياته: أعلامه وحججه الدالة على نبوته، لتعقلوا وتفهموا أنه محق صادق فتؤمنوا به وتتبعوه 02P128 [البقرة: 74] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 74] 02P129 يعني بذلك كفار بني إسرائيل، وهم فيما ذكر بنو أخي المقتول، فقال لهم: ثم قست قلوبكم: أي جفت وغلظت وعست، كما قال الراجز: [+البحر الرجز] وقد قسوت وقسا لداتي يقال: قسا وعسا وعتا بمعنى واحد، وذلك إذا جفا وغلظ وصلب، يقال منه: قسا قلبه يقسو قسوا وقسوة وقساوة وقساء ويعني بقوله: {من بعد ذلك} [البقرة: 52] من بعد أن أحيا المقتول لهم الذي ادارءوا في قتله. فأخبرهم بقاتله وما السبب الذي من أجله قتله كما قد وصفنا قبل على ما جاءت الآثار والأخبار وفصل الله تعالى ذكره بخبره بين المحق منهم والمبطل. وكانت قساوة قلوبهم التي وصفهم الله بها أنهم فيما بلغنا أنكروا أن يكونوا هم قتلوا القتيل الذي أحياه الله، فأخبر بني إسرائيل بأنهم كانوا قتلته بعد إخباره إياهم بذلك، وبعد ميتته الثانية كما حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: " لما ضرب المقتول ببعضها، يعني ببعض البقرة، جلس حيا، فقيل له: من قتلك؟ فقال: بنو أخي قتلوني. ثم قبض، فقال بنو أخيه حين قبض: والله ما قتلناه. فكذبوا بالحق بعد إذ رأوه، فقال الله: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك} [البقرة: 74] يعني بني أخي الشيخ {فهي كالحجارة أو أشد قسوة} [البقرة: 74] " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة: " {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك} [البقرة: 74] يقول: من بعد ما أراهم الله من إحياء الموتى، وبعد ما أراهم من أمر القتيل ما أراهم، فهي كالحجارة أو أشد قسوة " 02P130

قسم V02/P129–V02/P132

[البقرة: 74] القول في تأويل قوله تعالى: {فهي كالحجارة أو أشد قسوة} [البقرة: 74] يعني بقوله: {فهي} [البقرة: 74] قلوبكم. يقول: ثم صلبت قلوبكم بعد إذ رأيتم الحق فتبينتموه وعرفتموه عن الخضوع له والإذعان لواجب حق الله عليكم، فقلوبكم كالحجارة صلابة ويبسا وغلظا وشدة، أو أشد صلابة؛ يعني قلوبكم عن الإذعان لواجب حق الله عليهم، والإقرار له باللازم من حقوقه لهم من الحجارة. فإن سأل سائل فقال: وما وجه قوله: {فهي كالحجارة أو أشد قسوة} [البقرة: 74] وأو عند أهل العربية إنما تأتي في الكلام لمعنى الشك، والله تعالى جل ذكره غير جائز في خبره الشك؟ قيل: إن ذلك على غير الوجه الذي توهمته من أنه شك من الله جل ذكره فيما أخبر عنه، ولكنه خبر منه عن قلوبهم القاسية أنها عند عباده الذين هم أصحابها الذين كذبوا بالحق بعد ما رأوا العظيم من آيات الله كالحجارة قسوة أو أشد من الحجارة عندهم وعند من عرف شأنهم، وقد قال في ذلك جماعة من أهل العربية أقوالا: فقال بعضهم: إنما أراد الله جل ثناؤه بقوله: {فهي كالحجارة أو أشد قسوة} [البقرة : 74] وما أشبه ذلك من الأخبار التي تأتي ب أو، كقوله: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} وكقول الله جل ذكره: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} [سبأ: 24] فهو عالم أي ذلك كان. قالوا: ونظير ذلك قول القائل: أكلت بسرة أو رطبة، وهو عالم أي ذلك أكل ولكنه أبهم على المخاطب، كما قال أبو الأسود الدؤلي: [+البحر الوافر] أحب محمدا حبا شديدا وعباسا وحمزة والوصيا فإن يك حبهم رشدا أصبه ولست بمخطئ إن كان غيا قالوا: ولا شك أن أبا الأسود لم يكن شاكا في أن حب من سمى رشد، ولكنه أبهم على من خاطبه به. وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما قال هذه الأبيات قيل له: شككت؟ فقال: كلا والله. ثم انتزع بقول الله عز وجل {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} [سبأ: 24] فقال: أوكان شاكا من أخبر بهذا، في الهادي من الضلال؟ وقال بعضهم: ذلك كقول القائل: ما أطعمتك إلا حلوا أو حامضا، وقد أطعمه النوعين جميعا. فقالوا: فقائل ذلك لم يكن شاكا أنه قد أطعم صاحبه الحلو والحامض كليهما، ولكنه أراد الخبر عما أطعمه إياه أنه لم يخرج عن هذين النوعين. قالوا: فكذلك قوله: {فهي كالحجارة أو أشد قسوة} [البقرة: 74] إنما معناه: فقلوبهم لا تخرج من أحد هذين المثلين إما أن تكون مثلا للحجارة في القسوة، وإما أن تكون أشد منها قسوة. ومعنى ذلك على هذا التأويل: فبعضها كالحجارة قسوة، وبعضها أشد قسوة من الحجارة. وقال بعضهم: أو في قوله: {أو أشد قسوة} [البقرة: 74] بمعنى: وأشد قسوة، كما قال تبارك وتعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} [الإنسان: 24] بمعنى: وكفورا. وكما قال جرير بن عطية: [+البحر البسيط] نال الخلاقة أو كانت له قدرا كما أتى ربه موسى على قدر يعني نال الخلافة وكانت له قدرا. وكما قال النابغة: [+البحر البسيط] قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد يريد ونصفه وقال آخرون: أو في هذا الموضع بمعنى وبل ، فكان تأويله عندهم فهي كالحجارة بل أشد قسوة، كما قال جل ثناؤه: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} بمعنى: بل يزيدون. وقال آخرون: معنى ذلك: فهي كالحجارة أو أشد قسوة عندكم.

قسم V02/P132

ولكل مما قيل من هذه الأقوال التي حكينا وجه ومخرج في كلام العرب، غير أن أعجب الأقوال إلي في ذلك ما قلناه أولا، ثم القول الذي ذكرناه عمن وجه ذلك إلى أنه بمعنى: فهي أوجه في القسوة من أن تكون كالحجارة أو أشد، على تأويل أن منها كالحجارة، ومنها أشد قسوة؛ لأن أو وإن استعملت في أماكن من أماكن الواو حتى يلتبس معناها ومعنى الواو لتقارب معنييهما في بعض تلك الأماكن، فإن أصلها أن تأتي بمعنى أحد الاثنين، فتوجيهها إلى أصلها من وجد إلى ذلك سبيلا أعجب إلي من إخراجها عن أصلها ومعناها المعروف لها. قال: وأما الرفع في قوله: {أو أشد قسوة} [البقرة: 74] فمن وجهين: أحدهما أن يكون عطفا على معنى الكاف التي في قوله: {كالحجارة} [البقرة: 74] لأن معناها الرفع، وذلك أن معناها معنى مثل: فهي مثل الحجارة أو أشد قسوة من الحجارة. والوجه الآخر: أن يكون مرفوعا على معنى تكرير هي عليه فيكون تأويل ذلك: فهي كالحجارة أو هي أشد قسوة من الحجارة 02P133

قسم V02/P132

[البقرة: 74] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} [البقرة: 74] يعني بقوله جل ذكره: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} [البقرة: 74] وإن 02P134 من الحجارة حجارة يتفجر منها الماء الذي تكون منه الأنهار، فاستغنى بذكر الماء عن ذكر الأنهار، وإنما ذكر فقال منه للفظ ما والتفجر: التفعل من فجر الماء، وذلك إذا تنزل خارجا من منبعه، وكل سائل شخص خارجا من موضعه ومكانه فقد انفجر ماء كان ذلك أو دما أو صديدا أو غير ذلك ومنه قول عمر بن لجأ: [+البحر الوافر] ولما أن قرنت إلى جرير أبى ذو بطنه إلا انفجارا يعني: إلا خروجا وسيلانا 02P133 [البقرة: 74] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء} [البقرة: 74] يعني بقوله جل ثناؤه وإن من الحجارة لحجارة تشقق. وتشققها: تصدعها. وإنما هي: لما يتشقق، ولكن التاء أدغمت في الشين فصارت شينا مشددة. وقوله: {فيخرج منه الماء} [البقرة: 74] فيكون عينا نابعة وأنهارا جارية 02P134

قسم V02/P132–V02/P135

[البقرة: 74] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن منها لما يهبط من خشية الله} [البقرة: 74] قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإن من الحجارة لما يهبط: أي يتردى من رأس الجبل إلى الأرض والسفح من خوف الله وخشيته. وقد دللنا على معنى الهبوط فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وأدخلت هذه اللامات اللواتي في ما توكيدا للخبر. وإنما وصف الله تعالى ذكره الحجارة بما وصفها به من أن منها المتفجر منه الأنهار، وأن منها المتشقق بالماء، وأن منها الهابط من خشية الله بعد الذي جعل منها لقلوب الذين أخبر عن قسوة قلوبهم من بني إسرائيل مثلا، معذرة منه جل ثناؤه لها دون الذين أخبر عن قسوة قلوبهم من بني إسرائيل إذ كانوا بالصفة التي وصفهم الله بها من التكذيب برسله والجحود لآياته بعد الذي أراهم من الآيات والعبر وعاينوا من عجائب الأدلة والحجج مع ما أعطاهم تعالى ذكره من صحة العقول ومن به عليهم من سلامة النفوس التي لم يعطها الحجر والمدر، ثم هو مع ذلك منه ما يتفجر بالأنهار ومنه ما يتشقق بالماء ومنه ما يهبط من خشية الله، فأخبر تعالى ذكره أن من الحجارة ما هو ألين من قلوبهم لما يدعون إليه من الحق كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " في قول الله جل ثناؤه: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله} [البقرة: 74] قال: كل حجر يتفجر منه الماء أو يتشقق عن ماء، أو يتردى من رأس جبل، فهو من خشية الله عز وجل، نزل بذلك القرآن " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله حدثني بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {فهي كالحجارة أو أشد قسوة} [البقرة: 74] ثم عذر الحجارة ولم يعذر شقي ابن آدم، فقال: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله} [البقرة: 74] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة مثله حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: " ثم عذر الله الحجارة قال: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء} [البقرة: 74] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، أنه قال: «فيها كل حجر انفجر منه ماء أو تشقق عن ماء أو تردى من جبل، فمن خشية الله نزل به القرآن» ثم اختلف أهل النحو في معنى هبوط ما هبط من الحجارة من خشية الله. فقال بعضهم: إن هبوط ما هبط منها من خشية الله: تفيؤ ظلاله. وقال آخرون: ذلك الجبل الذي صار دكا إذ تجلى له ربه. وقال بعضهم: ذلك كان منه ويكون بأن الله جل ذكره أعطى بعض الحجارة المعرفة والفهم، فعقل طاعة الله فأطاعه؛ كالذي روي عن الجذع الذي كان يستند إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب فلما تحول عنه حن.

قسم V02/P135–V02/P137

وكالذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن حجرا كان يسلم علي في الجاهلية إني لأعرفه الآن» وقال آخرون: بل قوله: {يهبط من خشية الله} [البقرة: 74] كقوله: {جدارا يريد أن ينقض} [الكهف: 77] ولا إرادة له، قالوا: وإنما أريد بذلك أنه من عظم أمر الله يرى كأنه هابط خاشع من ذل خشية الله، كما قال زيد الخيل: [+البحر الطويل] بجمع تضل البلق في حجراته ترى الأكم فيها سجدا للحوافر وكما قال سويد بن أبي كاهل يصف عدوا له يريد أنه ذليل: [+البحر الرمل] ساجد المنخر لا يرفعه خاشع الطرف أصم المستمع وكما قال جرير بن عطية: [+البحر الكامل] لما أتى خبر الرسول تضعضعت سور المدينة والجبال الخشع وقال آخرون: معنى قوله: {يهبط من خشية الله} [البقرة: 74] أي يوجب الخشية لغيره بدلالته على صانعه كما قيل: ناقة تاجرة: إذا كانت من نجابتها وفراهتها تدعو الناس إلى الرغبة فيها، كما قال جرير بن عطية: [+البحر الطويل] وأعور من نبهان أما نهاره فأعمى وأما ليله فبصير فجعل الصفة لليل والنهار، وهو يريد بذلك صاحبه النبهاني الذي يهجوه، من أجل أنه فيهما كان ما وصفه به. وهذه الأقوال وإن كانت غير بعيدات المعنى مما تحتمله الآية من التأويل، فإن تأويل أهل التأويل من علماء سلف الأمة بخلافها؛ فلذلك لم نستجز صرف تأويل الآية إلى معنى منها. وقد دللنا فيما مضى على معنى الخشية، وأنها الرهبة والمخافة، فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع 02P138

قسم V02/P137–V02/P140

[البقرة: 74] القول في تأويل قوله تعالى: {وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 74] 02P139 يعني بقوله: {وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 74] وما الله بغافل يا معشر المكذبين بآياته والجاحدين نبوة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، والمتقولين عليه الأباطيل من بني إسرائيل وأحبار اليهود، عما تعملون من أعمالكم الخبيثة وأفعالكم الرديئة؛ ولكنه يحصيها عليكم، فيجازيكم بها في الآخرة أو يعاقبكم بها في الدنيا. وأصل الغفلة عن الشيء: تركه على وجه السهو عنه والنسيان له، فأخبرهم تعالى ذكره أنه غير غافل عن أفعالهم الخبيثة ولا ساه عنها، بل هو لها محص، ولها حافظ 02P138 [البقرة: 75] القول في تأويل قوله تعالى: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} [البقرة: 75] يعني بقوله جل ثناؤه: {أفتطمعون} [البقرة: 75] يا أصحاب محمد، أي أفترجون يا معشر المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم والمصدقين ما جاءكم به من عند الله أن يؤمن لكم يهود بني إسرائيل؟ ويعني بقوله: {أن يؤمنوا لكم} [البقرة: 75] أن يصدقوكم بما جاءكم به نبيكم صلى الله عليه وسلم محمد من عند ربكم كما حدثت عن عمار بن الحسن، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " في قوله {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم} [البقرة: 75] يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا لكم، يقول: أفتطمعون أن يؤمن لكم اليهود؟ " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {أفتطمعون أن يؤمنوا، لكم} [البقرة: 75] الآية، قال: هم اليهود " 02P139 [البقرة: 75] القول في تأويل قوله تعالى: {وقد كان فريق منهم} [البقرة: 75] قال أبو جعفر: أما الفريق فجمع كالطائفة لا واحد له من لفظه، وهو فعيل من التفرق سمي به الجماع كما سميت الجماعة بالحزب من التحزب وما أشبه ذلك ومنه قول أعشى بني ثعلبة: [+البحر الطويل] أجدوا فلما خفت أن يتفرقوا فريقين منهم مصعد ومصوب يعني بقوله: {منهم} [البقرة: 75] من بني إسرائيل وإنما جعل الله الذين كانوا على عهد موسى ومن بعدهم من بني إسرائيل من اليهود الذين قال الله لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم} [البقرة: 75] لأنهم كانوا آباءهم وأسلافهم، فجعلهم منهم إذ كانوا عشائرهم وفرطهم وأسلافهم، كما يذكر الرجل اليوم الرجل وقد مضى على منهاج الذاكر وطريقته وكان من قومه وعشيرته، فيقول: كان منا فلان؛ يعني أنه كان من أهل طريقته أو مذهبه أو من قومه وعشيرته؛ فكذلك قوله: {وقد كان فريق منهم} [البقرة: 75] 02P140

قسم V02/P140–V02/P141

[البقرة: 75] القول في تأويل قوله تعالى: {يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} [البقرة: 75] اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله بقوله: {وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} [البقرة: 75] فقال بعضهم بما حدثني به، محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى 02P141 نجيح، عن مجاهد: " في قول الله: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} [البقرة: 75] فالذين يحرفونه والذين يكتمونه: هم العلماء منهم " حدثني المثنى، قال ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه حدثني موسى، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {أفتطمعون أن يؤمنوا، لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه} [البقرة: 75] قال: هي التوراة حرفوها " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {يسمعون كلام الله ثم يحرفونه} [البقرة: 75] قال: التوراة التي أنزلها عليهم يحرفونها، يجعلون الحلال فيها حراما والحرام فيها حلالا، والحق فيها باطلا والباطل فيها حقا، إذا جاءهم المحق برشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب فهو فيه محق، وإن جاء أحد يسألهم شيئا ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق، فقال لهم: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} [البقرة: 44] " وقال آخرون في ذلك بما حدثت عن عمار بن الحسن، قال: أخبرنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " في قوله: {وقد كان فريق منهم يسمعون 02P142 كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} [البقرة: 75] فكانوا يسمعون من ذلك كما يسمع أهل النبوة، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " في قوله: {وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله} [البقرة: 75] الآية، قال: ليس قوله: {يسمعون كلام الله} [البقرة: 75] يسمعون التوراة، كلهم قد سمعها؛ ولكنهم الذين سألوا موسى رؤية ربهم، فأخذتهم الصاعقة فيها " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: " بلغني عن بعض أهل العلم أنهم قالوا لموسى: يا موسى قد حيل بيننا وبين رؤية الله عز وجل، فأسمعنا كلامه حين يكلمك. فطلب ذلك موسى إلى ربه، فقال: نعم، فمرهم فليتطهروا وليطهروا ثيابهم ويصوموا. ففعلوا، ثم خرج بهم حتى أتى الطور، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى عليه السلام، فوقعوا سجودا، وكلمه ربه فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم، حتى عقلوا ما سمعوا، ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل، فلما جاءوهم حرف فريق منهم ما أمرهم به، وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل: إن الله قد أمركم بكذا وكذا، قال ذلك الفريق الذي ذكرهم الله: إنما قال كذا وكذا خلافا لما قال الله عز وجل لهم. فهم الذين عنى الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم " وأولى التأويلين اللذين ذكرت بالآية وأشبههما بما دل عليه ظاهر التلاوة، ما قاله الربيع بن أنس والذي حكاه ابن إسحاق عن بعض أهل العلم، من أن الله تعالى 02P143 ذكره إنما عنى بذلك من سمع كلامه من بني إسرائيل سماع موسى إياه منه ثم حرف ذلك وبدل من بعد سماعه وعلمه به وفهمه إياه. وذلك أن الله جل ثناؤه إنما أخبر أن التحريف كان من فريق منهم كانوا يسمعون كلام الله عز وجل استعظاما من الله لما كانوا يأتون من البهتان بعد توكيد الحجة عليهم والبرهان، وإيذانا منه تعالى ذكره عباده المؤمنين وقطع أطماعهم من إيمان بقايا نسلهم بما أتاهم به محمد من الحق والنور والهدى، فقال لهم: كيف تطمعون في تصديق هؤلاء اليهود إياكم وإنما تخبرونهم بالذي تخبرونهم من الإنباء عن الله عز وجل عن غيب لم يشاهدوه ولم يعاينوه؟

قسم V02/P141–V02/P142

وقد كان بعضهم يسمع من الله كلامه، وأمره ونهيه، ثم يبدله ويحرفه ويجحده، فهؤلاء الذين بين أظهركم من بقايا نسلهم أحرى أن يجحدوا ما أتيتموهم به من الحق وهم لا يسمعونه من الله، وإنما يسمعونه منكم، وأقرب إلى أن يحرفوا ما في كتبهم من صفة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ويبدلوه وهم به عالمون فيجحدوه ويكذبوا، من أوائلهم الذين باشروا كلام الله من الله جل ثناؤه ثم حرفوه من بعد ما عقلوه وعلموه متعمدين التحريف. ولو كان تأويل الآية على ما قاله الذين زعموا أنه عنى بقوله: {يسمعون كلام الله} [البقرة : 75] يسمعون التوراة، لم يكن لذكر قوله: {يسمعون كلام الله} [البقرة: 75] معنى مفهوم؛ لأن ذلك قد سمعه المحرف منهم وغير المحرف. فخصوص المحرف منهم بأنه كان يسمع كلام الله إن كان التأويل على ما قاله الذين ذكرنا قولهم دون غيرهم ممن كان يسمع ذلك سماعهم لا معنى له. فإن ظن ظان أنما صلح أن يقال ذلك لقوله: {يحرفونه} [البقرة: 75] فقد أغفل وجه الصواب في ذلك. وذلك أن ذلك لو كان كذلك لقيل: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم 02P144 وقد كان فريق منهم يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون؛ ولكنه جل ثناؤه أخبر عن خاص من اليهود كانوا أعطوا من مباشرتهم سماع كلام الله تعالى ما لم يعطه أحد غير الأنبياء والرسل، ثم بدلوا وحرفوا ما سمعوا من ذلك، فلذلك وصفهم بما وصفهم به للخصوص الذي كان خص به هؤلاء الفريق الذي ذكرهم في كتابه تعالى ذكره ويعني بقوله: {ثم يحرفونه} [البقرة: 75] ثم يبدلون معناه، وتأويله: ويغيرونه. وأصله من انحراف الشيء عن جهته، وهو ميله عنها إلى غيرها. فكذلك قوله: {يحرفونه} [البقرة: 75] أي يميلونه عن وجهه، ومعناه الذي هو معناه إلى غيره. فأخبر الله جل ثناؤه أنهم فعلوا ما فعلوا من ذلك على علم منهم بتأويل ما حرفوا، وأنه بخلاف ما حرفوه إليه، فقال: {يحرفونه من بعد ما عقلوه} [البقرة: 75] يعني من بعد ما عقلوا تأويله {وهم يعلمون} [البقرة: 75] أي يعلمون أنهم في تحريفهم ما حرفوا من ذلك مبطلون كاذبون. وذلك إخبار من الله جل ثناؤه عن إقدامهم على البهت، ومناصبتهم العداوة له ولرسوله موسى صلى الله عليه وسلم، وأن بقاياهم من مناصبتهم العداوة لله ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم بغيا وحسدا على مثل الذي كان عليه أوائلهم من ذلك في عصر موسى عليه الصلاة والسلام 02P144

قسم V02/P142–V02/P145

[البقرة: 76] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون} [البقرة: 76] أما قوله: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} [البقرة: 14] فإنه خبر من الله جل ذكره عن الذين أيأس أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من إيمانهم من يهود بني إسرائيل الذين كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، وهم الذين إذا لقوا الذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم قالوا آمنا. يعني 02P145 بذلك أنهم إذا لقوا الذين صدقوا بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله قالوا آمنا؛ أي صدقنا بمحمد وبما صدقتم به وأقررنا بذلك. أخبر الله عز وجل أنهم تخلقوا بأخلاق المنافقين وسلكوا منهاجهم كما حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس: " قوله: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} [البقرة: 76] وذلك أن نفرا من اليهود كانوا إذا لقوا محمدا صلى الله عليه وسلم قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} [البقرة: 76] يعني المنافقين من اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا آمنا " وقد روي عن ابن عباس في تأويل ذلك قول آخر وهو ما حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} [البقرة: 76] أي بصاحبكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه إليكم خاصة " حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} [البقرة: 76] الآية، قال: هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا " 02P145

قسم V02/P145–V02/P147

[البقرة: 76] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم} [البقرة: 76] يعني بقوله: {وإذا خلا بعضهم إلى بعض} [البقرة: 76] أي إذا خلا بعض هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم إلى بعض منهم فصاروا في خلاء من الناس غيرهم، وذلك هو الموضع الذي ليس فيه غيرهم، قالوا، يعني قال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم؟ ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {بما فتح الله عليكم} [البقرة: 76] فقال بعضهم بما حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} [البقرة: 76] يعني بما أمركم الله به، فيقول الآخرون: إنما نستهزئ بهم ونضحك " وقال آخرون بما حدثنا ابن حميد، عن ابن عباس: " {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} [البقرة: 76] أي بصاحبكم رسول الله، ولكنه إليكم خاصة، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم، فكان منهم. فأنزل الله: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم} [البقرة: 76] أي تقرون بأنه نبي، وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي صلى الله عليه وسلم الذي كنا ننتظر ونجده في كتابنا؟ اجحدوه ولا تقروا لهم به. يقول الله 02P147 : {أو لايعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون} " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " في قوله: {أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} [البقرة: 76] أي بما أنزل الله عليكم في كتابكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: " {قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} [البقرة: 76] أي بما من الله عليكم في كتابكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم، فإنكم إذا فعلتم ذلك احتجوا به عليكم {أفلا تعقلون} [البقرة : 76] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " {أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} [البقرة: 76] ليحتجوا به عليكم " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، قال: قال قتادة: " {أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} [البقرة: 76] يعني بما أنزل الله عليكم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونعته " وقال آخرون في ذلك بما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند 02P148 ربكم} [البقرة: 76] قال: قول يهود بني قريظة حين سبهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم إخوة القردة والخنازير، قالوا: من حدثك؟ هذا حين أرسل إليهم عليا فآذوا محمدا، فقال: «يا إخوة القردة والخنازير» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيقة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله؛ إلا أنه قال: هذا حين أرسل إليهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وآذوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اخسئوا يا إخوة القردة والخنازير» حدثنا القاسم، قال: حدثني الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: " في قوله، {أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} [البقرة: 76] قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة تحت حصونهم، فقال: «يا إخوان القردة ويا إخوان الخنازير ويا عبدة الطاغوت» فقالوا: من أخبر هذا محمدا؟

قسم V02/P147–V02/P150

ما خرج هذا إلا منكم {أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} [البقرة: 76] بما حكم الله للفتح ليكون لهم حجة عليكم؛ قال ابن جريج، عن مجاهد: هذا حين أرسل إليهم عليا فآذوا محمدا صلى الله عليه وسلم وقال آخرون بما حدثني موسى: قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} [البقرة: 76] من العذاب ليحاجوكم به عند ربكم؟ هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به، فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من 02P149 العذاب ليقولوا نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم؟ " وقال آخرون بما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: في قوله: {وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم} [البقرة: 76] قال: كانوا إذا سئلوا عن الشيء قالوا: أما تعلمون في التوراة كذا وكذا؟ قالوا: بلى. قال: وهم يهود، فيقول لهم رؤساؤهم الذين يرجعون إليهم: ما لكم تخبرونهم بالذي أنزل الله عليكم فيحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن» فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا آمنا، واكفروا إذا رجعتم. قال: فكانوا يأتون المدينة بالبكر ويرجعون إليهم بعد العصر. وقرأ قول الله: {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} [آل عمران: 72] وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون، ليعلموا خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره؛ وإذا رجعوا، رجعوا إلى الكفر. فلما أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بهم، قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون. وكان المؤمنون الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يظنون أنهم مؤمنون، فيقولون لهم: أليس قد قال الله لكم كذا وكذا؟ فيقولون: بلى. فإذا رجعوا إلى قومهم {قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} [البقرة: 76] الآية وأصل الفتح في كلام العرب: النصر والقضاء والحكم يقال منه: اللهم افتح بيني وبين فلان: أي احكم بيني وبينه، ومنه قول الشاعر [+البحر الوافر] ألا أبلغ بني عصم رسولا بأني عن فتاحتكم غني قال: ويقال للقاضي: الفتاح، ومنه قول الله عز وجل: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} [الأعراف: 89] أي احكم بيننا وبينهم. فإذا كان معنى الفتح ما وصفنا، تبين أن معنى قوله: {قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم} [البقرة: 76] إنما هو أتحدثونهم بما حكم الله به عليكم وقضاه فيكم، ومن حكمه جل ثناؤه عليهم ما أخذ به ميثاقهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به في التوراة، ومن قضائه فيهم أن جعل منهم القردة والخنازير، وغير ذلك من أحكامه وقضائه فيهم، وكل ذلك كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به حجة على المكذبين من اليهود المقرين بحكم التوراة وغير ذلك. فإن كان كذلك فالذي هو أولى عندي بتأويل الآية قول من قال: معنى ذلك: {أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} [البقرة: 76] من بعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى خلقه؛ لأن الله جل ثناؤه إنما قص في أول هذه الآية الخبر عن قولهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه: آمنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؛ فالذي هو أولى بآخرها أن يكون نظير الخبر عما ابتدئ به أولها. وإذا كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون تلاومهم كان فيما بينهم فيما كانوا أظهروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه من قولهم لهم: آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وكان قيلهم ذلك من أجل أنهم يجدون ذلك في كتبهم وكانوا يخبرون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فكان تلاومهم فيما بينهم إذا خلوا على ما كانوا يخبرونهم بما هو حجة للمسلمين عليهم عند ربهم.

قسم V02/P150–V02/P151

وذلك أنهم كانوا يخبرونهم عن وجود نعت محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم ويكفرون به، وكان فتح الله الذي فتحه للمسلمين على اليهود وحكمه عليهم لهم في كتابهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا بعث، فلما بعث كفروا به مع علمهم بنبوته وقوله: {أفلا تعقلون} [البقرة: 44] خبر من الله تعالى ذكره عن اليهود اللائمين إخوانهم على ما أخبروا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فتح الله لهم عليهم أنهم قالوا لهم: أفلا تفقهون أيها القوم وتعقلون أن إخباركم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بما في كتبكم أنه نبي مبعوث حجة لهم عليكم عند ربكم يحتجون بها عليكم؟ أي فلا تفعلوا ذلك، ولا تقولوا لهم مثل ما قلتم، ولا تخبروهم بمثل ما أخبرتموهم به من ذلك. فقال جل ثناؤه: {أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون} [البقرة: 77]

قسم V02/P151–V02/P153

[البقرة: 77] القول في تأويل قوله تعالى: {أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون} [البقرة: 77] يعني بقوله جل ثناؤه: {أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون} [البقرة: 77] أولا يعلم هؤلاء اللائمون من اليهود إخوانهم من أهل ملتهم، على كونهم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وعلى إخبارهم المؤمنين بما في كتبهم من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومبعثه، القائلون لهم: {أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم} [البقرة: 76] أن الله عالم بما يسرون فيخفونه عن المؤمنين في خلائهم من كفرهم وتلاومهم بينهم على إظهارهم ما أظهروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به من الإقرار بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعلى قيلهم لهم آمنا، ونهي بعضهم بعضا أن يخبروا المؤمنين بما فتح الله للمؤمنين عليهم، وقضى لهم عليهم في كتبهم من حقيقة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ومبعثه، وما يعلنون فيظهرونه لمحمد صلى الله عليه وسلم ولأصحابه المؤمنين به إذا لقوهم من قيلهم لهم: آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به نفاقا وخداعا لله ولرسوله وللمؤمنين كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {أولا يعلمون أن الله، يعلم ما يسرون} [البقرة: 77] من كفرهم وتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم إذا خلا بعضهم إلى بعض {وما يعلنون} [البقرة: 77] إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا آمنا ليرضوهم بذلك " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون} [البقرة: 77] يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم به، وهم يجدونه مكتوبا عندهم {وما يعلنون} [البقرة: 77] يعني ما أعلنوا حين قالوا للمؤمنين آمنا " 02P152 [البقرة: 78] القول في تأويل قوله تعالى: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون} [البقرة: 78] يعني بقوله جل ثناؤه: {ومنهم أميون} [البقرة: 78] ومن هؤلاء اليهود الذين قص الله قصصهم في هذه الآيات، وأيأس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من إيمانهم، فقال لهم: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه} [البقرة: 75] وهم إذا لقوكم قالوا آمنا كما حدثنا المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {ومنهم أميون} [البقرة: 78] يعني من اليهود " وحدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {ومنهم أميون} [البقرة: 78] قال: أناس من يهود " قال أبو جعفر يعني بالأميين: الذين لا يكتبون ولا يقرءون، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» يقال منه رجل أمي بين الأمية كما حدثني المثنى، قال: حدثني سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: " {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب} [البقرة: 78] قال: منهم من لا يحسن أن يكتب " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {ومنهم أميون} [البقرة: 78] قال: أميون لا يقرءون الكتاب من اليهود " وروي عن ابن عباس قول خلاف هذا القول وهو ما حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن 02P154 عباس: " {ومنهم أميون} [البقرة: 78] قال: الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله الله، ولا كتابا أنزله الله، فكتبوا كتابا بأيديهم، ثم قالوا لقوم سفلة جهال: {هذا من عند الله} [البقرة: 79] . وقال: قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم، ثم سماهم أميين لجحودهم كتب الله ورسله " وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم، وذلك أن الأمي عند العرب هو الذي لا يكتب. قال أبو جعفر: وأرى أنه قيل للأمي أمي نسبة له بأنه لا يكتب إلى أمه ، لأن الكتاب كان في الرجال دون النساء، فنسب من لا يكتب ولا يخط من الرجال إلى أمه في جهله بالكتابة دون أبيه كما ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» وكما قال: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} [الجمعة: 2] فإذا كان معنى الأمي في كلام العرب ما وصفنا، فالذي هو أولى بتأويل الآية ما قاله النخعي من أن معنى قوله: {ومنهم أميون} [البقرة: 78] ومنهم من لا يحسن أن يكتب 02P153

قسم V02/P153–V02/P156

[البقرة: 78] القول في تأويل قوله تعالى: {لا يعلمون الكتاب إلا أماني} [البقرة: 78] يعني بقوله: {لا يعلمون الكتاب} [البقرة: 78] لا يعلمون ما في الكتاب الذي أنزله الله ولا يدرون ما أودعه الله من حدوده وأحكامه وفرائضه كهيئة البهائم كالذي حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " في قوله، {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني} [البقرة: 78] إنما هم أمثال البهائم لا يعلمون شيئا " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {لا يعلمون الكتاب} [البقرة: 78] يقول: لا يعلمون الكتاب ولا يدرون ما فيه " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {لا يعلمون الكتاب} [البقرة: 78] لا يدرون ما فيه " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {لا يعلمون الكتاب} [البقرة: 78] قال: لا يدرون بما فيه " حدثنا بشر، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {لا يعلمون الكتاب} [البقرة: 78] لا يعلمون شيئا، لا يقرءون التوراة ليست تستظهر إنما تقرأ هكذا، فإذا لم يكتب أحدهم لم يستطع أن يقرأ " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " في قوله، {لا يعلمون الكتاب} [البقرة: 78] قال: لا يعرفون الكتاب الذي أنزله الله " قال أبو جعفر: وإنما عني بالكتاب: التوراة، ولذلك أدخلت فيه الألف واللام 02P156 لأنه قصد به كتاب معروف بعينه. ومعناه: ومنهم فريق لا يكتبون ولا يدرون ما في الكتاب الذي عرفتموه الذي هو عندهم وهم ينتحلونه ويدعون الإقرار به من أحكام الله وفرائضه وما فيه من حدوده التي بينها فيه {إلا أماني} [البقرة: 78] فقال بعضهم بما حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {إلا أماني} [البقرة: 78] يقول: إلا قولا يقولونه بأفواههم كذبا " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {لا يعلمون الكتاب إلا أماني} [البقرة: 78] إلا كذبا " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله وقال آخرون بما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {إلا أماني} [البقرة: 78] يقول: يتمنون على الله ما ليس لهم " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن 02P157 قتادة: " {إلا أماني} [البقرة: 78] يقول: يتمنون على الله الباطل وما ليس لهم " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " قوله: {لا يعلمون الكتاب إلا أماني} [البقرة: 78] يقول: إلا أحاديث " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني} [البقرة: 78] قال: أناس من يهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئا، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون هو من الكتاب، أماني يتمنونها " حدثنا المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {إلا أماني} [البقرة: 78] يتمنون على الله ما ليس لهم " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {إلا أماني} [البقرة: 78] قال: تمنوا فقالوا: نحن من أهل الكتاب.

قسم V02/P156–V02/P160

وليسوا منهم " وأولى ما روينا في تأويل قوله: {إلا أماني} [البقرة: 78] بالحق وأشبهه بالصواب، الذي قاله ابن عباس، الذي رواه عنه الضحاك، وقول مجاهد: إن الأميين الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآية أنهم لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله الله على موسى شيئا، ولكنهم يتخرصون الكذب ويتقولون الأباطيل كذبا وزورا. والتمني في هذا الموضع، هو تخلق الكذب وتخرصه وافتعاله، يقال منه: تمنيت كذا: إذا افتعلته وتخرصته. ومنه الخبر الذي روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: ما تغنيت ولا تمنيت. يعني بقوله ما تمنيت: ما تخرصت الباطل ولا اختلقت الكذب والإفك. والذي يدل على صحة ما قلنا في ذلك وأنه أولى بتأويل قوله: {إلا أماني} [البقرة: 78] من غيره من الأقوال، قول الله جل ثناؤه: {وإن هم إلا يظنون} [البقرة: 78] فأخبر عنهم جل ثناؤه أنهم يتمنون ما يتمنون من الأكاذيب ظنا منهم لا يقينا. ولو كان معنى ذلك أنهم يتلونه بما يكونوا ظانين، وكذلك لو كان معناه: يشتهونه؛ لأن الذي يتلوه إذا تدبره علمه، ولا يستحق الذي يتلو كتابا قرأه وإن لم يتدبره بتركه التدبير أن يقال: هو ظان لما يتلو إلا أن يكون شاكا في نفس ما يتلوه لا يدري أحق هو أم باطل. ولم يكن القوم الذين كانوا يتلون التوراة على عصر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود فيما بلغنا شاكين في التوراة أنها من عند الله. وكذلك المتمني الذي هو في معنى المشتهي غير جائز أن يقال: هو ظان في تمنيه، لأن التمني من المتمني إذا تمنى ما قد وجد عينه فغير جائز أن يقال: هو شاك فيما هو به عالم؛ لأن العلم والشك معنيان ينفي كل واحد منهما صاحبه لا يجوز اجتماعهما في حيز واحد، والمتمني في حال تمنيه موجود غير جائز أن يقال: هو يظن تمنيه. وإنما قيل: {لا يعلمون الكتاب إلا أماني} [البقرة: 78] والأماني من غير نوع الكتاب، كما قال ربنا جل ثناؤه: {ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} [النساء: 157] والظن من العلم بمعزل، وكما قال: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} [الليل: 20] وكما قال الشاعر: [+البحر الخفيف] ليس بيني وبين قيس عتاب غير طعن الكلى وضرب الرقاب وكما قال نابغة بني ذبيان: [+البحر الطويل] حلفت يمينا غير ذي مثنوية ولا علم إلا حسن ظن بغائب في نظائر لما ذكرنا يطول بإحصائها الكتاب. ويخرج بإلا ما بعدها من معنى ما قبلها، ومن صفته، وإن كان كل واحد منهما من غير شكل الآخر ومن غير نوعه، ويسمي ذلك بعض أهل العربية استثناء منقطعا لانقطاع الكلام الذي يأتي بعد إلا عن معنى ما قبلها. وإنما يكون ذلك كذلك في كل موضع حسن أن يوضع فيه مكان إلا لكن، فيعلم حينئذ انقطاع معنى الثاني عن معنى الأول، ألا ترى أنك إذا قلت: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني} [البقرة: 78] ثم أردت وضع لكن مكان إلا وحذف إلا، وجدت الكلام صحيحا معناه صحته وفيه إلا؟ وذلك إذا قلت: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب} [البقرة: 78] لكن أماني، يعني لكنهم يتمنون، وكذلك قوله: {ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} [النساء: 157] لكن اتباع الظن، بمعنى: لكنهم يتبعون الظن، وكذلك جميع هذا النوع من الكلام على ما وصفنا. وقد ذكر عن بعض القراء أنه قرأ: (إلا أماني) مخففة، ومن خفف ذلك وجهه إلى نحو جمعهم المفتاح مفاتح، والقرقور قراقر، وإن ياء الجمع لما حذفت خففت الياء الأصلية، أعني من الأماني، كما جمعوا الأثفية أثافي مخففة، كما قال زهير بن أبي سلمى: [+البحر الطويل] أثافي سفعا في معرس مرجل ونؤيا كجذم الحوض لم يتثلم وأما من ثقل: {أماني} [البقرة: 78] فشدد ياءها فإنه وجه ذلك إلى نحو جمعهم المفتاح مفاتيح، والقرقور قراقير، والزنبور زنابير، فاجتمعت ياء فعاليل ولامها وهما جميعا ياءان فأدغمت إحداهما في الأخرى فصارتا ياء واحدة مشددة.

قسم V02/P160

فأما القراءة التي لا يجوز غيرها عندي لقارئ في ذلك فتشديد ياء الأماني، لإجماع القراء على أنها القراءة التي مضى على القراءة بها السلف مستفيض ذلك بينهم غير مدفوعة صحته، وشذوذ القارئ بتخفيفها عما عليه الحجة مجمعة في ذلك وكفى خطأ على قارئ ذلك بتخفيفها إجماعا على تخطئته 02P161

قسم V02/P160–V02/P161

[البقرة: 78] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن هم إلا يظنون} [البقرة: 78] يعني بقوله جل ثناؤه: {وإن هم إلا يظنون} [البقرة: 78] وما هم كما قال جل ثناؤه: {قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم} [إبراهيم: 11] يعني بذلك: ما نحن إلا بشر مثلكم. ومعنى قوله: {إلا يظنون} [البقرة: 78] لا يشكون ولا يعلمون حقيقته وصحته، والظن في هذا الموضع الشك، فمعنى الآية: ومنهم من لا يكتب ولا يخط ولا يعلم كتاب الله ولا يدري ما فيه إلا تخرصا وتقولا على الله الباطل ظنا منه أنه محق في تخرصه وتقوله الباطل. وإنما وصفهم الله تعالى ذكره بأنهم في تخرصهم على ظن أنهم محقون وهم مبطلون، لأنهم كانوا قد سمعوا من رؤسائهم وأحبارهم أمورا حسبوها من كتاب الله، ولم تكن من كتاب الله، فوصفهم جل ثناؤه بأنهم يتركون التصديق بالذي يوقنون به أنه من عند الله مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ويتبعون ما هم فيه شاكون، وفي حقيقته مرتابون مما أخبرهم به كبراؤهم ورؤساؤهم وأحبارهم عنادا منهم لله ولرسوله، ومخالفة منهم لأمر الله واغترارا منهم بإمهال الله إياهم. وبنحو ما قلنا في تأويل قوله: {وإن هم إلا يظنون} [البقرة: 78] قال فيه المتأولون من السلف حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وإن هم إلا يظنون} [البقرة: 78] إلا يكذبون " حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون} [البقرة: 78] أي لا يعلمون ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون نبوتك بالظن " حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد ، عن قتادة: " {وإن هم إلا 02P163 يظنون} [البقرة: 78] قال: يظنون الظنون بغير الحق " حدثني المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: «يظنون الظنون بغير الحق» حدثت عن عمارة، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله 02P163

قسم V02/P161–V02/P164

[البقرة: 79] القول في تأويل قوله تعالى: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} [البقرة: 79] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {فويل} [البقرة: 79] فقال بعضهم بما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {فويل لهم} [البقرة: 79] يقول: فالعذاب عليهم " وقال آخرون بما حدثنا به ابن بشار، قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن زياد بن فياض، قال: سمعت أبا عياض، يقول: " الويل: ما يسيل من صديد في أصل جهنم " حدثنا بشر بن أبان الخطاب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن زياد بن 02P164 فياض، عن أبي عياض: " في قوله: {فويل} [البقرة: 79] قال: صهريج في أصل جهنم يسيل فيه صديدهم " حدثنا علي بن سهل الرملي، قال: حدثنا زيد بن أبي الزرقاء، قال: حدثنا سفيان عن زياد بن فياض، عن أبي عياض، قال: «الويل واد من صديد في جهنم» حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا مهران، عن شقيق، قال: " {ويل} [البقرة: 79] ما يسيل من صديد في أصل جهنم " وقال آخرون بما حدثنا به المثنى، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح التستري، قال: حدثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة بن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي، عن عثمان بن عفان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: «الويل جبل في النار» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ إلى قعره» 02P165 قال أبو جعفر: فمعنى الآية على ما روي عمن ذكرت قوله في تأويل {ويل} [البقرة: 79] فالعذاب الذي هو شرب صديد أهل جهنم في أسفل الجحيم لليهود الذين يكتبون الباطل بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله 02P164

قسم V02/P164–V02/P165

[البقرة: 79] القول في تأويل قوله تعالى: {للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا} [البقرة: 79] يعني بذلك: الذين حرفوا كتاب الله من يهود بني إسرائيل، وكتبوا كتابا على ما تأولوه من تأويلاتهم مخالفا لما أنزل الله على نبيه موسى صلى الله عليه وسلم، ثم باعوه من قوم لا علم لهم بها ولا بما في التوراة جهال بما في كتب الله لطلب عرض من الدنيا خسيس، فقال الله لهم: {فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} [البقرة: 79] كما حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا} [البقرة: 79] قال: كان ناس من اليهود كتبوا 02P166 كتابا من عندهم يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله ليأخذوا به ثمنا قليلا " حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: " الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله الله، ولا كتابا أنزله الله، فكتبوا كتابا بأيديهم، ثم قالوا لقوم سفلة جهال: {هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا} [البقرة: 79] قال: عرضا من عرض الدنيا " حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " في قول الله: {للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله} [البقرة: 79] قال: هؤلاء الذين عرفوا أنه من عند الله يحرفونه " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله، إلا أنه قال: ثم يحرفونه حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، عن قتادة : " {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم} [البقرة: 79] الآية، وهم اليهود " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " في قوله: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله} [البقرة: 79] قال: كان ناس من بني إسرائيل كتبوا كتابا بأيديهم ليتأكلوا الناس، فقالوا: هذا من عند الله، وما هو من عند الله " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " قوله: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا} [البقرة: 79] قال: عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم، فحرفوه عن مواضعه يبتغون بذلك عرضا من عرض الدنيا، فقال: {فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} [البقرة: 79] " حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا إبراهيم بن عبد السلام، قال: ثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي، عن عثمان بن عفان، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " {فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} [البقرة: 79] " الويل: جبل في النار " وهو الذي أنزل في اليهود لأنهم حرفوا التوراة، وزادوا فيها ما يحبون، ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة، فلذلك غضب الله عليهم فرفع بعض التوراة 02P168 فقال: {فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} [البقرة: 79] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: " {ويل} [البقرة: 79] واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لانماعت من شدة حره " قال أبوجعفر: إن قال لنا قائل: ما وجه {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم} [البقرة: 79] ؟ وهل تكون الكتابة بغير اليد حتى احتاج المخاطب بهذه المخاطبة إلى أن يخبروا عن هؤلاء القوم الذين قص الله قصتهم أنهم كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم؟

الأسئلة