Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

قسم V13/P352–V13/P356

وقيل: عنى بقوله: {آوى إليه أبويه} [يوسف: 99] أبوه وخالته وقال الذين قالوا هذا القول: كانت أم يوسف قد ماتت قبل، وإنما كانت عند يعقوب يومئذ خالته أخت أمه، كان نكحها بعد أمه ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: {فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه} [يوسف: 99] قال: «أبوه وخالته» . وقال آخرون: بل كان أباه وأمه ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه} [يوسف: 99] قال: «أباه وأمه» وأولى القولين في ذلك بالصواب ما قاله ابن إسحاق، لأن ذلك هو الأغلب في استعمال الناس والمتعارف بينهم في «أبوين» ، إلا أن يصح ما يقال من أن أم يوسف كانت قد ماتت قبل ذلك بحجة يجب التسليم لها، فيسلم حينئذ لها وقوله: {وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} [يوسف: 99] مما كنتم فيه في باديتكم من الجدب والقحط وقوله: {ورفع أبويه على العرش} [يوسف: 100] يعني على السرير، كما حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: {ورفع 13P353 أبويه على العرش} [يوسف: 100] قال: «السرير» حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن جويبر، عن الضحاك، قال: " العرش: السرير " قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ورفع أبويه على العرش} [يوسف: 100] قال: " السرير. حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ورفع أبويه على العرش} [يوسف: 100] قال: «سريره» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة 13P354 : {على العرش} [يوسف: 100] قال: «على السرير» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه ، عن ابن عباس: {ورفع أبويه على العرش} [يوسف: 100] يقول: «رفع أبويه على السرير» حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: قال سفيان: {ورفع أبويه على العرش} [يوسف: 100] قال: «على السرير» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ورفع أبويه على العرش} [يوسف: 100] قال: «مجلسه» حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سألت زيد بن أسلم عن قول الله تعالى: {ورفع أبويه على العرش} [يوسف: 100] فقلت: أبلغك أنها خالته، قال: قال ذلك بعض أهل العلم، يقولون: إن أمه ماتت قبل ذلك وإن هذه خالته " وقوله: {وخروا له سجدا} [يوسف: 100] يقول: وخر يعقوب وولده وأمه ليوسف سجدا حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وخروا له سجدا} [يوسف: 100] يقول: «رفع أبويه على السرير، وسجدا له، وسجد له إخوته» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: «تحمل يعني يعقوب بأهله حتى قدموا على يوسف، فلما اجتمع إلى يعقوب بنوه دخلوا على يوسف، فلما رأوه وقعوا له سجودا، وكانت تلك تحية الملوك في ذلك الزمان، أبوه وأمه وإخوته» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وخروا له سجدا} [يوسف: 100] ، «وكانت تحية من قبلكم، كان بها يحيي بعضهم بعضا، فأعطى الله هذه الأمة السلام، تحية أهل الجنة، كرامة من الله تبارك وتعالى عجلها لهم، ونعمة منه» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وخروا له سجدا} [يوسف: 100] قال: «وكانت تحية الناس يومئذ أن يسجد بعضهم لبعض» حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو إسحاق، قال: قال سفيان: {وخروا له سجدا} [يوسف: 100] قال: «كانت تحية فيهم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج 13P356 : {وخروا له سجدا} [يوسف: 100] أبواه وإخوته، كانت تلك تحيتهم كما تصنع ناس اليوم " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: {وخروا له سجدا} [يوسف: 100] قال: «تحية بينهم» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وخروا له سجدا} [يوسف: 100] قال: " قال: «ذلك السجود تشرفة، كما سجدت الملائكة لآدم تشرفة ليس بسجود عبادة» وإنما عنى من ذكر بقوله: إن السجود كان تحية بينهم، أن ذلك كان منهم على الخلق لا على وجه العبادة من بعضهم لبعض، ومما يدل على أن ذلك لم يزل من أخلاق الناس قديما على غير وجه العبادة من بعضهم لبعض، قول أعشى بني ثعلبة: [+البحر المتقارب] فلما أتانا بعيد الكرى سجدنا له ورفعنا العمارا وقوله: {يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا} [يوسف: 100] يقول جل ثناؤه: قال يوسف لأبيه: يا أبت هذا السجود الذي سجدت أنت وأمي 13P357 وإخوتي لي {تأويل رؤياي من قبل} [يوسف: 100] يقول: ما آلت إليه رؤياي التي كنت رأيتها، وهي رؤياه التي كان رآها قبل صنيع إخوته ما صنعوا، أن أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدون {قد جعلها ربي حقا} [يوسف: 100] يقول: قد حققها ربي لمجيء تأويلها على الصحة.

قسم V13/P356–V13/P359

وقد اختلف أهل العلم في قدر المدة التي كانت بين رؤيا يوسف وبين تأويلها، فقال بعضهم: كانت مدة ذلك أربعين سنة ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال: ثنا أبو عثمان، عن سلمان الفارسي، قال: «كان بين رؤيا يوسف إلى أن رأى تأويلها أربعون سنة» حدثني يعقوب بن برهان، ويعقوب بن إبراهيم، قالا: ثنا ابن علية، قال: ثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، قال: قال عثمان: " كانت بين رؤيا يوسف وبين أن رأى تأويله قال: فذكر أربعين سنة " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا ابن علية، عن التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: «كان بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أبي سنان، عن 13P358 عبد الله بن شداد، قال: " رأى تأويل رؤياه بعد أربعين عاما . قال: ثنا سفيان، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان مثله حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيل، عن ضرار، عن عبد الله بن شداد، أنه سمع قوما يتنازعون في رؤيا رآها بعضهم وهو يصلي، فلما انصرف سألهم عنها، فكتموه فقال: «أما إنه جاء تأويل رؤيا يوسف بعد أربعين عاما» حدثنا أبو كريب قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن ضرار بن مرة أبي سنان، عن عبد الله بن شداد قال: " كان بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة. حدثنا ابن وكيع قال: ثنا ابن فضيل وجرير، عن أبي سنان قال: سمع عبد الله بن شداد قوما يتنازعون في رؤيا، فذكر نحو حديث أبي السائب، عن ابن فضيل حدثنا أحمد قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا سفيان، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: «رأى تأويل رؤياه بعد أربعين عاما» حدثنا الحسن بن محمد قال: أخبرنا ابن عيينة، عن أبي سنان، عن عبد الله بن شداد قال: «وقعت رؤيا يوسف بعد أربعين سنة، وإليها تنتهي أقصى الرؤيا» قال: ثنا معاذ بن معاذ قال: ثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: «كان بين رؤيا يوسف وبين أن رأى تأويلها أربعون سنة» قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: «كان بين رؤيا يوسف وبين عبارتها أربعون سنة» قال: حدثنا سعيد بن سليمان قال: ثنا هشيم، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: «كان بين رؤيا يوسف وبين أن رأى تأويلها أربعون سنة» قال: ثنا عمرو بن محمد العنقزي، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي سنان، عن عبد الله بن شداد قال: «كان بين رؤيا يوسف وبين تعبيرها أربعون سنة» .

قسم V13/P359–V13/P361

وقال آخرون: كانت مدة ذلك ثمانين سنة ذكر من قال ذلك: حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا عبد الوهاب الثقفي، قال: ثنا هشام، عن الحسن، قال: «كان منذ فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة، لم يفارق الحزن قلبه، ودموعه تجري على خديه، وما على وجه الأرض يومئذ عبد أحب إلى الله من يعقوب» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن أبي جعفر جسر بن فرقد قال: «كان بين أن فقد يعقوب يوسف إلى يوم رد عليه ثمانون سنة» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حسن بن علي، عن فضيل بن عياض، قال: « 13P360 سمعت أنه كان بين فراق يوسف حجر يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة» حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا داود بن مهران، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، عن يونس، عن الحسن، قال: «ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان بين ذلك وبين لقائه يعقوب ثمانون سنة، وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة، ومات وهو ابن عشرين ومائة سنة» قال: ثنا سعيد بن سليمان قال: ثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن نحوه، غير أنه قال: «ثلاث وثمانون سنة» قال: ثنا داود بن مهران قال: ثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن قال: «ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة وكان في العبودية وفي السجن وفي الملك ثمانين سنة، ثم جمع الله عز وجل شمله، وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة» حدثني الحارث قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: «ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة، فغاب عن أبيه ثمانين سنة، ثم عاش بعدما جمع الله له شمله، ورأى تأويل رؤياه ثلاثا وعشرين سنة، فمات وهو ابن عشرين ومائة سنة» حدثنا مجاهد قال: ثنا يزيد قال: أخبرنا هشيم، عن الحسن قال: «غاب يوسف عن أبيه في الجب وفي السجن حتى التقيا ثمانين عاما، فما جفت عينا يعقوب، وما على الأرض أحد أكرم على الله من يعقوب» . وقال آخرون: كانت مدة ذلك ثمان عشرة سنة ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " ذكر لي والله أعلم أن غيبة يوسف عن يعقوب كانت ثمان عشرة سنة قال: وأهل الكتاب يزعمون أنها كانت أربعين سنة أو نحوها، وأن يعقوب بقي مع يوسف بعد أن قدم عليه مصر سبع عشرة سنة، ثم قبضه الله إليه " وقوله: {وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن، وجاء بكم من البدو} [يوسف: 100] يقول جل ثناؤه مخبرا عن قيل يوسف: وقد أحسن الله بي في إخراجه إياي من السجن الذي كنت فيه محبوسا، وفي مجيئه بكم من البدو وذلك أن مسكن يعقوب وولده فيما ذكر كان ببادية فلسطين، كذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: «كان منزل يعقوب وولده فيما ذكر لي بعض أهل العلم بالعربات من أرض فلسطين ثغور الشام، 13P362 وبعض يقول بالأولاج من ناحية الشعب، وكان صاحب بادية، له إبل وشاء» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، قال: أخبرنا شيخ لنا «أن يعقوب كان ببادية فلسطين» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو} [يوسف: 100] وكان يعقوب وبنوه أرض كنعان أهل مواش وبرية " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {وجاء بكم من البدو} [يوسف: 100] وقال: «كانوا أهل بادية وماشية» والبدو مصدر من قول القائل: بدا فلان: إذا صار بالبادية يبدو بدوا، وذكر أن يعقوب دخل مصر هو ومن معه من أولاده وأهاليهم وأبنائهم يوم دخلوها وهم أقل من مائة، وخرجوا منها يوم خرجوا منها وهم زيادة على ست مائة ألف.

قسم V13/P361–V13/P363

ذكر الرواية بذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن الحباب، وعمرو بن محمد، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن شداد، قال: «اجتمع آل يعقوب إلى يوسف بمصر وهم ستة وثمانون إنسانا، صغيرهم 13P363 وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، وخرجوا من مصر يوم أخرجهم فرعون وهم ست مائة ألف ونيف» قال: ثنا عمرو، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: " خرج أهل يوسف من مصر وهم ست مائة ألف وسبعون ألفا، فقال فرعون: إن هؤلاء لشرذمة قليلون " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن إسرائيل، والمسعودي، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود، قال: «دخل بنو إسرائيل مصر وهم ثلاث وستون إنسانا، وخرجوا منها وهم ست مائة ألف» . قال إسرائيل في حديثه: ست مائة ألف وسبعون ألفا حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسروق، قال: «دخل أهل يوسف مصر وهم ثلاث مائة وتسعون من بين رجل وامرأة» وقوله: {من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي} [يوسف: 100] يعني: من بعد أن أفسد ما بيني وبينهم وجهل بعضنا على بعض، يقال منه: نزغ الشيطان بين فلان وفلان، ينزغ نزغا ونزوغا وقوله: {إن ربي لطيف لما يشاء} [يوسف: 100] يقول: إن ربي ذو لطف وصنع لما 13P364 يشاء، ومن لطفه وصنعه أنه أخرجني من السجن وجاء بأهلي من البدو بعد الذي كان بيني وبينهم من بعد الدار، وبعد ما كنت فيه من العبودة، والرق، والإسار، كالذي حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن ربي لطيف لما يشاء} [يوسف: 100] «لطف بيوسف وصنع له حتى أخرجه من السجن، وجاء بأهله من البدو، ونزع من قلبه نزغ الشيطان وتحريشه على إخوته» وقوله: {إنه هو العليم} [يوسف: 100] بمصالح خلقه، وغير ذلك لا يخفى عليه مبادي الأمور وعواقبها {الحكيم} [يوسف: 100] في تدبيره 13P364

قسم V13/P363–V13/P367

[يوسف: 101] القول في تأويل قوله تعالى: {رب قد آتيتني من الملك، وعلمتني من تأويل الأحاديث، فاطر السموات والأرض، أنت وليي في الدنيا والأخرة، توفني مسلما وألحقني بالصالحين} [يوسف: 101] يقول تعالى ذكره: قال يوسف بعد ما جمع الله له أبويه وإخوته، وبسط عليه من الدنيا ما بسط من الكرامة، ومكنه في الأرض، متشوقا إلى لقاء آبائه الصالحين: {رب قد آتيتني من الملك} [يوسف: 101] يعني: من ملك مصر، {وعلمتني من تأويل الأحاديث} [يوسف: 101] يعني من عبارة الرؤيا، تعديدا لنعم الله وشكرا له عليها {فاطر السموات والأرض} يقول: يا فاطر السموات والأرض، يا خالقها وبارئها، {أنت وليي في الدنيا والآخرة} [يوسف: 101] يقول: أنت وليي في دنياي على من عاداني وأرادني بسوء بنصرك، وتغذوني فيها بنعمتك، وتليني في الآخرة بفضلك ورحمتك {توفني مسلما} [يوسف: 101] يقول: اقبضني إليك مسلما {وألحقني بالصالحين} [يوسف: 101] يقول: وألحقني بصالح آبائي إبراهيم وإسحاق ومن قبلهم من أنبيائك ورسلك. وقيل: إنه لم يتمن أحد من الأنبياء الموت قبل يوسف ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث} [يوسف: 101] الآية، كان ابن عباس يقول: «أول نبي سأل الله الموت يوسف» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، قوله: {رب قد آتيتني من الملك} [يوسف: 101] الآية قال: " اشتاق إلى لقاء ربه، وأحب أن يلحق به وبآبائه، فدعا الله أن يتوفاه ويلحقه بهم، ولم يسأل نبي قط الموت غير يوسف، فقال: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث} [يوسف: 101] الآية ". قال ابن جريج: في بعض القرآن من الأنبياء من قال: توفني حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {توفني 13P366 مسلما وألحقني بالصالحين} [يوسف: 101] «لما جمع شمله، وأقر عينه، وهو يومئذ مغموس في نعيم الدنيا، وملكها، وغضارتها، فاشتاق إلى الصالحين قبله» وكان ابن عباس يقول: «ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف» حدثني المثنى قال: أخبرنا إسحاق قال: أخبرنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة قال: " لما جمع ليوسف شمله، وتكاملت عليه النعم سأل لقاء ربه، فقال: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث، فاطر السموات والأرض، أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفني مسلما وألحقني بالصالحين} قال قتادة: «ولم يتمن الموت أحد قط نبي ولا غيره إلا يوسف» حدثني المثنى، قال: ثنا هشام، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثني غير واحد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " أن يوسف النبي صلى الله عليه وسلم لما جمع بينه وبين أبيه وإخوته، وهو يومئذ ملك مصر، اشتاق إلى الله وإلى آبائه الصالحين إبراهيم وإسحاق قال: {رب قد آتيتني من الملك، وعلمتني من تأويل الأحاديث، فاطر السموات والأرض، أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفني مسلما وألحقني بالصالحين} " حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وعلمتني من تأويل الأحاديث} [يوسف: 101] قال: « 13P367 العبارة» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} [يوسف: 101] يقول: «توفني على طاعتك، واغفر لي إذا توفيتني» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " قال يوسف حين رأى ما رأى من كرامة الله وفضله عليه وعلى أهل بيته حين جمع الله له شمله، ورده على والده، وجمع بينه وبينه فيما هو فيه من الملك والبهجة: {يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا} [يوسف: 100] إلى قوله: {إنه هو العليم الحكيم} [يوسف: 100] ثم ارعوى يوسف، وذكر أن ما هو فيه من الدنيا بائد وذاهب، فقال: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث، فاطر السموات والأرض، أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفني مسلما وألحقني بالصالحين} ".

قسم V13/P367–V13/P369

وذكر أن بني يعقوب الذين فعلوا بيوسف ما فعلوا استغفر لهم أبوهم، فتاب الله عليهم وعفا عنهم وغفر لهم ذنبهم ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن صالح المري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، قال: " إن الله تبارك وتعالى بما جمع ليعقوب شمله، وأقر عينه، خلا ولده نجيا، فقال بعضهم لبعض: ألستم قد علمتم ما صنعتم، وما لقي منكم الشيخ، وما لقي منكم يوسف؟ قالوا: بلى، قال: فيغركم عفوهما عنكم، فكيف لكم بربكم؟ فاستقام أمرهم على أن أتوا الشيخ، فجلسوا بين يديه، ويوسف إلى جنب أبيه قاعد، قالوا: يا أبانا، أتيناك في أمر لم نأتك في أمر مثله قط، ونزل بنا أمر لم ينزل بنا مثله، حتى حركوه، والأنبياء أرحم البرية، فقال: مالكم يا بني؟ قالوا: ألست قد علمت ما كان منا إليك، وما كان منا إلى أخينا يوسف؟ قال: بلى، قالوا: أفلستما قد عفوتما؟ قالا: بلى، قالوا: فإن عفوكما لا يغني عنا شيئا إن كان الله لم يعف عنا، قال: فما تريدون يا بني؟ قالوا: نريد أن تدعو الله لنا، فإذا جاءك الوحي من عند الله بأنه قد عفا عما صنعنا قرت أعيننا واطمأنت قلوبنا، وإلا فلا قرة عين في الدنيا لنا أبدا. قال: فقام الشيخ واستقبل القبلة، وقام يوسف خلف أبيه، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين، قال: فدعا وأمن يوسف، فلم يجب فيهم عشرين سنة. قال صالح المري: يخيفهم. قال: حتى إذا كان رأس العشرين، نزل جبرئيل صلى الله عليه وسلم على يعقوب عليه السلام، فقال: إن الله تبارك وتعالى بعثني إليك أبشرك بأنه قد أجاب دعوتك في ولدك، وأنه قد عفا عما صنعوا، وأنه قد اعتقد مواثيقهم من بعدك على النبوة " حدثني المثنى، قال: ثنا الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، قال: " والله لو كان قتل يوسف مضى لأدخلهم الله النار كلهم، ولكن الله جل ثناؤه أمسك نفس يوسف ليبلغ فيه أمره 13P369 ورحمة لهم، ثم يقول: والله ما قص الله نبأهم يعيرهم بذلك، إنهم لأنبياء من أهل الجنة، ولكن الله قص علينا نبأهم لئلا يقنط عبده ". وذكر أن يعقوب توفي قبل يوسف، وأوصى إلى يوسف وأمره أن يدفنه عند قبر أبيه إسحاق ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي، قال: " لما حضر الموت يعقوب أوصى إلى يوسف أن يدفنه عند إبراهيم وإسحاق، فلما مات نفخ فيه المر وحمله إلى الشام. قال: فلما بلغوا إلى ذلك المكان أقبل عيص أخو يعقوب فقال: غلبني على الدعوة، فوالله لا يغلبني على القبر، فأبى أن يتركهم أن يدفنوه، فلما احتبسوا قال هشام بن دان بن يعقوب ، وكان هشام أصم، لبعض إخوته: ما لجدي لا يدفن؟ قالوا: هذا عمك يمنعه، قال: أرونيه أين هو فلما رآه، رفع هشام يده فوجأ بها رأس العيص وجأة سقطت عيناه على فخذ يعقوب، فدفنا في قبر واحد " 13P369

قسم V13/P369–V13/P371

[يوسف: 102] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون} [يوسف: 102] يقول تعالى ذكره: هذا الخبر الذي أخبرتك به من خبر يوسف ووالده يعقوب وإخوته وسائر ما في هذه السورة {من أنباء الغيب} [آل عمران: 44] يقول: من أخبار الغيب الذي لم تشاهده، ولم تعاينه، ولكنا {نوحيه إليك} [آل عمران: 44] ونعرفكه، لنثبت به فؤادك، ونشجع به قلبك، وتصبر على ما نالك من الأذى من قومك في ذات الله، وتعلم أن من قبلك من رسل الله إذ صبروا على ما نالهم فيه، وأخذوا بالعفو، وأمروا بالعرف، وأعرضوا عن الجاهلين، فازوا بالظفر، وأيدوا بالنصر، ومكنوا في البلاد، وغلبوا من قصدوا من أعدائهم وأعداء دين الله، يقول الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فبهم يا محمد فتأس، وآثارهم فقص {وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون} [يوسف: 102] يقول: وما كنت حاضرا عند إخوة يوسف، إذ أجمعوا، واتفقت آراؤهم، وصحت عزائمهم على أن يلقوا يوسف في غيابة الجب، وذلك كان مكرهم الذي قال الله عز وجل {وهم يمكرون} [يوسف: 102] ، كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وما كنت لديهم} [آل عمران: 44] يعني محمدا صلى الله عليه وسلم يقول: ما كنت لديهم وهم يلقونه في غيابة الجب وهم يمكرون: أي بيوسف " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: {وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون} [يوسف: 102] الآية، قال: هم بنو يعقوب " 13P370 [يوسف: 103] القول في تأويل قوله تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103] يقول جل ثناؤه: وما أكثر مشركي قومك يا محمد، ولو حرصت على أن يؤمنوا بك فيصدقوك، ويتبعوا ما جئتهم به من عند ربك بمصدقيك ولا متبعيك 13P370 [يوسف: 104] القول في تأويل قوله تعالى: {وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين} [يوسف: 104] يقول تعالى ذكره لمحمد صلى الله عليه وسلم: وما تسأل يا محمد هؤلاء الذين ينكرون نبوتك ويمتنعون من تصديقك والإقرار بما جئتهم به من عند ربك على ما تدعوهم إليه من إخلاص العبادة لربك، وهجر عبادة الأوثان، وطاعة الرحمن {من أجر} [يونس: 72] يعني من ثواب وجزاء منهم، بل إنما ثوابك وأجر عملك على الله، يقول: ما تسألهم على ذلك ثوابا، فيقولوا لك: إنما تريد بدعائك إيانا إلى اتباعك لننزل لك عن أموالنا إذا سألتنا ذلك، وإذ كنت لا تسألهم ذلك فقد كان حقا عليهم أن يعلموا أنك إنما تدعوهم إلى ما تدعوهم إليه اتباعا منك لأمر ربك، ونصيحة منك لهم، وأن لا يستغشوك وقوله: {إن هو إلا ذكر للعالمين} [يوسف: 104] يقول تعالى ذكره: ما هذا الذي أرسلك به ربك يا محمد من النبوة والرسالة إلا ذكر، يقول: إلا عظة وتذكير للعالمين، ليتعظوا ويتذكروا به 13P371 [يوسف: 105] القول في تأويل قوله تعالى: {وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون} يقول جل وعز: وكم من آية في السموات والأرض لله، وعبرة وحجة، وذلك كالشمس، والقمر، والنجوم، ونحو ذلك من آيات السموات، وكالجبال، والبحار، والنبات، والأشجار، وغير ذلك من آيات الأرض، {يمرون عليها} [يوسف: 105] يقول: يعاينونها فيمرون بها معرضين عنها، لا يعتبرون بها، ولا 13P372 يفكرون فيها، وفيما دلت عليه من توحيد ربها، وأن الألوهية لا تبتغي إلا للواحد القهار الذي خلقها وخلق كل شيء فدبرها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها} وهي في مصحف عبد الله: (يمشون عليها) السماء والأرض آيتان عظيمتان " 13P372

قسم V13/P371–V13/P375

[يوسف: 106] القول في تأويل قوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] يقول تعالى ذكره: وما يقر أكثر هؤلاء الذين وصف عز وجل صفتهم بقوله: {وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون} بالله، أنه خالقه ورازقه وخالق كل شيء، إلا وهم به مشركون في عبادتهم الأوثان والأصنام، واتخاذهم من دونه أربابا، وزعمهم أنه له ولدا، تعالى الله عما يقولون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد 13P373 بن جبير، عن ابن عباس: {وما يؤمن أكثرهم بالله} [يوسف: 106] الآية، قال: " من إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماء، ومن خلق الأرض، ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون " حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] قال: " تسألهم من خلقهم ومن خلق السموات والأرض، فيقولون: الله، فذلك إيمانهم بالله، وهم يعبدون غيره " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، وعكرمة: {وما يؤمن أكثرهم بالله} [يوسف: 106] الآية، قالا: «يعلمون أنه ربهم، وأنه خلقهم، وهم مشركون به» . حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر وعكرمة بنحوه قال: ثنا ابن نمير، عن نصر، عن عكرمة: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] قال: " من إيمانهم إذا قيل لهم: من خلق السموات؟ قالوا: الله، وإذا سئلوا: من خلقهم؟ قالوا: الله وهم يشركون به بعد " قال: ثنا أبو نعيم، عن الفضل بن يزيد الثمالي، عن عكرمة قال: " هو 13P374 قول الله: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} ، فإذا سئلوا عن الله وعن صفته، وصفوه بغير صفته، وجعلوا له ولدا، وأشركوا به " حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] " إيمانهم قولهم: الله خالقنا، ويرزقنا، ويميتنا " حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] " فإيمانهم قولهم: الله خالقنا، ويرزقنا، ويميتنا " حدثني المثنى قال: أخبرنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] " إيمانهم قولهم: الله خالقنا، ويرزقنا، ويميتنا، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره " قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] قال: " إيمانهم قولهم: الله خالقنا، ويرزقنا، ويميتنا " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا هانئ بن سعيد، وأبو معاوية، عن حجاج، عن القاسم، عن مجاهد قال: " يقولون: الله ربنا، وهو يرزقنا، وهم يشركون به بعد " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: " إيمانهم قولهم: الله خالقنا، ويرزقنا، ويميتنا " قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة، ومجاهد، وعامر، أنهم قالوا في هذه الآية: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] قال: «ليس أحد إلا وهو يعلم أن الله خلقه، وخلق السموات والأرض، فهذا إيمانهم، ويكفرون بما سوى ذلك» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] «في إيمانهم هذا، إنك لست تلقى أحدا منهم إلا أنبأك أن الله ربه، وهو الذي خلقه، ورزقه، وهو مشرك في عبادته» حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وما يؤمن أكثرهم بالله} [يوسف: 106] الآية، قال: " لا تسأل أحدا من المشركين من ربك، إلا قال: ربي الله، وهو يشرك في ذلك " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] يعني النصارى يقول: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} ، {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} [الزخرف: 87] ولئن سألتهم من يرزقكم من السماء والأرض؟

قسم V13/P375

ليقولن الله، وهم مع ذلك يشركون به، ويعبدون غيره، ويسجدون للأنداد دونه " حدثني المثنى، قال: أخبرنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قال: «كانوا يشركون به في تلبيتهم» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن عبد الملك، عن عطاء: {وما يؤمن أكثرهم بالله} [يوسف: 106] الآية، قال: «يعلمون أن الله ربهم، وهم يشركون به بعد» حدثني المثنى قال: ثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء في قوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] قال: «يعلمون أن الله خالقهم ورازقهم، وهم يشركون به» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال: سمعت ابن زيد، يقول: {وما يؤمن أكثرهم بالله} [يوسف: 106] الآية، قال: " ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله، ويعرف أن الله ربه، وأن الله خالقه ورازقه، وهو يشرك به، ألا ترى كيف قال إبراهيم: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} [الشعراء: 76] قد عرف أنهم يعبدون رب العالمين مع ما يعبدون، قال: فليس أحد يشرك به إلا وهو مؤمن به، ألا ترى كيف كانت العرب تلبي، تقول: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك؟ المشركون كانوا يقولون هذا " 13P376

قسم V13/P375–V13/P379

[يوسف: 107] القول في تأويل قوله تعالى: {أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله، أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون} [يوسف: 107] يقول جل ثناؤه: أفأمن هؤلاء الذين لا يقرون بأن الله ربهم إلا وهم مشركون في عبادتهم إياه غيره، {أن تأتيهم غاشية من عذاب الله} [يوسف: 107] تغشاهم من عقوبة الله وعذابه، على شركهم بالله، أو تأتيهم القيامة فجأة وهم مقيمون على شركهم وكفرهم بربهم، فيخلدهم الله عز وجل في ناره وهم لا يدرون بمجيئها وقيامها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {أن تأتيهم غاشية من عذاب الله} [يوسف: 107] قال: «تغشاهم» حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا شبابة قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {غاشية من عذاب الله} [يوسف: 107] قال: " تغشاهم. حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله. قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن 13P378 مجاهد، مثله. حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله} [يوسف: 107] أي عقوبة من عذاب الله " حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {غاشية من عذاب الله} [يوسف: 107] قال: «غاشية واقعة تغشاهم من عذاب الله» 13P378 [يوسف: 108] القول في تأويل قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} [يوسف: 108] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قل} [البقرة: 80] يا محمد {هذه} [البقرة: 35] الدعوة التي أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته وترك معصيته {سبيلي} [آل عمران: 195] وطريقتي ودعوتي {أدعو إلى الله} [يوسف: 108] وحده لا شريك له {على بصيرة} [يوسف: 108] بذلك ويقين علم مني به، {أنا و} يدعو إليه على بصيرة أيضا {من اتبعني} [يوسف: 108] وصدقني وآمن بي {وسبحان الله} [يوسف: 108] يقول له تعالى ذكره: وقل تنزيها لله وتعظيما له من أن يكون له شريك في ملكه، أو معبود سواه في سلطانه ، {وما أنا من المشركين} [الأنعام: 79] يقول: وأنا بريء من أهل الشرك به، لست منهم، ولا هم مني. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، في قوله: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة} [يوسف: 108] يقول: «هذه دعوتي» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة} [يوسف: 108] قال: " هذه سبيلي، هذا أمري وسنتي ومنهاجي {أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} [يوسف: 108] قال: «وحق الله وعلى من اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه، ويذكر بالقرآن والموعظة، وينهى عن معاصي الله» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، قوله: {قل هذه سبيلي} [يوسف: 108] «هذه دعوتي» حدثنا ابن حميد قال: ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع: {قل هذه سبيلي} [يوسف: 108] قال: «هذه دعوتي» 13P379

قسم V13/P379–V13/P381

[يوسف: 109] القول في تأويل قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى، أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، ولدار الآخرة خير للذين اتقوا، أفلا تعقلون} [يوسف: 109] يقول تعالى ذكره: {وما أرسلنا} [النساء: 64] يا محمد {من قبلك إلا رجالا} [يوسف: 109] لا نساء ولا ملائكة، {نوحي إليهم} [يوسف: 109] آياتنا بالدعاء إلى طاعتنا وإفراد العبادة لنا {من أهل القرى} [يوسف: 109] يعني من أهل الأمصار، دون أهل البوادي، كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} [يوسف: 109] لأنهم كانوا أحلم وأحلم من أهل العمود " وقوله: {أفلم يسيروا في الأرض} [يوسف: 109] يقول تعالى ذكره: أفلم يسر هؤلاء المشركون الذين يكذبونك يا محمد، ويجحدون نبوتك، وينكرون ما جئتهم به من توحيد الله، وإخلاص الطاعة والعبادة له في الأرض، {فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} [يوسف: 109] إذ كذبوا رسلنا، ألم نحل بهم عقوبتنا، فنهلكهم بها، وننج منها رسلنا وأتباعنا، فيتفكروا في ذلك ويعتبروا؟ ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج: قوله: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم} [يوسف: 109] قال: " إنهم قالوا: {ما أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام: 91] قال: " وقوله: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين وما تسألهم عليه من أجر} [يوسف: 104] ، وقوله: {وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها} ، وقوله: {أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله} [يوسف: 107] ، وقوله: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا} [يوسف: 109] من أهلكنا؟ قال: فكل ذلك قال لقريش: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا في آثارهم فيعتبروا ويتفكروا " وقوله: {ولدار الآخرة خير} [يوسف: 109] يقول تعالى ذكره: هذا فعلنا في الدنيا بأهل ولايتنا وطاعتنا، إن عقوبتنا إذا نزلت بأهل معاصينا والشرك بنا أنجيناهم منها، وما في الدار الآخرة لهم خير، وترك ذكر ما ذكرنا اكتفاء بدلالة قوله: {ولدار الآخرة خير للذين اتقوا} [يوسف: 109] عليه، وأضيفت الدار إلى الآخرة، وهي الآخرة، لاختلاف لفظهما، كما قيل: {إن هذا لهو حق اليقين} [الواقعة: 95] وكما قيل: أتيتك عام 13P382 الأول، وبارحة الأولى، وليلة الأولى، ويوم الخميس، وكما قال الشاعر: [+البحر الوافر] أتمدح فقعسا وتذم عبسا ألا لله أمك من هجين ولو أقوت عليك ديار عبس عرفت الذل عرفان اليقين يعني عرفانا به يقينا. فتأويل الكلام: وللدار الآخرة خير للذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه وقوله: {أفلا تعقلون} [البقرة: 44] يقول: أفلا يعقل هؤلاء المشركون بالله حقيقة ما نقول لهم ونخبرهم به من سوء عاقبة الكفر، وغب ما يصير إليه حال أهله مع ما قد عاينوا ورأوا وسمعوا مما حل بمن قبلهم من الأمم الكافرة المكذبة رسل ربها 13P382

قسم V13/P381–V13/P382

[يوسف: 110] القول في تأويل قوله تعالى: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء، ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين} [يوسف: 110] يقول تعالى ذكره: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم من أهل 13P383 القرى، فدعوا من أرسلنا إليهم، فكذبوهم، وردوا ما أتوا به من عند الله، حتى إذا استيأس الرسل الذين أرسلناهم إليهم منهم أن يؤمنوا بالله، ويصدقوهم فيما أتوهم به من عند الله، وظن الذين أرسلناهم إليهم من الأمم المكذبة أن الرسل الذين أرسلناهم، قد كذبوهم فيما كانوا أخبروهم عن الله من وعده إياهم نصرهم عليهم، جاءهم نصرنا، وذلك قول جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو السائب سلم بن جنادة قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن ابن عباس، في قوله: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] قال: «لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم، جاءهم النصر على ذلك، فننجي من نشاء» . حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا أبو معاوية الضرير قال: ثنا الأعمش، عن مسلم، عن ابن عباس بنحوه، غير أنه قال في حديثه قال: «أيست الرسل» ، ولم يقل: «لما أيست» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] «أن يسلم قومهم، وظن قوم الرسل أن الرسل قد كذبوا، جاءهم نصرنا» . 13P384 حدثنا ابن بشار قال: ثنا مؤمل قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، مثله حدثنا ابن وكيع قال: ثنا عمران بن عيينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] قال: " حتى إذا استيأس الرسل من قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا، {جاءهم نصرنا} [يوسف: 110] " حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن عمران السلمي، عن ابن عباس: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] «أيس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبتهم» حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال: ثنا جرير، عن حصين، عن عمران بن الحارث السلمي، عن عبد الله بن عباس في قوله: {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] قال: " استيأس الرسل من قومهم أن يستجيبوا لهم {وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] قال: «ظن قومهم أنهم جاءوهم بالكذب» حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت حصينا، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس: " {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] من أن يستجيب لهم 13P385 قومهم، وظن قومهم أن قد كذبوهم، {جاءهم نصرنا} [يوسف: 110] " حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس قال: ثنا عبثر قال: ثنا حصين، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس في هذه الآية: {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] قال: " استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم فيما وعدوا وكذبوا، {جاءهم نصرنا} [يوسف: 110] " حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن حصين، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس قال: {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] من نصر قومهم {وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] ظن قومهم أنهم قد كذبوهم " حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا محمد بن الصباح قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا حصين، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس في قوله: {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] قال: " من قومهم أن يؤمنوا بهم، وأن يستجيبوا لهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم {جاءهم نصرنا} [يوسف: 110] يعني الرسل.

قسم V13/P382–V13/P387

حدثني المثنى قال: ثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم، عن حصين، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس بمثله سواء حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن هارون، عن عباد القرشي، عن عبد الرحمن بن معاوية، عن ابن عباس: {وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] خفيفة، وتأويلها عنده، وظن القوم أن الرسل قد كذبوا " حدثنا أبو بكر قال: ثنا طلق بن غنام، عن زائدة، عن الأعمش، عن مسلم، عن ابن عباس قال: {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] من قومهم أن يصدقوهم، وظن قومهم أن قد كذبتهم رسلهم، {جاءهم نصرنا} [يوسف: 110] " حدثني المثنى قال: ثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] يعني: أيس الرسل من أن يتبعهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا، فينصر الله الرسل، ويبعث العذاب " حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي ، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا} [يوسف: 110] حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يطيعوهم ويتبعوهم، وظن قومهم أن رسلهم كذبوهم {جاءهم نصرنا} [يوسف: 110] " حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا محمد بن فضيل، عن حصين، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس: {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] من قومهم {وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] قال: «فما أبطأ عليهم إلا من ظن أنهم قد كذبوا» قال: ثنا آدم العسقلاني قال: ثنا شعبة قال: أخبرنا حصين بن عبد الرحمن، عن عمران بن الحارث قال: سمعت ابن عباس يقول: {وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] خفيفة، وقال ابن عباس: «ظن القوم أن الرسل قد كذبوهم، 13P387 خفيفة» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير في قوله: " {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] من قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم " قال: ثنا محمد بن فضيل، عن خصيف قال: سألت سعيد بن جبير، عن قوله: {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] من قومهم، وظن الكفار أنهم هم كذبوا " حدثني يعقوب والحسن بن محمد قالا: ثنا إسماعيل بن علية قال: ثنا كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، قوله: " {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] من قومهم أن يؤمنوا، وظن قومهم أن الرسل قد كذبتهم " حدثني المثنى، قال: ثنا عارم أبو النعمان، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا شعيب، قال: ثني إبراهيم بن أبي حرة الجزري قال: " سأل فتى من قريش سعيد بن جبير، فقال له: يا أبا عبد الله كيف تقرأ هذا الحرف، فإني إذا 13P388 أتيت عليه تمنيت أن لا أقرأ هذه السورة: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] ، قال: " نعم، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوا. قال: فقال الضحاك بن مزاحم: ما رأيت كاليوم قط رجلا يدعى إلى علم فيتلكأ، لو رحلت في هذه إلى اليمن كان قليلا " حدثني المثنى قال: ثنا الحجاج قال: ثنا ربيعة بن كلثوم قال: ثني أبي، أن مسلم بن يسار سأل سعيد بن جبير فقال: يا أبا عبد الله، آية بلغت مني كل مبلغ: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] فهذا الموت، أن تظن الرسل أنهم قد كذبوا، أو نظن أنهم قد كذبوا مخففة؟

قسم V13/P387–V13/P391

قال: فقال سعيد بن جبير: " يا أبا عبد الرحمن، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يستجيبوا لهم، وظن قومهم أن الرسل كذبتهم {جاءهم نصرنا فنجي من نشاء، ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين} [يوسف: 110] قال: " فقام مسلم إلى سعيد فاعتنقه، وقال: « 13P389 فرج الله عنك، كما فرجت عني» حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا يحيى بن عباد قال: ثنا وهيب قال: ثنا أبو المعلى العطار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] قال: «استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم، ما كانوا يخبرونهم ويبلغونهم» قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله " {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] أن يصدقهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا، جاء الرسل نصرنا ". حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى قال: ثنا الحجاج قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: " {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] من قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبت " قال: ثنا حماد، عن كلثوم بن جبر، قال: قال لي سعيد بن جبير: " سألني سيد من ساداتكم عن هذه الآية، فقلت: استيأس الرسل من قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبت " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] قال: " استيأس الرسل أن يؤمن قومهم بهم، وظن قومهم المشركون أن الرسل قد كذبوا ما وعدهم الله من نصره إياهم عليهم، وخلفوا، وقرأ: {جاءهم نصرنا} [يوسف: 110] قال: " جاء الرسل النصر حينئذ، قال: وكان أبي يقرؤها: {كذبوا} [آل عمران: 11] " حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن أبي المتوكل، عن أيوب بن أبي صفوان، عن عبد الله بن الحارث، أنه قال: " {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] من إيمان قومهم {وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] ، وظن القوم أنهم قد كذبوهم فيما جاءوهم به " حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب، عن جويبر، عن الضحاك، قال: «ظن قومهم أن رسلهم قد كذبوهم فيما وعدوهم به» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن جحش بن زياد الضبي، عن تميم بن حذلم، قال: سمعت عبد الله بن مسعود، يقول في هذه 13P391 الآية: {حتى إذا استيأس الرسل، وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] قال: «استيأس الرسل من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم، وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد كذبوا، بالتخفيف» حدثنا أبو المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن أبي المعلى، عن سعيد بن جبير في قوله: {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] قال: «استيأس الرسل من نصر قومهم، وظن قوم الرسل أن الرسل قد كذبوهم» حدثنا أحمد بن إسحاق قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير: " {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] أن يصدقوهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم " قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] أن يصدقهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم " حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك في قوله: {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] 13P392 يقول: " استيأسوا من قومهم أن يجيبوهم، ويؤمنوا بهم، وظنوا: يقول: وظن قوم الرسل أن الرسل قد كذبوهم الموعد ".

قسم V13/P391–V13/P394

والقراءة على هذا التأويل الذي ذكرنا في قوله: {كذبوا} [آل عمران: 11] بضم الكاف وتخفيف الذال، وذلك أيضا قراءة بعض قراء أهل المدينة وعامة قراء أهل الكوفة. وإنما اخترنا هذا التأويل وهذه القراءة، لأن ذلك عقيب قوله: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى، أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} [يوسف: 109] فكان ذلك دليلا على أن إياس الرسل كان من إيمان قومهم الذين أهلكوا، وأن المضمر في قوله: {وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] إنما هو من ذكر الذين من قبلهم من الأمم الهالكة، وزاد ذلك وضوحا أيضا إتباع الله في سياق الخبر عن الرسل وأممهم قوله: {فنجي من نشاء} [يوسف: 110] إذ الذين أهلكوا هم الذين ظنوا أن الرسل قد كذبتهم، فكذبوهم ظنا منهم أنهم قد كذبوهم. وقد ذهب قوم ممن قرأ هذه القراءة إلى غير التأويل الذي اخترنا، ووجهوا معناه إلى: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنت الرسل أنهم قد كذبوا فيما وعدوا من النصر ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، قال: قرأ ابن عباس: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] قال: «كانوا بشرا، ضعفوا ويئسوا» قال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، قرأ: {وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] خفيفة قال ابن جريج: أقول كما يقول: أخلفوا: قال عبد الله: قال لي ابن عباس: " كانوا بشرا، وتلا ابن عباس: {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب} [البقرة: 214] قال ابن جريج: قال ابن أبي مليكة: ذهب بها إلى أنهم ضعفوا، فظنوا أنهم أخلفوا " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، أنه قرأ: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] مخففة، قال عبد الله: «هو الذي تكره» قال: ثنا أبو عامر قال: ثنا سفيان، عن سليمان، عن أبي الضحى، عن مسروق، أن رجلا سأل عبد الله بن مسعود: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] ، قال: «هو الذي تكره، مخففة» قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، أنه قال في هذه الآية: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] قلت: كذبوا؟ قال: «نعم، ألم يكونوا بشرا» حدثنا الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] قال: «كانوا بشرا قد ظنوا» وهذا تأويل، وقول غيره من أهل التأويل أولى عندي بالصواب، وخلافه من القول أشبه بصفات الأنبياء والرسل، إن جاز أن يرتابوا بوعد الله إياهم، ويشكوا في حقيقة خبره، مع معاينتهم من حجج الله وأدلته ما لا يعاينه المرسل إليهم، فيعذروا في ذلك أن المرسل إليهم لأولى في ذلك منهم بالعذر، وذلك قول إن قاله قائل لا يخفى أمره، وقد ذكر هذا التأويل الذي ذكرناه أخيرا عن ابن عباس لعائشة، فأنكرته أشد النكرة فيما ذكر لنا.

قسم V13/P394–V13/P395

13P395 ذكر الرواية بذلك عنها رضوان الله عليها حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، قال: قرأ ابن عباس: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] فقال: «كانوا بشرا ضعفوا ويئسوا» قال ابن أبي مليكة: فذكرت ذلك لعروة، فقال: قالت عائشة: " معاذ الله، ما حدث الله رسوله شيئا قط إلا علم أنه سيكون قبل أن يموت، ولكن لم يزل البلاء بالرسل، حتى ظن الأنبياء أن من تبعهم قد كذبوهم، فكانت تقرؤها: (قد كذبوا) تثقلها " قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة أن ابن عباس قرأ: {وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] خفيفة، قال عبد الله: ثم قال لي ابن عباس: «كانوا بشرا» ، وتلا ابن عباس: {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب} [البقرة: 214] قال ابن جريج: قال ابن أبي مليكة: يذهب بها إلى أنهم ضعفوا، فظنوا أنهم أخلفوا " قال ابن جريج: قال ابن أبي مليكة: وأخبرني عروة، عن عائشة أنها خالفت ذلك وأبته، وقالت: «ما وعد الله محمدا صلى الله عليه وسلم من شيء إلا وقد علم أنه سيكون حتى مات، ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كذبوهم» . قال ابن أبي مليكة: في حديث عروة: " كانت عائشة تقرؤها: (وظنوا أنهم قد كذبوا) مثقلة، للتكذيب " قال: ثنا سليمان بن داود الهاشمي، قال: ثنا إبراهيم بن سعد، قال: ثني صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قال: قلت لها: قوله: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} [يوسف: 110] قال: قالت عائشة: « 13P396 لقد استيقنوا أنهم قد كذبوا» ، قلت: كذبوا؟ قالت: معاذ الله، لم تكن الرسل تظن يوما، إنما هم أتباع الرسل، لما استأخر عنهم الوحي، واشتد عليهم البلاء، ظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم {جاءهم نصرنا} [يوسف: 110] " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: «حتى إذا استيأس الرجل ممن كذبهم من قومهم أن يصدقوهم، وظنت الرسل أن من قد آمن من قومهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك» . فهذا ما روي في ذلك عن عائشة، غير أنها كانت تقرأ: (كذبوا) بالتشديد وضم الكاف، بمعنى ما ذكرنا عنها، من أن الرسل ظنت بأتباعها الذين قد آمنوا بهم أنهم قد كذبوهم، فارتدوا عن دينهم، استبطاء منهم للنصر. وقد بينا أن الذي نختار من القراءة في ذلك والتأويل غيره في هذا الحرف خاصة.

قسم V13/P395–V13/P397

وقال آخرون ممن قرأ قوله: (كذبوا) بضم الكاف وتشديد الذال، معنى ذلك: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا بهم ويصدقوهم، وظنت 13P397 الرسل: بمعنى واستيقنت أنهم قد كذبهم أممهم، جاءت الرسل نصرتنا، وقالوا: الظن في هذا بمعنى العلم، من قول الشاعر: [+البحر الطويل] فظنوا بألفي فارس متلبب سراتهم في الفارسي المسرد حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، وهو قول قتادة: {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] من إيمان قومهم، (وظنوا أنهم قد كذبوا) : أي استيقنوا أنه لا خير عند قومهم، ولا إيمان، جاءهم نصرنا " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] قال: من قومهم، (وظنوا أنهم قد كذبوا) ، قال: وعلموا أنهم قد كذبوا {جاءهم نصرنا} [يوسف: 110] " وبهذه القراءة كانت تقرأ عامة قراء المدينة والبصرة والشام، أعني بتشديد الذال من (كذبوا) ، وضم كافها، وهذا التأويل الذي ذهب إليه الحسن وقتادة في ذلك إذا قرئ بتشديد الذال وضم الكاف خلاف لما ذكرنا من أقوال جميع من حكينا قوله من الصحابة، لأنه لم يوجه الظن في هذا الموضع منهم أحد إلى معنى العلم واليقين، مع أن الظن إنما استعمله العرب في موضع العلم فيما كان من علم أدرك من جهة الخبر، أو من غير وجه المشاهدة والمعاينة، فأما ما كان من علم أدرك من وجه المشاهدة والمعاينة فإنها لا تستعمل فيه الظن، لا تكاد تقول: أظنني حيا وأظنني إنسانا، بمعنى: أعلمني إنسانا وأعلمني حيا والرسل الذين كذبتهم أممهم لا شك أنها كانت لأممها شاهدة ولتكذيبها إياها منها سامعة، فيقال فيها: ظنت بأممها أنها كذبتها وروي عن مجاهد في ذلك قول هو خلاف جميع ما ذكرنا من أقوال الماضين الذين سمينا أسماءهم وذكرنا أقوالهم، وتأويل خلاف تأويلهم، وقراءة غير قراءة جميعهم، وهو أنه فيما ذكر عنه كان يقرأ: (وظنوا أنهم قد كذبوا) بفتح الكاف والذال وتخفيف الذال. ذكر الرواية عنه بذلك حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا أبو عبيد، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، أنه قرأها: (كذبوا) بفتح الكاف بالتخفيف " وكان يتأوله، كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " استيأس الرجل أن تعذب قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا، جاءهم نصرنا، قال: جاء الرسل نصرنا، قال مجاهد: قال في 13P399 المؤمن: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} [غافر: 83] قال: " قولهم نحن أعلم منهم، ولن نعذب، وقوله: {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [الزمر: 48] قال: «حاق بهم ما جاءت به رسلهم من الحق» وهذه القراءة لا أستجيز القراءة بها، لإجماع الحجة من قراء الأمصار على خلافها، ولو جازت القراءة بذلك لاحتمل وجها من التأويل، وهو أحسن مما تأوله مجاهد، وهو: {حتى إذا استيأس الرسل} [يوسف: 110] من عذاب الله قومها المكذبة بها، وظنت الرسل أن قومها قد كذبوا وافتروا على الله بكفرهم بها، ويكون الظن موجها حينئذ إلى معنى العلم، على ما تأوله الحسن وقتادة.

قسم V13/P397–V13/P400

وأما قوله: {فنجي من نشاء} [يوسف: 110] فإن القراء اختلفت في قراءته، فقرأه عامة قراء أهل المدينة ومكة والعراق: (فننجي من نشاء) بنونين، بمعنى: فننجي نحن من نشاء من رسلنا والمؤمنين بنا، دون الكافرين الذين كذبوا رسلنا إذا جاء الرسل نصرنا، واعتل الذين قرءوا ذلك كذلك أنه إنما كتب في المصحف بنون واحدة، وحكمه أن يكون بنونين، لأن إحدى النونين حرف من أصل الكلمة، من أنجى ينجي، والأخرى النون التي تأتي لمعنى الدلالة على الاستقبال، من فعل جماعة مخبرة عن أنفسها، لأنهما حرفان، أعني النونين من 13P400 جنس واحد يخفي الثاني منهما عن الإظهار في الكلام، فحذفت من الخط، واجتزئ بالمثبتة من المحذوفة، كما يفعل ذلك في الحرفين اللذين يدغم أحدهما في صاحبه، وقرأ ذلك بعض الكوفيين على هذا المعنى، غير أنه أدغم النون الثانية وشدد الجيم، وقرأه آخر منهم بتشديد الجيم ونصب الياء، على معنى فعل ذلك به من نجيته أنجيه، وقرأ ذلك بعض المكيين: (فنجا من نشاء) بفتح النون والتخفيف، من نجا من عذاب الله من نشاء ينجو. والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأه: (فننجي من نشاء) بنونين، لأن ذلك هو القراءة التي عليها القراءة في الأمصار، وما خالفه ممن قرأ ذلك ببعض الوجوه التي ذكرناها فمنفرد بقراءته عما عليه الحجة مجمعة من القراء، وغير جائز خلاف ما كان مستفيضا بالقراءة في قراءة الأمصار. وتأويل الكلام: فننجي الرسل ومن نشاء من عبادنا المؤمنين إذا جاء نصرنا، كما حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني 13P401 أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (فننجي من نشاء) فننجي الرسل ومن نشاء، {ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين} [يوسف: 110] وذلك أن الله تبارك وتعالى بعث الرسل، فدعوا قومهم وأخبروهم أنه من أطاع نجا، ومن عصاه عذب وغوى " وقوله: {ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين} [يوسف: 110] يقول: ولا ترد عقوبتنا وبطشنا بمن بطشنا به من أهل الكفر بنا عن القوم الذين أجرموا، فكفروا بالله وخالفوا رسله، وما أتوهم به من عنده 13P401

قسم V13/P400–V13/P404

[يوسف: 111] القول في تأويل قوله تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كان حديثا يفترى، ولكن تصديق الذي بين يديه، وتفصيل كل شيء، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [يوسف: 111] يقول تعالى ذكره: لقد كان في قصص يوسف وإخوته عبرة لأهل الحجا والعقول، يعتبرون بها، وموعظة يتعظون بها، وذلك أن الله جل ثناؤه بعد أن ألقي يوسف في الجب ليهلك، ثم بيع بيع العبيد بالخسيس من الثمن، وبعد الإسار والحبس الطويل، ملكه مصر، ومكن له في الأرض، وأعلاه على من بغاه سوءا من إخوته، وجمع بينه وبين والديه وإخوته بقدرته بعد المدة الطويلة، وجاء بهم إليه من الشقة النائية البعيدة، فقال جل ثناؤه للمشركين من قريش من قوم نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لقد كان لكم أيها القوم في قصصهم عبرة لو اعتبرتم به أن الذي فعل ذلك بيوسف وإخوته لا يتعذر عليه أن يفعل مثله بمحمد صلى الله عليه وسلم، فيخرجه من بين أظهركم ثم يظهره عليكم ويمكن له في البلاد، ويؤيده بالجند والرجال من الأتباع والأصحاب، وإن مرت به شدائد، وأتت دونه الأيام، والليالي، والدهور، والأزمان. وكان مجاهد يقول: معنى ذلك: لقد كان في قصصهم عبرة ليوسف وإخوته. ذكر الرواية بذلك حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {لقد كان في قصصهم عبرة} [يوسف: 111] ليوسف وإخوته " حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا شبابة قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " عبرة ليوسف وإخوته. حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} [يوسف: 111] قال: «يوسف وإخوته» وهذا القول الذي قاله مجاهد وإن كان له وجه يحتمله التأويل، فإن الذي قلنا 13P403 في ذلك أولى به؛ لأن ذلك عقيب الخبر عن نبينا صلى الله عليه وسلم وعن قومه من المشركين، وعقيب تهديدهم ووعيدهم على الكفر بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ومنقطع عن خبر يوسف وإخوته، ومع ذلك أنه خبر عام عن جميع ذوي الألباب، أن قصصهم لهم عبرة، وغير مخصوص بعض به دون بعض، فإذا كان الأمر على ما وصفت في ذلك، فهو بأن يكون خبرا عن أنه عبرة لغيرهم أشبه، والرواية التي ذكرناها عن مجاهد من رواية ابن جريج أشبه به أن تكون من قوله، لأن ذلك موافق القول الذي قلناه في ذلك وقوله: {ما كان حديثا يفترى} [يوسف: 111] يقول تعالى ذكره: ما كان هذا القول حديثا يختلق ويتكذب ويتخرص، كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {ما كان حديثا يفترى} [يوسف: 111] والفرية: الكذب " {ولكن تصديق الذي بين يديه} [يونس: 37] يقول: ولكنه تصديق الذي بين يديه من كتب الله التي أنزلها قبله على أنبيائه، كالتوراة، والإنجيل، والزبور، ويصدق ذلك كله ويشهد عليه أن جميعه حق من عند الله. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {ولكن تصديق الذي بين يديه} [يونس: 37] والفرقان تصديق الكتب التي قبله، ويشهد عليها " وقوله: {وتفصيل كل شيء} [يوسف: 111] يقول تعالى ذكره: وهو أيضا تفصيل كل ما بالعباد إليه حاجة من بيان أمر الله، ونهيه، وحلاله، وحرامه، وطاعته، ومعصيته وقوله: {وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [الأعراف: 203] يقول تعالى ذكره: وهو بيان أمره، ورشاد من جهل سبيل الحق فعمي عنه إذا تبعه، فاهتدى به من ضلالته، ورحمة لمن آمن به، وعمل بما فيه، ينقذه من سخط الله وأليم عذابه، ويورثه في الآخرة جنانه، والخلود في النعيم المقيم {لقوم يؤمنون} [الأنعام: 99] يقول: لقوم يصدقون بالقرآن، وبما فيه من وعد الله، ووعيده، وأمره، ونهيه، فيعملون بما فيه من أمره، وينتهون عما فيه من نهيه. آخر تفسير سورة يوسف

قسم V13/P404–V13/P407

[013] سورة الرعد مدنية، وآياتها ثلاث وأربعون القول في تفسير السورة التي يذكر فيها الرعد 13P405 [الرعد: 1] القول في تأويل قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {المر تلك آيات الكتاب، والذي أنزل إليك من ربك الحق، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} [الرعد: 1] قال أبو جعفر: قد بينا القول في تأويل قوله {الر} [يونس: 1] و {المر} [الرعد: 1] ونظائرهما من حروف المعجم التي افتتح بها أوائل بعض سور القرآن فيما مضى، بما فيه الكفاية من إعادتها، غير أنا نذكر من الرواية ما جاء خاصا به كل سورة افتتح أولها بشيء منها، فمما جاء من الرواية في ذلك في هذه السورة عن ابن عباس من نقل أبي الضحى مسلم بن صبيح، وسعيد بن جبير عنه، التفريق بين معنى ما ابتدئ به أولها مع زيادة الميم التي فيها على سائر سور ذوات الراء، ومعنى ما ابتدئ به أخواتها، مع نقصان ذلك منها عنها. ذكر الرواية بذلك عنه: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن، عن هشيم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {المر} [الرعد: 1] قال: «أنا الله أرى» حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: قوله: {المر} [الرعد: 1] قال: «أنا الله أرى» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: ثنا سفيان، عن مجاهد: {المر} [الرعد: 1] : «فواتح يفتتح بها كلامه» وقوله: {تلك آيات الكتاب} [يونس: 1] يقول تعالى ذكره: تلك التي قصصت عليك خبرها آيات الكتاب الذي أنزلته قبل هذا الكتاب الذي أنزلته إليك إلى من أنزلته إليه من رسلي قبلك. وقيل: عنى بذلك: التوراة، والإنجيل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {المر. تلك آيات الكتاب} [الرعد: 1] الكتب التي كانوا قبل القرآن " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن مجاهد: {تلك آيات الكتاب} [الرعد: 1] قال: «التوراة والإنجيل» وقوله: {والذي أنزل إليك من ربك الحق} [الرعد: 1] وهو القرآن، فاعمل بما فيه واعتصم به، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: ثنا سفيان، عن مجاهد: {والذي أنزل إليك من ربك الحق} [الرعد: 1] قال: «القرآن» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {والذي أنزل إليك من ربك الحق} [الرعد: 1] «أي هذا القرآن» . وفي قوله: {والذي أنزل إليك} [الرعد: 1] وجهان من الإعراب: أحدهما الرفع على أنه كلام مبتدأ، فيكون مرفوعا ب «الحق» و «الحق به» وعلى هذا الوجه تأويل مجاهد وقتادة الذي ذكرنا قبل عنهما، والآخر: الخفض على العطف به على الكتاب، فيكون معنى الكلام حينئذ: تلك آيات التوراة والإنجيل والقرآن، ثم يبتدئ الحق بمعنى: ذلك الحق، فيكون رفعه بمضمر من الكلام قد استغنى بدلالة الظاهر عليه منه، ولو قيل: معنى ذلك: تلك آيات الكتاب الذي أنزل إليك من ربك الحق، وإنما أدخلت الواو في «والذي» ، وهو نعت للكتاب، كما أدخلها الشاعر في قوله: [+البحر المتقارب] إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم فعطف بالواو، وذلك كله من صفة واحد، كان مذهبا من التأويل، ولكن ذلك إذا تؤول كذلك فالصواب من القراءة في «الحق» الخفض، على أنه 13P408 نعت ل «الذي» وقوله: {ولكن أكثر الناس} [البقرة: 243] من مشركي قومك لا يصدقون بالحق الذي أنزل إليك من ربك، ولا يقرون بهذا القرآن وما فيه من محكم آيه 13P408

الأسئلة