Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

قسم V13/P407–V13/P411

[الرعد: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها، ثم استوى على العرش، وسخر الشمس والقمر، كل يجري لأجل مسمى، يدبر الأمر، يفصل الآيات، لعلكم بلقاء ربكم توقنون} [الرعد: 2] يقول تعالى ذكره: الله يا محمد هو الذي رفع السموات السبع بغير عمد ترونها، فجعلها للأرض سقفا مسموكا، والعمد جمع عمود، وهي السواري، وما يعمد به البناء، كما قال النابغة: [+البحر البسيط] وخيس الجن أني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد وجمع العمود: عمد، كما جمع الأديم: أدم، ولو جمع بالضم فقيل: عمد جاز، كما يجمع الرسول: رسل، والشكور: شكر. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {رفع السموات بغير عمد ترونها} فقال بعضهم: تأويل ذلك: الله الذي رفع السموات بعمد لا ترونها ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن هشام، قال: ثنا معاذ بن معاذ، قال: ثنا عمران بن حدير، عن عكرمة، قال: قلت لابن عباس: " إن فلانا يقول: إنها على عمد، يعني السماء؟ قال: فقال: اقرأها {بغير عمد ترونها} [الرعد: 2] : أي لا ترونها. حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح قال: ثنا معاذ بن معاذ، عن عمران بن حدير، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد، قال: ثنا حميد، عن الحسن بن مسلم، عن مجاهد، قوله: {بغير عمد ترونها} [الرعد: 2] قال: «بعمد لا ترونها» حدثني المثنى قال: ثنا الحجاج قال: ثنا حماد، عن حميد، عن الحسن بن مسلم، عن مجاهد في قول الله: {بغير عمد ترونها} [الرعد: 2] قال: «هي لا ترونها» حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " بغير عمد يقول: " عمد لا ترونها. حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، وقتادة، قوله 13P410 : {الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها} قال قتادة: قال ابن عباس: «بعمد ولكن لا ترونها» حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قوله: {رفع السموات بغير عمد ترونها} قال: «ما يدريك، لعلها بعمد لا ترونها؟ » . ومن تأول ذلك كذلك، قصد مذهب تقديم العرب الجحد من آخر الكلام إلى أوله، كقول الشاعر: [+البحر المنسرح] ولا أراها تزال ظالمة تحدث لي نكبة وتنكؤها يريد: أراها لا تزال ظالمة، فقدم الجحد عن موضعه من تزال، وكما قال الآخر: [+البحر الطويل] إذا أعجبتك الدهر حال من امرئ فدعه وواكل حاله واللياليا يجئن على ما كان من صالح به وإن كان فيما لا ترى الناس آليا يعني: وإن كان فيما يرى الناس لا يألو وقال آخرون: بل هي مرفوعة بغير عمد ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: أخبرنا آدم، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن إياس بن معاوية، في قوله: {رفع السموات بغير عمد ترونها} قال: «السماء مقببة على الأرض مثل القبة» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {بغير عمد ترونها} [الرعد: 2] قال: «رفعها بغير عمد» وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال كما قال الله تعالى: {الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها} فهي مرفوعة بغير عمد نراها، كما قال ربنا جل ثناؤه ولا خبر بغير ذلك، ولا حجة يجب التسليم لها بقول سواه وأما قوله: {ثم استوى على العرش} [الأعراف: 54] فإنه يعني: علا عليه.

قسم V13/P411–V13/P413

وقد بينا معنى الاستواء واختلاف المختلفين فيه، والصحيح من القول فيما قالوا فيه بشواهده فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وقوله: {وسخر الشمس والقمر} [الرعد: 2] يقول: وأجرى الشمس والقمر في السماء فسخرهما فيها لمصالح خلقه، وذللهما لمنافعهم، ليعلموا بجريهما فيها عدد السنين والحساب، ويفصلوا به بين الليل والنهار وقوله: {كل يجري لأجل مسمى} [الرعد: 2] يقول جل ثناؤه: كل ذلك يجري في السماء لأجل مسمى: أي لوقت معلوم، وذلك إلى فناء الدنيا وقيام 13P412 القيامة التي عندها تكور الشمس، ويخسف القمر ، وتنكدر النجوم، وحذف ذلك من الكلام لفهم السامعين من أهل لسان من نزل بلسانه القرآن معناه، وأن «كل» لا بد لها من إضافة إلى ما تحيط به. وبنحو الذي قلنا في قوله {لأجل مسمى} [الرعد: 2] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} [الرعد: 2] قال: «الدنيا» وقوله: {يدبر الأمر} [يونس: 3] يقول تعالى ذكره: يقضي الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها أمور الدنيا والآخرة كلها، ويدبر ذلك كله وحده، بغير شريك ولا ظهير ولا معين سبحانه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {يدبر الأمر} [يونس: 3] يقضيه وحده ". قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه. 13P413 حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه وقوله: {يفصل الآيات} [يونس: 5] يقول: يفصل لكم ربكم آيات كتابه، فيبينها لكم احتجاجا بها عليكم أيها الناس، {لعلكم بلقاء ربكم توقنون} [الرعد: 2] يقول: لتوقنوا بلقاء الله، والمعاد إليه، فتصدقوا بوعده ووعيده، وتنزجروا عن عبادة الآلهة والأوثان، وتخلصوا له العبادة إذا تيقنتم ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {لعلكم بلقاء ربكم توقنون} [الرعد: 2] وأن الله تبارك وتعالى إنما أنزل كتابه، وأرسل رسله لنؤمن بوعده، ونستيقن بلقائه " 13P413

قسم V13/P413–V13/P415

[الرعد: 3] القول في تأويل قوله تعالى: {وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشى الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} يقول تعالى ذكره: والله الذي مد الأرض فبسطها طولا وعرضا وقوله: {وجعل فيها رواسي} [الرعد: 3] يقول جل ثناؤه: وجعل في الأرض جبالا ثابتة، 13P414 والرواسي: جمع راسية وهي الثابتة ، يقال منه: أرسيت الوتد في الأرض: إذا أثبته، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] به خالدات ما يرمن وهامد وأشعث أرسته الوليدة بالفهر يعني: أثبتته وقوله: {وأنهارا} [الرعد: 3] يقول: وجعل في الأرض أنهارا من ماء وقوله: {ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين} [الرعد: 3] ف «من» في قوله {ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين} [الرعد: 3] من صلة «جعل» الثاني لا الأول، ومعنى الكلام: وجعل فيها زوجين اثنين من كل الثمرات، وعنى بزوجين اثنين: من كل ذكر اثنان، ومن كل أنثى اثنان، فذلك أربعة، من الذكور اثنان، ومن الإناث اثنان في قول بعضهم، وقد بينا فيما مضى أن العرب تسمي الاثنين زوجين، والواحد من الذكور زوجا لأنثاه، وكذلك الأنثى الواحدة زوجا وزوجة لذكرها، بما أغنى عن إعادته 13P415 في هذا الموضع، ويزيد ذلك إيضاحا قول الله عز وجل: {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى} [النجم: 45] فسمى الاثنين الذكر والأنثى زوجين وإنما عنى بقوله: {من كل زوجين اثنين} [هود: 40] : نوعين وضربين وقوله: {يغشي الليل النهار} [الأعراف: 54] يقول: يجلل الليل النهار فيلبسه ظلمته، والنهار الليل بضيائه، كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يغشي الليل النهار} [الرعد: 3] : «أي يلبس الليل النهار» وقوله: {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الرعد: 3] يقول تعالى ذكره: إن فيما وصفت وذكرت من عجائب خلق الله وعظيم قدرته التي خلق بها هذه الأشياء، لدلالات وحججا وعظات لقوم يتفكرون فيها، فيستدلون ويعتبرون بها، فيعلمون أن العبادة لا تصلح، ولا تجوز، إلا لمن خلقها، ودبرها، دون غيره من الآلهة والأصنام التي لا تقدر على ضر، ولا نفع، ولا لشيء غيرها، إلا لمن أنشأ ذلك فأحدثه من غير شيء، تبارك وتعالى، وأن القدرة التي أبدع بها ذلك هي القدرة التي لا يتعذر عليه إحياء من هلك من خلقه، وإعادة ما فني منه، وابتداع ما شاء ابتداعه بها 13P415

قسم V13/P415–V13/P419

[الرعد: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض 13P416 في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} [الرعد: 4] يقول تعالى ذكره {وفي الأرض قطع متجاورات} [الرعد: 4] : وفي الأرض قطع منها متقاربات متدانيات يقرب بعضها من بعض بالجوار، وتختلف بالتفاضل مع تجاورها وقرب بعضها من بعض، فمنها قطعة سبخة لا تنبت شيئا في جوار قطعة طيبة تنبت وتنفع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد: {وفي الأرض قطع متجاورات} [الرعد: 4] قال: «السبخة والعذية، والمالح والطيب» حدثنا أحمد بن إسحاق قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد قوله: {وفي الأرض قطع متجاورات} [الرعد: 4] قال: " سباخ وعذوبة. حدثني المثنى قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، مثله حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا سعيد بن سليمان، قال: ثنا إسحاق بن 13P417 سليمان، عن أبي سنان، عن ابن عباس، في قوله: {وفي الأرض قطع متجاورات} [الرعد: 4] قال: «العذية والسبخة» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وفي الأرض قطع متجاورات} [الرعد: 4] يعني: «الأرض السبخة، والأرض العذية، يكونان جميعا متجاورات، نفضل بعضها على بعض في الأكل» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: {قطع متجاورات} [الرعد: 4] «العذية والسبخة متجاورات جميعا، تنبت هذه، وهذه إلى جنبها لا تنبت» حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا شبابة قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {قطع متجاورات} [الرعد: 4] طيبها: عذيها، وخبيثها: السباخ ". حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه. قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وفي الأرض قطع متجاورات} [الرعد: 4] قرى قربت متجاورات بعضها من بعض " حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وفي الأرض قطع متجاورات} [الرعد: 4] قال: «قرى متجاورات» حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا هشيم، عن أبي إسحاق الكوفي، عن الضحاك، في قوله: {قطع متجاورات} [الرعد: 4] قال: «الأرض السبخة تليها الأرض العذية» حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وفي الأرض قطع متجاورات} [الرعد: 4] يعني: «الأرض السبخة والأرض العذية، متجاورات بعضها عند بعض» حدثنا الحارث قال: ثنا عبد العزيز قال: ثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: {وفي الأرض قطع متجاورات} [الرعد: 4] قال: «الأرض تنبت حلوا، والأرض تنبت حامضا، وهي متجاورة (تسقى بماء واحد) » حدثنا أحمد بن إسحاق قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وفي الأرض قطع متجاورات} [الرعد: 4] 13P419 قال: «يكون هذا حلوا وهذا حامضا، وهو يسقى بماء واحد، وهن متجاورات» حدثني عبد الجبار بن يحيى الرملي، قال: ثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، في قوله: {وفي الأرض قطع متجاورات} [الرعد: 4] قال: «عذية ومالحة» وقوله: {وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الأكل} [الرعد: 4] يقول تعالى ذكره: وفي الأرض مع القطع المختلفات المعاني منها بالملوحة والعذوبة، والخبيث والطيب، مع تجاورها وتقارب بعضها من بعض، بساتين من أعناب وزرع ونخيل أيضا، متقاربة في الخلقة مختلفة في الطعوم والألوان، مع اجتماع جميعها على شرب واحد، فمن طيب طعمه منها حسن منظره طيبة رائحته، ومن حامض طعمه ولا رائحة له.

قسم V13/P419–V13/P421

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، في قوله: {وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان} [الرعد: 4] قال: " مجتمع وغير مجتمع {يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل} [الرعد: 4] قال: «الأرض الواحدة يكون فيها الخوخ، والكمثرى، والعنب الأبيض والأسود، 13P420 وبعضها أكثر حملا من بعض، وبعضه حلو، وبعضه حامض، وبعضه أفضل من بعض» حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وجنات} [الرعد: 4] قال: «وما معها» . حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. قال المثنى، ثنا وإسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله واختلفت القراء في قراءة قوله: {وزرع ونخيل} [الرعد: 4] فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والكوفة: (وزرع ونخيل) ، بالخفض عطفا بذلك على «الأعناب» ، بمعنى: وفي الأرض قطع متجاورات، وجنات من أعناب ومن زرع ونخيل، وقرأ ذلك بعض قراء أهل البصرة: {وزرع ونخيل} [الرعد: 4] بالرفع عطفا بذلك على «الجنات» ، بمعنى: وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب، وفيها أيضا زرع ونخيل. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان متقاربتا المعنى، وقرأ بكل واحدة منهما قراء مشهورون، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وذلك أن الزرع والنخل إذا كانا في البساتين فهما في الأرض، وإذا كانا في الأرض فالأرض التي هما فيها جنة، فسواء وصفا بأنهما في بستان أو في أرض وأما قوله: {ونخيل صنوان وغير صنوان} [الرعد: 4] فإن الصنوان: جمع صنو، وهي النخلات يجمعهن أصل واحد، لا يفرق فيه بين جميعه واثنيه إلا بالإعراب في النون، وذلك أن تكون نونه في اثنيه مكسورة بكل حال، وفي جميعه متصرفة في وجوه الإعراب، ونظيره القنوان: واحدها قنو. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء: {صنوان} [الرعد: 4] قال: " المجتمع، {وغير صنوان} [الرعد: 4] : «المتفرق» حدثنا ابن حميد قال: ثنا يحيى بن واضح قال: ثنا الحسين، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: {صنوان} [الرعد: 4] : " هي النخلة التي إلى جنبها نخلات إلى أصلها، {وغير صنوان} [الرعد : 4] : «النخلة وحدها» حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب: {صنوان وغير صنوان} [الرعد: 4] قال: " الصنوان: النخلتان 13P422 أصلهما واحد، {وغير صنوان} [الرعد: 4] النخلة والنخلتان المتفرقتان " حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول في هذه الآية قال: " النخلة يكون لها النخلات، {وغير صنوان} [الرعد: 4] النخل المتفرق " حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا عمرو بن الهيثم أبو قطن، ويحيى بن عباد، وعفان، واللفظ لفظ أبي قطن، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء في قوله: {صنوان وغير صنوان} [الرعد: 4] قال: " الصنوان: النخلة إلى جنبها النخلات، {وغير صنوان} [الرعد: 4] : «المتفرق» حدثنا الحسن قال: ثنا شبابة قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء في قوله: {صنوان وغير صنوان} [الرعد: 4] قال: " الصنوان: النخلات الثلاث والأربع والثنتان أصلهن واحد، وغير صنوان: المتفرق " حدثنا أحمد بن إسحاق قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا سفيان وشريك، عن أبي إسحاق، عن البراء في قوله: {صنوان وغير صنوان} [الرعد: 4] قال: " النخلتان يكون أصلهما واحد، وغير صنوان: المتفرق " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {صنوان} [الرعد: 4] يقول: مجتمع " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ونخيل صنوان وغير صنوان} [الرعد: 4] " يعني بالصنوان: النخلة يخرج من أصلها النخلات، فيحمل بعضه ولا يحمل بعضه، فيكون أصله واحدا ورءوسه متفرقة " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: {صنوان وغير صنوان} [الرعد: 4] " النخيل في أصل واحد، وغير صنوان: النخيل المتفرق " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير: {ونخيل صنوان وغير صنوان} [الرعد: 4] قال: «مجتمع، وغير مجتمع» حدثنا المثنى قال: ثنا النفيلي قال: ثنا زهير قال: ثنا أبو إسحاق، عن البراء، قال: " الصنوان: ما كان أصله واحدا وهو متفرق، وغير صنوان: الذي نبت وحده " حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {صنوان} [الرعد: 4] " النخلتان وأكثر في أصل واحد، {وغير صنوان} [الرعد: 4] وحدها " حدثنا المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {صنوان} [الرعد: 4] : " النخلتان أو أكثر في أصل واحد، {وغير صنوان} [الرعد: 4] واحدة ".

قسم V13/P421–V13/P426

13P424 قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك: {صنوان وغير صنوان} [الرعد: 4] قال: " الصنوان: المجتمع أصله واحد، وغير صنوان: المتفرق أصله " حدثني المثنى قال: ثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: {صنوان وغير صنوان} [الرعد: 4] قال: " الصنوان: المجتمع الذي أصله واحد، وغير صنوان: المتفرق " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ونخيل صنوان وغير صنوان} [الرعد: 4] " أما الصنوان: فالنخلتان والثلاث أصولهن واحدة وفروعهن شتى، وغير صنوان: النخلة الواحدة " حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {صنوان وغير صنوان} [الرعد: 4] قال: " صنوان: النخلة التي يكون في أصلها نخلتان وثلاث أصلهن واحد " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد قوله: {ونخيل صنوان وغير صنوان} [الرعد: 4] قال: " الصنوان: النخلتان أو الثلاث يكن في أصل واحد، فذلك يعده الناس صنوانا " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: حدثني 13P425 رجل، أنه كان بين عمر بن الخطاب وبين العباس قول، فأسرع إليه العباس، فجاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، " فقال: يا رسول الله، ألم تر عباسا فعل بي وفعل، فأردت أن أجيبه، فذكرت مكانه منك فكففت فقال: «يرحمك الله، إن عم الرجل صنو أبيه» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر ، عن قتادة: {صنوان} [الرعد: 4] : النخلة التي يكون في أصلها نخلتان وثلاث أصلهن واحد. قال: فكان بين عمر بن الخطاب وبين العباس رضي الله عنهما قول، فأسرع إليه العباس، فجاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، ألم تر عباسا فعل بي وفعل؟ فأردت أن أجيبه، فذكرت مكانه منك فكففت عند ذلك، فقال: «يرحمك الله، إن عم الرجل صنو أبيه» قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن داود بن شابور، عن مجاهد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تؤذوني في العباس فإنه بقية آبائي، وإن عم الرجل صنو أبيه» حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء، وابن أبي مليكة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر: «يا عمر، أما علمت أن عم الرجل صنو 13P426 أبيه؟ » حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: {صنوان} [الرعد: 4] قال: «في أصل واحد ثلاث نخلات، كمثل ثلاثة بني أم وأب يتفاضلون في العمل، كما يتفاضل ثمر هذه النخلات الثلاث في أصل واحد» قال ابن جريج: قال مجاهد: «كمثل صالح بني آدم وخبيثهم أبوهم واحد» . حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج قال: أخبرني إبراهيم بن أبي بكر بن عبد الله، عن مجاهد، نحوه حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، عن الحسن، قال: " هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم، كانت الأرض في يد الرحمن طينة واحدة، فسطحها وبطحها، فصارت الأرض قطعا متجاورات، فينزل عليها الماء من السماء، فتخرج هذه زهرتها، وثمرها، وشجرها، وتخرج نباتها، وتحيي مواتها، وتخرج هذه سبخها، وملحها، وخبثها، وكلتاهما تسقى بماء واحد، فلو كان الماء مالحا قيل: إنما استسبخت هذه من قبل الماء، كذلك الناس خلقوا من آدم، فينزل عليهم من السماء تذكرة، فترق قلوب فتخشع وتخضع، وتقسو قلوب فتلهو وتسهو وتجفو ". قال الحسن : والله ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان، قال الله: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 82] ". وقوله: (تسقى بماء واحد) .

قسم V13/P426–V13/P430

اختلفت القراء في قوله (تسقى) ، فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والعراق من أهل الكوفة والبصرة: (تسقى) ، بالتاء، بمعنى: تسقى الجنات والزرع والنخيل وقد كان بعضهم يقول: إنما قيل: «تسقى» بالتاء لتأنيث الأعناب وقرأ ذلك بعض المكيين والكوفيين: {يسقى} [الرعد: 4] بالياء، وقد اختلف أهل العربية في وجه تذكيره إذا قرئ كذلك، وإنما ذلك خبر عن الجنات، والأعناب، والنخيل، والزرع، أنها تسقى بماء واحد، فقال بعض نحويي البصرة: إذا قرئ ذلك بالتاء، فذلك على الأعناب، كما ذكر الأنعام في قوله: {ما في بطونه} وأنث بعد فقال: {وعليها وعلى الفلك تحملون} [المؤمنون: 22] فمن قال: {يسقى} [الرعد: 4] بالياء جعل الأعناب مما تذكر وتؤنث، مثل الأنعام، وقال بعض نحويي الكوفة: من قال (تسقى) ذهب إلى تأنيث الزرع والجنات والنخيل، ومن ذكر ذهب إلى أن ذلك كله يسقى بماء واحد، وأكله مختلف حامض وحلو، ففي هذا آية. وأعجب القراءتين إلي أن أقرأ بها قراءة من قرأ ذلك بالتاء: (تسقى بماء واحد) ، على أن معناه: تسقى الجنات والنخل والزرع بماء واحد لمجيء «تسقى» بعد ما قد جرى ذكرها، وهي جماع من غير بني آدم، وليس الوجه الآخر بممتنع على معنى يسقى ذلك بماء واحد: أي جميع ذلك يسقى بماء واحد عذب دون المالح. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (تسقى بماء واحد) ، ماء السماء، كمثل صالح بني آدم وخبيثهم أبوهم واحد " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد: (تسقى بماء واحد) ، قال: ماء السماء ". حدثني أحمد بن إسحاق قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو ، قال: أخبرنا هشيم، عن أبي إسحاق الكوفي، عن الضحاك: (تسقى بماء واحد) ، قال: «ماء المطر» حدثني المثنى قال: ثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك، قرأه ابن جريج، عن مجاهد: (تسقى بماء واحد) ، قال: «ماء السماء، كمثل صالح بني آدم وخبيثهم، أبوهم واحد» . قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، وحدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه. حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه حدثنا عبد الجبار بن يحيى الرملي، قال: ثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب: (تسقى بماء واحد) ، قال: «بماء السماء» وقوله: {ونفضل بعضها على بعض في الأكل} [الرعد: 4] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه عامة قراء المكيين والمدنيين والبصريين وبعض الكوفيين: {ونفضل} [الرعد: 4] بالنون بمعنى: ونفضل نحن بعضها على بعض في الأكل، وقرأته عامة قراء الكوفيين: (ويفضل) بالياء، ردا على قوله: {يغشي الليل النهار} [الأعراف: 54] ويفضل بعضها على بعض، وهما قراءتان مستفيضتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن الياء أعجبهما إلي في القراءة، لأنه في سياق كلام ابتداؤه «الله الذي رفع السموات» ، فقراءته بالياء إذ كان كذلك أولى. ومعنى الكلام: أن الجنات من الأعناب والزرع والنخيل، الصنوان وغير الصنوان، تسقى بماء واحد عذب لا ملح، ويخالف الله بين طعوم ذلك، فيفضل بعضها على بعض في الطعم، فهذا حلو وهذا حامض.

قسم V13/P430–V13/P431

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {ونفضل بعضها على بعض في الأكل} [الرعد: 4] قال: الفارسي، والدقل، والحلو، والحامض " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: {ونفضل بعضها على بعض في الأكل} [الرعد: 4] قال: «الأرض الواحدة يكون فيها الخوخ، والكمثرى، والعنب الأبيض والأسود، وبعضها أكثر حملا من بعض، وبعضه حلو وبعضه حامض، وبعضه أفضل من بعض» حدثني المثنى ، قال: ثنا عارم أبو النعمان، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: " {ونفضل بعضها على بعض في الأكل} [الرعد: 4] قال: برني وكذا وكذا، وهذا بعضه أفضل من بعض " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن 13P431 السائب، عن سعيد بن جبير، في قوله: {ونفضل بعضها على بعض في الأكل} [الرعد: 4] قال: «هذا حامض، وهذا حلو، وهذا مز» حدثني محمود بن خداش، قال: ثنا سيف بن محمد بن أحمد، عن سفيان الثوري، قال: ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {ونفضل بعضها على بعض في الأكل} [الرعد: 4] قال: «الدقل والفارسي والحلو والحامض» حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال: ثنا سليمان بن عبد الله الرقي قال: ثنا عبيد الله بن عمر الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {ونفضل بعضها على بعض في الأكل} [الرعد: 4] قال: «الدقل والفارسي والحلو والحامض» وقوله: {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} [الرعد: 4] يقول تعالى ذكره: إن في مخالفة الله عز وجل بين هذه القطع من الأرض المتجاورات، وثمار جناتها وزروعها 13P432 على ما وصفنا وبينا لدليلا واضحا وعبرة لقوم يعقلون اختلاف ذلك، أن الذي خالف بينه على هذا النحو الذي خالف بينه، هو المخالف بين خلقه فيما قسم لهم من هداية وضلال وتوفيق وخذلان، فوفق هذا وخذل هذا، وهدى ذا وأضل ذا، ولو شاء لسوى بين جميعهم، كما لو شاء سوى بين جميع أكل ثمار الجنة التي تشرب شربا واحدا، وتسقى سقيا واحدا، وهي متفاضلة في الأكل 13P431

قسم V13/P431–V13/P434

[الرعد: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد، أولئك الذين كفروا بربهم، وأولئك الأغلال في أعناقهم، وأولئك أصحاب النار، هم فيها خالدون} [الرعد: 5] يقول تعالى ذكره: وإن تعجب يا محمد من هؤلاء المشركين المتخذين ما لا يضر ولا ينفع آلهة يعبدونها من دوني، فعجب قولهم {أئذا كنا ترابا} [الرعد: 5] وبلينا فعدمنا {أئنا لفي خلق جديد} [الرعد: 5] أئنا لمجدد إنشاؤنا وإعادتنا خلقا جديدا، كما كنا قبل وفاتنا؟ تكذيبا منهم بقدرة الله، وجحودا للثواب والعقاب والبعث بعد الممات، كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وإن تعجب فعجب} [الرعد: 5] " إن عجبت يا محمد فعجب {قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد} [الرعد: 5] عجب الرحمن تبارك وتعالى من تكذيبهم بالبعث بعد الموت " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وإن 13P433 تعجب فعجب قولهم} [الرعد: 5] قال: " إن تعجب من تكذيبهم، وهم قد رأوا من قدرة الله وأمره وما ضرب لهم من الأمثال، فأراهم من حياة الموتى في الأرض الميتة، إن تعجب من هذه فتعجب من قولهم: {أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد} [الرعد: 5] أو لا يرون أنا خلقناهم من نطفة، فالخلق من نطفة أشد أم الخلق من تراب وعظام؟ ". واختلف في وجه تكرير الاستفهام في قوله: {أئنا لفي خلق جديد} [الرعد: 5] بعد الاستفهام الأول في قوله: {أئذا كنا ترابا} [الرعد: 5] أهل العربية، فقال بعض نحويي البصرة: الأول ظرف، والآخر هو الذي وقع عليه الاستفهام، كما تقول: أيوم الجمعة زيد منطلق؟ قال: ومن أوقع استفهاما آخر على قوله: أئذا متنا وكنا ترابا؟ جعله ظرفا لشيء مذكور قبله كأنهم قيل لهم: تبعثون، فقالوا: أئذا كنا ترابا؟ ثم جعل هذا استفهاما آخر، قال: وهذا بعيد، قال: وإن شئت لم تجعل في قولك: «أئذا» استفهاما، وجعلت الاستفهام في اللفظ على «أئنا» ، كأنك قلت: أيوم الجمعة أعبد الله منطلق؟ وأضمر نفيه، فهذا موضع قد ابتدأت فيه أئذا، وليس بكبير في الكلام لو قلت اليوم: أإن عبد الله منطلق، لم يحسن، وهو جائز، وقد قالت العرب ما علمت أنه لصالح تريد: إنه لصالح ما علمت، 13P434 وقال غيره: أئذا جزاء وليست بوقت، وما بعدها جواب لها إذا لم يكن في الثاني استفهام والمعنى له لأنه هو المطلوب، وقال: ألا ترى أنك تقول: إن تقم يقوم زيد، ويقم من جزم، فلأنه وقع موقع جواب الجزاء، ومن رفع فلأن الاستفهام له، واستشهد بقول الشاعر: [+البحر الطويل] حلفت له إن تدلج الليل لا يزل أمامك بيت من بيوتي سائر فجزم جواب اليمين، لأنه وقع موقع جواب الجزاء، والوجه الرفع قال: فهكذا هذه الآية قال: ومن أدخل الاستفهام ثانية، فلأنه المعتمد عليه، وترك الجزء الأول وقوله: {أولئك الذين كفروا بربهم} [الرعد: 5] يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين أنكروا البعث وجحدوا الثواب والعقاب، وقالوا {أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد} [الرعد: 5] هم الذين جحدوا قدرة ربهم وكذبوا رسوله، وهم الذين في أعناقهم الأغلال يوم القيامة في نار جهنم، فأولئك أصحاب النار، يقول: هم سكان النار يوم القيامة، {هم فيها خالدون} [البقرة: 39] يقول: هم فيها ماكثون أبدا، لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها 13P434

قسم V13/P434–V13/P436

[الرعد: 6] القول في تأويل قول تعالى: {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب} [الرعد: 6] يقول تعالى ذكره: ويستعجلونك يا محمد مشركو قومك بالبلاء والعقوبة قبل الرخاء والعافية، فيقولون: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] وهم يعلمون ما حل بمن خلا قبلهم من الأمم التي عصت ربها، وكذبت رسلها من عقوبات الله وعظيم بلائه، فمن بين أمة مسخت قردة وأخرى خنازير، ومن بين أمة أهلكت بالرجفة، وأخرى بالخسف، وذلك هو المثلات التي قال الله جل ثناؤه {وقد خلت من قبلهم المثلات} [الرعد: 6] والمثلات: العقوبات المنكلات، والواحدة منها: مثلة بفتح الميم وضم الثاء، ثم تجمع مثلات كما واحدة الصدقات صدقة، ثم تجمع صدقات، وذكر أن تميما من بين العرب تضم الميم والثاء جميعا من المثلات، فالواحدة على لغتهم منها مثلة، ثم تجمع على مثلات، مثل غرفة وغرفات، والفعل منه: مثلت به أمثل مثلا، بفتح الميم وتسكين الثاء، فإذا أردت أنك أقصصته من غيره، قلت: أمثلته من صاحبه أمثله أمثالا، وذلك إذا أقصصته منه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وقد خلت من قبلهم المثلات} [الرعد: 6] : وقائع أمة في الأمم فيمن خلا قبلكم " وقوله: {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة} [الرعد: 6] وهم مشركو العرب، استعجلوا بالشر قبل الخير، وقالوا: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك 13P436 فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة} [الرعد: 6] قال: بالعقوبة قبل العافية {وقد خلت من قبلهم المثلات} [الرعد: 6] قال: العقوبات " حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {المثلات} [الرعد: 6] قال: الأمثال ". حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وحدثني المثنى: قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وقد خلت من قبلهم المثلات} [الرعد: 6] قال: " المثلات: الذي مثل الله في الأمم من العذاب الذي عذبهم تولت المثلات من العذاب، قد خلت من قبلهم، وعرفوا ذلك، وانتهى إليهم ما مثل الله بهم حين عصوه وعصوا رسله " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سليم، قال: سمعت الشعبي، يقول في قوله: {وقد خلت من قبلهم المثلات} [الرعد: 6] قال: «القردة والخنازير هي المثلات» وقوله: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} [الرعد: 6] يقول تعالى ذكره: وإن ربك يا محمد لذو ستر على ذنوب من تاب من ذنوبه من الناس، فتارك فضيحته بها في موقف القيامة، وصافح له عن عقابه عليها عاجلا وآجلا {على ظلمهم} [الرعد: 6] ، يقول: على فعلهم ما فعلوا من ذلك بغير إذن لهم بفعله {وإن ربك لشديد العقاب} [الرعد: 6] لمن هلك مصرا على معاصيه في القيامة، إن لم يعجل له ذلك في الدنيا، أو يجمعهما له في الدنيا والآخرة، وهذا الكلام وإن كان ظاهره ظاهر خير، فإنه وعيد من الله وتهديد للمشركين من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن هم لم ينيبوا ويتوبوا من كفرهم قبل حلول نقمة الله بهم حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " {وإن ربك لذو مغفرة للناس} [الرعد: 6] يقول: ولكن ربك " 13P437

قسم V13/P436–V13/P440

[الرعد: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه، إنما أنت منذر، ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] يقول تعالى ذكره: {ويقول الذين كفروا} [الرعد: 7] يا محمد من قومك، {لولا أنزل عليه آية من ربه} [يونس: 20] هلا أنزل على محمد آية من ربه يعنون: علامة وحجة له على نبوته، وذلك قولهم: {لولا أنزل عليه كنز، أو جاء معه ملك} [هود: 12] يقول الله له: يا محمد {إنما أنت منذر} [الرعد: 7] لهم، تنذرهم بأس الله أن يحل بهم على شركهم {ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] : يقول ولكل قوم إمام يأتمون به وهاد يتقدمهم، فيهديهم إما إلى خير وإما إلى شر، وأصله من هادي الفرس، وهو عنقه الذي يهدي سائر جسده. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في المعني بالهادي في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه} [الرعد: 7] هذا قول مشركي العرب قال الله: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] لكل قوم داع يدعوهم إلى الله " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن السدي، عن عكرمة، ومنصور، عن أبي الضحى: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] قالا: «محمد هو المنذر وهو الهادي» . حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان ، عن السدي، عن عكرمة، مثله. حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، 13P439 مثله. وقال آخرون: عنى بالهادي في هذا الموضع: الله ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] قال: «محمد المنذر، والله الهادي» حدثنا ابن بشار قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] قال: «محمد المنذر، والله الهادي» حدثنا أبو كريب قال: ثنا الأشجعي، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: {إنما أنت منذر} [الرعد: 7] قال: «أنت يا محمد منذر، والله الهادي» حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد، في قوله: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] قال: " المنذر: النبي صلى الله عليه وسلم {ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] قال: الله هادي كل قوم " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] يقول: «أنت يا محمد منذر، وأنا هادي كل قوم» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] " المنذر: محمد صلى الله عليه وسلم، والهادي: الله عز وجل ". وقال آخرون: الهادي في هذا الموضع معناه نبي ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: " المنذر محمد صلى الله عليه وسلم {ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] قال: نبي " حدثنا ابن حميد قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله: " {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] قال: نبي ".

قسم V13/P440–V13/P442

قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، عن عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد، مثله حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا أسباط بن محمد، عن عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد في قوله: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] قال: " لكل قوم نبي، والمنذر: محمد صلى الله عليه وسلم " قال: ثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثني عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد في قول الله: " {ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] قال: نبي " قال: ثنا شبابة قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] يعني: «لكل قوم نبي» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] قال: نبي " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] قال: نبي يدعوهم إلى الله " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] قال: " لكل قوم نبي، الهادي: النبي صلى الله عليه وسلم، والمنذر أيضا: النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} [فاطر: 24] وقال: {نذير من النذر الأولى} [النجم: 56] قال: نبي من الأنبياء ". وقال آخرون: بل عنى به: ولكل قوم قائد ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] قال: «إنما أنت يا محمد منذر، ولكل قوم قادة» قال: ثنا الأشجعي قال: ثني إسماعيل أو سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: {ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] قال: «لكل قوم قادة» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] قال: " الهادي: القائد، والقائد: الإمام، والإمام: العمل " حدثني الحسن، قال: ثنا محمد وهو ابن يزيد، عن إسماعيل، عن يحيى بن رافع، في قوله: " {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] قال: قائد ". وقال آخرون: هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن يحيى الصوفي، قال: ثنا الحسن بن الحسين الأنصاري، قال: 13P443 ثنا معاذ بن مسلم، ثنا الهروي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] وضع صلى الله عليه وسلم يده على صدره، فقال: «أنا المنذر» {ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] ، وأومأ بيده إلى منكب علي فقال: «أنت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون بعدي» . وقال آخرون: معناه: لكل قوم داع ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] قال: داع " وقد بينت معنى الهداية، وأنه الإمام المتبع الذي يقدم القوم فإذا كان ذلك كذلك، فجائز أن يكون ذلك هو الله الذي يهدي خلقه ويتبع خلقه هداه ويأتمون بأمره ونهيه، وجائز أن يكون نبي الله الذي تأتم به أمته، وجائز أن يكون إماما من الأئمة يؤتم به ويتبع منهاجه وطريقته أصحابه، وجائز أن يكون داعيا من الدعاة إلى خير أو شر. وإذا كان ذلك كذلك فلا قول أولى في ذلك بالصواب من أن يقال كما قال جل ثناؤه: إن محمدا هو المنذر من أرسل إليه بالإنذار، وإن لكل قوم هاديا يهديهم فيتبعونه ويأتمون به 13P443

قسم V13/P442–V13/P447

[الرعد: 8] القول في تأويل قوله تعالى: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار} [الرعد: 8] يقول تعالى ذكره: {وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد} [الرعد: 5] منكرين قدرة الله على إعادتهم خلقا جديدا بعد فنائهم وبلائهم، ولا ينكرون قدرته على ابتدائهم وتصويرهم في الأرحام وتدبيرهم وتصريفهم فيها حالا بعد حال فابتدأ الخبر عن ذلك ابتداء، والمعنى فيه ما وصفت، فقال جل ثناؤه: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد} [الرعد: 8] يقول: وما تنقص الأرحام من حملها في الأشهر التسعة بإرسالها دم الحيض، وما تزداد في حملها على الأشهر التسعة لتمام ما نقص من الحمل في الأشهر التسعة بإرسالها دم الحيض {وكل شيء عنده بمقدار} [الرعد: 8] لا يجاوز شيء من قدره عن تقديره، ولا يقصر أمر أراده فدبره عن تدبيره، كما لا يزداد حمل أنثى على ما قدر له من الحمل، ولا يقصر عما حد له من القدر والمقدار، مفعال من القدر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن ماهان، قال: ثنا القاسم بن مالك، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: {يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام} [الرعد: 8] قال: «ما رأت المرأة من يوم دما على حملها زاد في الحمل يوما» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام} [الرعد: 8] يعني السقط {وما تزداد} [الرعد: 8] يقول: «ما زادت الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماما، وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهن من تحمل تسعة أشهر، ومنهن من تزيد في الحمل ومنهن من تنقص، فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله، وكل ذلك بعلمه» حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثنا عبد السلام، قال: ثنا خصيف، عن مجاهد، أو سعيد بن جبير في قول الله: {وما تغيض الأرحام} [الرعد: 8] قال: «غيضها دون التسعة، والزيادة فوق التسعة» حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد، أنه قال: " الغيض: ما رأت الحامل من الدم في حملها، فهو نقصان من الولد، والزيادة: ما زاد على التسعة أشهر، فهو تمام للنقصان وهو زيادة " حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا عبد الصمد قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد في قوله: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} [الرعد: 8] قال : «ما ترى من الدم، 13P446 وما تزداد على تسعة أشهر» حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد أنه قال: يعلم {ما تغيض الأرحام وما تزداد} [الرعد: 8] قال: «ما زاد على التسعة الأشهر» ، {وما تغيض الأرحام} [الرعد: 8] قال: «الدم تراه المرأة في حملها» حدثني المثنى، ثنا عمرو بن عون والحجاج بن المنهال قالا: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن مجاهد في قوله: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} [الرعد: 8] قال: " الغيض: الحامل ترى الدم في حملها فهو الغيض، وهو نقصان من الولد، وما زاد على تسعة أشهر فهو تمام لذلك النقصان، وهي الزيادة " حدثنا أحمد بن إسحاق قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا عبد السلام، عن خصيف، عن مجاهد: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} [الرعد: 8] قال: «إذا رأت دون التسعة زاد على التسعة مثل أيام الحيض» حدثنا أحمد قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وما تغيض الأرحام} [الرعد: 8] قال: خروج الدم {وما تزداد} [الرعد: 8] قال: استمساك الدم " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وما تغيض الأرحام} [الرعد: 8] «إراقة المرأة حتى يخس الولد» {وما تزداد} [الرعد: 8] قال: «إن لم تهرق المرأة تم الولد وعظم» حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا شبابة قال: ثنا شعبة، عن جعفر، عن مجاهد في قوله: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} [الرعد: 8] قال: «المرأة ترى الدم وتحمل أكثر من تسعة أشهر» حدثنا الحسن، قال: ثنا محمد بن الصباح، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله: {وما تغيض الأرحام} [الرعد: 8] قال: «هي المرأة ترى الدم في حملها» قال: ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} [الرعد: 8] «إهراق الدم حتى يخس الولد، وتزداد إن لم تهرق المرأة تم الولد وعظم» قال: ثنا الحكم بن موسى، قال: ثنا هقل، عن عثمان بن الأسود، قال: قلت لمجاهد: امرأتي رأت دما، وأرجو أن تكون حاملا؟

قسم V13/P447–V13/P451

قال أبو جعفر: هكذا هو في الكتاب، فقال مجاهد: " ذاك غيض الأرحام يعلم {ما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار} [الرعد: 8] الولد لا يزال يقع في النقصان ما رأت الدم، فإذا انقطع الدم وقع في الزيادة، فلا يزال حتى يتم فذلك قوله: {وما تغيض الأرحام وما تزداد، وكل شيء عنده بمقدار} [الرعد: 8] " قال: ثنا محمد بن الصباح قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد في قوله: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} [الرعد: 8] قال: " الغيض: الحامل ترى الدم في حملها، وهو الغيض، وهو نقصان من الولد، فما زادت على التسعة الأشهر، فهي الزيادة، وهو تمام للولادة " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عكرمة، في هذه الآية: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام} [الرعد: 8] قال: «كلما غاضت بالدم زاد ذلك في الحمل» . قال: ثنا عبد الأعلى قال: ثنا داود، عن عكرمة نحوه حدثنا أحمد بن إسحاق قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا عباد بن العوام، عن عاصم، عن عكرمة: {وما تغيض الأرحام} [الرعد: 8] قال: " غيض الرحم: الدم على الحمل، كلما غاض الرحم من الدم يوما زاد في الحمل يوما، حتى تستكمل وهي طاهرة ". قال: ثنا عباد، عن سعيد، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، مثله حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا الوليد بن صالح، قال: ثنا أبو يزيد، عن عاصم، عن عكرمة، في هذه الآية: {وما تغيض الأرحام} [الرعد: 8] قال: «هو الحيض على الحمل» {وما تزداد} [الرعد: 8] قال: «فلها بكل يوم حاضت على حملها يوم تزداده في طهرها، حتى تستكمل تسعة أشهر طاهرا» قال: ثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عمران بن حدير، عن عكرمة في قوله: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} [الرعد: 8] قال: «ما رأت الدم في حملها زاد في حملها» حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا إسحاق، عن جويبر، عن الضحاك، في [ص : 449] قوله: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} [الرعد: 8] " ما تغيض: أقل من تسعة، وما تزداد: أكثر من تسعة " حدثنا أحمد بن إسحاق قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا ابن المبارك، عن الحسن بن يحيى قال: سمعت الضحاك يقول: " قد يولد المولود لسنتين، قد كان الضحاك ولد لسنتين، والغيض: ما دون التسعة، وما تزداد: فوق تسعة أشهر " قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا سفيان، عن جويبر، عن الضحاك: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} [الرعد: 8] قال: " دون التسعة، {وما تزداد} [الرعد: 8] : قال: «فوق التسعة» قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن جويبر، عن الضحاك، قال: «ولدت لسنتين» حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن الحسن بن يحيى، قال: ثنا الضحاك: «أن أمه حملته سنتين» قال: {وما تغيض الأرحام} [الرعد: 8] قال: " ما تنقص من التسعة {وما تزداد} [الرعد: 8] قال: «ما فوق التسعة» قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام} [الرعد: 8] قال: «كل أنثى من خلق الله» قال: ثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، ومنصور، عن الحسن، قالا: « 13P450 الغيض ما دون التسعة الأشهر» قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن داود بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن جميلة بنت سعد، عن عائشة، قالت: «لا يكون الحمل أكثر من سنتين، قدر ما يتحول ظل مغزل» حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي: {وما تغيض الأرحام} [الرعد: 8] قال: " هو الحمل لتسعة أشهر وما دون التسعة {وما تزداد} [الرعد: 8] قال: على التسعة " قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير: {وما تغيض الأرحام} [الرعد: 8] قال: «حيض المرأة على ولدها» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} [الرعد: 8] قال: " الغيض: السقط، وما تزداد: فوق التسعة الأشهر " حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن سعيد بن جبير: " إذا رأت المرأة الدم على الحمل، فهو الغيض للولد، يقول: نقصان في غذاء الولد، وهو زيادة في الحمل " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {الله يعلم ما 13P451 تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد} [الرعد: 8] قال: كان الحسن يقول: «الغيضوضة أن تضع المرأة لستة أشهر أو لسبعة أشهر، أو لما دون الحد» .

قسم V13/P451

قال قتادة: «وأما الزيادة فما زاد على تسعة أشهر» حدثني الحارث قال: ثنا عبد العزيز قال: ثنا قيس، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: " غيض الرحم: أن ترى الدم على حملها، فكل شيء رأت فيه الدم على حملها ازدادت على حملها مثل ذلك " قال ثنا عبد العزيز قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عن مجاهد قال: «إذا رأت الحامل الدم كان أعظم للولد» حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} [الرعد: 8] " الغيض: النقصان من الأجل، والزيادة: ما زاد على الأجل، وذلك أن النساء لا يلدن لعدة واحدة، يولد المولود لستة أشهر فيعيش، ويولد لسنتين فيعيش، وفيما بين ذلك " قال: وسمعت الضحاك يقول: ولدت لسنتين، وقد نبتت ثناياي " حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وما تغيض الأرحام} [الرعد: 8] قال: " غيض الأرحام: الإهراقة التي تأخذ النساء على الحمل، 13P452 وإذا جاءت تلك الإهراقة لم يعتد بها من الحمل، ونقص ذلك حملها حتى يرتفع ذلك، وإذا ارتفع استقبلت عدة مستقبلة تسعة أشهر، وأما ما دامت ترى الدم فإن الأرحام تغيض وتنقص والولد يرق، فإذا ارتفع ذلك الدم ربا الولد واعتدت حين يرتفع عنها ذلك الدم عدة الحمل تسعة أشهر، وما كان قبله فلا تعتد به هو هراقة يبطل ذلك أجمع أكتع " وقوله: {وكل شيء عنده بمقدار} [الرعد: 8] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وكل شيء عنده بمقدار} [الرعد: 8] «إي والله، لقد حفظ عليهم رزقهم وآجالهم، وجعل لهم أجلا معلوما» 13P452

قسم V13/P451–V13/P455

[الرعد: 9] القول في تأويل قوله تعالى: {عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال} [الرعد: 9] يقول تعالى ذكره: والله عالم ما غاب عنكم وعن أبصاركم فلم تروه وما شاهدتموه، فعاينتم بأبصاركم، لا يخفى عليه شيء لأنهم خلقه وتدبيره، الكبير الذي كل شيء دونه، المتعال المستعلي على كل شيء بقدرته، وهو المتفاعل من العلو مثل المتقارب من القرب، والمتداني من الدنو 13P452 [الرعد: 10] القول في تأويل قوله تعالى: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: 10] يقول تعالى ذكره: معتدل عند الله منكم أيها الناس الذي أسر القول، والذي جهر به، والذي {هو مستخف بالليل} [الرعد: 10] في ظلمته بمعصية الله {وسارب بالنهار} [الرعد: 10] يقول: وظاهر بالنهار في ضوئه، لا يخفى عليه شيء من ذلك، سواء عنده سر خلقه وعلانيتهم، لأنه لا يستسر عنده شيء ولا يخفى يقال منه: سرب يسرب سروبا إذا ظهر، كما قال قيس بن الخطيم: [+البحر الكامل] أنى سربت وكنت غير سروب وتقرب الأحلام غير قريب يقول: كيف سربت بالليل على بعد هذا الطريق ولم تكوني تبرزين وتظهرين، وكان بعضهم يقول: هو السالك في سربه: أي في مذهبه ومكانه. واختلف أهل العلم بكلام العرب في السرب فقال بعضهم: هو آمن في سربه بفتح السين، وقال بعضهم: هو آمن في سربه بكسر السين. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو 13P454 مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: 10] يقول: «هو صاحب ريبة مستخف بالليل، وإذا خرج بالنهار أرى الناس أنه بريء من الإثم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " {وسارب بالنهار} [الرعد: 10] : ظاهر " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن أبي رجاء، في قوله: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: 10] قال: «إن الله أعلم بهم، سواء من أسر القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار» حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا علي بن عاصم، عن عوف، عن أبي رجاء: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: 10] قال: " من هو مستخف في بيته، وسارب بالنهار: ذاهب على وجهه، علمه فيهم واحد " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به} [الرعد: 10] يقول: " السر والجهر عنده سواء {ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: 10] أما المستخفي ففي بيته، وأما السارب: الخارج بالنهار حيثما كان، المستخفي غيبه الذي يغيب فيه 13P455 والخارج عنده سواء " قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن خصيف، في قوله: " {مستخف بالليل} [الرعد: 10] قال: راكب رأسه في المعاصي {وسارب بالنهار} [الرعد: 10] قال: ظاهر بالنهار " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به} [الرعد: 10] «كل ذلك عنده تبارك وتعالى سواء، السر عنده علانية» قوله: {ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: 10] : أي في ظلمة الليل، وسارب: أي ظاهر بالنهار " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد، وعكرمة: {وسارب بالنهار} [الرعد: 10] قال: ظاهر بالنهار «. و» من " في قوله: {من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل} [الرعد: 10] رفع الأولى منهن بقوله سواء، والثانية معطوفة على الأولى، والثالثة على الثانية 13P455

قسم V13/P455–V13/P457

[الرعد: 11] القول في تأويل قوله تعالى: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له، وما لهم من دونه من وال} [الرعد: 11] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فقال بعضهم: معناه: لله تعالى ذكره معقبات، قالوا: الهاء في قوله «له» من ذكر اسم الله، والمعقبات التي تتعقب على العبد، وذلك أن ملائكة الليل إذا صعدت بالنهار أعقبتها ملائكة النهار، فإذا انقضى النهار صعدت ملائكة النهار ثم أعقبتها ملائكة الليل، وقالوا: قيل معقبات، والملائكة: جمع ملك مذكر غير مؤنث، وواحد الملائكة معقب، وجماعتها معقبة، ثم جمع جمعه، أعني جمع معقب بعد ما جمع معقبة، وقيل: معقبات كما قيل: أبناوات سعد، ورجالات بني فلان، جمع رجال وقوله: {من بين يديه ومن خلفه} [الرعد: 11] يعني بقوله: {من بين يديه} [الرعد: 11] من قدام هذا المستخفي بالليل والسارب بالنهار، {ومن خلفه} [الرعد: 11] : من وراء ظهره ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور يعني ابن زاذان، عن الحسن، في هذه الآية: " {له معقبات من بين يديه ومن خلفه} [الرعد: 11] قال: الملائكة " حدثني المثنى، قال: ثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح القشيري، قال: ثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي، قال: دخل عثمان بن عفان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أخبرني عن العبد كم معه من ملك؟ قال: " ملك على يمينك على حسناتك، وهو أمير على الذي على الشمال، فإذا عملت حسنة كتبت عشرا، وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين: أكتب؟ قال: لا لعله يستغفر الله ويتوب، فإذا قال ثلاثا، قال: نعم، اكتب، أراحنا الله منه، فبئس القرين، ما أقل مراقبته لله، وأقل استحياءه منا يقول الله: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 18] وملكان من بين يديك ومن خلفك، يقول الله: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت لله رفعك، وإذا تجبرت على الله قصمك، وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على محمد، وملك قائم على فيك لا يدع الحية تدخل في فيك، وملكان على عينيك فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي، ينزلون ملائكة الليل على ملائكة النهار، لأن ملائكة الليل سوى ملائكة النهار، فهؤلاء عشرون ملكا على كل آدمي، وإبليس بالنهار وولده بالليل " حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه} [الرعد: 11] " الملائكة 13P458 {يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] ".

قسم V13/P457–V13/P460

حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله قال: ثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم، عن عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد في قوله: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه} [الرعد: 11] قال: «مع كل إنسان حفظة يحفظونه من أمر الله» قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] فالمعقبات هن من أمر الله، وهي الملائكة " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: {يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] قال: «ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدره خلوا عنه» حدثني الحارث قال: ثنا عبد العزيز قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: " {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] فإذا جاء القدر خلوا عنه " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، " في هذه الآية 13P459 قال: «الحفظة» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: " {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] قال: ملائكة " حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا يعلى، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله: {له معقبات} [الرعد: 11] قال: «ملائكة الليل يعقبون ملائكة النهار» حدثنا بشر ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه} [الرعد: 11] " هذه ملائكة الليل يتعاقبون فيكم بالليل والنهار، وذكر لنا أنهم يجتمعون عند صلاة العصر وصلاة الصبح، وفي قراءة أبي بن كعب: «له معقبات من بين يديه، ورقيب من خلفه، يحفظونه من أمر الله» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: " {له معقبات من بين يديه} [الرعد: 11] قال: ملائكة يتعاقبونه " حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه} [الرعد: 11] قال: «الملائكة» . قال ابن جريج: معقبات: قال: «الملائكة تعاقب الليل والنهار» ، وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجتمعون فيكم عند صلاة العصر وصلاة الصبح» وقوله: {من بين يديه ومن خلفه يحفظونه} [الرعد: 11] قال ابن جريج: مثل قوله: {عن اليمين وعن الشمال قعيد} [ق: 17] قال: « 13P460 الحسنات من بين يديه والسيئات من خلفه، الذي عن يمينه يكتب الحسنات، والذي عن شماله يكتب السيئات» حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت ليثا يحدث، عن مجاهد، أنه قال: " ما من عبد إلا له ملك موكل يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما منها شيء يأتيه يريده إلا قال: وراءك، إلا شيئا يأذن الله فيه فيصيبه " حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي: قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {له معقبات من بين يديه ومن خلفه} [الرعد: 11] قال: يعني الملائكة ".

قسم V13/P460–V13/P462

وقال آخرون: بل عنى بالمعقبات في هذا الموضع: الحرس، الذي يتعاقب على الأمير ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه} [الرعد: 11] قال: «ذلك ملك من ملوك الدنيا، له حرس من دونه حرس» حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي، قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه} [الرعد: 11] يعني: «ولي 13P461 السلطان يكون عليه الحرس» حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن شرقي، أنه سمع عكرمة، يقول في هذه الآية: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه} [الرعد: 11] قال: «هؤلاء الأمراء» حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا عمرو بن نافع، قال: سمعت عكرمة، يقول: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه} [الرعد: 11] قال: «المواكب من بين يديه، ومن خلفه» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] قال: «هو السلطان المحروس من أمر الله، وهم أهل الشرك» . وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قول من قال: الهاء في قوله: {له معقبات} [الرعد: 11] من ذكر «من» التي في قوله: {ومن هو مستخف بالليل} [الرعد: 10] وأن المعقبات من بين يديه ومن خلفه، هي حرسه وجلاوزته كما قال ذلك من ذكرنا قوله. وإنما قلنا: ذلك أولى التأويلين بالصواب لأن قوله: {له معقبات} [الرعد: 11] أقرب إلى قوله: {ومن هو مستخف بالليل} [الرعد: 10] منه إلى عالم الغيب، فهي لقربها منه أولى بأن تكون من ذكره، وأن يكون المعني بذلك هذا مع دلالة قول الله: {وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له} [الرعد: 11] على أنهم المعنيون بذلك، وذلك أنه جل ثناؤه ذكر قوما أهل معصية له وأهل ريبة، يستخفون بالليل ويظهرون بالنهار، ويمتنعون عند أنفسهم بحرس يحرسهم، ومنعة تمنعهم من أهل طاعته أن يحولوا بينهم وبين ما يأتون من معصية الله، ثم أخبر أن الله تعالى ذكره إذا أراد بهم سوءا لم ينفعهم حرسهم، ولا يدفع عنهم حفظهم وقوله: {يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] اختلف أهل التأويل في تأويل هذا الحرف على نحو اختلافهم في تأويل قوله: {له معقبات} [الرعد: 11] فمن قال: المعقبات هي الملائكة قال: الذين يحفظونه من أمر الله هم أيضا الملائكة، ومن قال: المعقبات هي الحرس والجلاوزة من بني آدم، قال: الذين يحفظونه من أمر الله هم أولئك الحرس. واختلفوا أيضا في معنى قوله: {من أمر الله} [هود: 43] فقال بعضهم: حفظهم إياه من أمره وقال بعضهم: يحفظونه من أمر الله بأمر الله.

قسم V13/P462–V13/P465

13P463 ذكر من قال: الذين يحفظونه هم الملائكة ووجه قوله: (بأمر الله) إلى معنى أن حفظها إياه من أمر الله حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] يقول: بإذن الله، فالمعقبات: هي من أمر الله، وهي الملائكة " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: {يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] قال: " الملائكة: الحفظة، وحفظهم إياه من أمر الله " حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا محمد بن عبيد، قال: ثني عبد الملك، عن ابن عبيد الله، عن مجاهد، في قوله: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] قال: «الحفظة هم من أمر الله» قال: ثنا علي يعني ابن عبد الله بن جعفر، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن ابن عباس: " {له معقبات من بين يديه} [الرعد: 11] رقباء {ومن خلفه} [الرعد: 11] من أمر الله {يحفظونه} [الرعد: 11] " قال: ثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن الجارود، عن ابن عباس: " { 13P464 له معقبات من بين يديه} [الرعد: 11] رقيب {ومن خلفه} [الرعد: 11] " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيل، عن خصيف، عن مجاهد: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] قال: «الملائكة من أمر الله» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: {يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] قال: «الملائكة من أمر الله» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] قال: «الحفظة» ذكر من قال: عنى بذلك يحفظونه بأمر الله حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] : أي بأمر الله " حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] وفي بعض القراءات (بأمر الله) " حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن عبد الملك، 13P465 عن قيس، عن مجاهد، في قوله: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه} [الرعد: 11] قال: «مع كل إنسان حفظة يحفظونه من أمر الله» ذكر من قال: تحفظه الحرس من بني آدم من أمر الله حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] يعني: " ولي السلطان يكون عليه الحرس، يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، يقول الله عز وجل: يحفظونه من أمري، فإني إذا أردت بقوم سوءا فلا مرد له، وما لهم من دونه من وال " حدثني أبو هريرة الضبعي، قال: ثنا أبو قتيبة، قال: ثنا سعيد، عن شرقي، عن عكرمة: " {يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] قال: الجلاوزة ".

الأسئلة