Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

قسم V13/P465–V13/P466

وقال آخرون: معنى ذلك: يحفظونه من أمر الله، وأمر الله الجن، ومن يبغي أذاه ومكروهه قبل مجيء قضاء الله، فإذا جاء قضاؤه خلوا بينه وبينه ذكر من قال ذلك: حدثني أبو هريرة الضبعي، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا ورقاء، عن منصور، عن طلحة، عن إبراهيم: " {يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] قال: من الجن " حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت ليثا يحدث، عن 13P466 مجاهد، أنه قال: " ما من عبد إلا له ملك موكل يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما منهم شيء يأتيه يريده إلا قال: وراءك، إلا شيئا يأذن الله فيصيبه " حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد الألهاني، عن يزيد بن شريح، عن كعب الأحبار، قال: «لو تجلى لابن آدم كل سهل وحزن، لرأى على كل شيء من ذلك شياطين، لولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم، ومشربكم، وعوراتكم، إذن لتخطفتم» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا عمارة بن أبي حفصة، عن أبي مجلز، قال: جاء رجل من مراد إلى علي رضي الله عنه، وهو يصلي، فقال: احترس، فإن ناسا من مراد يريدون قتلك فقال: «إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، وإن الأجل جنة حصينة» حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب، عن الحسن بن ذكوان، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، قال: «ما من آدمي إلا ومعه ملك موكل يذود عنه حتى يسلمه للذي قدر له» . 13P467 وقال آخرون: معنى ذلك: يحفظون عليه من الله ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] قال: «يحفظون عليه من الله» . قال أبو جعفر: يعني ابن جريج بقوله: يحفظون عليه الملائكة الموكلة بابن آدم، بحفظ حسناته وسيئاته، وهي المعقبات عندنا، تحفظ على ابن آدم حسناته وسيئاته من أمر الله وعلى هذا القول يجب أن يكون معنى قوله: {من أمر الله} [هود: 43] أن الحفظة من أمر الله، أو تحفظ بأمر الله، ويجب أن تكون الهاء التي في قوله: {يحفظونه} [الرعد: 11] وحدت وذكرت، وهي مراد بها الحسنات والسيئات، لأنها كناية عن ذكر من الذي هو مستخف بالليل وسارب بالنهار، وأن يكون المستخفي بالليل، أقيم ذكره مقام الخبر عن سيئاته وحسناته، كما قيل: {واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها} [يوسف: 82] وكان عبد الرحمن بن زيد يقول في ذلك خلاف هذه الأقوال كلها حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: 10] قال: أتى عامر بن الطفيل، وأربد بن ربيعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عامر: ما تجعل لي إن أنا اتبعتك؟ قال: «أنت فارس، 13P468 أعطيك أعنة الخيل» قال: لا قال: «فما تبغي؟ » قال: لي الشرق ولك الغرب، قال: «لا» قال: فلي الوبر ولك المدر قال: «لا» قال: لأملأنها عليك إذا خيلا ورجالا، قال: «يمنعك الله ذاك وأبناء قيلة» يريد الأوس والخزرج قال: فخرجا، فقال عامر لأربد: إن كان الرجل لنا لممكنا، لو قتلناه ما انتطحت فيه عنزان، ولرضوا بأن نعقله لهم، وأحبوا السلم، وكرهوا الحرب إذا رأوا أمرا قد وقع، فقال الآخر: إن شئت، فتشاورا، وقال: ارجع وأنا أشغله عنك بالمجادلة، وكن وراءه فاضربه بالسيف ضربة واحدة فكانا كذلك، واحد وراء النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر قال: اقصص علينا قصصك، قال: ما يقول قرآنك؟ فجعل يجادله ويستبطئه حتى قال: مالك، أحشمت؟

قسم V13/P466–V13/P471

قال: وضعت يدي على قائم سيفي فيبست، فما قدرت على أن أحلى ولا أمر ولا أحركها، قال: فخرجا فلما كانا بالحرة سمع بذلك سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، فخرجا إليهما، على كل واحد منهما لأمته ورمحه بيده وهو متقلد سيفه، فقالا لعامر بن 13P469 الطفيل: يا أعور، يا خبيث، يا أملخ، أنت الذي تشترط على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لولا أنك في أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رمت المنزل حتى ضربت عنقك، ولكن لا تستبقين وكان أشد الرجلين عليه أسيد بن الحضير، فقال: من هذا؟ فقالوا: أسيد بن حضير فقال: لو كان أبوه حيا لم يفعل بي هذا، ثم قال لأربد: اخرج أنت يا أربد إلى ناحية عذبة، وأخرج أنا إلى نجد، فنجمع الرجال فنلتقي عليه فخرج أربد حتى إذا كان بالرقم بعث الله سحابة من الصيف فيها صاعقة فأحرقته، قال: وخرج عامر، حتى إذا كان بواد يقال له الجرير، أرسل الله عليه الطاعون، فجعل يصيح: يا آل عامر، أغدة كغدة البكر تقتلني، يا آل عامر أغدة كغدة البكر تقتلني، وموت أيضا في بيت سلولية وهي امرأة من قيس ، فذلك قول الله: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به} [الرعد: 10] فقرأ حتى بلغ: {يحفظونه} [الرعد: 11] تلك المعقبات من أمر الله، هذا مقدم ومؤخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم معقبات يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، تلك المعقبات من أمر الله، وقال لهذين: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11] فقرأ حتى 13P470 بلغ: {ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء} [الرعد: 13] الآية، فقرأ حتى بلغ: {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} [الرعد: 14] . قال: وقال لبيد في أخيه أربد، وهو يبكيه: [+البحر المنسرح] أخشى على أربد الحتوف ولا أرهب نوء السماك والأسد فجعني الرعد والصواعق بال فارس يوم الكريهة النجد ". قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله ابن زيد في تأويل هذه الآية قول بعيد من تأويل الآية مع خلافه أقوال من ذكرنا قوله من أهل التأويل، وذلك أنه جعل الهاء في قوله: {له معقبات} [الرعد: 11] من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يجر له في الآية التي قبلها ولا في التي قبل الأخرى ذكر، إلا أن يكون أراد أن يردها على قوله: {إنما أنت منذر، ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] ، {له معقبات} [الرعد: 11] فإن كان أراد ذلك، فذلك بعيد لما بينهما من الآيات بغير ذكر الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا كان كذلك، فكونها عائدة على «من» التي في قوله: {ومن هو مستخف بالليل} [الرعد: 10] أقرب، لأنه قبلها والخبر بعدها عنه فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل 13P471 الكلام: سواء منكم أيها الناس من أسر القول ومن جهر به عند ربكم، ومن هو مستخف بفسقه وريبته في ظلمة الليل، وسارب: يذهب ويجيء في ضوء النهار ممتنعا بجنده وحرسه الذين يتعقبونه من أهل طاعة الله أن يحولوا بينه وبين ما يأتي من ذلك، وأن يقيموا حد الله عليه، وذلك قوله: {يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] وقوله: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11] يقول تعالى ذكره: إن الله لا يغير ما بقوم من عافية ونعمة فيزيل ذلك عنهم ويهلكهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من ذلك بظلم بعضهم بعضا، واعتداء بعضهم على بعض، فتحل بهم حينئذ عقوبته وتغييره وقوله: {وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له} [الرعد: 11] يقول: وإذا أراد الله بهؤلاء الذين يستخفون بالليل ويسربون بالنهار، لهم جند ومنعة من بين أيديهم ومن خلفهم، يحفظونهم من أمر الله هلاكا وخزيا في عاجل الدنيا {فلا مرد له} [الرعد: 11] يقول: فلا يقدر على رد ذلك عنهم أحد غير الله يقول تعالى ذكره: {وما لهم من دونه من وال} [الرعد: 11] يقول: وما لهؤلاء القوم، والهاء والميم في «لهم» من ذكر القوم الذين في قوله: {وإذا أراد الله بقوم سوءا} [الرعد: 11] من دون الله من وال، يعني: من وال يليهم ويلي أمرهم وعقوبتهم، وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: السوء: الهلكة، ويقول: كل جذام، وبرص، وعمى، وبلاء عظيم، فهو سوء، مضموم الأول، وإذا فتح أوله فهو مصدر سؤت، ومنه قولهم: رجل سوء، واختلف أهل العربية في معنى قوله: {ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: 10] فقال بعض نحويي أهل البصرة: معنى قوله: {ومن هو مستخف بالليل} [الرعد: 10] ومن هو ظاهر بالليل، من قولهم: خفيت الشيء: إذا أظهرته، وكما قال امرؤ القيس: [+البحر الوافر] فإن تكتموا الداء لا نخفه وإن تبعثوا الحرب لا نقعد وقال: وقد قرئ (أكاد أخفيها) بمعنى: أظهرها، وقال في قوله: {وسارب بالنهار} [الرعد: 10] السارب: هو المتواري كأنه وجهه إلى أنه صار في السرب بالنهار مستخفيا.

قسم V13/P471–V13/P474

وقال بعض نحويي البصرة والكوفة: إنما معنى ذلك: ومن هو مستخف: أي مستتر بالليل من الاستخفاء، وسارب بالنهار: وذاهب بالنهار، من قولهم: سربت الإبل إلى المراعي، وذلك ذهابها إلى المراعي وخروجها إليها وقيل: إن السروب بالعشي والسروح بالغداة. واختلفوا أيضا في تأنيث معقبات، وهي صفة لغير الإناث، فقال بعض نحويي البصرة: إنما أنثت لكثرة ذلك منها، نحو: نسابة وعلامة، ثم ذكر لأن المعنى مذكر، فقال: يحفظونه، وقال بعض نحويي الكوفة: إنما هي ملائكة معقبة، ثم جمعت معقبات، فهو جمع جمع، ثم قيل: يحفظونه، لأنه للملائكة وقد تقدم قولنا في معنى المستخفي بالليل والسارب بالنهار وأما الذي ذكرناه عن نحويي البصريين في ذلك فقول وإن كان له في كلام العرب وجه خلاف لقول أهل التأويل، وحسبه من الدلالة على فساده خروجه عن قول جميعهم، وأما المعقبات، فإن التعقيب في كلام العرب العود بعد البدء، والرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه، من قول الله تعالى: {ولى مدبرا ولم يعقب} [النمل: 10] : أي لم يرجع، وكما قال سلامة بن جندل: [+البحر البسيط] وكرنا الخيل في آثارهم رجعا كس السنابك من بدء وتعقيب يعني: في غزو ثان عقبوا، وكما قال طرفة: [+البحر الرمل] ولقد كنت عليكم عاتبا فعقبتم بذنوب غير مر يعني بقوله: عقبتم: رجعتم، وأتاها التأنيث عندنا، وهي من صفة الحرس الذي يحرسون المستخفي بالليل والسارب بالنهار، لأنه عني بها حرس معقبة، ثم جمعت المعقبة، فقيل: معقبات، فذلك جمع جمع المعقب، والمعقب: واحد المعقبة، كما قال لبيد: [+البحر الكامل] حتى تهجر في الرواح وهاجها طلب المعقب حقه المظلوم والمعقبات جمعها، ثم قال: يحفظونه، فرد الخبر إلى تذكير الحرس والجند وأما قوله: {يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] فإن أهل العربية اختلفوا في معناه، فقال بعض نحويي الكوفة: معناه: له معقبات من أمر الله يحفظونه، وليس من أمره، إنما هو تقديم وتأخير، قال: ويكون يحفظونه ذلك الحفظ من أمر الله وبإذنه، كما تقول للرجل: أجبتك من دعائك إياي، وبدعائك إياي. وقال بعض نحويي البصريين: معنى ذلك: يحفظونه عن أمر الله، كما قالوا: أطعمني من جوع وعن جوع، وكساني عن عري ومن عري. وقد دللنا فيما مضى على أن أولى القول بتأويل ذلك أن يكون قوله: {يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] من صفة حرس هذا المستخفي بالليل، وهي تحرسه ظنا منها أنها تدفع عنه أمر الله، فأخبر تعالى ذكره أن حرسه ذلك لا يغني عنه شيئا إذا جاء أمره، فقال: {وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له، وما لهم من دونه من وال} [الرعد: 11] 13P474

قسم V13/P474–V13/P478

[الرعد: 12_13] القول في تأويل قوله تعالى: {هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا، وينشئ السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته، ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء، وهم يجادلون في الله، وهو شديد المحال} [الرعد: 12_13] يقول تعالى ذكره: {هو الذي يريكم البرق} [الرعد: 12] يعني أن الرب هو الذي يري عباده البرق، وقوله: {هو} [البقرة: 29] كناية اسمه جل ثناؤه، وقد بينا معنى البرق فيما مضى، وذكرنا اختلاف أهل التأويل فيه، بما أغنى عن إعادته في هذا 13P475 الموضع. وقوله {خوفا} [الأعراف: 56] يقول: خوفا للمسافر من أذاه وذلك أن البرق الماء في هذا الموضع، كما حدثني المثنى، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: أخبرنا موسى بن سالم أبو جهضم مولى ابن عباس، قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن البرق، فقال: " البرق: الماء " وقوله {وطمعا} [الأعراف: 56] يقول: وطمعا للمقيم أن يمطر فينتفع، كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا} [الرعد: 12] يقول: «خوفا للمسافر في أسفاره، يخاف أذاه ومشقته، وطمعا للمقيم، يرجو بركته ومنفعته، ويطمع في رزق الله» حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {خوفا وطمعا} [الأعراف: 56] «خوفا للمسافر، وطمعا للمقيم» وقوله: {وينشئ السحاب الثقال} [الرعد: 12] ويثير السحاب الثقال بالمطر، ويبدئه، يقال منه: أنشأ الله السحاب: إذا أبدأه، ونشأ السحاب: إذا بدأ ينشأ نشأ، والسحاب في هذا الموضع وإن كان في لفظ واحد فإنها جمع واحدتها سحابة، ولذلك قال: «الثقال» ، فنعتها بنعت الجمع، ولو كان جاء: السحاب الثقيل كان جائزا، وكان توحيدا للفظ السحاب، كما قيل: {جعل لكم من الشجر الأخضر نارا} [يس: 80] . 13P476 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وينشئ السحاب الثقال} [الرعد: 12] قال: «الذي فيه الماء» . حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {وينشئ السحاب الثقال} [الرعد: 12] قال: «الذي فيه الماء» وقوله: {ويسبح الرعد بحمده} [الرعد: 13] قال أبو جعفر: وقد بينا معنى الرعد فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد، قال كما حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا كثير بن هشام، قال: ثنا جعفر، قال: بلغنا أن 13P477 النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد الشديد قال: «اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك» حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبيه، عن رجل، عن أبي هريرة، رفع الحديث: أنه " كان إذا سمع الرعد قال: «سبحان من يسبح الرعد بحمده» حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا مسعدة بن اليسع الباهلي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي، رضي الله عنه، كان إذا سمع صوت الرعد قال: «سبحان من سبحت له» قال: ثنا إسماعيل بن علية، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان إذا سمع الرعد قال: «سبحان الذي سبحت له» حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا يعلى بن الحارث، قال: سمعت أبا صخرة يحدث، عن الأسود بن يزيد، أنه كان إذا سمع الرعد قال: «سبحان من سبحت له» ، أو «سبحان الذي يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته» قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا ابن علية، عن ابن طاوس، عن أبيه، وعبد الكريم، عن طاوس، أنه كان إذا سمع الرعد قال: «سبحان من سبحت له» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال : ثنا حجاج، عن ميسرة، عن الأوزاعي، قال: كان ابن أبي زكريا يقول: " من قال حين يسمع الرعد: سبحان الله وبحمده، لم تصبه صاعقة " ومعنى قوله: {ويسبح الرعد بحمده} [الرعد: 13] ويعظم الله الرعد ويمجده، فيثني عليه بصفاته، وينزهه مما أضاف إليه أهل الشرك به ومما وصفوه به من اتخاذ الصاحبة والولد، تعالى ربنا وتقدس وقوله: {من خيفته} [الرعد: 13] يقول: وتسبح الملائكة من خيفة الله ورهبته وأما قوله: {ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء} [الرعد: 13] فقد بينا معنى الصاعقة فيما مضى، بما أغنى عن إعادته، بما فيه الكفاية من الشواهد، وذكرنا ما فيها من الرواية.

قسم V13/P478–V13/P481

وقد اختلف فيمن أنزلت هذه الآية فقال بعضهم: نزلت في كافر من الكفار ذكر الله تعالى وتقدس بغير ما ينبغي ذكره، فأرسل عليه صاعقة أهلكته ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عفان، قال: ثنا أبان بن يزيد، قال: ثنا أبو عمران الجوني، عن عبد الرحمن بن صحار العبدي، أنه بلغه: " أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى جبار يدعوه، فقال: أرأيتم ربكم أذهب هو أم فضة، هو أم لؤلؤ هو؟ قال: فبينما هو يجادلهم، إذ بعث الله سحابة فرعدت، فأرسل الله عليه صاعقة فذهبت بقحف رأسه فأنزل الله هذه الآية: {ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء، وهم يجادلون في الله، وهو شديد المحال} [الرعد: 13] " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي بكر بن عياش، عن ليث، عن مجاهد، قال: " جاء يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أخبرني عن ربك، من أي شيء هو، من لؤلؤ أو من ياقوت؟ فجاءت صاعقة فأخذته، فأنزل الله: {ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال} [الرعد: 13] ". حدثني المثنى قال: ثنا الحماني قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن ليث، عن 13P480 مجاهد، مثله قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: ثنا سيف، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، حدثني من هذا الذي تدعو إليه؟ أياقوت هو، أذهب هو، أم ما هو؟ قال: " فنزلت على السائل الصاعقة فأحرقته، فأنزل الله: {ويرسل الصواعق} [الرعد: 13] الآية " حدثنا محمد بن مرزوق، قال: ثنا عبد الله بن عبد الوهاب، قال: ثني علي بن أبي سارة الشيباني قال: ثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم مرة رجلا إلى رجل من فراعنة العرب، أن ادعه لي، فقال: يا رسول الله، إنه أعتى من ذلك، قال: «اذهب إليه فادعه» قال: فأتاه، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، فقال: من رسول الله، وما الله؟ أمن ذهب هو أم من فضة، أم من نحاس؟ قال: فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: «ارجع إليه فادعه» قال: فأتاه فأعاد عليه ورد عليه مثل الجواب الأول، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: «ارجع إليه فادعه» قال: فرجع إليه فبينما هما يتراجعان الكلام بينهما، إذ بعث الله سحابة بحيال رأسه فرعدت، فوقعت منها صاعقة فذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله: {ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء، وهم يجادلون في الله، وهو شديد المحال} [الرعد: 13] ". وقال آخرون: نزلت في رجل من الكفار أنكر القرآن وكذب النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا، " أن رجلا أنكر القرآن وكذب النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل الله عليه صاعقة فأهلكته، فأنزل الله عز وجل فيه: {وهم يجادلون في الله، وهو شديد المحال} [الرعد: 13] ". وقال آخرون: نزلت في أربد أخي لبيد بن ربيعة، وكان هم بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وعامر بن الطفيل ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: نزلت يعني قوله: {ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء} [الرعد: 13] في أربد أخي لبيد بن ربيعة ، لأنه قدم أربد وعامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عامر: يا محمد، أأسلم وأكون الخليفة من بعدك؟ قال: «لا» قال: فأكون على أهل الوبر وأنت على أهل المدر؟ قال: «لا» ، قال: فما ذاك؟ قال: «أعطيك أعنة الخيل تقاتل عليها، فإنك رجل فارس» قال: أو ليست أعنة الخيل بيدي؟

قسم V13/P481–V13/P483

أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا من بني عامر وقال لأربد: إما أن تكفينيه وأضربه بالسيف، وإما أن أكفيكه وتضربه بالسيف، قال أربد: اكفنيه وأضربه فقال عامر بن الطفيل: يا محمد إن لي إليك حاجة، قال: «ادن» ، فلم يزل يدنو ويقول النبي صلى الله عليه وسلم، «ادن» حتى وضع يديه على ركبتيه وحنى عليه، واستل أربد السيف، فاستل منه قليلا؛ فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم بريقه، تعوذ بآية كان يتعوذ بها، فيبست يد أربد على السيف، فبعث الله عليه صاعقة فأحرقته، فذلك قول أخيه: [+البحر المنسرح] أخشى على أربد الحتوف ولا أرهب نوء السماك والأسد فجعني البرق والصواعق بال فارس يوم الكريهة النجد وقد ذكرت قبل خبر عبد الرحمن بن زيد بنحو هذه القصة وقوله: {وهم يجادلون في الله} [الرعد: 13] يقول: وهؤلاء الذين أصابهم الله بالصواعق أصابهم في حال خصومتهم في الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم وقوله: {وهو شديد المحال} [الرعد: 13] يقول تعالى ذكره: والله شديدة مماحلته في عقوبة من طغى عليه وعتا وتمادى في كفره، والمحال: مصدر من قول القائل: ماحلت فلانا فأنا أماحله مماحلة ومحالا، وفعلت منه: محلت أمحل محلا: إذا عرض رجل رجلا لما يهلكه، ومنه قوله: وماحل مصدق "، ومنه قول أعشى بني ثعلبة: [+البحر الخفيف] فرع نبع يهتز في غصن المج د غزير الندى شديد المحال هكذا كان ينشده معمر بن المثنى فيما حدثت عن علي بن المغيرة عنه، وأما الرواة بعد فإنهم ينشدونه: [+البحر . ] فرع فرع يهتز في غصن المج د كثير الندى عظيم المحال وفسر ذلك معمر بن المثنى، وزعم أنه عنى به العقوبة والمكر والنكال، ومنه قول الآخر: [+البحر الوافر] ولبس بين أقوام فكل أعد له الشغازب والمحالا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: ثنا سيف، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي، رضي الله عنه: {وهو شديد المحال} [الرعد: 13] قال: «شديد الأخذ» حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: {وهو شديد المحال} [الرعد: 13] قال: «شديد القوة» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وهو شديد المحال} [الرعد: 13] أي القوة والحيلة " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: {شديد المحال} [الرعد: 13] يعني: الهلاك، قال: «إذا محل فهو شديد» . وقال قتادة: «شديد الحيلة» حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا رجل، عن عكرمة: {وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال} [الرعد: 13] قال: " المحال: جدال أربد، {وهو شديد المحال} [الرعد: 13] قال: ما أصاب أربد من الصاعقة " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {وهو شديد المحال} [الرعد: 13] قال: قال ابن عباس: «شديد الحول» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وهو شديد المحال} [الرعد: 13] قال: " شديد القوة المحال: القوة " والقول الذي ذكرناه عن قتادة في تأويل المحال أنه الحيلة، والقول الذي ذكره 13P485 ابن جريج عن ابن عباس يدلان على أنهما كانا يقرآن: «وهو شديد المحال» بفتح الميم، لأن الحيلة لا يأتي مصدرها محالا بكسر الميم، ولكن قد يأتي على تقدير المفعلة منها، فيكون محالة، ومن ذلك قولهم: «المرء يعجز لا محالة» ، والمحالة في هذا الموضع: المفعلة من الحيلة فأما بكسر الميم فلا تكون إلا مصدرا، من ماحلت فلانا أماحله محالا، والمماحلة بعيدة المعنى من الحيلة، ولا أعلم أحدا قرأه بفتح الميم فإذا كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويل ذلك ما قلنا من القول 13P484

قسم V13/P483–V13/P488

[الرعد: 14] القول في تأويل قوله تعالى: {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} [الرعد: 14] يقول تعالى ذكره: لله من خلقه الدعوة الحق، والدعوة هي الحق كما أضيفت الدار إلى الآخرة في قوله: {ولدار الآخرة} [يوسف: 109] وقد بينا ذلك فيما مضى وإنما عنى بالدعوة الحق: توحيد الله، وشهادة أن لا إله إلا الله. وبنحو الذي قلنا تأوله أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: " {دعوة الحق} [الرعد: 14] قال: لا إله إلا الله " حدثني المثنى قال: ثنا عبد الله قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {له دعوة الحق} [الرعد: 14] قال: شهادة أن لا إله إلا الله " قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: ثنا سيف، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي، رضي الله عنه: " {له دعوة الحق} [الرعد: 14] قال: التوحيد " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {له دعوة الحق} [الرعد: 14] قال: لا إله إلا الله " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس في قوله: " {له دعوة الحق} [الرعد: 14] قال: لا إله إلا الله " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " {له دعوة الحق} [الرعد: 14] : لا إله إلا الله، ليست تنبغي لأحد غيره، لا ينبغي أن يقال: فلان إله بني فلان " وقوله: {والذين يدعون من دونه} [الرعد: 14] يقول تعالى ذكره: والآلهة التي يدعونها المشركون أربابا وآلهة وقوله {من دونه} [النساء: 117] يقول: من دون الله، وإنما عنى بقوله: {من دونه} [النساء: 117] الآلهة أنها مقصرة عنه، وأنها لا تكون إلها، ولا يجوز أن يكون إلها إلا الله الواحد القهار؛ ومنه قول الشاعر: [+البحر الوافر] 13P487 أتوعدني وراء بني رياح كذبت، لتقصرن يداك دوني يعني: لتقصرن يداك عني وقوله: {لا يستجيبون لهم بشيء} [الرعد: 14] يقول: لا تجيب هذه الآلهة التي يدعوها هؤلاء المشركون آلهة بشيء يريدونه من نفع أو دفع ضر {إلا كباسط كفيه إلى الماء} [الرعد: 14] يقول: لا ينفع داعي الآلهة دعاؤه إياها إلا كما ينفع باسط كفيه إلى الماء، بسطه إياهما إليه من غير أن يرفعه إليه في إناء، ولكن ليرتفع إليه بدعائه إياه وإشارته إليه وقبضه عليه، والعرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلا بالقابض على الماء، قال بعضهم: [+البحر الطويل] فإني وإياكم وشوقا إليكم كقابض ماء لم تسقه أنامله يعني بذلك: أنه ليس في يده من ذلك إلا كما في يد القابض على الماء، لأن القابض على الماء لا شيء في يده، وقال آخر: [+البحر الطويل] فأصبحت مما كان بيني وبينها من الود مثل القابض الماء باليد وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا سيف، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي، رضي الله عنه، في قوله: {إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه} [الرعد: 14] قال: «كالرجل العطشان، يمد يده إلى البئر ليرتفع الماء إليه، وما هو ببالغه» حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {كباسط كفيه إلى الماء} [الرعد: 14] «يدعو الماء بلسانه، ويشير إليه بيده، ولا يأتيه أبدا» قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني الأعرج، عن مجاهد: {ليبلغ فاه} [الرعد: 14] «يدعوه ليأتيه وما هو يأتيه، كذلك لا يستجيب من هو دونه» حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {كباسط كفيه إلى الماء} [الرعد: 14] «يدعو الماء بلسانه، ويشير إليه بيده، فلا يأتيه أبدا» .

قسم V13/P488–V13/P490

حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن 13P489 مجاهد قال: وثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج عن ابن جريج، عن مجاهد مثل حديث الحسين، عن حجاج. قال ابن جريج: وقال الأعرج عن مجاهد: {ليبلغ فاه} [الرعد: 14] قال: «يدعوه لأن يأتيه وما هو بآتيه، فكذلك لا يستجيب من هو دونه» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه} [الرعد: 14] «وليس ببالغه حتى يتمزع عنقه ويهلك عطشا» قال الله تعالى: {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} [الرعد: 14] هذا مثل ضربه الله، أي هذا الذي يدعو من دون الله هذا الوثن وهذا الحجر، لا يستجيب له بشيء أبدا، ولا يسوق إليه خيرا، ولا يدفع عنه سوءا، حتى يأتيه الموت، كمثل هذا الذي بسط ذراعيه إلى الماء ليبلغ فاه ولا يبلغ فاه ولا يصل إليه ذلك حتى يموت عطشا. وقال آخرون: معنى ذلك: والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليتناول خياله فيه، وما هو ببالغ ذلك ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه} [الرعد: 14] فقال: «هذا مثل 13P490 المشرك مع الله غيره، فمثله كمثل الرجل العطشان الذي ينظر إلى خياله في الماء من بعيد، فهو يريد أن يتناوله ولا يقدر عليه» وقال آخرون في ذلك ما: حدثني به محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء} [الرعد: 14] إلى: {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} [الرعد: 14] يقول: " مثل الأوثان الذين يعبدون من دون الله كمثل رجل قد بلغه العطش حتى كربه الموت، وكفاه في الماء قد وضعهما لا يبلغان فاه، يقول الله: لا تستجيب الآلهة ولا تنفع الذين يعبدونها حتى يبلغ كفا هذا فاه، وما هما ببالغتين فاه أبدا " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه} [الرعد: 14] قال: «لا ينفعونهم بشيء إلا كما ينفع هذا بكفيه، يعني بسطهما إلى ما لا ينال أبدا» وقال آخرون في ذلك ما: حدثنا به محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه} [الرعد: 14] " وليس الماء ببالغ فاه ما قام باسطا كفيه لا يقبضهما {وما هو ببالغه، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} [الرعد: 14] قال: «هذا مثل ضربه الله لمن اتخذ من دون الله إلها أنه غير نافعه، ولا يدفع عنه سوءا حتى يموت على ذلك» وقوله: {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} [الرعد: 14] يقول: وما دعاء من كفر بالله ما يدعو من الأوثان والآلهة إلا في ضلال: يقول: إلا في غير استقامة ولا هدى، لأنه يشرك بالله 13P491

قسم V13/P490–V13/P492

[الرعد: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال} [الرعد: 15] يقول تعالى ذكره: فإن امتنع هؤلاء الذين يدعون من دون الله الأوثان والأصنام لله شركاء من إفراد الطاعة والإخلاص بالعبادة له، فلله يسجد من في السموات من الملائكة الكرام ومن في الأرض من المؤمنين به طوعا، فأما الكافرون به فإنهم يسجدون له كرها حين يكرهون على السجود، كما حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها} «فأما المؤمن فيسجد طائعا، وأما الكافر فيسجد كارها» حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان قال: " كان ربيع بن خيثم إذا تلا هذه الآية: {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها} قال: «بلى يا رباه» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها} قال : «من دخل طائعا هذا طوعا، وكرها من لم ير يدخل إلا بالسيف» وقوله: {وظلالهم بالغدو والآصال} [الرعد: 15] يقول: ويسجد أيضا ظلال كل من سجد لله طوعا وكرها بالغدوات والعشايا، وذلك أن ظل كل شخص فإنه يفيء بالعشي كما قال جل ثناؤه: {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون} وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وظلالهم بالغدو والآصال} [الرعد: 15] يعني: «حين يفيء ظل أحدهم عن يمينه أو شماله» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان، قال في تفسير مجاهد: {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال} قال: «ظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعا وهو كاره» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وظلالهم بالغدو والآصال} [الرعد: 15] قال: " ذكر أن ظلال الأشياء كلها تسجد له، وقرأ: {سجدا لله وهم داخرون} [النحل: 48] قال: تلك الظلال تسجد لله " 13P493 والآصال: جمع أصل، والأصل: جمع أصيل، والأصيل: هو العشي، وهو ما بين العصر إلى مغرب الشمس، قال أبو ذؤيب: [+البحر الطويل] لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأقعد في أفيائه بالأصائل 13P492 [الرعد: 16] القول في تأويل قوله تعالى: {قل من رب السموات والأرض قل الله، قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، قل هل يستوي الأعمى والبصير، أم هل تستوي الظلمات والنور، أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم، قل الله خالق كل شيء، وهو الواحد القهار} [الرعد: 16] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله: من رب السموات والأرض ومدبرها، فإنهم سيقولون الله، وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: الله، فقال له: قل يا محمد: ربها الذي خلقها وأنشأها، هو الذي لا تصلح العبادة إلا له، وهو الله، ثم قال: فإذا أجابوك بذلك فقل لهم: أفاتخذتم من دون رب السموات والأرض أولياء لا تملك لأنفسها نفعا تجلبه إلى نفسها، ولا ضرا تدفعه عنها، وهي إذ لم تملك ذلك لأنفسها، فمن ملكه لغيرها أبعد، فعبدتموها وتركتم عبادة من بيده النفع، والضر، والحياة، والموت، وتدبير الأشياء كلها، ثم ضرب لهم جل ثناؤه مثلا، فقال: {قل هل يستوي الأعمى والبصير} [الأنعام: 50] 13P493

قسم V13/P492–V13/P496

[الرعد: 16] القول في تأويل قوله تعالى: {قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار} [الرعد: 16] 13P494 يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا من دون الله الذي بيده نفعهم وضرهم ما لا ينفع ولا يضر: هل يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئا، ولا يهتدي لمحجة يسلكها إلا بأن يهدى، والبصير الذي يهدي الأعمى لمحجة الطريق الذي لا يبصر؟ إنهما لا شك لغير مستويين يقول: فكذلك لا يستوي المؤمن الذي يبصر الحق فيتبعه، ويعرف الهدى فيسلكه؛ وأنتم أيها المشركون الذين لا تعرفون حقا، ولا تبصرون رشدا وقوله: {أم هل تستوي الظلمات والنور} [الرعد: 16] يقول تعالى ذكره: وهل تستوي الظلمات التي لا ترى فيها المحجة فتسلك ولا يرى فيها السبيل فيركب، والنور الذي يبصر به الأشياء ويجلو ضوءه الظلام؟ يقول: إن هذين لا شك لغير مستويين، فكذلك الكفر بالله، إنما صاحبه منه في حيرة يضرب أبدا في غمرة لا يرجع منه إلى حقيقة، والإيمان بالله صاحبه منه في ضياء يعمل على علم بربه، ومعرفة منه بأن له مثيبا يثيبه على إحسانه، ومعاقبا يعاقبه على إساءته، ورازقا يرزقه، ونافعا ينفعه، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور} [الرعد: 16] «أما الأعمى والبصير فالكافر والمؤمن؛ وأما الظلمات والنور فالهدى والضلالة» وقوله: {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم} [الرعد: 16] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أخلق أوثانكم التي اتخذتموها أولياء من دون الله كخلق الله، فاشتبه عليكم أمرها فيما خلقت وخلق الله، فجعلتموها له شركاء من أجل ذلك، أم إنما بكم الجهل والذهاب عن الصواب؟ فإنه لا يشكل على ذي عقل أن عبادة ما لا يضر ولا ينفع من الفعل جهل، وأن العبادة إنما تصلح للذي يرجى نفعه، ويخشى ضره، كما أن ذلك غير مشكل خطؤه وجهل فاعله، كذلك لا يشكل جهل من أشرك في عبادة من يرزقه ويكفله ويمونه من لا يقدر له على ضرر ولا نفع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه} [الرعد: 16] حملهم ذلك على أن شكوا في الأوثان ". حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم} [الرعد: 16] خلقوا كخلقه، 13P496 فحملهم ذلك على أن شكوا في الأوثان ". حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا شبابة قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن كثير: سمعت مجاهدا، يقول: " {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم} [الرعد: 16] ضربت مثلا " وقوله: {قل الله خالق كل شيء} [الرعد: 16] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين إذا أقروا لك أن أوثانهم التي أشركوها في عبادة الله لا تخلق شيئا، فالله خالقكم وخالق أوثانكم وخلق كل شيء، فما وجه إشراككم ما لا تخلق ولا تضر وقوله: {وهو الواحد القهار} [الرعد: 16] يقول: وهو الفرد الذي لا ثاني له، القهار الذي يستحق الألوهة والعبادة، لا الأصنام والأوثان التي لا تضر ولا تنفع 13P496

قسم V13/P496–V13/P499

[الرعد: 17] القول في تأويل قوله تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله، كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، كذلك يضرب الله الأمثال} [الرعد: 17] قال أبو جعفر: وهذا مثل ضربه الله للحق والباطل، والإيمان به والكفر، يقول تعالى ذكره: مثل الحق في ثباته والباطل في اضمحلاله مثل ماء أنزله الله من السماء إلى الأرض {فسالت أودية بقدرها} [الرعد: 17] يقول: فاحتملته الأودية بملئها، الكبير بكبره، والصغير بصغره، {فاحتمل السيل زبدا رابيا} [الرعد: 17] يقول: فاحتمل السيل الذي حدث عن ذلك الماء الذي أنزله الله من السماء زبدا عاليا فوق السيل، فهذا أحد مثلي الحق والباطل، فالحق هو الماء الباقي الذي أنزله الله من السماء، والزبد الذي لا ينتفع به هو الباطل، والمثل الآخر: {ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية} [الرعد: 17] يقول جل ثناؤه: ومثل آخر للحق والباطل، مثل فضة أو ذهب يوقد عليها الناس في النار طلب حلية يتخذونها أو متاع، وذلك من النحاس والرصاص والحديد، يوقد عليه ليتخذ منه متاع ينتفع به، {زبد مثله} [الرعد: 17] . يقول تعالى ذكره: ومما يوقدون عليه من هذه الأشياء زبد مثله، بمعنى: مثل زبد السيل، لا ينتفع به ويذهب باطلا، كما لا ينتفع بزبد السيل ويذهب باطلا، ورفع {الزبد} [الرعد: 17] بقوله: {ومما يوقدون عليه في النار} [الرعد: 17] ومعنى الكلام: ومما يوقدون عليه في النار زبد مثل زبد السيل في بطول زبده، وبقاء خالص الذهب والفضة، يقول الله تعالى: {كذلك يضرب الله الحق والباطل} [الرعد: 17] يقول: كما مثل الله الإيمان والكفر في بطول الكفر وخيبة صاحبه عند مجازاة الله بالباقي النافع من ماء السيل وخالص الذهب والفضة، كذلك يمثل الله الحق والباطل {فأما الزبد فيذهب جفاء } [الرعد: 17] يقول: فأما الزبد الذي علا السيل، والذهب والفضة والنحاس والرصاص عند الوقود عليها، فيذهب بدفع الرياح وقذف الماء به وتعلقه بالأشجار وجوانب الوادي {وأما ما ينفع الناس} [الرعد: 17] من الماء والذهب والفضة والرصاص والنحاس، فالماء يمكث في الأرض فتشربه، والذهب والفضة تمكث للناس {كذلك يضرب الله الأمثال} [الرعد: 17] يقول: كما مثل هذا المثل للإيمان والكفر، كذلك يمثل الأمثال. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها} [الرعد: 17] " فهذا مثل ضربه الله احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله، وهو قوله: {فأما الزبد فيذهب جفاء} [الرعد: 17] وهو الشك، {وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} [الرعد: 17] وهو اليقين، كما يجعل الحلي في النار، فيؤخذ خالصه ويترك خبثه في النار، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك " حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا} [الرعد: 17] يقول: " احتمل السيل ما في الوادي من عود، ودمنة، {ومما يوقدون عليه في النار} [الرعد: 17] فهو الذهب، والفضة، والحلية، والمتاع، والنحاس، والحديد، 13P499 وللنحاس والحديد خبث، فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء، ف {أما ما ينفع الناس} [الرعد: 17] فالذهب والفضة، وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت، فجعل ذلك مثل العمل الصالح يبقى لأهله، والعمل السيئ يضمحل عن أهله، كما يذهب هذا الزبد، فكذلك الهدى والحق جاء من عند الله، فمن عمل بالحق كان له وبقي كما يبقى ما ينفع الناس في الأرض، وكذلك الحديد لا يستطاع أن يجعل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار فتأكل خبثه، فيخرج جيده فينتفع به، فكذلك يضمحل الباطل إذا كان يوم القيامة وأقيم الناس ، وعرضت الأعمال، فيزيغ الباطل ويهلك، وينتفع أهل الحق بالحق، ثم قال: {ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله} [الرعد: 17] " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية} [الرعد: 17] إلى: {أو متاع زبد مثله} [الرعد: 17] فقال: ابتغاء حلية الذهب والفضة، أو متاع الصفر والحديد قال: كما أوقد على الذهب والفضة والصفر والحديد فخلص خالصه، قال: {كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} [الرعد: 17] كذلك بقاء الحق لأهله فانتفعوا " حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: ثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن 13P500 جريج: أخبرني عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدا، يقول: " {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها} [الرعد: 17] قال: ما أطاقت ملأها {فاحتمل السيل زبدا رابيا} [الرعد: 17] قال: انقضى الكلام، ثم استقبل فقال: «ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله» قال: المتاع: الحديد والنحاس والرصاص وأشباهه زبد مثله، قال: خبث ذلك مثل زبد السيل قال: {وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} [الرعد: 17] {فأما الزبد فيذهب جفاء} [الرعد: 17] قال: فذلك مثل الحق والباطل ".

قسم V13/P499–V13/P503

حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد أنه سمعه يقول: فذكر نحوه وزاد فيه: قال: قال ابن جريج: قوله: " {فأما الزبد فيذهب جفاء} [الرعد: 17] قال: جمودا في الأرض، {وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} [الرعد: 17] يعني الماء، وهما مثلان: مثل الحق والباطل " حدثنا الحسن قال: ثنا شبابة قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {زبدا رابيا} [الرعد: 17] السيل مثل خبث الحديد والحلية، {فيذهب جفاء} [الرعد: 17] جمودا في الأرض، {ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله} [الرعد: 17] الحديد والنحاس والرصاص وأشباهه وقوله: {وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} [الرعد: 17] إنما هما مثلان للحق والباطل " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: وثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن 13P501 مجاهد، يزيد أحدهما على صاحبه في قوله: {فسالت أودية بقدرها} [الرعد: 17] قال: " بملئها، {فاحتمل السيل زبدا رابيا} [الرعد: 17] قال: الزبد: السيل {ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله} [الرعد: 17] قال: خبث الحديد والحلية، {فأما الزبد فيذهب جفاء} [الرعد: 17] قال: جمودا في الأرض، {وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} [الرعد: 17] قال: الماء وهما مثلان للحق والباطل " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها} [الرعد: 17] الصغير بصغره، والكبير بكبره، {فاحتمل السيل زبدا رابيا} [الرعد: 17] أي عاليا، {ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله، كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما الزبد فيذهب جفاء} [الرعد: 17] والجفاء: ما يتعلق بالشجر، {وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} [الرعد: 17] هذه ثلاثة أمثال ضربها الله في مثل واحد، يقول: كما اضمحل هذا الزبد فصار جفاء لا ينتفع به ولا ترجى بركته، كذلك يضمحل الباطل عن أهله كما اضمحل هذا الزبد، وكما مكث هذا الماء في الأرض، فأمرعت هذه الأرض، وأخرجت نباتها، كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي هذا الماء في الأرض، فأخرج الله به ما أخرج من النبات قوله: {ومما يوقدون عليه في النار} [الرعد: 17] الآية، كما يبقى خالص الذهب والفضة، حين أدخل النار وذهب خبثه، كذلك يبقى الحق لأهله قوله: {أو متاع زبد مثله} [الرعد: 17] يقول: هذا الحديد والصفر الذي ينتفع به، فيه منافع: يقول: كما يبقى خالص هذا الحديد وهذا الصفر حين أدخل النار وذهب خبثه، كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي خالصهما " حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {فسالت أودية بقدرها} [الرعد: 17] الكبير بقدره والصغير بقدره {زبدا رابيا} [الرعد: 17] قال: ربا فوق الماء الزبد {ومما يوقدون عليه في النار} [الرعد: 17] قال: " هو الذهب إذا أدخل النار بقي صفوه، ونفي ما كان من كدره وهذا مثل ضربه الله للحق والباطل، {فأما الزبد فيذهب جفاء} [الرعد: 17] يتعلق بالشجر فلا يكون شيئا مثل الباطل، {وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} [الرعد: 17] وهذا يخرج النبات، وهو مثل الحق {أو متاع زبد مثله} [الرعد: 17] قال: المتاع: الصفر والحديد " حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا هوذة بن خليفة، قال: ثنا عوف، قال: بلغني في قوله: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها} [الرعد: 17] قال: " إنما هو مثل ضربه الله للحق والباطل، {فسالت أودية بقدرها} [الرعد: 17] الصغير على قدره، والكبير على قدره، وما بينهما على قدره {فاحتمل السيل زبدا رابيا} [الرعد: 17] يقول: عظيما، وحيث استقر الماء يذهب الزبد جفاء فتطير به الريح، فلا يكون شيئا، ويبقى صريح الماء الذي ينفع الناس منه شرابهم ونباتهم ومنفعتهم {أو متاع زبد مثله} [الرعد: 17] ومثل الزبد كل شيء يوقد عليه في النار الذهب والفضة والنحاس والحديد فيذهب خبثه ويبقى ما ينفع في أيديهم، والخبث والزبد مثل الباطل، والذي ينفع الناس مما تحصل في أيديهم مما ينفعهم المال الذي في أيديهم " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله} [الرعد: 17] قال: " هذا مثل ضربه الله للحق 13P503 والباطل فقرأ: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا} [الرعد: 17] هذا الزبد لا ينفع، {أو متاع زبد مثله} [الرعد: 17] هذا لا ينفع أيضا، قال: وبقي الماء في الأرض فنفع الناس، وبقي الحلي الذي صلح من هذا، فانتفع الناس به {فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال} [الرعد: 17] وقال: هذا مثل ضربه الله للحق والباطل " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: {أودية بقدرها} [الرعد: 17] قال: «الصغير بصغره، والكبير بكبره» حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا طلحة بن عمرو، عن عطاء، «ضرب الله مثلا للحق والباطل فضرب مثل الحق كمثل السيل الذي يمكث في الأرض، وضرب مثل الباطل كمثل الزبد الذي لا ينفع الناس» وعنى بقوله {رابيا} [الرعد: 17] : عاليا منتفخا، من قولهم: ربا الشيء يربو ربوا فهو راب، ومنه قيل للنشز من الأرض كهيئة الأكمة: رابية، ومنه قول الله تعالى: {اهتزت وربت} [الحج: 5] .

قسم V13/P503

وقيل للنحاس والرصاص والحديد في هذا الموضع: المتاع، لأنه يستمتع به، وكل ما يتمتع به الناس فهو متاع، كما قال الشاعر: [+البحر الوافر] تمتع يا مشعث إن شيئا سبقت به الممات هو المتاع وأما الجفاء، فإني حدثت، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال: قال أبو عمرو بن العلاء: يقال: قد أجفأت القدر، وذلك إذا غلت فانصب زبدها، أو سكنت فلا يبقى منه شيء. وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أن معنى قوله: {فيذهب جفاء} [الرعد: 17] تنشفه الأرض، وقال: يقال: جفا الوادي وأجفى في معنى نشف، وانجفى الوادي: إذا جاء بذلك الغثاء، وغثى الوادي فهو يغثى غثيا وغثيانا وذكر عن العرب أنها تقول: جفأت القدر أجفؤها: إذا أخرجت جفاءها، وهو الزبد الذي يعلوها، وأجفأتها إجفاء لغة قال: وقالوا: جفأت الرجل جفا: صرعته. وقيل: {فيذهب جفاء} [الرعد: 17] بمعنى جفئا، لأنه مصدر من قول القائل: جفأ الوادي غثاءه، فخرج مخرج الاسم وهو مصدر، كذلك تفعل العرب في مصدر كل ما كان من فعل شيء اجتمع بعضه إلى بعض كالقماش والدقاق والحطام والغثاء، تخرجه على مذهب الاسم، كما فعلت ذلك في قولهم: أعطيته عطاء، بمعنى الإعطاء، ولو أريد من القماش المصدر على الصحة لقيل: قد قمشته قمشا 13P504

قسم V13/P503–V13/P506

[الرعد: 18] القول في تأويل قوله تعالى: {للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد} [الرعد: 18] يقول تعالى ذكره: أما الذين استجابوا لله فآمنوا به حين دعاهم إلى الإيمان به، 13P505 وأطاعوه فاتبعوا رسوله، وصدقوه فيما جاءهم به من عند الله، فإن لهم الحسنى وهي الجنة ، كذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {للذين استجابوا لربهم الحسنى} [الرعد: 18] وهي الجنة " وقوله: {والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به} [الرعد: 18] يقول تعالى ذكره: وأما الذين لم يستجيبوا له حين دعاهم إلى توحيده والإقرار بربوبيته، ولم يطيعوه فيما أمرهم به، ولم يتبعوا رسوله فيصدقوه فيما جاءهم به من عند ربهم، فلو أن لهم ما في الأرض جميعا من شيء ومثله معه ملكا لهم ثم مثل ذلك وقبل ذلك منهم بدلا من العذاب الذي أعده الله لهم في نار جهنم وعوضا لافتدوا به أنفسهم منه، يقول الله: {أولئك لهم سوء الحساب} [الرعد: 18] يقول: هؤلاء الذين لم يستجيبوا لله لهم سوء الحساب: يقول: لهم عند الله أن يأخذهم بذنوبهم كلها، فلا يغفر لهم منها شيئا، ولكن يعذبهم على جميعها، كما حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا يونس بن محمد، قال: ثنا عون، عن فرقد السبخي، قال: قال لنا شهر بن حوشب: " {سوء الحساب} [الرعد: 18] أن لا يتجاوز لهم عن شيء " حدثني يعقوب قال: ثنا ابن علية قال: ثني الحجاج بن أبي عثمان قال: ثني فرقد السبخي قال: قال إبراهيم النخعي: يا فرقد " أتدري ما سوء الحساب؟ قلت: لا، قال: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله، لا يغفر له منه شيء " وقوله: {ومأواهم جهنم} [التوبة: 73] يقول: ومسكنهم الذي يسكنونه يوم القيامة جهنم {وبئس المهاد} [آل عمران: 12] يقول: وبئس الفراش والوطاء جهنم، التي هي مأواهم يوم القيامة 13P506 [الرعد: 19] القول في تأويل قوله تعالى: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب} [الرعد: 19] يقول تعالى ذكره: أهذا الذي يعلم أن الذي أنزله الله عليك يا محمد حق، فيؤمن به ويصدق ويعمل بما فيه، كالذي هو أعمى فلا يعرف موقع حجة الله عليه به ولا يعلم ما ألزمه الله من فرائضه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا إسحاق، قال : ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة، في قوله: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق} [الرعد: 19] قال: " هؤلاء قوم انتفعوا بما سمعوا من كتاب الله وعقلوه ووعوه، قال الله: {كمن هو أعمى} [الرعد: 19] قال: عن الخير فلا يبصره " وقوله: {إنما يتذكر أولو الألباب} يقول: إنما يتعظ بآيات الله، ويعتبر بها ذوو العقول، وهي الألباب، واحدها: لب 13P507

قسم V13/P506–V13/P508

[الرعد: 20_21] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} [الرعد: 20_21] يقول تعالى ذكره: إنما يتعظ ويعتبر بآيات الله أولو الألباب الذين يوفون بوصية الله التي أوصاهم {ولا ينقضون الميثاق} [الرعد: 20] ولا يخالفون العهد الذي عاهدوا الله عليه إلى خلافه، فيعملوا بغير ما أمرهم به، ويخالفوا إلى ما نهى عنه، وقد بينا معنى العهد والميثاق فيما مضى بشواهده، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة، قال: " {إنما يتذكر أولو الألباب} فبين من هم فقال: {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق} [الرعد: 20] فعليكم بوفاء العهد، ولا تنقضوا هذا الميثاق، فإن الله تعالى قد نهى وقدم فيه أشد التقدمة، فذكره في بضع وعشرين موضعا، نصيحة لكم وتقدمة إليكم وحجة عليكم، وإنما يعظم الأمر بما عظمه الله به عند أهل الفهم والعقل، فعظموا ما عظم الله " قال قتادة: وذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول 13P508 في خطبته: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» وقوله: {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} [الرعد: 21] يقول تعالى ذكره: والذين يصلون الرحم التي أمرهم الله بوصلها فلا يقطعونها، {ويخشون ربهم} [الرعد: 21] يقول: ويخافون الله في قطعها أن يقطعوها، فيعاقبهم على قطعها وعلى خلافهم أمره فيها وقوله: {ويخافون سوء الحساب} [الرعد: 21] يقول: ويحذرون مناقشة الله إياهم في الحساب، ثم لا يصفح لهم عن ذنب، فهم لرهبتهم ذلك جادون في طاعته، محافظون على حدوده، كما حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عفان، قال: ثنا جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، في قوله: {يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} [الرعد: 21] قال: المناقشة بالأعمال " قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد، عن فرقد، عن إبراهيم، قال: «سوء الحساب أن يحاسب من لا يغفر له» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ويخافون سوء الحساب} [الرعد: 21] قال: فقال: " وما سوء الحساب؟ قال: الذي لا جواز فيه " حدثني ابن سنان القزاز، قال: ثنا أبو عاصم، عن الحجاج، عن فرقد، قال: قال لي إبراهيم: " تدري ما سوء الحساب؟ قلت: لا أدري، قال: «يحاسب العبد بذنبه كله، لا يغفر له منه شيء» 13P509

قسم V13/P508–V13/P510

[الرعد: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم، وأقاموا الصلاة، وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية، ويدرءون بالحسنة السيئة، أولئك لهم عقبى الدار} [الرعد: 22] يقول تعالى ذكره: {والذين صبروا} [الرعد: 22] على الوفاء بعهد الله وترك نقض الميثاق وصلة الرحم، {ابتغاء وجه ربهم} [الرعد: 22] ويعني بقوله: {ابتغاء وجه ربهم} [الرعد: 22] طلب تعظيم الله، وتنزيها له أن يخالف في أمره، أو يأتي أمرا كره إتيانه فيعصيه به، {وأقاموا الصلاة} [البقرة: 277] يقول: وأدوا الصلاة المفروضة بحدودها في أوقاتها {وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية} [الرعد: 22] يقول: وأدوا من أموالهم زكاتها المفروضة، وأنفقوا منها في السبل التي أمرهم الله بالنفقة فيها، سرا في خفاء، وعلانية في الظاهر، كما حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {وأقاموا الصلاة} [الرعد: 22] يعني الصلوات الخمس، {وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية} [الرعد: 22] يقول الزكاة " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " الصبر: الإقامة، 13P510 قال: وقال الصبر في هاتين، فصبر لله على ما أحب وإن ثقل على الأنفس والأبدان، وصبر عما يكره وإن نازعت إليه الأهواء، فمن كان هكذا فهو من الصابرين، وقرأ: {سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار} [الرعد: 24] " وقوله: {ويدرءون بالحسنة السيئة} يقول: ويدفعون إساءة من أساء إليهم من الناس، بالإحسان إليهم، كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ويدرءون بالحسنة السيئة} قال: «يدفعون الشر بالخير، لا يكافئون الشر بالشر، ولكن يدفعونه بالخير» وقوله: {أولئك لهم عقبى الدار} [الرعد: 22] يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفنا صفتهم هم الذين لهم عقبى الدار، يقول: هم الذين أعقبهم الله دار الجنان من دارهم التي لو لم يكونوا مؤمنين كانت لهم في النار، فأعقبهم الله من تلك هذه. وقد قيل: معنى ذلك: أولئك الذين لهم عقيب طاعتهم ربهم في الدنيا دار الجنان 13P510

قسم V13/P510–V13/P513

[الرعد: 23_24] القول في تأويل قوله تعالى: {جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم، وأزواجهم، وذرياتهم، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار} [الرعد: 23_24] يقول تعالى {جنات عدن} [التوبة: 72] ترجمة عن عقبى الدار، كما يقال: نعم الرجل عبد الله، فعبد الله هو الرجل المقول له: نعم الرجل، وتأويل الكلام: أولئك لهم عقيب طاعتهم ربهم الدار التي هي جنات عدن 13P511 وقد بينا معنى قوله: «عدن» ، وأنه بمعنى الإقامة التي لا ظعن معها وقوله: {ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم} [الرعد: 23] يقول تعالى ذكره: جنات عدن يدخلها هؤلاء الذين وصفت صفتهم، وهم الذين يوفون بعهد الله، والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم، والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم، وأقاموا الصلاة، وفعلوا الأفعال التي ذكرها جل ثناؤه في هذه الآيات الثلاث {ومن صلح من آبائهم، وأزواجهم} [الرعد: 23] وهي نساؤهم، وأهلوهم، وذرياتهم، وصلاحهم إيمانهم بالله واتباعهم أمره وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، كما حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ومن صلح من آبائهم} [الرعد: 23] قال: " من آمن في الدنيا. حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {ومن صلح من آبائهم} [الرعد: 23] قال: «من آمن من آبائهم، وأزواجهم، وذرياتهم» وقوله: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم} [الرعد: 24] يقول: تعالى ذكره: وتدخل الملائكة على هؤلاء الذين وصف جل ثناؤه صفتهم في هذه الآيات الثلاث في جنات عدن، من كل باب منها، يقولون لهم: {سلام 13P512 عليكم بما صبرتم} [الرعد: 24] على طاعة ربكم في الدنيا، {فنعم عقبى الدار} [الرعد: 24] وذكر أن لجنات عدن خمسة آلاف باب حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا علي بن جرير، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن نافع بن عاصم، عن عبد الله بن عمرو، قال: «إن في الجنة قصرا يقال له عدن، حوله البروج والمروج، فيه خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حبرة، لا يدخله إلا نبي، أو صديق، أو شهيد» قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {جنات عدن} [الرعد: 23] قال: «مدينة الجنة، فيها الرسل، والأنبياء، والشهداء، وأئمة الهدى، والناس حولهم بعدد الجنات حولها» وحذف من قوله: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم} [الرعد: 24] «يقولون» اكتفاء بدلالة الكلام عليه، كما حذف ذلك من قوله: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم، ربنا أبصرنا} حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن بقية بن الوليد، قال: ثني أرطاة بن المنذر قال: سمعت رجلا من مشيخة الجند يقال له أبو الحجاج يقول: جلست إلى أبي أمامة، فقال: " إن المؤمن ليكون متكئا على أريكته إذا دخل الجنة، وعنده سماطان من خدم، وعند طرف السماطين سور، 13P513 فيقبل الملك يستأذن، فيقول الذي يليه: ملك يستأذن، ويقول الذي يليه: ملك يستأذن، ويقول الذي يليه للذي يليه: ملك يستأذن، حتى يبلغ المؤمن فيقول: ائذنوا فيقول: أقربهم إلى المؤمن ائذنوا، ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا، فكذلك حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب، فيفتح له، فيدخل فيسلم ثم ينصرف " حدثنا المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن إبراهيم بن محمد، عن سهل بن أبي صالح، عن محمد بن إبراهيم، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: «السلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار» ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان ".

قسم V13/P513

وأما قوله: {سلام عليكم بما صبرتم} [الرعد: 24] فإن أهل التأويل قالوا في ذلك نحو قولنا فيه ذكر من قال ذلك: حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، أنه تلا هذه الآية: " {سلام عليكم بما صبرتم} [الرعد: 24] قال: على دينكم " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " {سلام عليكم بما صبرتم} [الرعد: 24] قال: حين صبروا لله بما يحبه الله فقدموه، وقرأ: {وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا} [الإنسان: 12] حتى بلغ: {وكان سعيكم مشكورا} [الإنسان: 22] وصبروا عما كره الله وحرم عليهم، وصبروا على ما ثقل عليهم وأحبه الله، فسلم عليهم بذلك، وقرأ: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار} [الرعد: 24] " وأما قوله: {فنعم عقبى الدار} [الرعد: 24] فإن معناه إن شاء الله كما حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال ثنا عبد الرزاق، عن جعفر، عن أبي عمران الجوني، في قولهم {فنعم عقبى الدار} [الرعد: 24] قال: الجنة من النار " 13P514

قسم V13/P513–V13/P516

[الرعد: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض، أولئك لهم اللعنة، ولهم سوء الدار} [الرعد: 25] يقول تعالى ذكره: {و} [الحجر: 50] أما {الذين ينقضون عهد الله} [البقرة: 27] ونقضهم ذلك: خلافهم أمر الله، وعملهم بمعصيته، {من بعد ميثاقه} [البقرة: 27] يقول: من بعد ما وثقوا على أنفسهم لله أن يعملوا بما عهد إليهم، {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} [البقرة: 27] يقول: ويقطعون الرحم التي أمرهم الله بوصلها، {ويفسدون في الأرض} [البقرة: 27] فسادهم فيها: عملهم بمعاصي الله، {أولئك لهم اللعنة} [الرعد: 25] يقول: فهؤلاء لهم اللعنة، وهي البعد من رحمته والإقصاء من جنانه، {ولهم سوء الدار} [الرعد: 25] 13P515 يقول: ولهم ما يسوءهم في الدار الآخرة حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: " أكبر الكبائر الإشراك بالله، لأن الله يقول: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير} [الحج: 31] ، ونقض العهد، وقطيعة الرحم، لأن الله تعالى يقول: {أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار} [الرعد: 25] يعني: سوء العاقبة " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج في قوله: {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} [البقرة: 27] قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإذا لم تمش إلى ذي رحمك برجلك، ولم تعطه من مالك، فقد قطعته» حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، قال: سألت أبي عن هذه الآية: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا} [الكهف: 104] أهم الحرورية؟ قال: لا، ولكن الحرورية {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} [الرعد: 25] ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض، أولئك لهم اللعنة، ولهم سوء الدار فكان سعد يسميهم الفاسقين. حدثنا ابن المثنى قال: ثنا أبو داود قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: 13P516 سمعت مصعب بن سعد قال: كنت أمسك على سعد المصحف، فأتى على هذه الآية، ثم ذكر نحو حديث محمد بن جعفر 13P515 [الرعد: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وفرحوا بالحياة الدنيا، وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع} [الرعد: 26] يقول تعالى ذكره: الله يوسع على من يشاء من خلقه في رزقه، فيبسط له منه، لأن منهم من لا يصلحه إلا ذلك {ويقدر} [الرعد: 26] يقول: ويقتر على من يشاء منهم في رزقه وعيشه، فيضيقه عليه، لأنه لا يصلحه إلا الإقتار {وفرحوا بالحياة الدنيا} [الرعد: 26] يقول تعالى ذكره: وفرح هؤلاء الذين بسط لهم في الدنيا من الرزق على كفرهم بالله ومعصيتهم إياه بما بسط لهم فيها، وجهلوا ما عند الله لأهل طاعته والإيمان به في الآخرة من الكرامة والنعيم ثم أخبر جل ثناؤه عن قدر ذلك في الدنيا فيما لأهل الإيمان به عنده في الآخرة وأعلم عباده قلته، فقال: {وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع} [الرعد: 26] يقول: وما جميع ما أعطى هؤلاء في الدنيا من السعة، وبسط لهم فيها من الرزق ورغد العيش فيما عند الله لأهل طاعته في الآخرة إلا متاع قليل، وشيء حقير ذاهب، كما حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {إلا متاع} [آل عمران: 185] قال: قليل ذاهب " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. قال: وثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع} [الرعد: 26] قال: قليل ذاهب " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن عبد الرحمن بن سابط، في قوله: {وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع} [الرعد: 26] قال: «كزاد الراعي يزوده أهله الكف من التمر، أو الشيء من الدقيق، أو الشيء يشرب عليه اللبن» 13P517

قسم V13/P516–V13/P517

[الرعد: 27] القول في تأويل قوله تعالى: {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} [الرعد: 27] يقول تعالى ذكره: ويقول لك يا محمد مشركو قومك: هلا أنزل عليك آية من ربك، إما ملك يكون معك نذيرا، أو يلقى إليك كنز، فقل: إن الله يضل منكم من يشاء أيها القوم فيخذله عن تصديقي والإيمان بما جئته به من عند ربي، ويهدي إليه من أناب، فرجع إلى التوبة من كفره والإيمان به، فيوفقه لاتباعي وتصديقي به على ما جئته به من عند ربه، وليس ضلال من يضل منكم بأن لم ينزل علي آية من ربي، ولا هداية من يهتدي منكم بأنها أنزلت علي، وإنما ذلك بيد الله، يوفق من يشاء منكم للإيمان، ويخذل من يشاء منكم فلا يؤمن. وقد بينت معنى الإنابة في غير موضع من كتابنا هذا بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ويهدي إليه من أناب} [الرعد: 27] : «أي من تاب وأقبل» 13P518

الأسئلة