Taberî — Câmiü'l-Beyân
[الرعد: 28_29] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب} [الرعد: 28_29] يقول تعالى ذكره: {ويهدي إليه من أناب} [الرعد: 27] بالتوبة الذين آمنوا والذين آمنوا في موضع نصب رد على (من) لأن الذين آمنوا هم من أناب، ترجم بها عنها وقوله: {وتطمئن قلوبهم بذكر الله} [الرعد: 28] يقول: وتسكن قلوبهم وتستأنس بذكر الله، كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وتطمئن قلوبهم بذكر الله} [الرعد: 28] يقول: «سكنت إلى ذكر الله، واستأنست به» وقوله: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28] يقول: ألا بذكر الله تسكن وتستأنس قلوب المؤمنين وقيل: إنه عنى بذلك قلوب المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28] لمحمد وأصحابه " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، وحدثنا المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28] قال: «لمحمد وأصحابه» قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا سفيان بن عيينة، في قوله: {وتطمئن قلوبهم بذكر الله} [الرعد: 28] قال: «هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم» وقوله: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [البقرة: 25] الصالحات من الأعمال، وذلك العمل بما أمرهم ربهم {طوبى لهم } [الرعد: 29] ، وطوبى في موضع رفع بلهم، وكان بعض أهل البصرة والكوفة يقول ذلك رفع، كما يقال في الكلام: ويل لعمرو، وإنما أوثر الرفع في طوبى لحسن الإضافة فيه بغير لام، وذلك أنه يقال فيه طوباك، كما يقال: ويلك وويبك، ولولا حسن الإضافة فيه بغير لام لكان النصب فيه أحسن وأفصح، كما النصب في قولهم: تعسا لزيد وبعدا له وسحقا أحسن، إذ كانت الإضافة فيها بغير لام لا تحسن وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله {طوبى لهم} [الرعد: 29] فقال بعضهم: معناه: نعم ما لهم ذكر من قال ذلك: حدثني جعفر بن محمد البزوري من أهل الكوفة، قال: ثنا أبو زكريا الكلبي، عن عمر بن نافع، قال: سئل عكرمة عن {طوبى لهم} [الرعد: 29] ، قال: «نعم ما لهم» حدثنا أحمد بن إسحاق قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا عمرو بن نافع، عن عكرمة، في قوله: {طوبى لهم} [الرعد: 29] قال: «نعم ما لهم» حدثني الحارث قال: ثنا عبد العزيز قال: ثني عمرو بن نافع قال: سمعت عكرمة في قوله: {طوبى لهم} [الرعد: 29] قال: «نعم ما لهم» . وقال آخرون: معناه: غبطة لهم ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو هشام، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك: {طوبى لهم} [الرعد: 29] قال: " غبطة لهم. حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن جويبر، عن الضحاك، مثله. قال: ثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، مثله. وقال آخرون: معناه: فرح وقرة عين ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن داود، والمثنى بن إبراهيم، قالا: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {طوبى لهم} [الرعد: 29] يقول: فرح وقرة عين ". وقال آخرون: معناه: حسنى لهم ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {طوبى لهم} [الرعد: 29] يقول: «حسنى لهم، وهي كلمة من كلام العرب» حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {طوبى لهم} [الرعد: 29] هذه كلمة عربية، يقول الرجل: طوبى لك: أي أصبت خيرا ".
وقال آخرون: معناه: خير لهم ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال: «خير لهم» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله: {طوبى 13P522 لهم} [الرعد: 29] قال: «الخير والكرامة التي أعطاهم الله» . وقال آخرون: {طوبى لهم} [الرعد: 29] اسم من أسماء الجنة، ومعنى الكلام: الجنة لهم ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {طوبى لهم} [الرعد: 29] قال: «اسم الجنة بالحبشية» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن مشجوع، في قوله: {طوبى لهم} [الرعد: 29] قال: طوبى: اسم الجنة بالهندية " حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا داود بن مهران قال: ثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن مشجوع، قال: «اسم الجنة بالهندية طوبى» حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن عكرمة: {طوبى لهم} [الرعد: 29] قال: «الجنة» قال: ثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {طوبى لهم} [الرعد: 29] قال: " الجنة. حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثنى عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب} [الرعد: 29] قال: " لما خلق الله الجنة وفرغ منها قال: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب} [الرعد: 29] وذلك حين أعجبته " حدثنا أحمد قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد: {طوبى لهم} [الرعد: 29] قال: «الجنة» . وقال آخرون: {طوبى لهم} [الرعد: 29] : شجرة في الجنة ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا قرة بن خالد، عن 13P524 موسى بن سالم، قال: قال ابن عباس: {طوبى لهم} [الرعد: 29] شجرة في الجنة " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الأشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة: {طوبى لهم} [الرعد: 29] : " شجرة في الجنة يقول لها: تفتقي لعبدي عما شاء فتتفتق له عن الخيل بسروجها ولجمها، وعن الإبل بأزمتها، وعما شاء من الكسوة " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن شهر بن حوشب، قال: " طوبى: شجرة في الجنة، كل شجر الجنة منها، أغصانها من وراء سور الجنة " حدثني المثنى قال: ثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن الأشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة قال: " في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يقول الله لها: تفتقي ".
فذكر نحو حديث ابن عبد الأعلى، عن ابن ثور حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الجبار، قال: ثنا مروان، قال: أخبرنا العلاء، عن شمر بن عطية، في قوله: {طوبى لهم} [الرعد: 29] قال: «هي شجرة في الجنة يقال لها طوبى» حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن 13P525 منصور، عن حسان أبي الأشرس، عن مغيث بن سمي، قال: " طوبى: شجرة في الجنة، ليس في الجنة دار إلا فيها غصن منها، فيجيء الطائر فيقع فيدعوه، فيأكل من أحد جنبيه قديدا ومن الآخر شواء، ثم يقول: طر فيطير " قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن بعض أهل الشام، قال: " إن ربك أخذ لؤلؤة فوضعها على راحتيه، ثم دملجها بين كفيه، ثم غرسها وسط أهل الجنة، ثم قال لها: امتدي حتى تبلغي مرضاتي ففعلت، فلما استوت تفجرت من أصولها أنهار الجنة، وهي طوبى " حدثنا الفضل بن الصباح، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني، قال: ثني عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهبا يقول: " إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها، زهرها رياط، وورقها برود، وقضبانها عنبر، وبطحاؤها ياقوت، وترابها كافور، ووحلها مسك، يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة، فبينا هم في مجلسهم إذ أتتهم ملائكة من ربهم، يقودون نجبا مزمومة بسلاسل من ذهب، وجوهها كالمصابيح من حسنها، وبرها كخز المرعزي من لينه، عليها رحال ألواحها من ياقوت، ودفوفها من ذهب، 13P526 وثيابها من سندس وإستبرق، فينيخونها ويقولون: إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلموا عليه، قال: فيركبونها، قال: فهي أسرع من الطائر، وأوطأ من الفراش نجبا من غير مهنة، يسير الرجل إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه، لا تصيب أذن راحلة منها أذن صاحبتها، ولا برك راحلة برك صاحبتها، حتى إن الشجرة لتتنحى عن طرقهم لئلا تفرق بين الرجل وأخيه. قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم، فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه قالوا: اللهم أنت السلام ومنك السلام، وحق لك الجلال والإكرام. قال: فيقول تبارك وتعالى عند ذلك: أنا السلام، ومني السلام، وعليكم حقت رحمتي ومحبتي، مرحبا بعبادي الذين خشوني بغيب وأطاعوا أمري قال: فيقولون: ربنا إنا لم نعبدك حق عبادتك، ولم نقدرك حق قدرك، فأذن لنا بالسجود قدامك قال: فيقول الله: إنها ليست بدار نصب ولا عبادة، ولكنها دار ملك ونعيم، وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة، فسلوني ما شئتم، فإن لكل رجل منكم أمنيته فيسألونه حتى إن أقصرهم أمنية ليقول: رب تنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها، رب فأتني كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا فيقول الله: لقد قصرت بك اليوم أمنيتك، ولقد سألت دون منزلتك، هذا لك مني، وسأتحفك بمنزلتي، لأنه ليس في عطائي نكد ولا تصريد، قال: ثم يقول: اعرضوا على عبادي ما لم تبلغ أمانيهم ولم يخطر لهم على بال قال: فيعرضون عليهم حتى يقضوهم أمانيهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة، على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة، على كل سرير منها قبة من ذهب مفرغة، في كل قبة منها فرش من فرش الجنة مظاهرة، في كل قبة منها جاريتان من الحور العين، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، ليس في الجنة لون إلا وهو 13P527 فيهما، ولا ريح طيبة إلا قد عبقتا به، ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة، حتى يظن من يراهما أنهما من دون القبة يرى مخهما من فوق سوقهما كالسلك الأبيض من ياقوتة حمراء، يريان له من الفضل على صحابته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، ويرى هو لهما مثل ذلك ثم يدخل إليهما فيحييانه ويقبلانه ويعانقانه، ويقولان له: والله ما ظننا أن الله يخلق مثلك ثم يأمر الله الملائكة فيسيرون بهم صفا في الجنة حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته التي أعدت له " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا علي بن جرير، عن حماد، قال: «شجرة في الجنة، في دار كل مؤمن غصن منها» حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير، عن منصور، عن حسان بن أبي الأشرس، عن مغيث بن سمي قال: «طوبى شجرة في الجنة، لو أن رجلا ركب قلوصا جذعا أو جذعة، ثم دار بها لم يبلغ المكان الذي ارتحل منه حتى يموت هرما وما من أهل الجنة منزل إلا فيه غصن من أغصان تلك الشجرة متدل عليهم، فإذا أرادوا أن يأكلوا من الثمرة تدلى إليهم فيأكلون منه ما شاءوا، ويجيء الطير فيأكلون منه قديدا وشواء ما شاءوا، ثم يطير» .
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بنحو ما قال من قال هي شجرة ذكر الرواية بذلك: حدثني سليمان بن داود القومسي، قال: ثنا أبو توبة الربيع بن نافع، قال: ثنا معاوية بن سلام، عن زيد، أنه سمع أبا سلام، قال: ثنا عامر بن زيد البكالي، أنه سمع عتبة بن عبد السلمي، يقول: " جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن في الجنة فاكهة؟ قال: «نعم، فيها شجرة تدعى طوبى، هي تطابق الفردوس» قال: أي شجر أرضنا تشبه؟ قال: «ليست تشبه من شجر أرضك، ولكن أتيت الشام؟ » فقال: لا يا رسول الله، فقال: «فإنها تشبه شجرة تدعى الجوزة، تنبت على ساق واحدة، ثم ينتشر أعلاها» قال: ما عظم أصلها؟ قال: «لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتاها هرما» حدثنا الحسن بن شبيب، قال: ثنا محمد بن زياد الجريري، عن فرات بن أبي الفرات، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {طوبى لهم وحسن مآب} [الرعد: 29] «شجرة غرسها الله بيده، ونفخ فيها من روحه بالحلي والحلل، وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن دراجا حدثه أن أبا الهيثم حدثه عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن رجلا قال له: يا رسول الله، ما طوبى؟ قال: «شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها» . فعلى هذا التأويل الذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرواية به، يجب أن يكون القول في رفع قوله: {طوبى لهم} [الرعد: 29] خلاف القول الذي حكيناه عن أهل العربية فيه، وذلك أن الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن طوبى اسم شجرة في الجنة، فإذا كان كذلك فهو اسم لمعرفة كزيد وعمرو، وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن في قوله: {وحسن مآب} [الرعد: 29] إلا الرفع عطفا به على «طوبى» وأما قوله: {وحسن مآب} [الرعد: 29] فإنه يقول: وحسن منقلب، كما حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: {وحسن مآب} [الرعد: 29] قال: «حسن منقلب» 13P529
[الرعد: 30] القول في تأويل قوله تعالى: {كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك، وهم يكفرون بالرحمن، قل هو ربي، لا إله إلا هو، عليه توكلت، وإليه متاب} [الرعد: 30] يقول تعالى ذكره: هكذا أرسلناك يا محمد في جماعة من الناس، يعني إلى جماعة قد خلت من قبلها جماعات على مثل الذي هم عليه، فمضت؛ {لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك} [الرعد: 30] يقول: لتبلغهم ما أرسلتك به إليهم من وحيي الذي أوحيته إليك {وهم يكفرون بالرحمن} [الرعد: 30] يقول: وهم يجحدون وحدانية الله، ويكذبون بها {قل هو ربي} [الرعد: 30] يقول: إن كفر هؤلاء الذين أرسلتك إليهم يا محمد بالرحمن فقل: أنت الله ربي {لا إله إلا هو، عليه توكلت، وإليه متاب} [الرعد: 30] يقول: وإليه مرجعي وأوبتي، وهو مصدر من قول القائل: تبت متابا وتوبة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وهم يكفرون بالرحمن} [الرعد: 30] : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حين صالح قريشا كتب: «هذا ما صالح عليه محمد رسول الله» فقال مشركو قريش: لئن كنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قاتلناك لقد ظلمناك، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعنا يا رسول الله نقاتلهم فقال: «لا، ولكن اكتبوا كما يريدون، إني محمد بن عبد الله» فلما كتب الكاتب: «بسم الله 13P531 الرحمن الرحيم» قالت قريش: أما الرحمن فلا نعرفه، وكان أهل الجاهلية يكتبون: «باسمك اللهم» ، فقال أصحابه: يا رسول الله، دعنا نقاتلهم، قال: «لا، ولكن اكتبوا كما يريدون» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: قوله: {كذلك أرسلناك في أمة قد خلت} [الرعد: 30] الآية، قال: هذا لما كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا في الحديبية كتب: «بسم الله الرحمن الرحيم» قالوا: لا تكتب الرحمن، وما ندري ما الرحمن، ولا نكتب إلا باسمك اللهم قال الله: {وهم يكفرون بالرحمن، قل هو ربي لا إله إلا هو} [الرعد: 30] الآية " 13P531
[الرعد: 31] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى، بل لله الأمر جميعا، أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا، ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله، إن الله لا يخلف الميعاد} [الرعد: 31] اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: وهم يكفرون بالرحمن {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال} [الرعد: 31] : أي يكفرون بالله، ولو سير لهم الجبال بهذا القرآن. وقالوا: هو من المؤخر الذي معناه التقديم وجعلوا جواب «لو» مقدما قبلها، وذلك أن الكلام على معنى قيلهم: ولو أن هذا القرآن سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض، لكفروا بالرحمن ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن 13P532 أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى} [الرعد: 31] قال: " هم المشركون من قريش، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو وسعت لنا أودية مكة، وسيرت جبالها، فاحترثناها، وأحييت من مات منا، أو قطع به الأرض، أو كلم به الموتى، فقال الله تعالى: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى، بل لله الأمر جميعا} [الرعد: 31] " حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى} [الرعد: 31] قول كفار قريش لمحمد: سير جبالنا تتسع لنا أرضنا فإنها ضيقة، أو قرب لنا الشام فإنا نتجر إليها، أو أخرج لنا آباءنا من القبور نكلمهم فقال الله تعالى: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى} [الرعد: 31] . حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه. حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه قال ابن جريج: وقال عبد الله بن كثير: قالوا: «لو فسحت عنا 13P533 الجبال ، أو أجريت لنا الأنهار، أو كلمت به الموتى، فنزل ذلك» قال ابن جريج، وقال ابن عباس: قالوا: «سير بالقرآن الجبال، قطع بالقرآن الأرض، أخرج به موتانا» حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن كثير: قالوا: " لو فسحت عنا الجبال أو أجريت لنا الأنهار أو كلمت به الموتى فنزل: {أفلم ييأس الذين آمنوا} [الرعد: 31] ". وقال آخرون: بل معناه: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال} [الرعد: 31] كلام مبتدأ منقطع عن قوله: {وهم يكفرون بالرحمن} [الرعد: 30] قال: «وجواب» لو " محذوف استغني بمعرفة السامعين المراد من الكلام عن ذكر جوابها. قالوا: والعرب تفعل ذلك كثيرا، ومنه قول امرئ القيس: [+البحر الطويل] فلو أنها نفس تموت سريحة ولكنها نفس تقطع أنفسا وهو آخر بيت في القصيدة، فترك الجواب اكتفاء بمعرفة سامعه مراده، وكما قال الآخر: [+البحر .
] فأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا ذكر من قال نحو معنى ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى} [الرعد: 31] ذكر لنا أن قريشا قالوا: إن سرك يا محمد اتباعك، أو أن نتبعك، فسير لنا جبال تهامة، أو زد لنا في حرمنا، حتى نتخذ قطائع نخترف فيها، أو أحي لنا فلانا وفلانا ناسا ماتوا في الجاهلية، فأنزل الله تعالى: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى} [الرعد: 31] يقول: «لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم» حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أذهب عنا جبال تهامة حتى نتخذها زرعا فتكون لنا أرضين، أو أحي لنا فلانا وفلانا يخبروننا حق ما تقول فقال الله: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى، بل لله الأمر جميعا} [الرعد: 31] يقول: «لو كان فعل ذلك بشيء من الكتب فيما مضى كان ذلك» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال} [الرعد: 31] الآية قال: قال كفار قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم: سير لنا الجبال كما سخرت لداود، أو قطع لنا الأرض كما قطعت لسليمان فاغتدى بها شهرا وراح بها 13P535 شهرا، أو كلم لنا الموتى كما كان عيسى يكلمهم يقول: «لم أنزل بهذا كتابا، ولكن كان شيئا أعطيته أنبيائي ورسلي» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال} [الرعد: 31] الآية قال: قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقا فسير عنا هذه الجبال، واجعلها حروثا كهيئة أرض الشام ومصر والبلدان، أو ابعث موتانا فأخبرهم، فإنهم قد ماتوا على الذي نحن عليه فقال الله تعالى: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى} [الرعد: 31] : «لم يصنع ذلك بقرآن قط ولا كتاب، فيصنع ذلك بهذا القرآن» 13P535
[الرعد: 31] القول في تأويل قوله تعالى: {أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا} [الرعد: 31] اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى قوله: {أفلم ييأس} [الرعد: 31] فكان بعض أهل البصرة يزعم أن معناه: ألم يعلم ويتبين، ويستشهد لقيله ذلك ببيت سحيم بن وثيل الرياحي: [+البحر الطويل] أقول لهم بالشعب إذ يأمرونني ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم ويروى: «ييسرونني» ، فمن رواه: «ييسرونني» فإنه أراد: يقسمونني من الميسر، كما يقسم الجزور ومن رواه: «يأسرونني» ، فإنه أراد: الأسر وقال: عنى بقوله: ألم تيأسوا: ألم تعلموا وأنشدوا أيضا في ذلك: [+البحر الطويل] ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا وفسروا قوله: {أفلم ييأس} [الرعد: 31] : ألم يعلم ويتبين، وذكر عن ابن الكلبي أن ذلك لغة لحي من النخع، يقال لهم وهبيل، تقول: ألم تيأس كذا بمعنى: ألم تعلمه، وذكر عن القاسم بن معن أنها لغة هوازن، وأنهم يقولون: يئست كذا: علمت. وأما بعض الكوفيين فكان ينكر ذلك، ويزعم أنه لم يسمع أحدا من العرب يقول: «يئست» بمعنى: «علمت» ، ويقول هو في المعنى وإن لم يكن مسموعا: «يئست» بمعنى: «علمت» ، يتوجه إلى ذلك أن الله قد أوقع إلى المؤمنين أنه لو شاء لهدى الناس جميعا، فقال: أفلم ييأسوا علما، يقول: يؤيسهم العلم، فكان فيه العلم مضمرا، كما يقال: قد يئست منك أن لا تفلح علما، كأنه قيل: علمته علما، قال: وقول الشاعر: [+البحر الكامل] حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا غضفا دواجن قافلا أعصامها معناه: حتى إذا يئسوا من كل شيء مما يمكن إلا الذي ظهر لهم أرسلوا، فهو في معنى: حتى إذا علموا أن ليس وجه إلا الذي رأوا وانتهى علمهم، فكان ما سواه يأسا. وأما أهل التأويل فإنهم تأولوا ذلك بمعنى: أفلم يعلم ويتبين ذكر من قال ذلك منهم: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن أبي إسحاق الكوفي، عن مولى يخبر، أن عليا، رضي الله عنه كان يقرأ: «أفلم يتبين الذين آمنوا» حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب، عن هارون، عن حنظلة، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس: {أفلم ييأس} [الرعد: 31] يقول: أفلم يتبين " حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن جرير بن حازم، عن الزبير بن الحارث، أو يعلى بن حكيم، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقرؤها: «أفلم يتبين الذين آمنوا» قال: «كتب الكاتب الأخرى وهو ناعس» حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال 13P538 في القراءة الأولى زعم ابن كثير وغيره: «أفلم يتبين» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {أفلم ييأس الذين آمنوا} [الرعد: 31] يقول: ألم يتبين " حدثني المثنى قال: ثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قوله: " {أفلم ييأس الذين آمنوا} [الرعد: 31] يقول: يعلم " حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا ليث، عن مجاهد، في قوله: {أفلم ييأس الذين آمنوا} [الرعد: 31] قال: «أفلم يتبين» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {أفلم ييأس الذين آمنوا} [الرعد: 31] قال: «ألم يتبين الذين آمنوا» حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {أفلم ييأس الذين آمنوا} [الرعد: 31] قال: «ألم يعلم الذين آمنوا» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {أفلم ييأس الذين آمنوا} [الرعد: 31] قال: «ألم يعلم الذين آمنوا» والصواب من القول في ذلك ما قاله أهل التأويل: إن تأويل ذلك: أفلم يتبين ويعلم لإجماع أهل التأويل على ذلك، والأبيات التي أنشدناها فيه، فتأويل الكلام إذن: ولو أن قرآنا سوى هذا القرآن كان سيرت به الجبال لسير بهذا القرآن، أو قطعت به الأرض لقطعت بهذا، أو كلم به الموتى لكلم بهذا، ولو يفعل بقرآن قبل هذا القرآن لفعل بهذا {بل لله الأمر جميعا} [الرعد: 31] يقول: ذلك كله إليه وبيده، يهدي من يشاء إلى الإيمان فيوفقه له، ويضل من يشاء فيخذله، أفلم يتبين الذين آمنوا بالله ورسوله إذ طمعوا في إجابتي من سأل نبيهم من تسيير الجبال عنهم وتقريب أرض الشام عليهم وإحياء موتاهم، أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا إلى الإيمان به من غير إيجاد آية ولا إحداث شيء مما سألوا إحداثه، يقول تعالى ذكره: فما معنى محبتهم ذلك مع علمهم بأن الهداية والإهلاك إلي وبيدي أنزلت آية أو لم أنزلها، أهدي من أشاء بغير إنزال آية، وأضل من أردت مع إنزالها 13P539
[الرعد: 31] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله، إن الله لا يخلف الميعاد} [الرعد: 31] يقول تعالى ذكره: ولا يزال يا محمد الذين كفروا من قومك تصيبهم بما صنعوا، من كفرهم بالله، وتكذيبهم إياك، وإخراجهم لك من بين أظهرهم قارعة، وهي ما يقرعهم من البلاء والعذاب والنقم، بالقتل أحيانا، وبالحروب أحيانا، والقحط أحيانا، أو تحل أنت يا محمد، يقول: أو تنزل أنت قريبا من دارهم بجيشك وأصحابك، حتى يأتي وعد الله الذي وعدك فيهم، وذلك ظهورك عليهم، وفتحك أرضهم، وقهرك إياهم بالسيف {إن الله لا يخلف الميعاد} [آل عمران: 9] يقول: إن الله منجزك يا محمد ما وعدك من الظهور عليهم، لأنه لا يخلف وعده. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو داود، قال: ثنا المسعودي، عن قتادة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة} [الرعد: 31] قال: " سرية {أو تحل قريبا من دارهم} [الرعد: 31] قال: محمد، {حتى يأتي وعد الله} [الرعد: 31] ، قال: «فتح مكة» . حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن المسعودي، عن قتادة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بنحوه، غير أنه لم يذكر سرية حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا أبو قطن قال: ثنا المسعودي، عن قتادة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه تلا هذه الآية: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة} [الرعد: 31] قال: " القارعة: السرية ". {أو تحل قريبا من دارهم} [الرعد: 31] قال: «هو محمد صلى الله عليه وسلم» {حتى يأتي وعد الله} [الرعد: 31] قال: «فتح مكة» حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير، أن خصيفا، حدثهم عن عكرمة، في قوله: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم} [الرعد: 31] قال: «نزلت بالمدينة في سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أو تحل أنت يا محمد 13P541 قريبا من دارهم» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن النضر بن عربي، عن عكرمة: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة} [الرعد: 31] قال: " سرية. {أو تحل قريبا من دارهم} [الرعد: 31] قال: «أنت يا محمد» حدثنا محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة} [الرعد: 31] يقول: عذاب من السماء ينزل عليهم {أو تحل قريبا من دارهم} [الرعد: 31] يعني: نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وقتاله إياهم " حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {تصيبهم بما صنعوا قارعة} [الرعد: 31] : " تصاب منهم سرية، أو تصاب منهم مصيبة، أو يحل محمد قريبا من دارهم، وقوله: {حتى يأتي وعد الله} [الرعد: 31] قال: «الفتح» حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عبد الله بن أبي نجيح: " {أو تحل قريبا من دارهم} [الرعد: 31] يعني النبي صلى الله عليه وسلم ".
حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحو حديث الحسن، عن شبابة حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا قيس، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال: " {قارعة} [الرعد: 31] ، قال: السرايا " قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا عبد الغفار، عن منصور، عن مجاهد: {قارعة} [الرعد: 31] : " مصيبة من محمد {أو تحل قريبا من دارهم} [الرعد: 31] قال: " أنت يا محمد {حتى يأتي وعد الله} [الرعد: 31] قال: «الفتح» قال: ثنا إسرائيل، عن خصيف، عن مجاهد: {قارعة} [الرعد: 31] قال: «كتيبة» قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير: {تصيبهم بما صنعوا قارعة} [الرعد: 31] قال: " سرية {أو تحل قريبا من دارهم} [الرعد: 31] قال: «أنت يا محمد» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة} [الرعد: 31] : " أي بأعمالهم أعمال السوء، وقوله: {أو تحل قريبا من دارهم} [الرعد: 31] أنت يا محمد {حتى يأتي وعد الله} [الرعد: 31] ووعد الله: فتح مكة " حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {قارعة} [الرعد: 31] قال: " وقيعة {أو تحل قريبا من دارهم} [الرعد: 31] قال: " يعني النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: أو تحل أنت قريبا من دارهم " حدثنا أحمد بن إسحاق قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا محمد بن طلحة عن طلحة، عن مجاهد: " {تصيبهم بما صنعوا قارعة} [الرعد: 31] قال: «سرية» حدثنا أحمد بن إسحاق قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد: " {تصيبهم بما صنعوا قارعة} [الرعد: 31] قال: " السرايا: كان يبعثهم النبي صلى الله عليه وسلم {أو تحل قريبا من دارهم} [الرعد: 31] أنت يا محمد {حتى يأتي وعد الله} [الرعد: 31] قال: «فتح مكة» قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا إسرائيل، عن بعض أصحابه، عن مجاهد: {تصيبهم بما صنعوا قارعة} [الرعد: 31] قال: «كتيبة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة} [الرعد: 31] قال: «قارعة من العذاب» . وقال آخرون: معنى قوله: {أو تحل قريبا من دارهم} [الرعد: 31] تحل القارعة قريبا من دارهم ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال الحسن: " {أو تحل قريبا من دارهم} [الرعد: 31] قال: «أو تحل القارعة قريبا من دارهم» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن قال: " {أو تحل قريبا من دارهم} [الرعد: 31] قال: «أو تحل القارعة» . وقال آخرون في قوله: {حتى يأتي وعد الله} [الرعد: 31] هو: يوم القيامة ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: ثنا إسماعيل بن حكيم، عن رجل قد سماه، عن الحسن، في قوله: {حتى يأتي وعد الله} [الرعد: 31] قال: «يوم القيامة» 13P544
[الرعد: 32] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا، ثم أخذتهم، فكيف كان عقاب} [الرعد: 32] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إن يستهزئ هؤلاء المشركون من قومك، ويطلبوا منك الآيات تكذيبا منهم ما جئتهم به، فاصبر على أذاهم لك، وامض لأمر ربك في إعذارهم والإعذار إليهم، فلقد استهزأت أمم من قبلك قد خلت فمضت برسلي، فأطلت لهم في المهل، ومددت لهم في الأجل، ثم أحللت بهم عذابي ونقمتي حين تمادوا في غيهم وضلالهم، فانظر كيف كان عقابي إياهم حين عاقبتهم، ألم أذقهم أليم العذاب، وأجعلهم عبرة لأولي الألباب. والإملاء في كلام العرب: الإطالة، يقال منه: أمليت لفلان: إذا أطلت له في المهل، ومنه الملاوة من الدهر، ومنه قولهم: تمليت حينا، ولذلك قيل لليل والنهار: «الملوان» لطولهما، كما قال ابن مقبل: [+البحر الطويل] ألا يا ديار الحي بالسبعان ألح عليها بالبلى الملوان وقيل للخرق الواسع من الأرض: «ملا» ، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] فأخضل منها كل بال وعين وجف الروايا بالملا المتباطن لطول ما بين طرفيه وامتداده 13P545
[الرعد: 33] القول في تأويل قوله تعالى: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت، وجعلوا لله شركاء، قل سموهم، أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول، بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل، ومن يضلل الله فما له من هاد} [الرعد: 33] يقول تعالى ذكره: أفالرب الذي هو دائم لا يبيد ولا يهلك قائم بحفظ أرزاق جميع الخلق، متضمن لها، عالم بهم وبما يكسبونه من الأعمال، رقيب عليهم، لا يعزب عنه شيء أينما كانوا، كمن هو هالك بائد لا يسمع ولا يبصر ولا يفهم شيئا، ولا يدفع عن نفسه ولا عمن يعبده ضرا، ولا يجلب إليهما نفعا؟ كلاهما سواء؟ وحذف الجواب في ذلك فلم يقل، وقد قيل {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} [الرعد: 33] ككذا وكذا، اكتفاء بعلم السامع بما ذكر عما ترك ذكره، وذلك أنه لما قال جل ثناؤه: {وجعلوا لله شركاء} [الأنعام: 100] علم أن معنى الكلام كشركائهم التي اتخذوها آلهة، كما قال الشاعر: [+البحر الرجز] تخيري خيرت أم عال بين قصير شبره تنبال أذاك أم منخرق السربال ولا يزال آخر الليالي متلف مال ومفيد مال ولم يقل: وقد قال: «شبره تنبال» وبين كذا وكذا، اكتفاء منه بقول: أذاك أم منخرق السربال، ودلالة الخبر عن المنخرق السربال على مراده في ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} [الرعد: 33] ذلكم ربكم تبارك وتعالى، قائم على بني آدم بأرزاقهم وآجالهم، وحفظ عليهم والله أعمالهم " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} [الرعد: 33] " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن 13P547 أبيه، عن ابن عباس، قوله: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} [الرعد: 33] يعني بذلك نفسه، يقول: " هو معكم أينما كنتم، فلا يعمل عامل إلا وهو حاضر ويقال: هم الملائكة الذين وكلوا ببني آدم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} [الرعد: 33] على رزقهم وعلى طعامهم، فأنا على ذلك قائم، وهم عبيدي، ثم جعلوا لي شركاء " حدثنا عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} [الرعد: 33] فهو الله قائم على كل نفس بر وفاجر، يرزقهم ويكلؤهم، ثم يشرك به منهم من أشرك " وقوله: {وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول} [الرعد: 33] يقول تعالى ذكره: أنا القائم بأرزاق هؤلاء المشركين، والمدبر أمورهم، والحافظ عليهم أعمالهم، وجعلوا لي شركاء من خلقي يعبدونها دوني، قل لهم يا محمد: سموا هؤلاء الذين أشركتموهم في عبادة الله، فإنهم إن قالوا آلهة فقد كذبوا، لأنه لا إله إلا الواحد القهار، لا شريك له {أم تنبئونه بما لا 13P548 يعلم في الأرض} [الرعد: 33] يقول: أتخبرونه بأن في الأرض إلها، ولا إله غيره في الأرض ولا في السماء.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {وجعلوا لله شركاء قل سموهم} [الرعد: 33] ولو سموهم آلهة لكذبوا وقالوا في ذلك غير الحق، لأن الله واحد ليس له شريك، قال الله: {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول} [الرعد: 33] يقول: لا يعلم الله في الأرض إلها غيره " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وجعلوا لله شركاء، قل سموهم} [الرعد: 33] والله خلقهم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، {وجعلوا لله شركاء، قل سموهم} [الرعد: 33] ولو سموهم كذبوا، وقالوا في ذلك ما لا يعلم الله من إله غير الله، فذلك قوله: {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض 13P549 أم بظاهر من القول} [الرعد: 33] مسموع، وهو في الحقيقة باطل لا صحة له ". وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل غير أنهم قالوا: أم بظاهر، معناه: أم بباطل، فأتوا بالمعنى الذي تدل عليه الكلمة دون البيان عن حقيقة تأويلها ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {بظاهر من القول} [الرعد: 33] بظن ". حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن قتادة، قوله: {أم بظاهر من القول} [الرعد: 33] والظاهر من القول: هو الباطل " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، في قوله: {أم بظاهر من القول} [الرعد: 33] يقول: أم بباطل من القول وكذب، ولو قالوا، قالوا الباطل والكذب " وقوله: {بل زين للذين كفروا مكرهم} [الرعد: 33] يقول تعالى ذكره: ما لله من 13P550 شريك في السموات ولا في الأرض، ولكن زين للمشركين الذي يدعون من دونه إلها مكرهم، وذلك افتراؤهم وكذبهم على الله، وكان مجاهد يقول: معنى المكر ههنا: القول، كأنه قال: قولهم بالشرك بالله حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {بل زين للذين كفروا مكرهم} [الرعد: 33] قال: «قولهم» . حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله وأما قوله: {وصدوا عن السبيل} [الرعد: 33] فإن القراء اختلفت في قراءته، فقرأته عامة قراء الكوفيين: {وصدوا عن السبيل} [الرعد: 33] بضم الصاد، بمعنى: وصدهم الله عن سبيله لكفرهم به، ثم جعلت الصاد مضمومة، إذ لم يسم فاعله، وأما عامة قراء الحجاز والبصرة، فقرءوه بفتح الصاد، على معنى أن المشركين هم الذين صدوا الناس عن سبيل الله. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القراء، متقاربتا المعنى؛ وذلك أن المشركين بالله كانوا مصدودين عن الإيمان به، وهم مع ذلك كانوا يعبدون غيرهم، كما وصفهم الله به بقوله: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} [الأنفال: 36] وقوله {ومن يضلل الله فما له من هاد} [الرعد: 33] يقول تعالى ذكره: ومن أضله الله عن إصابة الحق والهدى بخذلانه إياه، فما له أحد يهديه لإصابتهما، لأن ذلك لا ينال إلا بتوفيق الله ومعونته، وذلك بيد الله وإليه دون كل أحد سواه 13P551
[الرعد: 34] القول في تأويل قوله تعالى: {لهم عذاب في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أشق، وما لهم من الله من واق} [الرعد: 34] يقول تعالى ذكره: لهؤلاء الكفار الذين وصف صفتهم في هذه السورة عذاب في الحياة الدنيا بالقتل والإسار والآفات التي يصيبهم الله بها، {ولعذاب الآخرة أشق} [الرعد: 34] يقول: ولتعذيب الله إياهم في الدار الآخرة أشد من تعذيبه إياهم في الدنيا وأشق، إنما هو «أفعل» من المشقة وقوله: {وما لهم من الله من واق} [الرعد: 34] يقول تعالى ذكره: وما لهؤلاء الكفار من أحد يقيهم من عذاب الله إذا عذبهم، لا حميم ولا ولي ولا نصير، لأنه جل جلاله لا يعاده أحد فيقهره فيخلصه من عذابه بالقهر، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وليس يأذن لأحد في الشفاعة لمن كفر به فمات على كفره قبل التوبة منه 13P551 [الرعد: 35] القول في تأويل قوله تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار، أكلها دائم وظلها، تلك عقبى الذين اتقوا، وعقبى الكافرين النار} [الرعد: 35] اختلف أهل العلم بكلام العرب في رافع «المثل» ، فقال بعض نحويي الكوفيين الرافع للمثل قوله: {تجري من تحتها الأنهار} [البقرة: 25] في المعنى، وقال: هو كما تقول حلية فلان أسمر كذا وكذا، فليس الأسمر بمرفوع بالحلية، إنما هو ابتداء، أي هو أسمر هو كذا، قال: ولو دخل أن في مثل هذا كان صوابا قال: ومثله في الكلام مثلك أنك كذا وأنك كذا وقوله: {فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا} [عبس: 25] من وجه: {مثل الجنة التي وعد المتقون فيها} [محمد: 15] ومن قال: {أنا صببنا الماء} [عبس: 25] أظهر الاسم، لأنه مردود على الطعام بالخفض، ومستأنف، أي: طعامه أنا صببنا ثم فعلنا. وقال: معنى قوله: {مثل الجنة} [الرعد: 35] : صفات الجنة. وقال بعض نحويي البصريين معنى ذلك: صفة الجنة، قال: ومنه قول الله تعالى {وله المثل الأعلى} [الروم: 27] معناه: ولله الصفة العليا. قال: فمعنى الكلام في قوله: {مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار} [الرعد: 35] أو فيها أنهار، كأنه قال: وصف الجنة صفة تجري من تحتها الأنهار، أو صفة فيها أنهار والله أعلم. قال: ووجه آخر: كأنه إذا قيل: مثل الجنة قيل: الجنة التي وعد المتقون، قال وكذلك قوله: {وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} [النمل: 30] كأنه قال: بالله الرحمن الرحيم، والله أعلم. قال: وقوله: {على ما فرطت في جنب الله} [الزمر: 56] في ذات الله، كأنه عندنا قيل: في الله، قال: وكذلك قوله: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] إنما المعنى: ليس كشيء، وليس مثله شيء، لأنه لا مثل له، قال: وليس هذا كقولك للرجل: ليس كمثلك أحد، لأنه يجوز أن يكون له مثل، والله لا يجوز ذلك عليه. قال: ومثله قول لبيد: [+البحر الطويل] إلى الحول ثم اسم السلام عليكما قال: وفسر لنا أنه أراد: السلام عليكما؛ قال أوس بن حجر: [+البحر المتقارب] وقتلى كرام كمثل الجذوع تغشاهم سبل منهمر قال: والمعنى عندنا: كالجذوع، لأنه لم يزد أن يجعل للجذوع مثلا ثم يشبه القتلى به قال: ومثله قول أمية: [+البحر الكامل] زحل وثور تحت رجل يمينه والنسر للأخرى وليث مرصد قال: فقال تحت رجل يمينه، كأنه قال: تحت رجله أو تحت رجله اليمنى قال: وقول لبيد: [+البحر الوافر] أضل صواره وتضيفته نطوف أمرها بيده الشمال كأنه قال: أمرها بالشمال وإلى الشمال، وقول لبيد أيضا: حتى إذا ألقت يدا في كافر فكأنه قال: حتى وقعت في كافر. وقال آخر منهم: هو المكفوف عن خبره، قال: والعرب تفعل ذلك قال: وله معنى آخر: {للذين استجابوا لربهم الحسنى} [الرعد: 18] مثل الجنة موصول صفة لها على الكلام الأول قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال ذكر المثل، فقال مثل الجنة، والمراد الجنة، ثم وصفت الجنة بصفتها، وذلك أن مثلها إنما هو صفتها وليست صفتها شيئا غيرها وإذا كان ذلك كذلك، ثم ذكر المثل، فقيل: مثل الجنة، ومثلها صفتها وصفة الجنة، فكان وصفها كوصف المثل، وكان كأن الكلام جرى بذكر الجنة، فقيل: الجنة تجري من تحتها الأنهار، كما قال الشاعر: [+البحر الوافر] أرى مر السنين أخذن مني كما أخذ السرار من الهلال فذكر المر، ورجع في الخبر إلى السنين وقوله: {أكلها دائم وظلها} [الرعد: 35] يعني: ما يؤكل فيها، يقول: هو دائم لأهلها، لا ينقطع عنهم، ولا يزول ولا يبيد، ولكنه ثابت إلى غير نهاية، {وظلها} [الرعد: 35] : يقول: وظلها أيضا دائم، لأنه لا شمس فيها. {تلك عقبى الذين اتقوا} [الرعد: 35] يقول: هذه الجنة التي وصف جل ثناؤه عاقبة الذين اتقوا الله، فاجتنبوا معاصيه، وأدوا فرائضه وقوله: {وعقبى الكافرين النار} [الرعد: 35] يقول: وعاقبة الكافرين بالله النار 13P555
[الرعد: 36] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك، ومن الأحزاب من ينكر بعضه، قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به، إليه أدعو وإليه مآب} [الرعد : 36] يقول تعالى ذكره: والذين أنزلنا إليهم الكتاب ممن آمن بك واتبعك يا محمد {يفرحون بما أنزل إليك} [الرعد: 36] منه، {ومن الأحزاب من ينكر بعضه} [الرعد: 36] يقول: ومن أهل الملل المتحزبين عليك، وهم أهل أديان شتى، من ينكر بعض ما أنزل إليك، فقل لهم: {إنما أمرت} [الرعد: 36] أيها القوم {أن أعبد الله} [الرعد: 36] وحده دون ما سواه {ولا أشرك به} [الرعد: 36] فأجعل له شريكا في عبادتي، فأعبد معه الآلهة والأصنام، بل أخلص له الدين حنيفا مسلما {إليه أدعو} [الرعد: 36] يقول: إلى طاعته، وإخلاص العبادة له أدعو الناس {وإليه مآب} [الرعد: 36] يقول: وإليه مصيري، وهو مفعل من قول القائل: آب يئوب أوبا ومآبا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك} [الرعد: 36] " أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فرحوا بكتاب الله وبرسوله وصدقوا به. قوله: {ومن الأحزاب من ينكر بعضه} [الرعد: 36] يعني اليهود والنصارى " حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {ومن الأحزاب من ينكر بعضه} [الرعد: 36] قال: «من أهل الكتاب» . حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك، ومن الأحزاب من ينكر بعضه} [الرعد: 36] " من أهل الكتاب، والأحزاب أهل الكتب، تفريقهم لحزبهم. قوله: {وإن يأت الأحزاب} [الأحزاب: 20] قال: " لتحزبهم على النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن جريج، وقال عن مجاهد: {ينكر بعضه} [الرعد: 36] قال: «بعض القرآن» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: { 13P557 وإليه مآب} [الرعد: 36] : «وإليه مصير كل عبد» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك} [الرعد: 36] قال: " هذا من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب فيفرحون بذلك، وقرأ: {ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به} [يونس: 40] وفي قوله: {ومن الأحزاب من ينكر بعضه} [الرعد: 36] قال: " الأحزاب: الأمم، اليهود والنصارى والمجوس، منهم من آمن به، ومنهم من أنكره " 13P557 [الرعد: 37] القول في تأويل قوله تعالى: {وكذلك أنزلناه حكما عربيا، ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق} [الرعد: 37] يقول تعالى ذكره: وكما أنزلنا عليك الكتاب يا محمد، فأنكره بعض الأحزاب، كذلك أيضا أنزلنا الحكم والدين حكما عربيا، وجعل ذلك عربيا، ووصفه به لأنه أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو عربي، فنسب الدين إليه إذ كان عليه أنزل، فكذب به الأحزاب، ثم نهاه جل ثناؤه عن ترك ما أنزل إليه واتباع الأحزاب، وتهدده على ذلك إن فعله، فقال: ولئن اتبعت يا محمد أهواءهم، أهواء هؤلاء الأحزاب ورضاهم ومحبتهم، وانتقلت من دينك إلى دينهم، ما لك من يقيك من عذاب الله إن عذبك على اتباعك أهواءهم، وما لك من ناصر ينصرك فيستنقذك من الله إن هو عاقبك، يقول: فاحذر أن تتبع أهواءهم 13P558
[الرعد: 38] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله، لكل أجل كتاب} [الرعد: 38] يقول تعالى ذكره: {ولقد أرسلنا} [الأنعام: 42] يا محمد {رسلا من قبلك} [الرعد: 38] إلى أمم قد خلت من قبل أمتك فجعلناهم بشرا مثلك، لهم أزواج ينكحون، وذرية أنسلوهم، ولم نجعلهم ملائكة لا يأكلون، ولا يشربون، ولا ينكحون، فنجعل الرسول إلى قومك من الملائكة مثلهم، ولكن أرسلنا إليهم بشرا مثلهم، كما أرسلنا إلى من قبلهم من سائر الأمم بشرا مثلهم {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} [الرعد: 38] يقول تعالى ذكره: وما يقدر رسول أرسله الله إلى خلقه أن يأتي أمته بآية وعلامة، من تسيير الجبال، ونقل بلدة من مكان إلى مكان آخر، وإحياء الموتى، ونحوها من الآيات، إلا بإذن الله، يقول: إلا بأمر الله الجبال بالسير، والأرض بالانتقال، والميت بأن يحيا. {لكل أجل كتاب} [الرعد: 38] يقول: لكل أجل أمر قضاه الله كتاب قد كتبه، فهو عنده وقد قيل: معناه: لكل كتاب أنزله الله من السماء أجل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق بن يوسف، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {لكل أجل كتاب} [الرعد: 38] يقول: «لكل كتاب ينزل من السماء أجل، فيمحو 13P559 الله من ذلك ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب» قال أبو جعفر: وهذا على هذا القول نظير قول الله: {وجاءت سكرة الموت بالحق} [ق: 19] وكان أبو بكر رضي الله عنه يقرأها: «وجاءت سكرة الحق بالموت» ، وذلك أن سكرة الموت تأتي بالحق والحق يأتي بها، فكذلك الأجل له كتاب، وللكتاب أجل 13P558
[الرعد: 39] القول في تأويل قوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: يمحو الله ما يشاء من أمور عباده، فيغيره، إلا الشقاء والسعادة فإنهما لا يغيران ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا بحر بن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] قال: «يدبر الله أمر العباد فيمحو ما يشاء، إلا الشقاء والسعادة والموت» حدثنا ابن بشار قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] قال: «كل شيء غير السعادة والشقاء، فإنهما قد فرغ منهما» حدثني علي بن سهل قال: ثنا يزيد، وحدثنا أحمد قال: ثنا أبو أحمد، عن سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس يقول: {يمحو} [الرعد: 39] الله ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب قال: «إلا الشقاء والسعادة، والموت والحياة» . حدثني المثنى قال: ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين وقبيصة قالا: ثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله حدثنا عمرو بن علي قال: ثنا وكيع قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] قال: قال ابن عباس: «إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة» حدثني المثنى قال: ثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب قال: «يقدر الله أمر السنة في ليلة القدر، إلا الشقاء والسعادة، والموت والحياة» حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} [الرعد: 39] قال: «إلا الحياة والموت، والسعادة والشقاوة، فإنهما لا يتغيران» . حدثنا عمرو قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا معاذ بن عقبة، عن منصور، عن مجاهد، مثله. حدثنا ابن بشار قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، قال: قلت لمجاهد: إن كنت كتبتني سعيدا فأثبتني، وإن كنت كتبتني شقيا فامحني قال: «الشقاء والسعادة قد فرغ منهما» حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: ثنا سعيد بن سليمان، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} [الرعد: 39] قال: «ينزل الله كل شيء في السنة في ليلة القدر، فيمحو ما يشاء من الآجال، والأرزاق، والمقادير، إلا الشقاء والسعادة، فإنهما ثابتان» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، قال: سألت مجاهدا فقلت: أرأيت دعاء أحدنا يقول: اللهم إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان 13P562 في الأشقياء فامحه واجعله في السعداء؟ فقال: حسن، ثم أتيته بعد ذلك بحول أو أكثر من ذلك، فسألته عن ذلك، فقال: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة، إنا كنا منذرين. فيها يفرق كل أمر حكيم} [الدخان: 4] قال: «يقضى في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدم ما يشاء، ويؤخر ما يشاء، فأما كتاب الشقاء والسعادة فهو ثابت لا يغير» .
وقال آخرون: معنى ذلك: أن الله يمحو ما يشاء ويثبت من كتاب سوى أم الكتاب الذي لا يغير منه شيء ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، عن سليمان التيمي، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال في هذه الآية: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] قال: " كتابان: كتاب يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب " حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا سهل بن يوسف، قال: ثنا سليمان التيمي، عن عكرمة، في قوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] قال: «الكتاب كتابان، كتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب» . قال: ثنا أبو عامر قال: ثنا حماد بن سلمة، عن سليمان التيمي، عن عكرمة، عن ابن عباس بمثله حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن عكرمة قال: «الكتاب كتابان يمحو الله ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب» . وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه يمحو كل ما يشاء، ويثبت كل ما أراد ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثام، عن الأعمش، عن شقيق، أنه كان يقول: «اللهم» إن كنت كتبتنا أشقياء، فامحنا واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب " حدثنا عمرو، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن أبي وائل، قال: " كان مما يكثر أن يدعو بهؤلاء الكلمات: اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامحنا واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب " قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبي، عن أبي حكيمة، عن أبي عثمان النهدي، أن عمر بن الخطاب قال وهو يطوف بالبيت ويبكي: «اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة» . قال: ثنا معتمر، عن أبيه، عن أبي حكيمة، عن أبي عثمان قال: وأحسبني 13P564 قد سمعته من أبي عثمان، مثله. قال: ثنا أبو عامر قال: ثنا قرة بن خالد، عن عصمة أبي حكيمة، عن أبي عثمان النهدي، عن عمر رضي الله عنه، مثله حدثني المثنى قال: ثنا الحجاج قال: ثنا حماد قال: ثنا أبو حكيمة قال: سمعت أبا عثمان النهدي قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول وهو يطوف بالكعبة: «اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت علي الذنب والشقوة فامحني وأثبتني في أهل السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب» قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن ابن مسعود، أنه كان يقول: «اللهم إن كنت كتبتني في أهل الشقاء فامحني، وأثبتني في أهل السعادة» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] يقول: " وهو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله، ثم يعود لمعصية الله فيموت على 13P565 ضلالة، فهو الذي يمحو، والذي يثبت: الرجل يعمل بمعصية الله، وقد كان سبق له خير حتى يموت، وهو في طاعة الله، فهو الذي يثبت " حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن هلال بن حميد، عن عبد الله بن عكيم، عن عبد الله، أنه كان يقول: «اللهم إن كنت كتبتني في السعداء فأثبتني في السعداء، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب» حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، أن كعبا قال لعمر رضي الله عنه: " يا أمير المؤمنين، لولا آية في كتاب الله لأنبأتك ما هو كائن إلى يوم القيامة، قال: وما هي؟
قال: قول الله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {لكل أجل كتاب} [الرعد: 38] الآية، يقول: {يمحو الله ما يشاء} [الرعد: 39] يقول: «أنسخ ما شئت، وأصنع من الأفعال ما شئت، إن شئت زدت فيها، وإن شئت نقصت» حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عفان، قال: ثنا همام، قال: ثنا الكلبي، قال: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} [الرعد: 39] قال: «يمحي من الرزق ويزيد فيه، ويمحي من الأجل ويزيد فيه» ، قلت: من حدثك؟ قال: أبو صالح، عن جابر بن عبد الله بن رئاب الأنصاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقدم الكلبي بعد، فسئل عن هذه الآية: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} [الرعد: 39] قال: " يكتب القول كله، حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عليه عقاب، مثل قولك: أكلت، شربت، دخلت، خرجت، ونحو ذلك من الكلام، وهو صادق، ويثبت ما كان فيه الثواب وعليه العقاب ". حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: سمعت الكلبي، عن أبي صالح، نحوه، ولم يجاوز أبا صالح. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن الله ينسخ ما يشاء من أحكام كتابه، ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: يمحو الله ما يشاء قال: " من القرآن، يقول: يبدل الله ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله {وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب: الناسخ والمنسوخ، وما يبدل، وما يثبت، كل ذلك 13P567 في كتاب " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} [الرعد: 39] هي مثل قوله: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106] وقوله: {وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] : «أي جملة الكتاب وأصله» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} [الرعد: 39] ما يشاء، وهو الحكيم {وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] وأصله " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {يمحو الله ما يشاء} [الرعد: 39] بما ينزل على الأنبياء، {ويثبت} [الأنفال: 11] ما يشاء مما ينزل على الأنبياء، قال: {وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] لا يغير ولا يبدل " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج: {يمحو الله ما يشاء} [الرعد: 39] قال: " ينسخ. قال: {وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] قال: «الذكر» . وقال آخرون: معنى ذلك أنه يمحو من قد حان أجله، ويثبت من لم يجئ أجله إلى أجله ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، في قوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] يقول: «يمحو من جاء أجله فذهب، والمثبت الذي هو حي يجري إلى أجله» حدثنا عمرو بن علي قال: ثنا يحيى قال: ثنا عوف قال: سمعت الحسن: {يمحو الله ما يشاء} [الرعد: 39] قال: " من جاء أجله {ويثبت} [الأنفال: 11] قال: «من لم يجئ أجله إلى أجله» .
حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا هوذة قال: ثنا عوف، عن الحسن، نحو حديث ابن بشار قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن في قوله: {لكل أجل كتاب} [الرعد: 38] قال: " آجال بني آدم في كتاب، {يمحو الله ما يشاء} [الرعد: 39] من أجله {ويثبت، وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] " قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قول الله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} [الرعد: 39] قالت قريش حين أنزل: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} [الرعد: 38] : ما نراك يا محمد تملك من شيء، ولقد فرغ من الأمر، فأنزلت هذه الآية تخويفا ووعيدا لهم: إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ونحدث في كل رمضان، فنمحو ونثبت ما نشاء من أرزاق الناس ومصائبهم، وما نعطيهم، وما نقسم لهم ". 13P569 حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه. حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه. وقال آخرون: معنى ذلك: ويغفر ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء فلا يغفر ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد، في قوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} [الرعد: 39] قال: «يثبت في البطن الشقاء، والسعادة، وكل شيء، فيغفر منه ما يشاء، ويؤخر ما يشاء» وأولى الأقوال التي ذكرت في ذلك بتأويل الآية، وأشبهها بالصواب، القول الذي ذكرناه عن الحسن ومجاهد، وذلك أن الله تعالى ذكره توعد المشركين الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات بالعقوبة وتهددهم بها وقال لهم: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله، لكل أجل كتاب} [الرعد: 38] يعلمهم بذلك أن لقضائه فيهم أجلا مثبتا في كتاب هم مؤخرون إلى وقت مجيء ذلك الأجل، ثم قال لهم: فإذا جاء ذلك الأجل يجيء الله بما شاء ممن قد دنا أجله، وانقطع رزقه، أو حان هلاكه، أو اتضاعه من رفعة، أو هلاك مال، فيقضي ذلك في خلقه، فذلك محوه، ويثبت ما شاء ممن بقي أجله، ورزقه، وأكله، فيتركه على ما هو عليه فلا يمحوه، وبهذا المعنى جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك ما حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا الليث بن سعد، عن زيادة بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل، في الساعة الأولى منهن ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت» . ثم ذكر ما في الساعتين الآخرتين حدثنا موسى بن سهل الرملي قال: ثنا آدم، قال: ثنا الليث قال: ثنا زيادة بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ينزل في ثلاث ساعات يبقين من الليل، يفتح الذكر في الساعة الأولى الذي لم يره أحد غيره، يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء» حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: «إن» لله لوحا محفوظا مسيرة خمس مائة عام، من درة بيضاء لها دفتان من ياقوت، والدفتان لوحان لله، كل يوم ثلاث مائة 13P571 وستون لحظة، يمحو ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: ثني رجل، عن أبيه، عن قيس بن عباد، أنه قال: «العاشر من رجب هو يوم يمحو الله فيه ما يشاء» 13P571