Qur'an&Sunnah

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

قسم V06/P461–V06/P463

حديث آخر موقوف: قال ابن ماجه: [حدثنا الحسين بن بيان] ، حدثنا زياد بن عبد الله، حدثنا المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد ، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: إذا صليتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه؛ فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه. قال: فقالوا له: فعلمنا. قال: قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، محمد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير، ورسول الرحمة. اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد [وعلى آل محمد] ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وهذا موقوف، وقد روى إسماعيل القاضي عن عبد الله بن عمرو -أو: عمر -على الشك من الراوي قريبا من هذا . حديث آخر: قال قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا أبو إسرائيل، عن يونس بن خباب قال: خطبنا بفارس فقال: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} ، فقال: أنبأني من سمع ابن عباس يقول: هكذا أنزل. فقلنا -أو: قالوا -يا رسول الله، علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: "اللهم، صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وارحم محمدا وآل محمد، كما رحمت آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، [وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد] . فيستدل بهذا الحديث من ذهب إلى جواز الترحم على النبي صلى الله عليه وسلم، كما هو قول الجمهور: ويعضده حديث الأعرابي الذي قال: اللهم، ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد حجرت واسعا". وحكى القاضي عياض عن جمهور المالكية منعه، قال: وأجازه أبو محمد بن أبي زيد. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، أخبرنا شعبة، عن عاصم بن عبيد الله قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث عن أبيه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى علي صلاة لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى علي، فليقل عبد من ذلك أو ليكثر". ورواه ابن ماجه، من حديث شعبة، به . حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي، ويونس -هو ابن محمد -قالا حدثنا ليث، عن يزيد بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أبي الحويرث، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن عبد الرحمن بن عوف قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته حتى دخل نخلا فسجد فأطال السجود، حتى خفت -أو: خشيت -أن يكون الله قد توفاه أو قبضه. قال: فجئت أنظر، فرفع رأسه فقال: "ما لك يا عبد الرحمن؟ " قال: فذكرت ذلك له فقال: "إن جبريل، عليه السلام، قال لي: ألا أبشرك؟ إن الله، عز وجل، يقول: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه" . طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا سليمان بن بلال، حدثنا عمرو بن أبي عمرو، من عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الرحمن بن عوف قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوجه نحو صدقته، فدخل فاستقبل القبلة، فخر ساجدا، فأطال السجود، حتى ظننت أن الله قد قبض نفسه فيها، فدنوت منه ثم جلست، فرفع رأسه فقال: "من هذا؟ " فقلت: عبد الرحمن. قال: "ما شأنك؟ " قلت: يا رسول الله، سجدت سجدة خشيت أن [يكون] الله، عز وجل، قبض نفسك فيها. فقال: "إن جبريل أتاني فبشرني أن الله، عز وجل، يقول لك: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه -فسجدت لله عز وجل، شكرا" .

قسم V06/P463–V06/P464

حديث آخر: قال [الحافظ] أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الرحيم بن بحير بن عبد الله بن معاوية بن بحير بن ريسان، [حدثنا عمرو بن الربيع بن طارقة] ، حدثنا يحيى بن أيوب، حدثنا عبد الله بن عمر، عن الحكم بن عتيبة ، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة فلم يجد أحدا يتبعه، ففزع عمر، فأتاه بمطهرة من خلفه، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم ساجدا في مشربة ، فتنحى عنه من خلفه حتى رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه، فقال: "أحسنت يا عمر حين وجدتني ساجدا فتنحيت عني، إن جبريل أتاني فقال: من صلى عليك من أمتك واحدة، صلى الله عليه عشر صلوات ، ورفعه عشر درجات". وقد اختار هذا الحديث الحافظ الضياء المقدسي في كتابه "المستخرج على الصحيحين" . وقد رواه إسماعيل القاضي، عن القعنبي، عن سلمة بن وردان، عن أنس، عن عمر بنحوه . ورواه أيضا عن يعقوب بن حميد، عن أنس بن عياض، عن سلمة بن وردان، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر بن الخطاب، بنحوه . حديث آخر: قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا بندار، حدثنا محمد بن خالد بن عثمة، حدثني موسى بن يعقوب الزمعي، حدثني عبد الله بن كيسان؛ أن عبد الله بن شداد أخبره، عن عبد الله بن مسعود؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة". تفرد بروايته الترمذي، رحمه الله، ثم قال: هذا حديث حسن غريب . حديث آخر: قال إسماعيل القاضي: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن يعقوب بن زيد بن طلحة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاني آت من ربي فقال لي: ما من عبد يصلي عليك صلاة إلا صلى الله عليه بها عشرا". فقام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أجعل نصف دعائي لك؟ قال: "إن شئت". قال: ألا أجعل ثلثي دعائي لك؟ قال: "إن شئت". قال: ألا أجعل دعائي لك كله؟ قال: "إذن يكفيك الله هم الدينا وهم الآخرة". فقال شيخ -كان بمكة، يقال له: منيع -لسفيان: عمن أسنده؟ قال: لا أدري . حديث آخر: قال إسماعيل القاضي: حدثنا سعيد بن سلام العطار، حدثنا سفيان -يعني: الثوري -عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج في جوف الليل فيقول: "جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه". قال أبي: يا رسول الله، إني أصلي من الليل، أفأجعل لك ثلث صلاتي؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشطر". قال: أفأجعل لك شطر صلاتي؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الثلثان". قال أفأجعل لك صلاتي كلها؟ قال: "إذن يغفر الله ذنبك كله" . وقد رواه الترمذي بنحوه فقال: حدثنا هناد، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: "يا أيها الناس، اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه". قال أبي: قلت: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: "ما شئت". قلت: الربع؟ قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك". قلت: فالنصف؟ قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك". قلت: فالثلثين؟ قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك". قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: "إذن تكفى همك، ويغفر لك ذنبك". ثم قال: هذا حديث حسن .

قسم V06/P464–V06/P466

وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي، عن أبيه قال: قال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: "إذن يكفيك الله ما أهمك من دنياك وآخرتك" . حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن سليمان مولى الحسن بن علي، عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ذات يوم، والسرور يرى في وجهه، فقالوا: يا رسول الله، إنا لنرى السرور في وجهك. فقال: "إنه أتاني الملك فقال: يا محمد، أما يرضيك أن ربك، عز وجل، يقول: إنه لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا؟ قال: بلى". ورواه النسائي من حديث حماد بن سلمة، به . وقد رواه إسماعيل القاضي، عن إسماعيل ابن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن عبيد الله بن عمر، عن ثابت، عن أبي طلحة، بنحوه ، . طريق أخرى: قال [الإمام] أحمد: حدثنا سريج ، حدثنا أبو معشر، عن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أبي طلحة الأنصاري قال: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما طيب النفس، يرى في وجهه البشر، قالوا: يا رسول الله، أصبحت اليوم طيب النفس، يرى في وجهك البشر؟ قال: "أجل، أتاني آت من ربي، عز وجل، فقال: من صلى عليك من أمتك صلاة، كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، ورد عليه مثلها" . وهذا أيضا إسناد جيد، ولم يخرجوه. حديث آخر: روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، من حديث إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه؛ عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى علي واحدة، صلى الله عليه بها عشرا". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف، وعامر بن ربيعة، وعمار، وأبي طلحة، وأنس، وأبي بن كعب . وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا شريك، عن ليث، عن كعب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا علي؛ فإنها زكاة لكم. وسلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها درجة في أعلى الجنة، لا ينالها إلا رجل، وأرجو أن أكون أنا هو". تفرد به أحمد ، وقد رواه البزار من طريق مجاهد، عن أبي هريرة، بنحوه فقال: حدثنا محمد بن إسحاق البكالي، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا داود بن علية، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلوا علي؛ فإنها زكاة لكم، وسلوا الله لي الدرجة الوسيلة من الجنة" فسألناه -أو: أخبرنا -فقال: "هي درجة في أعلى الجنة، وهي لرجل، وأنا أرجو أن أكون ذلك الرجل". في إسناده بعض من تكلم فيه . حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، [عن عبد الله بن هبيرة] ، عن عبد الرحمن بن مريج الخولاني، سمعت أبا قيس -مولى عمرو بن العاص -سمعت عبد الله بن عمرو يقول: من صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة، صلى الله عليه وملائكته بها سبعين صلاة، فليقل عبد من ذلك أو ليكثر. وسمعت عبد الله بن عمرو يقول: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما كالمودع فقال: "أنا محمد النبي الأمي -قاله ثلاث مرات -ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلام وخواتمه وجوامعه، وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش، وتجوز بي، عوفيت وعوفيت أمتي، فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله، أحلوا حلاله، وحرموا حرامه" .

قسم V06/P466–V06/P468

حديث آخر: قال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو سلمة الخراساني، حدثنا أبو إسحاق، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ذكرت عنده فليصل علي، ومن صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه عشرا". ورواه النسائي في "اليوم والليلة"، من حديث أبي داود الطيالسي، عن أبي سلمة -وهو المغيرة بن مسلم الخراساني -عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أنس، به . وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا يونس بن عمرو -يعني: يونس بن أبي إسحاق -عن بريد بن أبي مريم، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى علي صلاة واحدة، صلى الله عليه عشر صلوات، وحط عنه عشر خطيئات" . حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الملك بن عمرو وأبو سعيد [قالا] : حدثنا سليمان بن بلال، عن عمارة بن غزية ، عن عبد الله بن الحسين، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "البخيل من ذكرت عنده، ثم لم يصل علي". وقال أبو سعيد: "فلم يصل علي". ورواه الترمذي من حديث سليمان بن بلال، ثم قال: هذا حديث حسن غريب صحيح . ومن الرواة من جعله من مسند "الحسين بن علي"، ومنهم من جعله من مسند "علي" نفسه. حديث آخر: قال إسماعيل القاضي: حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن معبد بن هلال العنزي، حدثنا رجل من أهل دمشق، عن عوف بن مالك، عن أبي ذر، رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل علي" . حديث آخر مرسل: قال إسماعيل: وحدثنا سليمان بن حرب، حدثنا جرير بن حازم، سمعت الحسن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بحسب امرئ من البخل أن أذكر عنده فلا يصلي علي" ، صلوات الله عليه. حديث آخر: قال الترمذي: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا ربعي بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي. [ورغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان، ثم انسلخ قبل أن يغفر له] ، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة". ثم قال: حسن غريب . قلت: وقد رواه البخاري في الأدب، عن محمد بن عبيد الله، حدثنا ابن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة مرفوعا، بنحوه . ورويناه من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به. قال الترمذي: وفي الباب عن جابر وأنس. قلت: وابن عباس، وكعب بن عجرة، وقد ذكرت طرق هذا الحديث في أول كتاب الصيام وعند قوله تعالى: {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما} [الإسراء: 23] . وهذا الحديث والذي قبله دليل على وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم كلما ذكر، وهو مذهب طائفة من العلماء [منهم الطحاوي والحليمي] ، ويتقوى بالحديث الآخر الذي رواه ابن ماجه: حدثنا جبارة بن المغلس، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة" . جبارة ضعيف. ولكن رواه إسماعيل القاضي من غير وجه، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة". وهذا مرسل يتقوى بالذي قبله [والله أعلم] . وذهب آخرون إلى أنه تجب الصلاة في المجلس مرة واحدة، ثم لا تجب في بقية ذلك المجلس، بل تستحب. نقله الترمذي عن بعضهم، ويتأيد بالحديث الذي رواه الترمذي:

قسم V06/P468–V06/P469

حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن صالح -مولى التوءمة -عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم". تفرد به الترمذي من هذا الوجه. ورواه الإمام أحمد عن حجاج ويزيد بن هارون، كلاهما عن ابن أبي ذئب، عن صالح -مولى التوءمة -عن أبي هريرة، مرفوعا مثله. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقد روي عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، من غير وجه، وقد رواه إسماعيل القاضي من حديث شعبة، عن سليمان، عن ذكوان، عن أبي سعيد قال: "ما من قوم يقعدون ثم يقومون ولا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم، إلا كان عليهم حسرة، وإن دخلوا الجنة لما يرون [من] الثواب" . وحكي عن بعضهم أنه إنما تجب الصلاة عليه، عليه السلام، في العمر مرة واحدة، امتثالا لأمر الآية، ثم هي مستحبة في كل حال، وهذا هو الذي نصره القاضي عياض بعدما حكى الإجماع على وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في الجملة. قال: وقد حكى الطبراني أن محمل الآية على الندب، وادعى فيه الإجماع. قال: ولعله فيما زاد على المرة، والواجب منه مرة كالشهادة له بالنبوة، وما زاد على ذلك فمندوب مرغب فيه من سنن الإسلام، وشعار أهله. قلت: وهذا قول غريب، فإنه قد ورد الأمر بالصلاة عليه في أوقات كثيرة، فمنها واجب، ومنها مستحب على ما نبينه. فمنه: بعد النداء للصلاة؛ للحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، حدثنا كعب بن علقمة، أنه سمع عبد الرحمن بن جبير يقول: أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم مؤذنا فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي؛ فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة". وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، من حديث كعب بن علقمة طريق أخرى: قال إسماعيل القاضي: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا عمرو بن علي، عن أبي بكر الجشمي، عن صفوان بن سليم، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سأل الله لي الوسيلة، حقت عليه شفاعتي يوم القيامة" . حديث آخر: قال إسماعيل القاضي: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا سعيد بن زيد، عن ليث، عن كعب -هو كعب الأحبار -عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلوا علي، فإن صلاتكم علي زكاة لكم، وسلوا الله لي الوسيلة". قال: فإما حدثنا وإما سألناه، فقال: "الوسيلة أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل، وأرجو أن أكون ذلك الرجل". ثم رواه عن محمد بن أبي بكر، عن معتمر، عن ليث -وهو ابن أبي سليم -به . وكذا الحديث الآخر: قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا بكر بن سوادة، عن زياد بن نعيم، عن وفاء الحضرمي، عن رويفع بن ثابت الأنصاري؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى على محمد وقال: اللهم، أنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة، وجبت له شفاعتي". وهذا إسناد لا بأس به، ولم يخرجوه . أثر آخر قال إسماعيل القاضي: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثني معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، سمعت ابن عباس يقول: اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى، وارفع درجته العليا، وأعطه سؤله في الآخرة والأولى، كما آتيت إبراهيم وموسى، عليهما السلام. إسناد جيد قوي صحيح . ومن ذلك: عند دخول المسجد والخروج منه: للحديث الذي رواه الإمام أحمد :

قسم V06/P469–V06/P471

حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا ليث بن أبي سليم، عن عبد الله بن الحسن ، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن جدته [فاطمة] بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم وقال: "اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك". وإذا خرج صلى على محمد وسلم، ثم قال: "اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك" . وقال إسماعيل القاضي: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا سفيان بن عمر التميمي، عن سليمان الضبي، عن علي بن الحسين قال: قال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه : إذا مررتم بالمساجد فصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم . وأما الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فقد قدمنا الكلام عليها في التشهد الأخير، ومن ذهب إلى ذلك من العلماء مع الشافعي، رحمه الله . وأما التشهد الأول فلا تجب فيه قولا واحدا، وهل تستحب؟ على قولين للشافعي. ومن ذلك الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة: فإن السنة أن يقرأ في التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب، وفي الثانية أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الثالثة يدعو للميت، وفي الرابعة يقول: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده. قال الشافعي، رحمه الله: حدثنا مطرف بن مازن، عن معمر، عن الزهري: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويخلص الدعاء للجنازة، وفي التكبيرات لا يقرأ في شيء منها، ثم يسلم سرا في نفسه ورواه النسائي، عن أبي أمامة نفسه أنه قال: من السنة، فذكره . وهذا من الصحابي في حكم المرفوع على الصحيح. ورواه إسماعيل القاضي، عن محمد بن المثنى، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل، عن سعيد بن المسيب أنه قال: السنة في الصلاة على الجنازة ... فذكره . وهكذا روي عن أبي هريرة، وابن عمر، والشعبي. ومن ذلك : في صلاة العيد: قال إسماعيل القاضي : حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، حدثنا حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة: أن ابن مسعود وأبا موسى وحذيفة خرج عليهم الوليد بن عقبة يوما قبل العيد ، فقال لهم: إن هذا العيد قد دنا، فكيف التكبير فيه؟ قال عبد الله: تبدأ فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة، وتحمد ربك وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تدعو، وتكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تقرأ، ثم تكبر وتركع، ثم تقوم فتقرأ وتحمد ربك وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تدعو وتكبر، وتفعل مثل ذلك، ثم تركع. فقال حذيفة وأبو موسى: صدق أبو عبد الرحمن. إسناد صحيح ومن ذلك: أنه يستحب ختم الدعاء بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم قال الترمذي: حدثنا أبو داود، أخبرنا النضر بن شميل ، عن أبي قرة الأسدي، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب قال: الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد حتى تصلي على نبيك . وهكذا رواه أيوب بن موسى، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب، قوله. ورواه معاذ بن الحارث، عن أبي قرة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر مرفوعا . وكذا رواه رزين بن معاوية في كتابه مرفوعا، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد حتى يصلى علي، فلا تجعلوني كغمر الراكب، صلوا علي أول الدعاء وأوسطه وآخره" .

قسم V06/P471–V06/P473

وهذه الزيادة إنما تروى من رواية جابر بن عبد الله في مسند الإمام عبد بن حميد الكشي [حيث] قال: حدثنا جعفر بن عون، أخبرنا موسى بن عبيدة، عن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه قال: قال جابر: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوني كقدح الراكب، إذا علق تعاليقه أخذ قدحه فملأه من الماء، فإن كان له حاجة في الوضوء توضأ، وإن كان له حاجة في الشرب شرب وإلا أهراق ما فيه، اجعلوني في أول الدعاء، وفي، وسط الدعاء، وفي آخر الدعاء". فهذا حديث غريب، وموسى بن عبيدة ضعيف الحديث . ومن [آكد] ذلك: دعاء القنوت: لما رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وابن خزيمة ، وابن حبان، والحاكم، من حديث أبي الحوراء ، عن الحسن بن علي، رضي الله عنهما، قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت تباركت [ربنا] وتعاليت" . وزاد النسائي في سننه بعد هذا: وصلى الله على النبي محمد. ومن ذلك: أنه يستحب الإكثار من الصلاة عليه [في] يوم الجمعة وليلة الجمعة: قال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن علي الجعفي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني ، عن أوس بن أوس الثقفي، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي". قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ -يعني: وقد بليت -قال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، من حديث حسين بن علي الجعفي . وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني، والنووي في الأذكار. حديث آخر: قال أبو عبد الله بن ماجه: حدثنا عمرو بن سواد المصري ، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أيمن ، عن عبادة بن نسي، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة؛ فإنه مشهود تشهده الملائكة. وإن أحدا لا يصلي علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها". قال: قلت: وبعد الموت؟ قال: " [وبعد الموت] ، إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" [فنبي الله حي يرزق] . هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفيه انقطاع بين عبادة بن نسي وأبي الدرداء، فإنه لم يدركه ، والله أعلم. وقد روى البيهقي من حديث أبي أمامة وأبي مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بالإكثار من الصلاة عليه ليلة الجمعة ويوم الجمعة ، ولكن في إسنادهما ضعف، والله أعلم. وروي مرسلا عن الحسن البصري، فقال إسماعيل القاضي: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا جرير بن حازم، سمعت الحسن -هو البصري -يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تأكل الأرض جسد من كلمه روح القدس". مرسل حسن . وقال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، أخبرنا صفوان بن سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان يوم الجمعة وليلة الجمعة، فأكثروا الصلاة علي". هذا مرسل . وهكذا يجب على الخطيب أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على المنبر في الخطبتين، ولا تصح الخطبتان إلا بذلك؛ لأنها عبادة، وذكر الله فيها شرط ، فوجب ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم فيها كالأذان والصلاة. هذا مذهب الشافعي وأحمد، رحمهما الله. ومن ذلك: أنه يستحب الصلاة والسلام عليه عند زيارة قبره، صلوات الله وسلامه عليه: قال أبو داود:

قسم V06/P473–V06/P475

حدثنا ابن عوف -هو محمد -حدثنا المقري، حدثنا حيوة، عن أبي صخر حميد بن زياد، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي، حتى أرد عليه السلام". تفرد به أبو داود، وصححه النووي في الأذكار . ثم قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على عبد الله بن نافع، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم". تفرد به أبو داود أيضا . وقد رواه الإمام أحمد عن سريج، عن عبد الله بن نافع -وهو الصائغ -به . وصححه النووي أيضا. وقد روي من وجه آخر عن علي، رضي الله عنه. قال القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتابه "فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم": حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب [عمن أخبره] من أهل بيته، عن علي بن الحسين بن علي: أن رجلا كان يأتي كل غداة فيزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويصلي عليه، ويصنع من ذلك ما اشتهر عليه علي بن الحسين، فقال له علي بن الحسين: ما يحملك على هذا؟ قال: أحب السلام على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال له علي بن الحسين: هل لك أن أحدثك حديثا عن أبي؟ قال: نعم. فقال له علي بن الحسين: أخبرني أبي، عن جدي أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا قبري عيدا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورا، وصلوا علي وسلموا حيثما كنتم فتبلغني صلاتكم وسلامكم". في إسناده رجل مبهم لم يسم وقد روي من وجه آخر مرسلا قال عبد الرزاق في مصنفه، عن الثوري، عن ابن عجلان، عن رجل -يقال له: سهيل -عن الحسن بن الحسن بن علي؛ أنه رأى قوما عند القبر فنهاهم، وقال: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني" . فلعله رآهم يسيئون الأدب برفع أصواتهم [فوق الحاجة] ، فنهاهم. وقد روي أنه رأى رجلا ينتاب القبر فقال: يا هذا، ما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء، أي: الجميع يبلغه، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين. وقال الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا أحمد بن رشدين المصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرني حميد بن أبي زينب، عن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم، عن أبيه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني" . ثم قال الطبراني: حدثنا العباس بن حمدان الأصبهاني، حدثنا شعيب بن عبد الحميد الطحان، أخبرنا يزيد بن هارون عن شيبان، عن الحكم بن عبد الله بن خطاف ، عن أم أنيس بنت الحسن بن علي، عن أبيها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرأيت قول الله، عز وجل: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} ؟ " فقال: "إن هذا هو المكتوم، ولولا أنكم سألتموني عنه لما أخبرتكم، إن الله وكل بي ملكين لا أذكر عند عبد مسلم فيصلي علي إلا قال ذانك الملكان: "غفر الله لك". وقال الله وملائكته جوابا لذينك الملكين: "آمين". ولا يصلي أحد إلا قال ذانك الملكان: "غفر الله لك". ويقول الله وملائكته جوابا لذينك الملكين: "آمين". غريب جدا، وإسناده فيه ضعف شديد وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله ملائكة سياحين في الأرض، يبلغوني من أمتي السلام".

قسم V06/P475–V06/P476

وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري وسليمان بن مهران الأعمش، كلاهما عن عبد الله بن السائب، به فأما الحديث الآخر: "من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي من بعيد بلغته" -ففي إسناده نظر، تفرد به محمد بن مروان السدي الصغير، وهو متروك، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا . قال أصحابنا: ويستحب للمحرم إذا لبى وفرغ من تلبيته أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم: لما روي عن الشافعي والدارقطني من رواية صالح بن محمد بن زائدة، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال: كان يؤمر الرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم على كل حال . وقال إسماعيل القاضي: حدثنا عارم بن الفضل، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا زكريا، عن الشعبي، عن وهب بن الأجدع قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: إذا قدمتم فطوفوا بالبيت سبعا، وصلوا عند المقام ركعتين، ثم ائتوا الصفا فقوموا عليه من حيث ترون البيت، فكبروا سبع تكبيرات، تكبيرا بين حمد لله وثناء عليه، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ومسألة لنفسك، وعلى المروة مثل ذلك . إسناد جيد حسن قوي. وقالوا: ويستحب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مع ذكر الله عند الذبح: واستأنسوا بقوله تعالى: {ورفعنا لك ذكرك} [الشرح: 4] ، قال بعض المفسرين: يقول الله تعالى: "لا أذكر إلا ذكرت معي". وخالفهم في ذلك الجمهور، وقالوا: هذا موطن يفرد فيه ذكر الرب تعالى، كما عند الأكل، والدخول، والوقاع وغير ذلك، مما لم ترد فيه السنة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. حديث آخر: قال إسماعيل القاضي: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا عمر بن هارون، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا على أنبياء الله ورسله؛ فإن الله بعثهم كما بعثني". في إسناده ضعيفان، وهما عمر بن هارون وشيخه ، والله أعلم. وقد رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن موسى بن عبيدة الربذي، به . ومن ذلك: أنه يستحب الصلاة عليه عند طنين الأذن، إن صح الخبر في ذلك، على أن الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة قد رواه في صحيحه فقال: حدثنا زياد بن يحيى، حدثنا معمر بن محمد بن عبيد الله، عن أبيه محمد ، عن أبيه أبي رافع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا طنت أذن أحدكم فليذكرني وليصل علي، وليقل: ذكر الله من ذكرني بخير". إسناده غريب، وفي ثبوته نظر والله أعلم. [وهاهنا مسألة] : وقد استحب أهل الكتابة أن يكرر الكاتب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كلما كتبه، وقد ورد في الحديث من طريق كادح بن رحمة، عن نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى علي في كتاب، لم تزل الصلاة جارية له ما دام اسمي في ذلك الكتاب" . وليس هذا الحديث بصحيح من وجوه كثيرة، وقد روي من حديث أبي هريرة، ولا يصح أيضا ، قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي شيخنا: أحسبه موضوعا. وقد روي نحوه عن أبي بكر، وابن عباس. ولا يصح من ذلك شيء ، والله أعلم. وقد ذكر الخطيب البغدادي في كتابه: "الجامع لآداب الراوي والسامع ، قال: رأيت بخط الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله: كثيرا ما يكتب اسم النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذكر الصلاة عليه كتابة، قال: وبلغني أنه كان يصلي عليه لفظا . [فصل] وأما الصلاة على غير الأنبياء، فإن كانت على سبيل التبعية كما تقدم في الحديث: "اللهم، صل على محمد وآله وأزواجه وذريته"، فهذا جائز بالإجماع، وإنما وقع النزاع فيما إذا أفرد غير الأنبياء بالصلاة عليهم:

قسم V06/P476–V06/P478

فقال قائلون: يجوز ذلك، واحتجوا بقوله: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} ، وبقوله {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} [البقرة: 157] ، وبقوله تعالى {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} [التوبة: 103] ، وبحديث عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صل عليهم". وأتاه أبي بصدقته فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى". أخرجاه في الصحيحين. وبحديث جابر: أن امرأته قالت: يا رسول الله، صل علي وعلى زوجي. فقال: "صلى الله عليك وعلى زوجك" . وقال الجمهور من العلماء: لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة؛ لأن هذا قد صار شعارا للأنبياء إذا ذكروا، فلا يلحق بهم غيرهم، فلا يقال: "قال أبو بكر صلى الله عليه". أو: "قال علي صلى الله عليه". وإن كان المعنى صحيحا، كما لا يقال: "قال محمد، عز وجل"، وإن كان عزيزا جليلا؛ لأن هذا من شعار ذكر الله، عز وجل. وحملوا ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة على الدعاء لهم؛ ولهذا لم يثبت شعارا لآل أبي أوفى، ولا لجابر وامرأته. وهذا مسلك حسن. وقال آخرون: لا يجوز ذلك؛ لأن الصلاة على غير الأنبياء قد صارت من شعار أهل الأهواء، يصلون على من يعتقدون فيهم، فلا يقتدى بهم في ذلك، والله أعلم. ثم اختلف المانعون من ذلك: هل هو من باب التحريم، أو الكراهة التنزيهية، أو خلاف الأولى؟ على ثلاثة أقوال، حكاه الشيخ أبو زكريا النووي في كتاب الأذكار. ثم قال: والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه؛ لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم، والمكروه هو ما ورد فيه نهي مقصود. قال أصحابنا: والمعتمد في ذلك أن الصلاة صارت مخصوصة في اللسان بالأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، كما أن قولنا: "عز وجل"، مخصوص بالله سبحانه وتعالى، فكما لا يقال: "محمد عز وجل"، وإن كان عزيزا جليلا لا يقال: "أبو بكر -أو: علي -صلى الله عليه". هذا لفظه بحروفه. قال: وأما السلام فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: هو في معنى الصلاة، فلا يستعمل في الغائب، ولا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: "علي عليه السلام"، وسواء في هذا الأحياء والأموات، وأما الحاضر فيخاطب به، فيقال: سلام عليكم، أو سلام عليك، أو السلام عليك أو عليكم. وهذا مجمع عليه. انتهى ما ذكره . قلت: وقد غلب هذا في عبارة كثير من النساخ للكتب، أن يفرد علي، رضي الله عنه، بأن يقال: "عليه السلام"، من دون سائر الصحابة، أو: "كرم الله وجهه" وهذا وإن كان معناه صحيحا، لكن ينبغي أن يساوى بين الصحابة في ذلك؛ فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، فالشيخان وأمير المؤمنين عثمان [بن عفان] أولى بذلك منه، رضي الله عنهم أجمعين. قال إسماعيل القاضي: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثني عثمان بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: لا تصح الصلاة على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالمغفرة . وقال أيضا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حسين بن علي، عن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز، رحمه الله: أما بعد، فإن أناسا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن ناسا من القصاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاءك كتابي هذا فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين ودعاؤهم للمسلمين عامة، ويدعوا ما سوى ذلك. أثر حسن .

قسم V06/P478–V06/P480

قال إسماعيل القاضي: حدثنا معاذ بن أسد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا ابن لهيعة، حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نبيه بن وهب؛ أن كعبا دخل على عائشة، رضي الله عنها، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كعب: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم، سبعون ألفا بالليل، وسبعون ألفا بالنهار، حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة يزفونه . [فرع] : قال النووي: إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فليجمع بين الصلاة والتسليم، فلا يقتصر على أحدهما فلا يقول: "صلى الله عليه فقط"، ولا "عليه السلام" فقط، وهذا الذي قاله منتزع من هذه الآية الكريمة، وهي قوله: {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} ، فالأولى أن يقال: صلى الله عليه وسلم تسليما. {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا } يقول تعالى: متهددا ومتوعدا من آذاه، بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره على ذلك، وأذى رسوله بعيب أو تنقص، عياذا بالله من ذلك. قال عكرمة في قوله: {إن الذين يؤذون الله ورسوله} : نزلت في المصورين. وفي الصحيحين، من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله، عز وجل: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب ليله ونهاره" . ومعنى هذا: أن الجاهلية كانوا يقولون: يا خيبة الدهر، فعل بنا كذا وكذا. فيسندون أفعال الله تعالى إلى الدهر، ويسبونه، وإنما الفاعل لذلك هو الله، عز وجل، فنهى عن ذلك. هكذا قرره الشافعي وأبو عبيد وغيرهما من العلماء، رحمهم الله. وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: {يؤذون الله ورسوله} : نزلت في الذين طعنوا [على النبي صلى الله عليه وسلم] في تزويجه صفية بنت حيي بن أخطب. والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء، ومن آذاه فقد آذى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن عبيدة بن أبي رائطة الحذاء التميمي، عن عبد الرحمن [بن زياد] ، عن عبد الله بن المغفل المزني قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه". وقد رواه الترمذي من حديث عبيدة بن أبي رائطة، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن المغفل، به. ثم قال: وهذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقوله: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا} أي: ينسبون إليهم ما هم برآء منه لم يعملوه ولم يفعلوه، {فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} وهذا هو البهت البين أن يحكى أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه، على سبيل العيب والتنقص لهم، ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله ، ثم الرافضة الذين يتنقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم؛ فإن الله، عز وجل، قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم، وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم ويتنقصونهم ، ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدا، فهم في الحقيقة منكوسو القلوب يذمون الممدوحين، ويمدحون المذمومين. وقال أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن محمد -عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنه قيل: يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال: "ذكرك أخاك بما يكره". قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته".

قسم V06/P480–V06/P481

وهكذا رواه الترمذي، عن قتيبة، عن الدراوردي، به. قال: حسن صحيح . وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن عمار بن أنس، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "أي الربا أربى عند الله؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم"، ثم قرأ: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} . {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا } . يقول تعالى آمرا رسوله، صلى الله عليه وسلم تسليما، أن يأمر النساء المؤمنات -خاصة أزواجه وبناته لشرفهن -بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء. والجلباب هو: الرداء فوق الخمار. قاله ابن مسعود، وعبيدة، وقتادة، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وعطاء الخراساني، وغير واحد. وهو بمنزلة الإزار اليوم. قاله الجوهري: الجلباب: الملحفة، قالت امرأة من هذيل ترثي قتيلا لها: تمشي النسور إليه وهي لاهية مشي العذارى عليهن الجلابيب قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة. وقال محمد بن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن قول الله تعالى: {يدنين عليهن من جلابيبهن} ، فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى. وقال عكرمة: تغطي ثغرة نحرها بجلبابها تدنيه عليها. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو عبد الله الظهراني فيما كتب إلي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن خثيم، عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية: {يدنين عليهن من جلابيبهن} ، خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها . وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثني الليث، حدثنا يونس بن يزيد قال: وسألناه يعني: الزهري -: هل على الوليدة خمار متزوجة أو غير متزوجة؟ قال: عليها الخمار إن كانت متزوجة، وتنهى عن الجلباب لأنه يكره لهن أن يتشبهن بالحرائر إلا محصنات . وقد قال الله تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} . وروي عن سفيان الثوري أنه قال: لا بأس بالنظر إلى زينة نساء أهل الذمة، إنما ينهى عن ذلك لخوف الفتنة؛ لا لحرمتهن، واستدل بقوله تعالى: {ونساء المؤمنين} . وقوله: {ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} أي: إذا فعلن ذلك عرفن أنهن حرائر، لسن بإماء ولا عواهر، قال السدي في قوله تعالى: { [يا أيها النبي] قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} قال: كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طرق المدينة، يتعرضون للنساء، وكانت مساكن أهل المدينة ضيقة، فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطرق يقضين حاجتهن، فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهن، فإذا رأوا امرأة عليها جلباب قالوا: هذه حرة، كفوا عنها. وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب، قالوا: هذه أمة. فوثبوا إليها . وقال مجاهد: يتجلببن فيعلم أنهن حرائر، فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة. وقوله: {وكان الله غفورا رحيما} أي: لما سلف في أيام الجاهلية حيث لم يكن عندهن علم بذلك.

قسم V06/P481–V06/P483

ثم قال تعالى متوعدا للمنافقين، وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر: {والذين في قلوبهم مرض} قال عكرمة وغيره: هم الزناة هاهنا {والمرجفون في المدينة} يعني: الذين يقولون: "جاء الأعداء" و"جاءت الحروب"، وهو كذب وافتراء، لئن لم ينتهوا عن ذلك ويرجعوا إلى الحق {لنغرينك بهم} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي: لنسلطنك عليهم. وقال قتادة، رحمه الله: لنحرشنك بهم. وقال السدي: لنعلمنك بهم. {ثم لا يجاورونك فيها} أي: في المدينة {إلا قليلا ملعونين} حال منهم في مدة إقامتهم في المدينة مدة قريبة مطرودين مبعدين، {أينما ثقفوا} أي: وجدوا، {أخذوا} لذلتهم وقلتهم، {وقتلوا تقتيلا} . ثم قال: {سنة الله في الذين خلوا من قبل} أي: هذه سنته في المنافقين إذا تمردوا على نفاقهم وكفرهم ولم يرجعوا عما هم فيه، أن أهل الإيمان يسلطون عليهم ويقهرونهم، {ولن تجد لسنة الله تبديلا} أي: وسنة الله في ذلك لا تبدل ولا تغير. {يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا } . يقول تعالى مخبرا لرسوله صلى الله عليه وسلم: أنه لا علم له بالساعة، وإن سأله الناس عن ذلك. وأرشده أن يرد علمها إلى الله، عز وجل، كما قال له في سورة "الأعراف"، وهي مكية وهذه مدنية، فاستمر الحال في رد علمها إلى الذي يقيمها، لكن أخبره أنها قريبة بقوله: {وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا} ، كما قال: {اقتربت الساعة وانشق القمر} [القمر: 1] ، وقال {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون} [الأنبياء: 1] ، وقال {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} [النحل: 1] . ثم قال: {إن الله لعن الكافرين} أي: أبعدهم عن رحمته {وأعد لهم سعيرا} أي: في الدار الآخرة. {خالدين فيها أبدا} أي: ماكثين مستمرين، فلا خروج لهم منها ولا زوال لهم عنها، {لا يجدون وليا ولا نصيرا} أي: وليس لهم مغيث ولا معين ينقذهم مما هم فيه. ثم قال: {يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا} أي: يسحبون في النار على وجوههم، وتلوى وجوههم على جهنم، يقولون وهم كذلك، يتمنون أن لو كانوا في الدار الدنيا ممن أطاع الله وأطاع الرسول، كما أخبر الله عنهم في حال العرصات بقوله: {ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا. يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا} [الفرقان: 27-29] ، وقال تعالى: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] ، وهكذا أخبر عنهم في حالتهم هذه أنهم يودون أن لو كانوا أطاعوا الله، وأطاعوا الرسول في الدنيا. {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} . وقال طاوس: سادتنا: يعني الأشراف، وكبراءنا: يعني العلماء. رواه ابن أبي حاتم. أي: اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء من المشيخة، وخالفنا الرسل واعتقدنا أن عندهم شيئا، وأنهم على شيء فإذا هم ليسوا على شيء. {ربنا آتهم ضعفين من العذاب} أي: بكفرهم وإغوائهم إيانا، {والعنهم لعنا كبيرا} . قرأ بعض القراء بالباء الموحدة. وقرأ آخرون بالثاء المثلثة، وهما قريبا المعنى، كما في حديث عبد الله بن عمرو: أن أبا بكر قال: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: "قل: اللهم، إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم". أخرجاه في الصحيحين ، يروى "كبيرا" و"كثيرا"، وكلاهما بمعنى صحيح. واستحب بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه، وفي ذلك نظر، بل الأولى أن يقول هذا تارة، وهذا تارة، كما أن القارئ مخير بين القراءتين أيتهما قرأ فحسن، وليس له الجمع بينهما، والله أعلم.

قسم V06/P483–V06/P484

وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا ضرار بن صرد، حدثنا علي بن هاشم، عن [محمد بن] عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه ، في تسمية من شهد مع علي، رضي الله عنه: الحجاج بن عمرو بن غزية، وهو الذي كان يقول عند اللقاء: يا معشر الأنصار، أتريدون أن تقولوا لربنا إذا لقيناه: {ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا} ؟ . {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها } . قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا عوف، عن الحسن [ومحمد] وخلاس، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن موسى كان رجلا حييا، وذلك قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها} . هكذا أورد هذا الحديث هاهنا مختصرا جدا، وقد رواه في أحاديث "الأنبياء" بهذا السند بعينه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن موسى، عليه السلام، كان رجلا حييا ستيرا، لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أدرة وإما آفة، وإن الله، عز وجل، أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى عليه السلام، فخلا يوما وحده، فخلع ثيابه على حجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله، عز وجل، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربا بعصاه، فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا -قال: فذلك قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها} . وهذا سياق حسن مطول، وهذا الحديث من أفراد البخاري دون مسلم وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا عوف، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم -وخلاس، ومحمد، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا} قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن موسى كان رجلا حييا ستيرا، لا يكاد يرى من جلده شيء استحياء منه" . ثم ساق الحديث كما رواه البخاري مطولا ورواه في تفسيره . عن روح، عن عوف، به. ورواه ابن جرير من حديث الثوري، عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو هذا . وهكذا رواه من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، وعبد الله بن الحارث، عن ابن عباس في قوله: {لا تكونوا كالذين آذوا موسى} قال: قال قومه له: إنك آدر. فخرج ذات يوم يغتسل، فوضع ثيابه على صخرة، فخرجت الصخرة تشتد بثيابه، وخرج يتبعها عريانا حتى انتهت به مجالس بني إسرائيل، قال: فرأوه ليس بآدر، فذلك قوله: {فبرأه الله مما قالوا} . وهكذا رواه العوفي، عن ابن عباس سواء.

قسم V06/P484–V06/P486

وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا روح بن حاتم وأحمد بن المعلى الآدمي قالا حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان موسى، عليه السلام، رجلا حييا، وإنه أتى -أحسبه قال: الماء -ليغتسل، فوضع ثيابه على صخرة، وكان لا يكاد تبدو عورته، فقال بنو إسرائيل: إن موسى آدر -أو: به آفة، يعنون: أنه لا يضع ثيابه - فاحتملت الصخرة ثيابه حتى صارت بحذاء مجالس بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى كأحسن الرجال، أو كما قال، فذلك قوله: {فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها} . وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، حدثنا الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم، في قوله: {فبرأه الله مما قالوا} قال: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، عليه السلام، فقال بنو إسرائيل لموسى، عليه السلام: أنت قتلته، كان ألين لنا منك وأشد حياء. فآذوه من ذلك، فأمر الله الملائكة فحملته، فمروا به على مجالس بني إسرائيل، فتكلمت بموته، فما عرف موضع قبره إلا الرخم، وإن الله جعله أصم أبكم. وهكذا رواه ابن جرير، عن علي بن موسى الطوسي، عن عباد بن العوام، به . ثم قال: وجائز أن يكون هذا هو المراد بالأذى، وجائز أن يكون الأول هو المراد، فلا قول أولى من قول الله، عز وجل. قلت: يحتمل أن يكون الكل مرادا، وأن يكون معه غيره، والله أعلم. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قسما، فقال رجل من الأنصار: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله. قال: فقلت: يا عدو الله، أما لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت. قال: فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فاحمر وجهه، ثم قال: "رحمة الله على موسى، فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر". أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش، به . طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، سمعت إسرائيل بن يونس، عن الوليد بن أبي هاشم -مولى الهمداني، عن زيد بن زائد، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا [سليم الصدر] " . فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مال فقسمه، قال: فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه: والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة. قال: فتثبت حتى سمعت ما قالا ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إنك قلت لنا: "لا يبلغني أحد عن أصحابي شيئا"، وإني مررت بفلان وفلان، وهما يقولان كذا وكذا. فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وشق عليه، ثم قال: "دعنا منك، لقد أوذي موسى بأكثر من هذا، فصبر" . وقد رواه أبو داود في الأدب، عن محمد [بن يحيى الذهلي، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن إسرائيل عن الوليد] بن أبي هاشم به مختصرا: "لا يبلغني أحد [من أصحابي] عن أحد شيئا؛ إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر" وكذا رواه الترمذي في "المناقب"، عن الذهلي سواء، إلا أنه قال: "زيد بن زائدة". ورواه أيضا عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن محمد، عن عبيد الله بن موسى وحسين بن محمد كلاهما عن إسرائيل، عن السدي، عن الوليد بن أبي هاشم، به مختصرا أيضا، فزاد في إسناده السدي، ثم قال: غريب من هذا الوجه . وقوله: {وكان عند الله وجيها} أي: له وجاهة وجاه عند ربه، عز وجل. قال الحسن البصري: كان مستجاب الدعوة عند الله. وقال غيره من السلف: لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه. ولكن منع الرؤية لما يشاء الله، عز وجل.

قسم V06/P486–V06/P488

وقال بعضهم: من وجاهته العظيمة [عند الله] : أنه شفع في أخيه هارون أن يرسله الله معه، فأجاب الله سؤاله، وقال: {ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا} [مريم: 53] . {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما } يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بتقواه، وأن يعبدوه عبادة من كأنه يراه، وأن يقولوا {قولا سديدا} أي: مستقيما لا اعوجاج فيه ولا انحراف. ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك، أثابهم عليه بأن يصلح لهم أعمالهم، أي: يوفقهم للأعمال الصالحة، وأن يغفر لهم الذنوب الماضية. وما قد يقع منهم في المستقبل يلهمهم التوبة منها. ثم قال: {ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} : وذلك أنه يجار من النار، ويصير إلى النعيم المقيم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عون، حدثنا خالد، عن ليث، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر، فلما انصرف أومأ إلينا بيده فجلسنا، فقال: "إن الله أمرني أن آمركم، أن تتقوا الله وتقولوا قولا سديدا". ثم أتى النساء فقال: "إن الله أمرني أن آمركن: أن تتقين الله وتقلن قولا سديدا" . وقال ابن أبي الدنيا في كتاب "التقوى": حدثنا محمد بن عباد بن موسى، حدثنا عبد العزيز بن عمران الزهري، حدثنا عيسى بن سمرة، عن هشام بن عروة، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر إلا سمعته يقول: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} الآية. غريب جدا. وروى من حديث عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس موقوفا ، من سره أن يكون أكرم الناس، فليتق الله. قال عكرمة: القول السديد: لا إله إلا الله. وقال غيره: السديد: الصدق. وقال مجاهد: هو السداد. وقال غيره: هو الصواب. والكل حق. {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما } قال العوفي، عن ابن عباس: يعني بالأمانة: الطاعة، وعرضها عليهم قبل أن يعرضها على آدم، فلم يطقنها ، فقال لآدم: إني قد عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم يطقنها ، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب، وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. فأخذها آدم فتحملها، فذلك قوله: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} . وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، الأمانة: الفرائض، عرضها الله على السموات والأرض والجبال، إن أدوها أثابهم. وإن ضيعوها عذبهم ، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيما لدين الله ألا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها، وهو قوله: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} يعني: غرا بأمر الله. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} قال: عرضت على آدم فقال: خذها بما فيها، فإن أطعت غفرت لك، وإن عصيت عذبتك. قال: قبلت، فما كان إلا قدر ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم، حتى أصاب الخطيئة. وقد روى الضحاك، عن ابن عباس، قريبا من هذا. وفيه نظر وانقطاع بين الضحاك وبينه، والله أعلم. وهكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، والحسن البصري، وغير واحد: [ألا] إن الأمانة هي الفرائض. وقال آخرون: هي الطاعة. وقال الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق [قال] : قال أبي بن كعب: من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها. وقال قتادة: الأمانة: الدين والفرائض والحدود. وقال بعضهم: الغسل من الجنابة.

قسم V06/P488–V06/P489

وقال مالك، عن زيد بن أسلم قال: الأمانة ثلاثة: الصلاة، والصوم، والاغتسال من الجنابة. وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه، إلا من وفق الله، وبالله المستعان. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة [البصري] ، حدثنا حماد بن واقد -يعني: أبا عمر الصفار -سمعت أبا معمر -يعني: عون بن معمر -يحدث عن الحسن -يعني: البصري -أنه تلا هذه الآية: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال} قال: عرضها على السبع الطباق الطرائق التي زينت بالنجوم، وحملة العرش العظيم، فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. قالت: لا. ثم عرضها على الأرضين السبع الشداد، التي شدت بالأوتاد، وذللت بالمهاد، قال: فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. قالت: لا. ثم عرضها على الجبال الشم الشوامخ الصعاب الصلاب، قال: قيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. قالت: لا. وقال مقاتل بن حيان: إن الله حين خلق خلقه، جمع بين الإنس والجن، والسموات والأرض والجبال، فبدأ بالسموات فعرض عليهن الأمانة وهي الطاعة، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة، ولكن على الفضل والكرامة والثواب في الجنة ... ؟ فقلن: يا رب، إنا لا نستطيع هذا الأمر، وليست بنا قوة، ولكنا لك مطيعين. ثم عرض الأمانة على الأرضين، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة وتقبلنها مني، وأعطيكن الفضل والكرامة ؟ فقلن: لا صبر لنا على هذا يا رب ولا نطيق، ولكنا لك سامعين مطيعين، لا نعصيك في شيء تأمرنا به. ثم قرب آدم فقال له: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال عند ذلك آدم: ما لي عندك؟ قال: يا آدم، إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة، فلك عندي الكرامة والفضل وحسن الثواب في الجنة. وإن عصيت ولم ترعها حق رعايتها وأسأت، فإني معذبك ومعاقبك وأنزلك النار. قال: رضيت [يا] رب. وتحملها ، فقال الله عز وجل: قد حملتكها. فذلك قوله: {وحملها الإنسان} . رواه ابن أبي حاتم. وعن مجاهد أنه قال: عرضها على السموات فقالت: يا رب، حملتني الكواكب وسكان السماء وما ذكر، وما أريد ثوابا ولا أحمل فريضة. قال: وعرضها على الأرض فقالت: يا رب، غرست في الأشجار، وأجريت في الأنهار وسكان الأرض وما ذكر، وما أريد ثوابا ولا أحمل فريضة. وقالت الجبال مثل ذلك، قال الله تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} في عاقبة أمره. وهكذا قال ابن جريج. وعن ابن أشوع أنه قال: لما عرض الله عليهن حمل الأمانة، ضججن إلى الله ثلاثة أيام ولياليهن، وقلن: ربنا. لا طاقة لنا بالعمل، ولا نريد الثواب. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء الموصلي، حدثنا أبي، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم في هذه الآية: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال} [الآية] ، فقال الإنسان: بين أذني وعاتقي فقال الله تعالى : إني معينك عليها، أي: معينك على عينيك بطبقتين، فإذا نازعاك إلى ما أكره فأطبق. ومعينك على لسانك بطبقتين، فإذا نازعك إلى ما أكره فأطبق. ومعينك على فرجك بلباس، فلا تكشفه إلى ما أكره. ثم روي عن أبي حازم نحو هذا.

قسم V06/P489–V06/P491

وقال ابن جرير: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله، عز وجل: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} قال: إن الله عرض عليهن الأمانة أن يفترض عليهن الدين، ويجعل لهن ثوابا وعقابا، ويستأمنهن على الدين. فقلن: لا نحن مسخرات لأمرك، لا نريد ثوابا ولا عقابا. قال : وعرضها الله على آدم فقال: بين أذني وعاتقي. قال ابن زيد: فقال الله تعالى له: أما إذ تحملت هذا فسأعينك، أجعل لبصرك حجابا، فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك فأرخ عليه حجابه، وأجعل للسانك بابا وغلقا، فإذا خشيت فأغلق، وأجعل لفرجك لباسا فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك. وقال ابن جرير: حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية، حدثنا عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير -وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم -قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء، فأرسلوا به، فمنهم رسول الله، ومنهم نبي، ومنهم نبي رسول، ونزل القرآن وهو كلام الله، ونزلت العربية والعجمية، فعلموا أمر القرآن وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولم يدع الله شيئا من أمره مما يأتون وما يجتنبون وهي الحجج عليهم، إلا بينه لهم. فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن والقبيح، ثم الأمانة أول شيء يرفع ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم وتبقى الكتب ، فعالم يعمل، وجاهل يعرفها وينكرها ولا يحملها، حتى وصل إلي وإلى أمتي، ولا يهلك على الله إلا هالك، ولا يغفله إلا تارك. فالحذر أيها الناس، وإياكم والوسواس الخناس، فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملا . هذا حديث غريب جدا، وله شواهد من وجوه أخرى. ثم قال ابن جرير: حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبد الله بن عبد المجيد الحنفي، أخبرنا أبو العوام القطان، حدثنا قتادة، وأبان بن أبي عياش ، عن خليد العصري ، عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها -وكان يقول، وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن -[وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إلى ذلك سبيلا] ، وأدى الأمانة". قالوا: يا أبا الدرداء، وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة، فإن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره. وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحمن العنبري، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن أبي العوام عمران بن داور القطان، به . وقال ابن جرير أيضا: حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها -أو قال: يكفر كل شيء -إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أد أمانتك. فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أد أمانتك. فيقول: أنى يا رب، وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أد أمانتك. فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول: اذهبوا به إلى أمه الهاوية. فيذهب به إلى الهاوية، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها، فيجدها هنالك كهيئتها، فيحملها فيضعها على عاتقه، فيصعد بها إلى شفير جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج زلت فهوى في أثرها أبد الآبدين". وقال: والأمانة في الصوم، والأمانة في الوضوء، والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع. فلقيت البراء فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك عبد الله؟ فقال: صدق. قال شريك: وحدثنا عياش العامري، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. ولم يذكر: "الأمانة في الصلاة وفي كل شيء" . إسناده جيد، ولم يخرجوه.

قسم V06/P491–V06/P493

ومما يتعلق بالأمانة الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا "أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة". ثم حدثنا عن رفع الأمانة، فقال: "ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر [الوكت، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر] المجل كجمر دحرجته [على رجلك، تراه منتبرا وليس فيه شيء". قال: ثم أخذ حصى فدحرجه] على رجله، قال: "فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلا أمينا، حتى يقال للرجل: ما أجلده وأظرفه وأعقله. وما في قلبه حبة من خردل من إيمان. ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، إن كان مسلما ليردنه علي دينه، وإن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه علي ساعيه، فأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانا وفلانا". وأخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش، به . وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة". هكذا رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص . وقد قال الطبراني في مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب: حدثني يحيى بن أيوب العلاف المصري ، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن ابن حجيرة، عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة". فزاد في الإسناد: "ابن حجيرة"، وجعله من مسند ابن عمر . وقد ورد النهي عن الحلف بالأمانة، قال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد : حدثنا شريك، عن أبي إسحاق الشيباني، عن خناس بن سحيم -أو قال: جبلة بن سحيم -قال: أقبلت مع زياد بن حدير من الجابية فقلت في كلامي: لا والأمانة. فجعل زياد يبكي ويبكي، فظننت أني أتيت أمرا عظيما، فقلت له: أكان يكره هذا؟ قال: نعم. كان عمر بن الخطاب ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي . وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف بالأمانة فليس منا"، تفرد به أبو داود، رحمه الله . وقوله تعالى: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} أي: إنما حمل ابن آدم الأمانة وهي التكاليف ليعذب الله المنافقين منهم والمنافقات، وهم الذين يظهرون الإيمان خوفا من أهله ويبطنون الكفر متابعة لأهله، {والمشركين والمشركات} ، وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك بالله، عز وجل، ومخالفة رسله، {ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} أي: وليرحم المؤمنين من الخلق الذين آمنوا بالله، وملائكته وكتبه ورسله العاملين بطاعته {وكان الله غفورا رحيما} . [آخر تفسير سورة "الأحزاب"] تفسير سورة سبأ وهي مكية. بسم الله الرحمن الرحيم {الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور } .

قسم V06/P493–V06/P494

يخبر تعالى عن نفسه الكريمة: أن له الحمد المطلق في الدنيا والآخرة؛ لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة، المالك لجميع ذلك، الحاكم في جميع ذلك، كما قال: {وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون} [القصص: 70] ؛ ولهذا قال هاهنا: {الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض} أي: الجميع ملكه وعبيده وتحت قهره وتصرفه، كما قال: {وإن لنا للآخرة والأولى} [الليل: 13] . ثم قال: {وله الحمد في الآخرة} ، فهو المعبود أبدا، المحمود على طول المدى. وقال: {وهو الحكيم} أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، {الخبير} الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه شيء. وقال مالك عن الزهري: خبير بخلقه، حكيم بأمره؛ ولهذا قال: {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها} أي: يعلم عدد القطر النازل في أجزاء الأرض، والحب المبذور والكامن فيها، ويعلم ما يخرج من ذلك: عدده وكيفيته وصفاته، {وما ينزل من السماء} أي: من قطر ورزق، {وما يعرج فيها} أي: من الأعمال الصالحة وغير ذلك، {وهو الرحيم الغفور} أي: الرحيم بعباده فلا يعاجل عصاتهم بالعقوبة، الغفور عن ذنوب [عباده] التائبين إليه المتوكلين عليه. {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد } . هذه إحدى الآيات الثلاث التي لا رابع لهن، مما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد، فإحداهن في سورة يونس: {ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين} [يونس:53] ، والثانية هذه: {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم} ، والثالثة في التغابن: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير} [التغابن:7] ، فقوله: {قل بلى وربي لتأتينكم} ، ثم وصفه بما يؤكد ذلك ويقرره: {عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} . قال مجاهد وقتادة: {لا يعزب عنه} لا يغيب عنه، أي: الجميع مندرج تحت علمه فلا يخفى عليه منه شيء، فالعظام وإن تلاشت وتفرقت وتمزقت، فهو عالم أين ذهبت وأين تفرقت، ثم يعيدها كما بدأها أول مرة، فإنه بكل شيء عليم. ثم بين حكمته في إعادة الأبدان وقيام الساعة بقوله: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم والذين سعوا في آياتنا معاجزين} أي: سعوا في الصد عن سبيل الله وتكذيب رسله، {أولئك لهم عذاب من رجز أليم} أي: لينعم السعداء من المؤمنين، ويعذب الأشقياء من الكافرين، كما قال: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} [الحشر: 20] ، وقال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار}

الأسئلة