İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
قال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن محمد بن هارون بن عزرة حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه كان يقول إذا طلق الرجل امرأة قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحل له أمها، أنه قال: إنها مبهمة، فكرهها. ثم قال: وروي عن ابن مسعود، وعمران بن حصين، ومسروق، وطاوس، وعكرمة، وعطاء، والحسن، ومكحول، وابن سيرين، وقتادة، والزهري نحو ذلك. وهذا مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، وجمهور الفقهاء قديما وحديثا، ولله الحمد والمنة. قال ابن جرير: والصواب، أعني قول من قال: "الأم من المبهمات"؛ لأن الله لم يشرط معهن الدخول كما شرط ذلك مع أمهات الربائب، مع أن ذلك أيضا إجماع من الحجة التي لا يجوز خلافها فيما جاءت به متفقة عليه. وقد روي بذلك أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر، غير أن في إسناده نظرا، وهو ما حدثني به المثنى، حدثنا حبان بن موسى، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده عن النبي صلىالله عليه وسلم قال: إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها، دخل بالبنت أو لم يدخل، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها، فإن شاء تزوج الابنة . ثم قال: وهذا الخبر، وإن كان في إسناده ما فيه، فإن في إجماع الحجة على صحة القول به مستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره. وأما قوله: {وربائبكم اللاتي في حجوركم} فجمهور الأئمة على أن الربيبة حرام سواء كانت في حجر الرجل أو لم تكن في حجره، قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له كقوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا} [النور: 33] وفي الصحيحين أن أم حبيبة قالت: يا رسول الله، انكح أختي بنت أبي سفيان -وفي لفظ لمسلم: عزة بنت أبي سفيان-قال: "أو تحبين ذلك؟ " قالت: نعم، لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي. قال: "فإن ذلك لا يحل لي". قالت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال بنت أم سلمة؟ " قالت نعم. قال: إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لبنت أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن". وفي رواية للبخاري: "إني لو لم أتزوج أم سلمة ما حلت لي" . فجعل المناط في التحريم مجرد تزويجه أم سلمة وحكم بالتحريم لذلك، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وجمهور الخلف والسلف. وقد قيل بأنه لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجر الرجل، فإذا لم يكن كذلك فلا تحرم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا هشام -يعني ابن يوسف-عن ابن جريج، حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان قال: كانت عندي امرأة فتوفيت، وقد ولدت لي، فوجدت عليها، فلقيني علي بن أبي طالب فقال: مالك؟ فقلت: توفيت المرأة. فقال علي: لها ابنة؟ قلت: نعم، وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا هي بالطائف قال: فانكحها. قلت: فأين قول الله [عز وجل] {وربائبكم اللاتي في حجوركم} قال: إنها لم تكن في حجرك، إنما ذلك إذا كانت في حجرك. هذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب، على شرط مسلم، وهو قول غريب جدا، وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه. وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك، رحمه الله، واختاره ابن حزم، وحكى لي شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي أنه عرض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية، رحمه الله، فاستشكله، وتوقف في ذلك، والله أعلم . وقال ابن المنذر: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا الأثرم، عن أبي عبيدة قوله: {اللاتي في حجوركم} قال: في بيوتكم.
وأما الربيبة في ملك اليمين فقد قال الإمام مالك بن أنس، عن ابن شهاب: أن عمر بن الخطاب سئل عن المرأة وبنتها من ملك اليمين توطأ إحداهما بعد الأخرى؟ فقال عمر: ما أحب أن أخبرهما جميعا. يريد أن أطأهما جميعا بملك يميني. وهذا منقطع. وقال سنيد بن داود في تفسيره: حدثنا أبو الأحوص، عن طارق بن عبد الرحمن عن قيس قال: قلت لابن عباس: أيقع الرجل على امرأة وابنتها مملوكين له؟ فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله. قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر، رحمه الله: لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وابنتها من ملك اليمين، لأن الله حرم ذلك في النكاح، قال: {وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم} وملك اليمين هم تبع للنكاح، إلا ما روي عن عمر وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم. وروى هشام عن قتادة: بنت الربيبة وبنت ابنتها لا تصلح وإن كانت أسفل ببطون كثيرة. وكذا قال قتادة عن أبي العالية. ومعنى قوله تعالى: {اللاتي دخلتم بهن} أي: نكحتموهن. قاله ابن عباس وغير واحد. وقال ابن جريج عن عطاء: هو أن تهدى إليه فيكشف ويفتش ويجلس بين رجليها. قلت: أرأيت إن فعل ذلك في بيت أهلها. قال: هو سواء، وحسبه قد حرم ذلك عليه ابنتها. وقال ابن جرير: وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأته لا يحرم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها أو قبل النظر إلى فرجها بشهوة، ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع. وقوله: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} أي: وحرمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم، يحترز بذلك عن الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية، كما قال تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم [إذا قضوا منهن وطرا] } الآية [الأحزاب: 37] . وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} قال: كنا نحدث، والله أعلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نكح امرأة زيد، قال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله [عز وجل] {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} ونزلت: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} [الأحزاب: 4] . ونزلت: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} [الأحزاب: 40] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا الجرح بن الحارث، عن الأشعث، عن الحسن بن محمد أن هؤلاء الآيات مبهمات: {وحلائل أبنائكم} {أمهات نسائكم} ثم قال: وروي عن طاوس وإبراهيم والزهري ومكحول نحو ذلك. قلت: معنى مبهمات: أي عامة في المدخول بها وغير المدخول، فتحرم بمجرد العقد عليها، وهذا متفق عليه. فإن قيل: فمن أين تحرم امرأة ابنه من الرضاعة، كما هو قول الجمهور، ومن الناس من يحكيه إجماعا وليس من صلبه؟ فالجواب من قوله صلى الله عليه وسلم: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب". وقوله: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف [إن الله كان غفورا رحيما] } أي: وحرم عليكم الجمع بين الأختين معا في التزويج، وكذا في ملك اليمين إلا ما كان منكم في جاهليتكم فقد عفونا عن ذلك وغفرناه. فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل ولا استثناء فيما سلف، كما قال: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} [الدخان:56] فدل على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدا. وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديما وحديثا على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح، ومن أسلم وتحته أختان خير، فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة. قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا موسى بن داود حدثنا ابن لهيعة عن أبي وهب الجيشاني عن الضحاك بن فيروز، عن أبيه قال: أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أطلق إحداهما .
ثم رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، من حديث ابن لهيعة. وأخرجه أبو داود والترمذي أيضا من حديث يزيد بن أبي حبيب، كلاهما عن أبي وهب الجيشاني. قال الترمذي: واسمه ديلم بن الهوشع، عن الضحاك بن فيروز الديلمي، عن أبيه، به وفي لفظ للترمذي: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اختر أيتهما شئت". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن . وقد رواه ابن ماجه أيضا بإسناد آخر فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبي وهب الجيشاني عن أبي خراش الرعيني قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي أختان تزوجتهما في الجاهلية، فقال: "إذا رجعت فطلق إحداهما " . قلت: فيحتمل أن أبا خراش هذا هو الضحاك بن فيروز، ويحتمل أن يكون غيره، فيكون أبو وهب قد رواه عن اثنين، عن فيروز الديلمي، والله أعلم. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا أحمد بن يحيى الخولاني حدثنا هيثم بن خارجة، حدثنا يحيى بن إسحاق، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن رزيق بن حكيم، عن كثير بن مرة، عن الديلمي قال: قلت: يا رسول الله، إن تحتي أختين؟ قال: "طلق أيهما شئت" . فالديلمي المذكور أولا هو الضحاك بن فيروز الديلمي [رضي الله عنه] قال أبو زرعة الدمشقي: كان يصحب عبد الملك بن مروان، والثاني هو أبو فيروز الديلمي، رضي الله عنه، وكان من جملة الأمراء باليمن الذين ولوا قتل الأسود العنسي المتنبئ لعنه الله. وأما الجمع بين الأختين في ملك اليمين فحرام أيضا لعموم الآية، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عبد الله بن أبي عنبة -أو عتبة عن ابن مسعود: أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين، فكرهه، فقال له-يعني السائل-: يقول الله عز وجل: {إلا ما ملكت أيمانكم} فقال له ابن مسعود: وبعيرك مما ملكت يمينك. وهذا هو المشهور عن الجمهور والأئمة الأربعة وغيرهم، وإن كان بعض السلف قد توقف في ذلك. قال الإمام مالك، عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب: أن رجلا سأل عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين، هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك، فخرج من عنده فلقي رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن ذلك فقال: لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا. قال مالك: قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب: قال: وبلغني عن الزبير بن العوام مثل ذلك. قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري، رحمه الله، في كتابه "الاستذكار": إنما كنى قبيصة بن ذؤيب عن علي بن أبي طالب، لصحبته عبد الملك بن مروان، وكانوا يستثقلون ذكر علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. ثم قال أبو عمر، رحمه الله: حدثني خلف بن أحمد، رحمه الله، قراءة عليه: أن خلف بن مطرف حدثهم: حدثنا أيوب بن سليمان وسعيد بن سليمان ومحمد بن عمر بن لبابة قالوا: حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري عن موسى بن أيوب الغافقي، حدثني عمي إياس بن عامر قال: سألت علي بن أبي طالب [رضي الله عنه] فقلت: إن لي أختين مما ملكت يميني، اتخذت إحداهما سرية فولدت لي أولادا، ثم رغبت في الأخرى، فما أصنع؟ فقال علي، رضي الله عنه: تعتق التي كنت تطأ ثم تطأ الأخرى. قلت: فإن ناسا يقولون: بل تزوجها ثم تطأ الأخرى. فقال علي: أرأيت إن طلقها زوجها أو مات عنها أليس ترجع إليك؟ لأن تعتقها أسلم لك. ثم أخذ علي بيدي فقال لي: إنه يحرم عليك ما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله عز وجل من الحرائر إلا العدد -أو قال: إلا الأربع-ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب.
ثم قال أبو عمر: هذا الحديث رحلة لو لم يصب الرجل من أقصى المشرق أو المغرب إلى مكة غيره لما خابت رحلته . قلت: وقد روي عن علي نحو ما تقدم عن عثمان، وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن العباس، حدثني محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي حدثنا عبد الرحمن بن غزوان، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال لي علي بن أبي طالب: حرمتهما آية وأحلتهما آية -يعني الأختين-قال ابن عباس: يحرمهن علي قرابتي منهن، ولا يحرمهن على قرابة بعضهن من بعض -يعني الإماء-وكانت الجاهلية يحرمون ما تحرمون إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فلما جاء الإسلام أنزل الله [عز وجل] {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} يعني: في النكاح. ثم قال أبو عمر: روى الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا محمد بن سلمة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود قال: يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد. وعن ابن سيرين والشعبي مثل ذلك. قال أبو عمر، رحمه الله: وقد روي مثل قول عثمان عن طائفة من السلف، منهم: ابن عباس، ولكنهم اختلف عليهم، ولم يلتفت إلى ذلك أحد من فقهاء الأمصار والحجاز ولا بالعراق ولا ما وراءهما من المشرق ولا بالشام ولا المغرب، إلا من شذ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي القياس، وقد ترك من يعمل ذلك ما اجتمعنا عليه، وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، كما لا يحل ذلك في النكاح. وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله [تعالى] {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم [وعماتكم وخالاتكم] } إلى آخر الآية: أن النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء، فكذلك يجب أن يكون نظرا وقياسا الجمع بين الأختين وأمهات النساء والربائب. وكذلك هو عند جمهورهم، وهم الحجة المحجوج بها من خالفها وشذ عنها، والله المحمود . وقوله [تعالى] {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} أي: وحرم عليكم الأجنبيات المحصنات وهي المزوجات {إلا ما ملكت أيمانكم} يعني: إلا ما ملكتموهن بالسبي، فإنه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن، فإن الآية نزلت في ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان -هو الثوري-عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا نساء من سبي أوطاس، ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت هذه الآية: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [قال] فاستحللنا فروجهن. وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع، عن هشيم، ورواه النسائي من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، ثلاثتهم عن عثمان البتي، ورواه ابن جرير من حديث أشعث بن سواري عن عثمان البتي، ورواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة عن قتادة، كلاهما عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم، عن أبي سعيد الخدري، فذكره، وهكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة عن أبي الخليل، عن أبي سعيد، به . وقد روي من وجه آخر عن أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد قال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي علقمة، عن أبي سعيد الخدري؛ أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابوا سبايا يوم أوطاس، لهن أزواج من أهل الشرك، فكأن أناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفوا وتأثموا من غشيانهن قال: فنزلت هذه الآية في ذلك: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم}
وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث سعيد بن أبي عروبة -زاد مسلم: وشعبة-ورواه الترمذي من حديث همام بن يحيى، ثلاثتهم عن قتادة، بإسناده نحوه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ولا أعلم أن أحدا ذكر أبا علقمة في هذا الحديث إلا ما ذكر همام عن قتادة. كذا قال. وقد تابعه سعيد وشعبة، والله أعلم . وقد روى الطبراني من طريق الضحاك عن ابن عباس: أنها نزلت في سبايا خيبر، وذكر مثل حديث أبي سعيد، وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن بيع الأمة يكون طلاقا لها من زوجها، أخذا بعموم هذه الآية. قال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم: أنه سئل عن الأمة تباع ولها زوج؟ قال: كان عبد الله يقول: بيعها طلاقها، ويتلو هذه الآية {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} وكذا رواه سفيان عن منصور، ومغيرة والأعمشن عن إبراهيم، عن ابن مسعود قال: بيعها طلاقها. وهو منقطع. وقال سفيان الثوري، عن خالد، عن أبي قلابة، عن ابن مسعود قال: إذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحق ببضعها. ورواه سعيد، عن قتادة قال: إن أبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وابن عباس قالوا: بيعها طلاقها. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، [حدثنا] ابن علية، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: طلاق الأمة ست بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، وبراءتها طلاقها، وطلاق زوجها طلاقها. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب قوله: {والمحصنات من النساء} قال: هن ذوات الأزواج، حرم الله نكاحهن إلا ما ملكت يمينك فبيعها طلاقها وقال معمر: وقال الحسن مثل ذلك. وهكذا رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن في قوله: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} قال: إذا كان لها زوج فبيعها طلاقها. وقال عوف، عن الحسن: بيع الأمة طلاقها وبيعه طلاقها. فهذا قول هؤلاء من السلف [رحمهم الله] وقد خالفهم الجمهور قديما وحديثا، فرأوا أن بيع الأمة ليس طلاقها ؛ لأن المشتري نائب عن البائع، والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة وباعها مسلوبة عنها، واعتمدوا في ذلك على حديث بريرة المخرج في الصحيحين وغيرهما؛ فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها ونجزت عتقها، ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها النبي صلى الله عليه وسلم بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ، وقصتها مشهورة، فلو كان بيع الأمة طلاقها -كما قال هؤلاء لما خيرها النبي صلى الله عليه وسلم، فلما خيرها دل على بقاء النكاح، وأن المراد من الآية المسبيات فقط، والله أعلم. وقد قيل: المراد بقوله: {والمحصنات من النساء} يعني: العفائف حرام عليكم حتى تملكوا عصمتهن بنكاح وشهود ومهور وولي واحدة أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا. حكاه ابن جرير عن أبي العالية وطاوس وغيرهما. وقال عمر وعبيدة: {والمحصنات من النساء} ما عدا الأربع حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم. وقوله: {كتاب الله عليكم} أي: هذا التحريم كتاب كتبه الله عليكم، فالزموا كتابه، ولا تخرجوا عن حدوده، والزموا شرعه وما فرضه. وقد قال عبيدة وعطاء والسدي في قوله: {كتاب الله عليكم} يعني الأربع. وقال إبراهيم: {كتاب الله عليكم} يعني: ما حرم عليكم. وقوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} أي: ما عدا من ذكرن من المحارم هن لكم حلال، قاله عطاء وغيره. وقال عبيدة والسدي: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ما دون الأربع، وهذا بعيد، والصحيح قول عطاء كما تقدم. وقال قتادة {وأحل لكم ما وراء ذلكم} يعني: ما ملكت أيمانكم. وهذه الآية هي التي احتج بها من احتج على تحليل الجمع بين الأختين، وقول من قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية . وقوله: {أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} أي: تحصلوا بأموالكم من الزوجات إلى أربع أو السراري ما شئتم بالطريق الشرعي؛ ولهذا قال: {محصنين غير مسافحين}
وقوله: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} أي: كما تستمتعون بهن فآتوهن مهورهن في مقابلة ذلك، كقوله: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} [النساء: 21] وكقوله {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} وكقوله [النساء:4] {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا} [البقرة: 229] وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه كان مشروعا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك. وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى أنه أبيح ثم نسخ، ثم أبيح ثم نسخ، مرتين. وقال آخرون أكثر من ذلك، وقال آخرون: إنما أبيح مرة، ثم نسخ ولم يبح بعد ذلك. وقد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة، وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل، رحمهم الله تعالى. وكان ابن عباس، وأبي بن كعب، وسعيد بن جبير، والسدي يقرءون: "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة". وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة، ولكن الجمهور على خلاف ذلك، والعمدة ما ثبت في الصحيحين، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [رضي الله عنه] قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر ولهذا الحديث ألفاظ مقررة هي في كتاب "الأحكام". وفي صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني، عن أبيه: أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة، فقال: "يأيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا" وفي رواية لمسلم في حجة الوداع وله ألفاظ موضعها كتاب "الأحكام". وقوله: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} من حمل هذه الآية على نكاح المتعة إلى أجل مسمى قال: فلا جناح عليكم إذا انقضى الأجل أن تراضوا على زيادة به وزيادة للجعل . قال السدي: إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى -يعني الأجر الذي أعطاها على تمتعه بها-قبل انقضاء الأجل بينهما فقال: أتمتع منك أيضا بكذا وكذا، فازداد قبل أن يستبرئ رحمها يوم تنقضي المدة، وهو قوله: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} . قال السدي: إذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليها أن تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث، فلا يرث واحد منهما صاحبه. ومن قال بالقول الأول جعل معناه كقوله: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة [فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا] } [النساء: 4] أي: إذا فرضت لها صداقا فأبرأتك منه، أو عن شيء منه فلا جناح عليك ولا عليها في ذلك. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: زعم الحضرمي أن رجالا كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة، فقال: {ولا جناح عليكم} أيها الناس {فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} يعني: إن وضعت لك منه شيئا فهو لك سائغ، واختار هذا القول ابن جرير، وقال [علي] بن أبي طلحة عن ابن عباس: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} والتراضي أن يوفيها صداقها ثم يخيرها، ويعني في المقام أو الفراق. وقوله: {إن الله كان عليما حكيما} مناسب ذكر هذين الوصفين بعد شرع هذه المحرمات [العظيمة] . {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم } يقول [تعالى] ومن لم يجد {طولا} أي: سعة وقدرة {أن ينكح المحصنات المؤمنات} أي الحرائر.
وقال ابن وهب: أخبرني عبد الجبار، عن ربيعة: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات} قال ربيعة الطول الهوى، ينكح الأمة إذا كان هواه فيها. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. ثم شرع يشنع على هذا القول ويرده {فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} أي: فتزوجوا من الإماء المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون، ولهذا قال: {من فتياتكم المؤمنات} قال ابن عباس وغيره: فلينكح من إماء المؤمنين، وكذا قال السدي ومقاتل بن حيان. ثم اعترض بقوله: {والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض} أي: هو العالم بحقائق الأمور وسرائرها، وإنما لكم أيها الناس الظاهر من الأمور. ثم قال: {فانكحوهن بإذن أهلهن} فدل على أن السيد هو ولي أمته لا تزوج إلا بإذنه، وكذلك هو ولي عبده، ليس لعبده أن يتزوج إلا بإذنه، كما جاء في الحديث: "أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر" أي زان. فإن كان مالك الأمة امرأة زوجها من يزوج المرأة بإذنها؛ لما جاء في الحديث: "لا تزوج المرأة [المرأة، ولا المرأة نفسها] فإن الزانية هي التي تزوج نفسها" . وقوله: {وآتوهن أجورهن بالمعروف} أي: وادفعوا مهورهن بالمعروف، أي: عن طيب نفس منكم، ولا تبخسوا منه شيئا استهانة بهن؛ لكونهن إماء مملوكات. وقوله: {محصنات} أي: عفائف عن الزنا لا يتعاطينه؛ ولهذا قال: {غير مسافحات} وهن الزواني اللاتي لا يمتنعن من أرادهن بالفاحشة. وقوله: {ولا متخذات أخدان} قال ابن عباس: المسافحات، هن الزواني المعالنات يعني الزواني اللاتي لا يمنعن أحدا أرادهن بالفاحشة. (ومتخذات أخدان) يعني: أخلاء. وكذا روي عن أبي هريرة، ومجاهد والشعبي، والضحاك، وعطاء الخراساني، ويحيى بن أبي كثير، ومقاتل بن حيان، والسدي، قالوا: أخلاء. وقال الحسن البصري: يعني: الصديق. وقال الضحاك أيضا: {ولا متخذات أخدان} ذات الخليل الواحد [المسيس] المقرة به، نهى الله عن ذلك، يعني [عن] تزويجها ما دامت كذلك. وقوله: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} اختلف القراء في {أحصن} فقرأه بعضهم بضم الهمزة وكسر الصاد، مبني لما لم يسم فاعله، وقرئ بفتح الهمزة والصاد فعل لازم ثم قيل: معنى القراءتين واحد. واختلفوا فيه على قولين: أحدهما: أن المراد بالإحصان هاهنا الإسلام. روي ذلك عن عبد الله بن مسعود، وابن عمر، وأنس، والأسود بن يزيد، وزر بن حبيش، وسعيد بن جبير، وعطاء، إبراهيم النخعي، والشعبي، والسدي. وروى نحوه الزهري عن عمر بن الخطاب، وهو منقطع. وهذا هو القول الذي نص عليه الشافعي [رحمه الله تعالى] في رواية الربيع، قال: وإنما قلنا [ذلك] استدلالا بالسنة وإجماع أكثر أهل العلم. وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثا مرفوعا، قال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله [الدمشقي] حدثنا أبي، عن أبيه، عن أبي حمزة، عن جابر، عن رجل، عن أبي عبد الرحمن، عن علي قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: {فإذا أحصن} قال: "إحصانها إسلامها وعفافها". وقال المراد به هاهنا التزويج، قال: وقال علي: اجلدوهن. [ثم] قال ابن أبي حاتم: وهو حديث منكر. قلت: وفي إسناده ضعف، ومنهم من لم يسم، و [مثله] لا تقوم به حجة . وقال القاسم وسالم: إحصانها: إسلامها وعفافها. وقيل: المراد به هاهنا: التزويج. وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وطاوس، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة وغيرهم. ونقله أبو علي الطبري في كتابه "الإيضاح" عن الشافعي، فيما رواه أبو الحكم بن عبد الحكم عنه وقد رواه ليث بن أبي سليم، عن مجاهد أنه قال: إحصان الأمة أن ينكحها الحر، وإحصان العبد أن ينكح الحرة. وكذا روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس، رواهما ابن جرير في تفسيره، وذكره ابن أبي حاتم عن الشعبي والنخعي. وقيل معنى القراءتين متباين فمن قرأ {أحصن} بضم الهمزة، فمراده التزويج، ومن قرأ "أحصن" بفتحها، فمراده الإسلام اختاره الإمام أبو جعفر ابن جرير في تفسيره، وقرره ونصره.
والأظهر -والله أعلم-أن المراد بالإحصان هاهنا التزويج؛ لأن سياق الآية يدل عليه، حيث يقول سبحانه وتعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم} والله أعلم. والآية الكريمة سياقها كلها في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله: {فإذا أحصن} أي: تزوجن، كما فسره ابن عباس ومن تبعه. وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور؛ وذلك أنهم يقولون: إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة، سواء كانت مسلمة أو كافرة، مزوجة أو بكرا، مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حد على غير المحصنة ممن زنا من الإماء، وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك، فأما الجمهور فقالوا: لا شك أن المنطوق مقدم على المفهوم. وقد وردت أحاديث عامة في إقامة الحد على الإماء، فقدمناها على مفهوم الآية، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه، عن علي، رضي الله عنه، أنه خطب فقال: يا أيها الناس، أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "أحسنت، اتركها حتى تماثل " . وعند عبد الله بن أحمد، عن غير أبيه: "فإذا تعالت من نفسها حدها خمسين". وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها، فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها، فليبعها ولو بحبل من شعر" ولمسلم إذا زنت ثلاثا فليبعها في الرابعة" . وقال مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال: أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش، فجلدنا من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا. الجواب الثاني: جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن فلا حد عليها، وإنما تضرب تأديبا، وهو المحكي عن عبد الله بن عباس، رضي الله عنه، وإليه ذهب طاوس، وسعيد بن جبير، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وداود بن علي الظاهري في رواية عنه. وعمدتهم مفهوم الآية وهو من مفاهيم الشرط، وهو حجة عند أكثرهم فهو مقدم على العموم عندهم. وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: "إن زنت فحدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير" قال ابن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة. أخرجاه في الصحيحين وعند مسلم: قال ابن شهاب: الضفير الحبل. قالوا: فلم يؤقت في هذا الحديث عدد كما وقت في المحصنة بنصف ما على المحصنات من العذاب، فوجب الجمع بين الآية والحديث بذلك والله أعلم. وأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور، عن سفيان، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس على أمة حد حتى تحصن -أو حتى تزوج-فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات". وقد رواه ابن خزيمة، عن عبد الله بن عمران العابدي عن سفيان به مرفوعا. وقال: رفعه خطأ، إنما هو من قول ابن عباس، وكذا رواه البيهقي من حديث عبد الله بن عمران، وقال مثل ما قاله ابن خزيمة . قالوا: وحديث علي وعمر [رضي الله عنهما] قضايا أعيان، وحديث أبي هريرة عنه أجوبة: أحدها: أن ذلك محمول على الأمة المزوجة جمعا بينه وبين هذا الحديث. الثاني: أن لفظ الحد في قوله: فليجلدها الحد، لفظ مقحم من بعض الرواة، بدليل الجواب الثالث وهو:
أن هذا من حديث صحابيين وذلك من رواية أبي هريرة فقط، وما كان عن اثنين فهو أولى بالتقدم من رواية واحد، وأيضا فقد رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم، من حديث عباد بن تميم، عن عمه -وكان قد شهد بدرا-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا زنت الأمة فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فبيعوها ولو بضفير". الرابع: أنه لا يبعد أن بعض الرواة أطلق لفظ الحد في الحديث على الجلد؛ لأنه لما كان الجلد اعتقد أنه حد، أو أنه أطلق لفظة الحد على التأديب، كما أطلق الحد على ضرب من زنى من المرضى بعثكال نخل فيه مائة شمراخ، وعلى جلد من زنى بأمة امرأته إذا أذنت له فيها مائة، وإنما ذلك تعزير وتأديب عند من يراه كالإمام أحمد وغيره من السلف. وإنما الحد الحقيقي هو جلد البكر مائة، ورجم الثيب أو اللائط، والله أعلم. وقد روى ابن جرير في تفسيره: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة؛ أنه سمع سعيد بن جبير يقول: لا تضرب الأمة إذا زنت ما لم تتزوج . وهذا إسناد صحيح عنه، ومذهب غريب إن أراد أنها لا تضرب أصلا لا حدا، وكأنه أخذ بمفهوم الآية ولم يبلغه الحديث، وإن كان أراد أنها لا تضرب حدا، ولا ينفي ضربها تأديبا، فهو كقول ابن عباس ومن تبعه في ذلك، والله أعلم. الجواب الثالث: أن الآية دلت على أن الأمة المحصنة تحد نصف حد الحرة، فأما قبل الإحصان فعمومات الكتاب والسنة شاملة لها في جلدها مائة، كقوله تعالى {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور:2] وكحديث عبادة بن الصامت: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب جلد مائة ورجمها بالحجارة" والحديث في صحيح مسلم وغير ذلك من الأحاديث. وهذا القول هو المشهور عن داود بن علي الظاهري، وهو في غاية الضعف؛ لأن الله تعالى إذا كان أمر بجلد المحصنة من الإماء بنصف ما على الحرة من العذاب وهو خمسون جلدة، فكيف يكون حكمها قبل الإحصان أشد منه بعد الإحصان. وقاعدة الشريعة في ذلك عكس ما قال، وهذا الشارع عليه السلام يسأله أصحابه عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فقال: "اجلدوها" ولم يقل مائة، فلو كان حكمها كما قال داود لوجب بيان ذلك لهم؛ لأنهم إنما سألوا عن ذلك لعدم بيان حكم جلد المائة بعد الإحصان في الإماء، وإلا فما الفائدة في قولهم: "ولم تحصن" لعدم الفرق بينهما لو لم تكن الآية نزلت، لكن لما علموا حكم أحد الحكمين سألوا عن حكم الحال الآخر، فبينه لهم. كما [ثبت] في الصحيحين أنهم لما سألوه عن الصلاة عليه، فذكرها لهم ثم قال: "والسلام ما قد علمتم" وفي لفظ: لما أنزل الله قوله: {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب:56] قالوا: هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ وذكر الحديث، وهكذا هذا السؤال . الجواب الرابع -عن مفهوم الآية-: جواب أبي ثور، فإن من مذهبه ما هو أغرب من قول داود من وجوه، ذلك أنه يقول فإذا أحصن فإن عليهن نصف ما على المحصنات المزوجات وهو الرجم، وهو لا يتناصف فيجب أن ترجم الأمة المحصنة إذا زنت، وأما قبل الإحصان فيجب جلدها خمسين. فأخطأ في فهم الآية وخالف الجمهور في الحكم، بل قد قال أبو عبد الله الشافعي، رحمه الله: ولم يختلف المسلمون في أن لا رجم على مملوك في الزنا؛ وذلك لأن الآية دلت على أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، والألف واللام في المحصنات للعهد، وهن المحصنات المذكورات في أول الآية: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات} والمراد بهن الحرائر فقط، من غير تعرض لتزويج غيره، وقوله: {نصف ما على المحصنات من العذاب} يدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن تنصيفه وهو الجلد لا الرجم، والله أعلم.
ثم قد روى الإمام أحمد [حديثا] نصا في رد مذهب أبي ثور من رواية الحسن بن سعد عن أبيه أن صفية كانت قد زنت برجل من الحمس، فولدت غلاما، فادعاه الزاني، فاختصما إلى عثمان [بن عفان] فرفعهما إلى علي بن أبي طالب، فقال علي: أقضي فيهما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" وجلدهما خمسين خمسين . وقيل: بل المراد من المفهوم التنبيه بالأعلى على الأدنى، أي: أن الإماء على النصف من الحرائر في الحد وإن كن محصنات، وليس عليهن رجم أصلا لا قبل النكاح ولا بعده، وإنما عليهن الجلد في الحالتين بالسنة. قال ذلك صاحب الإفصاح عن الشافعي، فيما رواه ابن عبد الحكم، عنه. وقد ذكره البيهقي في كتاب السنن والآثار، وهو بعيد عن لفظ الآية؛ لأنا إنما استفدنا تنصيف الحد من الآية لا من سواها، فكيف يفهم منها التنصيف فيما عداها، وقال: بل أريد بأنها في حال الإحصان لا يقيم الحد عليها إلا الإمام، ولا يجوز لسيدها إقامة الحد عليها والحالة هذه -وهو قول في مذهب الإمام أحمد رحمه الله-فأما قبل الإحصان فله ذلك، والحد في كلا الموضعين نصف حد الحرة. وهذا أيضا بعيد؛ لأنه ليس في لفظ الآية ما يدل عليه. ولولا هذه لم ندر ما حكم الإمام في التنصيف، ولوجب دخولهن في عموم الآية في تكميل الحد مائة أو رجمهن، كما أثبت في الدليل عليه، وقد تقدم عن علي أنه قال: أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن، وعموم الأحاديث المتقدمة ليس فيها تفصيل بين المزوجة وغيرها، لحديث أبي هريرة الذي احتج به الجمهور: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها". ملخص الآية: أنها إذا زنت أقوال: أحدها: أنها بجلد خمسين قبل الإحصان وبعده، وهل تنفى؟ فيه ثلاثة أقوال: [أحدها] أنها تنفى عنه والثاني: لا تنفى عنه مطلقا. [وهو قول علي وفقهاء المدينة] والثالث: أنها تنفى نصف سنة وهو نفي نصف الحرة. وهذا الخلاف في مذهب الشافعي، وأما أبو حنيفة فعنده أن النفي تعزير ليس من تمام الحد، وإنما هو رأي الإمام، إن شاء فعله وإن شاء تركه في حق الرجال والنساء، وعند مالك أن النفي إنما هو على الرجال، وأما النساء فلا ؛ لأن ذلك مضاد لصيانتهن، [وما ورد شيء من النفي في الرجال ولا في النساء نعم حديث عبادة وحديث أبي هريرة] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة الحد عليه، رواه البخاري، و [كل] ذلك مخصوص بالمعنى، وهو أن المقصود من النفي الصون وذلك مفقود في نفي النساء والله أعلم. والثاني: أن الأمة إذا زنت تجلد خمسين بعد الإحصان، وتضرب [قبله] تأديبا غير محدود بعدد محصور، وقد تقدم ما رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير: أنها لا تضرب قبل الإحصان، وإن أراد نفيه فيكون مذهبا بالتأويل وإلا فهو كالقول الثاني. القول الآخر: أنها تجلد قبل الإحصان مائة وبعده خمسين، كما هو المشهور عن داود، و [هو] أضعف الأقوال: أنها تجلد قبل الإحصان خمسين وترجم بعده، وهو قول أبي ثور، وهو ضعيف أيضا والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. وقوله: {ذلك لمن خشي العنت منكم} أي: إنما يباح نكاح الإماء بالشروط المتقدمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا، وشق عليه الصبر عن الجماع، وعنت بسبب ذلك [كله، فحينئذ يتزوج الأمة، وإن ترك تزوج الأمة] وجاهد نفسه في الكف عن الزنا، فهو خير له؛ لأنه إذا تزوجها جاء أولاده أرقاء لسيدها إلا أن يكون الزوج عربيا فلا تكون أولاده منها أرقاء في قول قديم للشافعي، ولهذا قال: {وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم}
ومن هذه الآية الكريمة استدل جمهور العلماء في جواز نكاح الإماء، على أنه لا بد من عدم الطول لنكاح الحرائر ومن خوف العنت؛ لما في نكاحهن من مفسدة رق الأولاد، ولما فيهن من الدناءة في العدول عن الحرائر إليهن. وخالف الجمهور أبو حنيفة وأصحابه في اشتراط الأمرين، فقالوا: متى لم يكن الرجل مزوجا بحرة جاز له نكاح الأمة المؤمنة والكتابية أيضا، سواء كان واجدا الطول لحرة أم لا وسواء خاف العنت أم لا وعمدتهم فيما ذهبوا إليه [عموم] قوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] أي: العفائف، وهو يعم الحرائر والإماء، وهذه الآية عامة، وهذه أيضا ظاهرة في الدلالة على ما قاله الجمهور والله أعلم. {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم } {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } يخبر تعالى أنه يريد أن يبين لكم -أيها المؤمنون-ما أحل لكم وحرم عليكم، مما تقدم ذكره في هذه السورة وغيرها، {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} يعني: طرائقهم الحميدة واتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها {ويتوب عليكم} أي من الإثم والمحارم، {والله عليم حكيم} أي في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله. وقوله: { [والله يريد أن يتوب عليكم] ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} أي: يريد أتباع الشياطين من اليهود والنصارى والزناة {أن تميلوا} يعني: عن الحق إلى الباطل {ميلا عظيما. يريد الله أن يخفف عنكم} أي: في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم، ولهذا أباح [نكاح] الإماء بشروطه، كما قال مجاهد وغيره: {خلق الإنسان ضعيفا} فناسبه التخفيف؛ لضعفه في نفسه وضعف عزمه وهمته. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل [الأحمسي] حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه: {خلق الإنسان ضعيفا} أي: في أمر النساء، وقال وكيع: يذهب عقله عندهن. وقال موسى الكليم عليه الصلاة والسلام لنبينا صلوات الله وسلامه عليه ليلة الإسراء حين مر عليه راجعا من عند سدرة المنتهى، فقال له: ماذا فرض عليكم ؟ فقال: "أمرني بخمسين صلاة في كل يوم وليلة" فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت الناس قبلك على ما هو أقل من ذلك فعجزوا، وإن أمتك أضعف أسماعا وأبصارا وقلوبا، فرجع فوضع عشرا، ثم رجع إلى موسى فلم يزل كذلك حتى بقيت خمسا [قال الله عز وجل: "هن خمس وهن خمسون، الحسنة بعشر أمثالها"] الحديث. {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما } نهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضا بالباطل، أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية، كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا، حتى قال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس -في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيته أخذته وإلا رددته ورددت معه درهما-قال: هو الذي قال الله عز وجل: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل، عن داود الأودي عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله [ {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} ] قال: إنها [كلمة] محكمة، ما نسخت، ولا تنسخ إلى يوم القيامة.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لما أنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكيف للناس ! فأنزل الله بعد ذلك: {ليس على الأعمى حرج} [النور: 61] الآية، [وكذا قال قتادة بن دعامة] . وقوله: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} قرئ: تجارة بالرفع وبالنصب، وهو استثناء منقطع، كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال. كما قال [الله] تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} [الأنعام: 151] ، وكقوله {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} [الدخان: 56] . ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي [رحمه الله] على أنه لا يصح البيع إلا بالقبول؛ لأنه يدل على التراضي نصا، بخلاف المعاطاة فإنها قد لا تدل على الرضا ولا بد، وخالف الجمهور في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد وأصحابهم، فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي، وكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعا، فصححوا بيع المعاطاة مطلقا، ومنهم من قال: يصح في المحقرات، وفيما يعده الناس بيعا، وهو احتياط نظر من محققي المذهب، والله أعلم. قال مجاهد: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} بيعا أو عطاء يعطيه أحد أحدا. ورواه ابن جرير [ثم] قال: وحدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن القاسم، عن سليمان الجعفي، عن أبيه، عن ميمون بن مهران قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البيع عن تراض والخيار بعد الصفقة ولا يحل لمسلم أن يغش مسلما". هذا حديث مرسل . ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس، كما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" وفي لفظ البخاري: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا" . وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث الشافعي، وأحمد [بن حنبل] وأصحابهما، وجمهور السلف والخلف. ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام، [كما هو متفق عليه بين العلماء إلى ما هو أزيد من ثلاثة أيام] بحسب ما يتبين فيه مال البيع، ولو إلى سنة في القرية ونحوها، كما هو المشهور عن مالك، رحمه الله. وصححوا بيع المعاطاة مطلقا، وهو قول في مذهب الشافعي، ومنهم من قال: يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعا، وهو اختيار طائفة من الأصحاب. وقوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} أي: بارتكاب محارم الله وتعاطي معاصيه وأكل أموالكم بينكم بالباطل {إن الله كان بكم رحيما} أي: فيما أمركم به، ونهاكم عنه. قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص، رضي الله عنه، أنه قال لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمت على رسول الله صلى عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال: "يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب! " قال: قلت يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قول الله [عز وجل] {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا. وهكذا رواه أبو داود من حديث يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، به. ورواه أيضا عن محمد بن أبي سلمة، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة وعمر بن الحارث، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير المصري، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عنه، فذكر نحوه. وهذا، والله أعلم، أشبه بالصواب .
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد البلخي، حدثنا محمد بن صالح بن سهل البلخي، حدثنا عبيد عبد الله بن عمر القواريري، حدثنا يوسف بن خالد، حدثنا زياد بن سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جنب، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له، فدعاه فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله، خفت أن يقتلني البرد، وقد قال الله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم [إن الله كان بكم رحيما] } قال: فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم أورد ابن مردويه عند هذه الآية الكريمة من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده، يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسم، فسمه في يده، يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو مترد في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا". وهذا الحديث ثابت في الصحيحين وكذلك رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وعن أبي قلابة، عن ثابت بن الضحاك، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة". وقد أخرجه الجماعة في كتبهم من طريق أبي قلابة وفي الصحيحين من حديث الحسن، عن جندب بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جرح، فأخذ سكينا نحر بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله عز وجل: عبدي بادرني بنفسه، حرمت عليه الجنة" . ولهذا قال الله تعالى: {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما} أي: ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه متعديا فيه ظالما في تعاطيه، أي: عالما بتحريمه متجاسرا على انتهاكه {فسوف نصليه نارا [وكان ذلك على الله يسيرا] } وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، فليحذر منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد. وقوله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم [وندخلكم مدخلا كريما] } . أي: إذا اجتنبتم كبائر الآثام التي نهيتم عنها كفرنا عنكم صغائر الذنوب وأدخلناكم الجنة؛ ولهذا قال: {وندخلكم مدخلا كريما} . وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا مؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا خالد بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس [يرفعه] : " الذي بلغنا عن ربنا، عز وجل، ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال أن تجاوز لنا عما دون الكبائر، يقول الله [تعالى] {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم [وندخلكم مدخلا كريما] } " . وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة فلنذكر منها ما تيسر: قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن قرثع الضبي، عن سلمان الفارسي قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "أتدري ما يوم الجمعة؟ " قلت: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم. قال: "لكن أدري ما يوم الجمعة، لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته، إلا كان كفارة له ما بينه وبين الجمعة المقبلة، ما اجتنبت المقتلة وقد روى البخاري من وجه آخر عن سلمان نحوه .
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني المثنى [بن إبراهيم] حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثني خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر، أخبرني صهيب مولى العتواري، أنه سمع من أبي هريرة وأبي سعيد يقولان: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: "والذي نفسي بيده" -ثلاث مرات-ثم أكب، فأكب كل رجل منا يبكي، لا ندري على ماذا حلف عليه ثم رفع رأسه وفي وجهه البشر فكان أحب إلينا من حمر النعم، فقال [صلى الله عليه وسلم] ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام". وهكذا رواه النسائي، والحاكم في مستدركه، من حديث الليث بن سعد، رواه الحاكم أيضا وابن حبان في صحيحه، من حديث عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، به. ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه . تفسير هذه السبع: وذلك بما ثبت في الصحيحين من حديث سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات" . طريق أخرى عنه: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فهد بن عوف، حدثنا أبو عوانة، عن عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الكبائر سبع، أولها الإشراك بالله، ثم قتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم إلى أن يكبر، والفرار من الزحف، ورمي المحصنات، والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة" . فالنص على هذه السبع بأنهن كبائر لا ينفي ما عداهن، إلا عند من يقول بمفهوم اللقب، وهو ضعيف عند عدم القرينة، ولا سيما عند قيام الدليل بالمنطوق على عدم المفهوم، كما سنورده من الأحاديث المتضمنة من الكبائر غير هذه السبع، فمن ذلك ما رواه الحاكم في مستدركه حيث قال: حدثنا أحمد بن كامل القاضي، إملاء حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد، حدثنا معاذ بن هانئ، حدثنا حرب بن شداد، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن عبد الحميد بن سنان، عن عبيد بن عمير، عن أبيه -يعني عمير بن قتادة-رضي الله عنه أنه حدثه -وكانت له صحبة-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: "ألا إن أولياء الله المصلون من يقيم الصلوات الخمس التي كتبت عليه، ويصوم رمضان ويحتسب صومه، يرى أنه عليه حق، ويعطي زكاة ماله يحتسبها، ويجتنب الكبائر التي نهى الله عنها". ثم إن رجلا سأله فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ فقال: "تسع: الشرك بالله، وقتل نفس مؤمن بغير حق وفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنة وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا، ثم قال: لا يموت رجل لا يعمل هؤلاء الكبائر، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، إلا كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في دار أبوابها مصاريع من ذهب". وهكذا رواه الحاكم مطولا وقد أخرجه أبو داود والترمذي مختصرا من حديث معاذ بن هانئ، به وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديثه مبسوطا ثم قال الحاكم: رجاله كلهم يحتج بهم في الصحيحين إلا عبد الحميد بن سنان . قلت: وهو حجازي لا يعرف إلا بهذا الحديث، وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وقال البخاري: في حديثه نظر. وقد رواه ابن جرير، عن سليمان بن ثابت الجحدري، عن سلم بن سلام، عن أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبيد بن عمير، عن أبيه، فذكره. ولم يذكر في الإسناد: عبد الحميد بن سنان، فالله أعلم .
حديث آخر في معنى ما تقدم: قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا عبد العزيز بن مسلم بن الوليد، عن المطلب عن عبد الله بن حنطب عن عبد الله بن عمرو قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فقال: "لا أقسم، لا أقسم". ثم نزل فقال: "أبشروا، أبشروا، من صلى الصلوات الخمس، واجتنب الكبائر السبع، نودي من أبواب الجنة: ادخل". قال عبد العزيز: لا أعلمه إلا قال: "بسلام". قال المطلب: سمعت من سأل عبد الله بن عمرو: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرهن؟ قال: نعم: "عقوق الوالدين، وإشراك بالله، وقتل النفس، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وأكل الربا" . حديث آخر في معناه: قال أبو جعفر بن جرير في التفسير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، أخبرنا زياد بن مخراق عن طيسلة بن مياس قال: كنت مع النجدات، فأصبت ذنوبا لا أراها إلا من الكبائر، فلقيت ابن عمر فقلت له: إني أصبت ذنوبا لا أراها إلا من الكبائر قال: ما هي؟ قلت: أصبت كذا وكذا. قال: ليس من الكبائر. قلت: وأصبت كذا وكذا. قال: ليس من الكبائر قال -بشيء لم يسمه طيسلة-قال: هي تسع وسأعدهن عليك: الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم ظلما، وإلحاد في المسجد الحرام، والذي يستسحر وبكاء الوالدين من العقوق. قال زياد: وقال طيسلة لما رأى ابن عمر: فرقي. قال: أتخاف النار أن تدخلها؟ قلت: نعم. قال: وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: نعم. قال: أحي والداك؟ قلت: عندي أمي. قال: فوالله لئن أنت ألنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات . طريق أخرى: قال ابن جرير: حدثنا سليمان بن ثابت الجحدري الواسطي، حدثنا سلم بن سلام، حدثنا أيوب بن عتبة، عن طيسلة بن علي النهدي قال: أتيت ابن عمر وهو في ظل أراك يوم عرفة، وهو يصب الماء على رأسه ووجهه قلت أخبرني عن الكبائر؟ قال: هي تسع. قلت: ما هي؟ قال: الإشراك بالله، وقذف المحصنة -قال: قلت: قبل القتل ؟ قال: نعم ورغما -وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، وإلحاد بالبيت الحرام، قبلتكم أحياء وأمواتا . هكذا رواه من هذين الطريقين موقوفا، وقد رواه علي بن الجعد، عن أيوب بن عتبة، عن طيسلة بن علي [النهدي] قال: أتيت ابن عمر عشية عرفة، وهو تحت ظل أراكة، وهو يصب الماء على رأسه، فسألته عن الكبائر، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "هن سبع". قال: قلت: وما هن؟ قال: "الإشراك بالله، وقذف المحصنة -قال: قلت: قبل الدم؟ قال: نعم ورغما -وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، وإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا". وكذا رواه الحسن بن موسى الأشيب، عن أيوب بن عتبة اليماني -وفيه ضعف -والله أعلم. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا بقية، عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان: أن أبا رهم السمعي حدثهم، عن أبي أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عبد الله لا يشرك به شيئا، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر، فله الجنة -أو دخل الجنة" فسأله رجل: ما الكبائر؟ فقال الشرك بالله، وقتل نفس مسلمة، والفرار يوم الزحف". ورواه أحمد أيضا والنسائي، من غير وجه، عن بقية .
حديث آخر: روى الحافظ أبو بكر ابن مردويه في تفسيره، من طريق سليمان بن داود اليماني -وهو ضعيف-عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، قال: وكان في الكتاب: "إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة: إشراك بالله وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم" . حديث آخر: فيه ذكر شهادة الزور؛ قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني عبيد الله بن أبي بكر قال: سمعت أنس بن مالك قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر -أو سئل عن الكبائر-فقال: "الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين". وقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " قال: "قول الزور -أو شهادة الزور". قال شعبة: أكبر ظني أنه قال" "شهادة الزور" . أخرجاه من حديث شعبة به. وقد رواه ابن مردويه من طريقين آخرين غريبين عن أنس، بنحوه . حديث آخر: أخرجه الشيخان من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ "، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين" وكان متكئا فجلس فقال: "ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور". فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت . حديث آخر: فيه ذكر قتل الولد، وهو ثابت في الصحيحين، عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ -وفي رواية: أكبر-قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك" قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك". قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك" ثم قرأ: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر [ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما] } إلى قوله: {إلا من تاب} [الفرقان: 68] . حديث] آخر [ فيه ذكر شرب الخمر. قال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، حدثني أبو صخر: أن رجلا حدثه عن عمرة بن حزم أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص وهو بالحجر بمكة وسئل عن الخمر، فقال: والله إن عظيما عند الله الشيخ مثلي يكذب في هذا المقام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب فسأله ثم رجع فقال: سألته عن الخمر فقال: "هي أكبر الكبائر، وأم الفواحش، من شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وخالته وعمته" غريب من هذا الوجه. طريق أخرى: رواها الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن داود بن صالح، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، وعمر بن الخطاب وأناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم أجمعين، جلسوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا أعظم الكبائر، فلم يكن عندهم ما ينتهون إليه، فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أسأله عن ذلك، فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر، فأتيتهم فأخبرتهم، فأنكروا ذلك، فوثبوا إليه حتى أتوه في داره، فأخبرهم أنهم تحدثوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ملكا من بني إسرائيل أخذ رجلا فخيره بين أن يشرب خمرا أو يقتل نفسا، أو يزاني أو يأكل لحم خنزير، أو يقتله فاختار شرب الخمر وإنه لما شربها لم يمتنع من شيء أراده منه، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا مجيبا: "ما من أحد يشرب خمرا إلا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، ولا يموت أحد في مثانته منها شيء إلا حرم الله عليه الجنة فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية".
هذا حديث غريب من هذا الوجه جدا، وداود بن صالح هو التمار المدني مولى الأنصار، قال الإمام أحمد: لا أرى به بأسا. وذكره ابن حبان في الثقات، ولم أر أحدا جرحه . حديث آخر: عن عبد الله بن عمرو وفيه ذكر اليمين الغموس. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، أو قتل النفس -شعبة الشاك-واليمين الغموس". ورواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث شعبة: زاد البخاري وشيبان، كلاهما عن فراس، به . حديث آخر: في اليمين الغموس: "قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا هشام بن سعد، عن محمد بن يزيد بن مهاجر بن قنفذ التيمي، عن أبي أمامة الأنصاري، عن عبد الله بن أنيس الجهني، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وما حلف حالف بالله يمين صبر فأدخل فيها مثل جناح البعوضة، إلا كانت وكتة في قلبه إلى يوم القيامة". وهكذا رواه] الإمام [ أحمد في مسنده، وعبد بن حميد في تفسيره، كلاهما عن يونس بن محمد المؤدب، عن الليث بن سعد، به. وأخرجه الترمذي] في تفسيره [ عن عبد بن حميد] به [ ثم قال: وهذا حديث حسن غريب، وأبو أمامة الأنصاري هذا هو ابن ثعلبة، ولا يعرف اسمه. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث . قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وقد رواه عبد الرحمن بن إسحاق المدني، عن محمد بن زيد، عن عبد الله بن أبي أمامة، عن أبيه عن عبد الله بن أنيس. فزاد عبد الله بن أبي أمامة. قلت: هكذا وقع في تفسير ابن مردويه وصحيح ابن حبان، من طريق عبد الرحمن بن إسحاق كما ذكره شيخنا، فسح الله في أجله . حديث آخر: عن عبد الله بن عمرو، في التسبب إلى شتم الوالدين. قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع، عن مسعر وسفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو -رفعه سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ووقفه مسعر على عبد الله بن عمرو -قال: "من الكبائر أن يشتم الرجل والديه": قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟ قال: "يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه" . وقد أخر هذا الحديث البخاري عن أحمد بن يونس، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن عمه حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه". قالوا: وكيف يلعن الرجل والديه؟! قال: "يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه". وهكذا رواه مسلم من حديث سفيان وشعبة ويزيد بن الهاد، ثلاثتهم عن سعد بن إبراهيم، به مرفوعا بنحوه. وقال الترمذي: صحيح . وثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" . حديث آخر في ذلك: قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا زهير بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أكبر الكبائر عرض الرجل المسلم، والسبتان والسبة " . هكذا روي هذا الحديث، وقد أخرجه أبو داود في كتاب الأدب في سننه، عن جعفر بن مسافر، عن عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق، ومن الكبائر السبتان بالسبة".
وكذا رواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن العلاء بن زير عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله . حديث آخر: في ذكر الجمع بين الصلاتين من غير عذر؛ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حنش عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من جمع بين الصلاتين من غير عذر، فقد أتى بابا من أبواب الكبائر". وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي عن أبي سلمة يحيى بن خلف، عن المعتمر بن سليمان، به ثم قال: حنش هو أبو علي الرحبي، وهو حسين بن قيس، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره . وقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا إسماعيل بن علية، عن خالد الحذاء، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة -يعني العدوي- قال: قرئ علينا كتاب عمر: من الكبائر جمع بين الصلاتين -يعني بغير عذر- والفرار من الزحف، والنهبة. وهذا إسناد صحيح: والغرض أنه إذا كان الوعيد فيمن جمع بين الصلاتين كالظهر والعصر تقديما أو تأخيرا، وكذا المغرب والعشاء هما من شأنه أن يجمع بسبب من الأسباب الشرعية، فإذا تعاطاه أحد بغير شيء من تلك الأسباب يكون مرتكبا كبيرة، فما ظنك بمن ترك الصلاة بالكلية؟ ولهذا روى مسلم في صحيحه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة " وفي السنن عنه، عليه السلام، أنه قال: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" وقال: "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله" وقال: "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" . حديث آخر: فيه اليأس من روح الله، والأمن من مكر الله. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل، حدثنا أبي، حدثنا شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متكئا فدخل عليه رجل فقال: ما الكبائر؟ فقال: "الشرك بالله، واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، وهذا أكبر الكبائر". وقد رواه البزار، عن عبد الله بن إسحاق العطار، عن أبي عاصم النبيل، عن شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رجلا قال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: "الإشراك بالله، واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله عز وجل". وفي إسناده نظر، والأشبه أن يكون موقوفا، فقد روي عن ابن مسعود نحو ذلك قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا مطرف، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن أبي الطفيل قال: قال ابن مسعود: أكبر الكبائر الإشراك بالله والإياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله. وكذا رواه من حديث الأعمش وأبي إسحاق، عن وبرة، عن أبي الطفيل، عن ابن مسعود، به ثم رواه من طرق عدة، عن أبي الطفيل، عن ابن مسعود. وهو صحيح إليه بلا شك. حديث آخر: فيه سوء الظن بالله؛ قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم بن بندار، حدثنا أبو حاتم بكر بن عبدان، حدثنا محمد بن مهاجر حدثنا أبو حذيفة البخاري، عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال:] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ "أكبر الكبائر سوء الظن بالله عز وجل". حديث غريب جدا. حديث آخر: فيه التعرب بعد الهجرة، قد تقدم في رواية عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا، قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن رشدين، حدثنا عمرو بن خالد الحراني، حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن سهل ابن أبي حثمة عن أبيه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الكبائر سبع، ألا تسألوني عنهن؟ الشرك بالله، وقتل النفس، والفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنة، والتعرب بعد الهجرة".
وفي إسناده نظر، ورفعه غلط فاحش والصواب ما رواه ابن جرير: حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن سهيل بن أبي حثمة عن أبيه قال: إني لفي هذا المسجد -مسجد الكوفة-وعلي، رضي الله عنه، يخطب الناس على المنبر، فقال: يا أيها الناس، الكبائر سبع فأصاخ الناس، فأعادها ثلاث مرات، ثم قال: لم لا تسألوني عنها؟ قالوا: يا أمير المؤمنين ما هي؟ قال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار يوم الزحف، والتعرب بعد الهجرة. فقلت لأبي: يا أبت، التعرب بعد الهجرة، كيف لحق هاهنا؟ قال: يا بني، وما أعظم من أن يهاجر الرجل، حتى إذا وقع سهمه في الفيء، ووجب عليه الجهاد خلع ذلك من عنقه فرجع أعرابيا كما كان . حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا أبو معاوية -يعني شيبان-عن منصور، عن هلال بن يساف، عن سلمة بن قيس الأشجعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "ألا إنما هن أربع: ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا". قال: فما أنا بأشح عليهن مني، إذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم رواه أحمد أيضا والنسائي وابن مردويه، من حديث منصور، بإسناده مثله . حديث آخر: تقدم من رواية عمر بن المغيرة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الإضرار في الوصية من الكبائر". والصحيح ما رواه غيره، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس [قوله] قال ابن أبي حاتم: وهو الصحيح عن ابن عباس من قوله. حديث آخر في ذلك: "قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا عباد بن عباد، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة؛ أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا الكبائر وهو متكئ، فقالوا: الشرك بالله، وأكل مال اليتيم، وفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين، وقول الزور، والغلول، والسحر، وأكل الربا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأين تجعلون {الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل عمران:77] ؟! إلى آخر الآية. في إسناده ضعف، وهو حسن . ذكر أقوال السلف في ذلك: قد تقدم ما روي عن أمير المؤمنين عمر وعلي، رضي الله عنهما، في ضمن الأحاديث المذكورة. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن الحسن: أن ناسا سألوا عبد الله بن عمرو بمصر فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله، أمر أن يعمل بها فلا يعمل بها، فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك؟ فقدم وقدموا معه، فلقيه عمر، رضي الله عنه، فقال: متى قدمت؟ فقال: منذ كذا وكذا قال: أبإذن قدمت؟ قال: فلا أدري كيف رد عليه. فقال: يا أمير المؤمنين، إن ناسا لقوني بمصر فقالوا: إنا نرى أشياء من كتاب الله، أمر أن يعمل بها فلا يعمل بها فأحبوا أن يلقوك في ذلك فقال: اجمعهم لي. قال: فجمعتهم له -قال ابن عون: أظنه قال: في بهو-فأخذ أدناهم رجلا فقال: نشدتك بالله وبحق الإسلام عليك، أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم قال فهل أحصيته في نفسك؟ قال اللهم لا. قال: ولو قال: نعم لخصمه. قال: فهل أحصيته في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أمرك ؟ ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم. قال: فثكلت عمر أمه. أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله؟! قد علم ربنا أنه ستكون لنا سيئات. قال: وتلا {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما] } ثم قال: هل علم أهل المدينة -أو قال: هل علم أحد-بما قدمتم؟ قالوا: لا. قال: لو علموا لوعظت بكم. إسناد حسن ومتن حسن، وإن كان من رواية الحسن عن عمر، وفيها انقطاع، إلا أن مثل هذا اشتهر فتكفي شهرته .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو أحمد -يعني الزبيري- حدثنا علي بن صالح، عن عثمان بن المغيرة، عن مالك بن جوين، عن علي، رضي الله عنه، قال: الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، والسحر، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة. وتقدم عن ابن مسعود أنه قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، عز وجل. وروى ابن جرير، من حديث الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، والأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، كلاهما عن ابن مسعود قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها. ومن حديث سفيان الثوري وشعبة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها ثم تلا {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه [نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما] } وقال ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا صالح بن حيان، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: أكبر الكبائر: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، ومنع فضول الماء بعد الري، ومنع طروق الفحل إلا بجعل. وفي الصحيحين، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ" وفيهما عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه ابن السبيل"، وذكر الحديث بتمامه . وفي مسند الإمام أحمد، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعا: "من منع فضل الماء وفضل الكلأ منعه الله فضله يوم القيامة" . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسين بن محمد بن شنبة الواسطي، حدثنا أبو أحمد حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة، قالت: ما أخذ على النساء من الكبائر. قال ابن أبي حاتم: يعني قوله: {على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن [ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك] } الآية [الممتحنة: 12] . وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا زياد بن مخراق، عن معاوية بن قرة قال: أتينا أنس بن مالك، فكان فيما حدثنا قال: لم أر مثل الذي بلغنا عن ربنا تعالى ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال. ثم سكت هنية ثم قال: والله لما كلفنا ربنا أهون من ذلك، لقد تجاوز لنا عما دون الكبائر، فما لنا ولها، ثم تلا {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه [نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما] } . أقوال ابن عباس في ذلك: روى ابن جرير، من حديث المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن طاوس قال: ذكروا عند ابن عباس الكبائر فقالوا: هي سبع، فقال: هي أكثر من سبع وسبع. قال سليمان: فما أدري كم قالها من مرة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن ليث، عن طاوس قال: قلت لابن عباس: ما السبع الكبائر؟ قال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع. ورواه ابن جرير، عن ابن حميد، عن ليث، عن طاوس قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أرأيت الكبائر السبع التي ذكرهن الله؟ ما هن؟ قال: هن إلى السبعين أدنى منهن إلى سبع . وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن طاوس، عن أبيه قال: قيل لابن عباس: الكبائر سبع؟ قال: هن إلى السبعين أقرب، وكذا قال أبو العالية الرياحي، رحمه الله. وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن قيس عن سعد، عن سعيد بن جبير؛ أن رجلا قال لابن عباس: كم الكبائر؟ سبع؟ قال: هن إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار. وكذا رواه ابن أبي حاتم، من حديث شبل، به.