Qur'an&Sunnah

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

قسم V04/P461–V04/P463

{ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب } يقول تعالى مسليا لرسوله صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه: {ولقد استهزئ برسل من قبلك} أي: فلك فيهم أسوة، {فأمليت للذين كفروا} أي: أنظرتهم وأجلتهم، {ثم أخذتهم} أخذة رابية، فكيف بلغك ما صنعت بهم وعاقبتهم؟ كما قال تعالى: {وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير} [الحج: 48] وفي الصحيحين: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} [هود: 102] . {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد } يقول تعالى: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} أي: حفيظ عليم رقيب على كل نفس منفوسة، يعلم ما يعمل العاملون من خير وشر، ولا يخفى عليه خافية، {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه} [يونس: 61] وقال تعالى: {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} [الأنعام: 59] وقال {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} [هود:6] وقال {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: 10] وقال {يعلم السر وأخفى} [طه: 7] وقال {وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير} [الحديد [4] أفمن هو هكذا كالأصنام التي يعبدونها لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل، ولا تملك نفعا لأنفسها ولا لعابديها، ولا كشف ضر عنها ولا عن عابديها؟ وحذف هذا الجواب اكتفاء بدلالة السياق عليه، وهو قوله: {وجعلوا لله شركاء} أي: عبدوها معه، من أصنام وأنداد وأوثان. {قل سموهم} أي: أعلمونا بهم، واكشفوا عنهم حتى يعرفوا، فإنهم لا حقيقة لهم؛ ولهذا قال: {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض} أي: لا وجود له؛ لأنه لو كان له وجود في الأرض لعلمها؛ لأنه لا تخفى عليه خافية. {أم بظاهر من القول} قال مجاهد: بظن من القول. وقال الضحاك وقتادة: بباطل من القول. أي إنما عبدتم هذه الأصنام بظن منكم أنها تنفع وتضر، وسميتموها آلهة، {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} [النجم: 23] . {بل زين للذين كفروا مكرهم} قال مجاهد: قولهم، أي: ما هم عليه من الضلال والدعوة إليه آناء الليل وأطراف النهار، كما قال تعالى: {وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين} [فصلت: 25] . "وصدوا عن السبيل": من قرأها بفتح الصاد، معناه: أنهم لما زين لهم ما فيه وأنه حق، دعوا إليه وصدوا الناس عن اتباع طريق الرسل. ومن قرأها {وصدوا} أي: بما زين لهم من صحة ما هم عليه، صدوا به عن سبيل الله؛ ولهذا قال: {ومن يضلل الله فما له من هاد} كما قال {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا} [المائدة: 41] وقال {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين} [النحل: 37] . {لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق } {مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار }

قسم V04/P463–V04/P465

ذكر تعالى عقاب الكفار وثواب الأبرار: فقال بعد، إخباره عن حال المشركين وما هم عليه من الكفر والشرك: {لهم عذاب في الحياة الدنيا} أي: بأيدي المؤمنين قتلا وأسرا، {ولعذاب الآخرة} أي: المدخر [لهم] مع هذا الخزي في الدنيا، " أشق " أي: من هذا بكثير، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين: "إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة" وهو كما قال، صلوات الله وسلامه عليه، فإن عذاب الدنيا له انقضاء، وذاك دائم أبدا في نار هي بالنسبة إلى هذه سبعون ضعفا، ووثاق لا يتصور كثافته وشدته، كما قال تعالى: {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد} [الفجر: 25، 26] وقال تعالى: {بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا} [الفرقان: 11 -15] . ولهذا قرن هذا بهذا؛ فقال: {مثل الجنة التي وعد المتقون} أي: صفتها ونعتها، {تجري من تحتها الأنهار} أي: سارحة في أرجائها وجوانبها، وحيث شاء أهلها، يفجرونها تفجيرا، أي: يصرفونها كيف شاءوا وأين شاءوا، كما قال تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم} [محمد: 15] . وقوله: {أكلها دائم وظلها} أي: فيها المطاعم والفواكه والمشارب، لا انقطاع [لها] ولا فناء. وفي الصحيحين، من حديث ابن عباس في صلاة الكسوف، وفيه قالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت فقال: "إني رأيت الجنة -أو: أريت الجنة -فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا". وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا عبيد الله، حدثنا أبو عقيل، عن جابر قال: بينما نحن في صلاة الظهر، إذ تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدمنا، ثم تناول شيئا ليأخذه ثم تأخر. فلما قضى الصلاة قال له أبي بن كعب: يا رسول الله، صنعت اليوم في الصلاة شيئا ما رأيناك كنت تصنعه. فقال: "إني عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قطفا من عنب لآتيكم به، فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه". وروى مسلم من حديث أبي الزبير، عن جابر، شاهدا لبعضه. وعن عتبة بن عبد السلمي: أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الجنة، فقال: فيها عنب؟ قال: "نعم". قال: فما عظم العنقود؟ قال: "مسيرة شهر للغراب الأبقع ولا يفتر". رواه أحمد. وقال الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا علي بن المديني، حدثنا ريحان بن سعيد، عن عبادة بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى". وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يأكل أهل الجنة ويشربون، ولا يمتخطون ولا يتغوطون ولا يبولون، طعامهم جشاء كريح المسك، ويلهمون التسبيح والتقديس كما يلهمون النفس". رواه مسلم. وروى الإمام أحمد والنسائي، من حديث الأعمش، عن ثمامة بن عقبة سمعت زيد بن أرقم قال: جاء رجل من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم، تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ قال: نعم، والذي نفس محمد بيده، [إن الرجل من أهل الجنة] ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة". قال: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، وليس في الجنة أذى؟ قال: "حاجة أحدهم رشح يفيض من جلودهم، كريح المسك، فيضمر بطنه".

قسم V04/P465–V04/P466

وقال الحسن بن عرفة: حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنك لتنظر إلى الطير في الجنة، فيخر بين يديك مشويا . وجاء في بعض الأحاديث: أنه إذا فرغ منه عاد طائرا كما كان بإذن الله تعالى. وقد قال تعالى: {وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة} [الواقعة: 32، 33] وقال {ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا} [الإنسان: 14] . وكذلك ظلها لا يزول ولا يقلص، كما قال تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا} [النساء: 57] . وقد تقدم في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة شجرة، يسير الراكب المجد الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها"، ثم قرأ: {وظل ممدود} [الواقعة: 30] . وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين صفة الجنة وصفة النار، ليرغب في الجنة ويحذر من النار؛ ولهذا لما ذكر صفة الجنة بما ذكر، قال بعده: {تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار} كما قال تعالى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} [الحشر: 20] . وقال بلال بن سعد خطيب دمشق في بعض خطبه: عباد الله هل جاءكم مخبر يخبركم أن شيئا من عبادتكم تقبلت منكم، أو أن شيئا من خطاياكم غفرت لكم؟ {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} [المؤمنون: 115] والله لو عجل لكم الثواب في الدنيا لاستقللتم كلكم ما افترض عليكم، أو ترغبون في طاعة الله لتعجيل دنياكم، ولا تنافسون في جنة {أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار} رواه ابن أبي حاتم. {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق } يقول تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب} وهم قائمون بمقتضاه {يفرحون بما أنزل إليك} أي: من القرآن لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به، كما قال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون} [البقرة: 121] وقال تعالى: {قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا} [الإسراء: 107، 108] أي: إن كان ما وعدنا الله به في كتبنا من إرسال محمد صلى الله عليه وسلم لحقا وصدقا مفعولا لا محالة، وكائنا، فسبحانه ما أصدق وعده، فله الحمد وحده، {ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا} [الإسراء: 109] . وقوله: {ومن الأحزاب من ينكر بعضه} أي: ومن الطوائف من يكذب ببعض ما أنزل إليك. وقال مجاهد: {ومن الأحزاب} اليهود والنصارى، من ينكر بعضه ما جاءك من الحق. وكذا قال قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وهذا كما قال تعالى: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب} [آل عمران: 199] . {قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به} أي: إنما بعثت بعبادة الله وحده لا شريك له، كما أرسل الأنبياء من قبلي، {إليه أدعو} أي: إلى سبيله أدعو الناس، {وإليه مآب} أي: مرجعي ومصيري. وقوله: {وكذلك أنزلناه حكما عربيا} أي: وكما أرسلنا قبلك المرسلين، وأنزلنا عليهم الكتب من السماء، كذلك أنزلنا عليك القرآن محكما معربا، شرفناك به وفضلناك على من سواك بهذا الكتاب المبين الواضح الجلي الذي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} [فصلت: 11] .

قسم V04/P466–V04/P468

وقوله: {ولئن اتبعت أهواءهم} أي: آراءهم، {بعد ما جاءك من العلم} أي: من الله تعالى {ما لك من الله من ولي ولا واق} أي: من الله تعالى. وهذا وعيد لأهل العلم أن يتبعوا سبل أهل الضلالة بعدما صاروا إليه من سلوك السنة النبوية والمحجة المحمدية، على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام [والتحية والإكرام] . {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } يقول تعالى: وكما أرسلناك، يا محمد، رسولا بشريا كذلك [قد] بعثنا المرسلين قبلك بشرا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق ويأتون الزوجات، ويولد لهم، وجعلنا لهم أزواجا وذرية، وقد قال [الله] تعالى لأشرف الرسل وخاتمهم: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي} [الكهف: 110] . وفي الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل الدسم وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أنبأنا الحجاج بن أرطاة عن مكحول قال: قال أبو أيوب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أربع من سنن المرسلين: التعطر، والنكاح، والسواك، والحناء" . وقد رواه أبو عيسى الترمذي، عن سفيان بن وكيع عن حفص بن غياث، عن الحجاج، عن مكحول، عن أبى الشمال عن أبي أيوب. . . فذكره، ثم قال: وهذا أصح من الحديث الذي لم يذكر فيه أبو الشمال . وقوله: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} أي: لم يكن يأتي قومه بخارق إلا إذا أذن له فيه، ليس ذلك إليه، بل إلى الله، عز وجل، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. {لكل أجل كتاب} أي: لكل مدة مضروبة كتاب مكتوب بها، وكل شيء عنده بمقدار، {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} [الحج: 70] . وكان الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: {لكل أجل كتاب} أي: لكل كتاب أجل يعني لكل كتاب أنزله من السماء مدة مضروبة عند الله ومقدار معين، فلهذا يمحو ما يشاء منها ويثبت، يعني حتى نسخت كلها بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله، صلوات الله وسلامه عليه. وقوله: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} اختلف المفسرون في ذلك، فقال الثوري، ووكيع، وهشيم، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يدبر أمر السنة، فيمحو ما يشاء، إلا الشقاء والسعادة، والحياة والموت. وفي رواية: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} قال: كل شيء إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة فإنهما قد فرغ منهما. وقال مجاهد: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة، فإنهما لا يتغيران. وقال منصور: سألت مجاهدا فقلت: أرأيت دعاء أحدنا يقول: اللهم، إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه عنهم واجعله في السعداء. فقال: حسن. ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر، فسألته عن ذلك، فقال: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم} [الدخان: 3، 4] قال: يقضي في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، فأما كتاب الشقاوة والسعادة فهو ثابت لا يغير . وقال الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة: إنه كان يكثر أن يدعو بهذا الدعاء: اللهم، إن كنت كتبتنا أشقياء فامحه، واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. رواه ابن جرير . وقال ابن جرير أيضا: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن أبي حكيمة عصمة، عن أبي عثمان النهدي؛ أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال وهو يطوف بالبيت وهو يبكي: اللهم، إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة.

قسم V04/P468–V04/P470

وقال حماد عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة عن ابن مسعود أنه كان يدعو بهذا الدعاء أيضا. ورواه شريك، عن هلال بن حميد، عن عبد الله بن عكيم، عن ابن مسعود، بمثله. وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا حجاج، حدثنا خصاف، عن أبي حمزة، عن إبراهيم؛ أن كعبا قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} . ومعنى هذه الأقوال: أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها، ويثبت منها ما يشاء، وقد يستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، وهو الثوري، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر". ورواه النسائي وابن ماجه، من حديث سفيان الثوري، به . وثبت في الصحيح أن صلة الرحم تزيد في العمر وفي الحديث الآخر: "إن الدعاء والقضاء ليعتلجان بين السماء والأرض" . وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سهل بن عسكر، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: إن لله لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام، من درة بيضاء لها دفتان من ياقوت -والدفتان: لوحان -لله، عز وجل [كل يوم ثلاثمائة] وستون لحظة، يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. وقال الليث بن سعد، عن زياد بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " [إن الله] يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل، في الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت". وذكر تمام الحديث. رواه ابن جرير. وقال الكلبي: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه. فقيل له: من حدثك بهذا؟ فقال: أبو صالح، عن جابر بن عبد الله بن رئاب، عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم سئل بعد ذلك عن هذه الآية فقال: يكتب القول كله، حتى إذا كان يوم الخميس، طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب، مثل قولك: أكلت وشربت، دخلت وخرجت ونحوه من الكلام، وهو صادق، ويثبت ما كان فيه الثواب، وعليه العقاب. وقال عكرمة، عن ابن عباس: الكتاب كتابان: فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} يقول: هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله، ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة، فهو الذي يمحو -والذي يثبت: الرجل يعمل بمعصية الله، وقد كان سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله، وهو الذي يثبت. وروي عن سعيد بن جبير: أنها بمعنى: {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} [البقرة: 284] . وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} يقول: يبدل ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله، {وعنده أم الكتاب} يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، الناسخ، والمنسوخ، وما يبدل، وما يثبت كل ذلك في كتاب. وقال قتادة في قوله: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} كقوله {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106]

قسم V04/P470–V04/P472

وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} قال: قالت كفار قريش حين أنزلت: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} ما نراك يا محمد تملك من شيء، ولقد فرغ من الأمر. فأنزلت هذه الآية تخويفا، ووعيدا لهم: إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ونحدث في كل رمضان، فنمحو ونثبت ما نشاء من أرزاق الناس ومصائبهم، وما نعطيهم، وما نقسم لهم. وقال الحسن البصري: {يمحوا الله ما يشاء} قال: من جاء أجله، فذهب، ويثبت الذي هو حي يجري إلى أجله. وقد اختار هذا القول أبو جعفر بن جرير، رحمه الله. وقوله: {وعنده أم الكتاب} قال: الحلال والحرام. وقال قتادة: أي جملة الكتاب وأصله. وقال الضحاك: {وعنده أم الكتاب} قال: كتاب عند رب العالمين. وقال سنيد بن داود، حدثني معتمر، عن أبيه، عن سيار، عن ابن عباس؛ أنه سأل كعبا عن "أم الكتاب"، فقال: علم الله، ما هو خالق، وما خلقه عاملون، ثم قال لعلمه: "كن كتابا". فكانا كتابا. وقال ابن جرير، عن ابن عباس: {وعنده أم الكتاب} قال: الذكر، [والله أعلم] . {وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب } يقول تعالى لرسوله: {وإن ما نرينك} يا محمد {بعض الذي نعدهم} أي: نعد أعداءك من الخزي والنكال في الدنيا، {أو نتوفينك} [أي] قبل ذلك، {فإنما عليك البلاغ} أي: إنما أرسلناك لتبلغهم رسالة الله وقد بلغت ما أمرت به، {وعلينا الحساب} أي: حسابهم وجزاؤهم، كما قال تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم} [الغاشية: 21 -26] . وقوله: {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} قال ابن عباس: أو لم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض؟ وقال في رواية: أو لم يروا إلى القرية تخرب، حتى يكون العمران في ناحية؟ وقال مجاهد وعكرمة: {ننقصها من أطرافها} قال: خرابها. وقال الحسن والضحاك: هو ظهور المسلمين على المشركين. وقال العوفي عن ابن عباس: نقصان أهلها وبركتها. وقال مجاهد: نقصان الأنفس والثمرات وخراب الأرض. وقال الشعبي: لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك، ولكن تنقص الأنفس والثمرات. وكذا قال عكرمة: لو كانت الأرض تنقص لم تجد مكانا تقعد فيه، ولكن هو الموت. وقال ابن عباس في رواية: خرابها بموت فقهائها وعلمائها وأهل الخير منها. وكذا قال مجاهد أيضا: هو موت العلماء. وفي هذا المعنى روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أحمد بن عبد العزيز أبي القاسم المصري الواعظ سكن أصبهان، حدثنا أبو محمد طلحة بن أسد المرئي بدمشق، أنشدنا أبو بكر الآجرى بمكة قال: أنشدنا أحمد بن غزال لنفسه: الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها متى يمت عالم منها يمت طرف كالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بها وإن أبى عاد في أكنافها التلف والقول الأول أولى، وهو ظهور الإسلام على الشرك قرية بعد قرية، [وكفرا بعد كفر، كما قال تعالى: {ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى} [الأحقاف:27] الآية، وهذا اختيار ابن جرير، رحمه الله] {وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار } يقول: {وقد مكر الذين من قبلهم} برسلهم، وأرادوا إخراجهم من بلادهم، فمكر الله بهم، وجعل العاقبة للمتقين، كما قال تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30] وقال تعالى: {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا} الآية [النمل: 50 -52] . وقوله: {يعلم ما تكسب كل نفس} أي: إنه تعالى عالم بجميع السرائر والضمائر، وسيجزي كل عامل بعمله.

قسم V04/P472–V04/P475

{وسيعلم الكافر} وقرئ: {الكفار} {لمن عقبى الدار} أي: لمن تكون الدائرة والعاقبة، لهم أو لأتباع الرسل؟ كلا بل هي لأتباع الرسل في الدنيا والآخرة، ولله الحمد والمنة. {ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب } يقول: ويكذبك هؤلاء الكفار ويقولون: {لست مرسلا} أي: ما أرسلك الله، {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم} أي: حسبي الله، وهو الشاهد علي وعليكم، شاهد علي فيما بلغت عنه من الرسالة، وشاهد عليكم أيها المكذبون فيما تفترونه من البهتان. وقوله: {ومن عنده علم الكتاب} قيل: نزلت في عبد الله بن سلام قاله مجاهد. وهذا القول غريب؛ لأن هذه الآية مكية، وعبد الله بن سلام إنما أسلم في أول مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. والأظهر في هذا ما قاله العوفي، عن ابن عباس قال: هم من اليهود والنصارى. وقال قتادة: منهم ابن سلام، وسلمان، وتميم الداري. وقال مجاهد -في رواية -عنه: هو الله تعالى. وكان سعيد بن جبير ينكر أن يكون المراد بها عبد الله بن سلام، ويقول: هي مكية، وكان يقرؤها: "ومن عنده علم الكتاب"، ويقول: من عند الله. وكذا قرأها مجاهد والحسن البصري. وقد روى ابن جرير من حديث، هارون الأعور، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها: ""ومن عنده علم الكتاب"، ثم قال: لا أصل له من حديث الزهري عند الثقات. قلت: وقد رواه الحافظ أبو يعلى في مسنده، من طريق هارون بن موسى هذا، عن سليمان بن أرقم -وهو ضعيف -عن الزهري، عن سالم، عن أبيه مرفوعا كذلك. ولا يثبت. والله أعلم والصحيح في هذا: أن {ومن عنده} اسم جنس يشمل علماء أهل الكتاب الذين يجدون صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته في كتبهم المتقدمة، من بشارات الأنبياء به، كما قال تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} الآية [الأعراف: 156، 157] وقال تعالى: {أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل} الآية: [الشعراء: 197] . وأمثال ذلك مما فيه الإخبار عن علماء بني إسرائيل: أنهم يعلمون ذلك من كتبهم المنزلة. وقد ورد في حديث الأحبار، عن عبد الله بن سلام بأنه أسلم بمكة قبل الهجرة. قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب "دلائل النبوة"، وهو كتاب جليل: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن حمزة بن يوسف، بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، أن عبد الله بن سلام قال لأحبار اليهود: إني أردت أن أجدد بمسجد أبينا إبراهيم وإسماعيل عهدا فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، فوافاهم وقد انصرفوا من الحج، فوجد رسول الله، بمنى، والناس حوله، فقام مع الناس، فلما نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنت عبد الله بن سلام؟ " قال: قلت: نعم. قال: "ادن". فدنوت منه، قال: "أنشدك بالله يا عبد الله بن سلام، أما تجدني في التوراة رسول الله؟ " فقلت له: انعت ربنا. قال: فجاء جبريل حتى وقف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد} [سورة الإخلاص] فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. ثم انصرف ابن سلام إلى المدينة فكتم إسلامه. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأنا فوق نخلة لي أجدها، فألقيت نفسي، فقالت أمي: [لله] أنت، لو كان موسى بن عمران ما كان لك أن تلقي نفسك من رأس النخلة. فقلت: والله لأني أسر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم من موسى بن عمران إذ بعث. وهذا حديث غريب جدا. تفسير سورة إبراهيم عليه السلام

قسم V04/P475–V04/P477

وهي مكية. بسم الله الرحمن الرحيم {الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد } قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور. {كتاب أنزلناه إليك} أي: هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن العظيم، الذي هو أشرف كتاب أنزله الله من السماء، على أشرف رسول بعثه الله في الأرض، إلى جميع أهلها عربهم وعجمهم . {لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} أي: إنما بعثناك يا محمد بهذا الكتاب؛ لتخرج الناس مما هم فيه من الضلال والغي إلى الهدى والرشد، كما قال: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} الآية [البقرة: 257] ، وقال تعالى: {هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور} [الحديد: 9] . وقوله: {بإذن ربهم} أي: هو الهادي لمن قدر له الهداية على يدي رسوله المبعوث عن أمره يهديهم {إلى صراط العزيز} أي: العزيز الذي لا يمانع ولا يغالب، بل هو القاهر لكل ما سواه، "الحميد" أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله، وشرعه وأمره ونهيه، الصادق في خبره. وقوله: {الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} قرأه بعضهم مستأنفا مرفوعا، وقرأه آخرون على الإتباع صفة للجلالة، كما قال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض} [الأعراف: 158] . وقوله: {وويل للكافرين من عذاب شديد} أي: ويل لهم يوم القيامة إذ خالفوك يا محمد وكذبوك. ثم وصفهم بأنهم يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، أي: يقدمونها ويؤثرونها عليها، ويعملون للدنيا ونسوا الآخرة، وتركوها وراء ظهورهم، {ويصدون عن سبيل الله} وهي اتباع الرسل {ويبغونها عوجا} أي: ويحبون أن تكون سبيل الله عوجا مائلة عائلة وهي مستقيمة في نفسها، لا يضرها من خالفها ولا من خذلها، فهم في ابتغائهم ذلك في جهل وضلال بعيد من الحق، لا يرجى لهم -والحالة هذه -صلاح. {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم } هذا من لطفه تعالى بخلقه: أنه يرسل إليهم رسلا منهم بلغاتهم ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به إليهم، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن عمر بن ذر قال: قال مجاهد: عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم يبعث الله، عز وجل، نبيا إلا بلغة قومه" . وقوله: {فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} أي: بعد البيان وإقامة الحجة عليهم يضل تعالى من يشاء عن وجه الهدى، ويهدي من يشاء إلى الحق، {وهو العزيز} الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، {الحكيم} في أفعاله، فيضل من يستحق الإضلال، ويهدي من هو أهل لذلك. وقد كانت هذه سنة الله في خلقه: أنه ما بعث نبيا في أمة إلا أن يكون بلغتهم، فاختص كل نبي بإبلاغ رسالته إلى أمته دون غيرهم، واختص محمد بن عبد الله رسول الله بعموم الرسالة إلى سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس عامة" . وله شواهد من وجوه كثيرة، وقال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158] . {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور }

قسم V04/P477–V04/P478

يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد وأنزلنا عليك الكتاب، لتخرج الناس كلهم، تدعوهم إلى الخروج من الظلمات إلى النور، كذلك أرسلنا موسى في بني إسرائيل بآياتنا. قال مجاهد: وهي التسع الآيات. {أن أخرج قومك من الظلمات} أي: أمرناه قائلين له: {أخرج قومك من الظلمات إلى النور} أي: ادعهم إلى الخير، ليخرجوا من ظلمات ما كانوا فيه من الجهل والضلال إلى نور الهدى وبصيرة الإيمان. {وذكرهم بأيام الله} أي: بأياديه ونعمه عليهم، في إخراجه إياهم من أسر فرعون. وقهره وظلمه وغشمه، وإنجائه إياهم من عدوهم، وفلقه لهم البحر، وتظليله إياهم بالغمام، وإنزاله عليهم المن والسلوى، إلى غير ذلك من النعم. قال ذلك مجاهد، وقتادة، وغير واحد. وقد ورد فيه الحديث المرفوع الذي رواه عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في مسند أبيه حيث قال: حدثني يحيى بن عبد الله مولى بني هاشم، حدثنا محمد بن أبان الجعفي، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير [عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تبارك وتعالى: {وذكرهم بأيام الله} قال: "بنعم الله تبارك وتعالى] " . [ورواه ابن جرير] وابن أبي حاتم، من حديث محمد بن أبان، به ورواه عبد الله ابنه أيضا موقوفا وهو أشبه. وقوله: {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} أي: إن فيما صنعنا بأوليائنا بني إسرائيل حين أنقذناهم من يد فرعون، وأنجيناهم مما كانوا فيه من العذاب المهين، لعبرة لكل صبار، أي: في الضراء، شكور، أي: في السراء، كما قال قتادة: نعم العبد، عبد إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر. وكذا جاء في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن أمر المؤمن كله عجب، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له" . {وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد } يقول تعالى مخبرا عن موسى، حين ذكر قومه بأيام الله عندهم ونعمه عليهم، إذ أنجاهم من آل فرعون، وما كانوا يسومونهم به من العذاب والإذلال، حين كانوا يذبحون من وجد من أبنائهم، ويتركون إناثهم فأنقذ الله بني إسرائيل من ذلك، وهذه نعمة عظيمة؛ ولهذا قال: {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} أي: نعمة عظيمة منه عليكم في ذلك، أنتم عاجزون عن القيام بشكرها. وقيل: وفيما كان يصنعه بكم قوم فرعون من تلك الأفاعيل {بلاء} أي: اختبار عظيم. ويحتمل أن يكون المراد هذا وهذا، والله أعلم، كما قال تعالى: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} [الأعراف: 168] . وقوله: {وإذ تأذن ربكم} أي: آذنكم وأعلمكم بوعده لكم. ويحتمل أن يكون المعنى: وإذ أقسم ربكم وآلى بعزته وجلاله وكبريائه كما قال: {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة [من يسومهم سوء العذاب] } [الأعراف: 167] . وقوله {لئن شكرتم لأزيدنكم} أي: لئن شكرتم نعمتي عليكم لأزيدنكم منها، {ولئن كفرتم} أي: كفرتم النعم وسترتموها وجحدتموها، {إن عذابي لشديد} وذلك بسلبها عنهم، وعقابه إياهم على كفرها. وقد جاء في الحديث: "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" . وفي المسند: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به سائل فأعطاه تمرة، فتسخطها ولم يقبلها، ثم مر به آخر فأعطاه إياها، فقبلها وقال: تمرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر له بأربعين درهما، أو كما قال.

قسم V04/P478–V04/P480

قال الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا عمارة الصيدلاني، عن ثابت، عن أنس قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم سائل فأمر له بتمرة فلم يأخذها -أو: وحش بها -قال: وأتاه آخر فأمر له بتمرة، فقال: سبحان الله! تمرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال للجارية: "اذهبي إلى أم سلمة، فأعطيه الأربعين درهما التي عندها". تفرد به الإمام أحمد . وعمارة بن زاذان وثقه ابن حبان، وأحمد، ويعقوب بن سفيان وقال ابن معين: صالح. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، ليس بالمتين. وقال البخاري: ربما يضطرب في حديثه. وعن أحمد أيضا أنه قال: روي عنه أحاديث منكرة. وقال أبو داود: ليس بذاك. وضعفه الدارقطني، وقال ابن عدي: لا بأس به ممن يكتب حديثه. وقوله تعالى: {وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد} أي: هو غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود، وإن كفره من كفره، كما قال: {إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم} [الزمر: 7] وقال تعالى: {فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد} [التغابن: 6] . وفي صحيح مسلم، عن أبي ذر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه، عز وجل، أنه قال: "يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئا، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر". فسبحانه وتعالى الغني الحميد . {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب } قال ابن جرير: هذا من تمام قيل موسى لقومه . يعني: وتذكاره إياهم بأيام الله، بانتقامه من الأمم المكذبة للرسل. وفيما قال ابن جرير نظر؛ والظاهر أنه خبر مستأنف من الله تعالى لهذه الأمة، فإنه قد قيل: إن قصة عاد وثمود ليست في التوراة، فلو كان هذا من كلام موسى لقومه وقصه عليهم ذلك فلا شك أن تكون هاتان القصتان في "التوراة"، والله أعلم. وبالجملة فالله تعالى قد قص علينا خبر قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم المكذبة للرسل، مما لا يحصي عددهم إلا الله عز وجل أتتهم رسلهم بالبينات، أي: بالحجج والدلائل الواضحات الباهرات القاطعات. وقال ابن إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله أنه قال في قوله: {لا يعلمهم إلا الله} كذب النسابون. وقال عروة بن الزبير: ما وجدنا أحدا يعرف ما بعد معد بن عدنان. وقوله: {فردوا أيديهم في أفواههم} اختلف المفسرون في معناه، فقيل: معناه: أنهم أشاروا إلى أفواه الرسل يأمرونهم بالسكوت عنهم، لما دعوهم إلى الله، عز وجل. وقيل: بل وضعوا أيديهم على أفواههم تكذيبا لهم. وقيل: بل هو عبارة عن سكوتهم عن جواب الرسل. وقال مجاهد، ومحمد بن كعب، وقتادة: معناه: أنهم كذبوهم وردوا عليهم قولهم بأفواههم. قال ابن جرير: وتوجيهه أن "في" ها هنا بمعنى "الباء"، قال: وقد سمع من العرب: "أدخلك الله بالجنة" يعنون: في الجنة، وقال الشاعر: وأرغب فيها عن لقيط ورهطه عن سنبس لست أرغب يريد: أرغب بها . قلت: ويؤيد قول مجاهد تفسير ذلك بتمام الكلام: {وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب} فكأن هذا [والله أعلم] تفسير لمعنى رد أيديهم في أفواههم. وقال سفيان الثوري، وإسرائيل، عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص، عن عبد الله في قوله: {فردوا أيديهم في أفواههم} قال: عضوا عليها غيظا.

قسم V04/P480–V04/P482

وقال شعبة، عن أبي إسحاق، أبي هبيرة ابن مريم، عن عبد الله أنه قال ذلك أيضا. وقد اختاره عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ووجهه ابن جرير مختارا له، بقوله تعالى عن المنافقين: {وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} [آل عمران: 119] . وقال العوفي، عن ابن عباس: لما سمعوا كتاب الله عجبوا، ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم. وقالوا: {إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب} يقولون: لا نصدقكم فيما جئتم به؛ فإن عندنا فيه شكا قويا. {قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين } {قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون } يخبر تعالى عما دار بين الكفار وبين رسلهم من المجادلة، وذلك أن أممهم لما واجهوهم بالشك فيما جاءوهم به من عبادة الله وحده لا شريك له، قالت الرسل: {أفي الله شك} وهذا يحتمل شيئين، أحدهما: أفي وجوده شك، فإن الفطر شاهدة بوجوده، ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة، ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب، فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده؛ ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه {فاطر السماوات والأرض} الذي خلقها وابتدعها على غير مثال سبق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليها، فلا بد لها من صانع، وهو الله لا إله إلا هو، خالق كل شيء وإلهه ومليكه. والمعنى الثاني في قولهم: {أفي الله شك} أي: أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك، وهو الخالق لجميع الموجودات، ولا يستحق العبادة إلا هو، وحده لا شريك له؛ فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى. وقالت لهم الرسل: ندعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم، أي: في الدار الآخرة، {ويؤخركم إلى أجل مسمى} أي: في الدنيا، كما قال تعالى: {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله} الآية [هود: 3] ، فقالت لهم الأمم محاجين في مقام الرسالة، بعد تقدير تسليمهم للمقام الأول، وحاصل ما قالوه: {إن أنتم إلا بشر مثلنا} أي: كيف نتبعكم بمجرد قولكم، ولما نر منكم معجزة؟ {فأتونا بسلطان مبين} أي: خارق نقترحه عليكم. قالت لهم رسلهم: {إن نحن إلا بشر مثلكم} أي: صحيح أنا بشر مثلكم في البشرية {ولكن الله يمن على من يشاء من عباده} أي: بالرسالة والنبوة {وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان} على وفق ما سألتم {إلا بإذن الله} أي: بعد سؤالنا إياه، وإذنه لنا في ذلك، {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} أي: في جميع أمورهم. ثم قالت الرسل: {وما لنا ألا نتوكل على الله} أي: وما يمنعنا من التوكل عليه، وقد هدانا لأقوم الطرق وأوضحها وأبينها، {ولنصبرن على ما آذيتمونا} أي: من الكلام السيئ، والأفعال السخيفة، {وعلى الله فليتوكل المتوكلون} {وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ }

قسم V04/P482–V04/P484

يخبر تعالى عما توعدت به الأمم الكافرة رسلهم، من الإخراج من أرضهم، والنفي من بين أظهرهم، كما قال قوم شعيب له ولمن آمن به: {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا} [الأعراف: 88] ، وقال قوم لوط: {أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} [النمل: 56] ، وقال تعالى إخبارا عن مشركي قريش: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا} [الإسراء: 76] ، وقال تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30] . وكان من صنعه تعالى: أنه أظهر رسوله ونصره، وجعل له بسبب خروجه من مكة أنصارا وأعوانا وجندا، يقاتلون في سبيل الله، ولم يزل يرقيه [الله] تعالى من شيء إلى شيء، حتى فتح له مكة التي أخرجته، ومكن له فيها، وأرغم آناف أعدائه منهم، و [من] سائر [أهل] الأرض، حتى دخل الناس في دين الله أفواجا، وظهرت كلمة الله ودينه على سائر الأديان، في مشارق الأرض ومغاربها في أيسر زمان؛ ولهذا قال تعالى: {فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم} كما قال تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون} [الصافات: 171 -173] ، وقال تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز} [المجادلة: 21] ، وقال: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105] ، {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} [الأعراف: 128] ، وقال تعالى: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون} [الأعراف: 137] . وقوله: {ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد} أي: وعيدي هذا لمن خاف مقامي بين يدي يوم القيامة، وخشي من وعيدي، وهو تخويفي وعذابي، كما قال تعالى: {فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: 37 -41] ، وقال: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن: 46] . وقوله: {واستفتحوا} أي: استنصرت الرسل ربها على قومها. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: استفتحت الأمم على أنفسها، كما قالوا: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] . ويحتمل أن يكون هذا مرادا وهذا مرادا، كما أنهم استفتحوا على أنفسهم يوم بدر، واستفتح رسول الله واستنصر، وقال الله تعالى للمشركين: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم} الآية [الأنفال: 19] ، والله أعلم. {وخاب كل جبار عنيد} أي: متجبر في نفسه معاند للحق، كما قال تعالى: {ألقيا في جهنم كل كفار عنيد مناع للخير معتد مريب الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد} [ق: 24 -26] . وفي الحديث: "إنه يؤتى بجهنم يوم القيامة، فتنادي الخلائق فتقول: إني وكلت بكل جبار عنيد" الحديث . خاب وخسر حين اجتهد الأنبياء في الابتهال إلى ربها العزيز المقتدر. وقوله: {من ورائه جهنم} و"وراء" ها هنا بمعنى "أمام"، كما قال تعالى: {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} [الكهف: 79] ، وكان ابن عباس يقرؤها "وكان أمامهم ملك". أي: من وراء الجبار العنيد جهنم، أي: هي له بالمرصاد، يسكنها مخلدا يوم المعاد، ويعرض عليها غدوا وعشيا إلى يوم التناد. {ويسقى من ماء صديد} أي: في النار ليس له شراب إلا من حميم أو غساق، فهذا في غاية الحرارة، وهذا في غاية البرد والنتن، كما قال: {هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج} [ص: 57، 58] . وقال مجاهد، وعكرمة: الصديد: من القيح والدم.

قسم V04/P484–V04/P485

وقال قتادة: هو ما يسيل من لحمه وجلده. وفي رواية عنه: الصديد: ما يخرج من جوف الكافر، قد خالط القيح والدم. ومن حديث شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: قلت: يا رسول الله، ما طينة الخبال؟ قال: "صديد أهل النار" وفي رواية: "عصارة أهل النار" . وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله، أنا صفوان بن عمرو، عن عبيد الله بن بر، عن أبي أمامة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {ويسقى من ماء صديد يتجرعه} قال: "يقرب إليه فيتكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره. يقول الله تعالى {وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم} [محمد: 15] ، ويقول: {وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب} [الكهف: 29] . وهكذا رواه ابن جرير، من حديث عبد الله بن المبارك، به ورواه هو وابن أبي حاتم: من حديث بقية ابن الوليد، عن صفوان بن عمرو، به . وقوله: {يتجرعه} أي: يتغصصه ويتكرهه، أي: يشربه قهرا وقسرا، لا يضعه في فيه حتى يضربه الملك بمطراق من حديد، كما قال تعالى: {ولهم مقامع من حديد} [الحج: 21] . {ولا يكاد يسيغه} أي: يزدرده لسوء لونه وطعمه وريحه، وحرارته أو برده الذي لا يستطاع. {ويأتيه الموت من كل مكان} أي: يألم له جميع بدنه وجوارحه وأعضائه. قال ميمون بن مهران: من كل عظم، وعرق، وعصب. وقال عكرمة: حتى من أطراف شعره. وقال إبراهيم التيمي: من موضع كل شعرة، أي: من جسده، حتى من أطراف شعره. وقال ابن جرير: {ويأتيه الموت من كل مكان} أي: من أمامه وورائه، وعن يمينه وشماله، ومن فوقه ومن تحت أرجله ومن سائر أعضاء جسده. وقال الضحاك، عن ابن عباس: {ويأتيه الموت من كل مكان} قال: أنواع العذاب الذي يعذبه الله بها يوم القيامة في نار جهنم، وليس منها نوع إلا الموت يأتيه منه لو كان يموت، ولكن لا يموت؛ لأن الله تعالى قال: {لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها [كذلك نجزي كل كفور] } [فاطر: 36] . ومعنى كلام ابن عباس، رضي الله عنه: أنه ما من نوع من هذه الأنواع من [هذا] العذاب إلا إذا ورد عليه اقتضى أن يموت منه لو كان يموت، ولكنه لا يموت ليخلد في دوام العذاب والنكال؛ ولهذا قال: {ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت} وقوله: {ومن ورائه عذاب غليظ} أي: وله من بعد هذا الحال عذاب آخر غليظ، أي: مؤلم صعب شديد أغلظ من الذي قبله وأدهى وأمر. وهذا كما قال تعالى عن شجرة الزقوم: {إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رءوس الشياطين فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم} [الصافات: 64 -68] ، فأخبر أنهم تارة يكونون في أكل زقوم، وتارة في شرب حميم، وتارة يردون إلى الجحيم عياذا بالله من ذلك، وهكذا قال تعالى: {هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن} [الرحمن: 43، 44] ، وقال تعالى: {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ذق إنك أنت العزيز الكريم إن هذا ما كنتم به تمترون} [الدخان: 43 -50] ، وقال: {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم} [الواقعة: 41 -44] ، وقال تعالى: {هذا وإن للطاغين لشر مآب جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج} [ص: 55 -58] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تنوع العذاب عليهم، وتكراره وأنواعه وأشكاله، مما لا يحصيه إلا الله، عز وجل، جزاء وفاقا، {وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 46] .

قسم V04/P485–V04/P487

{مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد } هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار الذين عبدوا مع الله غيره، وكذبوا رسله، وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح؛ فانهارت وعدموها أحوج ما كانوا إليها، فقال تعالى: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم} أي: مثل أعمال الذين كفروا يوم القيامة إذا طلبوا ثوابها من الله تعالى؛ لأنهم كانوا يحسبون أنهم على شيء، فلم يجدوا شيئا، ولا ألفوا حاصلا إلا كما يتحصل من الرماد إذا اشتدت به الريح العاصفة {في يوم عاصف} أي: ذي ريح عاصفة قوية، فلا [يقدرون على شيء من أعمالهم التي كسبوها في الدنيا إلا كما] يقدرون على جمع هذا الرماد في هذا اليوم، كما قال تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} [الفرقان: 23] ، وقال تعالى: {مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته} [آل عمران: 117] ، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين} [البقرة: 264] . وقال في هذه الآية: {ذلك هو الضلال البعيد} أي: سعيهم وعملهم على غير أساس ولا استقامة حتى فقدوا ثوابهم أحوج ما هم إليه، {ذلك هو الضلال البعيد} . {ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز } يقول تعالى مخبرا عن قدرته على معاد الأبدان يوم القيامة، بأنه خلق السموات والأرض التي هي أكبر من خلق الناس، أفليس الذي قدر على خلق هذه السموات، في ارتفاعها واتساعها وعظمتها وما فيها من الكواكب الثوابت والسيارات، والحركات المختلفات، والآيات الباهرات، وهذه الأرض بما فيها من مهاد ووهاد وأوتاد، وبراري وصحاري وقفار، وبحار وأشجار، ونبات وحيوان، على اختلاف أصنافها ومنافعها، وأشكالها وألوانها؛ {أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} [الأحقاف: 33] ، وقال تعالى: {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون} [يس: 77 -83] . وقوله: {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز} أي: بعظيم ولا ممتنع، بل هو سهل عليه إذا خالفتم أمره، أن يذهبكم ويأتي بآخرين على غير صفتكم، كما قال تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز} [فاطر: 15 -17] ، وقال: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38] ، وقال: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] ، وقال: {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا} [النساء: 133] . {وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } يقول: {وبرزوا [لله] } أي: برزت الخلائق كلها، برها وفاجرها لله وحده الواحد القهار، أي: اجتمعوا له في براز من الأرض، وهو المكان الذي ليس فيه شيء يستر أحدا. {فقال الضعفاء} وهم الأتباع لقادتهم وسادتهم وكبرائهم الذين استكبروا عن عبادة.

قسم V04/P487–V04/P488

الله وحده لا شريك له، وعن موافقة الرسل، فقالوا لهم: {إنا كنا لكم تبعا} أي: مهما أمرتمونا ائتمرنا وفعلنا، {فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء} أي: فهل تدفعون عنا شيئا من عذاب الله، كما كنتم تعدوننا وتمنوننا؟ فقالت القادة لهم: {لو هدانا الله لهديناكم} ولكن حق علينا قول ربنا، وسبق فينا وفيكم قدر الله، وحقت كلمة العذاب على الكافرين. {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص} أي: ليس لنا خلاص مما نحن فيه إن صبرنا عليه أو جزعنا منه. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله، عز وجل، تعالوا نبك ونتضرع إلى الله فبكوا وتضرعوا، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: تعالوا، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر، تعالوا حتى نصبر فصبروا صبرا لم ير مثله، فلم ينفعهم ذلك، فعند ذلك قالوا {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص} قلت: والظاهر أن هذه المراجعة في النار بعد دخولهم إليها، كما قال تعالى: {وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد} [غافر: 47، 48] ، وقال تعالى: {قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون} [الأعراف: 38، 39] ، وقال تعالى: {يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا} [الأحزاب: 66 -68] . وأما تخاصمهم في المحشر، فقال تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} [سبأ: 31 -33] . {وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام } يخبر تعالى عما خطب به إبليس [لعنه الله] أتباعه، بعدما قضى الله بين عباده، فأدخل المؤمنين الجنات، وأسكن الكافرين الدركات، فقام فيهم إبليس -لعنه الله -حينئذ خطيبا ليزيدهم حزنا إلى حزنهم وغبنا إلى غبنهم، وحسرة إلى حسرتهم، فقال: {إن الله وعدكم وعد الحق} أي: على ألسنة رسله، ووعدكم في اتباعهم النجاة والسلامة، وكان وعدا حقا، وخبرا صدقا، وأما أنا فوعدتكم وأخلفتكم، كما قال الله تعالى: {يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} [النساء: 120] .

قسم V04/P488–V04/P490

ثم قال: {وما كان لي عليكم من سلطان} أي: ما كان لي عليكم فيما دعوتكم إليه من دليل ولا حجة على صدق ما وعدتكم به، {إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} بمجرد ذلك، هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاءوكم به، فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه، {فلا تلوموني} اليوم، {ولوموا أنفسكم} فإن الذنب لكم، لكونكم خالفتم الحجج واتبعتموني بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل، {ما أنا بمصرخكم} أي: بنافعكم ومنقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه، {وما أنتم بمصرخي} أي: بنافعي بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال، {إني كفرت بما أشركتمون من قبل} قال قتادة: أي بسبب ما أشركتمون من قبل. وقال ابن جرير: يقول: إني جحدت أن أكون شريكا لله، عز وجل. وهذا الذي قال هو الراجح كما قال تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} [الأحقاف: 5، 6] ، وقال: {كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} [مريم: 82] . وقوله: {إن الظالمين} أي: في إعراضهم عن الحق واتباعهم الباطل {لهم عذاب أليم} والظاهر من سياق الآية: أن هذه الخطبة تكون من إبليس بعد دخولهم النار، كما قدمنا. ولكن قد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم -وهذا لفظه -وابن جرير من رواية عبد الرحمن بن زياد: حدثني دخين الحجري، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا جمع الله الأولين والآخرين، فقضى بينهم، ففرغ من القضاء، قال المؤمنون: قد قضى بيننا ربنا، فمن يشفع لنا؟ فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم -وذكر نوحا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى -فيقول عيسى: أدلكم على النبي الأمي. فيأتوني، فيأذن الله لي أن أقوم إليه فيثور [من] مجلسي من أطيب ريح شمها أحد قط، حتى آتي ربي فيشفعني، ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي، ثم يقول الكافرون هذا: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فمن يشفع لنا؟ ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا، فيأتون إبليس فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فقم أنت فاشفع لنا، فإنك أنت أضللتنا. فيقوم فيثور من مجلسه من أنتن ريح شمها أحد قط، ثم يعظم نحيبهم {وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} . وهذا سياق ابن أبي حاتم، ورواه ابن المبارك عن رشدين بن سعد، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن دخين عن عقبة، به مرفوعا . وقال محمد بن كعب القرظي، رحمه الله: لما قال أهل النار: {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص} قال لهم إبليس: {إن الله وعدكم وعد الحق} الآية، فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم، فنودوا: {لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} [غافر: 10] . وقال عامر الشعبي: يقوم خطيبان يوم القيامة على رءوس الناس، يقول الله لعيسى ابن مريم: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} إلى قوله: {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} [المائدة: 116، 119] ، قال: ويقوم إبليس -لعنه الله -فيقول: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} الآية.

قسم V04/P490–V04/P491

ثم لما ذكر تعالى مآل الأشقياء وما صاروا إليه من الخزي والنكال. وأن خطيبهم إبليس، عطف بحال السعداء وأنهم يدخلون يوم القيامة جنات تجري من تحتها الأنهار سارحة فيها حيث ساروا وأين ساروا {خالدين فيها} ماكثين أبدا لا يحولون ولا يزولون، {بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام} كما قال تعالى: {حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم} [الزمر: 73] ، وقال تعالى: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم} [الرعد: 23، 24] وقال تعالى: {ويلقون فيها تحية وسلاما} [الفرقان: 75] ، وقال: {دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} [يونس: 10] . {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء } {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار } قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {مثلا كلمة طيبة} شهادة أن لا إله إلا الله، {كشجرة طيبة} وهو المؤمن، {أصلها ثابت} يقول: لا إله إلا الله في قلب المؤمن، {وفرعها في السماء} يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء. وهكذا قال الضحاك، وسعيد بن جبير، وعكرمة وقتادة وغير واحد: إن ذلك عبارة عن المؤمن، وقوله الطيب، وعمله الصالح، وإن المؤمن كالشجرة من النخل، لا يزال يرفع له عمل صالح في كل حين ووقت، وصباح ومساء. وهكذا رواه السدي، عن مرة، عن ابن مسعود قال: هي النخلة. وشعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس: هي النخلة. وحماد بن سلمة، عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بقناع بسر فقال: "ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة" قال: "هي النخلة" . وروي من هذا الوجه ومن غيره، عن أنس موقوفا وكذا نص عليه مسروق، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة وغيرهم. وقال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أخبروني عن شجرة تشبه -أو: كالرجل -المسلم، لا يتحات ورقها [ولا ولا ولا] تؤتي أكلها كل حين". قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي النخلة". فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتا، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة. قال: ما منعك أن تكلم؟ قال: لم أركم تتكلمون، فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئا. قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا . وقال أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: صحبت ابن عمر إلى المدينة، فلم أسمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثا واحدا -قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى بجمار. فقال: "من الشجر شجرة مثلها مثل الرجل المسلم". فأردت أن أقول: هي النخلة، فنظرت فإذا أنا أصغر القوم، [فسكت] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي النخلة" أخرجاه . وقال مالك وعبد العزيز، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما لأصحابه: "إن من الشجر شجرة لا يطرح ورقها، مثل المؤمن". قال: فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في قلبي أنها النخلة [فاستحييت، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي النخلة] " أخرجاه أيضا .

قسم V04/P491–V04/P493

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان -يعني ابن زيد العطار -حدثنا قتادة: أن رجلا قال: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور! فقال: "أرأيت لو عمد إلى متاع الدنيا، فركب بعضها على بعض أكان يبلغ السماء؟ أفلا أخبرك بعمل أصله في الأرض وفرعه في السماء؟ ". قال: ما هو يا رسول الله؟ قال: "تقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله"، عشر مرات في دبر كل صلاة، فذاك أصله في الأرض وفرعه في السماء" . وعن ابن عباس {كشجرة طيبة} قال: هي شجرة في الجنة. وقوله: {تؤتي أكلها كل حين} قيل: غدوة وعشيا. وقيل: كل شهر. وقيل: كل شهرين. وقيل: كل ستة أشهر. وقيل: كل سبعة أشهر. وقيل: كل سنة. والظاهر من السياق: أن المؤمن مثله كمثل شجرة، لا يزال يوجد منها ثمر في كل وقت من صيف أو شتاء، أو ليل أو نهار، كذلك المؤمن لا يزال يرفع له عمل صالح آناء الليل وأطراف النهار في كل وقت وحين. {بإذن ربها} أي: كاملا حسنا كثيرا طيبا، {ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون} وقوله: {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة} هذا مثل كفر الكافر، لا أصل له ولا ثبات، وشبه بشجرة الحنظل، ويقال لها: "الشريان". [رواه شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك: أنها شجرة الحنظل] . وقال أبو بكر البزار الحافظ: حدثنا يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا أبو زيد سعيد بن الربيع، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس -أحسبه رفعه-قال: "مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة"، قال: هي النخلة، {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة} قال: هي الشريان . ثم رواه عن محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة، عن معاوية، عن أنس موقوفا . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد -هو ابن سلمة -عن شعيب بن الحبحاب عن أنس بن مالك؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة" هي الحنظلة". فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: هكذا كنا نسمع. ورواه ابن جرير، من حديث حماد بن سلمة، به ورواه أبو يعلى في مسنده بأبسط من هذا فقال: حدثنا غسان، عن حماد، عن شعيب، عن أنس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بقناع عليه بسر، فقال: ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء. تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها فقال: "هي النخلة" {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار} قال: "هي الحنظل" قال شعيب: فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: كذلك كنا نسمع . وقوله: {اجتثت} أي: استؤصلت {من فوق الأرض ما لها من قرار} أي: لا أصل لها ولا ثبات، كذلك الكفر لا أصل له ولا فرع، ولا يصعد للكافر عمل، ولا يتقبل منه شيء. {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء } قال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أخبرني علقمة بن مرثد قال: سمعت سعد بن عبيدة، عن البراء بن عازب، رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم إذا سئل في القبر، شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فذلك قوله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} . ورواه مسلم أيضا وبقية الجماعة كلهم، من حديث شعبة، به .

قسم V04/P493–V04/P494

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله، كأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر"، مرتين أو ثلاثا، ثم قال: "إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر. ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان". قال: "فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض. فيصعدون بها، فلا يمرون -يعني بها -على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح [الطيب] ؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي [كانوا] يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى". قال: "فتعاد روحه [في جسده] فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة -قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره. ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة. رب، أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي". قال: "وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فجلسوا منه مد البصر. ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب". قال: "فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح. ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمونه بها في الدنيا [حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا] فيستفتح له فلا يفتح له". ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} [الأعراف: 40] ، فيقول الله: "اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا". ثم قرأ: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} [الحج: 31] .

قسم V04/P494–V04/P496

"فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار. فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: ومن أنت فوجهك [الوجه] يجيئ بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب، لا تقم الساعة". ورواه أبو داود من حديث الأعمش، والنسائي وابن ماجه من حديث المنهال بن عمرو، به . وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن يونس بن خباب عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب، رضي الله عنه، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة، فذكر نحوه. وفيه: "حتى إذا خرج روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، [وكل ملك في السماء] وفتحت أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله، عز وجل، أن يعرج بروحه من قبلهم". وفي آخره: "ثم يقيض له أعمى أصم أبكم، وفي يده مرزبة لو ضرب بها جبل لكان ترابا، فيضربه ضربة فيصير ترابا. ثم يعيده الله، عز وجل، كما كان، فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين". قال البراء: ثم يفتح له باب إلى النار، ويمهد من فرش النار . وقال سفيان الثوري، عن أبيه، عن خيثمة، عن البراء في قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا} قال: عذاب القبر. وقال المسعودي، عن عبد الله بن مخارق، عن أبيه، عن عبد الله قال: إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره، فيقال له: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيثبته الله، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم. وقرأ عبد الله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} . وقال الإمام عبد بن حميد، رحمه الله، في مسنده: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم". قال: "فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ " قال: "فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله". قال: "فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة". قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "فيراهما جميعا". قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا، ويملأ عليه خضرا إلى يوم القيامة. رواه مسلم عن عبد بن حميد، به وأخرجه النسائي من حديث يونس بن محمد المؤدب، به . وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سأل جابر بن عبد الله عن فتاني القبر فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا أدخل المؤمن قبره وتولى عنه أصحابه، جاء ملك شديد الانتهار، فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول المؤمن: أقول: إنه رسول الله وعبده. فيقول له الملك: انظر إلى مقعدك الذي كان لك في النار، قد أنجاك الله منه، وأبدلك بمقعدك الذي ترى من النار مقعدك الذي ترى من الجنة، فيراهما كليهما. فيقول المؤمن: دعوني أبشر أهلي. فيقال له: اسكن. وأما المنافق فيقعد إذا تولى عنه أهله، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، أقول كما يقول الناس. فيقال له: لا دريت، هذا مقعدك الذي كان لك في الجنة، قد أبدلت مكانه مقعدك من النار". قال جابر: فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يبعث كل عبد في القبر على ما مات، المؤمن على إيمانه، والمنافق على نفاقه".

الأسئلة

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm · 72 · Qur'an & Sunnah