İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
ولنا إن عبد الرحمن بن عوف أسر أمية بن خلف وابنه عليا يوم بدر فرآهما بلال فاستصرخ الأنصار عليهما حتى قتلوهما ولم يغرموا شيئا ولأنه أتلف ما ليس بمال فلم يغرمه كما لو أتلفه قبل أن يأتي به الإمام ولأنه أتلف ما لا قيمة له قبل أن يأتي به الإمام فلم يغرمه كما لو أتلف كلبا فأما إن قتل امرأة أو صبيا غرمه لأنه كان رقيقا بنفس السبي فصل ومن أسر فادعى أنه كان مسلما لم يقبل قوله إلا ببينة لأنه يدعي أمرا الظاهر خلافه يتعلق به إسقاط حتى يتعلق برقبته فإن شهد له واحد حلف معه وخلى سبيله وقال الشافعي لا تقبل إلا شهادة عدلين لأنه ليس بمال ولا يقصد منه المال ولنا ما روى عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر لا يبقى منهم أحد إلا أن يفدى أو يضرب عنقه فقال عبد الله بن مسعود إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم إلا سهيل بن بيضاء فقبل شهادة عبد الله وحده مسألة قال ( وينفل الإمام ومن استخلفه الإمام كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في بدأته الربع بعد الخمس وفي رجعته الثلث بعد الخمس ) النفل زيادة تزاد على سهم الغازي ومنه نفل الصلاة وهو ما زيد على الفرض وقول الله تعالى ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة الأنبياء 72 كأنه سأل الله ولدا فأعطاه ما سأل وزاده ولدا لولد والمراد بالبداية هاهنا ابتداء دخول الحرب والرجعة رجوعه عنها والنفل في الغزو ينقسم ثلاثة أقسام أحدها هذا الذي ذكره الخرقي وهو أن الإمام أو نائبه إذا دخل دار الحرب غازيا بعث بين يديه سرية تغير على العدو ويجعل لهم الربع بعد الخمس فما قدمت به السرية من شيء أخرج خمسه ثم أعطى السرية ما جعل لهم وهو ربع الباقي وذلك خمس آخر ثم قسم ما بقي في الجيش والسرية معه فإذا قفل بعث سرية تغير وجعل لهم الثلث بعد الخمس فما قدمت به السرية أخرج خمسه ثم أعطى السرية ثلث ما بقي ثم قسم سائره في الجيش والسرية معه وبهذا قال حبيب بن مسلمة والحسن والأوزاعي وجماعة ويروى عن عمرو بن شعيب أنه قال لا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعله يحتج بقوله تعالى يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول الأنفال 1 فخصه بها وكان سعيد بن المسيب ومالك يقولان لا نفل إلا من الخمس وقال الشافعي يخرج من خمس الخمس لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها عبد الله بن عمر فغنموا إبلا كثيرة فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا متفق عليه ولو أعطاهم من أربعة الأخماس التي هي لهم لم يكن نفلا وكان من سهامهم ولنا ما روى حبيب بن مسلمة الفهري قال شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل الربع في البداءة والثلث في الرجعة وفي لفظ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس إذا قفل رواهما أبو داود وعن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل في البداءة الربع وفي القفول الثلث رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب
وفي لفظ قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفلهم إذا خرجوا بادين الربع وينفلهم إذا قفلوا الثلث رواه الخلال بإسناده وروى الأثرم بإسناده عن جرير بن عبد الله البجلي أنه لما قدم على عمر في قومه قال له عمر هل لك أن تأتي الكوفة ولك الثلث بعد الخمس من كل أرض وشيء وذكره ابن المنذر أيضا عن عمر وقال إبراهيم النخعي ينفل السرية الثلث والربع يضربهم بذلك فأما قول عمرو بن شعيب فإن مكحولا قال له حين قال لا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر له حديث حبيب بن مسلمة شغلك أكل الزبيب بالطائف وما ثبت للنبي صلى الله عليه وسلم ثبت للأئمة بعده ما لم يقم على تخصيصه به دليل فأما حديث ابن عمر فهو حجة عليهم فإن بعيرا على اثنى عشر يكون حزءا من ثلاثة عشر وخمس الخمس جزء من خمسة وعشرين وجزء من ثلاثة عشر أكثر فلا يتصور أخذ الشيء من أقل منه يحققه أن الإثني عشر إذا كانت أربعة أخماس والبعير منها ثلت الخمس فكيف يتصور أخذ ثلث الخمس من خمس الخمس فهذا محال فتعين أن يكون ذلك من غيره أو أن النفل كان للسرية دون سائر الجيش على أن ما رويناه صريح في الحكم فلا يعارض بشيء مستنبط يحتمل غير ما حمله عليه من استنبطه إذا ثبت هذا فظاهر كلام أحمد أنهم إنما يستحقون هذا النفل بالشرط السابق فإن لم يكن شرطه لهم فلا فإنه قيل له أليس قد نفل رسول الله صلى الله عليه وسلم في البداءة الربع وفي الرجوع الثلث قال نعم ذاك إذا نفل وتقدم القول فيه فعلى هذا إن رأى الإمام أن لا ينفلهم شيئا فله ذلك وإن رأى أن ينفلهم دون الثلث والربع فله ذلك لأنه إذا جاز أن لا يجعل لهم شيئا جاز أن يجعل لهم شيئا يسيرا ولا يجوز أن ينفل أكثر من الثلث نص عليه أحمد وهو قول مكحول والأوزاعي والجمهور من العلماء وقال الشافعي لا حد للنفل بل هو موكول إلى اجتهاد الإمام لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفل مرة الثلث وأخرى الربع وفي حديث ابن عمر نفل نصف السدس فهذا يدل على أنه ليس للنفل حد لا يتجاوزه الإمام فينبغي أن يكون موكولا إلى اجتهاده ولنا إن نفل النبي صلى الله عليه وسلم انتهى إلى الثلث فينبغي أن لا يتجاوزه وما ذكره الشافعي يدل على أنه ليس لأقل النفل حد وأنه يجوز أن ينفل أقل من الثلث والربع ونحن نقول به على أن هذا القول مع قوله إن النفل من خمس الخمس تناقض فإن شرط لهم الإمام زيادة على الثلث ردوا إليه وقال الأوزاعي لا ينبغي أن يشرط النصف فإن زادهم على ذلك فليف لهم به ويجعل ذلك من الخمس وإنما زيد في الرجعة على البداءة في النفل لمشقتها فإن الجيش في البداءة ردء للسرية تابع لها والعدو خائف وربما كان غارا وفي الرجعة لا ردء للسرية لأن الجيش منصرف عنهم والعدو مستيقظ كلب قال أحمد في البداءة إذا كان ذاهبا الربع وفي القفلة إذا كان في الرجوع الثلث لأنهم يشتاقون إلى أهليهم فهذا أكبر القسم الثاني أن ينفل الإمام بعض الجيش لغنائه وبأسه وبلائه أو لمكروه تحمله دون سائر الجيش قال أحمد في الرجل يأمره الأمير يكون طليعة أو عنده يدفع إليه رأسا من السبي أو دابة قال إذا كان رجل له غناء ويقاتل في سبيل الله فلا بأس بذلك ذلك أنفع لهم يحرض هو وغيره يقاتلون ويغنمون وقال إذا نفذ الإمام صبيحة المغار الخيل فيصيب بعضهم وبعضهم لا يأتي بشيء فللوالي أن يخص بعض هؤلاء الذين جاؤوا بشيء دون هؤلاء وظاهر هذا أن له إعطاء من هذه حاله من غير شرط
وحجة هذا حديث سلمة بن الأكوع أنه قال أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعتهم فذكر الحديث فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم الفارس والراجل رواه مسلم وأبو داود وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر قال فبيتنا عدونا فقتلت ليلتئذ تسعة أهل أبيات وأخذت منهم امرأة فنفلنيها أبو بكر فلما قدمت المدينة استوهبها مني رسول الله صلى الله عليه وسلم فوهبتها له رواه مسلم بمعناه القسم الثالث أن يقول الأمير من طلع هذا الحصن أو هدم هذا السور أو نقب هذا النقب أو فعل كذا فله كذا أو من جاء بأسير فله كذا فهذا جائز في قول أكثر أهل العلم منهم الثوري قال أحمد إذا قال من جاء بعشر دواب أو بقر أو غنم فله واحد فمن جاء بخمسة أعطاه نصف ما قال لهم ومن جاء بشيء أعطاه بقدره قيل له إذا قال من جاء بعلج فله كذا وكذا فجاء بعلج يطيب له ما يعطى قال نعم وكره مالك هذا القسم ولم يره وقال قتالهم على هذا الوجه إنما هو للدنيا وقال هو وأصحابه لا نفل إلا بعد إحراز الغنيمة قال مالك ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا فله سلبه إلا بعد أن برد القتال ولنا ما تقدم من حديث حبيب وعبادة وما شرطه عمر لجويبر بن عبد الله وقول النبي صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا فله سلبه ولأن فيه مصلحة وتحريضا على القتال فجاز كاستحقاق الغنيمة وزيادة السهم الفارس واستحقاق السلب وما ذكروه يبطل بهذه المسائل وقوله إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل السلب للقاتل بعد أن برد القتال قلنا قوله ذلك ثابت الحكم فيما يأتي من الغزوات بعد قوله فهو بالنسبة إليها كالمشروط في أول الغزاة قال القاضي ولا يجوز هذا إلا إذا كان فيه مصلحة المسلمين وإن لم يكن فيه فائدة لم يجز لأنه إنما يخرج على وجه المصلحة فاعتبرت الحاجة فيه كأجرة الحمال والحافظ إذا ثبت هذا فإن النفل لا يختص بنوع من المال وذكر الخلال أنه لا نفل في الدراهم والدنانير وهو قول الأوزاعي لأن القاتل لا يستحق شيئا منها فكذلك غيره ولنا حديث حبيب بن مسلمة وعبادة وجرير فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل لهم الثلث والربع وهو عام في كل ما غنموه ولأنه نوع مال فجاز النفل فيه كسائر الأموال وأما القاتل فإنما نفل السلب وليست الدراهم والدنانير من السلب فلم يستحق غير ما جعل له فصل نقل أبو داود عن أحمد أنه قال له إذا قال من رجع إلى الساقة فله دينار والرجل يعمل في سياقة الغنم قال لم يزل أهل الشام يفعلون هذا وقد يكون في رجوعهم إلى الساقة وسياقة الغنم منفعة قيل له فإن أغار على قرية فنزل فيها والسبي والدواب والخرثي معهم في القرية ويمنع الناس من جمعه لكسل لا يخافون عليه العدو فيقول الإمام من جاء بعشرة أثواب فله ثوب ولمن جاء بعشرة رؤوس فله رأس قال أرجو أن لا يكون به بأس قيل له فإن قال من جاء بعدل من دقيق الروم فله دينار يريده لطعام السبي ما ترى في أخذ الدينار فلم ير به بأسا قيل فالإمام يخرج السرية وقد نفلهم جميعا فلما كان يوم المغار نادى من جاء بعشرة رؤوس فله رأس ومن جاء بكذا فله كذا فيذهب الناس فيطلبون فما ترى في هذا النفل قال لا بأس به إذا كان يحرضهم على ذلك ما لم يستغرق الثلث قلت فلا بأس بنفلين في شيء واحد قال نعم مالم يستغرق الثلث غير مرة سمعته يقول ذلك
فصل ويجوز للإمام ونائبه أن يبذلا جعلا لمن يدله على ما فيه مصلحة للمسلمين مثل طريق سهل أو ماء في مفازة أو قلعة يفتحها أو مال يأخذه أو عدو يغير عليه أو ثغرة يدخل منها لا نعلم في هذا خلافا لأنه جعل في مصلحة فجاز كأجرة الدليل وقد استأجر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في الهجرة من دلهم على الطريق ويستحق الجعل بفعل ما جعل له الجعل فيه سواء كان مسلما أو كافرا من الجيش أو من غيره فإن جعل له الجعل مما في يده وجب أن يكون معلوما لأنها جعالة بعوض من مال معلوم فوجب أن يكون معلوما كالجهالة في رد الآبق وإن كان الجعل من مال الكفار جاز أن يكون مجهولا جهالة لا تمنع التسليم ولا تفضي إلى التنازع لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للسرية الثلث والربع مما غنموه وهو مجهول لأن الغنيمة كلها مجهولة ولأنه مما تدعو الحاجة إليه والجعالة إنما تجوز بحسب الحاجة فإن جعل له جارية معينة إن دله على قلعة يفتحها مثل أن جعل له بنت رجل عينه من أهل القلعة لم يستحق شيئا حتى يفتح القلعة لأن جعالة شيء منه اقتضت اشتراط فتحها فإذا فتحت القلعة عنوة سلمت إليه إلا أن تكون قد أسلمت قبل الفتح فإنها عصمت نفسها بإسلامها فتعذر دفعها إليه فتدفع إليه قيمتها فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل مكة عام الحديبية على أن من جاء مسلما رده إليهم فجاء نساء مسلمات منعه الله من ردهن ولو كان الجعل رجلا من أهل القلعة فأسلم قبل الفتح عصم أيضا نفسه ولم يجز دفعه وكان لصاحب الجعل قيمته وإن كان إسلام الجارية أو الرجل بعد أسرهم سلما إليه إن كان مسلما وإن كان كافرا فله قيمتهما لأن الكافر لا يبتدىء الملك على مسلم وإن ماتا قبل الفتح أوبعده فلا شيء له لأنه علق حقه بشيء معين وقد تلف بغير تفريط فسقط حقه كالوديعة وفارق ما إذا أسلما فإن تسليمهما ممكن لكن منع الشرع منه وإن كان الفتح صلحا فاستثنى الإمام الجارية والرجل وسلمهما صح وإن وقع الصلح مطلقا طلب الجعل من صاحب القلعة وبذلت له قيمتهما فإن سلما إلى الإمام سلمهما إلى صاحبهما وإن أبى عرض على مشترطهما قيمتهما فإن أخذها أعطيها وتم الصلح وإن أبى فقال القاضي يفسخ الصلح لأنه حق قد تعذر إمضاء الصلح فيه لأن صاحب الجعل سابق ولا يمكن الجمع بينه وبين الصلح ونحو هذا مذهب الشافعي ولصاحب القلعة أن يحصنها مثلما كانت من غير زيادة ويحتمل أن يمضي الصلح وتدفع إلى صاحب الجعل قيمته لأنه تعذر دفعه إليه مع بقائه فدفعت إليه قيمته كما لو أسلم الجعل قبل الفتح أو أسلم بعده وصاحب الجعل كافر وقولهم إن حق صاحب الجعل سابق قلنا إلا أن المفسدة في فسخ الصلح أعظم لأن ضرره يعود على الجيش كله وربما عاد على غيره من المسلمين في كون هذه القلعة يتعذر فتحها بعد ذلك ويبقى ضررها على المسلمين ولا يجوز تحمل هذه المضرة لدفع ضرر يسير عن واحد فإن ضرر صاحب الجعل إنما هو في فوات عين الجعل وتفاوت ما بين عين الشيء وقميته يسير سيما وهو في حق شخص واحد ومراعاة حق المسلمين أجمعين بدفع الضرر الكثير عنهم أولى من دفع الضرر اليسير عن واحد منهم أو من غيرهم ولهذا قلنا فيمن وجد ماله قبل قسمه فهو أحق به فإن وجده بعد قسمته لم يأخذه إلا بثمنه لئلا يؤدي إلى الضرر بنقص القيمة أو حرمان من وقع ذلك في سهمه
فصل قال أحمد والنفل من أربعة أخماس الغنيمة هذا قول أنس بن مالك وفقهاء الشام منهم رجاء بن حيوة وعبادة بن نسى وعدي بن عدي ومكحول والقاسم بن عبد الرحمن ويزيد بن أبي مالك ويحيى بن جابر والأوزاعي وبه قال إسحاق وأبو عبيد وقال أبو عبيد والناس اليوم على هذا قال أحمد وكان سعيد بن المسيب ومالك بن أنس يقولان لا نفل إلا من الخمس فكيف خفي عليهما هذا مع علمهما وقال النخعي وطائفة إن شاء الإمام نفلهم إبل الخمس وإن شاء بعده وقال أبو ثور وإنما النفل قبل الخمس واحتج من ذهب إلى هذا بحديث ابن عمر الذي أوردناه ولنا ما روى معن بن يزيد السلمي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا نفل إلا بعد الخمس رواه أبو داود وابن عبد البر وهذا صريح وحديث حبيب بن مسلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس وحديث جرير حين قال له عمر ولك الثلث بعد الخمس ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نفل الثلث ولا يتصور إخراجه من الخمس ولأن الله تعالى قال واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الأنفال 41 يقتضي أن يكون الخمس خارجا من الغنيمة كلها وأما حديث ابن عمر فقد رواه شعيب عن نافع عن ابن عمر قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش قبل نجد وابتعت سرية من الجيش فكان سهمان الجيش اثني عشر بعير ونفل أهل السرية بعيرا بعيرا فكان سهمانهم ثلاثة عشر بعيرا فهذا يمكن أن يكون نفلهم من أربعة أخماس الغنيمة دون بقية الجيش كما ينفل السرايا ويتعين حمل الخبر على هذا لأنه لو أعطى جميع الجيش لم يكن ذلك نفلا وكان قد قسم لهم أكثر من أربعة الأخماس وهو خلاف الآية والأخبار فصل وكلام أحمد في أن النفل من أربعة الأخماس عام لعموم الخبر فيه ويحتمل أن يحمل على القسمين الأولين من النفل فأما القسم الثالث وهو أن يقول من جاء بشيء فله كذا أو من جاء بعشرة رؤوس فله رأس منها فيحتمل أن يستحق ذلك من الغنيمة كلها لأنه ينزل بمنزلة الجعل فأشبه السلب فإنه غير مخموس ويحتمل في القسم الثاني وهو زيادة بعض الغانمين على سهمه لغنائه أن يكون من خمس الخمس المعد للمصالح لأن عطية هذا من المصالح والمذاهب والمنصوص عليه الأول لأن عطية سلمة بن الأكوع سهم الفارس زيادة على سهمه إنما كانت من أربعة الأخماس والله أعلم مسألة قال ( ويرد من نفل على من معه في السرية إذ بقوتهم صار إليه ) هذا في الصورة التي ذكرها الخرقي وهي القسم الأول من أقسام النفل وهو إذا بعث سرية ونفلها الثلث أو الربع فدفع النفل إلى بعضهم وخصه به أو جاء بعضهم بشيء فنفله ولم يأت بعضهم بشيء فلم ينفله شارك من نفل من لم ينفل نص عليه أحمد لأن هؤلاء إنما أخذوا بقوة هؤلاء ولأنهم استحقوا النفل على وجه الإشاعة بينهم بالشرط السابق فلم يختص به واحد منهم كالغنيمة فأما في القسمين الآخرين اللذين لم يذكرهما الخرقي مثل أن يخص بعض الجيش بنفل لغنائه أو يجعله له كقوله من جاء بعشرة رؤوس فله رأس فجاء واحد بعشرة دون الجيش فإن من نفل يختص بنفله دون غيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خص من قتل بسلب قتيله اختص به ولما خص سلمة بن الأكوع بسهم الفارس والراجل اختص به وكذلك اختص بالمرأة التي نفلها إياه أبو بكر دون الناس ولأن هذا جعل تحريضا على القتال وحثا على فعل ما يحتاج المسلمون إليه ليحمل فاعله كلفة فعله رغبة فيما جعل له فلو لم يختص به فاعله ما خاطر أحد بنفسه في فعله ولا حصلت مصلحة النفل فوجب أن يختص الفاعل لذلك بنفله كثواب الآخرة مسألة قال ( ومن قتل منا أحدا منهم مقبلا على القتال فله سلبه غير مخموص قال ذلك الإمام أو لم يقل )
في هذه المسألة فصول ستة أحدها أن القاتل يستحق السلب في الجملة ولا نعلم فيه خلافا والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم من قتل كافرا فله سلبه رواه الجماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم منهم أنس وسمرة بن جندب وغيرهما وروى أبو قتادة قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلما التقينا رأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته بالسيف على حبل عاقته ضربة فأدركه الموت ثم إن الناس رجعوا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه قال فقمت فقلت من يشهد لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك يا أبا قتادة فاقتصصت عليه فقال رجل من القوم صدق يا رسول الله صلى الله عليه وسلم سلب ذلك القتيل عندي فارضه منه فقال أبو بكر الصديق لاها الله إذا تعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق فأسلمه إليه قال فأعطانيه متفق عليه وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين من قتل قتيلا فله سلبه فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا فأخذ أسلابهم رواه أبو داود الفصل الثاني أن السلب لكل قاتل يستحق السهم أو الرضخ كالعبد والمرأة والصبي والمشرك وروي عن ابن عمر أن العبد إذا بارز مولاه فقتل لم يستحق السلب ويرضخ له منه وللشافعي فيمن لا سهم له قولان أحدهما لا يستحق السلب لأن السهم آكد منه للإجماع عليه فإذا لم يستحقه فالسلب أولى ولنا عموم الخبر وأنه قاتل من أهل الغنيمة فاستحق السلب كذا السهم ولأن الأمير لو جعل جعلا لمن صنع شيئا فيه نفع للمسلمين لاستحقه فاعله من هؤلاء فالذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم أولى وفارق السهم لأنه علق على المظنة ولهذا يستحق بالحضور ويستوي فيه الفاعل وغيره والسلب مستحق بحقيقة الفعل وقد وجد منه ذلك فاستحقه كالمجعول له جعلا على فعل إذا فعله فإن كان القاتل ممن لا يستحق سهما ولا رضخا كالمرجف والمخذل والمعين على المسلمين لم يستحق السلب وإن قتل وهذا مذهب الشافعي لأنه ليس من أهل الجهاد وإن بارز العبد بغير إذن مولاه لم يستحق السلب لأنه عاص وكذلك كل عاص مثل من دخل بغير إذن الأمير وعن أحمد فيمن دخل بغير إذن أنه يؤخذ منه الخمس وباقيه له جعله كالغنيمة ويخرج في العبد المبارز بغير إذن سيده مثله ويحتمل أن يكون سلب قتيل العبد على كل حال لأن ما كان له فهو لسيده ففي حرمانه السلب حرمان سيده ولا معصية منه الفصل الثالث أن السلب للقاتل في كل حال إلا أن ينهزم العدو وبه قال الشافعي وأبو ثور وداود وابن المنذر وقال مسروق إذا التقى الزحفان فلا سلب له إنما النفل قبل وبعد ونحوه قول نافع كذلك قال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وأبو بكر بن أبي مريم السلب للقاتل ما لم تمتد الصفوف بعضها إلى بعض فإذا كان كذلك فلا سلب لأحد ولنا عموم قوله عليه السلام من قتل قتيلا فله سلبه ولأن أبا قتادة إنما قتل الذي أخذ سلبه في حال التقاء الزحفين ألا تراه يقول فلما التقينا رأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين وكذلك قول أنس فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم وكان ذلك بعد التقاء الزحفين لأن هوازن لقوا المسلمين فجأة فألحموا الحرب قبل أن تتقدمها مبارزة
وروى سعيد حدثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو وعن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك قال غزونا إلى طرف الشام فأمر علينا خالد بن الوليد فانضم إلينا رجل من أمداد حمير فقضى لنا أنا لقينا عدونا فقاتلونا قتالا شديدا وفي القوم رجل من الروم على فرس له وشرح مذهب ومنطقة ملطخة وسيف مثل ذلك فجعل يحمل على القوم ويغري بهم فلم يزل المددي يحتال لذلك الرومي حتى مر به فاستقفاه فضرب عرقوب فرسه بالسيف ثم وقع فأتبعه ضربا بالسيف حتى قتله فلما فتح الله أقبل بسلب القتيل وقد شهد له الناس أنه قاتله فأعطاه خالد بعض سلبه وأمسك سائره فلما قدم المدينة استعدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا خالدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منعك يا خالد أن تدفع إلى هذا سلب قتيله قال استكثرته له قال فادفعه إليه وذكر الحديث ورواه أبو داود الفصل الرابع أنه إنما يستحق السلب بشروط أربعة أحدها أن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتلهم فأما إن قتل امرأة أو صبيا أو شيخا فانيا أو ضعيفا مهينا ونحوهم ممن لا يقاتل لم يستحق سلبه لا نعلم فيه خلافا وإن كان أحد هؤلاء يقاتل استحق قاتله سلبه لأنه يجوز قتله ومن قتل أسيرا له أو لغيره لم يستحق سلبه لذلك الثاني أن يكون المقتول فيه منفعة غير مثخن بالجراح فإن كان مثخنا بالجراح فليس لقاتله شيء من سلبه وبهذا قال مكحول وجرير بن عثمان والشافعي لأن معاذ بن عمرو بن الجموح أثبت أبا جعل وذفف عليه ابن مسعود فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح ولم يعط ابن مسعود شيئا وإن قطع يدي رجل ورجليه وقتله آخر فالسلب للقاطع دون القاتل لأن القاطع هو الذي كفى المسلمين شره وإن قطع يديه أو رجليه وقتله الآخر فالسلب للقاطع في أحد الوجهين لأنه عطله فأشبه الذي قتله والثاني سلبه في الغنيمة لأنه إن كانت رجلاه سالمتين فإنه يعدو ويكثر وإن كانت يداه سالمتين فإنه يقاتل بهما فلم يكف القاطع شره كله ولا يستحق القاتل سلبه لأنه مثخن بالجراح وإن قطع يده ورجله من خلاف فكذلك وإن قطع إحدى يديه وإحدى رجليه ثم قتله آخر فسلبه غنيمة ويحتمل أنه للقاتل لأنه قاتل لمن لم يكف المسلمين شره وإن عانق رجل رجلا فقتله آخر فالسلب للقاتل وبهذا قال الشافعي وقال الأوزاعي هو للمعانق ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا فله سلبه ولأنه كفى المسلمين شره فأشبه ما لو لم يعانقه الآخر وكذلك لو كان الكافر مقبلا على رجل يقاتله فجاء آخر من ورائه فضربه فقتله فسلبه لقاتله بدليل قصة قتيل أبي قتادة الثالث أن يقتله أو يثخنه بجراح تجعله في حكم المقتول قال أحمد لا يكون السلب إلا للقاتل وإن أسر رجلا لم يستحق سلبه سواء قتله الإمام أو لم يقتله وقال مكحول لا يكون السلب إلا لمن أسر علجا أو قتله وقال القاضي إذا أسر رجلا فقتله الإمام صبرا فسلبه لمن أسره لأن الأسر أصعب من القتل فإذا استحق سلبه بالقتل كان تنبيها على استحقاقه بالأسر قال وإن استبقاه الإمام كان له فداؤه أو رقبته وسلبه لأنه كفى المسلمين شره ولنا إن المسلمين أسروا أسرى يوم بدر فقتل النبي صلى الله عليه وسلم عقبة والنضر بن الحارث واستبقى سائرهم فلم يعط من أسرهم أسلابهم ولا فداءهم وكان فداؤهم غنيمة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل السلب للقاتل وليس الآسر بقاتل ولأن الإمام مخير في الأسرى ولو كان لمن أسره كان أسره كان أمره إليه دون الإمام الرابع أن يغرر بنفسه في قتله فأما إن رماه بسهم من صف المسلمين فقتله فلا سلب له
قال أحمد السلب للقاتل إنما هو في المبارزة لا يكون في الهزيمة وإن حمل جماعة من المسلمين على واحد فقتلوا فالسلب في الغنيمة لأنهم لم يغرروا بأنفسهم في قتله وإن اشترك في قتله اثنان فظاهر كلام أحمد أن سلبه غنيمة فإنه قال في رواية حرب له السلب إذا انفرد بقتله وحكى أبو خطاب عن القاضي أنهما يشتركان في سلبه لقوله من قتل قتيلا فله سلبه وهذا يتناول الواحد والجماعة ولأنهما اشتركا في السبب فاشتركا في السلب ولنا أن السلب إنما يستحق بالتغرير في قتله ولا يحصل ذلك بقتل الإثنين فلم يستحق به السلب كما لو قتله جماعة ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم شرك بين اثنين في السلب فإن اشترك اثنان في ضربه وكان أحدهما أبلغ في قتله من الآخر فالسلب له لأن أبا جهل ضربه معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء وأتياه النبي صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال كلاكما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح وإن انهزم الكفار كلهم فأدرك إنسان منهزما منهم فقتله فلا سلب له لأنه لم يغرر في قتله وإن كانت الحرب قائمة فانهزم أحدهم فقتله إنسان فسلبه لقاتله لأن الحرب فر وكر وقد قتل سلمة بن الأكوع طليعة للكفار وهو منهزم فقال النبي صلى الله عليه وسلم من قتله قالوا سلمة بن الأكوع قال له سلبه أجمع وبهذا قال الشافعي وقال أبو ثور وداود وابن المنذر السلب لكل قاتل لعموم الخبر واحتجاجا بحديث سلمة هذا ولنا أن ابن مسعود ذفف على أبي جهل فلم يعطه النبي صلى الله عليه وسلم سلبه وأمر بقتل عقبة بن معيط والنضر بن الحارث صبرا ولم يعط سلبهما من قتلهما وقتل بني قريظة صبرا فلم يعط من قتلهم أسلابهم وإنما أعطى السلب من قتل مبارزا أو كفى المسلمين شره وغرر في قتله والمهزم بعد انقضاء الحرب قد كفى المسلمين شر نفسه ولم يغرر قاتله بنفسه في قتله فلم يستحق سلبه كالأسير وأما الذي قتله سلمة فكان متحيزا إلى فئة وكذلك من قتل حال قيام الحرب فإنه إن كان منهزما فهو متحيز إلى فئة وراجع إلى القتال فأشبه الكار فإن القتال فر وكر إذا ثبت هذا فإنه لا يشترط في استحقاق السلب أن تكون المبارزة بإذن الأمير لأن كل من قضي له بالسلب في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيهم من نقل إلينا أنه أذن له في المبارزة مع أن عموم الخبر يقتضي استحقاق السلب لكل قاتل إلا من خصه الدليل الفصل الخامس أن السلب لا يخمس روي ذلك عن سعد بن أبي وقاص وبه قال الشافعي وابن المنذر وابن جرير وقال ابن عباس يخمس وبه قال الأوزاعي ومكحول لعموم قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الأنفال 41 وقال إسحاق إن استكثر الإمام السلب خمسه وذلك إليه لما روى ابن سيرين أن البراء بن مالك بارز مرزبان الزارة بالبحرين فطعنه فدق صلبه وأخذ سواريه وسلبه فلما صلى عمر الظهر أتى أبا طلحة في داره فقال إنا كنا لا نخمس السلب وإن سلب البراء قد بلغ مالا وأنا خامسه فكان أولا سلب خمس في الإسلام سلب البراء رواه سعيد في السنن وفيها أن سلب البراء بلغ ثلاثين ألفا ولنا ما روى عوف بن مالك وخالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب رواه أبو دود وعموم الأخبار التي ذكرناها وخبر عمر حجة لنا فإنه قال إنا كنا لا نخمس السلب وقول الراوي كان أول سلب خمس في الإسلام يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر صدرا من خلافته لم يخمسوا سلبا وأتباع ذلك أولى قال الجوزجاني لا أظنه يجوز لأحد في شيء سبق فيه من الرسول صلى الله عليه وسلم إلا اتباعه ولا حجة في قول أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذكرناه يصلح أن يخصص به عموم الآية
وإذا ثبت هذا فإن السلب من أصل الغنيمة وقال مالك يحتسب من خمس الخمس ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل مطلقا ولم ينقل عنه أنه احتسب به من خمس ولأنه لو احتسب به من خمس الخمس احتيج إلى معرفة قيمته وقدره ولم ينقل ذلك ولأن سببه لا يفتقر إلى اجتهاد الإمام فلم يكن من خمس الخمس كسهم الفارس والراجل الفصل السادس أن القاتل يستحق السلب قال ذلك الإمام أو لم يقل وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وقال أبو حنيفة والثوري لا يستحقه إلا أن يشترطه الإمام له وقال مالك لا يستحقه إلا أن يقول الإمام ذلك ولم ير أن يقول الإمام ذلك إلا بعد انقضاء الحرب على ما تقدم من مذهبه في النفل وجعل السلب هاهنا من جملة الأنفال وقد روي عن أحمد مثل قولهم وهو اختيار أبي بكر واحتجوا بما روى عوف بن مالك أن مدديا اتبعهم فقتل علجا فأخذ خالد بعض سلبه وأعطاه بعضه فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا تعطه يا خالد رواه سعيد وأبو داود وأنا اختصرته ورويا بإسنادهما عن شبر بن علقمة قال بارزت رجلا يوم القادسية فقتلته وأخذت سلبه فأتيت به سعدا فخطب سعد أصحابه وقال إن هذا سلب شبر خير من اثني عشر ألفا وإنا قد نفلناه إياه ولو كان حقا له لم يحتج إلى نفله ولأن عمر أخذ الخمس من سلب البراء ولو كان حقا له لم يجز أن يأخذ منه شيئا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم دفع سلب أبي قتادة إليه من غير بينة ولا يمين ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا فله سلبه وهذا من قضايا رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهورة التي عمل بها الخلفاء بعده وأخبارهم التي احتجوا بها تدل على ذلك فإن عوف بن مالك احتج على خالد حين أخذ سلب المددي فقال له عوف أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل قال بلى وقول عمر إنا كنا لا نخمس السلب يدل على أن هذه قضية عامة في كل غزوة وحكم مستمر لكل قاتل وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم خالدا أن لا يرد على المددي عقوبة حين أغضبه عوف بتقريعه خالدا بين يديه وقوله قد أنجزت لك ما ذكرت لك من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما خبر شبر فإنما أنفذ له سعد ما قضى له به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه نفلا لأنه في الحقيقة نفل لأنه زيادة على سهمه وأما أبو قتادة فإن خصمه اعترف له به وصدقه فجرى مجرى البينة ولأن السلب مأخوذ من الغنيمة بغير تقدير الإمام واجتهاده فلم يفتقر إلى شرطه كالسهم إذا ثبت هذا فإن أحمد قال لا يعجبني أن يأخذ السلب إلا بإذن الإمام وهو قول الأوزاعي وقال ابن المنذر والشافعي له أخذه بغير إذن لأنه استحقه بجعل النبي صلى الله عليه وسلم له ذلك ولا يأمن إن أظهره عليه أن لا يعطاه ووجه قول أحمد أنه فعل مجتهد فيه فلم ينفذ أمره فيه إلا بإذن الإمام يأخذ سهمه ويحتمل أن يكون هذا من أحمد على سبيل الاستحباب ليخرج من الخلاف لا على سبيل الإيجاب فعلى هذا إن أخذه بغير إذن ترك الفضيلة وله أخذه مسألة قال ( والدابة وما عليها من آلتها من السلب إذا قتل وهو عليها وكذلك ما عليه من السلاح والثياب وإن كثر فإن كان معه مال لم يكن من السلب وقد روي عن أبي عبد الله رحمه الله رواية أخرى أن الدابة ليست من السلب )
وجملته أن السلب ما كان القتيل لابسا له من ثياب وعمامة وقلنسوة ومنطقة ودرع ومغفر وبيضة وتاج وأسورة وران وخف بما في ذلك من حلية ونحو ذلك لأن المفهوم من السلب اللباس وكذلك السلاح من السيف والرمح والسكين واللت ونحوه لأنه يستعين به في قتاله فهو أولى بالأخذ من اللباس وكذلك الدابة لأنه يستعين بها فهي كالسلاح وأبلغ منه ولذلك استحق بها زيادة السهمان بخلاف السلاح فأما المال الذي معه في كمراته وخريطته فليس بسلب لأنه ليس من الملبوس ولا مما يستعين به في الحرب وكذلك رحله وأثاثه وما لبست يده عليه من ماله ليس من سلبه وبهذا قال الأوزاعي ومكحول والشافعي إلا أن الشافعي قال ما لا يحتاج إليه في الحرب كالتاج والسوار والطوق والهميان الذي للنفقة ليس من السلب في أحد القولين لأنه مما لا يستعان به في الحرب فأشبه المال الذي في خريطته ولنا إن في حديث البراء أنه بارزمرزبان الزرأة فقتله فبلغ سواراه ومنطقته ثلاثين ألفا فخمسه عمر ودفعه إليه وفي حديث عمرو بن معد يكرب أنه حمل على أسوار فطعنه فدق صلبه وصرعه فنزل إليه فقطع يده وأخذ سوارين كانتا عليه ويلمقا من ديباج وسيفا ومنطقة فسلم ذلك له ولأنه ملبوس له فأشبه ثيابه ولأنه داخل في اسم السلب فأشبه الثياب والمنطقة ويدخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم فله سلبه واختلفت الرواية عن أحمد في الدابة فنقل عنه أنها ليست من السلب وهو اختيار أبي بكر لأن السلب ما كان على يديه والدابة ليست كذلك فلا يدخل في الخبر قال وذكر عبد الله حديث عمرو بن معد يكرب فأخذ سواريه ومنطقته ولم يذكر فرسه ولنا ما روى عوف بن مالك قال خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقني مددي من أهل اليمن فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب فجعل يغري بالمسلمين وقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه فعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ من السلب قال عوف فأتيته فقلت له يا خالد أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل قال بلى رواه الأثرم وفي حديث شبر بن علقمة أنه أخذ فرسه كذلك قال أحمد هو فيه ولأن الفرس يستعان بها في الحرب فأشبهت السلاح وما ذكروه يبطل بالرمح والقوس واللت فإنها من السلب ملبوسة إذا ثبت هذا فإن الدابة وما عليها من سرجها ولجامها وتجفيفها وحلية إن كانت عليها وجميع آلتها من السلب لأنه تابع لها ويستعان به في الحرب وإنما يكون من السلب إذا كان راكبا عليها وإن كانت في منزله أو مع غيره أو منفلته لم يكن من السلب كالسلاح الذي ليس معه وإن كان راكبا عليها فصرعه عنها أو أشعره عليها ثم قتله بعد نزوله عنها فهي من السلب وهكذا قول الأوزاعي وإن كان ممسكا بعنانها غير راكب عليها فعن أحمد فيها روايتان إحداهما من السلب وهو قول الشافعي لأنه متمكن من القتال عليها فأشبهت سيفه أو رمحه في يده والثانية ليست من السلب وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار الخلال لأنه ليس براكب عليها فأشبه ما لو كانت مع غلامه وإن كان على فرس وفي يده جنيبة لم تكن الجنيبة من السلب لأنه لا يمكنه ركوبهما معا فصل ولا تقبل دعوى القتل إلا ببينة وقال الأوزاعي يعطى السلب إذا قال أنا قتلته ولا يسأل بينة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل قول أبي قتادة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه متفق عليه
وإما أبو قتادة فإن خصمه أقر له فاكتفى بإقراره قال أحمد ولا يقبل إلا شاهدان وقالت طائفة من أهل الحديث يقبل شاهد ويمين لأنها دعوى في المال ويحتمل أن يقبل شاهد بغير يمين لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل قول الذي شهد لأبي قتادة من غير يمين ووجه الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر البينة وإطلاقها ينصرف إلى شاهدين ولأنها دعوى للقتل فاعتبر شاهدان كقتل العمد فصل ويجوز سلب القتلى وتركهم عراة وهذا قول الأوزاعي وكرهه الثوري وابن المنذر لما فيه من كشف عوراتهم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في قتيل سلمة بن الأكوع له سلبه أجمع وقال من قتل قتيلا فله سلبه وهذا يتناول جميعه مسألة قال ( ومن أعطاهم الأمان منا من رجل أو امرأة أو عبد جاز أمانه ) وجملته أن الأمان إذا أعطي أهل الحرب حرم قتلهم ومالهم والتعرض لهم ويصح من كل مسلم بالغ عاقل مختار ذكرا كان أو أنثى حرا كان أو عبدا وبهذا قال الثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وابن القاسم وأكثر أهل العلم وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يصح أمان العبد إلا أن يكون مأذونا له في القتال لأنه لا يجب عليه الجهاد فلا يصح أمانة الصبي ولأنه مجلوب من دار الكفر فلا يؤمن أن ينظر لهم تقديم مصلحتهم ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل رواه البخاري وروى فضيل بن يزيد الرقاشي قال جهز عمر بن الخطاب جيشا فكنت فيه فحضرنا موضعا فرأينا أنا سنفتحها اليوم وجعلنا نقبل ونروح فبقي عبد منا فراطنهم وراطنوه فكتب لهم الأمان في صحيفة وشدها على سهم ورمى بها إليهم فأخذوها وخرجوا فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب فقال العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته ذمتهم رواه سعيد ولأنه مسلم مكلف فصح أمانه كالحر وما ذكروه من التهمة يبطل بما إذا أذن له في القتال فإنه يصح أمانه وبالمرأة فإنها أمانها يصح في قولهم جميعا قالت عائشة إن كانت المرأة لتجير على المسلمين فيجوز وعن أم هانىء أنها قالت يا رسول الله إني أجرت أحمائي وأغلقت عليهم وإن ابن أمي أراد قتلهم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء إنما يجير على المسلمين أدناهم رواهما سعيد وأجارت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا العاص بن الربيع فأمضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فصل ويصح أمان الأسير إذا عقده غير مكره لدخوله في عموم الخبر ولأنه مسلم مكلف مختار فأشبه غير الأسير وكذلك أمان الأجير والتاجر في دار الحرب وبهذا قال الشافعي وقال الثوري لا يصح أمان أحد منهم ولنا عموم الحديث والقياس على غيرهم فأما الصبي المميز فقال ابن حامد فيه روايتان إحداهما لا يصح أمانه وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنه غير مكلف ولا يلزمه بقوله حكم فلا يلزم غيره كالمجنون والرواية الثانية يصح أمانه وهو قول مالك وقال أبو بكر يصح أمانه رواية واحدة وحمل رواية المنع على غير المميز واحتج بعموم الحديث ولأنه مسلم مميز فصح أمانه كالبالغ وفارق المجنون فإنه لا قول له أصلا فصل ولا يصح أمان كافر وإن كان ذميا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فجعل الذمة للمسلمين فلا تحصل لغيرهم ولأنه متهم على الإسلام وأهله فأشبه الحربي ولا يصح أمان مجنون ولا طفل لأن كلامه غير معتبر ولا يثبت به حكم ولا يصح أمان زائل العقل بنوم أو سكر أو إغماء لذلك ولأنه لا يعرف المصلحة من غيرها فأشبه المجنون ولا يصح من مكره لأنه قول أكره عليه بغير حق فلم يصح كالإقرار
فصل ويصح أمان الإمام لجميع الكفار وآحادهم لأن ولايته عامة على المسلمين ويصح أمان الأمير لمن أقيم بإزائه من المشركين فأما في حق غيرهم فهو كآحاد المسلمين لأن ولايته على قتال أولئك دون غيرهم ويصح أمان آحاد المسلمين للواحد والعشرة والقافلة الصغيرة والحصن الصغير لأن عمر رضي الله عنه أجاز أمان العبد لأهل الحصن الذي ذكرنا حديثه ولا يصح أمانه لأهل بلدة ورستاق وجمع كثير لأن ذلك يفضي إلى تعطيل الجهاد والافتيات على الإمام فصل ويصح أمان الإمام للأسير بعد الاستيلاء عليه لأن عمر رضي الله عنه لما قدم عليه بالهرمزان أسيرا قال لا بأس عليك ثم أراد قتله فقال له أنس قد أمنته فلا سبيل لك عليه وشهد الزبير بذلك فعدوه أمانا رواه سعيد ولأن للإمام المن عليه والأمان دون ذلك فأما آحاد الرعية فليس له ذلك وهذا مذهب الشافعي وذكر أبو الخطاب أنه يصح أمانه لأن زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجارت زوجها أبا العاص بن الربيع بعد أسره فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم أمانها وحكي هذا عن الأوزاعي ولنا إن أمر الأسير مفوض إلى الإمام فلم يجز الافتيات عليه فيما يمنعه ذلك كقتله وحديث زينب في أمانها إنما صح بإجازة النبي صلى الله عليه وسلم فصل وإذا شهد للأسير اثنان أو أكثر من المسلمين أنهم أمنوه قبل إذا كانوا بصفة الشهود وقال الشافعي لا تقبل شهادتهم لأنهم يشهدون على فعل أنفسهم ولنا إنهم عدول من المسلمين غير متهمين أشهدوا بأمانة فوجب أن يقبل كما لو شهدوا على غيرهم أنه أمنه وما ذكروه لا يصح فإن النبي صلى الله عليه وسلم قبل شهادة المرضعة على فعلها في حديث عقبة بن الحارث وإن شهد واحد أني أمنته فقال القاضي قياس قول أحمد أنه يقبل كما لو قال الحاكم بعد عزله كنت حكمت لفلان على فلان بحق قبل قوله وعلى قول أبي الخطاب يصح أمانه فقبل خبره به كالحاكم في حال ولايته وهذا قول الأوزاعي ويحتمل أن لا يقبل لأنه ليس له أن يؤمنه في الحال فلم يقبل إقراره به كما لو أقر بحق على غيره وهذا قول الشافعي وأبي عبيدة فصل إذا جاء المسلم بمشرك ادعى أنه أسره وادعى الكافر أنه أمنه ففيها ثلاث روايات إحداهن القول قول المسلم لأن الأصل معه فإن الأصل إباحة دم الحربي وعدم الأمان والثانية القول قول الأسير لأنه يحتمل صدقه وحقن دمه فيكون هذا شبهة تمنع من قتله وهذا اختيار أبي بكر والثالثة يرجع إلى قول من ظاهر الحال يدل على صدقه فإن كان الكافر ذا قوة معه سلاحه فالظاهر صدقه وإن كان ضعيفا مسلوبا سلاحه فالظاهر كذبه فلا يلتفت إلى قوله وقال أصحاب الشافعي لا يقبل قوله وإن صدقه المسلم لأنه لا يقدر على أمانه فلا يقبل إقراره به ولنا إنه كافر لم يثبت أسره ولا نازعه فيه منازع فقبل قوله في الأمان كالرسول فصل ومن طلب الأمان ليسمع كلام الله ويعرف شرائع الإسلام وجب أن يعطاه ثم يرد إلى مأمنه لا نعلم في هذا خلافا وبه قال قتادة ومكحول والأوزاعي والشافعي وكتب عمر بن عبد العزيز بذلك إلى الناس وذلك لقول الله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه التوبة 6 قال الأوزاعي هي إلى يوم القيامة ويجوز عقد الأمان للرسول والمستأمن لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤمن رسل المشركين ولما جاءه رسولا مسيلمة قال لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك فإننا لو قتلنا رسلهم لقتلوا رسلنا فتفوت مصلحة المراسلة ويجوز عقد الأمان لكل واحد منهما مطلقا ومقيدا بمدة سواء كانت طويلة أو قصيرة بخلاف الهدنة فإنها لا تجوز إلا مقيدة لأن في جوازها مطلقا تركا للجهاد وهذا بخلافه قال القاضي ويجوز أن يقيموا مدة الهدنة بغير جزية
قال أبو بكر وهذا ظاهر كلام أحمد لأنه قيل له قال الأوزاعي لا يترك المشرك في دار الإسلام إلا أن يسلم أو يؤدي فقال أحمد إذا أمنته فهو على ما أمنته وظاهر هذا أنه خالف قول الأوزاعي وقال أبو خطاب عندي أنه لا يجوز أن يقيم سنة بغير جزية وهذا قول الأوزاعي والشافعي لقول الله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة 29 ووجه الأول أن هذا كافر أبيح له الإقامة في دار الإسلام من غير التزام جزية فلم يلزمه جزية كالنساء والصبيان ولأن الرسول لو كان ممن لا يجوز أخذ الجزية منه يستوي في حقه السنة فما دونها في أن الجزية لا تؤخذ منه في المدتين فإذا جازت له الإقامة في أحدهما جازت في الأخرى قياسا لها عليها وقوله تعالى حتى يعطوا الجزية التوبة 29 أي يلتزمونها ولم يرد حقيقة الإعطاء وهذا مخصوص منها بالاتفاق فإنه يجوز الإقامة من غير التزام لها ولأن الآية تخصصت بما دون الحول فنقيس على المحل المخصوص فصل وإذا دخل حربي دار الإسلام بأمان فأودع ماله مسلما أو ذميا أو أقرضهما إياه ثم عاد إلى دار الحرب نظرنا فإن دخل تاجرا أو رسولا أو متنزها أو لحاجة يقضيها ثم يعود إلى دار الإسلام فهو على أمانه في نفسه وماله لأنه لم يخرج بذلك عن نية الإقامة بدار الإسلام فأشبه الذمي إذا دخل لذلك وإن دخل مستوطنا بطل الأمان في نفسه وبقي في ماله لأنه بدخوله دار الإسلام بأمان ثبت الأمان لماله الذي معه فإذا بطل في نفسه بدخوله دار الحرب بقي في ماله لاختصاص المبطل بنفسه فيخص البطلان به فإن قتل فإنما يثبت الأمان لماله تبعا فإذا بطل في المتبوع بطل في التبع قلنا بل يثبت له الأمان لمعنى وجد فيه وهو إدخاله معه وهذا يقتضي ثبوت الأمان له وإن لم يثبت في نفسه بدليل ما لو بعثه مع مضارب له أو وكيل فإنه يثبت الأمان ولم يثبت الأمان في نفسه ولو يوجد فيه هاهنا ما يقتضي الأمان فيه فبقي على ما كان عليه ولو أخذه معه إلى دار الحرب لنقض الأمان فيه كما ينتقض في نفسه لوجود المبطل منهما فإذا ثبت هذا فإن صاحبه إن طلبه بعث إليه وإن تصرف فيه ببيع أو هبة أو غيرهما صح تصرفه وإن مات في دار الحرب انتقل إلى وارثه ولم يبطل الأمان فيه وقال أبو حنيفة يبطل فيه وهو قول الشافعي لأنه قد صار لوارثه ولو يعقد فيه أمانا فوجب أن يبطل فيه كسائر أمواله ولنا إن الأمان حق له لازم متعلق بالمال فإذا انتقل إلى الوارث انتقل لحقه كسائر الحقوق من الرهن والضمين والشفعة وهذا اختيار المزني ولأنه مال له أمان فينتقل إلى وارثه مع بقاء الأمان فيه كالمال الذي مع مضاربه وإن لم يكن له وارث صار فيئا لبيت المال فإن كان له وارث في دار الإسلام فقال القاضي لا يرثه لاختلاف الدارين والأولى أنه يرثه لأن ملتهما واحدة فيرثه كالمسلمين وإن مات المستأمن في دار الإسلام فهو كما لو مات في دار الحرب سواء لأن المستأمن حربي تجري عليه أحكامهم وإن رجع إلى الحرب فسبى واسترق فقال القاضي يكون ماله موقوفا حتى يعلم آخر أمره بموت أو غيره فإن مات كان فيئا لأن الرقيق لا يورث وإت عتق كان له وإن لم يسترق ولكن من عليه الإمام أو فاداه فماله له وإن قتله فماله لورثته وإن لم يسب ولكن دخل دار الإسلام بغير أمان ليأخذ ماله جاز قتله وسبيه لأن ثبوت الأمان لماله لا يثبت الأمان له كما لو كان ماله وديعة بدار الإسلام وهو مقيم بدار الحرب
فصل وإذا سرق المستأمن في دار الإسلام أو قتل أو غصب ثم عاد إلى وطنه في دار الحرب ثم خرج مستأمنا مرة ثانية استوفي منه ما لزمه في أمانه الأول وإن اشترى عبدا مسلما فخرج به إلى دار الحرب ثم قدر عليه لم يغنم لأنه لم يثبت ملكه عليه لكون الشراء باطلا ويرد بائعه الثمن إلى الحربي لأنه حصل في أمان فإن كان العبد تالفا فعلى الحربي قيمته ويترادان الفضل فصل وإذا دخلت الحربية إلينا بأمان فتزوجت ذميا في دارنا ثم أرادت الرجوع لم تمنع إذا رضي زوجها أو فارقها وقال أبو جنيفة تمنع ولنا إنه عقد لا يلزم الرجل المقام به فلا يلزم المرأة كعقد الإجارة مسألة قال ( ومن طلب الأمان ليفتح الحصن ففعل فقال كل واحد منهم أنا المعطي لم يقتل واحد منهم ) وجملته أن المسلمين إذا حصروا حصنا فناداهم رجل آمنوني أفتح لكم الحصن جاز أن يعطوه أمانا فإن زياد بن لبيد لما حصر النجير قال الأشعث بن قيس أعطوني الأمان لعشرة أفتح لكم الحصن ففعلوا فإن أشكل الذي أعطى الأمان وادعاه كل واحد من أهل الحصن فإن عرف صاحب الأمان عمل على ذلك وإن لم يعرف لم يجز قتل واحد منهم لأن كل واحد منهم يحتمل صدقه وقد اشتبه المباح بالمحرم فيما لا ضرورة إليه فحرم الكل كما لو اشتبهت ميتة بمذكاة أو أخته بأجنبيات أو اشتبه زان محصن برجال معصومين وبهذا قال الشافعي ولا أعلم فيه خلافا وفي استرقاقهم وجهان أحدهما يحرم وذكر القاضي أن أحمد نص عليه وهو مذهب الشافعي لما ذكرنا في القتل فإن استرقاق من لا يحل استرقاقه محرم والثاني يقرع بينهم فيخرج صاحب الأمان بالقرعة ويسترق الباقون قاله أبو بكر لأن الحق لواحد منهم غير معلوم فيقرع بينهم كما لو أعتق عبدا من عبيده وأشكل ويخالف القتل فإنه إراقة دم تندرىء بالشبهات بخلاف الرق ولهذا يمنع القتل في النساء والصبيان دون الاسترقاق وقال الأوزاعي إذا أسلم واحد من أهل الحصن قبل فتحه أشرف علينا ثم أشكل فادعى كل واحد منهم أنه الذي أسلم يسعى كل واحد منهم في قيمة نفسه ويترك له عشر قيمته وقياس مذهبنا أن فيها وجهين كالتي قبلها فصل قال أحمد إذا قال الرجل كف عني حتى أدلك على كذا فبعث معه قوم ليدلهم فامتنع من الدلالة فلهم ضرب عنقه لأن أمانه بشرط ولم يوجد وقال أحمد إذا لقي علجا فطلب منه الأمان فلا يؤمنه لأنه يخاف شره وإن كانوا سرية فلهم أمانه يعني أن السرية لا يخافون من غدر العلج قتلهم بخلاف الواحد وإن لقيت السرية أعلاجا فادعوا أنهم جاؤوا مستأمنين فإن كان معهم سلاح لم يقبل قولهم لأن حملهم السلاح يدل على محاربتهم وإن لم يكن معهم سلاح قبل قولهم لأنه يدل على صدقهم فصل وإذا دخل حربي دار الإسلام بغير أمان نظرت فإن كان معه متاعب يبيعه في دار الإسلام وقد جرت العادة بدخولهم إلينا تجارا بغير أمان لم يعرض لهم وقال أحمد إذا ركب القوم في البحر فاستقبلهم فيه تجارا مشركون من أرض العدو يريدون بلاد الإسلام لم يعرضوا لهم ولم يقاتلوهم وكل من دخل بلاد المسلمين من أهل الحرب بتجارة بويع ولم يسأل عن شيء وإن لم تكن معه تجارة فقال جئت مستأمنا لم يقبل منه وكان الإمام مخيرا فيه ونحو هذا قال الأوزاعي والشافعي وإن كان ممن ضل الطريق أو حملته الريح في المركب إلينا فهو لمن أخذه في إحدى الروايتين والأخرى يكون فيئا مسألة قال ( ومن دخل إلى أرضهم من الغزاة فارسا فنفق فرسه قبل إحراز الغنيمة فله سهم راجل ومن دخل راجلا فأحرزت الغنيمة وهو فارس فله سهم الفارس )
وجملة ذلك أن الاعتبار في استحقاق السهم بحالة الإحراز فإن أحرزت الغنيمة وهو راجل فله سهم راجل وإن أحرزت وهو فارس فله سهم الفارس سواء دخل فارسا أو راجلا قال أحمد أنا أرى أن كل من شهد الوقعة على أي حالة كان يعطي إن كان فارسا ففارس وإن كان راجلا فراجل لأن عمر قال الغنيمة لمن شهد الوقعة وبهذا قال الأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو ثور ونحوه قال ابن عمر وقال أبو حنيفة الاعتبار بدخول دار الحرب فإن دخل فارسا فله سهم فارس وإن نفق فرسه قبل القتال وإن دخل راجلا فله سهم الراجل وإن استفاد فرسا فقاتل عليه وعنه رواية أخرى كقولنا قال أحمد كان سليمان بن موسى يعرضهم إذا أدربوا الفارس فارس والراجل راجل لأنه دخل في الحرب بنية القتال فلا يتغير سهمه بذهاب دابته أو حصول دابة له كما لو كان بعد القتال ولنا إن الفرس حيوان يسهم له فاعتبر وجوده حال القتال فيسهم له مع الوجود فيه ولا يسهم له مع العدم كالآدمي والأصل في هذا أن حالة استحقاق السهم حالة تقتضي الحرب بدليل قول عمر الغنيمة لمن شهد الوقعة ولأنها الحال التي يحصل فيها الاستيلاء الذي هو سبب الملك بخلاف ما قبل ذلك فإن الأموال في أيدي أصحابها ولا ندري هل يظفر بهم أو لا ولأنه لو مات بعض المسلمين قبل الاستيلاء لم يستحق شيئا ولو وجد مدد في تلك الحال أو انفلت أسير فلحق بالمسلمين أو أسلم كافر فقاتلوا استحقوا السهم فدل على أن الاعتبار بحالة الإحراز فوجب اعتباره دون غيره مسألة قال ( قال ويعطى ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه ) أكثر أهل العلم على أن الغنيمة تقسم للفارس منها ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه وللراجل سهم قال ابن المنذر هذا مذهب عمر بن عبد العزيز والحسن وابن سيرين وحسين بن ثابت وعوام علماء الإسلام في القديم والحديث منهم مالك ومن تبعه من أهل المدينة والثوري ومن وافقه من أهل العراق والليث بن سعد ومن تبعه من أهل مصر والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة للفرس سهم واحد لما روى مجمع بن حارثة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم خيبر على أهل الحديبية فأعطى الفارس سهمين وأعطى الرجل سهما رواه أبو داود ولأنه حيوان ذو سهم فلم يزد على سهم كالآدامي ولنا ما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم سهمان لفرسه وسهم له متفق عليه وعن أبي رهم وأخيه أنهما كانا فارسين يوم خيبر فأعطيا ستة أسهم أربعة أسهم لفرسيهما وسهمين لهما رواه سعيد بن منصور وعن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الفارس ثلاثة أسهم وأعطى الراجل سهما وقال خالد الحذاء لا يحتلف فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسهم هكذا للفرس سهمين ولصاحبه سهما وللراجل سهما وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن أما بعد فإن سهمان الخيل مما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين للفرس وسهما للرجل ولعمري لقد كان حديثا ما أشعر أن أحدا من المسلمين هم بانتقاض ذلك فعاقبه والسلام عليك رواهما سعيد والأثرم وهذا يدل على ثبوت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا وأنه أجمع عليه فلا يعول على ما خالفه فأما حديث مجمع فيحتمل أنه أراد أعطى الفارس سهمين لفرسه وأعطى الراجل سهما يعني صاحبه فيكون ثلاثة أسهم على أن حديث ابن عمر أصح منه وقد وافقه حديث أبي رهم وأخيه وابن عباس وهؤلاء أحفظ وأعلم وابن عمر وأبو رهم وأخوه ممن شهدوا وأخذوا السهمان وأخبروا عن أنفسهم أنهم أعطوا ذلك فلا يعارض ذلك بخبر شاذ تعين غلطه أو حمله على ما يخالف ظاهره وقياس الفرس على الآدمي غير صحيح لأن أثرها في الحرب أكثر وكلفتها أعظم فينبغي أن يكون سهمها أكثر
مسألة قال ( إلا أن يكون فرسه هجينا فيعطى سهما له وسهما لفرسه ) الهجين الذي أبوه عربي وأمه برذونة والمقرف الذي أبوه برذونة وأمه عربية قالت هند بنت النعمان بن بشير وما هند إلا مهرة عربية سليلة أفراس تحللها بغل فإن ولدت مهرا كريما فبالحرى وإن يك اقراف فما أنجب الفحل وأراد الخرقي بالهجين هاهنا ما عدا العربي والله أعلم وقد حكي عن أحمد أنه قال الهجين البرذون واختلفت الرواية عنه في سهمانها فقال الخلال تواترت الروايات عن أبي عبد الله في سهام البرذون أنه سهم واحد واختاره أبو بكر والخرقي وهو قول الحسن قال الخلال وروى عنه ثلاثة متيقظون أنه يسهم للبرذون مثل سهم العربي واختاره الخلال وبه قال عمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي والثوري لأن الله تعالى قال والخيل والبغال النحل 8 وهذه من الخيل ولأن الرواة رووا أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم للفرس سهمين ولصاحبه سهما وهذا عام في كل فرس ولأنه حيوان ذو سهم فاستوى فيه العربي وغيره كالآدمي وحكى أبو بكر عن أحمد رحمه الله رواية ثالثة أن البراذين إن أدركت إدراك العرب أسهم لها مثل الفرس العربي وإلا فلا وهذا قول ابن أبي شيبة وابن أبي خيثمة وأبي أيوب والجوزجاني لأنها من الخيل وقد عملت عمل العراب فأعطيت سهما كالعربي وحكى القاضي رواية رابعة أنه لا يسهم لها وهو قول مالك بن عبد الله الخثعمي لأنه حيوان لا يعمل عمل الخيل العراب فأشبه البغال ويحتمل أن تكون هذه الرواية فيما لا يقارب العتاق منها لما روى الجوزجاني بإسناده عن أبي موسى أنه كتب إلى عمر بن الخطاب إنا وجدنا بالعراق خيلا عراضا دكنا فما ترى يا أمير المؤمنين في سهمانها فكتب إليه تلك البراذين فما قارب العتاق منها فاجعل له سهما واحدا والغ ما سوى ذلك ولنا ما روى سعيد بإسناده عن أبي الأقمر قال أغارت الخيل على الشام فأدركت العراب من يومها وأدركت الكوادن ضحى الغد وعلى الخيل رجل من همذان يقال له المنذر بن أبي حميضة فقال لا أجعل الذي أدرك من يومه مثل الذي لم يدرك ففضل الخيل فقال عمر هبلت الوادعي أمه أمضوها على ما قال ولم يعرف عن الصحابة خلاف هذا القول وروى مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الفرس العربي سهمين وأعطى الهجين سهما رواه سعيد أيضا ولأن نفع العربي وأثره في الحرب أفضل فيكون سهمه أرجح كتفاضل من يرضخ له وأما قولهم إنه من الخيل قلنا والخيل في نفسها تتفاضل فتتفاضل سهمانها وأما قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم قسم للفرس سهمين من غير تفريق قلنا هذه قضية في عين لا عموم لها فيحتمل أنه لم يكن فيها برذون وهو الظاهر فإنها من خيل العرب ولا براذين فيها ودل على صحة هذا أنهم لما وجدوا البراذين بالعراق أشكل عليهم أمرها وأن عمر فرض لها سهما واحدا وأمضى ما قال المنذر بن أبي حميضة في تفضيل العراب عليها ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم سوى بينهما لم يخف ذلك على عمر ولا خالفه ولو خالفه لم يسكت الصحابة عن إنكاره عليه سيما وابنه هو راوي الخبر فكيف يخفى ذلك عليه ويحتمل أنه فضل العراب أيضا فلم يذكره الراوي لغلبة العراب وقلة البراذين ويدل على صحة هذا التأويل خبر مكحول الذي رويناه وقياسها على الآدمي لا يصح لأن العربي منهم لا أثر له في الحرب زيادة على غيره بخلاف العربي من الخيل على غيره والله أعلم مسألة قال ( ولا يسهم لأكثر من فرسين ) يعني إذا كان مع الرجل خيل أسهم لفرسين أربعة أسهم ولصاحبهما سهم ولم يزد على ذلك وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا يسهم لأكثر من فرس واحد لأنه لا يمكن أن يقاتل على أكثر منها فلم يسهم لما زاد عليها كالزائد عن الفرسين
ولنا ما روى الأوزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسهم للخيل وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين وإن كان معه عشرة أفراس وعن أزهر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن يسهم للفرس سهمين وللفرسين أربعة أسهم ولصاحبها سهم فذلك خمسة أسهم وما كان فوق الفرسين فهي جنائب رواهما سعيد في سننه ولأن به إلى الثاني حاجة فإن إدامة ركوب واحد تضعفه وتمنع القتال عليه فيسهم له كالأول بخلاف الثالث فإنه مستغنى عنه مسألة قال ( ومن غزا على بعير وهو لا يقدر على غيره قسم له ولبعيره سهمان ) نص أحمد على هذا وظاهره أنه لا يسهم للبعير مع إمكان الغزو على فرس وعن أحمد أنه يسهم للبعير سهم ولم يشترط عجز صاحبه عن غيره وحكي نحو هذا عن الحسن لأن الله تعالى قال فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب الحشر 6 ولأنه حيوان تجوز المسابقة عليه بعوض فيسهم له كالفرس يحققه أن تجويز المسابقة بعوض إنما أبيحت في ثلاثة أشياء دون غيرهما لأنها آلات الجهاد فأبيح أخذ الرهن في المسابقة بها تحريضا على رياضتها وتعلم الإتقان فيها ولا يزاد على سهم البرذون لأنه دونه ولا يسهم له إلا أن يشهد الوقعة عليه ويكون مما يمكن القتال عليه فأما هذه الإبل الثقيلة التي لا تصلح إلا للحمل فلا يستحق راكبها شيئا لأنها لا تكر ولا تفر فراكبها أدنى حال من الراجل واختار أبو الخطاب أنه لا يسهم له بحال وهو قول أكثر الفقهاء قال ابن المنذر أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن من غزا على بعير فله سهم راجل كذلك قال الحسن ومكحول والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه أسهم لغير الخيل من البهائم وقد كان معه يوم بدر سبعون بعيرا ولم تخل غزاة من غزواته من الإبل بل هي كانت غالب دوابهم فلم ينقل عنه أنه أسهم لها ولو أسهم لها لنقل وكذلك من بعد النبي صلى الله عليه وسلم من خلفائه وغيرهم مع كثرة غزواتهم لم ينقل عن أحد منهم فيما علمناه أنه أسهم لبعير ولو أسهم لبعير لم يخف ذلك ولأنه لا يتمكن صاحبه من الكر والفر فلم يسهم له كالبغل والحمار فصل وما عدا الخيل والإبل من البغال والحمير والفيلة وغيرها لا يسهم لها بغير خلاف وإن عظم غناؤها وقامت مقام الخيل لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسهم لها ولا أحد من خلفائه ولأنها مما لا تجوز المسابقة عليه بعوض فلم يسهم لها كالبقر فصل وينبغي للإمام أن يتعاهد الخيل عند دخول الحرب فلا يدخل إلا شديدا ولا يدخلها حطما ولا ضعيفا ولا ضرعا ولا أعجف زارحا فإن شهد أحد الوقعة على واحد من هذه لم يسهم له وبه قال مالك وقال الشافعي يسهم له كما يسهم للمريض ولنا أنه لا ينتفع به فلم يسهم له كالرجل المخذل والمرجف ولأنه حيوان يتعين منع دخوله فلم يسهم له كالمرجف وأما المريض الذي لا يتمكن من القتال فإن خرج بمرضه عن كونه من أهل الجهاد كالزمن والأشل والمفلوج فلا سهم له لأنه لم يبق من أهل الجهاد وإن لم يخرج بمرضه عن ذلك كالمحموم ومن به الصداع فإنه يسهم له لأنه من أهل الجهاد ويعين برأيه وتكثيره ودعائه مسألة قال ( ومن مات بعد إحراز الغنيمة قام وارثه مقامه في سهمه ) وجملته أن الغازي إذا مات أو قتل نظرت فإن كان قبل حيازة الغنيمة فلا سهم له لأنه مات قبل ثبوت ملك المسلمين عليها وسواء مات حال القتال أو قبله وإن مات بعد ذلك فسهمه لورثته وقال أبو حنيفة إن مات قبل إحراز الغنيمة في دار الإسلام أو قسمها في دار الحرب فلا شيء له لأن ملك المسلمين لا يتم عليها إلا بذلك
وقال الأوزاعي إن مات بعد ما يدرب قاصدا في سبيل الله قبل أو بعد أسهم له وقال الشافعي وأبو ثور إن حضر القتال أسهم له سواء مات قبل حيازة الغنيمة أو بعدها وإن لم يحضر فلا سهم له ونحوه وقال مالك والليث ولنا إنه إذا مات قبل حيازتها فقد مات قبل ملكها وثبوت اليد عليها فلم يستحق شيئا وإن مات بعدها فقد مات بعد الاستيلاء عليها في حال لو قسمت صحت قسمتها وكان له سهمه منها فيجب أن يستحق سهمه فيها كما لو مات بعد إحرازها في دار الإسلام إذا ثبت أنه يستحقه فيكون لورثته كسائر أملاكه وحقوقه مسألة قال ( ويعطى الراجل سهما ) لا خلاف في أن للراجل سهما وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعطى الراجل سهما فيما تقدم من الأخبار ولأن الراجل يحتاج إلى أقل مما يحتاج إليه الفارس وغناؤه دون غنائه فاقتضى ذلك أن يكون سهمه دون سهمه فصل وسواء كانت الغنيمة من فتح حصن أو من مدينة أو من جيش وبهذا قال الشافعي وقال الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي عن إسهام الخيل من غنائم الحصون فقال كانت الولاة من قبل عمر بن عبد العزيز الوليد وسليمان لا يسهمون الخيل من الحصون ويجعلون الناس كلهم رجالة حتى ولي عمر بن عبد العزيز فأنكر ذلك وأمر بإسهامها من فتح الحصون والمدائن ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنائم خيبر للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم وهي حصون ولأن الخيل ربما احتيج إليها بأن ينزل أهل الحصن فيقاتلوا خارجا منه ويلزم صاحبه مؤنة له فيقسم له كما لو كان في غير حصن مسألة قال ( ويرضخ للمرأة والعبد ) ومعناه أنهم يعطون شيئا من الغنيمة دون السهم ولا يسهم لهم سهم كامل ولا تقدير لما يعطونه بل ذلك إلى اجتهاد الإمام فإن رأى التسوية بينهم سوى بينهم وإن رأى التفضيل فضل وهذا قول أكثر أهل العلم منهم سعيد بن المسيب ومالك والثوري والليث والشافعي وإسحاق وروي ذلك عن ابن عباس وقال أبو ثور يسهم للعبد وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن والنخعي لما روي عن الأسود بن يزيد أنه شهد فتح القادسية عبيد فضرب لهم سهامهم ولأن حرمة العبد في الدين كحرمة الحر وفيه من الغناء مثل ما فيه فوجب أن يسهم له كالحر وحكي عن الأوزاعي ليس للعبد سهم ولا رضخ إلا أن يجيئوا بغنيمة أو يكون لهم غناء فيرضخ لهم وقال ويسهم للمرأة لما روى جرير بن زياد عن جدته أنها حضرت فتح خيبر قالت فأسهم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أسهم للرجال وأسهم أبو موسى في غزوة تستر لنسوة معه وقال أبو بكر بن أبي مريم أسهمن النساء يوم اليرموك وروى سعيد بإسناده عن ابن شبل أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب لسهلة بنت عاصم يوم حنين بسهم فقال رجل من القوم أعطيت سهلة مثل سهمي ولنا ما روي عن ابن عباس أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة وأما سهم فلم يضرب لهن رواه مسلم وروى سعيد عن يزيد بن هارون أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن المرأة والمملوك يحضران الفتح ألهما من المغنم شيء قال يحذيان وليس لهما شيء وفي رواية قال ليس لهما سهم وقد يرضخ لهما وعن عمير مولى أبي اللحم قال شهدت خيبر مع سادتي فكلموا في رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر أني مملوك فأمر لي بشيء من خرثي المتاع رواه أبو داود واحتج به أحمد ولأنهما ليسا من أهل القتال فلم يسهم لهما كالصبي قالت عائشة يا رسول الله هل على النساء جهاد قال نعم جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة وقال عمر بن أبي ربيعة كتب القتل والقتال علينا وعلى المحصنات جر الذيول ولأن المرأة ضعيفة يستولي عليها الخور فلا تصلح للقتال
ولهذا لم تقتل إذا كانت حربية فأما ما روي في إسهام النساء فيحتمل أن الراوي سمى الرضخ سهما بدليل أن في حديث حشرج أنه جعل لهن نصيبا تمرا ولو كان سهما ما اختص التمر ولأن خيبر قسمت على أهل الحديبية نفر معدودين في غير حديثها ولم يذكرن منهم ويحتمل أنه أسهم لهن مثل سهام الرجال من التمر خاصة أو من المتاع دون الأرض وأما حديث سهلة فإن في الحديث أنها ولدت فأعطاها النبي صلى الله عليه وسلم لها ولولدها فبلغ رضخهما سهم رجل ولذلك عجب الرجل الذي قال أعطيت سهلة مثل سهمي ولو كان هذا مشهورا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما عجب منه فصل والمدبر والمكاتب كالقن لأنهم عبيد فإن عتق منهم قبل انقضاء الحرب أسهم لهم وكذلك إن قتل سيد المدبر قبل تقضي الحرب وهو يخرج من الثلث عتق وأسهم له وأما من بعضه حر فقال أبو بكر يرضخ له بقدر ما فيه من الرق ويسهم له بقدر ما فيه من الحرية فإذا كان نصفه حرا أعطي نصف سهم ورضخ له نصف الرضخ لأن هذا مما يمكن تبعيضه يقسم على قدر ما فيه من الحرية والرق والميراث وظاهر كلام أحمد أنه يرضخ له لأنه ليس من أهل وجوب القتال فأشبه الرقيق فصل والخنثى المشكل يرضخ له لأنه لم يثبت أنه رجل يقسم له ولأنه ليس من أهل وجوب الجهاد فأشبه المرأة ويحتمل أن يقسم له نصف سهم ونصف الرضخ كالميراث فإن انكشف حاله فتبين أنه رجل أتم له سهم رجل سواء انكشف قبل تقضي الحرب أو بعده أو قبل القسمة أو بعدها لأننا تبينا أنه كان مستحقا للسهم وأنه أعطى دون حقه فأشبه ما لو أعطى بعض الرجال دون حقه غلطا فصل والصبي يرضخ ولا يسهم له وبه قال الثوري والليث وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وعن القاسم وسالم في الصبي يغزو به ليس له شيء وقال مالك يسهم له إذا قاتل وأطاق ذلك ومثله قد بلغ القتال لأنه حر ذكر مقاتل فيسهم له كالرجل وقال الأوزاعي يسهم له وقال أسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للصبيان بخيبر وأسهم أئمة المسلمين لكل مولود ولد في أرض الحرب وروى الجوزجاني بإسناده عن الوضين بن عطاء قال حدثتني جدتي قالت كنت مع حبيب بن مسلمة وكان يسهم لأمهات الأولاد لما في بطونهن ولنا ما روي عن سعيد بن المسيب قال كان الصبيان والعبيد يحذون من الغنيمة إذا حضروا الغز في صدر هذه الأمة وروى الجوزجاني بإسناده أن تميم بن قرع المهدي كان في الجيش الذين فتحوا الإسكندرية في المرة الآخرة قال فلم يقسم لي عمرو من الفيء شيئا وقال غلام لم يحتلم حتى كاد يكون بين قومي وبين أناس من قريش في ذلك ثائرة فقال بعض القوم فيكم أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسألوهم فسألوا أبا نضرة الغفاري وعقبة بن عامر فقالا انظروا فإن كان قد أشعر فاقسموا له فنظر إلي بعض القوم فإذا أنا قد أنبت فقسم لي قال الجوزجاني هذا من مشاهير حديث مصر وجيده ولأنه ليس من أهل القتال فقلم يسهم له كالعبد ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم لصبي بل كان لا يجيزهم في القتال فإن ابن عمر قال عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني في القتال وعرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة فأجازني وما ذكروه يحتمل أن الراوي سمى الرضخ سهما بدليل ما ذكرناه
فصل فإن انفرد بالغنيمة من لا يسهم له مثل عبيد دخلوا دار الحرب فغنموا أو صبيان أو عبيد وصبيان أخذ خمسه وما بقي لهم ويحتمل أن يقسم بينهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم لأنهم تساووا فأشبهوا الرجال الأحرار ويحتمل أن يقسم بينهم على ما يراه الإمام من المفاضلة لأنهم لا تجب التسوية بينهم مع غيرهم فلا تجب مع الانفراد قياسا لإحدى الحالتين على الأخرى وإن كان فيهم رجل حر أعطي سهما وفضل عليهم بقدر ما يفضل الأحرار على العبيد والصبيان في غير هذا الموضع ويقسم الباقي بين من بقي على ما يراه الإمام من التفضيل لأن فيهم من له سهم بخلاف التي قبلها مسألة قال ( ويسهم للكافر إذا غزا معنا ) اختلفت الرواية في الكافر يغزو مع الإمام بإذنه فروي عن أحمد أنه يسهم له كالمسلم وبهذا قال الأوزاعي والزهري والثوري وإسحاق قال الجوزجاني هذا مذهب أهل الثغور وأهل العلم بالصوائف والبعوث وعن أحمد لا يسهم له وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة لأنه من غير أهل الجهاد فلم يسهم له كالعبد ولكن يرضخ له كالعبد ولنا ما روى الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بناس من اليهود في حربه فأسهم لهم رواه سعيد في سننه وروي أن صفوان بن أمية خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر وهو على شركه فأسهم له وأعطاه من سهم المؤلفة ولأن الكفر نقص في الدين فلم يمنع استحقاق السهم كالفسق وبهذا فارق العبد فإن نقصه في دنياه وأحكامه وإن غزا بغير إذن الإمام فلا سهم له لأنه غير مأمون على الدين فهو كالمرجف وشر منه وإن غزا جماعة من الكفار وحدهم فغنموا فيحتمل أن تكون غنيمتهم لهم لا خمس فيها لأن هذا اكتساب مباح لم يؤخذ على وجه الجهاد فكان لهم لا خمس فيه كالاحتشاش والاحتطاب ويحتمل أن يؤخذ خمسه والباقي لهم لأنه غنيمة قوم من أهل دار الإسلام فأشبه غنيمة المسلمين فصل ولا يستعان بمشرك وبهذا قال ابن المنذر والجوزجاني وجماعة من أهل العلم وعن أحمد ما يدل على جواز الاستعانة به وكلام الخرقي يدل عليه أيضا عند الحاجة وهو مذهب الشافعي لحديث الزهري الذي ذكرناه وخبر صفوان بن أمية ويشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين فإن كان غير مأمون عليهم لم تجزئه الاستعانة به لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمن من المسلمين مثل المخذل والمرجف فالكافر أولى ووجه الأول ما روت عائشة قالت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر حتى إذا كان بحرة الوبر أدركه رجل من المشركين كان يذكر منه جراءة ونجدة فسر المسلمون به فقال يا رسول الله جئت لأتبعك وأصيب معك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أتؤمن بالله ورسوله قال لا قال فارجع فلن أستعين بمشرك قالت ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالبيداء أدركه ذلك الرجل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أتؤمن بالله ورسوله قال نعم قال فانطلق متفق عليه ورواه الجوزجاني وروى الإمام أحمد بإسناده عن عبد الرحمن بن حبيب قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد غزوة أنا ورجل من قومي ولم نسلم فقلنا إنا لنستحيي أن يشهد قومنا مشهدا لا نشهده معهم قال فأسلمتما قلنا لا قال فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين قال فأسلمنا وشهدنا معه ولأنه غير مأمون على المسلمين فأشبه المخذل والمرجف قال ابن المنذر والذي ذكر أنه استعان بهم غير ثابت