İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
فصل ولا يبلغ بالرضخ للفارس سهم فارس ولا للراجل سهم راجل كما لا يبلغ بالتعزير الحد ويفعل الإمام بين أهل الرضخ ما يرى فيفضل العبد المقاتل وذا البأس على من ليس مثله ويفضل المرأة المقاتلة والتي تسقي الماء وتداوي الجرحى وتنفع على غيرها فإن قيل هلا سويتم بينهم كما سويتم بين أهل السهمان قلنا السهم منصوص عليه غير موكول إلى اجتهاد الإمام فلم يختلف كالحد ودية الحر والرضخ غير مقدر بل هو مجتهد فيه مردود إلى اجتهاد الإمام فاختلف كالتعزير وقيمة العبد فصل وفي الرضخ وجهان أحدهما من أصل الغنيمة لأنه استحق بالمعاونة في تحصيل الغنيمة فأشبه أجرة النقالين والحافظين لها والثاني هو من أربعة الأخماس لأنه استحق بحضور الوقعة فأشبه سهام الغانمين وللشافعي قولان كهذين فصل أول ما يبدأ في قسمة الغنائم بالأسلاب فيدفعها إلى أهلها لأن صاحبها معين ثم بمؤنة الغنيمة من أجرة النقال والحمال والحافظ والمخزن ثم بالرضخ على أحد الوجهين وفي الآخر بالخمس ثم بالأنفال من أربعة الأخماس ثم يقسم بقية أربعة الأخماس بين الغانمين وإنما قدمنا قسمة أربعة الأخماس على قسمة الخمس لستة معان أحدها أن أهلها حاضرون وأهل الخمس غائبون الثاني أن رجوع الغانمين إلى أوطانهم يقف على قسمة الغنيمة وأهل الخمس في أوطانهم فكان الاشتغال بقسم نصيبهم ليعودوا إلى أوطانهم أولى الثالث أن الغنيمة حصلت بتحصيل الغانمين وتعبهم فصاروا بمنزلة من استحقها بعوض وأهل الخمس بخلافه فكان أهل الغنيمة أولى الرابع أنه إذا قسم الغنيمة بين الغانمين أخذ كل إنسان نصيبه فحمله واهتم به وكفى الإمام مؤنته والخمس إذا قسم ليس له من يكفي الإمام مؤنته فلا تحصل الفائدة بقسمته بل كان يحمله مجتمعا فصار يحمله متفرقا فكان تأخير قسمته أولى الخامس أن الخمس لا يمكن قسمه بين أهله كلهم لأنه يحتاج إلى معرفتهم وعددهم ولا يمكن ذلك مع غيبتهم السادس أن الغانمين ينتفعون بسهامهم ويتمكنون من التصرف فيها لحضورهم بخلاف أهل الخمس مسألة قال ( وإذا غزا العبد على فرس لسيده قسم الفرس فكان لسيده ويرضخ للعبد ) أما الرضخ للعبد فكما تقدم وأما الفرس التي تحته فيستحق مالكها سهمها فإن كان معه فرسان أو أكثر أسهم لفرسين ويرضخ للعبد نص على هذا أحمد وقال أبو حنيفة والشافعي لا يسهم للفرس لأنه تحت من لا يسهم له فلم يسهم له كما لو كانت تحت مخذل ولنا أنه فرس حضر الوقعة وقوتل عليه فاستحق السهم كما لو كان السيد راكبه إذا ثبت هذا فإن سهم الفرس ورضخ العبد لسيده لأنه مالكه ومالك فرسه وسواء حضر السيد القتال أو غاب عنه وفارق فرس المخذل لأن الفرس له فإذا لم يستحق شيئا بحضوره فلأن لا يستحق بحضور فرسه أولى فصل وإن غزا الصبي على فرس أو المرأة أو الكافر إذا قلنا لا يستحق إلا الرضخ لم يسهم للفرس في ظاهر قول أصحابنا لأنهم قالوا لا يبلغ بالرضخ للفارس سهم فارس وظاهر هذا أنه يرضخ له ولفرسه ما لا يبلغ سهم الفارس ولأن سهم الفرس له فإذا لم يستحق السهم بحضوره فبفرسه أولى بخلاف العبد فإن الفرس لغيره فصل وإذا غزا المرجف أو المخذل على فرس فلا شيء له ولا للفرس لما ذكرنا وإن غزا العبد بغير إذن سيده لم يرضخ له لأنه عاص بغزوه فهو كالمخذل والمرجف وإن غزا الرجل بغير إذن والديه أو بغير إذن غريمه استحق السهم لأن الجهاد يتعين عليه بحضور الصف فلا يبقى عاصيا فيه بخلاف العبد فصل ومن استعار فرسا ليغزو عليه ففعل فسهم الفرس للمستعير وبهذا قال الشافعي لأنه يتمكن من الغزو عليه بإذن صحيح شرعي فأشبه ما لو استأجره
وعن أحمد رواية أخرى أن سهم الفرس لمالكه لأنه من نمائه فأشبه ولده وبهذا قال بعض الحنفية وقال بعضهم لا سهم للفرس لأن مالكه لم يستحق سهما فلم يستحق للفرس شيئا كالمخذل والمرجف والأول أصح لأنه فرس قاتل عليه من يستحق سهما وهو مالك لنفعه فاستحق سهم الفرس كالمستأجر ولأن سهم الفرس مستحق بمنفعته وهي للمستعير بإذن المالك فيها وفارق النماء والولد فإنه عير مأذون له فيه فأما إن استعاره لغير الغزو ثم غزا عليه فهو كالفرس المغصوب على ما سنذكره فصل فإن غصب فرسا فقاتل عليه فسهم الفرس لمالكه نص عليه أحمد وقال بعض الحنفية لا يسهم للفرس وهو وجه لأصحاب الشافعي وقال بعضهم سهم الفرس للغاصب وعليه أجرته لمالكه لأنه آلة فكان الحاصل بها لمستعملها كلها كما لو غصب منجلا فاحتش بها أو سيفا فقاتل به ولنا أنه فرس قاتل عليه من يستحق السهم فاستحق السهم كما لو كان مع صاحبه وإذا ثبت أن له سهما كان لمالكه لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما وما كان للفرس كان لمالكه وفارق ما يحتش به فإنه لا شيء له ولأن السهم مستحق ينفع الفرس ونفعه لمالكه فوجب أن يكون ما يستحق به له والحمد لله فصل ومن استأجر فرسا ليغزو عليه فغزا عليه فسهم الفرس له لا نعلم فيه خلافا لأنه مستحق لنفعه استحقاقا لازما فكان سهمه له كمالكه فصل فإن كان المستأجر والمستعير ممن لا سهم له إما لكونه لا شيء له كالمرجف والمخذل أو ممن يرضخ له كالصبي فحكمه حكم فرسه على ما ذكرنا وإن غصب فرسا فقاتل عليه احتمل أن يكون حكمه حكم فرسه لأن الفرس يتبع الفارس في حكمه فيتبعه إذا كان مغصوبا قياسا على فرسه واحتمل أن يكون سهم الفرس لمالكه لأن الجناية من راكبه والنقص فيه فيختص المنع به وبما هو تابع له وفرسه تابعة له لأن ما كان لها فهو له والفرس ها هنا لغيره وسهمها لمالكها فلا ينقص سهمها بنقص سهمه كما لو قاتل العبد على فرس لسيده ولو قاتل العبد بغير إذن سيده على فرس لسيده خرج فيه الوجهان اللذان ذكرناهما فيما إذا غصب فرسا فقاتل عليه لأنه ها هنا بمنزلة المغصوب فصل ولا يجوز تفضيل بعض الغانمين على بعض في القسمة إلا أن ينفل بعضهم من الغنيمة نفلا على ما ذكرنا في الأنفال فأما غير ذلك فلا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما وسوى بينهم ولأنهم اشتركوا في الغنيمة على سبيل التسوية فتجب التسوية كسائر الشركاء فصل وإن قال الإمام من أخذ شيئا فهو له جاز في إحدى الروايتين وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي قال أحمد في السرية تخرج فيقول الوالي من جاء بشيء فهو له ومن لم يجىء بشيء فلا شيء له الأنفال إلى الإمام ما فعل من شيء جاز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في يوم بدر من أخذ شيئا فهو له ولأن على هذا غزوا ورضوا به والرواية الثانية لا يجوز وهو القول الثاني للشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم الغنائم والخلفاء بعده ولأن ذلك يفضي إلى اشتغالهم بالنهب عن القتال وظفر العدو بهم فلا يجوز ولأن الاغتنام سبب لاستحقاقهم لها على سبيل التساوي فلا يزول ذلك بقول الإمام كسائر الاكتساب وأما قضية بدر فإنها منسوخة فإنهم اختلفوا فيها فأنزل الله تعالى يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول الأنفال 1 مسألة قال ( وإذا أحرزت الغنيمة لم يكن فيها لمن جاءهم مددا أو هرب من أسر حظ )
وجملة ذلك أن الغنيمة لمن حضر الموقعة فمن تجدد بعد ذلك من مدد يلحق بالمسلمين أو أسير ينفلت من الكفار فيلحق بجيش المسلمين أو كافر يسلم فلا حق لهم فيها وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة في المدد إن لحقهم قبل القسمة أو إحرازها بدار الإسلام شاركهم لأن تمام ملكها بتمام الاستيلاء وهو الإحراز إلى دار الإسلام أو قسمتها فمن جاء قبل ذلك فقد أدركها قبل ملكها فاستحل منها كما لو جاء في أثناء الحرب وإن مات أحد من العسكر قبل ذلك فلا شيء له لما ذكرنا وقد روى الشعبي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد أسهم لمن أتاك قبل أن تتفقأ قتلى فارس ولنا ما روى أبو هريرة أن أبان بن سعيد بن العاص وأصحابه قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد أن فتحها فقال أبان اقسم لنا يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجلس يا أبان ولم يقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود وعن طارق بن شهاب أن أهل البصرة غزوا نهاوند فأمدهم أهل الكوفة فكتب في ذلك إلى عمر رضي الله عنه فكتب عمر أن الغنيمة لمن شهد الواقعة رواه سعيد في سننه نحوه عن عثمان في غزوة أرمينية ولأنه مدد لحق بعد تقضي الحرب أشبه ما لو جاء بعد القسمة أو بعد إحرازها بدار الإسلام ولأن سبب ملكها الاستيلاء عليها وقد حصل قبل مجيء المدد وقولهم إن ملكها بإحرازها إلى دار الإسلام ممنوع بل هو بالاستيلاء وقد استولى عليها الجيش قبل المدد وحديث الشعبي مرسل يرويه المجالد وقد تكلم فيه ثم هم لا يعملون به ولا نحن فقد حصل الإجماع منا على خلافه فكيف يحتج به فصل وحكم الأسير يهرب إلى المسلمين حكم المدد سواء قاتل أو لم يقاتل وقال أبو حنيفة لا يسهم له إلا أن يقاتل لأنه لم يأت للقتال بخلاف المدد ولنا إن من استحق إذا قاتل استحق وإن لم يقاتل كالمدد وسائر من حضر الوقعة فصل وإن لحقهم المدد بعد تقضي الحرب وقبل حيازة الغنيمة أو جاءهم أسير فظاهر كلام الخرقي أنه يشاركهم لأنه جاء قبل إحرازها وقال القاضي تملك الغنيمة بانقضاء الحرب قبل حيازتها فعلى هذا لا يسهم لهم وإن حازوا الغنيمة ثم جاءهم قوم من الكفار يقاتلونهم فأدركهم المدد فقاتلوا معهم فقد نص أحمد على أنه لا شيء للمدد فإنه قال إذا غنم المسلمون غنيمة فلحقهم العدو وجاء المسلمين مدد فقاتلوا العدو معهم حتى سلموا الغنيمة فلا شيء لهم في الغنيمة لأنهم إنما قاتلوا عن أصحابهم ولم يقاتلوا عن الغنيمة لأن الغنيمة قد صارت في أيديهم وحووها قيل له فإن أهل المصيصة غنموا ثم استنقذ منهم العدو فجاء أهل طرسوس فقاتلوا معهم حتى استنقذوه فقال أحب إلي أن يصطلحوا أما في الصورة الأولى فإن الأولين قد أحرزوا الغنيمة وملكوها بحيازتهم فكانت لهم دون من قاتل معهم أما في الصورة الثانية فإنما حصلت الغنيمة بقتال الذين استنقذوها في المرة الثانية فينبغي أن يشتركوا فيها لأن الإحراز الأول قد زال بأخذ الكفار لها ويحتمل أن الأولين قد ملكوها بالحيازة الأولى ولم يزل ملكهم بأخذ الكفار لها منهم فلهذا أحب أحمد أن يصطلحوا عليها مسألة قال ( ومن بعثه الأمير لمصلحة الجيش فلم يحضر الغنيمة أسهم له )
هذا مثل الرسول والدليل والطليعة والجاسوس وأشباههم يبعثون لمصلحة الجيش فإنهم يشاركون الجيش وبهذا قال أبو بكر بن أبي مريم وراشد بن سعد وعطية بن قيس قالوا وقد تخلف عثمان يوم بدر فأجرى له رسول الله صلى الله عليه وسلم سهما من الغنيمة ويروى عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يعني يوم بدر فقال إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله وإني أبايع له فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه ولم يضرب لأحد غاب غيره رواه أبو داود وعن ابن عمر قال إنما تغيب عثمان عن بدر لأنه كانت تحته ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إن لك أجر رجل شهد بدرا وسهمه رواه البخاري ولأنه في مصلحتهم فاستحق سهما من غنيمتهم كالسرية مع الجيش والجيش مع السرية فصل وسئل أحمد عن قوم خلفهم الأمير في بلاد العدو وغزا وغنم ولم يمر بهم فرجعوا هل يسهم لهم قال نعم يسهم لهم لأن الأمير خلفهم قيل له فإن نادى الأمير من كان ضعيفا فليتخلف فتخلف قوم فصاروا إلى لؤلؤة وفيها المسلمون فأقاموا حتى فصلوا فقال إذا كانوا قد التجؤوا إلى مأمن لهم لم يسهم لهم ولو تخلفوا وأقاموا في موضع خوف أسهم لهم وقال في قوم خلفهم الأمير وأغار في جلد الخيل فقال إن أقاموا في بلد العدو حتى رجع أسهم لهم وإن رجعوا حتى صاروا إلى مأمنهم فلا شيء لهم قيل له فإن اعتل رجل أو اعتلت دابته وقد أدرب فقال له الأمير أقم أسهم لك أو انصرف إلى أهلك أسهم لك فكرهه وقال هذا ينصرف إلى أهله فكيف يسهم له فصل يجوز قسم الغنائم في دار الحرب وبهذا قال مالك والأوزاعي والشافعي وابن المنذر وأبو ثور وقال أصحاب الرأي لا تنقسم إلا في دار الإسلام لأن الملك لا يتم عليها إلا بالاستيلاء التام ولا يحصل إلا بإحرازها في دار الإسلام وإن قسمت أساء قاسمها وجازت قسمته لأنها مسألة مجتهد فيها فإذا حكم الإمام فيها بما يوافق قول بعض المجتهدين نفذ حكمه ولنا ما روى أبو إسحاق الفزاري قال قلت للأوزاعي هل قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من الغنائم بالمدينة قال لا أعلمه إنما كان الله تبارك وتعالى رضي الله عنهن الرب عز وجل الناس يتبعون غنائمهم ويقسمونها في أرض عدوهم ولم يقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غزاة قط أصاب فيها غنيمة إلا خمسه وقسمه من قبل أن يقفل من ذلك غزوة بني المصطلق وهوازن وخيبر ولأن كل دار صحت القسمة فيها جازت كدار الإسلام ولأن الملك ثبت فيها بالقهر والاستيلاء فصحت قسمتها كما لو أحرزت بدار الإسلام والدليل على ثبوت الملك فيها أمور ثلاثة أحدها أن سبب الملك الاستيلاء التام وقد وجد فإننا أثبتنا أيدينا عليها حقيقة وقهرناهم ونفيناهم عنها والاستيلاء يدل على حاجة المستولي فيثبت الملك كما في المباحات الثاني أن ملك الكفار قد زال عنها بدليل أنه لا ينفذ عتقهم في العبيد الذين حصلوا في الغنيمة ولا يصح تصرفهم فيها ولم يزل ملكهم إلا غير مالك إذ ليست في هذه الحال مباحة علم أن ملكها زال إلى الغانمين الثالث أنه لو أسلم عبد الحربي ولحق بجيش المسلمين صار حرا وهذا يدل على زوال ملك الكافر وثبوت الملك لمن قهره وبهذا يحصل الجواب عما ذكروه مسألة قال ( وإذا سبوا لم يفرق بين الوالد وولده ولا بين الوالدة وولدها ) أجمع أهل العلم على أن التفريق بين الأم وولدها الطفل غير جائز هذا قول مالك في أهل المدينة والأوزاعي في أهل الشام والليث في أهل مصر والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي فيه والأصل فيه ما روى أبو أيوب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة أخرجه الترمذي
وقال حديث حسن غريب وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا توله والدة عن ولدها قال أحمد لا يفرق بين الأم وولدها وإن رضيت وذلك والله أعلم لما فيه من الاضرار بالولد ولأن المرأة قد ترضى بما فيه ضررها ثم يتغير قلبها بعد ذلك فتندم لا يجوز التفريق بين الأب وولده وهذا قول أصحاب الرأي ومذهب الشافعي وقال بعض أصحابه يجوز وهو قول مالك والليث لأنه ليس من أهل الحضانة بنفسه ولأنه لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص عليه لأن الأم أشفق منه ولنا إنه أحد الأبوين فأشبه الأم ولا نسلم في أنه ليس من أهل الحضانة وظاهر كلام الخرقي أنه لا فرق بين كون الولد كبيرا بالغا أو طفلا وهذا إحدى الروايتين عن أحمد لعموم الخبر ولأن الوالدة تتضرر بمفارقة ولدها الكبير ولهذا حرم عليه الجهاد بدون إذنهما والرواية الثانية يختص تحريم التفريق بالصغير وهو قول أكثر أهل العلم منهم سعيد بن عبد ومالك والأوزاعي والليث وأبو ثور وهو قول الشافعي لأن سلمة بن الأكوع أتى بامرأة وابنتها فنفله أبو بكر ابنتها فاستوهبها منه النبي صلى الله عليه وسلم فوهبها له ولم ينكر التفريق بينهما ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أهديت إليه مارية وأختها سيرين فأمسك مارية ووهب سيرين لحسان بن ثابت ولأن الأحرار يتفرقون بعد الكبر فإن المرأة تزوج ابنتها فالعبيد أولى وبما ذكرناه بتخصيص عموم حديث النهي واختلفوا في حد الكبر الذي يجوز معه التفريق فروي عن أحمد يجوز التفريق بينهما إذابلغ الولد وهو قول سعيد بن عبد العزيز وأصحاب الرأي وقول الشافعي وقال مالك إذا أثغر وقال الأوزاعي والليث إذا استغنى عن أمه ونفع نفسه وقال الشافعي في أحد قوليه إذا صار ابن سبع سنين أو ثمان سنين وقال أبو ثور إذا كان يلبس وحده ويتوضأ وحده لأنه إذا كان كذلك يستغني عن أمه وكذلك خير الغلام بين أمه وأبيه إذا صار كذلك ولأنه جاز التفريق بينهما بتخييره فجاز بيعه وقسمته ولنا ما روي عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يفرق بين الوالدة وولدها فقيل إلى متى قال حتى يبلغ العلام وتحيض الجارية ولأن ما دون البلوغ مولى عليه فأشبه الطفل فصل وإن فرق بينهما بالبيع فالبيع فاسد وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يصح البيع لأن النهي لمعنى في غير المعقود عليه فأشبه البيع في وقت النداء ولنا ما روى أبو داود في سننه بإسناده عن علي رضي الله عنه أنه فرق بين الأم وولدها فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ورد البيع والأصل ممنوع ولا يصح ما ذكروه فإن نهى عنه لما يلحق المبيع من الضرر فهو لمعنى فيه مسألة قال ( والجد في ذلك كالأب والجدة فيه كالأم ) وجملة ذلك أن الجد والجدة في تحريم التفريق بينهما وبين ولد ولدهما كالأبوين لأن الجد أب والجدة أم ولذلك يقومان مقام الأبوين في استحقاق الحضانة والميراث والنفقة فقاما مقامهما في تحريم التفريق ويستوي في ذلك الجد والجدة من قبل الأب والأم لأن للجميع ولادة ومحرمية فاستووا في ذلك كاستوائهم في منع شهادة بعضهم لبعض مسألة قال ( ولا يفرق بين أخوين ولا أختين ) وجملته أنه يحرم التفريق بين الإخوة في القسمة والبيع وبهذا قال أصحاب الرأي وقال مالك والليث والشافعي وابن المنذر يجوز لأنها قرابة لا تمنع قبول الشهادة فلم يحرم التفريق كقرابة ابن العم ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه قال وهب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غلامين أخوين فبعث أحدهما فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل غلامك فأخبرته فقال رده رده رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وروى عبد الرحمن بن فروخ عن أبيه قال كتب إلينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا تفرقوا بين الأخوين ولا بين الأم وولدها في البيع لأنه ذو رحم محرم فلم يجز التفريق بينهما كالولد والوالد
فصل ويجوز التفريق بين سائر الأقارب في ظاهر كلام الخرقي وقال غيره من أصحابنا لا يجوز التفريق بين ذوي رحم محرم كالعمة مع ابن أخيها والخالة مع ابن أختها لما ذكرنا من القياس ولنا إن الأصل حل البيع والتفريق ولا يصح القياس على الإخوة لأنهم أقرب ولذلك يحجبون غيرهم عن الميراث فيبقى فيمن عداهم على مقتضى الأصل فأما من ليس بينهما رحم محرم فلا يمنع من التفريق بينهم عند أحد علمناه لعدم النص فيهم وامتناع القياس على المنصوص وكذلك يجوز التفريق بين الأم من الرضاع وولدها والأخت وأختها لذلك ولأن قرابة الرضاع لا توجب عتق أحدهما على صاحبه ولا نفقة ولا ميراثا فلم تمنع التفريق كالصداقة فصل وإذا كان في المغنم من لا يجوز التفريق بينهم وكان قدرهم حصة واحدة من الغانمين دفعوا إلى واحد وإن كان فيهم فضل فرضي برد قيمة الفضل جاز وإن لم يكن ذلك بيعوا جملة وقسم ثمنهم أو يجعلوا في الخمس ويجوز التفريق بينهم في العتق والفداء لأن العتق لا تفرقة فيه في المكان والفداء تخليص فهو كالعتق مسألة قال ( ومن اشترى منهم وهم مجتمعون فتبين أن لا نسب بينهم رد إلى المقسم الفضل الذي فيه بالتفريق ) وجملته أن من اشترى من الغنم اثنين أو أكثر وحسبوا عليه بنصيبه بناء على أنهم أقارب يحرم التفريق بينهم فبان أنه لا نسب بينهم وجب عليه رد الفضل الذي فيهم على المغنم لأن قيمتهم تزيد بذلك فإن اشترى اثنين بناء على أن إحداهما أم الأخرى لا يحل له الجمع بينهما في الوطء ولا بيع إحداهما دون الأخرى فكانت قميتهما قليلة لذلك فإن بان أن إحداهما أجنبية من الأخرى أبيح له وطؤها وبيع إحداهما فتكثر قيمتهما فيجب رد الفضل كما لو اشتراهما فوجد معهما حليا أو ذهبا فتكثر قيمتهما وكما لو أخذ دراهم فبانت أكثر مما حسب عليه مسألة قال ( ومن سبي من أطفالهم منفردا أو مع أحد أبويه فهو مسلم ومن سبي مع أبويه فهو على دينهما ) وجملته أنه إذا سبى من لم يبلغ من أولاد الكفار صار رقيقا ولا يخلو من ثلاثة أحوال أحدهما أن يسبى منفردا عن أبويه فهذا يصير مسلما إجماعا لأن الدين إنما يثبت له تبعا وقد انقطعت تبعيته لأبويه لانقطاعه عنهما وإخراجه عن دارهما ومصيره إلى دار الإسلام تبعا لسابيه المسلم فكان تابعا له في دينه والثاني أن يسبى مع أحد أبويه فإنه يحكم بإسلامه أيضا وبهذا قال الأوزاعي وقال أبو حنيفة والشافعي يكون تابعا لأبيه في الكفر لأنه لم ينفرد عن أحد أبويه فلم يحكم بإسلامه كما لو سبي معهما وقال مالك إن سبي مع أبيه يتبعه لأن الولد يتبع أباه في الدين كما يتبعه في النسب وإن سبي مع أمه فهو مسلم لأنه لا يتبعها في النسب فكذلك في الدين ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه فمفهومه أنه لا يتبع أحدهما لأن الحكم متى علق بشيئين لا يثبت بأحدهما ولأنه يتبع سابيه منفردا فيتبعه مع أحد أبويه قياسا على ما لو أسلم أحد الأبوين يحققه أن كل شخص غلب حكم إسلامه منفردا غلب مع أحد الأبوين كالمسلم من الأبوين الثالث أن يسبى مع أبويه فإنه يكون على دينهما وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وقال الأوزاعي يكون مسلما لأن السابي أحق به لكونه ملكه بالسبي وزالت ولاية أبويه عنه وانقطع ميراثهما منه وميراثه منهما فكان أولى به منهما ولنا قوله عليه السلام فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه وهما معه وملك السابي له لا يمنع إتباعه لأبويه بدليل ما لو ولد في ملكه من عبده وأمته الكافرين فصل وإذا سبي المتزوج من الكفار لم يخل من ثلاثة أحوال أحدها أن يسبى الزوجان معا فلا ينفسخ نكاحهما وبهذا قال أبو حنيفة والأوزاعي وقال مالك والثوري والليث والشافعي وأبو ثور ينفسخ نكاحهما لقوله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم النساء 24
والمحصنات المزوجات إلا ما ملكت أيمانكم النساء 24 بالسبي قال أبو سعيد الخدري نزلت هذه الآية في سبي أوطاس وقال ابن عباس إلا ذوات الأزواج من المسبيات ولأنه استولى على محل حق الكافر فزال ملكه كما لو سباها وحدها ولنا إن الرق معنى لا يمنع ابتداء النكاح فلا يقطع استدامته كالعتق والآية نزلت في سبايا أوطاس وكانوا أخذوا النساء دون أزواجهن وعموم الآية مخصوص بالمملوكة المزوجة في دار الإسلام فيخص منه محل النزاع بالقياس عليه الحال الثاني أن تسبى المرأة وحدها فينفسخ النكاح بلا خلاف علمناه والآية دالة عليه وقد روى أبو سعيد الخدري قال أصبنا سبايا يوم أوطاس ولهن أزواج في قومهن فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم النساء 24 رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن إلا أن أبا حنيفة قال إذا سبيت المرأة وحدها ثم سبي زوجها بعدها بيوم لم ينفسخ النكاح ولنا إن السبب المقتضي للفسخ وجد فانفسخ النكاح كما لو سبي بعد شهر الحال الثالث سبي الرجل وحده فلا ينفسخ النكاح لأنه لا نص فيه ولا القياس يقتضيه وقد سبى النبي صلى الله عليه وسلم سبعين من الكفار يوم بدر فمن على بعضهم وفادى بعضا فلم يحكم عليهم بفسخ أنكحتهم ولأننا إذا لم نحكم بفسخ النكاح فيما إذا سبيا معا مع الاستيلاء على محل حقه فلأن لا ينفسخ نكاحه مع عدم الاستيلاء أولى وقال أبو الخطاب إذا سبي أحد الزوجين انفسخ النكاح ولم يفرق وبه قال أبو حنيفة لأن الزوجين افترقت بهما الدار وطرأ الملك على أحدهما فانفسخ النكاح كما لو سبيت المرأة وحدها وقال الشافعي إن سبي واسترق انفسخ نكاحه وإن من عليه أو فودي لم ينفسخ ولنا ما ذكرناه وأن السبي لم يزل ملكه عن ماله في دار الحرب فلم يزله عن زوجته كما لم يزله عن أمته فصل ولم يفرق أصحابنا في سبي الزوجين بين أن يسبيهما رجل واحد أو رجلان وينبغي أن يفرق بينهما فإنهما إذا كانا مع رجلين كان مالك المرأة منفردا بها ولا زوج لها فتحل له لقوله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم النساء 24 وذكر الأوزاعي أن الزوجين إذا سبيا فهما على النكاح في المقاسم فإن اشتراهما رجل فله أن يفرق بينهما إن شاء أو يقرهما على النكاح ولنا إن تجدد الملك في الزوجين لرجل لا يقتضي جواز الفسخ كما لو اشترى زوجين مسلمين إذا ثبت هذا فإنه لا يحرم التفريق بين الزوجين في القسمة والبيع لأن الشرع لم يرد بذلك فصل إذا أسلم الحربي في دار الحرب حقن ماله ودمه وأولاده الصغار من السبي وإن دخل دار الإسلام فأسلم وله أولاد صغار في دار الحرب صاروا مسلمين ولم يجز سبيهم وبه قال مالك والشافعي والأوزاعي وقال أبو حنيفة ما كان في يديه من ماله ورقيقه ومتاعه وولده الصغار وترك له وما كان من أمواله بدار الحرب جاز سبيهم لأنه لم يثبت إسلامهم بإسلامه لاختلاف الدارين بينهم ولهذا إذا سبي الطفل وأبواه في دار الكفر لم يتبعهما ويتبع سابيه في الإسلام وما كان من أرض أو دار فهو فيء وكذلك زوجته إذا كانت كافرة وما في بطنها فيء
ولنا إن أولاده أولاد مسلم فوجب أن يتبعوه في دار الإسلام كما لو كانوا معه في الدار ولأن ماله مال مسلم فلا يجوز اغتنامه كما لو كان في دار الإسلام وبذلك يفارق مال الحربي وأولاده وما ذكره أبو حنيفة لا يلزم فإننا نجعله تبعا للسابي لأننا لا نعلم بقاء أبويه فأما أولاده الكبار فلا يعصمهم لأنهم لا يتبعونه ولا يعصم زوجته لذلك فإن سبيت صارت رقيقا ولم ينفسخ نكاحه برقها ولكن يكون حكمها في النكاح وفسخه حكم ما لو لم تسب على ما مر في نكاح أهل الشرك فإن كانت حاملا من زوجها لم يجز استرقاق الحمل وكان حرا مسلما وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يحكم برقه مع أمه لأن ما سرى إليه العتق سرى إليه الرق كسائر أعضائها ولنا إنه محكوم بحريته وإسلامه فلم يجز استرقاقه كالمنفصل ويخالف الأعضاء لأنها لا تنفرد بحكم عن الأصل فصل وإذا أسلم الحربي في دار الحرب وله مال وعقار أو دخل إليها مسلم فابتاع عقارا أو مالا فظهر المسلمون على ماله وعقاره لم يملكوه وكان له وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يغنم العقار وأما غيره فما كان في يده أو يد مسلم لم يغنم واحتج بأنها بقعة من دار الحرب فجاز اغتنامها كما لو كانت لحربي ولنا إنه مال مسلم فأشبه ما لو كاتب في دار الإسلام فصل إذا استأجر المسلم أرضا من حربي ثم استولى عليها المسلمون فهي غنيمة ومنافعها للمستأجر لأن المنافع ملك المسلم فإن قيل فلم أجزتم استرقاق الكافرة الحربية إذا كان زوجها قد أسلم وفي استرقاقها إبطال حق زوجها قلنا يجوز استرقاقها لأنها كافرة ولا أمان لها فجاز استرقاقها كما لو لم تكن زوجة مسلم فلا يبطل نكاحه بل هو باق ولأن منفعة النكاح لا تجري مجرى الأموال بدليل أنها لا تضمن باليد ولا يجوز أخذ العوض عنها بخلاف حق الإجارة فصل إذا أسلم عبد الحربي أو أمته وخرج إلينا فهو حر وإن أسر سيده وأولاده وأخذ ماله وخرج إلينا فهو حر والمال له والسبي رقيقه وإن أسلم وأقام بدار الحرب فهو على رقه وإن أسلمت أم ولد الحربي وخرجت إلينا عتقت واستبرأت نفسها وهذا قول أكثر أهل العلم قال ابن المنذر وقال به كل من نحفظ عنه من أهل العلم إلا أن أبا حنيفة قال في أم الولد تزوج إن شاءت من غير استبراء وأهل العلم على خلافه لأنها أم ولد عتقت فلم يجز أن تتزوج بغير استبراء كما لو كانت لذمي وروى سعيد بن منصور حدثنا يزيد بن هارون عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتق العبيد إذا جاؤوا قبل مواليهم وعن أبي سعيد الأعسم قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في العبد وسيده مقضيتين قضى أن العبد إذا خرج من دار الحرب قبل سيده أنه حر فإن خرج سيده بعد لم يرد عليه وقضى أن السيد إذا خرج قبل العبد ثم خرج العبد رد على سيده رواه سعيد أيضا وعن الشعبي عن رجل من ثقيف قال سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد علينا أبا بكرة وكان عبدا لنا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصر ثقيفا فأسلم فأبى أن يرده علينا وقال هو طليق الله ثم طليق رسوله فلم يرده علينا مسألة قال ( وما أخذه أهل الحرب من أموال المسلمين وعبيدهم فأدركه صاحبه قبل قسمه فهو أحق به ) فإن أدركه مقسوما فهو أحق به بالثمن الذي ابتاعه من المغنم في إحدى الروايتين
والرواية الأخرى إذا قسم فلا حق له فيه بحال يعني إذا أخذ الكفار أموال المسلمين ثم قهرهم المسلمون فأخذوها منهم فإن علم صاحبها قبل قسمها ردت إليه بغير شيء في قول عامة أهل العلم منهم عمر رضي الله عنه وعطاء والنخعي وسلمان بن ربيعة والليث ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وقال الزهري لا يرد إليه وهو للجيش ونحوه عن عمرو بن دينار لأن الكفار ملكوه باستيلائهم فصار غنيمة كسائر أموالهم ولنا ما روى ابن عمر أن غلاما له أبق إلى العدو فظهر عليه المسلمون فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمر ولم يقسم وعنه قال ذهب فرس له فأخذها العدو فظهر عليه المسلمون فرد عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم رواهما أبو داود وعن جابر بن حيوة أن أبا عبيدة كتب إلى عمر بن الخطاب فيما أحرز المشركون من المسلمين ثم ظهر المسلمون عليهم بعد قال من وجد ماله بعينه فهو أحق به ما لم يقسم رواه سعيد والأثرم فأما ما أدركه بعد أن قسم ففيه روايتان إحداهما أن صاحبه أحق به بالثمن الذي حسب به على من أخذه وكذلك إن بيع ثم قسم ثمنه فهو أحق به بالثمن وهذا قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي ومالك لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن رجلا وجد بعيرا له كان المشركون أصابوه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إن أصبته قبل أن نقسمه فهو لك وإن أصبته بعدما قسم أخذته بالقيمة ولأنه إنما امتنع أخذه له بغير شيء كيلا يفضي إلى حرمان أخذه من الغنيمة أو يضيع الثمن على المشتري وحقهما ينجبر بالثمن فيرجع صاحب المال في عين ماله بمنزلة مشتري الشقص المشفوع إلا أن المحكي عن مالك وأبي حنيفة أنه يأخذه بالقيمة ويروى عن مجاهد مثله والرواية الثانية عن أحمد أنه إذا قسم فلا حق له فيه بحال نص عليه في رواية أبي داود وغيره وقول عمر وعلي وسليمان بن ربيعة وعطاء والنخعي والليث قال أحمد أما قول من قال هو أحق بالقيمة فهو قول ضعيف عن مجاهد وقال الشافعي يأخذه صاحبه قبل القسمة وبعدها ويعطي مشتريه ثمنه من خمس المصالح لأنه لم يزل عن ملك صاحبه فوجب أن يستحق أخذه بغير شيء كما قبل القسمة ويعطي من حسب عليه القيمة لئلا يفضي إلى حرمان آخذه حقه من الغنيمة وجعل من سهم المصالح لأن هذا منها وهذا قول ابن المنذر ولنا ما روي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى السائب أيما رجل من المسلمين أصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به من غيره وإن أصابه في أيدي التجار بعدما اقتسم فلا سبيل له إليه وقال سلمان بن ربيعة إذا قسم فلا حق له فيه رواهما سعيد في سننه ولأنه إجماع قال أحمد إنما قال الناس فيها قولين إذا قسم فلا شيء له وقال قوم إذا قسم فهو له بالثمن فإما أن يكون له بعد القسمة بغير ذلك فلم يقله أحد ومتى ما انقسم أهل العصر على قولين في حكم لم يجز إحداث قول ثالث لأنه يخالف الإجماع فلم يجز المصير إليه وقد روى أصحابنا عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أدرك ماله قبل أن يقسم فهو له وإن أدركه بعد أن قسم فليس له فيه شيء والمعمول على ما ذكرنا من الإجماع وقولهم لم يزل ملك صاحبه عنه غير مسلم فصل وإن أخذه أحد الرعية بهبة أو سرقة أو بغير شيء فصاحبه أحق به بغير شيء وقال أبو حنيفة لا يأخذه إلا بالقيمة لأنه صار ملكا لواحد بعينه فأشبه ما لو قسم
ولنا ما روي أن قوما أغاروا على سرح النبي صلى الله عليه وسلم فأخذوا ناقته وجارية من الأنصار فأقامت عندهم أياما ثم خرجت في بعض الليل قالت فما وضعت يدي على ناقة إلا رغت حتى وضعتها على ناقة ذلول فامتطيتها ثم توجهت إلى المدينة ونذرت إن نجاني الله عليها أن أنحرها فلما قدمت المدينة استعرفت الناقة فإذا هي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذها فقلت يا رسول الله إني نذرت أن أنحرها فقال بئسما جازيتها لا نذر في معصية وفي رواية لا نذر فيما لا يملك ابن آدم رواه أحمد ومسلم ولأنه لم يحصل في يده بعوض فكان صاحبه أحق به كما لو أدركه في الغنيمة قبل قسمه فأما إن اشتراه رجل من العدو فليس لصاحبه أخذه إلا بثمنه لما روى سعيد حدثنا عثمان بن مطر الشيباني حدثنا أبو حريز عن الشعبي قال أغار أهل ماه وأهل جلولاء على العرب فأصابوا سبايا من سبايا العرب ورقيقا ومتاعا ثم إن السائب بن الأقرع عامل عمر غزاهم ففتح فاه فكتب إلى عمر في سبايا المسلمين ورقيقهم ومتاعهم قد اشتراه التجار من أهل ماه فكتب إليه عمر إن المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يخذله فأيما رجل من المسلمين أصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به وإن أصابه في أيدي التجار بعدما اقتسم فلا سبيل إليه وأيما حر اشتراه التجار فإنه يرد عليهم رؤوس أموالهم فإن الحرب لا يباع ولا يشتري وقال القاضي ما حصل في يده بهبة أو سرقة أو شراء فهو كما لو وجده صاحبه بعد القسمة هل يكون صاحبه أحق به بالقيمة على روايتين والأولى ما ذكرناه وإن علم الإمام بمال المسلم قبل قسمه فقسمه وجب رده وكان صاحبه أحق به بغير شيء لأن قسمته كانت باطلة من أصلها فصل وإن غنم المسلمون من المشركين شيئا عليه علامة المسلمين فلم يعلم صاحبه فهو غنيمة قال أحمد في مراكب تجيء من مصر يقطع عليها الروم فيأخذونها ثم يأخذها المسلمون منهم إن عرف صاحبها فلا يؤكل منها وهذا يدل على أنه إذا لم يعرف صاحبها جاز الأكل منها ونحو هذا قول الثوري والأوزاعي قالا في المصحف يحصل في الغنائم يباع وقال الشافعي يوقف حتى يجيء صاحبه وإن وجد شيء موسوم عليه حبس في سبيل الله رد كما كان نص عليه أحمد وبه قال الأوزاعي والشافعي وقال الثوري يقسم ما لم يأت صاحبه ولنا أن هذا قد عرف مصرفه وهو الحبس فهو بمنزلة ما لو عرف صاحبه قيل لأحمد فالجواميس تدرك وقد ساقها العدو للمسلمين وقد ردت يؤكل منها قال إذا عرف لمن هي فلا يؤكل منها قيل لأحمد فما حاز العدو للمسلمين فأصابه المسلمون أعليهم أن يقفوه حتى يتبين صاحبه قال إذا عرف فقيل هو لفلان وكان صاحبه بالقرب قيل له أصيب غلام في بلاد الروم قال أنا لفلان رجل قال إذا عرف الرجل لم يقسم ماله ورد على صاحبه قيل له أصبنا مركبا في بلاد الروم فيها النواتية قالوا هذا لفلان وهذا لفلان قال هذا قد عرف صاحبه لا يقسم فصل قال القاضي يملك الكفار أموال المسلمين بالقهر وهو قول مالك وأبي حنيفة وقال أبو الخطاب لا يملكونها وهو قول الشافعي قال وهو ظاهر كلام أحمد حيث قال إن أدركه صاحبه قبل القسمة فهو أحق به وإنما منعه أخذه بعد قسمة لأن قسمه الإمام له تجري مجرى الحكم ومتى صادف الحكم أمرا مجتهدا فيه نفذ حكمه وحكي عن أحمد في ذلك روايتان واحتج من قال لا يملكونها بحديث نافة النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه مال معصوم طرأت عليه يد عادية فلم يملك بها كالغصب ولأن من لا يملك رقبة غيره بالقهر لم يملك ماله به كالمسلم مع المسلم ووجه الأول أن القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر فملك به الكافر مال المسلم كالبيع فأما الناقة فإنما أخذها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أدركها غير مقسومة ولا مشتراة
فعلى هذا يملكونها قبل حيازتها إلى دار الكفر وهو قول مالك وذكر القاضي أنهم إنما يملكونها بالحيازة إلى دارهم وهو قول أبي حنيفة وحكي في ذلك عن أحمد روايتان ووجه الأول أن الاستيلاء سبب للملك فيثبت قبل الحيازة إلى الدار كاستيلاء المسلمين على مال الكفار ولأن ما كان سببا للملك أثبته حيث وجد كالهبة والبيع وفائدة الخلاف في ثبوت الملك وعدمه أن من أثبت الملك للكفار في أموال المسلمين أباح للمسلمين إذا أظهروا عليها قسمتها والتصرف فيها ما لم يعلموا صاحبها وأن الكافر إذا أسلم وهي في يده فهو أحق بها ومن لم يثبت الملك اقتضى مذهبه عكس ذلك والله أعلم فصل ولا أعلم خلافا في أن الكافر الحربي إذا أسلم أو دخل إلينا بأمان بعد أن استولى على مال مسلم فأتلفه أنه لا يلزمه ضمانه وإن أسلم وهو في يده فهو له بغير خلاف في المذهب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسلم على شيء فهو له وإن كان أخذه من المستولى عليه بهبة أو سرقة أو شراء فكذلك لأنه استولى عليه في حال كفره فأشبه ما استولى عليه بقهره للمسلم وعن أحمد أن صاحبه يكون أحق به بالقيمة وإن استولى على جارية مسلم فاستولدها ثم أسلم فهي له وهي أم ولد له نص عليه أحمد لأنها مال فأشبهت سائر الأموال وإن غنمها المسلمون وأولادها قبل إسلام سابيها فعلم صاحبها ردت إليه وكان أولادها غنيمة لأنهم أولاد كافر حدثوا بعد ملك الكافر لها فصل وإن استولوا على حر لم يملكوه سواء كان مسلما أو ذميا لا أعلم في هذا خلافا لأنه لا يضمن بالقيمة ولا يثبت عليه يد بحال وكل ما يضمن بالقيمة يملكونه بالقهر كالعروض والعبد القن والمدبر والمكاتب وأم الولد وقال أبو حنيفة لا يملكون المكاتب وأم الولد لأنهما لا يجوز نقل الملك فيهما فهما كالحر ولنا إنهما يضمنان بالقيمة فيملكونهما كالعبد القن ويحتمل أن يملكوا المكاتب دون أم الولد لأن أم الولد لا يجوز نقل الملك فيها ولا يثبت فيها لغير سيدها وفائدة الخلاف أن من قال بثبوت الملك فيهما قال متى قسما أو اشتراهما إنسان لم يكن لسيدهما أخذهما إلا بالثمن قال الزهري في أم الولد يأخذها لسيدها بقيمة عدل وقال مالك يفديها الإمام فإن لم يفعل يأخذها سيدها بقيمة عدل ولا يدعها يستحل فرجها من لا تحل له ومن قال لا يثبت الملك فيهما ردا إلى ما كانا عليه على كل حال كالحر وإن اشتراهما إنسان فالحكم فيهما كالحكم في الحر إذا اشتراه فصل إذا أبق عبد المسلم إلى دار الحرب فأخذوه ملكوه كالمال وهذا قول مالك وأبي يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يملكوه وعن أحمد مثل ذلك لأنه إذا صار في دار الحرب زالت يد مولاه عنه وصار في يد نفسه فلم يملك كالحر ولنا إنه مال لو أخذوه من دار الإسلام ملكوه فإذا أخذوه من دار الحرب ملكوه كالبهيمة مسألة قال ( ومن قطع من مواتهم حجرا أو عودا أو صاد حوتا أو ظبيا رده على سائر الجيش إذا استغنى عن أكله والمنفعة به ) يعني إذا أخذ شيئا له قيمة من دار الحرب فالمسلمون شركاؤه فيه وبه قال أبو حنيفة والثوري وقال الشافعي ينفرد آخذه بملكه لأنه لو أخذه من دار الإسلام ملكه فإذا أخذه من دار الحرب ملكه كالشيء التافه وهذا قول مكحول والأوزاعي ونقل ذلك عن القاسم وسالم ولنا إنه مال ذو قيمة مأخوذ من أرض الحرب بظهر المسلمين فكان غنيمة كالمطعومات وفارق ما أخذوه من دار الإسلام لأنه لا يحتاج إلى الجيش في أخذه فأما إن احتاج إلى أكله والانتفاع به فله ذلك ولا يرده لأن لو وجد طعاما مملوكا للكفار كان له أكله إذا احتاج فما أخذ من الصيود والمباحات أولى
فصل وإن أخذ من بيوتهم أو خارج منها ما لا قيمة له في أرضهم كالمسن والأقلام والأحجار والأدوية فله أخذه وهو أحق به وإن صارت له قيمة بنقله أو معالجته نص أحمد على نحو هذا وبه قال مكحول والأوزاعي والشافعي وقال الثوري إذا جاء به إلى دار الإسلام دفعه في المقسم وإن عالجه فصار له ثمن أعطي بقدر علمه فيه وبقيته في المقسم ولنا إن القيمة إذا صارت له بعمله أو بنقله فلم تكن غنيمة كما لو لم تصر له القيمة فصل وإن ترك صاحب المقسم شيئا من الغنيمة عجزا عن حمله فقال من أخذ شيئا فهو له فمن حمل شيئا فهو له نص عليه أحمد وسئل عن قوم غنموا غنائم كثيرة فيبقى خرثي المتاع مما لا يباع ولا يشترى فيدعه الوالي بمنزلة العقار والفخار وما أشبه ذلك أيأخذه الإنسان لنفسه قال نعم إذا ترك ولم يشتر ونحو هذا قول مالك ونقل عنه أبو طالب في المتاع لا يقدرون على حمله إذا حمله رجل يقسم وهذا قول إبراهيم قال الخلال روى أبو طالب هذه في ثلاثة مواضع في موضع منها وافق أصحابه وفي موضع خالفهم قال ولا شك أن أبا عبد الله قال هذا أولا ثم تبين له بعد ذلك أن للإمام أن يبيحه وأن يحرمه وأن لهم أن يأخذوه إذا تركه الإمام إذا لم يجد من يحمله لأنه إذا لم يجد من يحمله ولم يقدر على حمله بمنزلة ما لا قيمة له فصار كالذي ذكرناه في الفصل قبل هذا فصل وإن وجد في أرضهم ركازا فإن كان في موضع يقدر عليه بنفسه فهو كما لو وجده في دار الإسلام فيه الخمس وباقيه له وإن قدر عليه بجماعة المسلمين فهو غنيمة ونحو هذا قول مالك والأوزاعي والليث وقال الشافعي إن وجده في مواتهم فهو كما لو وجده في دار الإسلام ولنا ما روى عاصم بن كليب عن أبي الجويرية الحرمي قال أصبت بأرض الروم جرة حمراء فيها دنانير في إمرة معاوية وعلينا معن بن يزيد السلمي فأتيته بها فقسمها بين المسلمين وأعطاني مثل ما أعطى رجل منهم ثم قال لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا نفل إلا بعد الخمس لأعطيتك ثم أخذ يعرض علي من نصيبه فأبيت أخرجه أبو داود ولأنه مال مشرك ظهر عليه بقوة جيش المسلمين فكان غنيمة كأموالهم الظاهرة فصل وسئل أحمد عن الدابة تخرج من بلد الروم أو تنفلت فتدخل القرية وعن القوم يضلون عن الطريق فيدخلون القرية من قرى المسلمين فيأخذونهم فقال يكونون لأهل القرية كلهم يتقاسمونهم وسئل عن قوم يكونون في حصن أو رباط فيخرج منهم قوم إلى قتالهم فيصيبون دوابا أو سلاحا فقال أبو عبد الله تكون بين أهل الرباط وأهل الحضرة من القرية وسئل عن مركب بعث به ملك الروم فيه رجاله فطرحته الريح إلى طرطوس فخرج إليه أهل طرطوس فقتلوا الرجال وأخذوا الأموال فقال هذا فيء المسلمين مما أفاء الله عليهم وقال الزهري هو لمن غنمه وفيه الخمس فقال أبو الخطاب من ضل الطريق منهم أو حملته الريح إلينا فهو لمن أخذه في إحدى الروايتين لأنه متاع أخذه أحد المسلمين بغير قوة مسلم فكان له كالحطب والرواية الثانية يكون فيئا فصل ومن وجد في دارهم لقطة فإن كانت من متاع المسلمين فهي لقطة يعرفها سنة ثم يملكها وإن كانت من متاع المشركين فهي غنيمة وإن احتمل الأمرين عرفها حولا ثم جعلها في الغنيمة نص عليه أحمد ويعرفها في بلد المسلمين لأنها تحتمل الأمرين فغلب فيها حكم مال المسلمين في التعريف وحكم مال أهل الحرب في كونها غنيمة احتياطا مسألة قال ( ومن تعلف فضلا عما يحتاج إليه رده على المسلمين فإن باعه رد ثمنه في المقسم )
أجمع أهل العلم إلا من شذ منهم على أن للغزاة إذا دخلوا أرض الحرب أن يأكلوا مما وجدوا من الطعام ويعلفوا دوابهم من أعلافهم منهم سعيد بن المسيب وعطاء والحسن والشعبي والقاسم وسالم والثوري والأوزاعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال الزهري لا يؤخذ إلا بإذن الإمام وقال سليمان بن موسى لا يترك إلا أن ينهى عنه الإمام فيتقي نهيه ولنا ما روى عبد الله بن أبي أوفى قال أصبنا طعاما يوم خيبر فكان الرجل يأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف رواه سعيد وأبو داود وروي أن صاحب جيش الشام كتب إلى عمر إنا أصبنا أرضا كثيرة الطعام والعلف وكرهت أن أتقدم في شيء من ذلك فكتب إليه دع الناس يعلفون ويأكلون فمن باع منهم شيئا بذهب أو فضة ففيه خمس الله وسهام المسلمين رواه سعيد وقد روى عبد الله بن مغفل قال دلي جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته وقلت والله لا أعطي أحدا منه شيئا فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك فاستحييت منه متفق عليه ولأن الحاجة تدعو إلى هذا وفي المنع منه مضرة بالجيش وبدوابهم فإنه يعسر عليهم نقل الطعام والعلف من دار الإسلام ولا يجدون بدار الحرب ما يشترونه ولو وجدوه لم يجدوا ثمنه ولا يمكن قسمة ما يأخذه الواحد منهم ولو قسم لم يحصل للواحد منهم شيء ينتفع به ولا يدفع به حاجته فأباح الله تعالى لهم ذلك فمن أخذ من الطعام شيئا مما يقتات أو يصلح به القوت من الأدم وغيره أو العلف لدابته فهو أحق به وسواء كان له ما يستغني به عنه أو لم يكن له ويكون أحق بما يأخذه من غيره فإن فضل منه ما لا حاجة به إليه رده على المسلمين لأنه إنما أبيح له ما يحتاج إليه وإن أعطاه أحد من أهل الجيش ما يحتاج إليه جاز له أخذه وصار أحق به من غيره وإن باع شيئا من الطعام أو العلف رد ثمنه في الغنيمة لما ذكرنا من حديث عمر وروي مثله عن فضالة بن عبيد وبه قال سليمان بن موسى والثوري والشافعي وكره القاسم وسالم ومالك بيعه قال القاضي لا يخلو إما أن يبيعه من غاز أو غيره فإن باعه لغيره فالبيع باطل لأنه بيع مال الغنيمة بغير ولاية ولا نيابة فيجب رد المبيع ونقض البيع فإن تعذر رده رد قيمته أو ثمنه إن كان أكثر من قيمته إلى المغنم وعلى هذا الوجه حمل كلام الخرقي وإن باعه لغاز لم يحل إلا أن يبدله بطعام أو علف مما له الانتفاع به أو بغيره فإن باعه بمثله فليس هذا بيعا في الحقيقة إنما سلم إليه مباحا وأخذ مثله مباحا ولكل واحد منهما الانتفاع بما أخذه وصار أحق به لثبوت يده عليه فعلى هذا لو باع صاعا بصاعين وافترقا قبل القبض جاز لأنه ليس ببيع وإن باعه به نسيئة أو أقرضه إياه فأخذه فهو أحق به ولا يلزمه إيفاؤه فإن وفاه أو رده إليه عادت اليد إليه وإن باعه بغير الطعام والعلف فالبيع أيضا غير صحيح ويصير المشتري أحق به لثبوت يده عليه ولا ثمن عليه وإن أخذ منه وجب رده إليه فصل وإن وجد دهنا كسائر الطعام لما ذكرنا من حديث ابن مغفل ولأنه طعام فأشبه البر والشعير وإن كان غير مأكول فاحتاج أن يدهن به أو يدهن دابته فظاهر كلام أحمد جوازه إذا كان من حاجة قال أحمد في زيت الروم إذا كان من ضرورة أو صداع فلا بأس فأما التزين فلا يعجبني وقال الشافعي ليس له دهن دابته من جرب ولا يوقحها إلا بالقيمة لأن ذلك لا تعم الحاجة إليه ويحتمل كلام أحمد مثل هذا لأن هذا ليس بطعام ولا علف
ووجه الأول أن هذا مما يحتاج إليه لإصلاح نفسه ودابته أشبه الطعام والعلف وله أكل ما يتداوى به وشرب الشراب من الجلاب والسكبجين وغيرهما عند الحاجة إليه لأنه من الطعام وقال أصحاب الشافعي ليس له تناوله لأنه ليس من القوت ولا يصلح به القوت ولأنه لا يباح مع عدم الحاجة إليه فلا يباح مع وجودها كغير الطعام ولنا أنه طعام احتيج إليه أشبه الفواكه وما ذكروه يبطل بالفاكهة وإنما اعتبرنا الحاجة ها هنا لأن هذا لا يتناول في العادة إلا عند الحاجة إليه فصل قال أحمد ولا يغسل ثوبه بالصابون لأن ذلك ليس بطعام ولا علف ويراد للتحسين والزينة فلا يكون في معناهما ولو كان مع الغازي فهدا وكلب الصيد لم يكن له إطعامه من الغنيمة فإن أطعمها غرم قيمة ما أطعمها لأن هذا يراد للتفرج والزينة وليس مما يحتاج إليه في الغزو بخلاف الدواب فصل ولا يجوز لبس الثياب ولا ركوب دابة من المغنم لما روى رويفع بن ثابت الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه رواه سعيد فصل ولا يجوز الانتفاع بجلودهم واتخاذ النعل والجرب منها ولا الخيوط والحبال وبهذا قال ابن محيريز ويحيى بن أبي كثير وإسماعيل بن عياش والشافعي ورخص في اتخاذ الجرب من جلود الغنم سليمان بن موسى ورخص مالك في الإبرة والحبل يتخذ من الشعر والنعل والخف يتخذ من جلود البقر ولنا ما روى قيس بن أبي حازم أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبة من شعر من المغنم فقال يا رسول الله إنا لنعمل الشعر فهبها لي قال نصيبي منها لك رواه سعيد وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أدوا الخيط والمخيط فإن الغلول نار وشنار يوم القيامة ولأن ذلك من الغنيمة لا تدعو إلى أخذه حاجة عامة فلم يجز أخذه كالثياب فصل فأما كتبهم فإن كانت مما ينتفع به ككتب الطب واللغة والشعر فهي غنيمة وإن كانت مما لا ينتفع به ككتاب التوراة والإنجيل فأمكن الانتفاع بجلودها أو ورقها بعد غسله غسل وهو غنيمة وإلا فلا يجوز بيعها فصل وإن أخذوا من الكفار جوارح للصيد كالفهود والبزاة فهي غنيمة تقسم وإن كانت كلابا لم يجز بيعها وإن لم يردها أحد من الغانمين جاز إرسالها أو إعطاؤها غير الغانمين وإن رغب فيها بعض الغانمين دون بعض دفعت إليه ولم تحسب عليه لأنها لا قيمة لها وإن رغب فيها الجميع أو جماعة كثيرة فأمكن قسمها يكون عددا من غير تقويم وإن تعذر ذلك أو تنازعوا الجيد منها فطلبه كل واحد منهم أقرع بينهم فيها وإن وجدوا خنازير قتلوها لأنها مؤذية ولا نفع فيها وإن وجدوا خمرا أراقوه وإن كان في ظروفه نفع للمسلمين أخذوها وإن لم يكن فيها نفع كسروها لئلا يعودوا إلى استعمالها فصل وللغازي أن يعلف دوابه ويطعم رقيقه مما يجوز له الأكل منه سواء كانوا للقنية أو للتجارة قال أبو داود قلت لأبي عبد الله يشتري الرجل السبي في بلاد الروم يطعمهم من طعام الروم قال نعم يطعمهم وروى عنه ابنه عبد الله قال سألت أبي عن الرجل يدخل بلاد الروم ومعه الجارية والدابة للتجارة إن أطعمهما يعني الجارية وعلف الدابة قال لا يعجبني ذلك فإن لم تكن للتجارة فلم ير به بأسا فظاهر هذا أنه لا يجوز إطعام ما كان للتجارة لأنه ليس مما يستعين به على الغزو وقال الخلال رجع أحمد عن هذه الرواية وروى عنه جماعة بعد هذا أنه لا بأس به وذلك لأن الحاجة داعية إليه فأشبه ما لا يراد به التجارة مسألة قال ( ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت ويشاركونه فيما غنم )
وجملته أن الجيش إذا فصل غازيا فخرجت منه سرية أو أكثر فأيهما غنم شاركه الآخر في قول عامة أهل العلم منهم مالك والثوري والأوزاعي والليث وحماد والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال النخعي إن شاء الإمام خمس ما تأتي به السرية وإن شاء نفلهم إياه كلهم وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما غزا هوازن بعث سرية من الجيش قبل أوطاس فغنمت السرية فأشرك بينها وبين الجيش قال ابن المنذر وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ويرد سراياهم على قعدهم وفي تنفيل النبي صلى الله عليه وسلم في البداءة الربع وفي الرجعة الثلث دليل على اشتراكهم فيما سوى ذلك لأنهم لو اختصموا بما غنموه لما كان ثلثه نفلا ولأنهم جيش واحد وكل واحد منهم ردء لصاحبه فيشتركون كما لو غنم أحد جانبي الجيش وإن أقام الأمير ببلد الإسلام وبعث سرية أو جيشا فما غنمت السرية فهو لها وحدها لأنه إنما يشترك المجاهدون والمقيم في بلد الإسلام ليس بمجاهد وإن نفذ من بلد الإسلام جيشين أو سريتين لكل واحدة تنفرد بما غنمته لأن كل واحدة منهما انفردت بالغزو فانفردت بالغنيمة بخلاف ما إذا فصل الجيش فدخل بجملته بلاد الكفار فإن جميعهم اشتركوا في الجهاد فاشتركوا في الغنيمة مسألة قال ( ومن فضل معه من الطعام فأدخله البلد طرحه في مقسم تلك الغزاة في إحدى الروايتين ) والأخرى يباح له أكله إذا كان يسيرا أما الكثير فيجب رده بغير خلاف نعلمه لأن ما كان مباحا له في دار الحرب فإذا أخذه على وجه يفضل منه كثير إلى دار الإسلام فقد أخذ ما لا يحتاج إليه فيلزمه رده لأن الأصل تحريمه لكونه مشتركا بين الغانمين كسائر المال وإنما أبيح منه ما دعت الحاجة إليه فما زاد يبقى على أصل التحريم ولهذا لم يبح له بيعه وأما اليسير ففيه روايتان إحداهما يجب رده أيضا وهو اختيار أبي بكر وقول أبي حنيفة وابن المنذر وأحد قولي الشافعي وأبي ثور لما ذكرنا في الكثير ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أدوا الخيط والمخيط ولأنه من الغنيمة ولم يقسم فلم يبح في دار الإسلام كالكبير أو كما لو أخذه في دار الإسلام والثانية يباح وهو قول مكحول وخالد بن معدان وعطاء الخراساني ومالك والأوزاعي قال أحمد أهل الشام يتساهلون في هذا وقد روى القاسم بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال كنا نأكل الجزور في الغزو ولا نقسمه حتى إن كنا لنرجع إلى رحالنا وأخرجتنا مملأة رواه سعيد وأبو داود وعن عبد الله بن يسار السلمي قال دخلت على رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقدم إلي تميرا من تمير الروم فقلت لقد سبقت الناس بهذا قال ليس هذا من العام هذا من العام الأول رواه الأثرم في سننه وقال الأوزاعي أدركت الناس يقدمون بالقديد فيهديه بعضهم إلى بعض لا ينكره إمام ولا عامل ولا جماعة وهذا نقل للإجماع ولأنه أبيح إمساكه عن القسمة فأبيح في دار الإسلام كمباحات دار الحرب التي لا قيمة لها فيها ويفارق الكبير فإنه لا يجوز إمساكه عن القسمة ولأن اليسير تجري المسامحة فيه ونفعه قليل بخلاف الكثير مسألة قال ( وإذا اشترى المسلم أسيرا من أيدي العدو لزم الأسير أن يؤدي إلى المشتري ما اشتراه ) لا يخلو هذا من حالين أحدهما أن يشتريه بإذنه فهذا يلزمه أن يؤدي إلى المشتري ما أداه فيه بغير خلاف نعلمه إذا وزن بإذنه إذا أذن فيه كان نائبه في شراء نفسه فكان الثمن على الآمر كالوكيل والثاني أن يشتريه بغير إذنه فيلزم الأسير الثمن أيضا عند أحمد وبه قال الحسن والنخعي والزهري ومالك والأوزاعي وقال الثوري والشافعي وابن المنذر لا يلزمه لأنه تبرع بما لا يلزمه ولم يأذن له فيه فأشبه ما لو عمر داره وقال الليث إن كان الأسير موسرا كقولنا وإن كان معسرا أدى ذلك من بيت المال
ولنا ما روى سعيد ثنا عثمان بن مطر ثنا أبو حريز عن الشعبي قال أغار أهل ماه وأهل جلولاء على العرب فأصابوا سبايا من سبايا العرب فكتب السائب بن الأقرع إلى عمر في سبايا المسلمين ورقيقهم ومتاعهم قد اشتراه التجار من أهل ماه فكتب عمر أيما رجل أصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به من غيره وإن أصابه في أيدي التجار بعد ما اقتسم فلا سبيل إليه وأيما حر اشتراه التجار فإنه يرد إليهم رؤوس أموالهم فإن الحر لا يباع ولا يشترى فحكم للتجار برؤوس أموالهم ولأن الأسير يجب عليه فداء نفسه ليتخلص من حكم الكفار ويخرج من تحت أيديهم فإذا ناب عنه غيره في ذلك وجب عليه قضاؤه كما لو قضى الحاكم عنه حقا امتنع من أدائه فصل فإن اختلفا في قدر ما اشتراه به فالقول قول الأسير وهو قول الشافعي إذا أذن له وقال الأوزاعي القول قول المشتري لأنهما اختلفا في فعله وهو أعلم بفعله ولنا إن الأسير منكر للزيادة والقول قول المنكر ولأن الأصل براءة ذمته من هذه الزيادة فيترجح قوله بالأصل مسألة قال ( وإذا سبى المشركون من يؤدي إلينا الجزية ثم قدر عليهم ردوا إلى ما كانوا عليه ولم يسترقوا وما أخذه العدو منهم من مال أو رقيق رد إليهم إذا علم به قبل أن يقسم ويفادى بهم بعد أن يفادى بالمسلمين ) وجملة ذلك أن أهل الحرب إذا استولوا على أهل ذمتنا فسبوهم وأخذوا أموالهم ثم قدر عليهم وجب ردهم إلى ذمتهم ولم يجز استرقاقهم في قول عامة أهل العلم منهم الشعبي ومالك والليث والأوزاعي والشافعي وإسحاق ولا نعلم لهم مخالفا وذلك لأن ذمتهم باقية ولم يوجد منهم ما يوجب نقضها وحكم أموالهم حكم أموال المسلمين في حرمتها قال علي رضي الله عنه إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا فمتى علم صاحبها قبل قسمها وجب ردها إليه وإن علم بعد القسمة فعلى الروايتين إحداهما لا حق له فيه والثانية هو له بثمنه لأن أموالهم معصومة كأموال المسلمين وأما فداؤهم فظاهر كلام الخرقي أنه يجب فداؤهم سواء كانوا في معونتنا أو لم يكونوا وهذا قول عمر بن عبد العزيز والليث لأننا التزمنا حفظهم بمعاهدتهم وأخذ جزيتهم فلزمنا القتال من ورائهم والقيام دونهم فإذا عجزنا عن ذلك وأمكننا تخليصهم لزمنا ذلك كمن يحرم عليه إتلاف شيء فإذا أتلفه غرمه وقال القاضي إنما يجب فداؤهم إذا استعان بهم الإمام في قتاله فسبوا وجب عليه فداؤهم لأن أسرهم كان لمعنى من جهته وهو المنصوص عن أحمد ومتى وجب فداؤهم فإنه يبدأ بفداء المسلمين قبلهم لأن حرمة المسلم أعظم والخوف عليه أشد وهو معرض لفتنته عن دين الحق بخلاف أهل الذمة فصل ويجب فداء أسرى المسلمين إذا أمكن وبهذا قال عمر بن عبد العزيز ومالك وإسحاق ويروى عن ابن الزبير أنه سأل الحسن بن علي على من فكاك الأسير قال على الأرض التي يقاتل عليها وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني وروى سعيد بإسناده عن حبان بن جبلة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن على المسلمين في فيئهم أن يفادوا أسيرهم ويؤدوا عن غارمهم وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار أن يعقلوا معاقلهم وأن يفكوا عانيهم بالمعروف وفادى النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من المسلمين بالرجل الذي أخذه من بني عقيل وفادى بالمرأة التي استوهبها من سلمة بن الأكوع رجلين مسألة قال ( وإذا حاز الأمير المغانم ووكل من يحفظها لم يجز أن يؤكل منها إلا أن تدعو الضرورة بأن لا يجدوا ما يأكلون )
وجملة ذلك أن المغانم إذا جمعت وفيها طعام أو علف لم يجز لأحد أخذه إلا لضرورة لأننا إنما أبحنا أخذه قبل جمعه لأنه لم يثبت فيه ملك المسلمين بعد فأشبه المباحات من الحطب والحشيش فإذا حيزت المغانم ثبت ملك المسلمين فيها فخرجت عن حيز المباحات وصارت كسائر أملاكهم فلم يجز الأكل منها إلا لضرورة وهو أن لا يجدوا ما يأكلونه فحينئذ يجوز لأن حفظ نفوسهم ودوابهم أهم وسواء حيزت في دار الحرب أو في دار الإسلام وقال القاضي ما كانت في دار الحرب جاز الأكل منها وإن حيزت لأن دار الحرب مظنة الحاجة لعسر نقل الميرة إليها بخلاف دار الإسلام وكلام الخرقي عام في الموضعين والمعنى يقتضيه فإن ما ثبت عليه أيدي المسلمين وتحقق ملكهم له لا ينبغي أن يؤخذ إلا برضاهم كسائر أملاكهم ولأن حيازته في دار الحرب تثبت الملك فيه بدليل جواز قسمته وثبوت أحكام الملك فيه بخلاف ما قبل الحيازة فإن الملك لم يثبت فيه بعد مسألة قال ( ومن اشترى من المغنم في بلاد الروم فغلب عليه العدو لم يكن عليه شيء من الثمن وإن كان قد أخذ منه الثمن رد إليه ) وجملته أن الأمير إذا باع من المغنم شيئا قبل قسمه لمصلحة صح بيعه فإن عاد الكفار فغلبوا على المبيع فأخذوه من المشتري في دار الحرب نظرنا فإن كان لتفريط من المشتري مثل أن خرج به من المعسكر ونحو ذلك فضمانه عليه لأن ذهابه حصل بتفريطه فكان من ضمانه كما لو أتلفه وإن حصل بغير تفريط فيه روايتان إحداهما ينفسخ البيع ويكون من ضمان أهل الغنيمة فإن كان الثمن لم يؤخذ من المشتري سقط عنه وإن كان أخذ منه رد إليه لأن القبض لم يكمل لكون المال في دار الحرب غير محرز وكونه على خطر من العدو فأشبه الثمن المبيع على رؤوس الشجر إذا تلف قبل الجذاذ والثانية هو من ضمان المشتري وعليه ثمنه وهذا أكثر الروايات عن أحمد واختاره الخلال وأبو بكر صاحبه وهو مذهب الشافعي لأنه مال مقبوض أبيح لمشتريه فكان ضمانه عليه كما لو أحرز إلى دار الإسلام ولأن أخذ العدو له تلف فلم يضمنه البائع كسائر أنواع التلف ولأن نماءه للمشتري فكان ضمانه عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم الخراج بالضمان فصل وإذا قسمت الغنائم في دار الحرب جاز لمن أخذ سهمه التصرف فيه بالبيع وغيره فإن باع بعضهم بعضا شيئا منها فغلب عليه العدو ففي ضمان البائع له وجهان بناء على الروايتين في التي قبلها وإن اشتراه مشتر من المشتري فكذلك فإذا قلنا هو من ضمان البائع رجع البائع الثاني على البائع الأول بما رجع به عليه فصل قال أحمد في الرجل يشتري الجارية من المغنم معها الحلي في عنقها والثياب يرد ذلك في المغنم إلا شيئا تلبسه من قميص ومقنعة وإزار وهذا قول حكيم بن حزام ومكحول ويزيد بن أبي مالك والمتوكل وإسحاق وابن المنذر ويشبه قول الشافعي واحتج إسحاق بقول النبي صلى الله عليه وسلم من باع عبدا وله مال فماله للبائع وقال الشعبي يجعله في بيت المال وكان مالك يرخص في اليسير كالقرطين وأشباههما ولا يرى ذلك في الكثير ويمكن أن يفصل القول في هذا فيقال ما كان عليها ظاهرا مرئيا يشاهده البائع والمشتري كالقرط والخاتم والقلادة فهو للمشتري لأن الظاهر أن البائع إنما باعها بما عليها والمشتري اشتراها بذلك فيدخل في البيع كثياب البذلة وحلية السيف وما خفي فلم يعلم به البائع رده لأن البيع وقع عليها بدونه فلم يدخل في البيع كجارية أخرى فصل قال أحمد لا يجوز لأمير الجيش أن يشتري من مغنم المسلمين شيئا لأنه يحابي ولأن عمر رد ما اشتراه ابنه في غزوة جلولاء
وقال إنه يحابى احتج به أحمد ولأنه هو البائع أو وكيله فكأنه يشتري من نفسه أو وكيل نفسه قال أبو داود قيل لأبي عبد الله إذا قوم أصحاب المغانم شيئا معروفا فقالوا في جلود الماعز بكذا والخرفان بكذا يحتاج إليه يأخذه بتلك القيمة ولا يأتي المغانم فرخص فيه وذلك لأنه يشق الاستئذان فيه فسومح فيه كما سومح في دخول الحمام وركوب سفينة الملاح من غير تقدير أجر مسألة قال ( وإذا حورب العدو لم يحرقوا بالنار ) أما العدو إذا قدر عليه فلا يجوز تحريقه بالنار بغير خلاف نعلمه وقد كان أبو بكر رضي الله عنه يأمر بتحريق أهل الردة بالنار وفعل ذلك خالد بن الوليد بأمره فأما اليوم فلا أعلم فيه بين الناس خلافا وقد روى حمزة الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره على سرية قال فخرجت فيها فقال إن أخذتم فلانا فأحرقوه بالنار فوليت فناداني فرجعت فقال إن أخذتم فلانا فاقتلوه ولا تحرقوه فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار رواه أبو داود وسعيد وروى أحاديث سواه في هذا المعنى وروى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث حمزة فأما رميهم قبل أخذهم بالنار فإن أمكن أخذهم بدونها لم يجز رميهم بها لأنهم في معنى المقدور عليه وأما عند العجز عنهم بغيرها فجائز في قول أكثر أهل العلم وبه قال الثوري والأوزاعي والشافعي وروى سعيد بإسناده عن صفوان بن عمرو وجرير بن عثمان أن جنادة بن أمية الأزدي وعبد الله بن قيس الفزاري وغيرهما من ولاة البحرين ومن بعدهم كانوا يرمون العدو من الروم وغيرهم بالنار يحرقونهم هؤلاء لهؤلاء وهؤلاء لهؤلاء قال عبد الله بن قيس لم يزل أمر المسلمين على ذلك فصل وكذلك الحكم في فتح البثوق عليهم ليغرقهم إن قدر عليهم بغيره لم يجز إذا تضمن ذلك إتلاف النساء والذرية الذين يحرم إتلافهم قصدا وإن لم يقدر عليهم إلا به جاز كما يجوز البيات المتضمن لذلك ويجوز نصب المنجنيق عليهم وظاهر كلام أحمد جوازه مع الحاجة وعدمها لأن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف وممن رأى ذلك الثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي قال ابن المنذر جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نصب المنجنيق على أهل الطائف وعن عمرو بن العاص أنه نصب المنجنيق على أهل الإسكندرية ولأن القتال به معتاد فأشبه الرمي بالسهام فصل ويجوز تبييت الكفار وهو كبسهم ليلا وقتلهم وهم غارون قال أحمد لا بأس بالبيات وهل غزو الروم إلا البيات قال ولا نعلم أحدا كره بيات العدو وقرأ عليه سفيان عن الزهري عن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الديار من المشركين نبيتهم فنصيب من نسائهم وذراريهم فقال هم منهم فقال إسناد جيد فإن قيل فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والذرية قلنا هذا محمول على التعمد لقتلهم قال أحمد أما أن يتعمد قتلهم فلا قال وحديث الصعب بعد نهيه عن قتل النساء لأن نهيه عن قتل النساء حين بعث إلى ابن أبي الحقيق وعلى أن الجمع بينها ممكن يحمل النهي على التعمد والإباحة على ما عداه فصل قال الأوزاعي إذا كان في المطمورة العدو فعلمت أنك تقدر عليهم بغير النار فأحب إلي أن يكف عن النار وإن لم يمكن ذلك وأبوا أن يخرجوا فلا أرى بأسا وإن كان معهم ذرية قد كان المسلمون يقاتلون بها ونحو ذلك قال سفيان وهشام ويدخن عليهم قال أحمد أهل الشام أعلم بهذا
فصل وإن تترسوا في الحرب بنسائهم وصبيانهم جاز رميهم ويقصد المقاتلة لأن النبي صلى الله عليه وسلم رماهم بالمنجنيق ومعهم النساء والصبيان ولأن كف المسلمين عنهم يفضي إلى تعطيل الجهاد لأنهم متى علموا ذلك تترسوا بهم عند حقوقهم فينقطع الجهاد وسواء كانت الحرب ملتحمة أو غير ملتحمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتحين بالرمي حال التحام الحرب فصل ولو وقفت امرأة في صف الكفار أو على حصنهم فشتمت المسلمين أو تكشفت لهم جاز رميها قصدا لما روى سعيد حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف أشرفت امرأة فكشفت عن قبلها فقال ها دونكم فارموها فرماها رجل من المسلمين فما أخطأ ذلك منها ويجوز النظر إلى فرجها للحاجة إلى رميها لأن ذلك من ضرورة رميها وكذلك يجوز رميها إذا كانت تلتقط لهم السهام أو تسقيهم الماء أو تحرضهم على القتال لأنها في حكم المقاتل وهكذا الحكم في الصبي والشيخ وسائر من منع من قتله منهم فصل وإن تترسوا بمسلم ولم تدع حاجة إلى رميهم لكون الحرب غير قائمة أو لإمكان القدرة عليهم بدونه أو للأمن من شرهم لم يجز رميهم فإن رماهم فأصاب مسلما فعليه ضمانه وإن دعت الحاجة إلى رميهم للخوف على المسلمين جاز رميهم لأنها حال ضرورة ويقصد الكفار وإن لم يخف على المسلمين لكن لم يقدر عليهم إلا بالرمي فقال الأوزاعي والليث لا يجوز رميهم لقول الله تعالى ولولا رجال مؤمنون الفتح 25 الآية قال الليث ترك فتح حصن يقدر على فتحه أفضل من قتل مسلم بغير حق وقال الأوزاعي كيف يرمون من لا يرونه إنما يرمون أطفال المسلمين وقال القاضي والشافعي يجوز رميهم إذا كانت الحرب قائمة لأن تركه يفضي إلى تعطيل الجهاد فعلى هذا إن قتل مسلما فعليه الكفارة وفي الدية على عاقلته روايتان إحداهما يجب لأنه قتل مؤمنا خطأ فيدخل في عموم قوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله النساء 92 والثانية لا دية له لأنه قتل في دار الحرب برمي مباح فيدخل في عموم قوله تعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 ولم يذكر دية وقال أبو حنيفة لا دية له ولا كفارة فيه لأنه رمي أبيح مع العلم بحقيقة الحال فلم يوجب شيئا كرمي من أبيح دمه ولنا الآية المذكورة وأنه قتل معصوما بالإيمان والقاتل من أهل الضمان فأشبه لو لم يتترس به مسألة قال ( ولا يغرقوا النحل ) وجملته أن تغريق النحل وتحريقه لا يجوز في قول عامة أهل العلم منهم الأوزاعي والليث والشافعي وقيل لمالك أتحرق بيوت نحلهم قال أما النحل فلا أدري ما هو ومقتضى مذهب أبي حنيفة إباحته لأن فيه غيظا لهم وإضعافا فأشبه قتل بهائمهم حال قتالهم ولنا ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال ليزيد بن أبي سفيان وهو يوصيه حين بعثه أميرا على القتال بالشام ولا تحرقن نحلا ولا تغرقنه وروي عن ابن مسعود أنه قدم عليه ابن أخيه من غزاة غزاها فقال لعلك حرقت حرثا قال نعم قال لعلك غرقت نحلا قال نعم قال لعلك قتلت صبيا قال نعم قال ليكن غزوك كفافا أخرجهم سعيد ونحو ذلك عن ثوبان وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النحلة ونهى أن يقتل شيء من الدواب صبرا ولأنه إفساد فيدخل في عموم قوله تعالى وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد البقرة 205 ولأنه حيوان ذو روح فلم يجز قتله لغيظ المشركين كنسائهم وصبيانهم وأما أخذ العسل وأكله فمباح لأنه من الطعام المباح مسألة قال ( ولا يعقر شاة ولا دابة إلا لأكل لا بد لهم منهم )
أما عقر دوابهم في غير حال الحرب لمغايظتهم والإفساد عليهم فلا يجوز سواء خفنا أخذهم لها أو لم نخف وبهذا قال الأوزاعي والليث والشافعي وأبو ثور وقال أبو حنيفة ومالك يجوز لأن فيه غيظا لهم وإضعافا لقوتهم فأشبه قتلها حال قتالهم ولنا إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال في وصيته ليزيد حين بعثه أميرا يا يزيد لا تقتل صبيا ولا امرأة ولا هرما ولا تخربن عامرا ولا تعقرن شجرا مثمرا ولا دابة عجماء ولا شاة إلا لمأكلة ولا تحرقن نحلا ولا تغرقنه ولا تغلل ولا تجبن ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل شيء من الدواب صبرا ولأنه حيوان ذو حرمة فأشبه النساء والصبيان وأما حال الحرب فيجوز فيها قتل المشركين كيف أمكن بخلاف حالهم إذا قدر عليهم ولهذا جاز قتل النساء والصبيان في البيبات وفي المطمورة إذا لم يتعمد قتلهم منفردين بخلاف حالة القدرة عليهم وقتل بهائمهم يتوصل به إلى قتلهم وهزيمتهم وقد ذكرنا حديث المددي الذي عقر بالرومي فرسه وروي أن حنظلة بن الراهب عقر فرس أبي سفيان به يوم أحد فرمت به فخلصه ابن شعوب وليس في هذا خلاف فصل فأما عقرها للأكل فإن كانت الحاجة داعية إليه ولا بد منه فمباح بغير خلاف لأن الحاجة تبيح مال المعصوم فمال الكافر أولى وإن لم تكن الحاجة داعية إليه نظرنا فإن كان الحيوان لا يراد إلا للأكل كالدجاج والحمام وسائر الطير والصيد فحكمه حكم الطعام في قول الجميع لأنه لا يراد لغير الأكل ونفل قيمته فأشبه الطعام وإن كان مما يحتاج إليه في القتال كالخيل لم يبح ذبحه للأكل في قولهم جميعا وإن كان غير ذلك كالغنم والبقر لم يبح في قول الخرقي وقال القاضي ظاهر كلام أحمد إباحته لأن هذا الحيوان مثل الطعام في باب الأكل والقوت فكان مثله في إباحته وإذا ذبح الحيوان أكل لحمه وليس له الانتفاع بجلده لأنه إنما أبيح له ما يأكله دون غيره وقال عبد الرحمن بن معاذ بن جبل كلوا لحم الشاة وردوا إهابها إلى المغنم ولأن هذا حيوان مأكول فأبيح أكله كالطير ووجه قول الخرقي ما روى سعيد ثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن ثعلبة بن الحكم قال أصبنا غنما للعدو فانتهبنا فنصبنا قدورنا فمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقدور وهي تغلي فأمر بها فأكفئت ثم قال لهم إن النهبة لا تحل ولأن هذه الحيوانات تكثر قيمتها وتشح أنفس الغانمين بها ويمكن حملها إلى دار الإسلام بخلاف الطير والطعام لكن إن أذن الأمير فيها جاز لما روى عطية بن قيس قال كنا إذا خرجنا في سرية فأصبنا غنما نادى منادي الإمام ألا من أراد أن يتناول شيئا من هذه الغنم فليتناول إنا لا نستطيع سياقتها رواه سعيد وكذلك إن قسمها لما روى معاذ قال غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم خيبر فأصبنا غنما فقسم بيننا النبي صلى الله عليه وسلم طائفة وجعل بقيتها في المغنم رواه أبو داود وقال سعيد حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عبيد أن رجلا نحر جزورا بأرض الروم فلما بردت قال يا أيها الناس خذوا من لحم هذه الجزور فقد أذنا لكم فقال مكحول يا غساني لا تأتينا من لحم هذه الجزور فقال الغساني يا أبا عبد الله أما ترى عليها من النهبى قال مكحول لا نهبى في المأذون فيه فصل ولم يفرق أصحابنا بين جميع البهائم في هذه المسألة ويقوى عندي أن ما عجز المسلمون عن سياقته وأخذه إن كان مما يستعين به الكفار في القتال كالخيل جاز عقره وإتلافه لأنه مما يحرم إيصاله إلى الكفار بالبيع فتركه لهم بغير عوض أولى بالتحريم وإن كان مما يصلح للأكل فللمسلمين ذبحه والأكل منه مع الحاجة وعدمها وما عدا هذين القسمين لا يجوز إتلافه لأنه مجرد إفساد وإتلاف وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان لغير مأكلة