İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
وهذان القولان يشبهان قول أبي بكر واختلف أصحاب الشافعي في الغيبة التي يزوج فيها الحاكم فقال بعضهم مسافة القصر وقال بعضهم يزوجها الحاكم وإن كان الولي قريبا وهو ظاهر نص الشافعي وظاهر كلام أحمد أنه إذا كانت الغيبة متقطعة أنه ينتظر ويراسل حتى يقدم أو يوكل فصل وإن كان القريب مح بوسا أو أسيرا في مسافة قريبة لا تمكن مراجعته فهو كالبعيد فإن البعد لم يعتبر لعينه بل لتعذر الوصول إلى التزويج بنظره وهذا موجود ها هنا ولذلك إن كان غائبا لا يعلم قريب أو بعيد أو يعلم أنه قريب ولم يعلم مكانه فهو كالبعيد مسألة قال ( وإذا زوجت من غير كفء فالنكاح باطل ) اختلفت الرواية عن أحمد في اشتراط الكفاءة لصحة النكاح فروي عنها أنها شرط له قال إذا تزوج المولى العربية فرق بينهما وهذا قول سفيان وقال أحمد في الرجل يشرب الشراب ما هو بكفء لها يفرق بينهما وقال لو كان المتزوج حائكا فرقت بينهما لقول عمر رضي الله عنه لأمنعن فروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء رواه الخلال بإسناده وعن أبي إسحاق الهمداني قال خرج سلمان وجرير في سفر فأقيمت الصلاة فقال جرير لسلمان تقدم أنت قال سلمان بل أنت تقدم فإنكم معشر العرب لا يتقدم عليكم في صلاتكم ولا تنكح نساؤكم إن الله فضلكم علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم وجعله فيكم ولأن التزويج مع فقد الكفاءة تصرف في حق من يحدث من الأولياء بغير إذنه فلم يصح كما لو زوجها بغير إذنها وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تنكحوا النساء إلا من الأكفاء ولا تزوجوهن إلا الأولياء رواه الدارقطني إلا أن ابن عبد البر قال هذا ضعيف لا أصل له ولا يحتج بمثله والرواية الثانية عن أحمد أنها ليست شرطا في النكاح وهذا قول أكثر أهل العلم روي نحو هذا عن عمر وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز وعبيد بن عمير وحماد بن أبي سليمان وابن سيرين وابن عون ومالك والشافعي وأصحاب الرأي لقوله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم الحجرات 13 وقالت عائشة رضي الله عنها إن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة تبنى سالما وأنكحه ابنة أخيه هند ابنة الوليد بن عتبة وهو مولى لامرأة من الأنصار أخرجه البخاري و أمر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زيد مولاه فنكحها بأمره متفق عليه وزوج أباه زيد بن حارثة ابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية وقال ابن مسعود لأخته أنشدك الله أن تتزوجي إلا مسلما وإن كان أحمر روميا أو أسود حبشيا ولأن الكفاءة لا تخرج عن كونها حقا للمرأة أو الأولياء أو لهما فلم يشترط وجودها كالسلامة من العيوب وقد روي أن أبا هند حجم النبي صلى الله عليه وسلم في اليافوخ فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا بني بياضة أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه رواه أبو داود إلا أن أحمد ضعفه وأنكره إنكارا شديدا والصحيح أنها غير مشترطة وما روي فيها بدل على اعتبارها في الجملة ولا يلزم منه اشتراطها وذلك لأن الزوجة وكل واحد من الأولياء له فيها حق ومن لم يرض منها فله لفسخ ولذلك لما زوج رجل ابنته من ابن أخيه ليرفع بها خسيسته جعل لها النبي صلى الله عليه وسلم الخيار فأجازت ما صنع أبوها ولو فقد الشرط لم يكن لها خيار فإذا قلنا باشتراطها فإنما نعتبر وجودها حال العقد فإن عدمت بعده لم يبطل النكاح لأن شروط النكاح إنما تعتبر لدى العقد وإن كانت معدومة حال العقد فالنكاح فاسد حكمه حكم العقود الفاسدة على ما مضى فإن قلنا ليست شرطا فرضيت المرأة والأولياء كلهم صح النكاح وإن لم يرض بعضهم فهل يقعل العقد باطلا من أصله أو صحيحا فيه روايتان عن أحمد وقولان للشافعي أحدهما أنه باطل لأن الكفاءة حق لجميعهم والعاقل متصرف فيها بغير رضاهم فلم يصح كتصرف الفضولي
والثانية هو الصحيح بدليل أن المرأة التي رفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن أباها زوجها من غير كفئها خيرها ولم يبطل النكاح من أصله ولأن العقد وقع بالإذن والنقص الموجود فيه لا يمنع صحته وإنما يثبت الخيار كالعيب من العنة وغيرها فعلى هذه الرواية لمن لم يرض الفسخ وبهذا قال الشافعي ومالك وقال أبو حنيفة إذا رضيت المرأة وبعض الأولياء لم يكن لباقي الأولياء فسخ لأن هذا الحق لا يتجزأ وقد أسقط بعض الشركاء حقه فسقط جميعه كالقصاص ولنا إن كل واحد من الأولياء يعتبر رضاه فلم يسقط يرضى غيره كالمرأة مع الولي فأما القصاص فلا يثبت لكل واحد كاملا فإذا سقط بعضه تعذر استيفاؤه وها هنا بخلافة ولأنه لو زوجها بدون مهر مثلها ملك الباقون عندهم الاعتراض مع أنه خالص حقها فها هنا مع أنه حق لهم أولى وسواء كانوا متساوين في الدرجة أو متفاوتين فزوج الأقرب مثل أن يزوج الأب بغير كفء فإن للإخوة الفسخ وقال مالك والشافعي ليس لهم الفسخ إذا زوج الأقرب لأنه لا حق للأبعد معه فرضاؤه لا يعتبر ولنا إنه ولي في حال يلحقه العار بفقد الكفاءة فملك الفسخ كالمتساويين مسألة قال ( والكفء والدين والمنصب ) يعني بالمنصب الحسب وهو النسب واختلفت الرواية عن أحمد في شروط الكفاءة فعنه هما ما شرطان الدين والمنصب وعن أنها خمسة هذان والحرية والصناعة واليسار وذكر القاضي في المجرد أن فقد هذه الثلاثة لا يبطل النكاح رواية واحدة وإنما الروايتان في الشرطين الأولين قال ويتوجه أن المبطل عدم الكفاءة في النسب لا غير لأنه نقص لازم وما عداه غير لازم ولا يتعدى نقصه إلى الولد وذكر في الجامع الروايتين في جميع الشروط وذكره أبو الخطاب أيضا وقال مالك الكفاءة في الدين لا غير قال ابن عبد البر هذا جملة مذهب مالك وأصحابه وعن الشافعي كقول مالك وقول آخر إنها الخمس التي ذكرناها والسلامة من العيوب الأربعة فتكون ستة وكذلك قول أبي حنيفة والثوري والحسن بن حي إلا في الصنعة والسلامة من العيوب الأربعة ولم يعتبر محمد بن الحسن الدين إلا أن يكون ممن يسكر ويخرج ويسخر معه الصبيان فلا يكون كفوءا لأن الغالب على الجند الفسق ويعد ذلك نقصا والدليل على اعتبار الدين قوله تعالى أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون السجدة 18 ولأن الفاسق مرذول مردود الشهادة والرواية غير مأمون على النفس والمال مسلوب الولاية ناقص عند الله وعند خلقه قليل الحظ في الدنيا والآخرة فلا يجوز أن يكون كفوءا لعفيفة ولا مساويا لها لكن يكون كفوءا لمثله فأما الفاسق من الجند فهو ناقص عند أهل الدين والمروءات والدليل على اعتبار النسب في الكفاءة قول عمر لأمنعن فروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء قال قلت وما الأكفاء قال في الأحساب رواه أبو بكر عبد العزيز بإسناده ولأن العرب يعدون الكفاءة في النسب ويأنفون من نكاح الموالي ويرون ذلك نقصا وعارا فإذا أطلقت الكفاءة وجب حملها على المتعارف ولأن في فقد ذلك عارا ونقصا فوجب أن يعتبر في الكفاءة الدين فصل واختلفت الرواية عن أحمد فروي عنه أن غير قريش من العرب لا يكافئها وغير بني هاشم لا يكافئهم وهذا قول عن بعض أصحاب الشافعي لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقريش أنه قال إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم ولأن العرب فضلت على الأمم برسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش أخص به من سائر العرب وبنو هاشم أخص به من قريش وكذلك قال عثمان وجبير بن مطعم إن إخواننا من بني هاشم لا ننكر فضلهم علينا لمكانك الذي وضعك الله به منهم وقال أبو حنيفة لا تكافىء العجم العرب ولا العرب قريشا وقريش كلهم أكفاء لأن ابن عباس قال قريش بعضهم أكفاء بعض
والرواية الثانية عن أحمد أن العرب بعضهم لبعض أكفاء والعجم بعضهم لبعض أكفاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم زوج ابنتيه عثمان وزوج أبا العاصي بن الربيع زينب وهما من بني عبد شمس وزوج غلي عمر ابنته أم كلثوم وتزوج عبدالله بن عمرو بن عثمان فاطمة بنت الحسين بن علي وتزوج المصعب بن الزبير أختها سكينة وتزوجها أيضا عبدالله بن عثمان بن حكيم بن حزام وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة ابنة الزبير بن عبد المطلب ابنة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج أبو بكر أخته أم فروة الأشعث بن قيس وهما كنديان وتزوج أسامة بن زيد فاطمة بنت قيس وهي من قريش ولأن المعجم والموالي بعضهم لبعض أكفاء وإن تفاضلوا وشرف بعضهم على بعض وكذلك العرب فصل فأما الحرية فالصحيح أنها من شروط الكفاءة فلا يكون العبد كفوءا لحرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم خير بريرة حين عتقت تحت عبد فإذا ثبت الخيار بالحرية الظاهرية فبالحرية المقارنة أولى لأن نقص الرق كبير وضرره بين فإنه مشغول عن امرأته بحقوق سيده ولا ينفق نفقة الموسرين ولا ينفق على ولده وهو كالمعدوم بالنسبة إلى نفسه ولا يمنع صحة النكاح لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة لو راجعته قالت يا رسول الله أتأمرني قال إنما أنا شفيع قالت فلا حاجة لي فيه رواه البخاري ومراجعتها له ابتداء النكاح فإنه قد انفسخ نكاحها باختيارها ولا يشفع إليها النبي صلى الله عليه وسلم في أن تنكح عبدا إلا والنكاح صحيح فصل فأما اليسار ففيه روايتان إحداهما هو شرط في الكفاءة لقول النبي صلى الله عليه وسلم الحسب المال وقال إن أحساب الناس بينهم في هذه الدنيا هذا المال وقال لفاطمة بنت قيس حين أخبرته أن معاوية خطبها أما معاوية فصعلوك لا مال له ولأن على الموسرة ضررا في إعسار زوجها لإخلاله بنفقتها ومؤونة أولادها ولهذا ملكت الفسخ بإخلاله بالنفقة فكذلك إذا كان مقارنا ولأن ذلك معدود نقصا في عرف الناس يحب ويتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب وأبلغ قال نبيه بن الحجاج السهمي سألتاني الطلاق أن رأتاني قل مالي قد جئتماني بنكر ويكأن من له نشب يحب ومن يفتقر يعش عيش ضر فكان من شروط الكفاءة كالنسب والرواية الثانية ليس بشرط لأن الفقر شرف في الدين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا ولس هو أمرا لازما فأشبه العافية من المرض واليسار المعتبر ما يقدر به على الإنفاق عليها حسب ما يجب لها ويمكنه أداء مهرها فصل فأما الصناعة ففيها روايتان أيضا إحداهما أنها شرط من كان من أهل الصناعة الدنيئة كالحائك والحجام والحارس والكساح والدباغ والقيم والحامي والزبال فليس بكفء لبنات ذوي المروءات أو أصحاب الصنائع الجليلة كالتجارة والبناية لأن ذلك نقص في عرف الناس فأشبه نقص النسب وقد جاء في الحديث العرب بعضهم لبعض أكفاء إلا حائكا أو حجاما قيل لأحمد رحمه الله وكيف تأخذ به وأنت تضعفه قال العمل عليه يعني أنه ورد موافقا لأهل العرف وروي أن ذلك ليس بنقص ويروى نحو ذلك عن أبي حنيفة لأن ذلك ليسس بنقص في الدين ولا هو ملازم فأشبه الضعف والمرض قال بعضهم ألا إنما التقوى هي العز والكرم وحبك للدنيا هو الذل والسقم وليس على عبد تقي نقيصة إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم وأما السلامة من العيوب فليس من شروط الكفاءة فإنه لا خلاف في أنه لا يبطل النكاح بعدمها ولكنها تثبت الخيار للمرأة دون الأولياء لأن ضرره مختص بها ولوليها منعها من نكاح المجذوم والأبرص والمجنون وما عدا هذا فليس بمعتبر في الكفاءة فصل من أسلم أو عتق من العبيد فهو كفء لمن له أبوان في الإسلام والحرية وقال أبو حنيفة ليس بكفء وليس بصحيح فإن الصحابة رضي الله عنهم أكثرهم أسلموا وكانوا أفضل الأمة فلا يجوز أن يقال إنهم غير أكفاء للتابعين
فصل فأما ولد الزنا فيحتمل أن لا يكون كفوءا لذات نسب فإن أحمد رحمه الله ذكر له أنه ينكح وينكح إليه فكأنه لم يحب ذلك لأن المرأة تعير به هي ووليها ويتعدى ذلك إلى ولدها وأما كونه ليس بكفء لعربية فلا إشكال فيه لأنه أدنى حالا من المولى فصل والموالي بعضهم لبعض أكفاء وكذلك العجم قال أحمد رحمه الله في رجل من بني هاشم له مولاة يزوجها الخراساني وقول النبي صلى الله عليه وسلم موالي القوم من أنفسهم هو في الصدقة فأما النكاح فلينكح وذكر القاضي رواية عن أحمد أن مولى القوم يكافئهم لهذا الخبر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم زوج زيدا وأسامة عربيتين ولأن موالي بني هاشم ساووهم في حرمان الصدقة فيساووهم في الكفاءة وليس هذا بصحيح فإنه يوجب أن يكون الموالي أكفاء العرب فإن المولى إذا كان كفء سيده كان كفوءا لمن يكافئه سيده فيبطل اعتبار المنصب وقد قال أحمد هذا الحديث في الصدقة لا في النكاح ولهذا لا يساووهم في استحقاق الخمس ولا في الإمامة ولا في الشرف وأما زيد وأسامة فقد استدل بنكاحهما عربيتين على أن فقد الكفاءة لا يبطل النكاح واعتذر أحمد عن تزويجهما بأنهما عربيان فإنهما من كلب وإنما طرأ عليهما رق فعلى هذا يكون حكم كل عربي الأصل فصل فأما أهل البدع فإن أحمد قال في الرجل يزوج الجهمي يفرق بينهما وكذلك إذا زوج الواقفي إذا كان يخاصم ويدعو وإذا زوج أخته من هؤلاء اللقطة وقد كتب الحديث فهذا شر من جهمي يفرق بينهما وقال لا يزوج بنته من حروري مرق من الدين ولا من الرافضي ولا من القدري فإذا كان يدعو فلا بأس وقال من لم يربع بعلي في الخلافة فلا تناكحوه ولا تكلموه وقال القاضي والمقلد منهم يصح ه ومن كان داعية منهم فلا يصح ه فصل والكفاءة معتبرة في الرجل دون المرأة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا مكافىء له وقد تزوج من أحياء العرب وتزوج صفية بنت حيي وتسرى بالإماء وقال من كانت عنده جارية فعلمها وأحسن تعليمها وأحسن إليها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران متفق عليه ولأن الولد يشرف بشرف أبه لا بأمه فلم يعتبر ذلك في الأم مسألة قال ( وإذا زوج الرجل ابنته البكر فوضعها في كفاية فالنكاح ثابت وإن كرهت كبيرة كانت أو صغيرة ) أما البكر الصغيرة فلا خلاف فيها قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن نكاح الأب ابنته البكر الصغيرة جائز إذا زوجها من كفء ويجوز له تزويجها مع كراهيتها وامتناعها وقد دل على جواز تزويج الصغيرة قول الله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن الطلاق 4 فجعل اللائي لم يحضن عدة ثلاثة أشهر ولا تكون العدة ثلاثة أشهر إلا من الطلاق في نكاح أو فسخ فدل ذلك على أنها تزوج وتطلق ولا إذن لها فيعتبر وقالت عائشة رضي الله عنها تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابنة ست وبنى بي وأنا ابنة تسع متفق عليه ومعلوم أنها لم تكن في تلك الحال ممن يعتبر إذنها وروى الأثرام أن قدامة بن مظعون تزوج ابنة الزبير حين نفست فقيل له فقال ابنة الزبير إن مت ورثتني وإن عشت كانت امرأتي وزوج علي ابنته أم كلثوم وهي صغيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وأما البكر البالغة العاقلة فعن أحمد روايتان أحدهما له إجبارها على النكاح وتزويجها بغير إذنها كالصغيرة وهذا مذهب مالك وابن أبي ليلى والشافعي وإسحاق والثانية ليس له ذلك واختارها أبو بكر وهو مذهب الأوزاعي والثوري وأبي عبيد وأبي ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن فقالوا يا رسول الله فكيف إذنها قال إن تسكت متفق عليه
وروى أبو داود وابن ماجة عن ابن عباس أن جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم ولأنها جائزة التصرف في مالها فلم يجز إجبارها كالثيب والرجل ووجه الرواية الأولى ما روي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن وإذنها صماتها رواه مسلم وأبو داود فلما قسم النساء قسمين وأثبت الحق لأحدهما دل على نفيه عن الآخر وهي البكر فيكون وليها أحق منها بها ودل الحديث على الاستئمار ها هنا والاستئذان مستحب في حديثهم ليس بواحب كما روى ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم آمروا النساء في بناتهن رواه أبو داود وحديث التي خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسل ويحتمل أنها التي زوجها أبوها من ابن أخيه ليرفع بها خسيسته فتخييرها لذلك ولأن ما لا يشترط في نكاح الصغيرة لا يشترط في نكاح الكبيرة كالنطق وقول الخرقي فوضعها في كفاءة يدل على أنه إذا زوجها من غير كفء فنكاحها باطل وهو إحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي الشافعي لأنه لا يجوز له تزويجها من غير كفء فلم يصح كسائر الأنكحة المحرمة ولأنه عقد لموليته عقدا لا حظ لها فيه بغير إذنها فلم يصح كبيعه عقارها من غير غبطة ولا حاجة أو بيعه بدون ثمن مثله ولأنه نائب عنها شرعا فلم يصح تصرفه لها شرعا بما لا حظ لها فيه كالوكيل والثانية يصح لأنه عيب في المعقود عليه فلم يمنع الصحة كشراء المعيب الذي لا يعلم عيبه ويحتمل أن لا يصح النكاح إذا علم أن الزوج ليس بكفء ويصح إذا لم يعلم ولأنه إذا علم حرم عليه العقد فبطل لتحريمه بخلاف ما لم يعلمه كما لو اشترى لها معيبا يعلم عيبه ويحتمل أن يصح نكاح الكبيرة لأنه يمكن استدراك الضرر بإثبات الخيار لها فتفسخ إن كرهت وإن لم تفسخ كان كإجازتها وإذنها بخلاف نكاح الصغيرة على القول بصحته فإن كانت كبيرة فله الخيار ولا خيار لأبيها إذا كان عالما لأنه أسقط حقه برضاه وإن كانت صغيرة فعليه الفسخ ولا يسقط برضاه لأنه يفسخ لحظها وحقها لا يسقط برضاه ويحتمل أن يكون له الفسخ ولكن يمنع الدخول عليها حتى تبلغ وتختار فإن كان لها ولي غير الأب فلها الفسخ على ما مضى وعلى كلتا الروايتين فلا يحل له تزويجها من غير كفء ولا من معيب لأن الله تعالى أقامه مقامها ناظرا لها فيما فيه الحظ لها ومتصرفا لها لعجزها عن التصرف وفي نفسها فلا يجوز له فعل ما لا حظ لها فيه كما في مالها ولأنه إذا حرم عليه التصرف في مالها بما لا حظ فيه ففي نفسها أولى مسألة قال ( وليس هذا لغير الأب ) يعني ليس لغير الأب إجبار كبيرة ولا تزويج صغيرة جدا كان أو غيره وبهذا قال مالك وأبو عبيد والثوري وابن أبي ليلى وبه قال الشافعي إلا في الجد فإنه جعله كالأب لأن ولايته ولاية إيلاد فملك إجبارها كالأب وقال الحسن وعمر بن عبد العزيز وعطاء وطاوس وقتادة وابن شبرمة والأوزاعي وأبو حنيفة لغير الأب تزويج الصغيرة ولها الخيار إذا بلغت وقال هؤلاء غير أبي حنيفة إذا زوج الصغيرين غير الأب فلهما الخيار إذا بلغا قال أبو الخطاب وقد نقل عبدالله عن أبيه كقول أبي حنيفة لأن الله تعالى قال وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء النساء 3
فمفهومه أنه إذا لم يخف فله تزويج اليتيمة واليتيم من لم يبلغ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يتم بعد احتلام قال عروة سألت عائشة عن قول الله تعالى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فقالت يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها ويشركها في مالها ويعجبه مالها وجمالها فيريد أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطها مثلما يعطيها غيره فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا فيهن ويبلغوا على سنتهن في الصداق متفق عليه ولأنه ولي في النكاح فملك التزويج كالأب ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم تستأمر اليتيمة في نفسها وإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها رواه أبو داود والنسائي وروي عن ابن عمر أن قدامة بن مظعون زوج ابن عمر ابنة أخيه عثمان فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إنها يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها واليتيمة الصغيرة التي مات أبوها ولأن غير الأب قاصر الشفقة فلا يلي نكاح الصغيرة كالأجنبي وغير الجد لا يلي مالها فلا يستبد بنكاحها كالأجنبي ولأن الجد يلي بولاية غيره فأشبه سائر العصبات وفارق الأب فإنه يدلي بغير واسطة ويسقط الإخوة والجد ويحجب الأم عن ثلث المال إلى ثلث الباقي في زوج وأبوين أو زوجة وأبوين والآية محمولة على البالغة بدليل قول الله تعالى تؤتونهن ما كتب لهن النساء 19 وإنما يدفع إلى الكبيرة أو تحملها على بنت تسع فصل وإذا بلغت الجارية تسع سنين ففيها روايتان إحداهما أنها كمن لم تبلغ تسعا نص عليه في رواية الأثرم وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وسائر الفقهاء قالوا حكم بنت تسع سنين حكم بنت ثمان لأنها غير بالغة ولأن إذنها لا يعتبر في سائر التصرفات فكذلك في النكاح والرواية الثانية حكمها حكم البالغة نص عليه في رواية ابن منصور لمفهوم الآية ودلالة الخبر بعمومها على أن اليتيمة تنكح بإذنها وإن أبت فلا جواز عليها وقد انتفى به الإذن فيمن دونها فيجب حمله على من بلغت تسعا وقد روى الإمام أحمد بإسناده عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة ورواه القاضي بإسناده عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه في حكم المرأة ولأنها بلغت سنا يمكن فيه حيضها ويحدث لها حاجة إلى النكاح فيباح تزويجها كالبالغة فعلى هذا إذا زوجت ثم بلغت لم يكن لها خيار كالبالغة إذا زوجت وقد خطب عمر أم كلثوم ابنة أبي بكر بعد موته إلى عائشة فأجابته وهي لدون عشر لأنها إنما ولدت بعد موت أبيها وإنما كانت ولاية عمر عشرا فكرهته الجارية فتزوجها طلحة بن عبيد الله ولم ينكره منكر فدل ذلك على اتفاقهم على صحة تزويجها قبل بلوغها بولاية غير أبيها والله أعلم مسألة قال ( ولو استأذن البكر البالغة والدها كان حسنا ) لا نعلم خلافا في استحباب استئذانها فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر به ونهى عن النكاح بدونه وأقل أحوال ذلك الاستحباب ولأن فيه تطييب قلبها وخروجا من الخلاف وقالت عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجارية ينكحها أهلها أتستأمر أم لا فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم تستأمر وقال استأمروا النساء في أبضاعهن فأن البكر تستحيي فتسكت فهو إذنها متفق عليهما وروي عن عطاء قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يستأمر بناته إذا أنكحهن قال كان يجلس عند خدر المخطوبة فيقول إن فلانا يذكر فلانة فإن حركت الخدر لم يزوجها وإن سكتت زوجها فصل ويستحب استئذان المرأة في تزويج ابنتها لقول النبي صلى الله عليه وسلم آمروا النساء في بناتهن ولأنها تشاركه في النظر لابنتها وتحصيل المصلحة لها بشفقتها عليها وفي استئذانها تطييب قبلها وإرضاء لها فتكون أولى مسألة قال ( وإذا زوج ابنته الثيب بغير إذنها فالنكاح باطل وإن رضيت بعد )
وجملة ذلك أن البنت تقسم قسمين كبيرة وصغيرة فأما الكبيرة فلا يجوز للأب ولغيره تزويجها إلا بإذنها في قول عامة أهل العلم إلا الحسن قال له تزويجها وإن كرهت والنخعي قال يزوج بنته إذا كانت في عياله فإن كانت بائنة في بيتها مع عيالها استأمرها قال إسماعيل بن إسحاق لا أعلم أحدا قال في البنت بقول الحسن وهو قول شاذ خالف فيه أهل العلم والسنة فإن الخنساء ابنة خدام الأنصارية روت أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فرد نكاحه رواه البخاري والأئمة كلهم قال ابن عبد البر هذا الحديث مجمع على صحته والقول به لا نعلم مخالفا له إلا الحسن وكانت الخنساء من أهل قباء وكانت تحت أنيس بن قتادة فقتل عنها يوم أحد فزوجها أبوها رجلا من بني عمرو بن عوف فكرهته وشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها ونكحت أبا لبابة بن عبد المنذر وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تنكح الأيم حتى تستأمر متفق عليه وقال الأيم أحق بنفسها من وليها وروى ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس للولي مع الثيب أمر رواهما النسائي وأبو داود ولأنها رشيدة عالمة بالمقصود من النكاح مختبرة فلم يجز إجبارها عليه كالرجل القسم الثاني الثيب الصغيرة وفيها وجهان أحدهما لا يجوز تزويجها وهو ظاهر قول الخرقي واختاره ابن حامد وابن بطة والقاضي ومذهب الشافعي لعموم الأخبار ولأن الإجبار يختلف بالبكارة والثيوبة لا بالصغر والكبر وهذه ثيب ولأن في تأخيرها فائدة وهو أن تبلغ فتختار لنفسها وتعتبر إذنها فوجب التأخير بخلاف البكر الوجه الثاني أن لأبيها تزويجها ولا يستأمرها اختاره أبو بكر وعبد العزيز وهو قول مالك وأبي حنيفة لأنها صغيرة فجاز إجبارها كالبكر والغلام يحقق ذلك أنها لا تريد بالثيوبة على ما حصل للغلام بالذكورية ثم الغلام يجبر إن كان صغيرا فكذا هذه الأخبار محمولة على الكبيرة فإنه جعلهاأحق بنفسها من وليها والصغيرة لا حق لها ويتخرج وجه ثالث وهو أن ابنة تسع سنين يزوجها وليها بإذنها ومن دون ذلك على ما ذكرنا من الخلاف لما ذكرنا في البكر والله أعلم مسألة قال ( وإذن الثيب الكلام وإذن البكر الصمات ) أما الثيب فلا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن إذنها الكلام للخبر ولأن اللسان هو العبر عما في القلب وهو المعتبر في كل موضع يعتبر فيه الإذن غير أشياء يسيرة أقيم فيها الصمت مقامه لعارض فأما البكر فإذنها صماتها في قول أهل العلم منهم شريح والشعبي وإسحاق والنخعي والثوري والأوزاعي وابن شبرمة وأبو حنيفة ولا فرق بين كون الولي أبا أو غيره وقال أصحاب الشافعي في صمتها في حق غير الأب وجهان أحدهما لا يكون إذنا لأن الصمات عدم الإذن فلا يكون إذنا ولأنه محتمل الرضى والحياء وغيرهما فلا يكون إذنا كما في حق الثيب وإنما اكتفى به في حق الأب لأن رضاءها غير معتبر وهذا شذوذ عن أهل العلم وترك للسنة الصحيحة الصريحة يصان الشافعي عن إضافته إليه وجعله مذهبا له مع كونه من أتبع الناس لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يعرج منصف على هذا القول وقد تقدمت روايتنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف إذنها قال أن تسكت وفي رواية عن عائشة أنها قالت يا رسول الله إن البكر تستحيي قال رضاها صماتها متفق عليه وفي رواية واليتيمة تستأمر فصمتها إقرارها رواه النسائي وفي رواية تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها وهذا صريح في غير ذات الأب
وروى الأثرم عن عدي الكندي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الثيب تعرب عن نفسها والبكر رضاها صماتها والأخبار في هذا كثيرة ولأن الحياء عقلة على لسانها يمنعها النطق بالإذن ولا تستحي من إبائها وامتناعها فإذا سكتت على الظن أنه لرضاها فاكتفى به وما ذكروه يفضي إلى أن لا يكون صماتها إذنا في حق الأب أيضا لأنهم جعلوا وجوده كعدمه فيكون إذا ردا على النبي صلى الله عليه وسلم بالكلية واطراحا للأخبار الصريحة الجليلة وخرقا لإجماع الأمة المرضية فصل فإن نطقت بالإذن فهو أبلغ وأتم في الإذن من صمتها وإن بكت أو ضحكت فهو بمنزلة سكوتها وقال أبو يوسف ومحمد إن بكت فليس فإذن لأنه يدل على الكراهية وليس بصمت فيدخل في عموم الحديث ولنا ما روى أبو بكر بإسناده عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تستأمر اليتيمة فإن بكت أو سكتت فهو رضاها وإن أبت فلا جواز عليها لأنها ناطقة بالامتناع مع سماعها للاستئذان فكان إذنا منها كالصمات والضحك والبكاء يدل على فرط الحياء لا على الكراهة ولو كرهت لامتنعت فإنها لا تستحيي من الامتناع والحديث يدل بصريحة على أن هذا الصمت إذن وبمعناه على ما في معناه من الضحك والبكاء وكذلك أقمنا الضحك مقامه فصل والثيب المعتبر نطقها هي الموطوءة في القبل سواء كان الوطء حلالا أو حراما وهذا مذهب الشافعي وقال مالك وأبو حنيفة في المصابة بالفجور حكمها حكم البكر في إذنها وتزويجها لأن علة الاكتفاء بصمات البكر الحياء والحياء من الشيء لا يزول إلا بمباشرته وهذه لم تباشر بالإذن في النكاح فيبقى حياؤها منه بحاله ولنا قوله صلى الله عليه وسلم الثيب تعرب عن نفسها ولأن قوله صلى الله عليه وسلم لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن وإذنها أن تسكت يدل على أنه لا بد من نطق الثيب لأنه قسم النساء قسمين فجعل السكوت إذنا لأحدهما فوجب أن يكون الآخر بحاله وهذه ثيب فإن الثيب هي الموطوءة في القبل وهذه كذلك ولأنه لو أوصى لثيب النساء دخلت في الوصية ولو أوصى للأبكار لم تدخل ولو اشترطها في التزويج أو الشراء بكرا فوجدها مصابة بالزنى ملك الفسخ ولأنها موطوءة في القبل فأشبهت الموطوءة بشبهة والتعليل بالحياء غير صحيح فإنه أمر خفي لا يمكن اعتباره بنفسه وإنما يعتبر بمظنته وهي البكارة ثم هذا التعليل يفضي إلى إبطال منطوق الحديث فيكون باطلا في نفسه ولا فرق بين المكرهة والمطاوعة وعلى هذا ليس لنا إجبارها إذا كانت بالغة وفي تزويجها إن كانت صغيرة وجهان وقولهم إنها لم تباشر الإذن قلنا يبطل بالموطوءة بشبهة أو في ملك يمين والمزوجة وهي صغيرة فصل وإن ذهبت عذرتها بغير جماع كالوثبة أو شدة حيضة أو بأصبع أو عود ونحوه فحكمها حكم الأبكار ذكره ابن حامد لأنها لم تختبر المقصود ولا وجد وطؤها في القبل فأشبهت من لم تزل عذرتها ولو وطئت في الدبر لم تصر ثيبا ولا حكمها حكمهن لأنها غير موطوءة في القبل فصل إذا اختلف الزوج والمرأة في إذنها في تزويجها قبل الدخول فالقول قولها في قول أكثر الفقهاء وقال زفر في الثيب كقول أهل العلم وفي البكر القول قول الزوج لأن الأصل السكوت والكلام حادث فالزوج يدعي الأصل فالقول قوله ولنا إنها منكرة الإذن والقول المنكر ولأنه يدعي أنها استؤذنت وسمعت فصمتت والأصل عدم ذلك وهذا جواب على قوله وإن اختلفا بعد الدخول فقال القاضي القول قول الزوج ولأن التمكين من الوطء دليل على الإذن وصحة النكاح كان الظاهر معه وهل تستحلف المرأة إذا قلنا القول قولها قال القاضي قياس المذهب أنه لا يمين عليها كما لو ادعى أنه زوجها فأنكرته وبه قال أبو جنيفة وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد تستحلف فإن نكلت فقال أبو يوسف ومحمد يثبت النكاح وقال الشافعي يستحلف الزوج ويثبت النكاح
ولنا إنه اختلاف في زوجية فلا يثبت بالنكول ولا يحلف المدعي معه كما لو ادعى الزوج أصل التزويج فأنكرته فإن كانت المرأة ادعت أنها أذنت فأنكر ورثة الزوج فالقول قولها لأنه اختلاف في أمر يختص بها صادر من جهتها فالقول قولها فيه كما لو اختلفوا في نيتها فيما تعتبر فيه نيتها ولأنها تدعي صحة العقد وهم يدعون فساده فالظاهر معها فصل في المجنونة إن كانت ممن تجبر لو كانت عاقلة جاز تزويجها لمن يملك إجبارها لأنه إذا ملك إجبارها مع عقلها وامتناعها فمع عدمه أولى وإن كانت ممن لا يجبر انقسمت ثلاثة أقسام أحدها أن يكون وليها الأب أو وصيه كالثيب الكبيرة فهذه يجوز لوليها تزويجها ذكره القاضي وهو ظاهر كلام الخرقي لأنه جعل للأب تزويج المعتوه فالمرأة أولى وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة ومنع منه أبو بكر لأنها ولاية إجبار وليس على الثيب ولاية إجبار والأول أصح فإن ولاية الإجبار إنما انتفت عن العاقلة لرأيها لحصول المباشرة منها والخبرة وهذه بخلاف ذلك وكذلك الحكم في الثيب الصغيرة إذا قلنا بعدم الإجبار في حقها إذا كانت عاقلة القسم الثاني أن يكون وليها الحاكم ففيها وجهان أحدهما ليس له تزويجها بحال لأن هذه ولاية إجبار فلا تثبت لغير الأب كحال عقلها والثاني له تزويجها إذا ظهر منها شهوة الرجال كبيرة كانت أو صغيرة وهو اختيار ابن حامد وأبي الخطاب وقول أبي حنيفة لأنه بها حاجة إليه لدفع ضرر الشهوة عنها وصيانتها عن الفجور وتحصيل المهر والنفقة والعفاف وصيانة العرض ولا سبيل إلى إذنها فأبيح تزويجها كالثيب مع أبيها وكذلك ينبغي أن يملك تزويجها وإن قال أهل الطب إن علتها تزول بتزوجها لأن ذلك من أعظم مصالحها وقال الشافعي لا يملك تزويج صغيرة بحال ويملك تزويج الكبيرة إذا قال أهل الطب إن علتها تزول بتزوجها ولنا إن المعنى المبيح للتزويج وجد في حق الصغيرة فأبيح تزويجها كالكبيرة إذا ظهرت منها شهوة الرجال ففي تزويجها مصلحتها ودفع حاجتها فأشبه ما لو قال أهل الطب إنه يزيل علتها وتعرف شهوتها من كلامها وقرائن أحوالها كتتبعها للرجال وميلها إليهم وأشباه ذلك القسم الثالث من وليها غير الأب والحاكم فقال القاضي لا يزوجها غير الحاكم فيكون حكمها حكم القسم الثاني على ما بيناه وقال أبو الخطاب لهم تزويجها في الحال التي يملك الحاكم تزويج موليته فيها وهذا قول أبي حنيفة لأن ولايتهم مقدمة على ولاية الحاكم فقدموا عليه في التزويج كما لو كانت عاقلة ووجه قول القاضي أن الحاكم هو الناظر لها في مالها دونهم فيكون واليا دونهم كتزويج أمتها ولأن هذا دفع حاجة ظاهرة فكانت إلى الحاكم كدفع حاجة الجوع والعري فإن كان لها وصي في مالها لم يتملك تزويجها لأنه لا ولاية له في نكاحها والحكم في تزويجها حكم من وليها غير الأب والحاكم على ما ذكرنا مسألة قال ( وإذا زوج ابنته بدون صداق مثلها ثبت النكاح بالمسمى وإن فعل ذلك غير الأب ثبت النكاح وكان لها مهر مثلها ) وجملة ذلك أن للأب تزويج ابنته بدون صداق مثلها بكرا كانت أو ثيبا صغيرة كانت أو كبيرة وبهذا قال أبو الخطاب ومالك وقال الشافعي ليس له ذلك فإن فعل فلها مهر مثلها لأنه عقد معاوضة فلم يجز أن ينقص فيه عن قيمة المعوض كالبيع ولأنه تفريط في مالها وليس له ذلك
ولنا إن عمر رضي الله عنه خطب الناس فقال ألا لا تغالوا في صداق النساء فما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من نسائه ولا أحدا من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكروه فكان اتفاقا منهم على أن له أن يزوج بذلك وإن كان دون صداق المثل وزوج سعيد بن المسيب ابنته بدرهمين وهو من سادات قريش شرفا وعلما ودينا ومن المعلوم أنه لم يكن مهر مثلها ولأنه ليس المقصود من النكاح العوض وإنما المقصود السكن والازدواج ووضع المرأة عند من يكفيها في منصب ويصونها ويحسن عشرتها والظاهر من الأب مع تمام شفقته وبلوغ نظره أنه لا ينقصها من صداقها إلا لتحصيل المعاني المقصودة بالنكاح فلا ينبغي أن يمنع من تحصيل المقصود بتفويت غيره ويفارق سائر عقود المعاوضات فإن المقصود فيها العوض فلم يجز تفويته فأما غير الأب فليس له أن ينقصها من مهر مثلها فإن زوج بدون ذلك صح النكاح لأن فساد التسمية وعدمها لا يؤثر في النكاح ويكون لها مهر مثلها لأنه قيمة بضعها وليس للولي نقصها منه فرجعت إلى مهر مثلها والله أعلم فصل وتمام المهر على الزوج لأن التسمية ها هنا فاسدة لكونها غير مأذون فيها شرعا فوجب على الزوج مهر المثل كما لو زوجها بمحرم وعلى الولي ضمانة لأنه المفرط فكان عليه الضمان كما لو باع مالها بدون ثمن مثل قال أحمد أخاف أن يكون ضامنا وليس الأب مثل الولي ولا تملك المرأة الفسخ لأنه قد حصل لها وجوب مهر مثلها والله أعلم مسألة قال ( ومن زوج غلاما غير بالغ أو معتوها لم يجز إلا أن يزوجه والده أو وصي ناظر له في التزويج ) الكلام في هذه المسألة في فصول أربعة أحدها أنه ليس لغير الأب أو وصيه تزويج الغلام قبل بلوغه وقال القاضي في المجرد للحاكم تزويجه لأنه يلي ماله وقال الشافعي يملك ولي الصبي تزويجه ليألف حفظ فرجه عند بلوغه وليس بسديد فإن غير الأب لا يملك تزويج الجارية الصغيرة فالغلام أولى وفارق الأب ووصيه فإن لهما تزويج الصغيرة وولاية الإجبار وسواء أذن الغلام في تزويجه أو لم يأذن فإنه لا إذن له الفصل الثاني في المعتوه وهو الزائل العقل بجنون مطبق ليس لغير الأب ووصيه تزويجه وهذا قول مالك وقال أبو عبدالله بن حامد للحاكم تزويجه إذا ظهر منه شهوة النساء بأن يتبعهن ويريدهن وهذا مذهب الشافعي لأن ذلك من مصالحه وليس له حال ينتظر فيها إذنه وقد ذكرنا توجيه الوجهين في تزويج المجنونة وينبغي على هذا القول أن يجوز تزويجه إذا قال أهل الطب إن في تزويجه ذهاب علته لأنه من أعظم مصالحه والله أعلم الفصل الثالث أن للأب أو وصيه تزويجهما سواء كان الغلام عاقلا أو مجنونا وسواء كان الجنون مستداما أو طارئا فأما الغلام السليم من الجنون فلا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن لأبيه تزويجه كذلك قال ابن المنذر وممن هذا مذهبه الحسن والزهري وقتادة ومالك والثوري والأوزاعي وإسحاق والشافعي وأصحاب الرأي لما روي أن ابن عمر زوج ابنه وهو صغير فاختصما إلى زيد فأجازاه جميعا رواه الأثرم بإسناده فأم الغلام المعتوه فلأبيه تزويجه وقال الشافعي لا يجوز لأنه يلزمه التزويج حقوقا من المهر والنفقة مع عدم حاجته فلم يجز له ذلك كغيره من الأولياء ولنا إنه غير بالغ فملك أبوه تزويجه كالعاقل ولأنه إذا ملك تزويج العاقل مع أن له مع احتياجه إلى التزويج رأيا ونظرا لنفسه فلأن يجوز تزويج من لا يتوقع فيه ذلك أولى وفارق غير الأب فإنه لا يملك تزويج العاقل
وأما البالغ المعتوه فظاهر كلام أحمد والخرقي أن للأب تزويجه مع ظهور أمارات الشهوة وعدمها وقال القاضي إنما يجوز تزويجه إذا ظهرت منه أمارات الشهوة باتباع النساء ونحوه وهو مذهب الشافعي لأن في تزويجه مع عدم حاجته ضررا به بإلزامه حقوقا لا مصلحة له في التزامها وقال أبو بكر ليس للأب تزويجه بحال لأنه رجل فلم يجز إجباره على النكاح كالعاقل وقال زفر إن طرأ عليه الجنون بعد البلوغ لم يجز تزويجه وإن كان مستداما جاز ولنا إنه غير مكلف فجاز لأبيه تزويجه كالصغير فإنه إذا جاز تزويج الصغير مع عدم حاجته في الحال وتوقع نظره عند الحالجة فها هنا أولى ولنا على التسوية بين الطارىء والمستدام أنه معنى يثبت الولاية فاستوى طارئه ومستدامه كالرق ولأنه جنون يثبت الولاية على ماله فأثبتها عليه في النكاح كالمستدام فأما اعتبار الحاجة فلا بد منها فإنه لا يجوز لوليه تزويجه إلا إذا رأى المصلحة فيه غير أن الحاجة لا تنحصر في قضاء الشهوة فقد تكون حاجته إلى الإيواء والحفظ وربما كان دواء له ويترجى به شفاؤه فجاز التزويج له كقضاء الشهوة والله أعلم فصل ومن يفيق في الأحيان لا يجوز تزويجه إلا بإذنه لأن ذلك ممكن ومن أمكن أن يتزوج لنفسه لم تثبت الولاية عليه كالعاقل ولو زال عقله ببرسام أو مرض مرجو الزوال فهو كالعاقل فإن ذلك لا يثبت الولاية على ماله فعلى نفسه أولى وإن لم يرج زواله فهو داخل فيما ذكرناه الفصل الرابع أن وصي الأب في النكاح بمنزلته على ما ذكرنا في ثبوت الولاية للوصي على المرأة وفي هذا من الخلاف مثل ما فيه وإنما يثبت ذلك لوصي الأب في التزويج خاصة فإن كان وصيا في المال لم تكن له ولاية في التزويج لأنه إنما يستفيد بالتصرف بالوصية فلا يملك ما لم يوص به إليه ووصي غير الأب لا ولاية له على صبي أو مجنون لأن الموصي لا يملك ذلك فوصيه أولى فصل وإن تزوج لصغير أو مجنون فإنه يقبل لهما النكاح ولا يجوز أن يأذن لهما في قبوله لأنهما ليسا من أهل التصرف وإن كان الغلام ابن عشر وهو مميز فقياس المذهب جواز تفويض القبول إليه حتى يتولاه لنفسه كما يفوض أمر البيع إليه ولأنه يملك إيقاع الطلاق بنفسه وإن تزوج له الولي جاز كما يجوز أن يبتاع له وهذا على الرواية التي تقول بصحة بيعه ووقوع طلاقه وإن قلنا لا يصح ذلك منه فهذا أولى فصل وذكر القاضي أنه لا يجوز أن يتزوج لهما بزيادة على مهر المثل لأنه معاوضة في حق الغير فلم تجز الزيادة فيها على عوض المثل كبيع ماله وهذا مذهب الشافعي وقد ذكرنا أن للأب تزويج ابنته بدون صداق مثلها فهذا مثله فإنه قد يرى المصلحة في ذلك فجاز له بذل المال فيه كما يجوز في مداواته بل الجواز ها هنا أولى فإن الغالب أن المرأة لا ترضى بتزويج مجنون إلا أن ترغب بزيادة على مهر مثلها فيتعذر الوصول إليه بدون ذلك بخلاف المرأة وذكر القاضي في المجرد أن قياس المذهب أنه لا يزوجه بأكثر من امرأة واحدة جته إلى زيادة عليها فيكون بذلا لماله فيما لا حاجته به إليه وذكر في الجامع أن له تزويج ابنه الصغير بأربع لأنه قد يرى المصلحة فيه وليس له تزويجه بمعيبة عيبا يرد به في النكاح لأن فيه ضررا به وتفويتا لماله فيما لا مصلحة له فيه فإن فعل خرج في صحة النكاح وجهان فإن قلنا يصح فهل للولي الفسخ في الحال على وجهين مضى توجيههما في تزويج الصغيرة بمعيب ومتى لم يفسخ حتى بلغ الصبي أو عقل المجنون فلهما الفسخ وليس له تزويجه بأمة لأن إباحتها مشروطة بخوف العنت وهو معدوم في حق الصبي غير معدوم في المجنون
فصل وإذا زوج ابنه تعلق الصداق بذمة الابن موسرا كان أو معسرا لأنه عقد للابن فكان عليه بذله كثمن المبيع وهل يضمنه الأب فيه روايتان إحداهما يضمنه نص عليه فقال تزويج الأب لابنه الطفل جائز ويضمن الأب المهر لأنه التزم العوض عنه فضمنه كما لو نطق بالضمان والأخرى لا يضمنه لأنه عقد معاوضة ناب فيه عن غيره فلم يضمن عوضه كثمن مبيعه أو كالوكيل قال القاضي هذا أصح وقال إنما الروايتان فيما إذا كان معسرا أما الموسر فلا يضمن الأب عنه رواية واحدة فإن طلق قبل الدخول سقط نصف الصداق فإن كان ذلك بعد دفع الأب الصداق عنه رجع نصف إلى الابن وليس للأب الرجوع فيه بمعنى الرجوع في الهبة لأن الابن ملكه بالطلاق عن غير أبيه فأشبه ما لو وهبه الأب أجنبيا ثم وهبه الأجنبي للابن ويحتمل أن يرجع فيه لأنه تبرع عن ابنه فلم يستقر الملك حتى استرجعه الابن وكذلك الحكم فيما لو قضى الصداق عن ابن الكبير ثم طلق قبل الدخول وإن ارتدت قبل الدخول فالحكم في الرجوع في جميعه كالحكم في الرجوع في النصف بالطلاق فصل في المحجور عليه للسفه والكلام في نكاحه في ثلاثة أحوال أحدها أن لوليه تزويجه إذا علم حاجته إلى النكاح لأنه نصب لمصالحه وهذا من مصالحه لأنه يصون به دينه وعرضه ونفسه فإنه ربما تعرض بترك التزويج للإثم بالزنا والحد وهتك العرض وسواء علم بحاجته بقوله أو بغير قوله وسواء كانت حاجته بالاستمتاع أو إلى الخدمة فيزوجه امرأة لتحل له لأنه يحتاج إلى الخلوة بها وإن لم يكن به حاجة إليه لم يجز تزويجه لأنه يلزمه بالنكاح حقوقا من المهر والنفقة والعشرة والمبيت والسكنى فيكون تضييعا لماله ونفسه في غير فائدة فلم يجز كتبذير ماله وإذا أراد تزويجه استأذنه في تزويجه فإن زوجه بغير إذنه فقال أصحابنا يصح لأنه عقد معاوضة فملكه الولي في حق المولى عليه كالبيع ولأنه محجور عليه أشبه الصغير والمجنون ويحتمل أن لا يملك تزويجه بغير إذنه لأنه يملك الطلاق فلم يجبر على النكاح كالرشيد والعبد الكبير وذلك لأن إجباره على النكاح مع ملك الطلاق مجرد إضرار فإنه يطلق فيلزمه الصداق مع فوات النكاح ولأنه قد يكون له غرض في امرأة ولا يكون له في أخرى فإذا أجبر على من يكرهها لم تحصل له المصلحة منها وفات عليه غرضه من الأخرى فيحصل مجرد ضرر مستغنى عنه وإنما جاز ذلك في حق المجنون والطفل لعدم إمكان الوصول إلى ذلك من قولهما ولم يتعذر ذلك ها هنا فوجب أن لا يفوت ذلك عليه كالرشيد الحال الثاني أن للولي أن يأذن له في التزويج في الحال التي للولي تزويجه فيها وهي حال الحاجة لأنه من أهل النكاح فإنه عاقل مكلف ولذلك يملك الطلاق والخلع فجاز أن يفوض إليه ذلك ثم هو مخير بين أن يعين له المرأة أو يأذن له مطلقا وقال بعض الشافعية يحتاج إلى التعيين لئلا يتزوج شريفة يكثر مهرها ونفقتها فيتضرر بذلك ولنا إنه إذن في النكاح فجاز من غير تعيين كالإذن للعبد وبهذا يبطل ما ذكروه ولا يتزوج إلا بمهر المثل فإن زاد على مهر المثل بطلت الزيادة لأنها محاباة بماله ولا يملكها وإن نقص عن مهر المثل جاز لأنه ربح من غير خسران الحال الثالث إذا تزوج بغير إذن فقال أبو بكر يصح النكاح أومأ إليه أحمد قال القاضي يعني إذا كان محتاجا فإن عدمت الحاجة لم يجز لأنه إتلاف لماله في غير فائدة وقال أصحاب الشافعي إن أمكنه استئذان وليه لم يصح إلا بإذنه لأنه محجور عليه فلم يصح منه التصرف بغير إذن كالعبد وإن طلب منه النكاح فأبى أن يزوجه ففيه وجهان ولنا إنه إذا احتاج إلى النكاح فحقه متعين فيه فصح استيفاؤه بنفسه كما لو استوفى دينه الحال عند امتناع وليه من استيفائه فأما إن تزوج من غير حاجة لم يصح فإن وطىء الزوجة فعليه مهر المثل لأنه أتلف بضعها بشبهة فلزمه عوض ما أتلف كما لو أتلف مالها
فصل وليس لغير الأب تطليق امرأة المولى عليه سواء كان ممن يملك التزويج كوصي الأب والحاكم على قول ابن حامد أو لا يملكه لا نعلم في هذا خلافا فأما الأب إذا زوج ابنه الصغير أو المجنون فقد قال أحمد في رجلين زوج أحدهما ابنه بابنة الآخر وهما صغيران ثم إن الأبوين كرها هل لهما أن يفسخا فقال فقد اختلف في ذلك وكأنه رآه قال أبو بكر لم يبلغني عن أبي عبدالله في هذه المسألة إلا هذه الرواية فتتخرج على قولين أحدهما يملك ذلك وهو قول عطاء وقتادة لأنها ولاية يستفيد بها تمليك البضع فجاز أن يملك بها إزالته إذا لم يكن متهما كالحاكم يملك الطلاق على الصغير والمجنون بالاعتبار والقول الثاني لا يملك ذلك وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الطلاق لمن أخذ بالساق ولأنه لا يملك البضع فلا يملك الطلاق بنفسه كوصي الأب والحاكم وكالسيد يزوج عبده الصغير وبهذه الأصول يبطل دليل القول الأول فصل وإذا ادعت امرأة المجنون عنته لم تضرب له مدة لأنها لا تثبت إلا بإقرار الزوج ولا حكم لإقراره وإن أقر بالعنة وهو صحيح فضربت له المدة ثم جن وانقضت المدة وطالبت المرأة بالفسخ لم يفسخ لأنها إن كانت ثيبا فالقول قوله وإن كانت بكرا فادعى منعها إياه نفسها وأنه وطئها فعادت عذرتها فله استحلافها فإذا كان لا يعبر عن نفسه لم يستحلف ولا يثبت ما قالته فلم يفسخ عليه مسألة قال ( وإذا زوج أمته بغير إذنها فقد لزمها النكاح كبيرة كانت أو صغيرة ) لا نعلم في هذا خلافا وذلك لأن منافعها مملوكة له والنكاح عقد على منفعتها فأشبه عقد الإجارة ولذلك ملك الاستمتاع بها وبهذا فارقت العبد ولأنه ينتفع بتزويجها لما حصل له من مهرها وولدها ويسقط عنه من نفقتها وكسوتها بخلاف العبد فصل والمدبرة والمعلق عتقها بصفة وأم الولد كالأمة القن في إجبارها على النكاح وقال مالك آخر أمره ليس له تزويج أم ولده بغير إذنها وكرهه ربيعة وللشافعي فيه قولان لأنه لا يملك التصرف في رقبتها فكذلك لا يملك تزويجها بغير إذنها كأخته ولنا إنها مملوكته يملك الاستمتاع بها وإجازتها فملك تزويجها كالقن ولأنها إحدى منفعتيها فملك أحد عوضيها كسائر منافعها وما ذكروه يبطل بابنته الصغيرة لا يملك رقبتها ويملك تزويجها وإذا ملك أخته من الرضاع أو مجوسية فله تزويجهما وإن كانتا محرمتين عليه لأن منافعهما ملكه وإنما حرمتا عليه لعارض فأما التي بعضها حر فلا يملك سيدها إجبارها لأنه لا يملك جميعها ولا يملك إجبار المكاتبة لأنها بمنزلة الخارجة عن ملكه ولذلك لا يملك وطأها ولا إجارتها ولا تلزمه نفقتها ولا يصل إليه مهرها فهي كالعبد فصل فإن طلبت الأمة من سيدها تزويجها فإن كان يطؤها لم يجبر على تزويجها لأن عليه ضررا في تزويجها ووطؤه لها يدفع حاجتها فإن كان لا يطؤها لكونها محرمة عليه كالمجوسية وأخته من الرضاع أو محللة له لكن لا يرغب في وطئها أجبر على تزويجها أو وطئها إن كانت محللة له وإزالة ملكه عنها لأنه وليها فأجبر على تزويجها كالحرة ولأن حاجتها قد تشتد إلى ذلك فأجبر على دفعها كالإطعام والكسوة وإذا امتنع أجبره الحاكم وإن طلبت منه من نصفها حر أو المكاتبة أو أم الولد التزويج أجبر عليه لأنه وليهن فأجبر على تزويجهن كالحرائر فصل وإذا اشترى عبده المأذون أمة وركبته ديون ملك سيده تزويجها وبيعها وإعتاقها نص عليه أحمد وذكره أبو بكر وقال للسيد وطؤها وقال الشافعي ليس له شيء من ذلك لما فيه من الإضرار بالغرماء وأصل الخلاف يبني على دين المأذون له في التجارة فعندنا يلزم السيد فلا يلحق الغرماء ضرر بتصرف السيد في الأمة فإن الدين ما تعلق بها وعنده أن الدين يتعلق بالعبد وبما في يده فيلحقهم الضرر والكلام على هذا يذكر في موضعه
فصل وليس للسيد إكراه أمته على التزويج ب عيبا يرد به في النكاح لأنه يؤثر في الاستمتاع وذلك حق لها ولذلك ملكت الفسخ بالجب والعنة والامتناع من العبد دون السيد وفارق بيعها من معيب لأنه لا يراد للاستمتاع ولهذا ملك شراء الأمة المحرمة ولم تملك الأمة الفسخ لعيبه ولا عنته ولا إيلائه وإن زوجها من معيب فهل يصح على وجهين فإن قلنا يصح فلها الفسخ وإن كانت صغيرة فهل له الفسخ في الحال أو ينتظر بلوغها على وجهين ومذهب الشافعي هكذا في هذا الفصل كله مسألة قال ( ومن زوج عبده وهو كاره لم يجز إلا أن يكون صغيرا ) الكلام في هذه المسألة في فصلين الفصل الأول أن السيد لا يملك إجبار عبده البالغ العاقل على النكاح وبهذا قال الشافعي في أحد قوليه وقال مالك وأبو حنيفة له ذلك لقول الله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم النور 32 ولأنه يملك رقبته فملك إجباره على النكاح كالأمة ولأنه يملك إجارته فأشبه الأمة ولنا إنه مكلف يملك الطلاق فلا يجبر على النكاح كالحر ولأن النكاح خالص حقه ونفعه له فأشبه الحر والأمر بإنكاحه مختص بحال طلبه بدليل عطفه على الأيامى وإنما يزوجن عند الطلب ومقتضى الأمر الوجوب وإنما يجب تزويجه عند طلبه وأما الأمة فإنه يملك منافع بضعها والاستمتاع بها بخلاف العبد ويفارق النكاح الإجارة لأنها عقد على منافع بدنه وهو يملك استيفاءها الفصل الثاني في العبد الصغير الذي لم يبلغ فللسيد تززويجه في قول أكثر أهل العلم إلا أن بعض الشافعية قال فيه قولان وقال أبو الخطاب يحتمل ألا يملك تزويجه ولنا إنه إذا ملك تزويج ابنه الصغير فعبده مع ملكه له تمام ولايته عليه أولى وكذلك الحكم في عبده المجنون فصل والمهر والنفقة على السيد سواء ضمنهما أو لم يضمنهما وسواء باشر العقد أو أذن لعبده فعقده وسواء كان مأذونا له في التجارة أو محجورا عليه نص عليه أحمد وعنه ما يدل على أن ذلك يتعلق بكسبه فإنه قال نفقته من ضريبته وقال إن كان بقيمة ضريبته أنفق عليها ولا يعطى المولى وإن لم يكن عنده ما ينفق يفرق بينهما وهذا قول الشافعي وفائدة الخلاف أن من ألزم السيد المهر والنفقة أوجبهما عليه وإن لم يكن للعبد كسب وليس للمرأة الفسخ لعدم كسب العبد وللسيد استخدامه ومنعه من الاكتساب ومن علقه بكسبه فلم يكن له كسب فللمرأة الفسخ وليس للسيد منعه من الكسب ولنا إنه حق تعلق بالعبد برضا سيده فتعلق بسيده وجازه بيعه فيه كما لو رهنه بدين فعلى هذا لو باعه سيده أو أعتقه لم يسقط المهر عن السيد نص عليه لأنه حق تعلق بذمته فلم يسقط ببيعه وعتقه كأرش جنايته فأما النفقة فإنها تتجدد فتكون في الزمن المستقبل على المشتري أو على العبد إذا أعتق فصل ويجوز أن يتزوج السيد لعبده بإذنه ويجوز أن يأذن للعبد فيتزوج لنفسه لأنه مكلف يصح طلاقه فكان من أهل مباشرة النكاح كالحر ويجوز أن يأذن له مطلقا ومقيدا فإن عين له امرأة أو نساء بلد أو قبيلة أو حرة أو أمة فتزوج غيرها لم يصح لأنه متصرف بالإذن فقيد تصرفه بما أذن له فيه كالوكيل وإن أذن له مطلقا فله أن يتزوج من شاء لكن إن تزوج امرأة من بلد أخرى فللسيد منعه من الخروج إليها وإن كانت في البلد فعلى السيد إرساله ليلا للاستمتاع وإن أحب سيده أن يسكنها في مسكن من داره فله ذلك إذا كان مسكن مثلها ولا يلزمه إرساله نهارا لأنه يحتاج إلى استخدامه وليس النهار محلا للاستمتاع ولسيده المسافرة به فإن حق امرأة العبد عليه لا يزيد على حق امرأة الحر والحر يملك المسافرة وإن كرهت امرأته كذا ها هنا
فصل وللسيد أن يعين له المهر وله أن يطلق فإن تزوج بما عينه أو دونه أو بمهر المثل عند الإطلاق أو دونه لزم المسمى وإن تزوج بأكثر من ذلك لم يلزم السيد الزيادة وهل يتعلق برقبة العبد أو بذمته يتبع بها بعد العتق على روايتين بناء على استدانة العبد المحجور عليه وقد ذكر في باب الحجر فصل وإن تزوج أمة ثم اشتراها بإذن سيده لم يؤثر ذلك في نكاحه وإن اشتراها لنفسه وقلنا إن العبد لا يملك بالتمليك فكذلك وإن قلنا يملك بالتلميك انفسخ نكاحه كما لو اشترى الحر امرأته وله وطؤها بملك اليمين إذا أذن له السيد فإن كان نصفه حرا فاشتراها في ذمته أو بما يختص بملكه انفسه نكاحه لأنه ملكها وحلت له بملك يمينه وإن ملك بعضها انفسخ نكاحه ولم تحل له لأنه لا يملك جميعها وإن اشتراها بعين مال مشترك بينه وبين سيده بغير إذنه وقلنا لا تفرق الصفقة لم يصح البيع والنكاح بحاله وإن قلنا بتفريقها صح في قدر ماله وانفسخ النكاح لملكه بعضها فصل وإن اشترت الحرة زوجها أو ملكته بهبة أو غيرها انفسخ النكاح لأن ملك النكاح واليمين يتنافيان لاستحالة كون الشخص مالكا لمالكه ولأن المرأة تقول أنفق علي لأنني امرأتك وأنا أسافر بك لأنك عبدي ويقول هو أنفقي علي لأنني عبدك وأنا أسافر بك لأنك امرأتي فيتنافى ذلك فيثبت أقواهما وهو ملك اليمين وينفسخ النكاح لأنه أضعف ولها على سيده المهر إن كان بعد الدخول وله عليها الثمن فإن كانا دينين من جنس تقاصا وتساقطا وإن كانا متساويين وإن تفاضلا سقط الأقل منهما بمثله وبقي الفاضل وإن اختلف جنسهما لم يتساقطا وعلى كل واحد منهما تسليم ما عليه إلى صاحبه وقال الشافعي في أحد قوليه يسقط مهرها لأنه دين في ذمة العبد فإذا ملكته لم يجز أن يثبت لها دين في ذمة عبدها كما لو أتلف لها مالا وهذا بناء منه على أن المهر يتعلق بذمة العبد وقد بينا أنه يتعلق بذمة سيده فلا يؤثر ملك العبد في إسقاطه وذكر القاضي فيه وجها أنه يسقط لأن ثبوت الدين في ذمة السيد تبع لثبوته في ذمة العبد فإذا سقط من ذمة العبد سقط من ذمة السيد تبعا كالدين الذي على الضامن إذا سقط من ذمة المضمون عنه ولا يعرف هذا في المذهب ولأنه ثبت في الذمتين جميعا إحداهما تبعا للأخرى بل المذهب على أنه لا يسقط بعد الدخول بحال فأما إن كان الشراء قبل الدخول سقط نصفه كما لو طلقها قبل دخوله بها وفي سقوط باقيه وجهان أحدهما لا يسقط لأن زوال الملك إنما هو بفعل البائع فالفسخ إذا من جهته فلم يسقط جميع المهر كالخلع والثاني يسقط لأن الفسخ إنما تم بشراء المرأة فأشبه الفسخ بالعيب في أحدهما وفسخها لإعساره وشراء الرجل لامرأته فصل فإن ابتاعته بصداقها صح نص عليه أحمد وذكر أبو بكر والقاضي ويرجع عليها بنصفه إن قلنا يسقط نصفه أو بجميعه إن قلنا يسقط جميعه ويحتمل أن لا يصح البيع وهو قول أصحاب الشافعي لأن ثبوته يقتضي نفيه فإن صحة البيع تقتضي فسخ النكاح وسقوط المهر يقتضي بطلان البيع لأنه عوض ولا يصح بغير عوض ولنا إنه يجوز أن يكون ثمنا لغير هذا العبد فجاز أن يكون ثمنا له كغيره من الديون وما سقط منه يرجع عليه به مسألة قال ( فإذا زوج الوليان فالنكاح للأول منهما )
وجملة ذلك أنه إن كان للمرأة وليان فأذنت لكل واحد منهما في تزويجها جاز سواء أذنت في رجل معين أو مطلقا فقالت قد أذنت لكل واحد من أوليائي في تزويجي من أراد فإذا زوجها الوليان لرجلين وعلم السابق منهما فالنكاح له دخل بها الثاني أو لم يدخل وهذا قول الحسن والزهري وقتادة وابن سيرين والأوزاعي والثوري والشافعي وأبي عبيد وأصحاب الرأي وبه قال عطاء ومالك ما لم يدخل بها الثاني فإن دخل بها الثاني صار أولى لقول عمر إذا أنكح الوليان فالأول أحق ما لم يدخل بها الثاني ولأن الثاني اتصل بعقده القبض فكان أحق ولنا ما روى سمرة وعقبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أيما امرأة زوجها وليان فهي للأول منهما أخرج حديث سمرة أبو داود والترمذي وأخرجه النسائي عنه وعن عقبة وروي نحو ذلك عن علي وشريح ولأن الثاني تزوج امرأة في عصمة زوج فكان باطلا كما لو علم أن لها زوجا ولأنه نكاح باطل لو عري عن الدخول فكان باطلا وإن دخل كنكاح المعتدة والمرتد وكما لو علم فأما حديث عمر رضي الله عنه فلم يصححه أصحاب الحديث وقد خالفه قول علي رضي الله عنه وجاء على خلاف حديث النبي صلى الله عليه وسلم وما ذكروه من القبض لا معنى له فإن النكاح يصح بغير قبض على أنه لا أصل له فيقاس عليه ثم يبطل بسائر الأنكحة الفاسدة فصل إذا استوى الأولياء في الدرجة كالإخوة وبنيهم والأعمام وبنيهم فالأولى تقديم أكبرهم وأفضلهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما تقدم إليه محيصة وحويصة وعبد الرحمن بن سهل فتكلم عبد الرحمن بن سهل وكان أصغرهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم كبر كبر أي قدم الأكبر فتكلم حويصة وإن تشاحوا ولم يقدموا الأكبر أقرع بينهم لأن حقهم استوى في القرابة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد السفر أقرع بين نسائه لتساوي حقوقهن كذا ها هنا فإن بدر واحد منهم فزوج كفؤا بإذن المرأة صح وإن كان هو الأصغر المفضول الذي وقعت القرعة لغيره لأنه تزويج صدر من ولي كامل الولاية بإذن موليته فصح كما لو انفرد وإنما القرعة لإزالة المشاحة مسألة قال ( فإن دخل بها الثاني وهو لا يعلم أنها ذات زوج فرق بينهما وكان لها عليه مهر مثلها ولم يصبها زوجها حتى تحيض ثلاث حيض بعد آخر وقت وطئها الثاني ) أما إذاعلم الحال قبل وطء الثاني لها فإنها تدفع إلى الأول ولا شيء على الثاني لأن عقده عقد فاسد لا يوجب شيئا وإن وطئها الثاني وهو لا يعلم فهو وطء شبهة يجب لها به المهر وترد إلى الأول ولا يحل له وطؤها حتى تنقضي عدتها بثلاث حيض إن كانت من ذوات الأقراء ولم تحمل نص عليه أحمد وهو قول قتادة والشافعي وابن المنذر وقال أحمد رحمه الله لها صداق بالمسيس وصداق من هذا ولا يرد الصداق الذي يؤخذ من الداخل بها على الذي دفعت إليه وذلك لأن الصداق في مقابلة الاستمتاع بها فكان لها دون زوجها كما لو وطئت بشبهة أو مكرهة ولا يحتاج هذا النكاح الثاني إلى فسخ لأنه باطل ولا يجب لها المهر إلا بالوطء دون مجرد الدخول والوطء دون الفرج لأنه نكاح باطل لا حكم له ويجب مهر المثل لأنه يجب بالإصابة لا بالتسمية وذكر أبو بكر أن الواجب المسمى قال القاضي هو قياس المذهب والأول أصح لما قلناه والله أعلم مسألة قال ( فإن جهل الأول منهما فسخ النكاحان )
وجملة ذلك أنه إذا جهل الأول منهما فلا فرق بين أن لا يعلم كيفية وقوعهما أو يعلم أن أحدهما قبل الآخر لا بعينه أو يعلم بعينه ثم يشك فالحكم في جميعها واحد وهو أن يفسخ الحاكم النكاحين جميعا نص عليه أحمد في رواية الجماعة ثم تتزوج من شاءت منهما أو من غيرهما وهذا قول أبي حنيفة ومالك وعن أحمد رواية أخرى أنه يقرع بينهما فمن تقع له القرعة أمر صاحبه بالطلاق ثم يجدد القارع نكاحه فإن كانت زوجته لم يضره تجديد النكاح شيئا وإن كانت زوجة الآخر بانت منه بطلاقه وصارت زوجة هذا بعقده الثاني لأن القرعة تدخل التمييز بالحقوق عند التساوي كالسفر بإحدى نسائه والبداءة بالمبيت عند إحداهن وتعيين الأنصباء في القسمة وقال الثوري وأبو ثور يجبرهما السلطان على أن يطلق كل واحد منهما طلقة فإن أبيا فرق بينهما وهذا قريب من قولنا الأول لأنه تعذر إمضاء العقد الصحيح فوجب إزالة الضرر بالتفريق وقال الشافعي وابن المنذر النكاح مفسوخ لأنه تعذر إمضاؤه وهذا لا يصح فإن العقد الصحيح لا يبطل بمجرد إشكاله كما لو اختلف المتبايعان في قدر الثمن فإن العقد لا يزول إلا بفسخه كذا ها هنا وقد روي عن شريح وعمر بن عبد العزيز وحماد بن أبي سلمان أنها تخير فأيهما اختارته فهو زوجها وهذا غير صحيح فإن أحدهما ليس بزوج لها فلم تخير بينهما كما لو لم يعقد إلا أحدهما كما لو أشكل على الرجل امرأته في النساء أو على المرأة زوجها إلا أن يريدوا بقولهم إنها إذا اختارت أحدهما فرق بينهما وبين الآخر ثم عقد المختار نكاحها فهذا حسن فإنه يستغنى بالتفريق بينها وبين أحدهما عن التفريق بينها وبينهما جميعا وبفسخ أحد النكاحين عن فسخهما فإن أبت أن تختار لم تجبر وكذلك ينبغي أنه إذا أقرع بينهما فوقعت القرعة لأحدهما لم تجبر على نكاحه لأنه لا يعلم أنه زوجها فيتعين إذا فسخ النكاحين ولها أن تتزوج من شاءت منهما أو من غيرهما في الحال إن كان قبل الدخول وإن كان أحدهما دخل بها لم تنكح حتى تنقضي عدتها من وطئه فصل فإن ادعى كل واحد منهما أنني السابق بالعقد ولا بينة لهما لم يقبل قوليهما وإن أقرت المرأة لأحدهما لم يقبل إقرارها نص عليه أحمد وقال أصحاب الشافعي يقبل كما لو أقرت ابتداء ولنا إن الخصم في ذلك هو الزوج الأخير فلم يقبل إقرارها في إبطال حقه كما لو أقرت عليه بطلاق وإن ادعى الزوجان على المرأة أنها تعلم السابق منهما فأنكرت لم تستحلف لذلك وقال أصحاب الشافعي تستحلف بناء منهم على أن إقرارها مقبول فإن فرق بينهما وبين أحدهما لاختيارها لصاحبه أو لوقوع القرعة له وأقرت له أن عقده سابق فينبغي أن يقبل إقرارها لأنهما اتفقا على ذلك من غير خصم منازع فأشبه ما لو لم يكن صاحب عقد آخر
فصل وإن علم أن العقدين وقعا معا لم يسبق أحدهما الآخر فهما باطلان لا حاجة إلى فسخهما لأنهما باطلان من أصلهما ولا مهر لها على واحد منهما ولا ميراث لها منهما ولا يرثها واحد منهما كذلك وإن لم يعلم ذلك فسخ نكاحهما فروي عن أحمد أنه يجب لها نصف المهر ويقترعان عليه لأن عقد أحدهما صحيح وقد انفسخ نكاحه قبل الدخول فوجب عليه نصف مهرها كما لو خالعها وقال أبو بكر لا مهر لها لأنهما مجبران على الطلاق فلم يلزمهما مهر كما لو فسخ الحاكم نكاح رجل لعسره أو عنته وإن ماتت قبل الفسخ والطلاق فلأحدهما نصف ميراثها فيوقف الأمر حتى يصطلحا عليه ويحتمل أن يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف أنه المستحق وورث وإن مات الزوجان فلها ربع ميراث أحدهما فإن كانت قد أقرت أن أحدهما سابق بالعقد فلا ميراث لها من الآخر وهي تدعي ربع ميراث من أقرت له فإن كان قد ادعى ذلك أيضا دفع إليها ربع ميراثه وإن لم يكن ادعى ذلك وأنكر الورثة فالقول قولهم مع إيمانهم فإن نكلوا قضي عليهم وإن لم تكن المرأة أقرت بسبق أحدهما احتمل أن يحلف ورثة كل واحد منهما ويبرأ واحتمل أن يقرع بينهما فمن خرجت قرعته فلها ربع ميراثه وقد روى حنبل عن أحمد في رجل له ثلاث بنات زوج إحداهن من رجل ثم مات الأب ولم يعلم أيتهن زوج يقرع بينهن فأيتهن أصابتها القرعة فهي زوجته وإن مات الزوج فهي التي ترثه والله أعلم فصل وإن ادعى كل واحد منهما أنه السابق فأقرت لأحدهما ثم فرق بينهما وقلنا بوجوب المهر وجب على المقر له دون صاحبه لإقراره لها به وإقرارها ببراءة صاحبه وإن ماتا ورثت المقر له دون صاحبه كذلك وإن ماتت هي قبلهما احتمل أن يرثها المقر له كما ترثه واحتمل أن لا يقبل إقرارهما له كما لم تقبله في نفسها وإن لم تقر لأحدهما إلا بعد موته فهو كما لو أقرت في حياته وليس لورثة كل واحد منهما الإنكار لاستحقاقها لأن موروثه قد أقر لها بدعواه صحة نكاحها وسبقه بالعقد عليها وإن لم يقر لواحد منهما أقرع بينهما وكان لها ميراث من تقع عليه القرعة وإن كان أحدهما قد أصابها فإن كان هو المقر له أو كانت لم تقر لواحد منهما فلهما المسمى لأنه مقر لها به وهي لا تدعي سواه وإن كانت مقرة للآخر فهي تدعي مهر المثل وهو يقر لها بالمسمى أو اصطلحا فلا كلام وإن كان مهر المثل أكثر حلف على الزائد وسقط فإن كان المسمى أكثر فهو مقر لها بالزيادة وهي تنكرها فلا تستحقها والله أعلم فصل وإن ادعى زوجية امرأة ابتداء فأقرت له بذلك ثبت النكاح وتوارثا وقال أبو الخطاب في ذلك روايتان والصحيح أنه مقبول لأنها رشيدة أقرت بعقد يلزمها حكمه فقبل إقرارها كما لو أقرت أن وليها باع أمتها قبل بلوغها فأنكر أبوها تزويجها لم يقبل إنكاره لأن الحق على غيره وقد أقر به وكذلك لو ادعى أنه تزوج امرأة بولي وشاهدين عينهما فأقرت المرأة بذلك وأنكر الشاهدان لم يلتفت إلى إنكارهما لأن الشهادة إنما يحتاج إليها مع الإنكار ويحتمل أن لا يقبل إقرارها مع إنكار أبيها لأن تزويجها إليه دونها فإن ادعى نكاحها فلم تصدقه حتى ماتت لم يرثها وإن مات قبلها فاعترفت بما قال ورثته لكمال الإقرار منهما بتصديقها وكذلك لو أقرت المرأة دونه فمات قبل أن يصدقها لم ترثه وإن ماتت فصدقها ورثها لما ذكرنا مسألة قال ( وإذا تزوج العبد بغير إذن سيده فنكاحه باطل ) أجمع أهل العلم على أنه ليس للعبد أن ينكح بغير إذن سيده فإن نكح لم ينعقد نكاحه في قولهم جميعا وقال ابن المنذر أجمعوا على أن نكاحه باطل والصواب ما قلنا إن شاء الله فإنهم اختلفوا في صحته فعن أحمد في ذلك روايتان
أظهرهما أنه باطل وهو قول عثمان وابن عمر وبه قال شريح وهو مذهب الشافعي وعن أحمد أنه موقوف على إجازة السيد فإن أجازه جاز وإن رده بطل وهو قول أصحاب الرأي لأنه عقد يقف على الفسخ فوقف على الإجازة كالوصية ولنا ما روي جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر رواه الأثرم وابن ماجة وروى الخلال بإسناده عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو زان قال حنبل ذكرت هذا الحديث لأبي عبدالله قال هذا حديث منكر ورواه أيضا عن ابن عمر موقوفا عليه من قوله ولأنه نكاح فقد شرطه فلم يصح كما لو تزوجها بغير شهود مسألة قال ( فإن دخل بها فعلى سيده خمسا المهر كما قال عثمان رضي الله عنه إلا أن يجاوز الخمسان قيمته فلا يلزم سيده أكثر من قيمته أو يسلمه ) في هذه المسألة خمسة فصول الفصل الأول في وجوب المهر وله حالان أحدهما أن لا يدخل بها فلا مهر لها لأنه عقد باطل فلا نوجب بمجرده شيئا كالبيع الباطل وهكذا سائر الأنكحة الفاسدة لا نوجب بمجردها شيئا الحال الثاني أن يصيبها فالصحيح من المذهب أن المهر يجب رواه عنه جماعة وروى عنه حنبل أنه لا مهر لها إذا تزوج العبد بغير إذن سيده وهذا يمكن حمله على ما قبل الدخول فيكون موافقا لرواية الجماعة ويمكن حمله على عمومه في عدم الصداق وهو قول ابن عمر رواه الأثرم عن نافع قال كان إذا تزوج مملوك لابن عمر بغير إذنه جلده الحد وقال للمرأة إنك أبحت فرجك وأبطل صداقها ووجهه أنه وطىء امرأة مطاوعة في غير نكاح صحيح فلم يجب به مهر كالمطاوعة على الزنا قال القاضي هذا إذا كانا عالمين بالتحريم فأما إن جهلت المرأة ذلك فلها المهر لأنه لا ينقص عن وطء الشبهة ويمكن حمل هذه الرواية على أنه لا مهر لها في الحال بل يجب في ذمة العبد تنتفع به بعد العتق وهو قول الشافعي الجديد لأن هذا حق لزمه برضي من له الحق فكان محله الذمة كالدين والصحيح أن المهر واجب لقوله عليه السلام أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها وهذا قد استحل فرجها فيكون مهرها عليه ولأنه استوفى منافع البضع باسم النكاح فكان المهر واجبا كسائر الأنكحة الفاسدة الفصل الثاني أن المهر يتعلق برقبته يباع فيه إلا بفدية السيد وقد ذكرنا احتمالا آخر أنه يتعلق بذمة العبد والأول أظهر إلا أن الوطء أجري مجرى الجناية الموجبة للضمان بغير إذن المولى ولذلك وجب المهر ها هنا وفي سائر الأنكحة الفاسدة ولو لم تجر مجراها ما وجب شيء لأنه برضى المستحق والله أعلم الفصل الثالث أن الواجب من المهر خمساه وهو قول عثمان بن عفان رضي اللهعنه وعمل به أبو موسى وعن أحمد أنها إن علمت أنه عبد فلها خمسا المهر وإذا لم تعلم فلها المهر في رقبة العبد وعنه أن الواجب مهر المثل وهو قول أكثر الفقهاء لأنه وطء يوجب المهر فأوجب مهر المثل بكماله كالوطء في النكاح بلا ولي وفي سائر الأنكحة الفاسدة ووجه الأولى ما روى الإمام أحمد بإسناده عن حلاس أن غلاما لأبي موسى تزوج بمولاة تيجان التيمي بغير إذن أبي موسى فكتب في ذلك إلى عثمان فكتب إليه عثمان أن فرق بينهما وخذ لها الخمسين من صداقها وكان صداقها خمسة أبعرة ولأن المهر أحد موجبي الوطء فجاز أن ينقص العبد فيه عن الحر كالحد فيه أو أحد العوضين في النكاح فينقص العبد كعدد المنكوحات
الفصل الرابع أنه يجب خمسا المسمى لأنه صار فيه إلى قصة عثمان رضي الله عنه وظاهرها أنه أوجب خمسي المسمى ولهذا قال وكان صداقها خمسة أبعرة ولأنه لو اعتبر مهر المثل أوجب جميعه كسائر قيم المتلفات ولأوجب القيمة وهي الأثمان دون الأبعرة ويحتمل أنه يجب خمسا مهر المثل لأنه عوض عن جناية فكان المرجع فيه إلى قيمة المحل كسائر أروش الجنايات وقيمة المحل مهر المثل الفصل الخامس أن الواجب إن كان زائدا على قيمة العبد لم تلزم السيد الزيادة لأن الواجب عليه ما يقابل قيمة العبد بدليل أنه لو سلم العبد لم يلزمه شيء فإذا أعطى القيمة فقد أعطى ما يقابل الرقبة فلم تلزمه زيادة عليه وإن كان الواجب أقل من قيمة العبد لم يلزمه أكثر من ذلك لأنه أرش الجناية فلا يجب عليه أكثر منها والخيرة في تسليم العبد وفدائه إلى السيد وهذا قد ذكرناه في غير هذا الموضع بأبين من هذا فصل إذا أذن السيد لعبده في تزويجه بمعينة أو من بلد معين أو من جنس معين فنكح غير ذلك فنكاحه فاسد والحكم فيه كما ذكرنا وإن أذن له في تزويج صحيح فنكح نكاحا فاسدا فكذلك لأنه غير مأذون له فيه وإن أذن له في النكاح وأطلق فنكح نكاحا فاسدا احتمل أن يكون كذلك لأن الإذن في النكاح لا يتناول الفاسد واحتمل أن يتناوله إذنه لأن اللفظ بإطلاقه يتناوله وإن أذن له في نكاح فاسد وحصلت الإصابة فيه فعلى سيده جميع المهر لأنه بإذنه والله أعلم مسألة قال ( وإذا تزوج الأمة على أنها حرة فأصابها وولدت منه فالولد حر وعليه أن يفديهم والمهر المسمى ويرجع به على من غره ويفرق بينهما إن لم يكن ممن يجوز له أن ينكح الإماء وإن كان ممن يجوز له أن ينكح فرضي بالمقام فما ولدت بعد الرضى فهو رقيق ) في هذه المسألة ستة فصول الفصل الأول أن النكاح لا يفسد بالغرور وهو قول أبي حنيفة وقال الشافعي في أحد قوليه يفسد لأنه عقد على حرة ولم يوجد فأشبه ما لو قال بعتك هذا الفرس فإذا هو حمار ولنا إن المعقود عليه في النكاح الشخص دون الصفات فلا يؤثر عدمها في صحته كما لو قال زوجتك هذه البيضاء فإذا هي سوداء أو هذه الحسناء فإذا هي شوهاء وكذا يقول في الأصل الذي ذكره إن العقد الذي ذكروه صحيح لأن المعقود عليه العين المشار إليها وإن سلمناه فالفرق بينهما من وجهين أحدهما أن ثم فاتت الذات فإن ذات الفرس غير ذات الحمار وها هنا اختلفا في الصفات والثاني أن البيع يؤثر فيه فوات الصفات بدليل أنه يرد بفوات أي شيء كان فيه نفع منها والنكاح بخلافه الفصل الثاني أن أولاده أحرار منها بغير خلاف نعلمه لأنه اعتقد حريتها فكان أولاده أحرارا لاعتقاده ما يقتضي حريتهم كما لو اشترى أمة يعتقدها ملكا لبائعها فبانت مغصوبة بعد أن أولدها الفصل الثالث أن على الزوج فداء أولاده كذلك قضى عمر رضي الله عنه وعلي وابن عباس رضي الله عنهما وهو قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وعن أحمد رواية أخرى ليس عليه فداؤهم لأن الولد ينعقد حر الأصل فلم يضمنه لسيد الأمة لأنه لم يملكه وعنه أنه يقال له افد أولادك وإلا فهم يتبعون أمهم فظاهر هذا أنه خيره بين فدائهم وبين تركهم رقيقا لأنهم رقيق بحكم الأصل فلم يلزمه فداؤهم كما لو وطئها وهو يعلم رقها وقال الخلال اتفق عن أبي عبدالله أنه يفدي ولده وقال إسحاق عنه في موضع إن الولد له وليس عليه أن يفديهم وأحسبه قولا أول لأبي عبدالله والصحيح أن عليه فداءهم لقضاء الصحابة به ولأنه نماء الأمة المملوكة فسبيله أن يكون مملوكا لمالكها وقد فوت رقة باعتقاد الحرية فلزمه ضمانهم كما لو فوت رقهم بفعله وفي فدائهم ثلاث مسائل المسألة الأولى