Qur'an&Sunnah

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

Sección V01/P393

بيان آخر في معنى الخوف والخوف أيضا من أسماء المعاني ، فوجوده بانتفاء ضده فإذا عدم من القلب الأمن من كل وجه من أحوال الدنيا وأمور الآخرة ؛ فلم يأمن مكر الله تعالى في كل الأحوال ، في تصريف أحكام الدنيا وتقليب حركات القلوب والنفوس ، وجواذب الشهوات ، وإثارة طبائع العادات ، ولم يسكن إلى عرف ولا اعتياد ، ولم يقطع بسلامته وبراءته في شيء كان هذا خوفا ، وسمى العبد بفقد الأمن من جميع ذلك خائفا ، فهذا مستعمل فاش في كلام العرب ، ومذهبهم ، يقول أحدهم : أخاف من كذا إذا لم يأمنه ، أو أخاف أن يكون كذا إذا تحقق علمه . وقيل لبعض العلماء : ما بال العارف يخاف في كل حال ؟ فقال : لعلمه أن الله تعالى قد يأخذ في جميع الأحوال . ثم إن للخائفين بعد هذا طرقا ووجهة من قبل الخوف المقلق والإشفاق المزعج ، والوجل المحرق ، وهي مجاوزات للطرق السابلة التي هي محاج للأئمة المختارة الفاضلة ، وفيها متاوه ومهالك ، نقلت عنها العلماء السادة ، والصفوة المختارة ، إلا أنه قد سلك ببعض الزهاد والعباد فيها وأريد بعض العارفين بها ليست بمفضلة كل ذلك عن العلماء ، ولا بمتنافس فيها مغبوط عليها عند العارفين ، لأنها قد تخرج من طرقات المسالك إلى مفاوز المهالك ، وإنما أريد ببعضهم التعريف لها والاطلاع عليها ، ومنهم من أريد منه التيه والوله فيها إلا أنها أشهر في أسماع العامة وأعجب وأهول عند العموم . ذكر تفصيل هذه المخاوف

Sección V01/P393–V01/P395

اعلم أن للخوف سبع مفائض تفيض إليها من القلب ، فإلى أي مفيض فاض من القلب إليه أتلف صاحبه به إلا ما يستثنيه . قد يفيض الخوف من القلب إلى المرارة وهي أرق صفات الأدمة ، وهي باطن البشرة فيحرقها فيقتل العبد ، وهؤلاء هم الذين يموتون من الغشى والصعق وبداوة الوجه ، وهم ضعفاء العمال . وقد يطير الخوف من القلب إلى الدماغ فيحرق العقل فيتيه العبد فيذهب الحال ويسقط المقام . وقد يحل الخوف السحر وهو الرئة فينقبها فيذهب الأكل والشرب حتى يسل الجسم وينشف الدم ، وهذا لأهل الجوع والطي والاصفرار . وقد يسكن الخوف الكبد ، فيورث الكمد اللازم ، والحزن الدائم ويحدث الفكر الطويل والسهر الذاهب ، وفي هذا المقام يذهب النوم ويدوخ السهر وهذا من أفضلها ، وفي هذا الخوف العلم والمشاهدة وهو من خوف العاملين ، وقد يقدح الخوف في الفرائص ؛ والفريصة هي اللحمة التي تكون على الكتف ، يقال للحمتي الكتفين : الفريصتان وجمعها الفرائص ، ومنه الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الفريصتان من اللحم وهو أرق لحم الحيوان وأعذبه ، فمن هذا الخوف يكون الاضطراب والارتعاش واختلاف الحركة ، وقد يبدو الخوف من القلب فيغشى العقل فيمحي سلطانه لقهر سلطان القدرة ومحو الشمس إذا برزت ضوء القمر للبادي الذي يبدو على السر من خزائن الملكوت فيضعف لحمله العقل فيضطرب لضعفه الجسم فلا يتمكن العبد من القرار لضعف صفته وذلك أن أجزاء الإنسان وإن كانت متفرقة في البنيان للحكمة والإتقان فهي كشيء واحد يجمعها لطيف القدرة بإظهار المشيئة ، فأسفل البنية منوط بأعلاها فإذا اضطراب أعلاها مال أسفلها وإذا وصل الداء أو الدواء إلى عضو منها تداعى له سائرها ، وهذه الطائفة أشبه بالفضل وأدخل في وصف العلم وقد سلك في هذا الطريق أكابر العماء وأفاضل أهل القلوب وقد كان هؤلاء في التابعين كثير منهم ؛ الربيع بن خيثم وأويس القرني ، وزرارة بن أوفى ، ونظراؤهم من الأخيار رضي الله عنهم ، ولم ينكر هذا علية الصحابة مثل عمر وابن مسعود رضي الله عنهم . وقد كان عمر رضي الله عنه يغشى عليه حتى يضطرب مثل البعير ويسقط من قيام ، وقد كان ذلك يلحق سعيد بن جذيم ، وكان من زهاد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن أمراء الأجناد بعثه عمر رضي الله عنه واليا على أهل الشام ، وكان يوصف له من زهده وشدة فاقته ما يعاتبه عمر في ذلك ويبعث إليه بالمائة دينار وبأربعمائة دينار ليستنفقها على أهله فيفرق ذلك على الغزاة في قصة طويلة ، فكتب إليه أهل الشام يذكرون شأنه ، وكان يغشى عليه في مجلسه فخشوا عليه من دخيلة في عقله ولم يعرف ذلك أهل الشام فسأله عمر لما لقيه الذي يصيبه إذا تحدث فأخبره بما يجد من مشاهدته وهو وجد الصوفية من أهل الأحوال ، فعرف عمر ذلك وعذره ، وما زاده ذلك عنده إلا خيرا فكان يرمه ويعرف له فضله ، وكتب إلى أهل الشام أن لا تعنفوا في أمره ودعوه وقد كان أقوى الأقوياء وهادي الهداة رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم يغشى عليه عند نزول الوحي إذا لبسه أزال ترتيب العقل منه ورفع مكان الكون عنه ويغط ويتربد وجهه وينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي ، إلا أن هذا كان يصيبه في ضرب من الوحي إذا تغشاه ونزل عليه روح القدس في روحه واستبطن قلبه لأن الوحي على أربعة أضرب ؛ ضربان متصلان هذا أحدهما ، وضربان منفصلان ، ومن كل واحد يلحق العلماء بالله تعالى أهل القلوب الناظرة والشهادة الحاضرة ، وشرح هذا يطول وليس يعرفه علم يقين إلا من سلك طريقه ولا يشهده شهادة تحقيق إلا من ذاق حقيقته ومن آمن به تصديق تسليم فله منه نصيب ، إلا أن هذا في أهل مقامات ثلاث من المقربين ؛ مقام المعرفة ؛ والمحبة والخوف ، وكل ضروب الوحي بعد هذه الأربعة وهي عشرة لأهل هذه المقامات الثلاث منه نصيب خواطر أو وجد أوشهادة أوحال أو مقام ؛ وهو وصف التمام إلا نوعين من أنواع الوحي فإنهما ممتنع ومخصوص بهما المرسلون ؛ أحدهما ظهور الملك في صورته وسمع كلام الله بصفته ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل عليه السلام في صورته بالأبطح فصعق .

Sección V01/P395–V01/P396

وروى حمزة عن حمران بن أعين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ آية في سورة الحاقة فصعق وقال الله تعالى : ( وخر موسى صعقا ) الأعراف : 143 وقد يفيض الخوف من القلب إلى النفس فيحرق الشهوات ويمحو العادات ويخمد الطبع ويطفئ شعل الهوى وهذا أحد المخاوف وأعلاها عند أهل المعارف ، وهؤلاء أفضل الخائفين وأرفعهم مقاما ؛ وهو خوف الأنبياء الصديقين وخصوص الشهداء ، وليس فوق هذا وصف يغبط عليه الخائف ولا يفرح به عارف ، فإن جاوز الخوف هذه الأوصاف فقد خرج من حده وجاوز قدره لأنه إذا أحرق الشهوات ومحا الأهواء فلم يترك شهوة ولا هوى ثم إن لم يعصم العبد من مجاوزة حد الخوف خرج به الخوف إلى أحد ثلاثة معان خيرها أن يسري إلى النفس فيحرقها فيتلف العبد فتكون له شهادة ، وليس هذا محمودا عند علماء الخائفين من أرباب العلوم والمشاهدات ، إلا أنه قد قال بعض العلماء ما شهداء بدر بأعظم أجرا ممن مات وجدا ؛ وهذه أوصاف ضعاف المريدين إذ للعلماء الموقنين بكل شهادة من اليقين أجر شهيد وأوسطها أن يعلو إلى الدماغ فيدنيه فتنحل عقدة العقل لذويه فتضطرب الطبائع لانحلال عقدة العقل ثم تختلط المزاجات لاضطرابها فتحترق الصفراء فتحول سوداء فيكون من ذلك الوسواس والهذيان والتوه والوله ، وذلك أن الدماغ جامد وهو مكان للعقل هو مركب عليه معقود به فإذا اختلطت المزاجات اشتعلت فتلهب شعلها إلى الدماغ فأحرقه وأذابه ، فحل محل العقل الذي مكانه مخ الدماغ وسلطانه صقال القلب الظاهر كصقال الرقعة ، وهو بمنزلة الشمس الطالعة ، محلها الفلك العلوي ، وشعاعها على الأرض ، كذلك العقل محله المخ ، وسلطانه في القلب ، وفي هذا المقام الطيش والهيمان ، وهذا مكروه عند العلماء ؛ وقد أصاب ذلك بعض المحبين في مقام المحبة فانطبق عليهم فولهوا بوجوده ، ومنهم من فزع ذلك عن قلوبهم فسرى عنهم فنطقوا بعلمه . وقد كان أبو محمد رحمه الل تعالى يقول لأهل التقلل الطاوين المتقشفين : احفظوا عقولكم ، فإنه لم يكن ولى الله ناقص العقل . والمعنى الثالث وهو شرها في مجاوزة الخوف ، هو أن يعظم ويقوى ، فيذهب الرجاء إذا لم يواجه بعلم الأخلاق من الجود والكرم والإحسان التي تعدل المقام ، فتروح كروب الحال فيخرجه ذلك إلى القنوط من رحمة الله ، والإياس من روح الله تعالى ، دخلت عليهم هذه المشاهدة من قبل العدل والإنصاف بمعيار العقل فجاوزت بهم علم وصفه بالكرم ، وخفى الألطاف ، فتعدت بهم الحدود من قبل قوة نظرهم إلى الاكتساب ؛ وتمكن تحكم شهادة الأسباب ، ورجوعهم إلى أنفسهم في الحول والاستطاعة ، وإثباتهم لتحقيق الوعيد عليهم خاصة لا محالة ، والحكم علي الحاكم الراحم بعقولهم وعلومهم ، من غير تفويض منهم إلى مشيئته ، ولا استلام لقدرته ، ولا تأميل لأحد معاني صفاته الحسنى التي تعم جميع صفاتهم السوأى ، فظهرت سيئاتهم الثواني أمامهم ، فحجبتهم عن المحسن الأول ، ولم يعلموا أنهم بإحسانه إليهم أساءوا ، وبسبق علمه فيهم تعدوا ، وإن قلمه لم يكن بأيديهم إذ جرى بما عليهم ، وإن قهر قدرته وسلطان جبره أظهر منهم من خزائنه ما فيهم ، يدلك على صحة ما ذكرناه أن أكثر هذه المخاوف كانت في البصريين ، وأهل عبادان والعسكريين ، فكان مذهبهم القدر ، والقول باللطف ، وتفويض المشيئة وتقديم الاستطاعة . منهم العمرية أصحاب عمرو ، والعبادية شيعة عباد ، والفوطية والعطوية أصحاب هشام الفوطى ، وابن عطاء الغزالي . ومنهم التيمية نفوا نصف القدر ، ومنهم المنازلية أصحاب المنزلة بين المنزلتين ، والقول بمقدور من قادرين ، وفعل من فاعلين ، فابتلوا بالاعتماد على الأسباب ، وبالنظر إلى أولية الاكتساب فحجبهم ذلك عن المقدر الوهاب ، فهرب هؤلاء من الأمن والاغترار ، فوقعوا في أعظم منهما من القنوط والإياس ، فصاروا في كبائر المعاصي من خوفهم منها .

Sección V01/P396–V01/P399

فمثلهم مثل الخوارج ، خرجوا على الأئمة بالسيف لإنكار المنكر ، فوقعوا في أنكر المنكر من تكفير الأئمة ، وإنكارهم السلطان ، وتكفيرهم الأمة بالصغائر ، وهذا من أبدع البدع ، وهؤلاء كلاب أهل النار . ومثلهم أيضا مثل المعتزلة ، هربوا من طريق المرجئة أن الموحدين لا يدخلون النار ، فحققوا الوعيد على الموحدين ، وخلدوا الفاسقين في النار ، فجاوزوا حد المرجئة وزادوا عليهم ، كما جاوزت المرجئة طريق أهل السنة وقصرت عنهم . وكان شيخنا أبو محمد رحمه الله تعالى يقول : أهل البدعه كلهم يرون الخروج على السلطان ، ويرون السيف على الأمة ، ويكفرون الأئمة ، فهذا أضر الوجوه في مجاورة الخوف عن قدره ، وهو من التعدي لحدود الله تعالى وأمره ( قد جعل الله لكل شيء قدرا - ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) الطلاق : 3 فصدق الرجاء واعتدال الخوف به من نحقيقة العلم بالله تعالى ، ومجاوزة الشيء كالتقصير عنه ، والمؤمن حقا هو المعتدل بين الخوف والرجاء ، فالخوف المتلف للنفس بالموت ، أو المزيل للعقل بالفوت خير من هذا الوصف الذي هو القنوط ، لأن هذا مزيل للعلم ؛ ومسقط للمقام ، موقع في الكبائر . على أن هذين المقامين من الخوف ، ليس فيهما علم ولا مشاهدة على الكشف ، وإنما هو قوة وجد تصطلم مرارته فتوجد إتلاف النفس ، ومحو العقل من عبد بمنزلة خوف الكروبيين خاصة من الأملاك أهل الكرب والتمكن ، لأنهم لا ينقلون في المقامات التي يعدلون بها كمقربي الروحانيين . وبلغني أن منهم جيلا يخرج كل يوم من تحت العرش بعدد البشر ، قد أقلقه الشوق وحقره الكرب ، يريد النظر إلى وجه العلى الأعلى فيحرقهم شعاع سبحات وجهه الكريم سبحانه وتعالى ، فيحترقون احتراق الفراش في المصباح ، ثم يعود مثلهم من الغد ، فهذا دأبهم إلى يوم القيامة ، كل ملك لو جمع السموات والأرضين في كفة غابت في قبضته . ولعمري إن سائر الملائكة لا ينقلون في المقامات كالمؤمنين ، بل لكل ملك مقام معلوم لا ينتقل منه إلى غيره ، إنما يمدون من ذلك المقام بمدد لا نهاية له إلى يوم القيامة بأكثر ما يزاد جميع البشر ، ولكن أولئك يحمل خوفهم قواهم ، ويثبت بمشاهدة وصف المخوف خوفهم وصفاتهم ، فلا يئودهم ولا يقتلهم ، لأنهم يمدون بالقوى ، ويعصمون من الموت ، بحفظ آجالهم إلى وقتها في الآخر ، على أن منهم من يطيش عقله ويتوله قلبه ومنهم من يصبح في تيهه ، ومنهم من يتيه فلا يرد وجهه شيء إلى يوم القيامة ، ومنهم من يفزع الفزعة فلا يرتد إليه طرفه ، ولا يرجع إليه عقله إلى يوم الحشر ، ومنهم من يصعق صعقة فلا يزال في صرخة واحدة إلى نفخ الصدور ، وكثير منهم يصعقون عند سماع الكلام من الملك الجبار ( حتى إذا فزع عن قلوبهم ) سبأ : 23 سألوا الروحانيين من المقربين ذوي الحجب القريبة والرتب العلية ، منهم جبريل وإسرافيل وميكائيل ( ماذا قال ربكم ) فهؤلاء الحاضرون من الناظرين والتمكنون من الشاهدين حجبة القدس أولو المحبة والأنس ، قالوا : الحق وهو العلي الكبير ، فمثل هؤلاء الخائفني مثل المخلصين من المؤمنين الذين قال الله : ( أولئك لهم رزق معلوم ) الصافات : 41 ومثل الأقوياء من العالمين أولي البصائر والتمكين مثل الصابرين الذين يؤتون أجرهم بغير حساب وهعلماء الموقنين ينقلون في مقامات اليقين بمقتضى أحكامها من مقام خوف إلى مقام رجاء مثله ، فإذا عملوا في هذه المقامات بما يقتضيهم رفعوا إلى ما فوقها من مقام رجاء إلى مقام رجاء ، هو خيرمنه ، ومن حال خوف إلى حال خوف أشرف منه ، ثم ينتقلون من مقامات الإشفاق إلى حال الإشتياق ومن أحوال الوجل والإحتراق إلى مقام التملق والطمأنينة ، ومن حال الفزع إلى مقام الأنس ومن الإبعاد والوحشة والتهويل إلى الرضا والمحبة والتأميل ، فهذا مكن فضلهم على من وقف في مقامه لم يجاوزه من العموم ، ومن استتر بحاله وقام في ظل فلم يعطعه إلى ظل ممدود فوقه ولم يرفع منه إلى محل رفيع أعلاه ومثل الخائفين من المؤمنين مثل الكروبيين من الملائكة ، ومثل الراجين من المحبين ؛ كمثل الروحانيين من المقربين ، وأصل الرجاء وتفضيله أن عند العلماء بالله تعالى من عظيم الرجاء ما يضاهي عظيم الخوف ، فيعدل البنية ويحكم بين المقامين بالسوية ، فلا يبدو على قلوبهم باد من الخوف عن مشاهدة وصف من الصفات المخوفة تكربهم إلا طلع طالع وراء من عظيم الرجاء أشهد خلقامن الأخلاق اللطيفة تروحهم ولا يطرأ على قلوبهم طارئ من الخوف ، يهربون منه إلا بدا عليهم باد من الرجاء يأنسون به إليه فتعتدل صفاتهم وتستوي مقاماتهم عن معاينة معنى من معاني صفاته لا ستواء كمال ذاته فتكون قلوبهم كلسان الميزان بين الخوف والرجاء ، وتكون كالطائر مقوما بين جناحيه عن شهود وصف وخلق اقتضاء ظهور البلاء والنعماء ، فيحمل الخوف الرجاء ، ويستولي يالرجاء على الخوف ويفيضان معا في سعة القلب وقوته ، فيغيبان فيه لأنه قوي بقوي ووسع بواسع وقادر بمقتدر ، وينفرد الهم عن المعنيين فيقف بمشاهدة منفرد فيحكم عليه ما به أفرد ، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : بك أحول وبك أقول وبك أصول ؛ ومن ذلك قوله في علو شهادته ونفاذ علمه من كونه بشاهده أعوذ بك منك ، ومثله قوله : ألا كل شيء ما خلا الله باطل فهذا نطق عن وجد في مقام البقاء بعد ، فقد حال الفناء هنالك سمع قول الباقي المغني : ( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ) الرحمن : 26 - 27 ومن ذلك الأثر المشهور عن الله سبحانه وتعالى : لم تسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن الشاكر اللين الوادع ، ولا يصلح تفصيل ما أجملناه ولاشرح ما رمزناه ، وقال بعض علماء السف : ما ألبس المؤمن لبسة أحسن من سكينة في خشوع وذلة في خضوع فهذا حالان من الخوف ، وهي لبسة الأنبياء وسيما علماء الأولياء .

Sección V01/P399–V01/P400

وقال لقمان لابنه : يا بني خف الله تعالى خوفا لا تيأس فيه من رحمته وارجه رجاء لاتأمن فيه مكره ، ثم فسره مجملا فقال المؤمن : كذي قلبين ؛ يخاف بأحدهما ويرجو بالآخر ، ومعنى لك أن المؤمن ذو وصفين عن مشاهدتين لأن المؤمن الأول والشاهد الأعلى ذو وصف مخوف مثل البطش والسطوة والعزة والنقمة . فإذا شهد العبد ما آمن به من هذه الصفات خاف إذا عرفه بها وتجلى له بشاهدها والمعروف أيضا هو المألوف ذو أخلاق مرجوة من الكرم والرفق والرحمة واللطف . فإذا شهد القلب ما آمن به من هذه الأخلاق رجا من شهده بها فصار العبد لوصفيه الرجاء والخوف عن معنى شهادتيه المخوفة والمرجوة عن وصفي مخوفه ومرجوة وصار كذي قلبين كأنه يرجو بقلب ويخاف بآخر ، وإنما هما شهادتان في قلب واحد لأنهما مقامان لقلب واحد عن شهود مخوف ومرجو واحد ؛ فهذا تفسير قول لقمان ، وهو صفة المؤمن ذي الإيقان ، إلا أن الخائف يوصف بما غلب عليه من الحال عما قوي عليه من مشاهدة ويندرج الرجاء في مقامه ، ويوصف الراجي بما قوي عليه من الحال عن غلبة شهادته وينطوي الخوف في مقامه ولا كنه للمخوف تعالى وعلا ولا نهاية للمرجو عز وجل سبحانه وتعالى ، فأما الشهيد الموقن العالم المقرب فبالحالين جميعا يوصف مع اعتدالهما وبالوصفين جميعا يعرف مع استوائهما ، ثم يغلب عليه الوصف التام والحال الكامل . فإذا عرف به أدرج الوصفان فيه فيقال : صديق لأنه قد تحقق بالصدق فأغنى عن أن يقال مخلص ، ثم يقال عارف لأنه قد رسخ في العلم فكفى أن يقال صادق ثم يقال مقر ب لأنه قد أشهد القرب فاقترب ولم يحتج إلى أن يقال عامل ؛ وهذه أسماء الكمال وأحوال التمام لا يفتقر إلى ذكر حال دونها ولايوصف بوصف كوصف خائف أو راج لوجودهما فيه واعتدالهما عنده لأن الخوف والرجاء قد فاضا عليه ثم غاضا فيه فإذا قلت عارف أو مقرب أو صديق ، فقد دخل فيه وصف حب خائف راج عامل لا محالة كما إذا قلت فلان هاشمي استغنيت أن تقول قرشي أو عربي لأن كل هاشمي يكون عربيا قرشيا لا محالة ثم تصفه بوصف التمام أيا فيندرج الوصفات فيه فتقول : فلان حسني أو حسيني فاكتفيت أن تقول هاشمي أو قرشى أوعلوي ، وإن كان هاشميا قرشيا علويا لأنه قد عرف أن كل حسيني فهو هاشمي قرشى علوي لامحالة ، فأما أن تقول : فلان عربي أو هاشمي أو قرشي أو علوي فلا يعرف إلا بما وسمته به لأنه قد يكون علويا وهو الغاية في النسب ولا يكون حسينيا وقد يكون هاشميا غير علوي ويكون قرشيا غير هاشمي ويكون عربيا غير قرشي فيلزمه وصف ما عرفته حسب ، فكذلك قولك : عارف أو محب أومقرب أو صديق هي اسم التمام والكمال في المقامات الي تحتوي على جميع الأسباب كقولك : حسني هو اسم التمام وشرف الكمال الذي يفوق على كل الأنساب ولايصح مقام المعرفة إلا بعين اليقين وشاهد التوحيد بعد أن لا يبقى من النفس بقية في مقام اليقين ولا من الخلق رؤية في شاهد التوحيد فيكون روحانيا بعد فناء النفس باليقين ربانيها عند شهود الخالق سبق منه التوحيد لأن العارف لا يوسم بحال دون حال وقد استغرق الأحوال ولا يوسم بمقام دون مقام إذ قد جاوز المقامات ؛ فحقيقة معناه عارف بالمعروف الذي هو بكل نهاية وفضل موصوف وغموض غريبة عند غير أبناء جنسه أن ينكروه فإن تعرف إليهم أوعرفوه فليس بعارف .

Sección V01/P400–V01/P402

وقال بعضهم في وصف العارف : أن يعرف كل شيء ولا يتعرف إلى شيء وقيل : حقيقته أن يعرف ولا يعرف عن مقتضى وصف من أوصاف الربوبية لأنه روحاني رباني ، وثلاث مقامات لا يقاس عليها ولايتمثل بها ، فمن قاس عليها أخطأ ، ومن تمثل بها ادعى مقام النبوة ومقام المعرفة ومقام محبوب ، وقد ذكرنا وصفه في شرح مقام المحبة في كتاب المحبين ؛ فهذه طرائق الخائفين وجل صفات العارفين لأنهم متفاوتون في القرب والاقتراب متعالون في التقرب والتقريب مترافعون في التعرف والتعريف ، فالموقنون من الشهداء وهم المقربون من الصديقين بشهادتهم قائمون لهم من القرب الاقتراب ومن التقرب التقريب ومن التعريف التعرف ومن الإيلاف التأليف لأن مقامهم من القريب العالي الطريق الأقرب والجهة العليا هم السابقون لأهل مقامات اليمين أول القرب والتقرب وأوهل الحب التحبب ولهم التألف والتعريف وهؤلاء الأبرار ، ومن أفضل طرقات الخائفين ما سرى خوفه إلى النفس قاطعا شغل الهوى وأخمد نار الشهوات فسقطت له أثقال المجاهدة وخفت عنده مؤنه المكابدة ووجدت معه حلاوة الطاعة لفقد حلاوة المعصية واجتمع لهم بالحق عند زوال التشتت بالهوى والخلق وسكنت النفس بالطمأنينة لمعاينة القلب للشهادة وظهر نعيم الزهد والرضا لباطن الصدق والإخلاص ثم سكن الخوف في القلب بعد ذلك ولم يجاوزه فيتعدى الحد إلى بعض المفائض التي ذكرناها بل كان منه الحزن الدائم والهم اللازم والخشوع القائم وهذا هو وصف القلب المنكسر وحال العبد المنجبر الذي يوجد عنده الجبار فجبره بعد كسره فصلح له بعد أن عطل من غيره وصار مزيدا لعالم الخائف من الله تعالى كشوف اليقين وتنقيله لديه في شهادة المقربين فكان القريب لدي موجودا وصار الحبيب عنده مطلوبا لأنه من المنكسرة قلوبهم من أجله وبأنه صار عنده من أهله ، واعلم أن الذي قطع الخلق عن هذه حلاوة الهوي ولا يخرجها إلا أحد كأسين ؛ تجرع مرارة الخوف فيغلب حلاوة الهوى فيخرجه أو غلبة حلاوة المحبة فيستغرق حلاوة الهوى فيغمره ، فإن عدم أحد هذين فهو من المذبذبين بن ذلك . وروينا أن عليا رضي الله عنه قال لبعض الخائفين ، وقد تاه عقله فأخرجه الخوف إلى القنوط : ما أصارك إلى ما أرى ؟ فقال : ذنوبي العظيمة ، فقال : ويحك إن رحمة الله تعالى أعظم من ذنوبك فقال : إن ذنوبي أعظم من أن يكفرها شيء فقال : إن قنوطك من رحمة الله تعالى أعظم من ذنوبك والخوف جند من جنود الله تعالى قد يستخرج من قلوب المريدين والعابدين لا يستخرجه الرجاء فتستجيب له القلوب المرادة به بنهايات الزهد وحائق التوبة وشدة المراقبة ، وقد يفعل الله تعالى جميع ذلك بأهل الرجاء في المحبة ومقام الرجاء مستخرج منهم الكرم والحياء والخوف اسم جامع لمقامات الخائفين ثم يشتمل على خمس طبقات ، في كل طبقة ثلاث مقامات ، فالمقام الأول من الخوف هو التقوى ؛ وفي هذا المقام المتقون والصالحون والعاملون ، والمقام الثاني من الخوف هو الحذر ؛ وفي هذا المقام الزاهدون والورعون والخاشعون ، والمقام الثالث هو الخشية ؛ وفي هذا طبقات العالمين والعابدين والمحسنين ، والمقام الرابع هو الوجل ؛ وهذا للذاكرين والمخبتين والعارفين ، والمقام الخامس هو الإشفاق وهو للصديقين وهم الشهداء والمحبون وخصوص المقربين وخوف هؤلاء عن معرفة الصفات لأجل الموصوف لا عن مشاهدة الاكتساب لأجل العقوبات ، كما جاء في الخبر : أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام : يا داود خفني كما تخاف السبع الضاري ، فالسبع إنما يخاف لوصفه بالبطش والسطوة ولما ألبس وجهه من الهيبة والكبر لا لأجل ذنب كان من الإنسان إليه ، وكذلك لهؤلاء من الرجاء العظيم والنصيب الأوفر على معنى خوفهم ما لا يسع للعموم أن يذكر ، فطلبهم برجائهم وحسن ظنهم بما هو لهم لا يصفه إلا هم ولا يعرفه سواهم ، جمل ذلك أنصبة القرب ونعيم الأنس وروح اللقاء وسرور التملق وحلاوة الخدمة وفرح المناجاة وروح الخلوة وارتياح المحاورة فلهم منه تجلي معاني الصفات وظهور معاني محاسن الأوصاف فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ولأصحاب اليمين إظهار نعيم الأفعال ومواهب العطاء والأفضال ، وقد كان يحيى بن معاذ يقول من عبد الله تعالى بالخوف دون الرجاء غرق في بحار الأذكار ، ومن عبده بالرجاء دون الخوف تاه في مفاوز الاغترار ، ومن عبده بالخوف والرجاء معا استقام في محجة الأذكار ، وقال مكحول النسفي رحمه الله تعالى في معناه : إلا أنه جاوز فيه الحد فقال : من عبد الله تعالى لخوف فهو جروري ، ومن عبده بالرجاء فهو مرجئ ، ومن عبده بالمحبة فهو زنديق ، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد والله سبحانه وتعالى أعلم .

Sección V01/P402

شرح مقام الزهد ووصف أحوال الزاهدين وهو المقام السادس من مقامات اليقين

Sección V01/P402–V01/P403

قد سمى الله تعالى أهل الزهد علماء بقوله تعالى إذ وصف قارون فخرج على قومه في زينته إلى قوله تعالى : ( وقال الذين أوتفوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن ) القصص : 80 قيل : هم الزاهدون في الدنيا ، وقال عز وجل : ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ) القصص : 54 ، جاء في التفسير صبروا على الزهد في ( الدنيا وقال جل وعلا : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ) الرعد : 23 - 24 قيل على الفقر ، ويشهد للصبرعن الدنيا في هاتين الآيتين قوله عز وجل في وصف العلماء الزاهدين لما قال : ( وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن ) القصص : 80 ، قال عقيب ذلك في بقية ثنائه عليهم : ( ولا يلقاها إلا الصابرون ) القصص : 80 أي عن زينة الدنيا ، ثم قال في مدحهم بوصف آخر : ( يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ) القصص : 54 فقد حصل للزاهدأجران بصبره على الفقر وبوجود زهده ، وللفقير المعدم أجر واحد على الغني لوجود فقره وعدم زهده وعلى ذلك تأويل الخبرين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في أحدهما : يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا ، وقال في الخبر الآخر يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام لأن الفقير الزاهد يدخل الجنة قبل الغني المصلح بخمسمائة عام ، وهؤلاء خصوص الفقراء ، وإن الفقير غير الزاهد يدخل الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفا لأجل فقره فقط ؛ وهم عموم الفقراء ، فصار الأغنياء مفضولين في الحالين معا ، وإن جملة الفقراء يدخلون الجنة قبلهم لمكان غناهم في الدنيا ، وإن عموم الأغنياء من أهل الدنيا وأبنائها موقوفون للحساب ومطالبون بالإنفاق والاكتساب بالخبر الثالث : اطلعت في الجنة فإذا أكثر أهلها الفقراء واطلعت في النار فإذا أكثر أهلها الأغنياء وفي معناه الخبر الآخر فقلت : أين الأغنياء ؟ فقال : حبسهم الجد أي الحظ ، وقد سمى الله تعالى الفقراء الزاهدين محسنين ووضع عنهم السبيل فقال تعالى : ( ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ) التوبة : 91 ، ثم قال : ( ما على المحسنين من سبيل ) التوبة : 91 ثم نص عى ذكر من عليه الحجة والمطالبة فقال جل وعلا : ( إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ) التوبة : 93 يعني النساء . وعلى هذا المعنى جاء تأويل قوله تعالى : ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) الكهف : 7 قيل : أزهد في الدنيا فصار الإحسان مقام الزاهدين ؛ وهو وصف اليقين ، كذلك فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل ماالإحسان ؟

Sección V01/P403–V01/P404

فقال : أن تعبد الله كأنك تراه ، يعني على اليقين وهو المشاهدة ولعمري أن الزهد حال الموقن لأن مقتضى يقينه ، وقد يحتج متوهم بفضل الأغنياء على الفقراء عنده لقوله تعالى مخبرا عن الفقراء : ( تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون ) التوبة : 92 ، يعلم أن هذا عند أهل التدبر للقرآن مزيدا للفقراء لتمام حالهم لما كانوا محسنين كما قال سبحانه وتعالى : ( وسنزيد المحسنين ) البقرة : 58 فكان مزيدهم الحزن والإشفاق وخوف التقصير لمشاهدة عظم حق الربوبية عليهم حتى كأنهم مسيئون حتى بشرهم الله تعالى بأنهم محسنون لما قال عز وجل : ( ما على المحسنين من سبيل ) التوبة : 91 لأنه ضمهم إليهم في الوصف وعطفهم عليهم في المعنى ، وأيضا فلم يكن بكاؤهم على فوت الدنيا ولا على طلب الغنى ، والله تعالى يمدحهم بصبرهم عن الدنيا ويذم الدنيا إليهم بل حزنهم على طلب المزيد من الفقر ليجدوا الإنفاق فيخرجوه فيفتقروا منه فيزدادون فقرا ببذله إلى فقرهم فعلى كثرة الإنفاق وحقيقة الفقر من الدنيا كان حزنهم فهذا فضل ثان للفقراء لا على الجمع والادخار والموضع الأعلى الذي فضل الفقراء من هذه الآية عن أهل الاستنباط والتفكر وهو مشاركتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حاله ، ووصف الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بمثل حالهم في قوله تعالى : ( قلت لا أجد ما أحملكم عليه ) التوبة : 92 ثم نعتهم بمثله لأنهم هم الأمثل ، فالأمثل به فقال تعالى : ( ألا يجدوا ما ينفقون ) التوبة : 92 فمن كان برسول الله صلى الله عليه وسلم أمثل فهو أفضل ، كيف وقد روينا عن النبي : تحفة المؤمن في الدنيا الفقر فجعل الفقر تحية له من ذي التحيات المباركات مع الخبر المشهور : الفقر على المؤمن أزين من العذار على خد الفرس الجواد ، والفقر اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم وشعار الأنبياء وطريقة علية الصحابة والأصفياء . وروينا في الخبر : آخر الأنبياء دخولا الجنة سليمان بن داود لمكان ملكه وآخر أصحابي دخولا الجنة عبد الرحمن بن عوف لأجل غناه في الدنيا وفي الخبر الآخر رأيته يدخل الجنة زحفا ولا نعلم في الأمة أفضل من طائفتين ؛ المهاجرون وأهل الصفة وجميعا مدح الله تعالى بالفقر ، فقال ( للفقراء المهاجرين الذين أحصروا في سبيل الله ) البقرة : 372 ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ) الحشر : 8 فقدم وصفهم بالفقر على أعمالهم الهجرة والحصر ، والله تعالى لا يمدح من يحب إلا بما يحب ولا يصفه حتى يحبه . وروينا في قوله تعالى : ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ) الأنبياء : 73 لما صبروا قيل : عن الدنيا ، وفي خبر : العلماء أمناء الرسل مالم يدخلوا في الدنيا فإذا دخلوا في الدنيا فاحذروهم على دينكم ، وجاء في الأثر لا يزال لا إله إلا الله ترفع عن العباد سخط الله تعالى ما لم ينالوا ما نقص من دنياهم ، وفي خبر آخر ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم ، فإذا فعلوا ذلك وقالوا : لا إله إلا الله قال الله عز وجل : كذبتم لستم بها صادقين . وقد روينا في خبر عن أهل البيت : إذا أحب الله تعالى عبدا ابتلاه ، فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه ، قيل : وما اقتناؤه ؟

Sección V01/P404–V01/P406

قال لم يترك له أهلا ولا مالا ، وفي أخبار أهل الكتب : أوحى الله تعالى إلى بعض أوليائه : احذر إذا مقتك فتسقط من عيني فأصب عليك الدنيا صبا ويقال : ليس عمل من أعمال البر يجمع الطاعات كلها إلا الزهد في الدنيا ، وعن بعض الصحابة رضي الله عنهم : تابعنا الأعمال كلها فلم نر أبلغ في أمر الآخرة من زهد في الدنيا وقال بعض الصحابة لصدر التابعين : أنتم أكثر أعمالا واجتهادا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كانوا خيرا منكم ، قيل ولم ذلك ؟ قال كانوا أزهد منكم في الدنيا ، وفي وصية لقمان لابنه : واعلم أن أعون الأشياء على الدين زهادة في الدنيا ، ويقال : من زهدفي الدنيا أربعين يوما أجرى الله تعالى ينابيع الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه ، وفي خبر آخر : إذا رأيتم العبد قد أعطى صمتا وزهدا في الدنيا فاقتربوا منه فإنه يلقي الحكمة ، وقد قال الله تعالى : ( من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) البقرة : 269 وروينا في الآثار جمل هذه الأخبار : من أصبح وهمه الدنيا شتت الله تعالى عليه أمره وفرق عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ولم ينل من الدنيا إلا ما كتب له ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله همه وحفظ عليه ضيعته وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة ، وقال الله تعالى في معنى ذلك : ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ) الشورى : 20 وقد روينا في خبر قلنا : يا رسول الله أي الناس خير ؟ قال : مجموم القلب صدوق اللسان قلنا : يا رسول الله وما مجموم القلب ؟ قال التقي النقي الذي لا غل فيه ولا غش ولاحسد ولا بغي قيل : يا رسول الله فمن على أثره ؟ قال : الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة والشيء يعرف بضده كما يعرف بمثله وضد الشنئان المحبة وضد الزهد الرغبة ، وفي دليل خطابه : إن شر الناس الذي يحبه الدنيا وإن الراغب فيها هو المحب لها ، والإقتناء لها والاستكثار منها علامة الرغبة فيها ، كيف وقد جاء أيضا : إن أردت أن يحبك الله تعالى فازهد في الدنيا فجعل الزهد سبب محبة الله تعالى فصار الزاهد حبيب الله تعالى فينبغي أن يكون الزهد من أفضل الأحوال إذ المحبة أعلى المقامات ، وفي دليل الكلام : إن من رغب في الدنيا فقد تعرض لبغض الله تعالى الذي لاشيء أعظم منه وأن المحب للدنيا بغيض الله تعالى ، وكان أبو محمد رحمه الله تعالى يقول : اجعلوا أعمال البركلها في موازين الزهاد ويكون ثواب زهدهم زيادة لهم ، وقال أيضا : العباد في موازين العلماء والعلماء في موازين الزهاد يوم القيامة فلا يطمعن طامع في محبة الله تعالى وهو محب للدنيا لأن الله تعالى يمقتها ، وفي خبر : ما نظر إليها منذ خلقها ، يقول لها : اسكتي يا لاشيء أنت وأهلك إلى النار ، وفي الخبر : يقول الله تعالى : يوم القيمة للدنيا ميزوا ما كان منها لي وألقوا سائرها في النار ، وكذلك روينا في الأثر : الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما والاه ، وفي لفظ آخر : فمثل الدنيا مثل إبليس خلقه الله تعالى للعبد واللعنة ليبتليه ويبتلي به ، ويهلكه ويهلك به ، وقد شهد ذلك بعض المكاشفين فقال : رأيت الدنيا في صورة جيفة ورأيت إبليس في صورة كلب وهوجاثم عليها ، ومناد ينادي من فوق : أنت كلب من كلابي ، وهذه جيفة من خلقي وقد جعلتها نصيبك مني ، فمن نازعك شيئا منها فقد سلطتك عليه فجاء من هذا أنها مكانه فمن تمكن في شيء منها تسلط العدو بالمكانة منه بقدر ما أصاب منها وقد كوشف بها بعض الأولياء في صورة امرأة ورأى أكف الخلق ممدودة إليها هي تجعل في أيديهم شيئا ، قال : فقلت له ما هو قال قال شيء يلتذ وطائفة تمر عليها مكتوفي الأيد تعطيهم شيئا وكوشف بها مورق العجلي في صورة عجوز شمطاء دندانية مسمجة عليها ألوان المصبغات وأنواع الزينة قال : فقلت أعوذ بالله منك فقالت : إن أردت أن يعيذك الله تعالى مني فابغض الدرهم ، وكذلك جاء في الخبر : الدنيا موقوفة منذ خلقها الله تعالى بين السماء والأرض لا ينظر إليها فتقول يوم القيامة : يارب اجعلني لأدنى أوليائك نصيبا اليوم فيقول : اسكتي يا لا شيء أنا لم أرضك لهم في الدنيا أرضاك لهم اليوم وقال بعض السلف الدنيا دنيئة وأدنى منها قلب من يحبها .

Sección V01/P406–V01/P407

وروي عن علي كرم الله وجهه : الدنيا جيفة ، فمن أرادها فليصبر على مزاحمة الكلاب ، وفي أخبار موسى عليه السلام : إن لم تلق الفقير بمثل ما تلقى به الغني فاجعل كل علم علمتك تحت التراب وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل : مرحبا بشعار الصالحين وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل : ذنب عجلت عقوبته ، وقال إمامنا أبومحمد رحمه الله تعالى وروينا عن بعض علمائنا في أخبار داود عليه السلام : إني خلقت محمدا لأجلي وخلقت آدم لأجل محمد وخلقت ما خلقت لأجل ولد آدم ، فمن اشتغل منهم بما خلقته لأجله حجبته عني ومن اشتغل منهم بي سقت إليه ما خلقته لأجله ، وكان يقول : الصديقون في بداياتهم طلبوا الدنيا من الله تعالى فمنعهم فلما تمكنوا من أحوالهم عرضها عليهم فامتنعوا منها ، وكان عيسى عليه السلام يقول للدنيا : إليك عني ياخنزيرة ، وقد روينا هذا القول عن يزيد بن ميسرة ، وكان من علماء الشام قال : كان أشياخنا يسمون الدنيا خنزيرة ولو وجدوا لها اسما شرا من هذا سموها به قال : وكانت إذا أقبلت على أحدهم الدنيا قال لها : إليك عنا يا خنزيرة ، لا حاجة لنا بك إنا قد عرفنا إلهنا عز وجل معناه قد عرفناه بلا ابتلاء بك لينظر كيف نعمل في الزهد فيك والأثرة له سبحانه وتعالى ، وعرفناه أيضا بالمقت لك فوافقناه في ذلك وعرفناه أيضا فتألهت قلوبنا إليه أعرضنا عما سواه ، وكذلك كان الحسن رحمه الله تعالى يصف أشياخه كان أحدهم يعرض عليه المال الحلال فيقال : خذه فاستغن به فيقول لا حاجة لي فيه أخاف أن يفسد على قلبي فهذا كان له قلب صالح راعاه فخاف تغيره كذلك . روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه مر بجدي ميت أجرب فقال : أترون هذا هان على أهله قلنا : يا رسول الله من هو ؟ إنه ألقوه فقال للدنيا أهون على الله تعالى من هذا على أهله ، وفي لفظ آخر : أنه قال : أيكم يحب أن هذا له بدرهم قلنا : لا أينا وأي شيء يساوي هذا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : الدنيا أهون على الله تعالى من هذا عليكم ، وكذلك أخبر بالغاية في قلتها وعدم قيمتها بقوله : ولو كانت الدنيا تزن عند الله تعالى جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ، وضرب المثل في نتنها وانقلابها على أهلها بقوله للأعرابي : أرأيت ما تأكلون وتشربون ألستم تتغوطون وتبولون ؟ قال : بلى ، قال : فإلى أي شيء يصير ؟ قال : إلى ما علمت يا رسول الله قال أليس يقعد أحدكم خلف بيته فيجعل يده على أنفه من نتن ريحه ، قال : نعم قال : فإن الله تعالى جعل الدنيا مثلا لما يخرج من ابن آدم ، وكذلك روينا في تأويل قوله تعالى : ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) الذاريات : 21 قيل : مواضع الغائط والبول ، وقال سبحانه وتعالى : ( وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ) الرعد : 26 قال بعض أهل اللغة : متاع أي جيفة ، سمعت عن الأصمعي ، قال بعض العرب يقول متع اللحم إذا تغير وأنتن ، وقد كان الحسن رحمه الله تعالى يقول لما هبط آدم عليه السلام إلى الدنيا كان أول شيء عمل فيها أنه أحدث .

Sección V01/P407–V01/P408

وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إنه نظر إلىما خرج منه فآذاه ريحه فاغتم لذلك فقال له جبريل : هذه رائحة خطيئتك فشهد العقلاء عن الله تعالى الدنيا في صورة كنيف فلم يدخلوا فيها إلا ضرورة فكلما استغنيت عن دخولك الكنيف كان أفضل وشهدها بعضهم جيفة فلم ينالوا منها إلا بلغة فكلما تقللت من الجيفة كان خيرا ، وقال وهب بن منبه : قرأت في بعض الكتب : يا بابن آدم إن تردني أترك الدنيا وإن ترد الدنيا طال عناك ، وفي بعض كتب الله تعالى : يا ابن آدم أنا بدك اللازم فلا تؤثر على ما منه بد ، وقال بعض المخبرين عن الله سبحانه وتعالى : إنه أوحى إلى الدنيا : اخدمي من خدمني واتعبي من خدمك ، وقال آخر : وقد روينا مسندا أن الله تعالى أوحى إلى الدنيا : تمرري لأوليائي حتى تكون رغبتهم فيما عندي واحلولي لأعدائي حتى يكرهوا لقائي ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها : من أحب لقاء الله تعالى أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله تعالى كره الله لقاءه ؛ فهذه الآثار كلها ، قاصمة لظهر زبناء الدنيا ، مسخنة لعين محبيها ووأضدادها من الأخبار الحسنى في فضل الزهد وشرف الفقر ، رافعة لرؤوس الفقراء الصادقين ، وقرة عين الصالحين لله عز وجل الزاهدين ؛ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرهة أعين جزاء بما كانوا يعملون ، وأصل الرغبة في الدنيا من ضعف اليقين لأن العبد لو قوي يقينه نظر بنوره إلى الآجل فغاب في نظره العاجل فزهد فيما غاب وأحب الحاضر فآثر ما هو أعود عليه وأبقى وأنفع له ولمولاه ، أرضى وقدم ما يفنى وينقطع إلى ما يدوم ويتصل ؛ وهذا هو صورة الزهد وشهادة الموقن وإن الحاضرلا يحب ما غاب وانتقل : ألم تر إلى وصفه عز وجل لإبراهيم وليكون من الموقنين قال : لا أحب الآفلين ، والموقن مأمور باتباع ملة إبراهيم بقوله تعالى : ( ملة أبيكم إبراهيم ) الحج : 78 أي عليكم ملة أبيكم إبراهيم واتبعوا ملته وليس يشهد الوعد والوعيد الآجل بنور العقل إنما يشهد بنور اليقين على أنا نقول : إن الأنوار أربعة والقلب موجه جهات أربعة إلى الملك والملكوت وإلى العز والجبروت ؛ فبنور العقل يشهد الملك ، وبنورالإيمان يشهد الملكوت وهو الآخرة ، وبنور اليقين يشهد العزة وهي الصفات ، وبنور المعرفة يشهد الجبروت وهو الوحدانية ، والجبار تعالى فوق القلب محيط به يكاشفه بما شاء فيغلب عليه وجد ما أشهده ، وضعف اليقين قد يدخل في كل شيء ، وقوة اليقين تحتاج إليه في كل عمل وإلا فهو دنيا يهتدي إلىه بنور العقل ، فمن لم يعط نور اليقين لم ير الملك الكبير فاستهواه الملك الصغير فأحب لا شيء فلم تكن همته في العلو ولا عنده الأعلى شيئا .

Sección V01/P408

ذكر ماهية الزهد

Sección V01/P408–V01/P409

أي شيء هو ليس يمكن عبد أن يعرف الزهد حتى يعرف الدنيا أي شيء هي ، فقد قال الناس في الزهد أشياء كثيرة ونحن غير محتاجين إلى ذكر أقوالهم بما بين الله تعالى وأغنى بكتابه الذي جعل فيه الشفاء والغنى ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو الحبل المتين والصراط المستقيم من طلب الهدى في غيره أضله الله وقال سبحانه تعالى : ( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ) الشورى : 10 وقال عز وعلا : ( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ) البقرة : 213 فقد ذكر الله جل اسمه في كتابه : إن الدنيا سبعة أشياء وهو قوله تعالى : ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ) آل عمران : 14 ثم قال تعالى في آخرها : ( ذلك متاع الحياة الدنيا ) آل عمران : 14 ووصف حب الشهوات بالتزين ثم نسق الأوصاف السبعة على الحب لها ثم أشار لها ، بقوله تعالى ذلك فذا إشارة إلى الكاف والكاف كناية عن المذكورالمتقدم المنسوق واللام بين ذا والكاف للتمكين والتوكيد فحصل من تدبر الخطاب أن هذه السبعة جملة الدنيا وأن هذه الدنيا هذه الأوصاف السبعة ، وما تفرع من الشهوات رد إلى أصل من هذه الجمل ، فمن أحب جميعها فقد أحب جملة الدنيا نهاية الحب ومن أحب أصلا منها أو فرعا من أصل فقد أحب بعض الدنيا فعلمنا بنص الكلام أن الشهوة دنيا وفهمنا من دليله أن الحاجات ليست بدنيا لأنه تقع ضرورات فإذا لم تكن الحاجة دنيا دل أنه لا تسمى شهوة ، وإن كانت قد تشتهى لأن الشهوة دنيا ، ولتفرقة الأسماء لإيقاع الأحكام عليها ، واستند ذلك إلى خبر رويناه عن الله سبحانه وتعالى في الإسرائيليات : إن إبراهيم صلوات الله عليه أصابته حاجة فذهب إلى صديق يستقرض منه شيئا فلم يقرضه فرجع مغموما فأوحى الله تعالى إلىه : لو سألت خليلك لأعطاك فقال : يا رب عرفت مقتك للدنيا فخشيت أن أسألك منها فتمقتني فأوحى الله تعالى إلىه : ليس الحاجة من الدنيا ثم سمعناه تعالى وجل قد رد هذه السبعة الأوصاف في مكان آخر إلى خمسة معان فقال جل من قائل : ( اعملوا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر ) فهذه الخمسة هي وصف من أحب تلك السبعة ، ثم اختصر الخمسة في معنيين منها هما جامعان للسبعة فقال : إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ، ثم رد الإثنين إلى وصف واحد وعبر عنه بمعنيين فصارت الدنيا ترجع إلى شيئين جامعين مختصرين يصلح أن يكون كل واحد منهما هو الدنيا ، فالوصف الواحد الذي رد الاثنين إليه اللذان هما اللعب واللهو هو الهوى اندرجت السبعة فيه .

Sección V01/P409–V01/P410

فقال عز وجل : ( ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ) النازعات : 40 - 14 فصارت الدنيا طاعة النفس للهوى بدليل قوله تعالى : ( فأما من طغى ) ( وآثر الحياة الدنيا ) ( فإن الجحيم هي المأوى ) النازعات : 37 - 38 - 39 ، فلما كانت الجنة ضد الجحيم كان الهوى هو الدنيا لأن النهي عنه صد الإيثار له ، فمن نهى نفسه عن الهوى فإنه لم يؤثر الدنيا وإذا لم يؤثر الدنيا فهذا هو الزهد ، كانت له الجنة التي هي ضد الجحيم التي هي لم ينه نفسه عن الهوى بإيثاره الدنيا فصارت الدنيا هي طاعة الهوى وإيثاره في كل شيء فينبغي أن يكون الزهد مخالفة الهوى من كل شيء ، وأما المعنى الآخر الذي عبر به عن هذا الوصف الذي هو الهوى فجعله دنيا أيضا فهو حب البقاء لمتعة النفس ، استنبطنا ذلك من قوله تعالى : ( وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ) النساء : 77 ، فالقتال هو فراق الحياة الدنيا لأنه المشي بالسيف إلى السيف والفناء بين السيفين فقالوا : هلا أبقيتنا إلى وقت آخر وهو أجلنا بالموت لا بالقتل وهذا هو حب البقاء ففسر حب البقاء بأنه هو الدنيا ، فقال تعالى : ( قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ) النساء : 77 فانكشف الناس وافتضح المنافقون وابتلى المؤمنون عند فرض القتال وظهر المحبون الذي يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص وعندها ربح الذين هم لأنفسهم وأموالهم بائعون وخسر الذين هم للحياة الدنيا بالآخرة مشترون لما قال الله تعالى : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) التوبة : 111 فلما اشتراها باعوها وقال في المشترين الخاسرين : ( اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ) البقرة : 86 يعني رغبوا في البقاء الأدنى لما اشتروه ببيع البقاء الآخرة إذ باعوه ، فمن اشترى ثلاثين سنة وأربعين سنة بألف ألف وبأبد الأبد فما ربحت تجارته ولا هدى سبيله ؛ فهذه تجارة من رغب في حياة دنياه فاشتراها ببقاء الأبد فقد صار بائعا للحياة العالية بما استبدل به من اشتراء ضدها فهذا تدبر قوله تعالى : ( اشتروا الحياة الدنيا ) البقرة : 86 أي باعوا الحياة العليا وذلك الأول تجارة من باع حياة نفسه وفرق مجموع ماله فاشتراه الله تعالى منه وعوضه داره وأسكنه عنده جواره فقد ربحت تجارته واهتدى سبيله ؛ لما باع حياة عشرين سنة وثلاثين سنة بحياة أبدالأبد ؛ فهذا ربح تجار الآخرة الزاهدين في الدنيا وذلك خسر تجارالدنيا الراغبين في الهوى ، فشتان بين التجارتين ، فما أعظم حسرة الفوت على من خسر ما ربحه الزاهدون بعد الموت ، وقد كان الناس مستورين بإظهار الزهد في البقاء ومظنونا بهم حب الباقي الأعلى حتى نزلت : ( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ) النساء : 77 الآية ، وحتى نزل : ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون ) الصف : 2 ، كانوا قالوا : إنا نحب ربنا ولو علمنا في أي شيء محبته لفعلناه ، فلذلك قال تعالى : ( كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ) الصف : 3 - 4 ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه : ما كنت أحسب أن فينا أحدا يريد الدنيا حتى نزلت ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) آل عمران : 251 ، وكذلك قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم : حين نزلت ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ) النساء : 66 قال ابن مسعود قال لي رسول الله عليه السلام : قيل لي : أنت منهم ؛ أي من القليل الذي كان يفعل ذلك ، فإذا كان حب البقاء هو الدنيا فينبغي أن يكون حب بقاء الباقي هو الزهد فصار الزهد في الدنيا هو الزهد في البقاء ، فمن زهد في الحياة الفانية وفي ماله المجموع بالجهاد للنفس والإنفاق في سبيل الله فقد زهد في الدنيا ، ومن زهد في الدنيا أحبه الله تعالى كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ولذلك صار الجهاد أفضل الأعمال لأنه حقيقة الزهد في الدنيا ولأن الله تعالى يحب من زهد في الدنيا ثم كان مخالفة الهوى أفضل الجهاد لأنه هو حقيقة الرغبة في الدنيا ، وقد عبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزهد في الدنيا إذ قال في الحديث الأول : ازهد في الدنيا يحبك الله تعالى ، ثم قال في الخبر الثاني بمعناه : اجتنب المحارم يحبك الله تعالى ، واجتنابهم زهد في الدنيا ، فالزاهد في الدنيا حبيب ربه تعالى ، والراغب في حب البقاء لنفسه منافق في دين ربه تعالى ، ومنه الخبر الذي جاء : من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من نفاق ، وبه كشف الله تعالى الكاذبين ووصفهم بمرض القلوب .

Sección V01/P410–V01/P411

فقال سبحانه وتعالى : ( فرذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القيال رأيت الذين في قلوبهم مرض ) يعني نفاقا ( ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت ، فأولى لهم ) محمد : 20 تهدد ووعيد أي ولهم العذاب وقرب منهم ثم قال : ( طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر ) محمد : 21 وحقت الحقائق كذبوا ونكثوا ، فلو صدقوا الله أي في الوفاء لكان خيرا لهم ، وهذا من الكلام المضمر ، فلذلك أشكل والبقاء والحياة اسمان لمعنى ، ولذلك جعل الله تعالى الدنيا وصفا للحياة فتكون الدنيا هي الحياة ونعتها بالدنيا نعت مؤنث لدخول الهاء في الإسم الي هي إحدى علامات التأنيث ، فصارت الحياة هي الدنيا وصار قوله الدنيا نعتها بالدناءة ، ولو كان الإسم مذكرا مثل البقاء نعته بمذكر فقال : الأدنى ، وقد قال في مثله : ( يأخذون عرض هذا الأدنى ) الأعراف : 169 فالأدنى تذكير الدنيا ، والدنيا تأنيث أدنى كالأعين والأقنى والأشعث ؛ تذكير عيناء وقنواء وشعثاء ، والعرض اسم لما يعرض ويقل بقاؤه فمن أحب ذلك فقد أحب الدنيا بحبه الأدنى ، وهذا يرجع إلى حب حياة الأصل لأنه إنما يريد العرض الأدنى لأجل الحياة فصار حب البقاء الذي لأجله يريد عرض الأدنى هو الدنيا وصار حب العرض لأجل البقاء من الدنيا فجاء من هذا الذي ذكرناه أن حقيقة الدنيا حب البقاء لطاعة الهوى وموافقة الهوى في حب العرض لأجل البقاء ، فدخل أحد هذين في الآخر لأن حب البقاء لأجل المتعة ، هو من الهوى الذي هو صفة النفس الأمارة بالسوء وطاعة الهوى الذي هو عيش النفس إنما يكون لحب البقاء ، لأن العبد لو أيقن بالموت ساعته لآثر الحق على الهوى ولو أيس من البقاء لما رغب في العرض الأدنى ، فصار حب البقاء من الهوى وصار إيثار الهوى إنما هو لحب البقاء ، فكان ذلك حقيقة الدنيا ، وكان أقصر الناس أملا للبقاء أزهدهم في الدنيا حتى لا يدخر شيئا لغد لأنه عنده غير باق إلى غد وصار أرغب الناس في الدنيا أطولهم أملا لأن رغبته اشتدت فيها وحرصه كثر عليها الإمتداد أمله للحياة فيها إذ ولو قصر أمله لغد لاختار الفقر حينئذ واختيار الفقر هو الزهد .

Sección V01/P411–V01/P412

بيان آخر الزهد أي شيء هو ؟ قال الله سبحانه وتعالى : ( وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين ) يوسف : 20 فهذه تسمية لهم بالزهد لتحققهم بالمعنى نحتاج أن نكشفه ليكون من يتحقق بمعنى ذلك زاهدا قوله تعالى : وشروه باعوه ، العرب تقول : شريت بمعنى بعت لأنهم يقولون : ابتعت بمعنى اشتريت ، فلما باعوه وخرج من أيديهم صاروا زاهدين ، كذلك العبد إذا باع نفسه وماله من الله تعالى وخرج من هواه إلى سبيل مولاه فهو من الزاهدين ، وكذلك قال المولى عز وعلا : ( إن الله اشترى من المؤمنن أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) التوبة : 111 كما قال عز من قائل : ( ونهى النفس عن الهوى ) ( فإن الجنة هي المأوى ) النازعات : 40 - 41 فإذا كان العوض واحدا وهو الجنة ذكر في المعنيين كان بيع النفس والمال وإخراجهما لله تعالى بمعنى النهي عن الهوى فيهما الذي هوالحياة الدنيا وهو اقتناؤه النفس وحبس النفس عليه أعني المال ، فاستبدال ذلك بضده من إخراج الهوى من النفس وإدخال الفقر على المال هو الزهد في الدنيا ، وليس ذلك من أمر النفس الأمارة بالسوء لأن هذا نهاية الخير فصار نهيا لها من الهوى الذي هو اقتناء المال للجمع والمنع ، وهذا هو الدنيا بوصف النفس الأمارة بالسوء لأن هذا حينئذ سوء كله ، فمن كان بهذا الوصف فنفسه غير مرحومة لأمرها بالسوء ، وإذا لم تكن مرحومة لم يكن صاحبها بائعها وإذا لم يبعها لم تكن مشتراة فلا يكون صاحب هذه النفس إلا جامعا للمال ما نعا له راغبا في الدنيا محبا لها وليس هذا من صفة المؤمن والله أعلم . وصف آخر من البيان والتفصيل لما حقق الله تعالى الزهد بغنى النفس وإخراج المال في ذكر المبيع والمشترى في قوله تعالى : ( يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ) التوبة : 111 وكان الزهد هو ترك طاعة الهوى وبيع النفس بنهيها عنه من المولى ، وكان العوض من ذلك الجنة ، كان الزاهد هو الخائف مقام ربه البائع نفسه طوعا قبل أن يخرج نفسه إليه كرها ، وكان الله تبارك وتعالى هو المحبوب له القريب منه فصار العبد محبا له ، فجعله من المقربين عنده تعالى ، وإذا كانت الدنيا هي طاعة الهوى وحب الحياة الدنية لمتعة النفس الشهوانية كان الراغب في ذلك آمنا لمكر الله تعالى مشتريا للحياة الدنيا بائعا بذلك الحياة العليا فلم يكن محبا له ، وكان من المبعدين عنه بسوء اختياره وحق عليه الخسران والجحيم في الآخرة لأنه ضد الزاهد المقرب الظافر بدار القرب في جوارالحبيب القريب . ذكر بيان حقيقة الزهد وتفصيل أحكامه ووصف الزاهد

Sección V01/P412–V01/P413

اعلم أن الزهد يكون بمعنيين ؛ إن كان الشيء موجودا فالزهد فيه إخراجه وخروج القلب منه ولا يصح الزهد فيه مع تبقيته للنفس لأن ذلك دليل الرغبة فيه ؛ وهذا زهد الأغنياء ، وإن لم يكن موجودا وكان العدم هوالحال فالزهد هو الغبطة به والرضا بالفقد ؛ وهذا هو زهد الفقراء ، وكذلك القول في الزهد في ترك الهوى لا يصح إلا بعد الابتلاء به والقدرة عليه ، ألم تر أن إخوة يوسف عليهم السلام هموا بالزهد فيه بقولهم : ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا لم يسمهم الله تعالى زاهدين وتكلموا بالزهد فيه بقولهم : اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم ولم يسموا زاهدين ، وأرادوا الزهد فيه بقولهم : أرسله معنا غدا يرتع ويلعب ، ولم يتحققوا بالزهد فيه وعزموا على الزهد فيه وأجمعوا عليه ولم يسمهم الله تعالى زاهدين مع قوله تعالى مخبرا عنهم : ( فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب ) يوسف : 15 لأن هذا كله من أسباب الزهد ومقدماته قد يلتبس ويشكل على من لا يعرف حقيقة الزهد فيظنه زهدا وليس هو زهدا لأنه في أيديهم فلما خرج من أيديهم واعتاضوا منه سواه حق زهدهم فيه فقال تعالى مخبرا عن حقيقتهم وشروه أي باعوه : ( وكانوا فيه من الزاهدين ) يوسف : 20 وكذلك الثوب تهم ببيعه وتريد بيعه ويغلب عليك بيعه ولا تكون زاهدا ولكن تكون موصوفا بالإرادة للزهد حتى تبيعه وتعتاض منه فحينئذ حق زهدك فيه ، ففي تدبر الخطاب من قوله : وكانوا فيه من الزاهدين أن من أخرج الشيء من يده طوعا ونفسه تتبعه فله مقام في الزهد بالمجاهدة ، ومن أمسك الشيء وأظهرت نفسه الزهد فيه بالإرادة والهمة فلا مقام له في الزهد لأن الإمساك علامة الرغبة ، والرغبة ضد الزهد فكيف يوصف بالشيء وضده في حال قائمة ، فالممسك للشيء المتوهم للزهد فيه بإظهار نفسه ذلك بأحد وصفين ؛ إما أن لا يعرفه الزهد أو لا يعرف خفي شهوة النفس ؛ هذا إن لم يموه على الراغبين والمخرج لقلبه عنه هو المتحقق بالزهد فيه ، وهذا هوالذي وصف الله تعالى به إخوة يوسف ، والممسك للشيء المغتبط به الذي همه فيه وقلبه عاكف عليه هو المتحقق بالرغبة فيه ؛ وهذا وصف عزيز مصرفي يوسف لما اشتراه فحققه الله تبارك وتعالى بالرغبة فيه لا قتنائه له فقال مخبرا عنه بعدما اشتراه : أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ، وكذلك وصف امرأة فرعون في رغبتها في موسى عليه السلام بقولها قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ، فكذلك كل من أمل شيئا ادخره لنفسه لا يكون زاهدا فيه حتى يخرجه عن يده وقلبه إذ لم يكن ذلك وصف إخوة يوسف الزاهدين فيه إلا بعد أن أخرجوه استصغارا له وتعوضوا منه . بيان آخر مستنبط من الكتاب

Sección V01/P413–V01/P414

اعلم أن زهد إخوة يوسف عليهم السلام في أخيهم قد كان يقارب زهدهم في يوسف عليه السلام لأنه كان نظيره عند أبيه وقد كانوا هموا بالزهد فيه أيضا ليخلو لهم وجه أبيهم منهما ، ألم تسمع إلى قولهم : ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ، وكذلك جاء في الخبر : إنهم أرادوا أن يلقوا أخاه معه في الجب حتى ألقى نفسه عليه يهوذا فشفع فيه فرحمه ومنعهم منه وكان شديدا منهم منيعا مهيبا فيهم ، وقد قيل إنه استوهبه منهم وقال : دعوه يكون فيه سلوة للشيخ الكبير لا تفجعوه بهما ولا تفقدوه إياهما معا فوهبوه له ثم إن الله تعالى لم يقل مع إرادتهم لذلك وهمهم به وكانوا فيهما من الزاهدين من قبل أنهم لم يتحققوا بالزهد فيه كالزهد في أخيه لأنه كان في أيديهم لم يخرجوه فكذلك أنت إذا كان الشيء موجودا عندك وأنت ممسكه لنفسك ثم توهمت أنك زاهد فيه لخواطر الإرادة أو لإرادة الزهد فقد كذبت علي نفسك بتمسكك إياها زاهدا وكذبتك نفسك بوجودها جهلا منها بالعلم زهدا أو كذب وجدك على العلم جهلا منك بربك عز وجل أو موهت على نفس غيرك ممن لا يعرف الزهد ؛ وهذا زهد منك في الزهد ورغبة منك أيضا في الدنيا حتى يخرج الشيء الذي تظن أنك زهدت فيه وتعتاض منه محبة الله تعالى وطلب مرضاته تبارك وتعالى أو ما عنده من ثوابه ، فحينئذ يصح زهدك فيه على العلم ، وعند العلماء فتكون صادقا ، فهناك وصفك الزاهد بالزهد وسماك الزاهدون زاهدا ، فأما إذا لم يكن الشيء موجودا لك فإن زهدك فيما لا تملك لا يصح والزهد في معدوم باطل من قبل أن تصرفك لا يصح فيما لا تملك ، فكذلك لايصح زهدك فيه ، ولعله لو كان موجودا تغير قلبك به وتقلب فيه إذ ليس الخبر كالمعاينة لأن الخبر قد يشتبه ويوهم والمعاينة تكشف الحقيقة وتحكم على الخلقة ولأن النفس ذات بدوات لما طبعت عليه من حب المتعة بالرفاهية فكذلك لا يجعل ظنا معدوما كيقين موجود إذ لو كان كيف كان الأمر ولكن قد يكون لك مقام من الزهد في المعدوم بقيامك بشرطه وهو أن لا تحب وجود الشيء ولا تأسى على فقده أو تكون مغتبطا بعدمك مسرورا بفقرك يعلم الله تعالى ذلك من غيبك ويطلع على سرك أنك لا تفرح بوجوده لو وجدته وتخرجه إن دخل عليك وإن قلبك قانع بالله سبحانه وتعالى راض عن الله تعالى بحالك التي هي العدم من الدنيا غير محب للاستبدال بها من الغنى بصدق يقينك بفضيلة الزهد ، فإذا كنت بهذا الوصف حسب لك جميع ذلك زهدا وكان لك بأحد هذه المعاني ثواب الزاهدين وإن لم تكن للدنيا واجدا وهذا زهد الفقراء الصادقين وهو التحقق بالفقر . وقد قال بعضهم : حقيقة الفقير أن يكون مغبتطا بفقره خائفا أن يسلب الفقر كما يكون الغني مغتبطا بغناه يخاف الفقر ، وقد كان مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول : إذا قيل له إنك زاهد قال : إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز جاءته الدنيا وملكها فزهد فيها ، فأما أنا ففي أي شيء زهدت ؟

Sección V01/P414

وقد يصح الزهد للعارف في الشيء مع وجحه عنده إذا لم يقتنيه لمتعة نفسه ولم يتملكه ويسكن إلىه بل كان موقوفا في خزانة الله سبحانه وتعالى ، التي هي يده منتظرا حكم الله تعالى فيه ومحنة ذلك استواء وجوده وعدمه والمسارعة إذا رأى حكم الله تعالى إلى تنفيذه فيكون في ذلك كأنه لغيره من عيلته أو إخوانه أوسبيل من سبيل الله تعالى ، وهذا المقام زائد على الزهد فكذلك لم يخرج منه بل كان مخصوصا فيه بخصوص وهو أيضا مقام من التوكل وبيان آخر مستنبط من السنة في ماهية الزهد أي شيء هو الزهد أيضا تقليل الدنيا وتقريبها واحتقارها بالقلب واستصغارها ، من ذلك الخبر الذي جاء في ساعة يوم الجمعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : هي في آخر ساعة قال : وجعل يزهدها يقللها أي يقرب وقتها ويدينه من الغروب ، والمعنى الآخر في الخبر الثاني من قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه لما نزلت آية الأمر بالصدقة لمناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال له : كم ترى أن نجعل عليهم من الصدقة مقدمة للمناجاة فقال شعيرة من ذهب قال إنك لزهيد أي مقلل مصغر للدنيا ولكن نجعل عليهم دينارا وزهيدكأنه معدول من زاهد للمبالغة في الوصف بالزهد كما عدل شهيد من شاهد ومجيد من ماجد وكما عدل عليم وقدير ورحيم من عالم وقادر وراحم للمبالغة في العلم والقدرة والرحمة .

Preguntas