Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb
وروينا عن نبينا صلى الله عليه وسلم : أنا والأتقياء من أمتي براء من التكلف ، فجملة التكلف هو عمل ما لا نية للعبد فيه ، ودخول العبد فيما لا يعنيه وتعاطيه ما قد كفيه ، ومع وجود الحسد وكمون الغل ، وهو ثبوت الحقد تكون المباينة ، وفي التطاول والتظاهر تقع المجانية ، ومع الخبث والمكر تكون المنافرة ، وهذا كله يذهب الألفة وينقص المحبة ويبطل فضيلة الأخوة ، وقال بعض أهل البيت : أثقل إخواني علي من أحتشمه ويحتشمني ، وقال بعض السلف : كانوا لا يغتنمون ولا يحتشمون ، وسئل الحسن عن الصديق الذي أكل ماله بغير إذن منه فقال : من استراحت إليه النفس وسكن إليه القلب ، فإذا كان كذلك فلا إذن له في ماله ، وسئل ذو النون عن الأنس فقال : أن تأنس بكل وجه صبيح وكل صوت فصيح ، والله تبارك وتعالى فيما بينك وبين ذلك ، وإذا علمت أن أخاك يسر بأخذك من رحله وملكه ، أو علمت أنه لا يكره ذلك إن فعلته ، حل لك أن تأخذ ، وإن كان لم يأذن لك لأن علمك يقوم مقام إذنه ، وعلامة هذا منك انشراح صدرك بذلك ، وخفته على قلبك ، فذلك دليل على سروره به ، وعلى قياسه من علمت من الناس أنه يكره تناولك من ماله شيئا ، أو عرفته يبخل ضنانة بما في يديه ، فإني أكره لك أن تأكل من ماله شيئا وإن أذن لك بعد أن تعلم أن الأحب إليه أن لا تأخذ ، ففي الورع وإن أعطاك أن لا تقبل فإن بذله مع علمك بأمره لغو لا حقيقة له ، ودليل ذلك ضيق صدرك به ، ووجود الحشمة والوحشة في القلب ، فقد جاء في الأثر الإثم حواز القلب ، وجاء الإثم ما حاك في صدرك ، والبر حسن الخلق ، والبر ما سكنت إليه النفس واطمأن به القلب ، فقد جاءت هذه الألفاظ في أحاديث متفرقة ، وعلى ما ذكرناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل من لحم بريرة تصدق به عليها وكانت غائبة لما علم أنه يسرها ، فلم ينتظر إذنها فعلى ضد ذلك في القياس ما ذكرناه ، ونظر هاشم الأوقص إلى الحسن وهو يأكل من جون لبقال ، من هذه بسرة ومن هذه تينة ، فقال له : يا أبا سعيد ، تأكل من مال الرجل بغير إذنه فقال : يا لكع ، اتل علي آية الأكل ، ثم قرأ الحسن ( ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم ) النور : 61 إلى قوله تعالى : ( أو صديقكم ) النور : 61 ، وقد كان أصحاب محمد بن واسع وفرقد السنجي يدخلون منزله فيأكلون من غير أن يؤذن لهم ويقول : ذكرتموني أخلاق قوم مضوا هكذا كنا ، قال : وكنا ندخل على أبي سليمان الداراني ، فيقدم إلينا الطيبات ولا يأكل معنا ويقول : إنما خبأته لكم فقلنا : تطعمنا الشهوات ولا تأكلها فقال : لا آكلها لأني قد تركت أكلها ، وأقدمها إليكم لأني أعلم أنكم تشتهونها وقال : كنا نبايت إبراهيم بن أدهم في المصيصة .
وفي قرى السواحل ، فكان يكسر لنا الصنوبر والبندق واللوز ليله أجمع ويقول : كلوا فقلنا : لو أقبلت على صلاتك وتركت هذا فيقول : هذا أفضل ، وكان بعض الناس يفجؤه الضيف ، فلا يكون عنده ما يقدمه إليه ، فيذهب إلى منزل أخيه ، فيأخذ خبزا وقدرا قد كان طبخها ، فيحمله إلى ضيفه ، فيلقاه أخوه بعد ذلك فيستحسنه منه ويأمره بفعل مثل ذلك في كل نائبة ، وقال بعض العلماء : إذا عمل الرجل في منزل أخيه أربع خصال فقد تم أنسه به إذا أكل عنده ، ودخل الخلاء ونام وصلى ، فذكرت هذه الحكاية لبعض أشياخنا فقال : صدق ، بقيت خصلة قلت : ما هي قال : معها وجامع فإذا فعل هذا فقد تم أنسه به ، لأن هذه الخمس لأجلها يتخذ البيوت ، ويقع الاستخفاء لما فيها من التبذل والعورة ، ولولاها كانت بيوت الله سبحانه أروح وأطيب ، ففي الأنس بالأخ وارتفاع الحشمة من هذه الخمس ، مثال حال الأنس في الوحدة بالنفس من غير عيب من عائب ولا ضد لكن من اتفاق جنس ، وهذا لعمري نهاية الأنس ذاتا ، فأما الخامسة ، وهو قول شيخنا وجامع ، فعلى ذلك يصلح أن يستدل له بقول العرب في تسليمهم وترحيبهم : مرحبا وأهلا وسهلا أي لك عندنا مرحب ، وهو السعة في القلب والمكان ، ولك عندنا أهل تأنس بهم بلا وحشة منا ، وسهلا أي لك عندنا سهولة ، ذلك يسهل علينا ولا يشتد فهو سهولة اللقاء وسهولته من الأخلاق في الالتقاء ، واعلم أن للناس في التعارف سبع مقامات بعضها فوق بعض ، فأول ذلك المعرفة عن الرؤية أو السمع فقط ، فلهذا حرمة الإسلام وحق العامة ، ثم المجاورة وله حق الجوار ، وهو ثاني حقوق الإسلام ، وهذا هو الجار الجنب ، ثم المرافقة في طريق أو سفر وهذا هو الصاحب بالجنب في أحد الوجهين من الآية ، فلهذا ثلاثة حقوق لأنه قد جمع حرمة الإسلام وحرمة الجوار وزاد عليها بأنه ابن سبيل ، ثم الصحبة وهي الملازمة والاتباع ، فهذا فوق ذلك ، ثم الصداقة وهي حقيقة الأخوة ، ومعها تكون المعاشرة وهو اسم تكون معه المخالطة ، وتوجد فيه المؤانسة ، وهو يحكم بالمزاورة والمبايتة والمؤاكلة وهذا جملة العشرة ، فالمعاشرة مأخوذة من العشير ، وهو الخليط المقارب ، ولذلك سمي الزوج عشيرا في قول النبي صلى الله عليه وسلم : ويكفرن العشير ، وقد قال الله عز وجل في تسمية المعاشر وفي قربه : ( لبئس الولى ولبئس العشير ) الحج : 13 ، يعني ابن العم المختلط به ، فقيل منه معاشرة على زنة مفاعلة لأنه شيء يقع بين اثنين لا محالة ، كان كل واحد قد فعل مثله أي يفعل هذا مثل ما يفعل هذا ، مثل المضاربة والمقاتلة والمشاتمة ، إذا فعل كل واحد بصاحبه كفعله به ، ثم الأخوة فوق الصداقة ، وهذا لا يكاد يكون إلا بين النظراء في الحال ، والمتقاربين في الحسن ، والمعاني بأن يوجد في أحدهما من القلب والهمة والعلم والخلق ، ما يوجد في الآخر وإن تفاوتا كما قال تبارك وتعالى : ( إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ) الأسراء : 27 ، وليسوا من جنسهم ولا على وصفهم في الخلقة ، ولكن لما تشابهت قلوبهم وأحوالهم آخى بينهم ، فهذه أخوة الحال وهي حقيقة الصداقة ، ثم المحبة وهي خاصية الأخوة ، وهذا يجعله الله تبارك وتعالى من الألفة ويوجده من الأنس في القلوب ، يتولاه بصنعه ولا يوليه غيره ، وهذا ارتياح القلوب وانشراح الصدور ووجد السرور ، وفقد الوحشة ، وزوال الحشمة ، ثم الخليل وهذا فوق الحبيب ، ولا يكون هذا إلا في عاقلين عالمين عارفين على معيار واحد ، وطريق واحد ، وهذا أعز موجود وأغرب معهود ، والخلة مأخوذة من تخلل الأسرار ، ومعها تكون حقيقة الحب والإيثار ، فكل خليل حبيب ، وليس كل حبيب خليلا ، لأن الخلة تحتاج إلى فضل عقل ، ومزيد علم ، وقوة تمكين ، وقد لا يوجد ذلك في كل محبوب ، فلذلك عز طلبه وجل وصفه ، وقد رفع الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في مقام المحبة ، فأعطاه الخلة ليلحقه بمقام إبراهيم ، فكانت الخلة مزيد المحبة ، ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : لو كنت متخذا من الخلق خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله عز وجل ، فلما أتخذه خليلا لم يصلح أن يشرك في خلة الخالق خلة الخلق ، ثم قال : ولكن أخوة الإسلام فأوقفه مع الأخوة ، لأن فيها مشاركة في الحال كما فعل بعلي عليه السلام ، وعدل به عن النبوة كما عدل بأبي بكر عن الخلة .
وفي الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فرحا مستبشرا فقال : ألا إن الله تبارك وتعالى ، قد اتخذني خليلا كما أتخذ إبراهيم خليلا ، فأنا حبيب الله عز وجل ، وأنا خليل الله ، وليس قبل المعرفة اسم يوجب حكما إلا ظاهر الإسلام ، ولا بعد الخليل وصف يعرف إلا نعت محب ، ثم تتزايد الحرمات في الأخوات ما بين المعرفة والخلة ، وتعظم الحقوق بطول الصحبة وجميل العشرة ، ويقال صحبة سنة أخوة ومعرفة عشر سنين قرابة ، قد ضم الله عز وجل الصديق إلى الأهل ووصله بهم ، ثم رفع الأخ وقدمه على الصديق ، وهو قوله عز وجل : ( أو ما ملكتم مفاتحه ) النور : 61 ، كان الأخ يدفع مفاتح خزائنه إلى أخيه ، ويتصرف في الحضر ويتقلب في السفر ، ويقول لأخيه : حكمك فيما أملك كحكمي ، وملكي له كملكك ، فكان أخوه يتضايق ويتحرج فيقتر على نفسه لأجل غيبة أخيه ، ويقول : لو كان حاضرا لاتسعت وأكلت رغدا للورع الذي فيه ، والنصح والإيثار لأخيه فرحم الله عز وجل تضايقهم وشكر تورعهم ، فأطلق لهم الإذن ووسع عليهم في الأكل فقال عز وجل : ( ولا على أنفسكم ) النور : 61 ، أي لا إثم ولا ضيق أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم ، ثم نسق الأقارب على ترتيب الأحكام ، وضم إليهم الأخ لما وصفه بتمليكه مفاتحه أخاه ، فأقام ذلك مقام ملك أخيه ، لأنه أقام أخاه مقامه فقال تعالى : ( أو ما ملكتم مفاتحه ) النور : 61 ، ثم أخر الصديق بعده إذ لم يكن بحقيقة وصفه ، ثم قال عز وجل : ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا ) النور : 61 ، بحضرة الإخوان أو أشتاتا في حال تفرقهم ، فسوى بين غيبتهم وشهودهم لتسوية إخوانهم بينهم وبين أملاكهم ، واستواء قلوبهم مع ألسنتهم في البذل و المحبة ، لتناول المبذول وهذا تحقيق وصفه عز وجل لهم في قوله تعالى : ( وأمرهم شورى بينهم ) الشورى : 38 ، وقال بعض الأدباء : إذا ائتلف الإخوان جماعة ، ثم اجتمع بعضهم على لذة وفقد البعض نقص من اللذة بمقدار من نقص منهم ، وهذا يكون بوجود الأنس بهم ومواصلة الذكر ، وروينا أن مالك بن دينار ومحمد بن واسع دخلا منزل الحسن وكان غائبا ، فأخرج محمد بن واسع سلة فيها طعام من تحت السرير فجعل يأكل ، فدخل الحسن فقال : هكذا كنا لا يحتشم بعضنا من بعض واعلم أنه ليس بين الأخوين والصاحبين رياء في أعمالهما ، وإن تراءى برأي العين أعمالهم لهم ثواب السر والخلوة ، لأنهما كالأهل في الحضر وكالصحابة في السفر ، وليس بين الرجل وأهل بيته ولا بين المسافر ورفقائه رياء ولا سمعة ، ولا عليه منهم اختفاء ولا خلوة ، فإن صحبه أخوه هذا في سفر كانت حرمته عليه ألزم وحقه أوجب ، فينبغي أن لا يخالفه ولا يعترض عليه إن أحب النزول في منزل لم يكره أخوه ذلك ، وإن اختار أحدهما الرحيل لم يحب الآخر المقام ، وإن سار أحدهما لم يقف صاحبه ، وإن استراح الآخر وقف له رفيقه ، وإن اشترى شيئا لم ينهه عنه ، ولا يستأثر بمطعوم ولا مشروب بل يؤثره بذينك ، وفي الخبر : ما اصطحب اثنان قط إلا كان أحبهما إلى الله عز وجل أرفقهما بصاحبه .
وروينا أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل غيضة مع بعض أصحابه ، فاجتنى منها سواكين من أراك ، أحدهما معوج والآخر مستقيم ، فحبس المعوج لنفسه ودفع المستقيم إلى صاحبه فقال : يار سول الله أنت كنت أحق بالمستقيم فقال : ما من صاحب يصحب صاحبا ولو ساعة من نهار ، إلا سأله الله عن صحبته هل أقام فيه حق الله تعالى أو أضاعه ، ومن كان ناظرا في أخوة أخيه أو في صحبته إلى كثرة أعماله ، أو واقفا مع أكمل أحواله ، دل على جهله بهذا الطريق الذي ينفذ إلى التحقيق لأنها تحول ، وإنما المعول على حقائق القلوب وسلامة العقول لأن إليها الأمر مردود ، فإن اقترن إلى جهله نقص معرفة الآخر دل علىه التزين له والتصنع عنده لتعلو منزلته ويحسن عنده أثره فيدخله ذلك في الشرك ويخرجه الشرك عن حقيقة التوحيد ، فتزل قدم بعد ثبوتها ويسقط من عين مولاه ، فلا يتولاه لأن النفس مبتلاة بحب الثناء والمدح وإثبات المنزلة بإظهار الوصف ، فيكون هذا الصاحب حينئذ من أشأم الناس عليه وأضرهم له ، ويصير أحدهما بلاء على صاحبه ، فليفارقه حينئذ لأنه جاهل ولا يصحبه ، فإنه يجد النقصان وتدخل عليه الآفات بمقارنته ، فلينفرد بنفسه فيصدق في حاله عالية كانت أو دنيئة ، وضيعة كانت أم رفيعة ، من غير مقارنة أحد ولا مباينة فهو خير له وأحمد عاقبة ، وهذا باب لطيف قد هلك فيه خلق كثير على ضربين منهم ، من صاحب وآخى وبايت على هذه العلل فساكنها ، ومن هذه الآفات فقارنها الضعف يقينه وقوة هواه ، وكبر الناس في عينه وعظم قدر الدنيا مما يناله منهم في قلبه ، فهلك بالتزين والتصنع وأهلك أخاه بنحو ذلك ، والضرب الثاني من المتعبدين المعروفين بالستر والصلاح ، خافوا ولم يحبوا أن يظهروا على حالهم كراهة الذم وخيفة النقص لهم ، فلم يحبوا أن يختبروا بالمباينة ولا ينكشفوا في المصاحبة ، ولا تعرف أحوالهم بطول الممارسة ، وأحبوا مع ذلك أن يشار إليهم من بعيد ويتوهم فيهم العبادة من غير طول ملاقاة ، فأظهروا التفرد والعزلة ، وتركوا المباينة والصحبة ، وأنكروا هذا وعابوه ، يريدون أن يبينوا بذلك عن نظرائهم وينفردوا به عن جملة الخلق بدعوى الحال ، ليختصوا بغيرها عندهم من غير حال ، ولا انقطاع إلى الله سبحانه ، ولا اشتغال ، ولقلة معرفة العامة بأحوال الصادقين ، فهلك أيضا بالمباينة وغربة الحال وترك السنة من إجابة الدعوى ، ومخالطة الأمة كبرا وتطاولا على العامة ، وتمويها منهم على من لا يعرف سيرة الأمة ، وأوهم بذلك أنه مشغول عنه بسلوك الطريق ، لعلمه أنهم لا يعرفون محجة التحقيق ، ولعله مشغول بهم وأنهم وساوس قلبه ، وهو في ذلك منكشف للصادقين ظاهر جلي للعارفين ، وقد جاء في مخالطة المسلمين ، وفي الأكل مع الإخوان والاختلاط بالعامة ، والمشي في الأسواق واشتراء الحوائج ، وحملها للتواضع ما يكثر رسمه ويطول وصفه وكذلك كان سيرة الصحابة وشيمة التابعين بإحسان منهم ، عمر رضي الله عنه ، كان يحمل القربة على ظهره لأهله ، وعلي رضي الله عنه كان يحمل التمر والملح في ثوبه ويده ويقول : لا ينقص الكامل من كماله . . .
ما جر من نفع إلى عياله ومنهم أبي وابن مسعود وحذيفة وأبو هريرة ، كانوا يحملون حزم الحطب وجرب الدقيق على أكتافهم وظهورهم ، وسيد المرسلين وإمام المتقين ، ورسول رب العالمين محمد صلى الله عليه وسلم كان يشتري الشيء فيحمله بنفسه ، فيقول له صاحبه : أعطني أحمله عنك فيقول : صاحب الشيء أحق بحمله ، وكان الحسن بن علي عليهما السلام يمر على السؤال في الطريق ، وبين أيديهن كسر ملقاة في الأرض ، فيسلم عليهم فيقولون : هلم الغداء يا بن بنت رسول الله ، فيثني رجله عن بغلته وينزل ، فيقعد معهم على الأرض ويأكل ، ثم يركب ويقول : إن الله تبارك وتعالى لا يحب المستكبرين ثم يدعوهم بعد ذلك إلى منزله فيقول للخادم : هلمي ما كنت تدخرين فيأكلون معه ، وروينا في الإسرائيليات أن حكيما من الحكماء صنف ثلاثمائة وستين مصنفا في الحكمة ، حتى ظن أنه نال منزلة عند الله تعالى ، فأوحى الله إلى نبيه : قل لفلان أنك قد ملأت الأرض نفاقا ، وإني لا أقبل من نفاقك شيئا ، قال : فتخلى وانفرد في سرب تحت الأرض وقال : قد بلغت محبة ربي فأوحى الله عز وجل إلى النبي ، قل له إنك لم تبلغ رضاي قال : فدخل الأسواق وخالط العامة وجالسهم ، وأكل الطعام بينهم ومشى في الأسواق معهم ، فأوحى الله تبارك وتعالى الآن حين بلغت رضاي ، فلو أيقن اليائس المتصنع للخلق ، الأسير في أيديهم ، الرهين لنظرهم ، أن الخلق لا ينقصون من رزق ، ولا يزيدون في عمر ، ولا يرفعون عند الله ، ولا يضعون لديه ، وأن هذا كله بيد الله عز وجل ، لا يملكه سواه ، ولو سمع خطاب المولى لاستراح من جهد البلاء ، إذ يقول الله عز وجل : ( إن الذين تدعون من دون الله ) الأعراف : 194 ، لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ، مع قوله تعالى : ( إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ) الأعراف : 194 فلو عقل ذلك لطرح ، الخلق عن قلبه اشتغالا بمقلبه ، ولأعرض عن الناس بهمه نظرا منه إلى مهمه ، وأظهر حاله وكشف أمره تقويا بربه وغنية بعلمه ، فلم يبال أن يراه الناس على كل حال يراه فيه مولاه ، إذا كان لا يعبد إلا إياه ولا يضره ولا ينفعه سواه ، فعمل ما يصلحه وإن كان عند الناس يضعه ، وسعى فيما يحتاج إليه وإن كان عند المولى يزري عليه ، ولكن ضعف يقينه فقوى إلى الخلق نظره ، وأحب أن يستر عنهم خبره لإثبات المنزلة عندهم ، ولاستخراج الجاه لنفسه ، فيفخر بالخيلاء والعجب ، فموه بحال على من لا حال له ، ووهم بمقام عند من ليس له مقام ، واعتقدوا فضله بذلك لنقصهم ، وتوهموا به علمه لجهلهم ، ولو صدقوا الله لكان خيرا لهم ، حدثونا عن يونس بن عبد الأعلى قال : قال لي الشافعي رضي الله عنه : والله ما أقول لك إلا نصحا ، أنه ليس إلى السلامة من الناس سبيل ، فانظر ما يصلحك فافعله ، وحدثونا عن الثوري قال : رضا الناس غاية لا تدرك ، فأحمق الناس من طلب من لا يدرك وقد قال بعض الحكماء في معناه قولا منظوما : من راقب الناس مات غما . . .
وفاز باللذة الجسور ونظر أبو محمد سهل إلى رجل من الفقراء فقال له : اعمل كذا وكذا فقال : يا أستاذ لا أقدر على هذا لأجل الناس ، فالتفت إلى أصحابه فقال : لا ينال العبد حقيقة من هذا الأمر حتى يكون بأحد وصفين : عبد يسقط الناس عن عينه فلا يرى في الدار إلا هو وخالقه ، وأن أحد لا يقدر أن يضره ولاينفعه ، أو عبد أسقط الناس عن قلبه فلا يبالي بأي حال يرونه ، وحدثونا عن إمام الأئمة الحسن بن يسار البصري رحمه الله أن رجلا قال له : يا أبا سعيد إن قوما يحضرون مجلسك ليس بغيتهم الفائدة منك ، ولا الأخذ عنك ، إنما همهم تتبع سقط كلامك وتعنتك في السؤال ليعيبوك بذلك ، فتبسم الحسن ثم قال : هون عليك يا ابن أخي فإني حدثت نفسي بسكنى الحنان ، فطمعت وحدثت نفسي بمعانقة الحور الحسان ، فطمعت وحدثت نفسي بمجاورة الرحمن ، فطمعت وما حدثت نفسي قط بالسلامة من الناس ، لأني قد علمت أن خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم لم يسلم منهم ، فكيف أحدث نفسي بالسلامة منهم ، وبمعناه ما روي عن موسىصلى الله عليه وسلم أنه قال : يا رب احبس عني ألسنة الناس ، فقال الله تبارك وتعالى : يا موسى هذا شيء لم أفعله لنفسي ، فكيف أفعله بك ، وفي لفظ آخر : لو خصصت بهذا أحدا لخصصت به نفسي ، وقد كان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول : ما من يوم أصبح فيه حيا وأمسي ولا يرميني فيه الناس بداهية إلا عددته نعمة من الله تعالى علي وأنشد : وإن امرءا يمسي ويصبح سالما . . . من الناس إلا ما جنا لسعيد وأوحى الله عز وجل إلى عزير : إن لم تطب نفسا بأن أجعلك علكا في أفواه الماضغين لم أكتبك عندي من المتواضعين ، ومثله روينا عن عيسى عليه السلام أنه كان يقول يا معشر الحواريين ، إن أردتم أن تكونوا إخوانا فوطنوا نفوسكم عند العداوة والبغضاء من الناس ، وقد جعل الله تبارك وتعالى في المخالطة للمؤمنين من البركة ، ما لو لم يجيء فيه الأثر إلا هذا ، كان فيه كفاية ، وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما طاف بالبيت عدل إلى زمزم ليشرب منها ، فإذا التمر المنقع في الحياض الآدم قد مغثه الناس بأيديهم وهم يتناولون منه يشربون فاستسقى منه فقال : اسقوني فقال العباس : يا رسول الله إن هذا النبيذ شراب قد مغث وحيض بالأيدي ، أفلا آتيك أنظف من هذا في جر مخمر في البيت فقال : لا اسقوني من هذا الذي يشرب منه الناس ، ألتمس بركة أيدي المسلمين فشرب ، وروينا في خبر آخر قيل : يا رسول الله ، الوضوء من جر مخمر أحب إليك أو من هذه المطاهر التي يتطهر منها الناس فقال : بل من هذه المطاهر إلتماس بركة أيدي المسلمين ، وروينا في الخبر : إذا التقى المسلمان فتصافحا ، فتبسم أحدهما إلى صاحبه تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر ، وفي لفظ الحديث الآخر : قسمت بينهما مائة رحمة تسعة وتسعون لآنسهما بصاحبه وأحسنهما بشرا ، وروينا في الخبر : خير الأصحاب عند الله عز وجل أرفقهم بصاحبه ، وخير الجيران أرفقهم بجاره ، وإياك أن تصحب جاهلا فتجهل بصحبته ، أو غافلا عن مولاه متبعا لهواه فيصدك عن سبيله فتردى ، كما قال سبحانه وتعالى : ( فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ) يونس : 89 ، فأول الاستقامة صحبة العلماء بالله عز وجل وقال تعالى : ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه ) الكهف : 28 ، وقال تعالى : ( فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى ) طه : 16 ، أي فتكون رديا وقيل فتهلك وقال تعالى : ( فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ) النجم : 29 ، ففي دليله الإقبال بالصحبة على من أقبل إلى ذكره تعالى ، والإعراض عمن أعرض عن وجهه ، فلا تصحبن إلا مقبلا عليه كما قال الله عز وجل : ( واتبع سبيل من أناب إلي ) لقمان : 15 ، وإياك أن تصحب من الناس خمسة : المبتدع والفاسق والجاهل والحريص على الدنيا والكثير الغيبة للناس ، فإن هؤلاء مفسدة للقلوب مذهبة للأحوال ، مضرة في الحال والمآل .
وقد كان سفيان الثوري رحمه الله يقول : النظر إلى وجه الأحمق خطيئة مكتوبة وقال سعيد بن المسيب : لا تنظروا إلى الظلمة فتحبط أعمالكم الصالحة ، ولكن قد كان صعصعة بن صوحان يقول : إذا لقيت المؤمن فخالطه مخالطة ، وإذا لقيت المنافق فخالفه مخالفة ، وقد قال : أحسن الواصفين في وصف أوليائه المتقين ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا : سلاما أي سلامة ، الألف بدل من الهاء لازدواج الكلم ، والمعنى ، أي سلمنا من إثمكم وسلمتم من شرنا ، وقد كان أبو الدرداء يقول في زمانه : كان الناس ورقا لا شوك فيه ، وهم اليوم شوك لا ورق فيه ، إن ناقدتهم ناقدوك ، وإن تركتهم لم يتركوك ، فأقرضهم من عرضك ليوم فقرك ، وكان يقول : كل يوم أصبح لا يرميني الناس فيه بداهية أعده نعمة من الله تعالى علي ، وقال حكيم الحكماء صلى الله عليه وسلم : من خالط الناس وصبر على أذاهم ، أفضل ممن لم يخالطهم ولم يصبر على أذاهم ، وقال العلام ذو الجلال والإكرام : ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ) القصص : 45 ، إي يدفعون بالكلام الحسن السيء وقال عز وجل في الكلام المفسر : ( ادفع بالتي هي أحسن ) فصلت : 34 ، يعني بالكلمة الحسنى : ( فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) فصلت : 34 ثم قال عز وجل وما يلقاها يعني الكلمة : ( إلا الذين صبروا ) فصلت : 35 ، أي على أمر الله تعالى وعلى الغيظ ، وعن الغضب : ( وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) فصلت : 35 ، أي من الحلم والعلم وقيل ذو حظ عظيم عند الله عز وجل من النصيب والجزاء وقد قال لقمان الحكيم قولا متوسطا : يا بني لا تكن حلوا فتبلع ، ولا مرا فتلفظ ، المعنى : لا تمكن الناس من نفسك ولا تتابعهم في كل شيء فلا يبقوا عليك وينبسطوا إليك ، ولا تنافرهم وتخالفهم في كل شيء فيجانبوك ويرفضوك فيقعوا فيك ، وقال بعض السلف : لا تصحب إلا مريدا ، وكل خليل لا يريد ما تريد فانبذ عنك صحبته ، وقال بعض علماء العرب : الصاحب كالرقعة في الثوب إن لم تكن من جنسه شانته ، وقال بعض الحكماء : كل إنسان مع شكله كما أن كل طير مع جنسه ، وقد كان مالك بن دينار يقول مثل هذا ، وقد لا يتفق اثنان في عشرة ودوام صحبة ، إلا وفي أحدهما وصف من الآخر وإن أشكال الناس كأجناس الطير ، قال ورأى يوما غرابا مع حمامة فعجب من ذلك وقال : كيف اتفقا وليسا من شكل قال : ثم طارا فإذا هما أعرجان فقال : من ههنا اتفقا ويقال : إذا اصطحب اثنان برهة من الزمان ولم يتشاكلا في الحال فلا بد أن يفترقا ، وقد أنشدنا بعض العرب لبعض الحكماء في معناه : وقائل لما تفرقتما . . . فقلت قولا فيه إنصاف لم يك من شكلي ففارقته . . .
والناس أشكال وآلاف وقد روينا في حديث أن الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ، تلتقي فتشام في الهواء ، قيل معناه في المذهب والخلق ، وفي هذا الخبر زيادة ولو أن مؤمنا دخل إلى مجلس فيه مائة منافق وفيه مؤمن واحد ، لجاء حتى يجلس إليه ، ولوأن منافقا دخل إلى مجلس فيه مائة مؤمن وفيه منافق واحد ، لجاء حتى يجلس إليه ، وقد ذكر لهذا الحديث سبب على ما ذكرناه ، وهو أن امرأة عطارة كانت بالمدينة من أحد فقدمت امرأة من مكة عطارة وكانت مزاحة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : على من نزلت قيل : على فلانة فقال : الأرواح جنود مجندة ، وبعض العلماء يقول : إن الله خلق الأرواح ففلق بعضها فلقا ، وقدر بعضها قدرا ، ثم أطافها حول عرشه ، فأي روحين من فلقتين تعارفا هناك فالتقيا تواصلا ههنا في الدنيا وترافقا ، وأي روحين من قدرتين أو فلقة وقدرة أختلفا ثم وتناكرا هناك فاختلفا في الجولان ، فإن هذين إذا ظهرا اليوم تباينا وتنافرا ، فهذا تأويل الخبر عنده ، فما تعارف منها أي في الطواف فتقابلا تعارفا ههنا وترافقا ائتلفا ، وما تناكرا ثم في الجولان فتدابرا تناكرا ههنا اليوم في الخلق والحال لما ظهرا فاختلفا ، وليس الائتلاف يقع بنفس الاجتماع ووقت الاتفاق ، فإنما الائتلاف يكون بمجانسة الحال ومشاكلة الأخلاق ، لأنهم شبهوا أجناس الناس بأجناس الطير ، وقد يتفق الطيران من جنسين ويتجامعان في مكان ، فلا يكون ذلك ائتلافا في الحقيقة ولا اتفاقا في الخليقة لتباينهما في التشاكل ، ولا يتبين ذلك في الاجتماع وإنما يتبين في الطيران إذا طارا معا ، فأما إذا ارتفع أحدهما ووقع الآخر وعلا أحدهما وقصر الآخر ، فلا بد من افتراق حينئذ لفقد التشاكل ، ولا بد من مباينة لعدم التجانس عند الطيران ، فهذا مثال ما ذكرناه من الافتراق لعدم حقيقة تشاكل الحال والوصف بعد الاتفاق ، واعلم أن الائتلاف والاختلاف يقع بين اثنين إذا اشتركا وافترقا في أربعة معان ، إذا استويا في العقود ، واشتركا في الحال ، وتقاربا في العلم واتفقا في الأخلاق ، فإن اجتمعا في هذه الأربع فهي : التشاكل والتجانس ومعه يكون الائتلاف والاتفاق ، وإن اختلفا في جميعها فهو التباعد والتضاد وعنده يكون التباين والإفتراق ، وإن اتفقا في بعضها واختلفا في البعض كان بعض الاتفاق وبعض الاختلاف فيوجد من الائتلاف بمقدار ما وجد من التعارف ، ويوجد من الإختلاف نحو ما فقد من الاتفاق ، وهذا هو تناكر الأرواح لتباعد نشأتها وتشامها في الهواء ، وذلك الأو ل هو تعارف الأرواح بقرب التشام باجتماع الأوصاف .
حدثت عن يعقوب ابن أخي معروف رحمهما الله قال : جاء الأسود بن سالم إلى عمي معروف ، وكان مؤاخيا له فقال : إن بشر بن الحارث رحمه الله يحب مؤاخاتك ، وهو يستحي أن يشافهك بذلك ، وقد أرسلني إليك يسألك أن تعقد له فيما بينك وبينه أخوة يحتسبها ويعتد بها ، إلا أنه يشترط فيها شروطا لا يحب أن يشتهر بذلك ، ولا يكون بينك وبينه مزاورة ولا ملاقاة ، فإنه يكره كثرة الالتقاء ، فقال معروف رحمه الله : أما أنا ، فلو أحببت واحدا لم أحب أن أفارقه ليلا ولا نهارا ، ولزرته في كل وقت ولآثرته على نفسي في كل حال ، ثم ذكر من فضل الأخوة والحب في الله عز وجل أحاديث كثيرة ، ثم قال فيها وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين علي عليه السلام ، فشاركه في العلم وقاسمه في البدن وأنكحه أفضل بناته وأحبهن إليه ، وخصه بذلك لمؤاخاته : وإني أشهدك أني قد عقدت له أخو ة بيني وبينه وأعتقده أخا في الله عز وجل لرسالته ولمسألتك ، على أن لا يزورني إن كره ذلك ولكني أزوره متى أحببت ، وآمره بلقائي في مواضع نلتقي فيها ، وآمره أن لا يخفي علي شيئا من شأنه ، وأن يطلعني على جميع أحواله ، قال : فأنصرف بذلك أسود بن سالم فأخبر به بشرا ، فرضي بذلك وسربه ، فهذا أسود بن سالم أحد عقلاء الناس وفضلائهم ، فكان فيه اتساع للأصحاب وصبر عليهم ، وهو الذي أشار معروف به على الرجل الذي سأله مستشيرا فقال : يا أبا محفوظ ، هذان الرجلان إماما هذا البلد ، فأشر علي أيهما أصحب ، فإني أريد أن أتأدب به أحمد بن حنبل أو بشر بن الحارث رضي الله عنهما قال له معروف : لا تصحب أحدهما ، فإن أحمد صاحب حديث ، وفي الحديث : اشتغال بالناس فإن صحبته ذهب ما تجد في قلبك من حلاوة الذكر وحب الخلوة ، وأما بشر فلا يتفرغ لك ولا يقبل عليك شغلا بحاله ، ولكن اصحب أسود بن سالم ، فإنه يصلح لك ويقبل عليك ، ففعل الرجل ذلك فانتفع به وإنما ضمه معروف رضي الله عنه إلى الأسود دونهما ، لأنه كان أليق بحاله وأشبه بوصفه ، وكذلك روينا في حديث المؤاخاة الذي آخى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ، فآخى بين إثنين شكلين في العلم والحال آخى بين أبي بكر وعمر ، وبين عثمان وعبد الرحمن ، وهما نظيران ، وآخى بين سلمان وأبي الدرداء وهما شكلان في العلم والزهد ، وآخى بين عمار وسعد وكانا نظيرين ، وآخى بين علي وبينه رضي الله عنهم أجمعين ، و صلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين ، وهذا من أعلى فضائله لأن علمه من علمه ، وحاله من وصفه ، ثم آخى بين الغني والفقير ليعتدلا في الحال ، وليعود الغني على أخيه الفقير بالمال ، قال أبوسليمان الداراني لأحمد بن أبي الحواري : إذا آخيت أحدا في هذا الزمان فلا تعاتبه على أمر تكرهه منه ، فإنك لا تأمن أن يعنيك بشر من الأمر الأول ، قال أحمد : فجربته فوجدته كما قال ، وقال بعض العلماء : الصبر على مضض الأخ خير من معاتبته ، ومعاتبته خير من القطيعة ، والقطيعة أحسن من الوقيعة ، وقال بعضهم : كدر الجماعة خير من صفو الفرقة ، ومثل الأخوة مثل الزجاجة الرقيقة ما لم تحفظها وتوقها كانت معرضة للآفات ، واستتمام الإخاء إلى خير الوفاة أشد من ابتدائها في حال الحياة ، وقال بعض الأدباء : الناس أربعة : فواحد حلو كله فهذا لا يشبع منه ، وآخر كله مر وهذا لا يؤكل منه ، واحد فيه حموضة فخذ من هذا قبل أن يأخذ منك ، وآخر فيه ملوحة فخذ منه إذ احتجت إليه ، وقال بعض الأئمة : الناس أربعة فاصحب ثلاثة ولا تصحب واحدا ، رجل يدري ويدري أنه يدري ، فهذا عالم فاتبعه ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فهذا نائم فنبهوه ، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فهذا جاهل فعلموه ، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهذا منافق فاجتنبوه ، ومثل هذا الرابع قول سهل : ما عصي الله عز وجل بمعصية شر من الجهل ، وأعظم من الجهل الجهل بالجهل ، وقال بعض الأدباء : الناس ثلاثة : فاصحب رجلين وأهرب من الثالث : رجل أعلم منك فاصحبه تتعلم منه ، ورجل أنت أعلم منه يقبل منك فاصحبه تعلمه ، ورجل معجب بنفسه لا علم عنده ولا تعلم فاهرب من هذا ، وقال محمد بن الحنفية رضي الله عنه : ليس بلبيب من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا ، حتى يجعل الله له منه فرجا ، فمعاملته عني يتقي ومخالطته إخوان الأضطرار ومعاشرة التقي ومصافاته من أحس الإحسان ، وكان أبو مهران يقول : أخرج من منزلي فأنا بين ثلاثة ، إن لقيت من هو أعلم مني فهو يوم فائدتي أتعلم منه ، وإن لقيت من هو مثلي فهو يوم مذاكرتي ، وإن لقيت من هو دوني فهو يوم مثوبتي أعلمه فأحتسب فيه الأجر ، وقال أبو جعفر محمد بن علي لابنه جعفر بن محمد عليهم السلام : لا تصحبن من الناس خمسة ، واصحب من شئت ؛ الكذاب فإنك منه على غرر ، وهو مثل السراب يقرب منك البعيد ويبعد منك القريب ، والأحمق فإنك لست منه على شيء ، يريد أن ينفعك فيضرك ، والبخيل فإنه يقطع بك أحوج ما تكون إليه ، والجبان فإنه يسلمك وماله ونفسه عند الشدة ، والفاجر فإنه يبيعك بأكلة أو بأقل منها ، قلت : وما أقل منها قال : الطمع .
قول : أخرج من منزلي فأنا بين ثلاثة ، إن لقيت من هو أعلم مني فهو يوم فائدتي أتعلم منه ، وإن لقيت من هو مثلي فهو يوم مذاكرتي ، وإن لقيت من هو دوني فهو يوم مثوبتي أعلمه فأحتسب فيه الأجر ، وقال أبو جعفر محمد بن علي لابنه جعفر بن محمد عليهم السلام : لا تصحبن من الناس خمسة ، واصحب من شئت ؛ الكذاب فإنك منه على غرر ، وهو مثل السراب يقرب منك البعيد ويبعد منك القريب ، والأحمق فإنك لست منه على شيء ، يريد أن ينفعك فيضرك ، والبخيل فإنه يقطع بك أحوج ما تكون إليه ، والجبان فإنه يسلمك وماله ونفسه عند الشدة ، والفاجر فإنه يبيعك بأكلة أو بأقل منها ، قلت : وما أقل منها قال : الطمع . روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا صحبه في طريق فدخل النبي صلى الله عليه وسلم غيضة ، فاجتنى سواكين من أراك أحدهما معوج والآخر مستقيم ، فأخذ المعوج وأعطى صاحبه المستقيم ، فقال الرجل : أنت أحق بالمستقيم مني ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما من صاحب يصحب رجلا ولو ساعة من نهار إلا سأله الله عن صحبته ، هل أدى فيها حق الله عز وجل أم لا ، فكرهت أن يكون لك علي حق لم أرده ، واعلم أن الأخوة في الله عز وجل ، والمحبة في الله تعالى وحسن الصحبة كانت طرائق السلف الصالح ، قد درست اليوم محاجها وعفت آثارها ، فمن عمل بها فقد أحياها ، ومن أحياها كان له مثل أجر من عمل بها ، فمن رزقه الله أخا صالحا تطمئن به نفسه ، ويصلح معه قلبه فهي نعمة من الله عز وجل مضافة إلى محاسن نعمه ، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله .
الفصل الخامس والأربعون فيه ذكر التزويج وتركه أيهما أفضل ومختصر أحكام النساء في ذلك
قال سبحانه وتعالى : ( وأنكحوا الأيامى منكم ) النور : 32 الآية ، فأمر المحتاجين وندب المعصومين ، فالنكاح فرض مع الحاجة وسنة على الكفاية ، ثم وعدهم تعالى الغنى على الفقر ، فالغنى على الغني يجعله على نحو الفقر من الفقير ، فقد يكون فقيرا من الأجر فيغنيه بالأجر ، ويكون فقيرا من عدم الحكم فيغنيه بإيجاب الحكم عليه ، ويكون فقيرا بالضيعة والشتات وفقد المنزل والأثاث فيغنيه بوجود ذلك ، وأحكمه عز وجل بما عقبه من قوله تعالى وهو الحكيم : ( والله واسع عليم ) البقرة : 247 ، فهو واسع لغناهم عن معاني فقرهم عليهم بحالهم وما يصلحهم فيما لا يعلمون على مقادير رتبهم ، وروى الحسن عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم : من ترك التزويج مخافة العيلة فليس منا ، وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فأنكحوه ألا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير . وفي الخبر : من نكح لله عز وجل وأنكح لله تبارك وتعالى استحق ولاية الله تعالى ، وهذا أدنى حال تنال به الولاية لأنها مقامات لكل مقام عمل من الصالحات ، إلا أنا روينا أن بشر بن الحارث قيل له إن الناس يتكلمون فيك ، فقال : وما عسى يقولون ؟ قيل : يقولون إنك تارك لسنة يعنون النكاح ، فقال : قل لهم : إني مشغول بالفرض عن السنة ، وقال مرة : ما يمنعني من ذلك إلا آية في كتاب الله تعالى قوله : ( ولهن مثل الذي عليهن ) البقرة : 228 ، ولعسى أن لا أقوم بذلك ، وكان يقول : لو كنت أعول دجاجة لخفت أن أكون جلادا على الجسر ، هذا يقوله في سنة عشرين ومائتين ، والحلال والنساء أحمد عاقبة ، فكيف بوقتنا هذا ؟ فالأفضل للمريد في مثل زماننا هذا ترك التزويج إذا أمن الفتنة وعود العصمة ، ولم تنازعه نفسه إلى معصية ، ولم يترادف خواطر النساء على قلبه حتى يتشتت همه أو يقطعه عن حسن الإقبال على الخدمة من مسامرة الفكر ومحادثة النفس بأمر النساء ، وما لم يجمح بصره إلى محظور ولم يخالط ذكره شهوة تستولي عليه ، لأن أول خطايا الفرج شهوة القلب بمسامرة الفكر وهو معقول الخطيئة الثانية : إنعاظ الفرج عن شهوة القلب وهذا عمل ، وقبض الرجل على فرجه متعظا معصية ثالثة ، فإن ظهرت الشهوة من الفرج فهو معصية رابعة ، ومس الفرج باليمين مكروه ، فمتى وقعت هذه المعاني فإنها تغير القلب عن الخشوع ، وتدخل عليه النقصان ، ومتى لم يبتل العبد بها ، فإن الخلوة أفضل المعاني ، وفيها يجد لذة الوجود وحلاوة المعاملة ، ويقبل على نفسه ويشتغل بحاله ولا يهتم بحال غيره ، فيحمل حاله على حال غيره فيقصر ، أو يقوم بحكم آخر فيعجز ، ويعالج شيطانا آخر مع شيطانه ، وتنضم نفس أخرى إلى نفسه ، وله في مجاهدة نفسه ومصابرة هواه وعدوه أكبر الأشغال ، ومنها أن المكاسب قد فسدت فليس ينال أكثرها إلا يمعصية وهو مسؤول من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، فإن كان كسب من غير حله حسب ذلك عليه ، وإن أنفق على هواه لم يحسب ذلك له ، ومنها أن أكثر النساء قليلات الدين والصلاح ، والأغلب عليهن الجهل والهوى ، فلا يأمن أن ينقاد لهن لأجل هواه فيخسر آخرته ، أو يمانعهن فيغالطهن ، فلا ينقدن له فيتنغص عليه عيش دنياه ، وقال الحسن رحمه الله : والله ما أصبح اليوم رجل يطيع امرأته فيما تهوى إلا أكبه الله في النار ، ومنها أن الأغنياء في مقام الظالمين للفقراء لبخس حقوقهم عنهم ، وتقصيرهم عما أوجب الله عز وجل عليهم لهم ، فإن كان المتأهل فقيرا لقي شدة وجهدا وعنتا وكدا ولم يأمن دخول الآفات عليه لأجل عيلته ، وقد سئل ابن عمر رضي الله عنه عن جهد البلاء فقال : كثرة العيال ، وقلة المال ، وقال بعض السلف : قلة العيال أحد اليسارين ، وكثرة العيال أحد الفقرين ، ويقال : إن العيال عقوبة شهوة الحلال وإن الحرص عقوبة طلب فوق الكفاية فهو عقوبة الموحدين .
وقد جاء في الأثر : الوحدة خير من قرين السوء وهو من القرين الصالح على غير يقين ، فلا يزال اليقين بالشك ، فإن أكثر النساء من لا صلاح فيه لغلبة الهوى وحب الدنيا عليهن ، وفي الخبر : مثل المرأة الصالحة في النساء كمثل الغراب الأعصم من مائة غراب ، يعني الأبيض البطن ، وفي وصية لقمان لابنه : يا بني اتق المرأة السوء فإنها تشيبك قبل المشيب ، واتق شرار النساء فإنهن لا يدعون إلى خير ، وكان من خيارهن على حذر ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في خيرات النساء : إنكن صواحبات يوسف عليه السلام ، إن صرفكن أبا بكر رضي الله عنه عن الإمامة ميل منكن إلى الهوى وتزيين وإغواء ، كما أن زليخا حين راودت يوسف عليه السلام كان ذلك منها غواية وتسويلا ، ففيه اعتذار ليوسف عليه السلام وإيقاع اللوم عليها وتشبه لهن بها ، وقال الله فيهن حين أفشين سر النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ) التحريم : 4 ، يعن مالت إلى الهوى فأمرهما بالتوبة للميل إلى الهوى ، ثم قال : وإن تظاهرا عليه يعني تعاونا وهما من خير الأزواج فماظنك بمن شاكلته الجهالة ووصف الهوى والضلالة ؟ . وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أفلح قوم تملكهم امرأة ، وقال الله تعالى مخبرا بعداوة بعض الأزواج والأولاد : ( إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ) التغابن : 41 ، يعني في الآخرة لانحطاطكم في أهوائهم وميلكم إلى وهن آرائهن ، فصاروا عدوا غدا ، كيف وقد تكون المرأة والولد أعدى عدو للرجل اليوم بل يوم القيامة إذا خالفهم في أهوائهم وعمل بالعلم في أحوالهم وقد كان إبراهيم بن أدهم يقول : من تعود أفخاذ النساء لم يفلح ، وكان بشر رحمه الله يقول : لوكان لي عيال لخشيت أن أكون جلادا على الجسر ، فالوحدة أروح للقلب وأقل للهم لخفة المؤونة وقلة المطالبة وأمن المنازعة وسقوط حكم من أحكام الشرع عنه ، وقد كان السلف يعملون في إسقاط الحكم عنهم للعجز عن القيام بها ، ويغتنمون ذلك ، وفي التخلي قلة الاهتمام بالأدخار والجمع ، وترك المراعاة ، والتحفظ للمبيت في البيت ، وسقوط المسألة والاستخبار ، وترك التجسس للآثار التي نهى الله ورسوله عنها إذ لا يأمن ذلك مع الزوجة السوء ، وإنما زهد الزاهدون في الدنيا لراحة القلب واطراح الهم وسقوط المطالبة ، وقد أبيحت العزبة وفضل التعزب لهذه الأمة في آخر الزمان ، بعد المائتين أبيحت العزبة لأمتي ، ولأن يربي أحدكم جرو كلب خير من أن يربي ولدا ، والخبر المشهور : خير الناس بعد المائتين الخفيف الحاد الذي لا أهل له ولا ولد ، وفي خبر آخر : يأتي على الناس زمان يكون هلاك الرجل على يدي زوجته وأبويه وولده ، يعيرونه بالفقر ويحملونه ما لا يطيق ، فيدخل المداخل التي يذهب فيها دينه فيهلك وربما كانت المرأة عقوبة للعبد .
وقد حدثونا في أخبار الأنبياء عليهم السلام أن قوما دخلوا على يونس عليه السلام فأضافهم ، وكان يدخل ويخرج إلى منزله فتؤذيه امرأته وتستطيل عليه وهو ساكت ، فعجبوا من ذلك ، وهابوه أن يسألوه فقال : لا تعجبوا من هذا ، فإني سألت الله عز وجل فقلت : يا رب ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا فقال : إن عقوبتك ابنة فلان فتزوج بها ، فتزوجت بها وأنا صابر على ما ترون منها ، وهذا كله لمن لم يخش العنت ، فأما من خاف العنت وهو الزنا ، وأصل العنت في اللغة هو الكسر بعد جبر ، يقال للدابة إذا كسرت بعد ما جبرت قد عنتت ، فكأنه كان مجبورا بالعصمة وبالتوبة ثم كسر بالزلل أو العادة السوداء فنكاح الأمة حينئذ خير له من العنت ، والصبر عن نكاح الأمة خير من نكاحها ، وهذا معنى قوله عز وجل في نكاح الأمة : ( ذلك لمن خشي العنت منكم ) النساء : 25 ، وكذلك إن كثرت الخواطر الردية والوساوس الدنية في قلبه بذكر النكاح فشغله ذلك عن فرضه أو شتت ذلك همه ، فإن نكاح الأمة أيضا خير له على أن نكاح الأمة محرم على من وجد طولا بحرة ، انصرف الناس ذات يوم من مجلس ابن عباس وبقي شاب لم يبرح ، فأطال القعود فقال له ابن عباس : هل لك من حاجة فقال : نعم ، لي حاجة استحيت أن أسألك عنها بحضرة الملأ قال : سلني عما شئت قال : إني أهابك وأجلك فقال ابن عباس : إنما العالم بمنزلة الوالد لا حشمة على السائل منه ، فمهما أفضيت به إلى أبيك فأفض به إلي فإنه لا عيب عليك عندي فقال : رحمك الله إني شاب لا زوجة لي وربما خشيت العنت على نفسي ، وربما استمنيت بذكري فهل لي في ذلك معصية ، فأعرض عنه ابن عباس رضي الله عنهما ثم قال : أف وتف ، نكاح الأمة خير من هذا ، وهذا خير من الزنا ، ونكاح الأمة عند علماء العراق حرام على من وجد عشرة دراهم ، وعند بعض علماء الحجاز إذا كان واجدا ثلاثة دراهم لم يحل له نكاح الأمة ، وعن بعض أصحاب ابن المسيب إن وجد الرجل درهمين حرم عليه الأمة ، وقال بعض الناس : أحمق الناس حر تزوج بأمة ، وأعقل الناس عبد تزوج بحرة ، لأن هذا يعتق بعضه وذلك يرق بعضه ، لأنه يرق ولده وقد جاء في كراهة الاستمناء وتحريمه والتغليظ فيه أخبار شديدة . روينا أن الله عز وجل أهلك أمة من الأمم كانوا يعبثون بمذاكيرهم ، وقد أسنده إسماعيل بن أبان عن أنس بن مالك ، وسئل أبو محمد عن النساء فقال : الصبر عنهن ولا الصبر عليهن ، والصبر عليهن خير من الصبر على النار ، وكذلك قال بعض العلماء قبله : معالجة العزبة خير من معالجة النساء وقال بعض علمائنا البصريين من أهل الورع واليقين ، وقد سئل عن التزويج في مثل زماننا ، فذكر ضيق المكاسب وقلة الحلال وكثرة فساد النساء ، فكرهه للورع وأمره بالمدافعة فأعيد عليه في ذلك ، فقال إنه يدخل في المعاصي لدخول الإنسان في الآفات وفي المكاسب المحرمات ومن أكله بدينه وتصنعه للخلق ، فلا يصلح التزويج في هذالوقت إلا لرجل يدركه من الشبق ما يدرك الحمار إذا نظر إلى أتان ، لم يملك نفسه أن يثب عليها حتى يضرب رأسه ، وهو لا ينثني ، فإن كان الإنسان على مثل هذا الوصف كان التزويج له أفضل ، وقد روينا عن قتادة في قوله عز وجل : ( ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) البقرة : 286 ، قال الغلمة وعن عكرمة ومجاهد رضي الله عنهما وخلق الإنسان ضعيفا قال : لا يصبر عن النساء .
وروينا عن فياض بن نجيح إذا قام ذكر الرجل ذهب ثلثا عقله ، وبعضهم يقول : ذهب ثلث دينه ، وروينا في نوادر التفسير عن ابن عباس ومن شر غاسق إذا وقب قال : قيام الذكر وقد أسنده بعض الرواة ، إلا أنه قال فيه : الذكر إذا دخل ولم يذكر قام ، وفي الخبر : إذا تزوج الرجل فقد أحرز نصف دينه ، فليتق الله في الشطر الآخر ، وفي دعاء البراء بن عازب : أعوذ بك من شر سمعي وبصري وقلبي ومني ، فكان المني إذا امتلأ به خرز الصلب ، فطلب الخروج فخيف منه فساد القلب ومرضه بمنزلة الدم إذا كان في العروق ، فإذا تصاعد من الصلب طبخه وغيره فابيض وصار منيا بإذن الله عز وجل ، وذكر النساء في مجلس معاوية فذمهن قوم فقال : لا تفعلوا ، فما علل المريض ولا ندب الميت ولا عمر البيوت مثلهن ، ولا احتاجت الرجال إلى مثلهن وفي بعض التفسير قال : ( أنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ) الكهف : 7 قال : النساء ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج ، وكان يجمع غلمانه لما أدركوا عكرمة وكريب وغيرهما فيقول : إن أردتم النكاح أنكحتكم ، فإن العبد إذا زنا نزع نور الإيمان من قلبه ، وقد قال عمر رضي الله عنه لأبي الزوائد : ما يمنعك من النكاح إلا عجوز أو فجور ، وحدثنا بعض علماء خراسان عن شيخ له من الصالحين ، كان يصحب عبدان صاحب ابن المبارك ووصف من صلاحه وعلمه قال : فكان يكثر التزويج حتى لم يكن يخلو من اثنتين أو ثلاثة فعوتب في ذلك فقال : هل يعرف أحد منكم أنه جلس بين يدي الله عز وجل مجلسا ، أو وقف بين يدي الله موقفا في معاملته ، فخطر على قلبه خاطر شهوة ، وأفكر في ذلك فقيل : قد يصيبنا هذا كثير فقال : لو رضيت في عمري كله بمثل حالكم في وقت واحد لما تزوجت ثم قال ، لكني ما خطر على قلبي خاطر يشغلني عن حالي إلا نفذته لأستريح منه ، وأرجع إلى شغلي ثم قال : منذ أربعين سنة ما خطر على قلبي خاطر معصية ، وسمع بعض العلماء بعض الجهال يطعن على الصوفية فقال : يا هذا ما الذي نقصهم عندك فقال : يأكلون كثيرا فقال : وأنت أيضا ، لو جعت كما يجوعون لأكلت كما يأكلون ثم قال : ماذ ؟ قال : ويتزوجون كثيرا فقال : وأنت أيضا ، لو حفظت فرجك كما يحفظون تزوجت كما يتزوجون وأي شيء أيضا قال : ويسمعون القول قال : وأنت أيضا ، لو نظرت كما ينظرون لسمعت كما يسمعون ، وقد سئل بعض العلماء عن القراء : لم يكثرون الأكل ويكثرون الجماع وتعجبهم الحلاوة فقال : لأنه يطول جوعهم ويتعذر عليهم موجود الطعام ، فإذا وجدوا استكثروا منه ، وأما الحلاوة فإنهم تركوا شرب الخمر وكثرة لذات النفوس فاجتمعت لذتهم في الحلاوة ، فهم يأكلونها ، وأما الجماع فإنهم غضوا أبصارهم في الظاهر ، فضيقوا على قلوبهم في الخواطر ، فاتسعوا في النكاح فأكثروا منه لما ضيقوا على جوارحهم عن الانتشار في الأبصار ، وقد كان الجنيد رحمه الله يقول : أحتاج إلى الجماع كما أحتاج إلى القوت ، وكان ابن عمر رضي الله عنه من زهاد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعلمائهم ، وكان يصوم كثيرا ، وكان يفطر على الجماع قبل الأكل ، وربما جامع قبل أن يصلي بالمغرب ثم يغتسل ويصلي .
وروينا عنه أنه جامع أربعا من جواريه في رمضان قبل صلاة عشاء الآخر ، وقد كان ابن عباس رضي الله عنه يقول : خير هذه الأمة أكثرها نكاحا ، وكان سفيان بن عيينة يقول : كثرة النساء ليست من الدنيا لأن عليا رضي الله تعالى عنه كان أزهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان له أربع نسوة وسبعة عشر سرية ، فالنكاح سنة ماضية وخلق من أخلاق الأنبياء صلوات الله عليهم ، وقد روينا في أخيار الأنبياء أن عابدا تبتل وبلغ من العبادة ما فاق على أهل زمانه ، ووصف بذلك فقال : فذكر ذلك لنبي ذلك الزمان ، فأثنى عليه بحسن الثناء فقال : نعم الرجل هو لولا أنه تارك لشيء من السنة قال : فنمى ذلك إلى العابد فأهمه فقال : ما ينفعني عبادتي ليلا ونهارا وأنا تارك للسنة ، فجاء إلى ذلك النبي فسأله فقال : نعم أنت تارك للتزوج فقال : ما تركته أنني حرمته ومنعني منه إلا أني فقيرلا شيء عندي وأنا عيال على الناس ، يطعمني هذا مرة وهذا مرة ، فكرهت أن أتزوج امرأة أعضلها وأرهقها جهدا ، فقال : ما يمنعك إلا هذا قال : نعم قال : فأنا أزوجك ابنتي قال : فزوجه النبي عليه السلام ابنته في قصة طويلة ، وروينا في نوادر أخبارهم أيضا : أن يحيى بن زكريا عليهما السلام تزوج امرأة ولم يكن يقربها ، قيل : لغض البصر وقيل : للفضل في ذلك ، كأنه أراد أن يجمع الفضائل كلها ، وقيل : للسنة ، وكان بشر بن الحارث رحمه الله يعتقد أحمد بن حنبل رحمه الله ويقول : فضل علي بثلاث بطلب الحلال لنفسه ولغيره ، وأنا أطلب الحلال لنفسي واتساعه للنكاح وضيقي عنه وقد جعل إماما للعامة ، وأنا أطلب الوحدة لنفسي ، ويقال إن أحمد بن حنبل رضي الله عنه تزوج اليوم الثاني من وفاة أم عبد الله ولده ، ويقال إنه لم يبت عزبا بعد وفاتها إلا ليلة ، ولكن قد كان بشر رحمه الله يحتج لنفسه بحجة ، قيل له إن الناس يتكلمون فيك فقال : وما عسى أن يقولوا قال : يقولون هو تارك للسنة في ترك النكاح فقال : قل لهم : هو مشغول بالفرض عن السنة ، وعوتب مرة أخرى في ترك التزوج فقال : ما يمنعني من ذلك إلا حرف في كتاب الله عز وجل : ( ولهن مثل الذي عليهن ) البقرة : 228 قال : فذكر ذلك لأحمد بن حنبل فقال : وأين مثل بشر أنه قعد على مثل حد السنان ، وعلى ذلك فقد بلغنا أنه رحمه الله رؤي في المنام بعد وفاته ، فسئل عن حاله فقال : رفعت سبعين درجة في عليين ، وأشرف بي على مقامات الأنبياء ولم أبلغ منازل المتأهلين ، وبلغنا عنه أنه قال : وعاتبني ربي عز وجل وقال : يا بشر ما كنت أحب أن تلقاني عزبا قال : فقلت له ما فعل أبو نصر التمار فقال : رفع فوقي سبعين درجة فقلنا : بماذا ، وقد كنا نراك فوقه فقال : بصبره على بناته والعيال .
وقد كان ابن مسعود يقول : لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام أموت في آخرها لأحببت أن أتزوج ، ولا ألقى الله عز وجل وأنا أعزب ، وماتت امرأة معاذ بن جبل رضي الله عنه في الطاعون ، وكان هو أيضا مطعونا فقال : زوجوني فإني أكره أن ألقى الله عز وجل عزبا ، وقد كان بعض الصحابة ، انقطع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخدمه ويبيت عنده لحاجة إن طرقته فقال له : ألا تتزوج فقال : يا رسول الله ، أنا فقير لا شيء لي وأنقطع عن خدمتك ، فسكت عنه ثم أعاد عليه ثانية : ألا تتزوج ، فقال له مثل ذلك ، ثم تفكر الصحابي في نفسه فقال : والله لرسول الله أعلم بما يصلح في دنياي وآخرتي ، وما يقربني إلى الله عز وجل مني لئن قال لي الثالثة لأفعلن فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا تتزوج قال : فقلت : يا رسول الله زوجني قال : اذهب إلى بني فلان فقل لهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تنكحوني فتاتكم قال : فقلت : يا رسول الله إنه لا شيء لي فقال لأصحابه : اجمعوا لأخيكم وزن نواة من ذهب ، فجمعوا له وذهب إلى القوم فأنكحوه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أولم فقال : يار سول الله لا شيء عندي فقال لأصحابه : اجمعوا لأخيكم ثمن شاة ، فجمعوا له وأصلح طعاما ، ودعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وفي الخبر المشهور : من كان ذا طول فيلتزوج ، وفي لفظ آخر : من استطاع منكم الباءة يعني الجماع فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لا فليصم ، فإن الصوم له وجاء ، وأصل الوجاء رض الخصيتين للفحل من الغنم لتذهب فحولته وضرابه ، فكانت العرب تجأ بحجرين فتقطع ضرابه ، فيسكن لذلك عهره ويسمن ، ومن ذلك الخبر ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين موجوءين يعني أبيضين مرضوضي الخصية . روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : تناكحوا ، تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة حتى بالسقط والرضيع ، وفي الخبر الآخر : من أحبني فليستن بسنتي يعني النكاح ، وحديث أبي سعيد الخدري : من ترك النكاح مخافة العيلة فليس منا ، وقد كان عمر يكثر النكاح ويقول : ما أتزوج إلا لأجل الولد ، وقد كانت هذه نية جماعة من السلف ، يتزجون لأجل أن يولد لهم فيعيش ، فيوحد الله تعالى ويذكره أو يموت ، فيكون فرطا صالحا يثقل به ميزانه كيف ، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن الطفل يجر أبويه بسرره إلى الجنة وأن المولود يقال له : ادخل الجنة قال : فيقف على باب الجنة ، فيظل محبنطئا أي ممتلئا غيظا وغضبا فيقول : لا أدخل إلا وأبواي معي فيقال : أدخلوا أبويه معه الجنة ، وقد روينا خبرا غريبا : أن الأطفال يجمعون في موقف القيامة عند عرض الخلائق للحساب فيقال للملائكة : اذهبوا بهؤلاء إلى الجنة قال : فيقفون على باب الجنة قال : فيقول لهم : مرحبا بذراري المسليمن ، ادخلوا لا حساب عليكم فيقولون : فأين آباؤنا وأمهاتنا قال : فتقول الخزنة : إن آباءكم وأمهاتكم ليسوا مثلكم ، إنهم كانت لهم ذنوب وسيئات ، فهم يحاسبون عليها ويطالبون قال : فيتضاغون ويضجون على باب الجنة ضجة واحدة فيقول الله عز وجل للملائكة ، وهو أعلم : ما هذه الضجة ، فيقولون : يا ربنا ، أطفال المسلمين قالوا لا ندخل الجنة إلا مع آبائنا فيقول الله عز وجل : تخللوا الجمع ، فخذوا بأيدي آبائهم فأدخلوهم معهم الجنة ، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مات له اثنان من الولد ، فقد احتظر له بحظار من النار ، وفي خبر آخر : من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحنث أدخله الله عز وجل الجنة ، بفضل رحمته إياهم قيل : يا رسول الله ، فاثنان قال : واثنان ، وكان بعض الصالحين يعرض عليه التزويج فيأباه برهة من دهره قال : فانتبه من نومه ذات يوم فقال : زوجوني فسئل عن ذلك فقال : لعل الله يرزقني ولدا أو يقبضني ، فيكون مقدمة لي في الآخرة ، ثم حدث عن سبب ذلك فقال : رأيت في نومي كأن القيامة قد قامت ، وكنت في جملة الخلائق في الموقف ، وبي من العطش ما كاد أن يقطع عنقي ، وكذلك الخلائق في شدة العطش من الحر والشمس والكرب قال : فبينما نحن كذلك ، إذا الولدان يتخللن الجمع ، عليهم مناديل من نور وبأيديهم أباريق من فضة وأكواب من ذهب وهم يسقون الواحد بعد الواحد ، ويتخللون الجمع ويجاوزون أكثر الناس قال : فمددت يدي إلى أحدهم فقلت : اسقني شربة فقد أجهدني العطش فقال : ليس لك فينا ولد إنما نسقي آباءنا فقلت : وما أنتم فقالوا : نحن من مات ، من أطفال المسلمين .
وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير نسائكم الودود الولود ، وروي أيضا : حصيرة في البيت خير من امرأة لا تلد ، وروي أيضا : سوداء ولود خير من حسناء لا تلد ، هذا كله لأجل هذا ، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من رغب عن سنتي فليس مني وإن من سنتي النكاح ، ومن أحبني فليستن بسنتي ويقال : إن الله تعالى لم يذكر في كتابه من الأنبياء إلا المتأهلين وهم خمس وثلاثون ، وقد ذكرنا آنفا أن يحيى عليه السلام قد تزوج ، وأما عيسى عليه السلام فإنه سينكح إذا نزل من السماء ويولد له ، وقد قيل إن فضل المتأهل على العزب كفضل المجاهد على القاعد ، وإن ركعتين من متأهل أفضل من سبعين ركعة من أعزب ، وقال الله تعالى في وصف الرسل ومدحهم : ( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية ) الرعد : 38 ، فعد الأزواج والذرية من مدحهم وذكرها في وصفهم ، وكذلك ألحق بهم أولياءه في المدح والفضل في قوله عز وجل : ( والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ) الفرقان : 74 ، فسألوا الله عز وجل من فضله ، وكل ما ذكرناه من فضل النكاح يشترك في فضل ذلك النساء ، بل هو لهن أفضل وأثوب لسقوط المكاسب عنهن ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المرأة بالتزوج وندبها إليه ، وأخبر بفضل الرجل وفضل المتزوجة على العزباء في غير حديث ، وقال صلى الله عليه وسلم : لعن الله المتبتلين من الرجال الذين يقولون : لا نتزوج ، لعن الله المتبتلات من النساء اللاتي يقلن : لا نتزوج بعد ما ذكر من عظيم حق الرجل على المرأة وثقل واجبه حتى قالت المرأة إذا لا أتزوج إذا قال : بل تزوجي ، فهو خير ، والأخبار في فضل النكاح للزوجين معا أكثر ، وليس مذهبنا الإطالة والإكثار في الجمع ، وقد ندب الله تعالى إلى النكاح في قوله تعالى : ( فاتوا حرثكم أنى شئتم ) البقرة : 223 ، وفي أنى ثلاث ، معان : معنيان منها هنا يكون أنى بمعنى كيف شئتم من ليل أو نهار ، فكيف شئتم مقبلة أو مدبرة ، وبين ذلك بعد أن يكون في موضع الحرث ، وقد يكون أنى في موضع آخر بمعنى أين ، ولا يصلح هذا الوجه ههنا ثم قال عز وجل ( وقدموا لأنفسكم ) البقرة : 223 ، قيل : النكاح معطوف به الإتيان ، وهو أحد الوجوه الثلاثة : لما فيه من فضل الاغتسال من الجنابة ، ولما فيه من فضل مباشرة المرأة وأن المرأة إذا لاعبها بعلها وقبلها كثرت له من الحسنات ما شاء الله ، فإذا اغتسلا خلق الله من كل قطرة ملكا يسبح الله تعالى إلى يوم القيامة ، وجعل ثواب ذلك لهما ، ولما في ذلك من التحصين لهما ووضع النطفة في محلها ، وفي ذلك فضائل جمة ، وقد أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا ، زوجة مؤمنة تعينه على آخرته .
والوجه الثاني في قوله تعالى : ( وقدموا لأنفسكم ) البقرة : 223 ، قيل : الولد قدموا لآخرتكم ، لأنه عمل من أعمالكم ، كما قال عز وجل : ( ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء ) الطور : 21 ، أي ما نقصناهم أولادهم ، أي جازيناهم بهم وجعلناهم مزيدا في حسناتهم لأنهم من أعمالهم وأكسابهم ، وكما قال عز وجل : ( ما أغنى عنه ماله وما كسب ) المسد : 2 ، يعني ولده ، ففي تدبره أن الولد يغني المؤمن في الآخرة كما يغني المال عنه إذا أنفقه في سبيل الله تعالى ، وفي الخبر : ولد الرجل من كسبه فأحل ما أكل من كسب ولده ، والوجه الثالث في قوله عز وجل : ( وقدموا لأنفسكم ) البقرة : 223 ، قيل التسمية عند الجماع أي اذكروا اسم الله تعالى عنده ، فذلك تقدمة لكم ، وأنه يستحب للمجامع أن يسمي الله عز وجل عند جماعه ، ويقرأ ( قل : هو الله أحد ) الإخلاص : 1 قبله ، وكان بعض أصحاب الحديث إذا أراد الجماع ، هلل وكبر حتى يسمع أهل الدار تكبيره ، وإذا كانت المرأة معينة لزوجها على الطاعة ، طالبة للتقلل والقناعة فهي نعمة من الله عليه يطالبه بشكرها قال الله عز وجل : ( وأصلحنا له زوجه ) الأنبياء : 90 فعد ذلك من نعمة الله عليه وإحسانه إليه ، وقيل في التفسير : كان خلقها سيئا فحسن ، وقيل : كان في لسانها طول فقصر ، وروينا عن نبينا صلى الله عليه وسلم : فضلت على آدم عليه السلام بخصلتين : كانت له زوجة عونا له على المعصية وأزواجي عونا لي على الطاعة ، وكان شيطانه كافرا وشيطاني مسلما لا يأمرني إلا بخير ، فعد ذلك صلى الله عليه وسلم في فضائله ، وإذا كانت المرأة حسنة الوجه خيرة الأخلاق سوداء الحدقة والشعر ، كبيرة العين بيضاء اللون ، محبة لزوجها قاصرة الطرف فهذه على صورة الحور العين قال الله تعالى في ذلك : ( فيهن خيرات حسان ) الرحمن : 7 ، ، قيل : خيرات الأخلاق حسان الوجوه وقال تعالى : ( وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون ) الواقعة : 22 - 23 ، والحور البيض والعين ، كبار الأعين هو جمع عيناء ، والحوراء هي البيضاء شديدة بياض العين ، شديدة سوادها وسواد الشعر وقال عز وجل : ( عربا ) الواقعة : 157 العربة على معنيين : تكون العاشقة لزوجها ، وتكون المشتهية للجماع ، وذلك يكون من تمام اللذة في الوقاع ، لأن المرأة إذا لم تكن محبة لزوجها ولا مشتهية لإفضائه إليها ، نقص ذلك من لذته فلذلك وصف الله عز وجل نساء أهل الجنة بتمام اللذة ، ويقال : رجل شبق وامرأة عربة يوصفان بشهوة الجماع كيف وقد روي : خير نسائكم الغلمة على زوجها وقال بعض الحكماء : ثلاث من اللذات لا يؤبه لهن : المشي في الصيف بلا سراويل ، والتبرز على الشط ، ومجامعة الربوخ يعني المشتهية للجماع وقال عز وجل في تمام وصفهن : ( قاصرات الطرف ) الصافات : 48 ، أي قد قصر طرفها على زوجها وحده ، فليست ترى أحسن منه ولاتريد بدلا غيره ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير نسائكم التي إذا نظر إليها الرجل سرته ، وإذا أمرها أطاعته ، وإذا غاب عنها حفظته في نفسه وماله .
وروينا عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه في معنى قوله عز وجل : ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة ) البقرة : 102 قال : المرأة الصالحة ، وفي بعض التفسير : ( فلنحيينه حياة طيبة ) النحل 16 قال : المرأة الصالحة وقد كان عمر رضي الله عنه يقول : المرأة الصالحة ليست من الدنيا لأنها تفرغك للآخرة ، إلا أنه كان يقول : المنفرد يجد من حلاوة العبادة ما لا يجد المتزوج ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول : ما أعطى عبد بعد إيمان بالله عز وجل خيرا من امرأة صالحة ، ووصف النساء فقال : منهن غنم لا يجزأ منه ، يعني غنيمة لا يعتاض منها بعطاء ، الحديا هي العطاء ، ومنهن غل لا يفدي منه أي لا قيمة له فيفدى منه ويجوز أن لا راحة منه كالغل ، فصاحبها أسير بحبها لا يفتدى أبدا إلا بموتها وقال أيضا : قيل : كانت العرب من نهاية تعذيبها للأسير تسلخ جلد الشاة ثم تلبسه إياه لحما طريا ، فيلتزق على جسده وينقبض ، ثم لا تنزعه عنه حتى يقمل وينتثر منه الهوام ، فذلك ؛ هو الغل مثل المرأة المكربة ، واعلم أن النساء على أوصاف النفس ، من عرف صفات النفس عرف بها أوصاف النساء ، وقاساهن بالتجربة ، والخبر : عرف بذلك صفات النفس : فمنهن المسولة وهي أدناهن ، ومنهن الأمارة بالسوء وهي شرهن لا تستر من الأذى ولا تني عن خلق السوء والبذاء ، ومنهن بمنزلة النفس اللوامة وهي من صالحي النساء ، ومنهن المطمئنة المرضية وهذه هي الصالحة الخيرة الساكنة الراضية ، وفصل الخطاب : إن كان صلاح قلب العبد واستقامة حاله في بالعزبة فلا أعدل بالوحدة شيئا ، لأن أقل ما فيها السلامة ، والسلامة في وقتنا هذا فضيلة وغنيمة ، وإن تاقت نفسه إلى التزويج ولم يأمن دواعي الهوى فيتزوج إذا أدى إلى سلامة دينه ، وإن لم تتم كفايته بواحدة ضم إليها أخرى فإن لم تكن بهما غنيمته وتمام حاله وتحصينه زاد ثالثة إلى أربع ، فإن الأربعة مع توقان النفس إلى النكاح وقوة شهوتها في التنقل في المناكح بمنزلة الواحدة ، وإن الواحدة مع وقوع الكفاية ووجود الاستغناء تنوب عن الأربع ، كذلك خير الله عز وجل صورة النفس فيما عليه جبلها ، وفاوت بين الطبائع فيما عليه جعلها ، يقال : إن الله عز وجل أباح الجمع بين الأربع لأجل الطبائع الأربع ، لكل طبيعة واحدة على قدر حركاتها وتوقان النفس عندها ، ولا نقص على العبد في ذلك إذا قام بما عليه لهن أو سمحن بحقوقهن من النفقة والمبيت له ، بل ذلك مزيد له .
Preguntas
- ¿Qué es el tawhid, la creencia islámica en la unicidad de Dios?
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué es el ikhlas (la sinceridad) y por qué es importante?
- ¿Cómo describe el islam la purificación del corazón?