Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn
ورأى عمار الزاهدي مسكينة الطفاوية في المنام وكانت من المواظبات على حلق الذكر فقال مرحبا يا مسكينة فقالت هيهات هيهات ذهبت المسكنة وجاء الغنى فقال هيه فقالت ما تسأل عمن أبيح لها الجنة بحذافيراها قال وبم ذلك قالت بمجالسة أهل الذكر وعلى الجملة فما ينحل عن القلب من عقد حب الدنيا بقول واعظ حسن الكلام زكي السيرة أشرف وأنفع من ركعات كثيرة مع اشتمال القلب على حب الدنيا الرابع المحترف الذي يحتاج إلى الكسب لعياله فليس له أن يضيع العيال ويستغرق الأوقات في العبادات بل ورده في وقت الصناعة حضور السوق والاشتغال بالكسب ولكن ينبغي أن لا ينسى ذكر الله تعالى في صناعته بل يواظب على التسبيحات الأذكار وقراءة القرآن فإن ذلك يمكن أن يجمع إلى العمل وإنما لا يتيسر مع العمل الصلاة إلا أن يكون ناظورا فإنه لا يعجز عن إقامة أوراد الصلاة معه ثم مهما فرغ من كفايته ينبغي أن يعود إلى ترتيب الأوراد وإن داوم على الكسب وتصدق بما فضل عن حاجته فهو أفضل من سائر الأوراد التي ذكرناها لأن العبادات المتعدية فائدتها أنفع من اللازمة والصدقة والكسب على هذه النية عبادة له في نفسه تقربه إلى الله تعالى ثم يحصل به فائدة للغير وتتجذب إليه بركات دعوات المسلمين ويتضاعف به الأجر الخامس الوالي مثل الإمام والقاضي والمتولي في أمور المسلمين فقيامه بحاجات المسلمين وأغراضهم على وفق الشرع وقصد الإخلاص أفضل من الأوراد المذكورة فحقه أن يشتغل بحقوق الناس نهارا ويقتصر على المكتوبة ويقيم الأوراد المذكورة بالليل كما كان عمر رضي الله عنه يفعله إذ قال مالي وللنوم فلو نمت بالنهار ضيعت المسلمين ولو نمت بالليل ضيعت نفسي وقد فهمت بما ذكرناه أنه يقدم على العبادات البدنية أمران أحدهما العلم والآخر الرفق بالمسلمين لأن كل واحد من العلم وفعل المعروف عمل في نفسه وعبادة تفضل سائر العبادات يتعدى فائدته وانتشار جدواه فكانا مقدمين عليه السادس الموحد المستغرق بالواحد الصمد الذي أصبح وهمومه هم واحد فلا يحب إلا الله تعالى ولا يخاف إلا منه ولا يتوقع الرزق من غيره ولا ينظر في شيء إلا ويرى الله تعالى فيه فمن ارتفعت رتبته إلى هذه الدرجة لم يفتقر إلى تنويع الأوراد واختلافها بل كان ورده بعد المكتوبات واحد وهو حضور القلب مع الله تعالى في كل حال فلا يخطر بقلوبهم أمر ولا يقرع سمعهم قارع ولا يلوح لأبصارهم لائح إلا كان لهم فيه عبرة وفكر ومزيد فلا محرك لهم ولا مسكن إلا الله تعالى فهؤلاء جميع أحوالهم تصلح أن تكون سببا لازيادهم فلا تتميز عندهم عبادة عن عبادة وهم الذين فروا إلى الله عز وجل كما قال تعالى لعلكم تذكرون ففروا إلى الله وتحقق فيهم قوله تعالى وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته وإليه الإشارة بقوله إني ذاهب إلى ربي سيهدين وهذه منتهى درجات الصديقين ولا وصول إليها إلا بعد ترتيب الأوراد والمواظبة عليها دهرا طويلا فلا ينبغي أن يغتر المريد بما سمعه من ذلك فيدعيه لنفسه ويفتر عن وظائف عبادته فذلك علامته أن لا يهجس في قلبه وسواس ولا يخطر في قلبه معصية ولا ترعجه هواجم الأهوال ولا تستفزه عظائم الأشغال وأنى ترزق هذه الرتبة لكل أحد فيتعين على الكافة ترتيب الأوراد كما ذكرناه وجميع ما ذكرناه طرق إلى الله تعالى قال تعالى قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا فكلهم مهتدون وبعضهم أهدى من بعض وفي الخبر الإيمان ثلاث وثلاثون وثلثمائة طريقة من لقي الله تعالى بالشهادة على طريق منها دخل الجنة وقال بعض العلماء الإيمان ثلثمائة وثلاثة عشر خلقا بعدد الرسل فكل مؤمن على خلق منها فهو سألك الطريق إلى الله
فإذن الناس وإن اختلفت طرقهم في العبادة فكلهم على الصواب أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب وإنما يتفاوتون في درجات القرب لا في أصله وأقربهم إلى الله تعالى أعرفهم به وأعرفهم به لا بد وأن يكون أعبدهم له فمن عرفه لم يعبد غيره والأصل في الأوراد في حق كل صنف من الناس المداومة فإن المراد منه تغيير الصفات الباطنة وآحاد الأعمال يقل آثارها بل لا يحس بآثارها وإنما يترتب الأثر على المجموع فإذا لم يعقب العمل الواحد أثرا محسوسا ولم يردف بثان وثالث على القرب انمحى الأثر الأول وكان كالفقيه يريد أن يكون فقيه النفس فإنه لا يصير فقيه النفس إلا بتكرار كثير فلو بالغ ليلة في التكرار وترك شهرا أو أسبوعا ثم عاد وبالغ ليلة لم يؤثر هذا فيه ولو وزع ذلك القدر على الليالي المتواصلة لأثر فيه ولهذا السر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل وسئلت عائشة رضي الله عنها عن عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان عمله ديمة وكان إذا عمل عملا أثبته ولذلك قال صلى الله عليه وسلم من عوده الله عبادة فتركها ملالة مقته الله وهذا كان السبب في صلاته بعد العصر تداركا لما فاته من ركعتين شغله عنهما الوفد ثم لم يزل بعد ذلك يصليهما بعد العصر ولكن في منزله لا في المسجد كيلا يقتدى به روته عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما فإن قلت فهل لغيره أن يقتدي به في ذلك مع أن الوقت وقت كراهية فاعلم أن المعاني الثلاثة التي ذكرناها في الكراهية من الاحتراز عن التشبه بعبدة الشمس أو السجود وقت ظهور قرن الشيطان أو الاستراحة عن العبادة حذرا من الملال لا يتحقق في حقه فلا يقاس عليه في ذلك غيره ويشهد لذلك فعله في المنزل حتى لا يقتدى به صلى الله عليه وسلم الباب الثاني في الأسباب الميسرة لقيام الليل وفي الليالي التي يستحب إحياؤها وفي فضيلة إحياء الليل وما بين العشاءين وكيفية قسمة الليل فضيلة إحياء ما بين العشاءين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روت عائشة رضي الله عنها إن أفضل الصلوات عند الله صلاة المغرب لم يحطها عن مسافر ولا عن مقيم فتح بها فقضى صلاة الليل وختم بها صلاة النهار فمن صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين بنى الله له قصر في الجنة الباب الثاني في الأسباب الميسرة لقيام الليل حديث عائشة إن أفضل الصلاة عند الله صلاة المغرب لم يحطها عن مسافر ولا عن مقيم الحديث رواه أبو الوليد يونس بن عبيد الله الصفار في كتاب الصلاة ورواه الطبراني في الأوسط مختصرا وإسناده ضعيف حديث أم سلمة عن أبي هريرة من صلى ست ركعات بعد المغرب عدلت له عبادة سنة أو كأنه صلى ليلة القدر أخرجه الترمذي وابن ماجه بلفظ اثنتي عشرة سنة وضعفه الترمذي وأما قوله كأنه صلى ليلة القدر فهو من قول كعب الأحبار كما رواه أبو الوليد الصفار ولأبي منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عباس من صلى أربع ركعات بعد المغرب قبل أن يكلم أحدا وضعت له في عليين وكان كمن أدرك ليلة القدر في المسجد الأقصى وسنده ضعيف // وعن سعيد بن جبير عن ثوبان
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من عكف نفسه فيما بين المغرب والعشاء في مسجد جماعة لم يتكلم إلا بصلاة أو قرآن كان حقا على الله أن يبني له قصرين في الجنة مسيرة كل قصر منهما مائة عام ويغرس له بينهما غراسا لو طافه أهل الدنيا لوسعهم وقال صلى الله عليه وسلم من ركع عشر ركعات ما بين المغرب والعشاء بنى الله له قصرا في الجنة فقال عمر رضي الله عنه إذا تكثر قصورنا يا رسول الله فقال الله أكثر وأفضل أو قال أطيب وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى المغرب في جماعة ثم صلى بعدها ركعتين ولم يتكلم بشيء فيما بين ذلك من أمر الدنيا ويقرأ في الركعة الأولى فاتحة الكتاب وعشر آيات من أول سورة البقرة وآيتين من وسطها وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم إن في خلق السموات والأرض إلى آخر الآية وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة ثم يركع ويسجد فإذا قام في الركعة الثانية قرأ فاتحة الكتاب وآية الكرسي وآيتين بعدها إلى قوله أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون وثلاث آيات من آخر سورة البقرة من قوله لله ما في السموات وما في الأرض إلى آخرها وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة وصف من ثوابه في الحديث ما يخرج عن الحصر وقال كرز بن وبرة وهو من الأبدال قلت للخضر عليه السلام علمني شيئا أعمله في كل ليلة فقال إذا صليت المغرب فقم إلى وقت صلاة العشاء مصليا من غير أن تكلم أحدا وأقبل على صلاتك التي أنت فيها وسلم من كل ركعتين واقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وقل هو الله أحد ثلاثا فإن فرغت من صلاتك انصرف إلى منزلك ولا تكلم أحدا وصل ركعتين واقرأ فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد سبع مرات في كل ركعة ثم اسجد بعد تسليمك واستغفر الله تعالى سبع مرات وقل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم سبع مرات ثم ارفع رأسك من السجود واستو جالسا وارفع يديك وقل يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام يا إله الأولين والآخرين يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما يا رب يا رب يا رب يا الله يا الله يا الله ثم قم وأنت رافع يديك وادع بهذا الدعاء ثم نم حيث شئت مستقبل القبلة على يمينك وصل على النبي صلى الله عليه وسلم وأدم الصلاة عليه حتى يذهب بك النوم فقلت له أحب أن تعلمني ممن سمعت هذا فقال إني حضرت محمدا صلى الله عليه وسلم حيث علم هذا الدعاء وأوحي إليه به فكنت عنده وكان ذلك بمحضر مني فتعلمته ممن علمه إياه ويقال إن هذا الدعاء وهذه الصلاة من داوم عليهما بحسن يقين وصدق نية رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه قبل أن يخرج من الدنيا وقد فعل ذلك بعض الناس فرأى أنه أدخل الجنة ورأى فيها الأنبياء ورأى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه وعلمه وعلى الجملة ما ورد في فضل إحياء ما بين العشاءين كثير حتى قيل لعبيد الله مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصلاة غير المكتوبة قال ما بين المغرب والعشاء وقال صلى الله عليه وسلم من صلى ما بين المغرب والعشاء تلك
صلاة الأوابين وقال الأسود ما أتيت ابن مسعود رضي الله عنه في هذا الوقت إلا ورأيته يصلي فسألته فقال نعم هي ساعة الغفلة وكان أنس رضي الله عنه يواظب عليها ويقول هي ناشئة الليل ويقول فيها نزل قوله تعالى {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} وقال أحمد بن أبي الحواري قلت لأبي سليمان الداراني أصوم النهار وأتعشى بين المغرب والعشاء أحب إليك أو أفطر بالنهار وأحيي ما بينهما فقال اجمع بينهما فقلت إن لم يتيسر قال أفطر وصل ما بينهما فضيلة قيام الليل أما من الآيات فقوله تعالى {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل} الآية وقوله تعالى {إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا} وقوله سبحانه وتعالى {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} وقوله تعالى أمن هو قانت آناء الليل الآية وقوله عز وجل {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما} وقوله تعالى {واستعينوا بالصبر والصلاة} قيل هي قيام الليل يستعان بالصبر عليه على مجاهدة النفس ومن الأخبار قوله صلى الله عليه وسلم يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد فإن استيقظ وذكر الله تعالى انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان وفي الخبر أنه ذكر عنده رجل ينام كل الليل حتى يصبح فقال ذاك رجل بال الشيطان في ادنه وفي الخبر إن للشيطان سعوطا ولعوقا وذرورا فإذا أسعط العبد ساء خلقه وإذا ألعقه ذرب لسانه بالشر وإذا ذره نام الليل حتى يصبح وقال صلى الله عليه وسلم ركعتان يركعهما العبد في جوف الليل خير له من الدنيا وما فيها ولولا أن أشق على أمتي لفرضتهما عليهم وفي الصحيح عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن من الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى خيرا إلا أعطاه إياه وفي رواية يسأل الله تعالى خيرا من الدنيا والآخرة وذلك في كل ليلة وقال المغيرة بن شعبة قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تفطرت قدماه فقيل له أما قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال أفلا أكون عبدا شكورا ويظهر من معناه أن ذلك كناية عن زيادة الرتبة فإن الشكر سبب المزيد قال تعالى {لئن شكرتم لأزيدنكم} وقال صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة أتريد أن تكون رحمة الله عليك حيا وميتا ومقبورا ومبعوثا قم من الليل فصل وأنت تريد رضا ربك يا أبا هريرة صل في زوايا بيتك يكن نور بيتك في السماء كنور الكواكب والنجم عند أهل الدنيا وقال صلى الله عليه وسلم عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم فإن قيام الليل قربة إلى الله عز وجل وتكفير للذنوب
ومطردة للداء عن الجسد ومنهاة عن الإثم وقال صلى الله عليه وسلم ما من امرئ تكون له صلاة بالليل فغلبه عليها النوم إلا كتب له أجر صلاته وكان نومه صدقة عليه وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر لو أردت سفرا أعددت له عدة قال نعم قال فكيف سفر طريق القيامة ألا أنبئك يا أبا ذر بما ينفعك ذلك اليوم قال بلى بأبي أنت وأمي قال صم يوما شديد الحر ليوم النشور وصل ركعتين في ظلمة الليل لوحشة القبور وحج حجة لعظائم الأمور وتصدق بصدقة على مسكين أو كلمة حق تقولها أو كلمة شر تسكت عنها وروي أنه كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم رجل إذا أخذ الناس مضاجعهم وهدأت العيون قام يصلي ويقرأ القرآن ويقول يا رب النار أجرني منها فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال إذا كان ذلك فآذنوني فأتاه فاستمع فلما أصبح قال يا فلان هلا سألت الله الجنة قال يا رسول الله إني لست هناك ولا يبلغ عملي ذاك فلم يلبث إلا يسيرا حتى نزل جبرائيل عليه السلام وقال أخبر فلانا أن الله قد أجاره من النار وأدخله الجنة ويروى أن جبرائيل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم نعم الرجل ابن عمر لو كان يصلي بالليل فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فكان يداوم بعده على قيام الليل قال نافع كان يصلي بالليل ثم يقول يا نافع أسحرنا فأقول لا فيقوم لصلاته ثم يقول يا نافع أسحرنا فأقول نعم فيقعد فيستغفر الله تعالى حتى يطلع الفجر وقال علي بن أبي طالب شبع يحيى بن زكريا عليهما السلام من خبز شعير فنام عن ورده حتى أصبح فأوحى الله تعالى إليه يا يحيى أوجدت دارا خيرا لك من داري أم وجدت جوارا خيرا لك من جواري فوعزتي وجلالي يا يحيى لو اطلعت إلى الفردوس اطلاعه لذاب شحمك ولزهقت نفسك اشتياقا ولو اطلعت إلى جهنم اطلاعة لذاب شحمك ولبكيت الصديد بعد الدموع ولبست الجلد بعد المسوح وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن فلانا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق فقال سينهاه ما يعمل وقال صلى الله عليه وسلم رحم الله رجلا قام من الليل فصلى ثم أيقظ امرأته فصلت فإن أبت نضح في وجهها الماء وقال صلى الله عليه وسلم رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت ثم أيقظت زوجها فصلى فإن أبى نضحت في وجهه الماء وقال صلى الله عليه وسلم من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات وقال صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل وقال
عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم من نام عن حزبه أو عن شيء منه بالليل فقرأه بين صلاة الفجر والظهر كتب له كأنما قرأه من الليل الآثار روي أن عمر رضي الله عنه كان يمر بالآية من ورده بالليل فيسقط حتى يعاد منها أياما كثيرة كما يعاد المريض وكان ابن مسعود رضي الله عنه إذا هدأت العيون قام فيسمع له دوي كدوي النحل حتى يصبح ويقال إن سفيان الثوري رحمه الله شبع ليلة فقال إن الحمار إذا زيد في علفه زيد في عمله فقام تلك الليلة حتى أصبح وكان طاوس رحمه الله إذا اضطجع على فراشه يتقلى عليه كما تتقلى الحبة على المقلاة ثم يثب ويصلي إلى الصباح ثم يقول طير ذكر جهنم نوم العابدين وقال الحسن رحمه الله ما نعلم عملا أشد من مكابدة الليل ونفقة هذا المال فقيل له ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوها قال لأنهم خلوا بالرحمن بالرحمن فألبسهم نورا من نوره وقدم بعض الصالحين من سفره فمهد له فراش فنام عليه حتى فاته ورده فحلف أن لا ينام بعدها على فراش أبدا وكان عبد العزيز بن رواد إذا جن عليه الليل يأتي فراشه فيمو يده عليه ويقول إنك للين ووالله إن في الجنة لألين منك ولا يزال يصلي الليل كله وقال الفضيل إني لأستقبل الليل من أوله فيهولني طوله فأفتتح القرآن فأصبح وما قضيت نهمتي وقال الحسن إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل وقال الفضيل إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم وقد كثرت خطيئتك وكان صلة بن أشيم رحمه الله يصلي الليل كله فإذا كان في السحر قال إلهي ليس مثلي يطلب الجنة ولكن أجرني برحمتك من النار وقال رجل لبعض الحكماء إني لأضعف عن قيام الليل فقال له يا أخي لا تعص الله تعالى ولا تقم بالليل وكان للحسن بن صالح جارية فباعها من قوم فلما كان في جوف الليل قامت الجارية فقالت يا أهل الدار الصلاة الصلاة فقالوا أصبحنا أطلع الفجر فقالت وما تصلون إلا المكتوبة قالوا نعم فرجعت إلى الحسن فقالت يا مولاي بعتني من قوم لا يصلون إلا المكتوبة ردني فردها وقال الربيع بت في منزل الشافعي رضي الله عنه ليالي كثيرة فلم يكن ينام من الليل إلا يسيرا وقال أبو الجويرية لقد صحبت أبا حنيفة رضي الله عنه ستة أشهر فما فيها ليلة وضع جنبه على الأرض وكان أبو حنيفة يحيي نصف الليل فمر بقوم فقالوا إن هذا يحيي الليل كله فقال إني أستحي أن أوصف بما لا أفعل فكان بعد ذلك يحيى الليل كله ويروى أنه ما كان له فراش بالليل ويقال إن مالك بن دينار رضي الله عنه بات يردد هذه الآية ليلة حتى أصبح أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات الآية وقال المغيرة بن حبيب رمقت مالك بن دينار فتوضأ بعد العشاء ثم قام إلى مصلاه فقبض على لحيته فخنقته العبرة فجعل يقول حرم شيبة مالك على النار إلهي قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار فأي الرجلين مالك وأي الدارين دار مالك فلم يزل ذلك قوله حتى طلع الفجر وقال مالك بن دينار شهوت ليلة عن وردي ونمت فإذا أنا في المنام بجارية كأحسن ما يكون وفي يدها رقعة فقالت لي أتحسن تقرأ فقلت نعم فدفعت إلي الرقعة فإذا فيها أألهتك اللذائذ والأماني ... عن البيض الأوانس في الجنان تعيش مخلدا لا موت فيها ... وتلهو في الجنان مع الحسان تنبه من منامك إن خيرا ... من النوم التهجد بالقران وقيل حج مسروق فما بات ليلة إلا ساجدا ويروى عن أزهر بن مغيث وكان من القوامين أنه قال رأيت في
المنام امرأة لا تشبه نساء أهل الدنيا فقلت لها من أنت قالت حوراء فقلت زوجيني نفسك فقالت اخطبني إلى سيدي وأمهرني فقلت وما مهرك قالت طول التهجد وقال يوسف بن مهران بلغني أن تحت العرش ملكا في صورة ديك براثنه من لؤلؤ وصئصئه من زبرجد أخضر فإذا مضى ثلث الليل الأول ضرب بجناحيه وزقا وقال ليقم القائمون فإذا مضى نصف الليل ضرب بجناحيه وزقا وقال ليقم المتهجدون فإذا مضى ثلثا الليل ضرب بجناحيه وزقا وقال ليقم المصلون فإذا طلع الفجر ضرب بجناحيه وزقا وقال ليقم الغافلون وعليهم أوزارهم وقبل أن وهب بن منبه اليماني ما وضع جنبه إلى الأرض ثلاثين سنة وكان يقول لأن أرى في بيتي شيطانا أحب إلي من أن أرى في بيتي وسادة لأنها تدعو إلى النوم وكانت له مسورة من أدم إذا غلبه النوم وضع صدره عليها وخفق خفقات ثم يفزع إلى الصلاة وقال بعضهم رأيت رب العزة في النوم فسمعته يقول وعزتي وجلالي لأكرمن مثوى سليمان التيمي فإنه صلى لي الغداة بوضوء العشاء أربعين سنة ويقال كان مذهبه أن النوم إذا خامر القلب بطل الوضوء وروي في بعض الكتب القديمة عن الله تعالى أنه قال إن عبدي الذي هو عبدي حقا الذي لا ينتظر بقيامه صياح الديكة بيان الأسباب التي بها يتيسر قيام الليل اعلم أن قيام الليل عسير على الخلق إلا على من وفق للقيام بشروطه الميسرة له ظاهرا وباطنا فأما الظاهرة فأربعة أمور الأول أن لا يكثر الأكل فيكثر الشرب فيغلبه النوم ويثقل عليه القيام كان بعض الشيوخ يقف على المائدة كل ليلة ويقول معاشر المريدين لا تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا فترقدوا كثيرا فتتحسروا عند الموت كثيرا وهذا هو الأصل الكبير وهو تخفيف المعدة عن ثقل الطعام الثاني أن لا يتعب نفسه بالنهار في الأعمال التي تعيا بها الجوارح وتضعف بها الأعصاب فإن ذلك أيضا مجلبة للنوم الثالث أن لا يترك القيلولة بالنهار فإنها سنة للاستعانة على قيام الليل الرابع أن لا يحتقب الأوزار بالنهار فإن ذلك مما يقسي القلب ويحول بينه وبين أسباب الرحمة قال رجل للحسن يا أبا سعيد إني أبيت معافى وأحب قيام الليل وأعد طهوري فما بالي لا أقوم فقال ذنوبك قيدتك وكان الحسن رحمة الله إذا دخل السوق فسمع لغطهم ولغوهم يقول أظن أن ليل هؤلاء ليل سوء فإنهم لا يقيلون وقال الثوري حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته قيل وما ذاك الذنب قال رأيت رجلا يبكي فقلت في نفسي هذا مراء وقال بعضهم دخلت على كرز بن وبرة وهو يبكي فقلت أتاك نعي بعض أهلك فقال اشد فقلت وجع يؤلمك قال أشد قلت فما ذاك قال بابي مغلق وستري مسبل ولم أقرأ حزبي البارحة وما ذاك إلا بذنب أحدثته وهذا لأن الخير يدعو إلى الخير والشر يدعو إلى الشر والقليل من كل واحد منهما يجر إلى الكثير ولذلك قال أبو سليمان الداراني لا تفوت أحدا صلاة الجماعة إلا بذنب وكان يقول الاحتلام بالليل عقوبة والجنابة بعد وقال بعض العلماء إذا صمت يا مسكين فانظر عند من تفطر وعلى أي شيء تفطر فإن العبد ليأكل أكلة فينقلب قلبه عما كان عليه ولا يعود إلى حالته الأولى فالذنوب كلها تورث قساوة القلب وتمنع من قيام الليل وأخصها بالتأثير تناول الحرام وتؤثر اللقمة الحلال في تصفية القلب وتحريكه إلى الخير ما لا يؤثر غيرها ويعرف ذلك أهل المراقبة للقلوب بالتجربة بعد شهادة الشرع له ولذلك قال بعضهم كم من أكلة منعت قيام ليلة وكم من نظرة منعت قراءة سورة وإن العبد ليأكل أكلة أو يفعل فعلة فيحرم بها قيام سنة وكما إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر فكذلك الفحشاء تنهى عن الصلاة وسائر الخيرات وقال بعض السجانين كنت سجانا نيفا وثلاثين سنة أسأل كل مأخوذ بالليل أنه هل صلى العشاء في جماعة فكانوا يقولون لا وهذا تنبيه على أن بركة الجماعة تنهى عن تعاطي الفحشاء والمنكر
وأما الميسرات الباطنة فأربعة أمور الأول سلامة القلب عن الحقد على المسلمين وعن البدع وعن فضول هموم الدنيا فالمستغرق الهم بتدبير الدنيا لا يتيسر له القيام وإن قام فلا يتفكر في صلاته إلا في مهماته ولا يجول إلا في وساوسه وفي مثل ذلك يقال يخبرني البواب أنك نائم ... وأنت إذا استيقظت أيضا فنائم الثاني خوف غالب يلزم القلب مع قصر الأمل فإنه إذا تفكر في أهوال الآخرة ودركات جهنم طار نومه وعظم حذره كما قال طاوس إن ذكر جهنم طير نوم العابدين وكما حكي أن غلاما بالبصرة اسمه صهيب كان يقوم الليل كله فقالت له سيدته إن قيامك بالليل يضر بعملك بالنهار فقال إن صهيبا إذا ذكر النار لا يأتيه النوم وقيل لغلام آخر وهو يقوم كل الليل فقال إذا ذكرت النار اشتد خوفي وإذا ذكرت الجنة اشتد شوقي فلا أقدر أن أنام وقال ذو النون المصري رحمه الله منع القرآن بوعده ووعيده ... مقل العيون بليلها أن تهجعا فهموا عن الملك الجليل كلامه ... فرقابهم ذلت إليه تخضعا وأنشدوا أيضا يا طويل الرقاد والغفلات ... كثرة النوم تورث الحسرات إن في القبر إن نزلت إليه ... لرقادا يطول بعد الممات ومهادا ممهدا لك فيه ... بذنوب عملت أو حسنات أأمنت البيات من ملك المو ... ت وكم نال آمنا ببيات وقال ابن المبارك إذا ما الليل أظلم كابدوه ... فيسفر عنهم وهم ركوع أطار الخوف نومهم فقاموا ... وأهل الأمن في الدنيا هجوع الثالث أن يعرف فضل قيام الليل بسماع الآيات والأخبار والآثار حتى يستحكم به رجاؤه وشوقه إلى ثوابه فيهيجه الشوق لطلب المزيد والرغبة في درجات الجنان كما حكي أن بعض الصالحين رجع من غزوته فمهدت امرأته فراشها وجلست تنتظره فدخل المسجد ولم يزل يصلي حتى أصبح فقالت له زوجته كنا ننتظرك مدة فلما قدمت صليت إلى الصبح قال والله إني كنت أتفكر في حوراء من حور الجنة طول الليل فنسيت الزوجة والمنزل فقمت طول ليلتي شوقا إليها الرابع وهو أشرف البواعث الحب لله وقوة الإيمان بأنه في قيامه لا يتكلم بحرف إلا وهو مناج ربه وهو مطلع عليه مع مشاهدة ما يخطر بقلبه وأن تلك الخطرات من الله تعالى خطاب معه فإذا أحب الله تعالى أحب لا محالة الخلوة به وتلذذ بالمناجاة فتحمله لذة المناجاة بالحبيب على طول القيام ولا ينبغي أن يستبعد هذه اللذة إذ يشهد لها العقل والنقل فأما العقل فليعتبر حال المحب لشخص بسبب جماله أو لملك بسبب إنعامه وأمواله أنه كيف يتلذذ به في الخلوة ومناجاته حتى لا يأتيه النوم طول ليله فإن قلت إن الجميل يتلذذ بالنظر إليه وإن الله تعالى لا يرى فاعلم
أنه لو كان الجميل المحبوب وراء ستر أو كان في بيت مظلم لكان المحب يتلذذ بمجاورته المجردة دون النظر ودون الطمع في أمر آخر سواه وكان يتنعم بإظهار حبه عليه وذكره بلسانه بمسمع منه وإن كان ذلك أيضا معلوما عنده فإن قلت إنه ينتظر جوابه فليتلذذ بسماع جوابه وليس يسمع كلام الله تعالى فاعلم أنه إن كان يعلم أنه لا يجيبه ويسكت عنه فقد بقيت له أيضا لذة في عرض أحواله عليه ورفع سريرته إليه كيف والموقن يسمع من الله تعالى كل ما يرد على خاطره في أثناء مناجاته فيتلذذ به وكذا الذي يخلو بالملك ويعرض عليه حاجاته في جنح الليل يتلذذ به في رجاء إنعامه والرجاء في حق الله تعالى أصدق وما عند الله خير وأبقى وأنفع مما عند غيره فكيف لا يتلذذ بعرض الحاجات عليه في الخلوات وأما النقل فيشهد له أحوال قوام الليل في تلذذهم بقيام الليل واستقصارهم له كما يستقصر المحب ليلة وصال الحبيب حتى قيل لبعضهم كيف أنت والليل قال ما راعيته قط يريني وجهه ثم ينصرف وما تأملته بعد وقال آخر أنا والليل فرسا رهان مرة يسبقني إلى الفجر ومرة يقطعني عن الفكر وقيل لبعضهم كيف الليل عليك فقال ساعة أنا فيها بين حالتين أفرح بظلمته إذا جاء وأغتم بفجره إذا طلع ما تم فرحي به قط وقال علي بن بكار منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء سوى طلوع الفجر وقال الفضيل بن عياض إذا غربت الشمس فرحت بالظلام لخلوتي بربي وإذا طلعت حزنت لدخول الناس علي وقال أبو سليمان أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا وقال أيضا لو عوض الله أهل الليل من ثواب أعمالهم ما يجدونه من اللذة لكان ذلك أكثر من ثواب أعمالهم وقال بعض العلماء ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة وقال بعضهم لذة المناجاة ليست من الدنيا إنما هي من الجنة أظهرها الله تعالى لأوليائه لا يجدها سواهم وقال ابن المنكدر ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث قيام الليل ولقاء الإخوان والصلاة في الجماعة وقال بعض العارفين إن الله تعالى ينظر بالأسحار إلى قلوب المتيقظين فيملؤها أنوارا فترد الفوائد على قلوبهم فتستنير ثم تنتشر من قلوبهم العوافي إلى قلوب الغافلين وقال بعض العلماء من القدماء أن الله تعالى أوحى إلى بعض الصديقين إن لي عبادا من عبادي أحبهم ويحبونني ويشتاقون إلي وأشتاق إليهم ويذكرونني وأذكرهم وينظرون إلي وأنظر إليهم فإن حذوت طريقهم أحببتك وإن عدلت عنهم مقتك قال يا رب وما علامتهم قال يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي غنمه ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها فإذا جنهم الليل واختلط الظلام وخلا كل حبيب بحبيبه نصبوا إلى أقدامهم وافترشوا إلى وجوههم وناجوني بكلامي وتملقوا إلي بإنعامي فبين صارخ وباكي وبين متأوه وشاكي بعيني ما يتحملون من أجلي وبسمعي ما يشتكون من حبي أول ما أعطيهم أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم والثانية لو كانت السموات السبع والأرضون السبع وما فيهما من موازينهم لاستقللتها لهم والثالثة أقبل بوجهي عليهم أفترى من أقبلت بوجهي عليه أيعلم أحد ما أريد أن أعطيه وقال مالك بن دينار رحمه الله إذا قام العبد يتهجد من الليل قرب منه الجبار عز وجل وكانوا يرون ما يجدون من الرقة والحلاوة في قلوبهم والأنوار من قرب الرب تعالى من القلب وهذا له سر وتحقيق ستأتي الإشارة إليه في كتاب المحبة وفي الأخبار عن الله عز وجل أي عبدي أنا الله الذي اقتربت من قلبك وبالغيب رأيت نوري وشكا بعض المريدين إلى أستاذه طول سهر الليل وطلب حيلة يجلب بها النوم فقال أستاذه يا بني إن لله نفحات في الليل والنهار تصيب القلوب المتيقظة تحظىء القلوب النائمة فتعرض لتلك النفحات فقال يا سيدي تركتني لا أنام بالليل ولا بالنهار
واعلم أن هذه النفحات بالليل أرجى لما في قيام الليل من صفاء القلب واندفاع الشواغل وفي الخبر الصحيح عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن من الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى خيرا إلا أعطاه إياه وفي رواية أخرى يسأل الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه وذلك كل ليلة ومطلوب القائمين تلك الساعة وهي مهمة في جملة الليل كليلة القدر في شهر رمضان وكساعة يوم الجمعة وهي ساعة النفحات المذكورة والله أعلم بيان طرق القسمة لأجزاء الليل اعلم أن إحياء الليل من حيث المقدار له سبع مراتب الأولى إحياء كل الليل وهذا شأن الأقوياء الذين تجردوا لعبادة الليل وتلذذوا بمناجاته وصار ذلك غذاء لهم وحياة لقلوبهم فلم يتعبوا بطول القيام وردوا المنام إلى النهار وفي وقت اشتغال الناس وقد كان ذلك طريق جماعة من السلف كانوا يصلون الصبح بوضوء العشاء حكى أبو طالب المكي أن ذلك حكي على سبيل التواتر والاشتهار عن أربعين من التابعين وكان فيهم من واظب عليه أربعين سنة قال منهم سعيد بن المسيب وصفوان بن سليم المدنيان وفضيل بن عياض ووهيب بن الورد المكيان وطاوس ووهب بن منبه اليمانيان والربيع بن خيثم والحكم الكوفيان وأبو سليمان الداراني وعلي بن بكار الشاميان وأبو عبد الله الخواص وأبو عاصم العباديان وحبيب أبو محمد وأبو جابر السلماني الفارسيان ومالك بن دينار سليمان التيمي ويزيد الرقاشي وحبيب بن أبي ثابت ويحيى البكاء البصريون وكهمس بن المنهال وكان يختم في الشهر تسعين ختمة وما لم يفهمه رجع وقرأه مرة أخرى وأيضا من أهل المدينة أبو حازم ومحمد بن المنكدر في جماعة يكثر عددهم المرتبة الثانية أن يقوم نصف الليل وهذا لا ينحصر عدد المواظبين عليه من السلف وأحسن فيه أن ينام الثلث الأول من الليل والسدس الأخير منه حتى يقع قيامه في جوف الليل ووسطه فهو الأفضل المرتبة الثالثة أن يقوم ثلث الليل فينبغي أن ينام النصف الأول والسدس الأخير وبالجملة نوم آخر الليل محبوب لأنه يذهب النعاس بالغداة وكانوا يكرهون ذلك ويقلل صفرة الوجه والشهرة به فلو قام أكثر الليل ونام سحرا قلت صفرة وجهه وقل نعاسه وقالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوتر من آخر الليل فإن كانت له حاجة إلى أهله دنا منهن وإلا اضطجع في مصلاه حتى يأتيه بلال فيؤذنه للصلاة وقالت أيضا رضي الله عنها ما ألفيته بعد السحر إلا نائما حتى قال بعض السلف هذه الضجعة قبل الصبح سنة منهم أبو هريرة رضي الله عنه وكان نوم هذا الوقت سببا للمكاشفة والمشاهدة من وراء حجب الغيب وذلك لأرباب القلوب وفيه استراحة
تعين على الورد الأول من أوراد النهار وقيام ثلث الليل من النصف الأخير ونوم السدس الأخير قيام داود صلى الله عليه وسلم المرتبة الرابعة أن يقوم سدس الليل أو خمسه وأفضله أن يكون في النصف الأخير وقبل السدس الأخير منه المرتبة الخامسة أن لا يراعي التقدير فإن ذلك إنما يتيسر لنبي يوحى إليه أو لمن يعرف منازل القمر ويوكل به من يراقبه ويواظبه ويوقظه ثم ربما يضطرب في ليالي الغيم ولكنه يقوم من أول الليل إلى أن يغلبه النوم فإذا انتبه قام فإذا غلبه النوم عاد إلى النوم فيكون له في الليل نومتان وقومتان وهو من مكابدة الليل وأشد الأعمال وأفضلها وقد كان هذا من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو طريقة ابن عمر وأولي العزم من الصحابة وجماعة من التابعين رضي الله عنهم وكان بعض السلف يقول هي أول نومة فإذا انتبهت ثم عدت إلى النوم فلا أنام الله لي عينا فأما قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث المقدار فلم يكن على ترتيب واحد بل ربما كان يقوم نصف الليل أو ثلثه أو سدسه يختلف ذلك في الليالي ودل عليه قوله تعالى في الموضعين من سورة المزمل إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه فأدنى من ثلثي الليل كأنه بصفه ونصف سدسه فإن كسر قوله ونصفه وثلثه كان نصف الثلثين فيقرب من الثلث والربع وإن نصب كان نصف الليل وقالت عائشة رضي الله عنها كان صلى الله عليه وسلم يقوم إذا سمع الصارخ يعني الديك وهذا يكون السدس فما دونه وروى غير واحد أنه قال راعيت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر ليلا فنام بعد العشاء زمانا ثم استيقظ فنظر في الأفق فقال ربنا ما خلقت هذا باطلا حتى بلغ إنك لا تخلف الميعاد ثم استل من فراشه سواكا فاستاك به وتوضأ وصلى حتى قلت صلى مثل الذي نام ثم اضطجع حتى قلت نام مثل ما صلى ثم استيقظ فقال ما قال أول مرة وفعل ما فعل أول مرة المرتبة السادسة وهي الأقل أن يقوم مقدار أربع ركعات أو ركعتين أو تتعذر عليه الطهارة فيجلس مستقبل القبلة ساعة مشتغلا بالذكر والدعاء فيكتب في جملة قوام الليل برحمة الله وفضله وقد جاء في الأثر صل من الليل ولو قدر حلب شاة فهذه طرق القسمة فليختر المريد لنفسه ما يراه أيسر عليه وحيث يتعذر عليه القيام في وسط الليل فلا ينبغي أن يهمل إحياء ما بين العشاءين والورد الذي بعد العشاء ثم يقوم قبل الصبح وقت السحر فلا يدركه الصبح نائما ويقوم بطرفي الليل وهذه هي المرتبة السابعة ومهما كان النظر إلى المقدار فترتيب هذه المراتب بحسب طول الوقت وقصره وأما في الرتبة الخامسة والسابعة لم ينظر فيهما إلى القدر فليس يجري أمرهما في التقدم والتأخر على الترتيب المذكور إذ السابعة ليست دون ما ذكرناه في السادسة ولا الخامسة دون الرابعة بيان الليالي والأيام الفاضلة
اعلم أن الليالي المخصوصة بمزيد الفضل التي يتأكد فيها استحباب الإحياء في السنة خمس عشرة ليلة لا ينبغي أن يغفل المريد عنها فإنها مواسم الخيرات ومظان التجارات ومتى غفل التاجر عن المواسم لم يربح ومتى غفل المريد عن فضائل الأوقات لم ينجح فستة من هذه الليالي في شهر رمضان خمس في أوتار العشر الأخير إذ فيها يطلب ليلة القدر وليلة سبع عشرة من رمضان فهي ليلة صبيحتها يوم الفرقان يوم التقى الجمعان فيه كانت وقعة بدر وقال ابن الزبير رحمه الله هي ليلة القدر وأما التسع الأخر فأول ليلة من المحرم وليلة عاشوراء وأول ليلة من رجب وليلة النصف منه وليلة سبع وعشرين منه وهي ليلة المعراج وفيها صلاة مأثورة فقد قال صلى الله عليه وسلم للعامل في هذه الليلة حسنات مائة سنة فمن صلى في هذه الليلة اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة من القرآن ويتشهد في كل ركعتين ويسلم في آخرهن ثم يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر مائة مرة ثم يستغفر الله مائة مرة ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مائة مرة ويدعو لنفسه بما شاء من أمر دنياه وآخرته ويصبح صائما فإن الله يستجيب دعاءه كله إلا أن يدعو في معصية وليلة النصف من شعبان ففيها مائة ركعة يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة الإخلاص عشر مرات كانوا لا يتركونها كما أوردناه في صلاة التطوع وليلة عرفة وليلتا العيدين قال صلى الله عليه وسلم من أحيا ليلتي العيدين لم يمت قلبه يوم تموت القلوب وأما الأيام الفاضلة فتسعة عشر يستحب مواصلة الأوراد فيها يوم عرفة ويوم عاشوراء ويوم سبعة وعشرين من رجب له شرف عظيم روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من صام يوم سبع وعشرين من رجب كتب الله له صيام ستين شهرا وهو اليوم الذي أهبط الله فيه جبرائيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة ويوم سبعة عشر من رمضان وهو يوم وقعة بدر ويوم النصف من شعبان ويوم الجمعة ويوما العيدين والأيام المعلومات وهي عشر من ذي الحجة والأيام المعدودات وهي أيام التشريق وقد روى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا سلم يوم الجمعة سلمت الأيام وإذا سلم شهر رمضان سلمت السنة وقال بعض العلماء من أخذه مهناة في الأيام الخمسة في الدنيا لم ينل مهناة في الآخرة وأراد به العيدين والجمعة وعرفة وعاشوراء ومن فواضل الأيام في الأسبوع يوم الخميس والاثنين ترفع فيهما الأعمال إلى الله تعالى وقد ذكرنا فضائل الأشهر والأيام للصيام في كتاب الصوم فلا حاجة إلى الإعادة والله أعلم وصلى الله على كل عبد مصطفى من كل العالمين بسم الله الرحمن الرحيم كتاب آداب الأكل وهو الكتاب الأول من ربع العادات من كتاب إحياء العلوم الحمد لله الذي أحسن تدبير الكائنات فخلق الأرض والسماوات وأنزل الماء الفرات من المعصرات فأخرج به الحب والنبات وقدر الأرزاق والأفوات وحفظ بالمأكولات قوى الحيوانات وأعان على الطاعات والأعمال الصالحات بأكل الطيبات والصلاة على محمد ذي المعجزات الباهرات وعلى آله وأصحابه صلاة تتوالى على ممر الأوقات وتتضاعف بتعاقب الساعات وسلم تسليما كثيرا أما بعد فإن مقصد ذوي الألباب لقاء الله تعالى في دار الثواب ولا طريق إلى الوصول للقاء الله إلى بالعلم والعمل ولا تمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوات والتناول منها بقدر الحاجة على تكرر الأوقات فمن هذا الوجه قال بعض السلف الصالحين إن الأكل من الدين وعليه نبه رب العالمين بقوله وهو أصدق القائلين كلوا من الطيبات واعملوا صالحا فمن يقدم على الأكل ليستعين به على العلم والعمل ويقوي به على التقوى فلا ينبغي أن يترك نفسه مهملا سدى يسترسل في الأكل استرسال البهائم في المرعى فإن ما هو ذريعة إلى الدين ووسيلة إليه ينبغي أن تظهر أنوار الدين عليه
وإنما أنوار الدين آدابه وسننه التي يزم العبد بزمامها ويلجم المتقي بلجامها حتى يتزن بميزان الشرع شهوة الطعام في إقدامها وإحجامها فيصير بسببها مدفعة للوزر ومجلبة للأجر وإن كان فيها أوفى حظ للنفس قال صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليؤجر حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه والى في امعليه السلام رأته وإنما ذلك إذا رفعها بالدين وللدين مراعيا فيه آدابه ووظائفه وها نحن نرشد إلى وظائف الدين في الأكل فرائضها وسننها وآدابها ومروءاتها وهيئاتها في أربعة أبواب وفصل في آخرها الباب الأول فيما لا بد للآكل من مراعاته وإن انفرد بالأكل الباب الثاني فيما يزيد من الآداب بسبب الاجتماع على الأكل الباب الثالث فيما يخص تقديم الطعام إلى الإخوان الزائرين الباب الرابع فيما يخص الدعوة والضيافة وأشباهها الباب الأول فيما لابد للمنفرد منه وهو ثلاثة أقسام قسم قبل الأكل وقسم مع الأكل وقسم بعد الفراغ منه القسم الأول في الآداب التي تتقدم على الأكل وهي الأول أن يكون الطعام بعد كونه حلالا في نفسه طيبا في جهة مكسبه موافقا للسنة والورع لم يكتسب بسبب مكروه في الشرع ولا بحكم هوى ومداهنة في دين على ما سيأتي في معنى الطيب المطلق في كتاب الحلال والحرام وقد أمر الله تعالى بأكل الطيب وهو الحلال وقدم النهي عن الأكل بالباطل على القتل تفخيما لأمر الحرام وتعظيما لبركة الحلال فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلى قوله ولا تقتلوا أنفسكم الآية فالأصل في الطعام كونه طيبا وهو من الفرائض وأصول الدين الثاني غسل اليد قال صلى الله عليه وسلم الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم وفي رواية ينفي الفقر قبل الطعام وبعده ولأن اليد لا تخلو عن لوث في تعاطي الأعمال فغسلها أقرب إلى النظافة والنزاهة ولأن الأكل لقصد الاستعانة على الدين عبادة فهو جدير بأن يقدم عليه ما يجري منه مجرى الطهارة من الصلاة الثالث أن يوضع الطعام على السفرة الموضوعة على الأرض فهو أقرب إلى فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من رفعه على المائدة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى بطعام وضعه على الأرض حديث أنس ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان ولا في سكرجة الحديث رواه البخاري // قيل فعلى ماذا كنتم تأكلون قال على السفرة وقيل أربع أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الموائد والمناخل والأشنان والشبع واعلم أنا وإن قلنا الأكل على السفرة أولى فلسنا نقول الأكل على المائدة منهي عنه نهي كراهة أو تحريم إذا لم يثبت فيه نهي وما يقال إنه أبدع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس كل ما أبدع منهيا بل المنهي بدعة تضاد سنة ثابتة وترفع أمرا من الشرع مع بقاء علته بل الإبداع قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب وليس في المائدة إلا رفع الطعام عن الأرض لتيسير الأكل وأمثال ذلك مما لا كراهة فيه والأربع التي جمعت في أنها مبدعة ليست متساوية بل الأشنان حسن لما فيه من النظافة فإن الغسل مستحب للنظافة والأشنان أتم في التنظيف وكانوا لا يستعملونه لأنه ربما كان لا يعتاد عندهم أو لا يتيسر أو كانوا مشغولين بأمور أهم من المبالغة في النظافة فقد كانوا لا يغسلون اليد أيضا وكانت مناديلهم أخمص أقدامهم وذلك لا يمنع كون الغسل مستحبا وأما المنخل فالمقصود منه تطييب الطعام وذلك مباح ما لم ينته إلى التنعم المفرط وأما المائدة فتيسير للأكل وهو أيضا مباح ما لم ينته إلى الكبر والتعاظم وأما الشبع فهو أشد هذه الأربعة فإنه يدعو إلى تهييج الشهوات وتحريك الأدواء في البدن فلتدرك التفرقة بين هذه المبدعات الرابع أن يحسن الجلسة على السفرة في أول جلوسه ويستديمها كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما جثا للأكل على ركبتيه وجلس على ظهر قدميه وربما نصب رجله اليمنى وجلس على اليسرى وكان يقول لا آكل متكئا
حديث كان يقول لا آكل متكئا أخرجه البخاري من حديث أبي جحيفة إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد حديث إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد تقدم قبله من حديث أنس بلفظ وأفعل بدل وأجلس ورواه البزار من حديث ابن عمر دون قوله وأجلس حديث ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه الحديث أخرجه الترمذي وقال حسن والنسائي وابن ماجه من حديث المقداد بن معد يكرب ومن ضرورة هذه النية أن لا يمد اليد إلى الطعام إلا وهو جائع فيكون الجوع أحد ما لا بد من تقديمه على الأكل ثم ينبغي أن يرفع اليد قبل الشبع ومن فعل ذلك استغنى عن الطبيب وسيأتي فائدة قلة الأكل وكيفية التدريج في التقليل منه في كتاب كسر شهوة الطعام من ربع المهلكات السادس أن يرضى بالموجود من الرزق والحاضر من الطعام ولا يجتهد في التنعم وطلب الزيادة وانتظار الأدم بل من كرامة الخبز أن لا ينتظر به الأدم وقد ورد الأمر بإكرام الخبز فكل ما يديم الرمق ويقوي على العبادة فهو خير كثير لا ينبغي أن يستحقر بل لا ينتظر بالخبز الصلاة إن حضر وقتها إذا كان في الوقت متسع قال صلى الله عليه وسلم إذا حضر العشاء والعشاء فابدءوا بالعشاء وكان ابن عمر رضي الله عنهما ربما سمع قراءة الإمام ولا يقوم من عشائه ومهما كانت النفس لا تتوق إلى الطعام ولم يكن في تأخير الطعام ضرر فالأولى تقديم الصلاة فأما إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة وكان في التأخير ما يبرد الطعام أو يشوش أمره فتقديمه أحب عند اتساع الوقت تاقت النفس أو لم تتق لعموم الخبر ولأن القلب لا يخلو عن الإلتفات إلى الطعام الموضوع وإن لم يكن الجوع غالبا السابع أن يجتهد في تكثير الأيدي على الطعام ولو من أهله وولده قال صلى الله عليه وسلم اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه وقال أنس رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكل وحده وقال صلى الله عليه وسلم خير الطعام ما كثرت عليه الأيدي القسم الثاني في آداب حالة الأكل وهو أن يبدأ ب بسم الله في أوله وب الحمد لله في أخره ولو قال مع كل لقمة بسم الله فهو حسن حتى لا يشغله الشره عن ذكر الله تعالى ويقول مع اللقمة الأولى بسم الله ومع الثانية بسم الله الرحمن ومع الثالثة بسم الله الرحمن الرحيم ويجهر به ليذكر غيره ويأكل باليمنى ويبدأ بالملح ويختم به ويصغر اللقمة ويجود مضغها وما لم يبتلعها لم يمد اليد إلى الأخرى فإن ذلك عجلة في الأكل وأن لا يذم مأكولا كان صلى الله عليه وسلم لا يعيب مأكولا كان إذا أعجبه أكله وإلا تركه وأن يأكل مما يليه إلا الفاكهة فإن له أن يجيل يده فيها قال صلى الله عليه وسلم كل مما يليك حديث كان يدور على الفاكهة وقال ليس هو نوعا واحدا أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث عكراش بن دويب وفيه وجالت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطبق فقال يا عكراش كل من حيث شئت فإنه غير لون واحد قال الترمذي غريب ورواه ابن حبان في الضعفاء حديث النهي عن قطع الخبز بالسكين رواه ابن حبان في الضعفاء من حديث أبي هريرة وفيه نوح ابن أبي مريم وهو كذاب ورواه البيهقي في الشعب من حديث أم سلمة بسند ضعيف ولا يوضع على الخبز قصعة ولا غيرها إلا ما يأكل به قال صلى الله عليه وسلم أكرموا الخبز فإن الله تعالى أنزله من بركات السماء ولا يمسح يده بالخبز وقال صلى الله عليه وسلم إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها وليمط ما كان بها من أذى ولا يدعها للشيطان ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة ولا ينفخ في الطعام الحار
فهو منهي عنه بل يصبر إلى إن يسهل أكله ويأكل من التمر وترا سبعا أو إحدى عشرة أو إحدى وعشرين أو ما اتفق ولا يجمع بين التمر والنوى في طبق ولا يجمع في كفه بل يضع النواة من فيه على ظهر كفه ثم يلقيها وكذا كل ماله عجم وثفل وأن لا يترك ما استرذله من الطعام ويطرحه في القصعة بل يتركه مع الثفل حتى لا يلتبس على غيره فيأكله وأن لا يكثر الشرب في أثناء الطعام إلا إذا غص بلقمة أو صدق عطشه فقد قيل إن ذلك مستحب في الطب وإنه دباغ المعدة وأما الشرب فأدبه أن يأخذ الكوز بيمينه ويقول بسم الله ويشربه مصا لا عبا قال صلى الله عليه وسلم مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا فإنه الكباد من العب ولا يشرب قائما ولا مضطجعا فإنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب قائما وروي أنه صلى الله عليه وسلم شرب قائما ولعله كان لعذر ويراعي أسفل الكوز حتى لا يقطر عليه وينظر في الكوز قبل الشرب ولا يتجشأ ولا يتنفس في الكوز بل ينحيه عن فمه بالحمد ويرده بالتسمية وقد قال صلى الله عليه وسلم بعد الشرب الحمد لله الذي جعله عذبا فراتا برحمته ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا والكوز وكل ما يدار على القوم يدار يمنة وقد شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لبنا وأبو بكر رضي الله عنه عن شماله وأعرابي عن يمينه وعمر ناحيته فقال عمر رضي الله عنه أعط أبا بكر فناول الأعرابي وقال الأيمن فالأيمن ويشرب في ثلاثة أنفاس يحمد الله في أواخرها ويسمي الله في أوائلها ويقول في آخر النفس الأول الحمد لله وفي الثاني رب العالمين وفي الثالث يزيد الرحمن الرحيم فهذا قريب من عشرين أدبا في حالة الأكل والشرب دلت عليها الأخبار والآثار القسم الثالث ما يستحب بعد الطعام وهو أن يمسك قبل الشبع ويلعق أصابعه ثم يمسح بالمنديل ثم يغسلها ويلتقط فتات الطعام قال صلى الله عليه وسلم من أكل ما يسقط من المائدة عاش في سعة وعوفي في ولده ويتخلل ولا يبتلع كل ما يخرج من بين أسنانه بالخلال إلا ما يجمع من أصول أسنانه بلسانه أما المخرج بالخلال فيرميه وليتمضمض بعد الخلال ففيه أثر عن أهل البيت عليهم السلام وأن يلعق القصعة ويشرب ماءها ويقال من لعق القصعة وغسلها وشرب ماءها كان له عتق رقبة وأن التقاط الفتات مهور الحور العين وأن يشكر الله تعالى بقلبه على ما أطعمه فيرى الطعام نعمة منه قال الله تعالى كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله ومهما أكل حلالا قال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتنزل البركات اللهم أطعمنا طيبا واستعملنا صالحا وإن أكل شبهة فليقل الحمد لله على كل حال اللهم لا تجعله قوة لنا على معصيتك ويقرأ بعد الطعام قل هو الله أحد ولإيلاف قريش ولا يقوم عن المائدة حتى ترفع أولا فإن أكل طعام الغير فليدع له وليقل اللهم أكثر خيره وبارك له فيما رزقته ويسر له أن يفعل فيه خيرا وقنعه بما أعطيته واجعلنا وإياه من الشاكرين وإن أفطر عند قوم فليقل أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة وليكثر الاستغفار والحزن على ما أكل من شبهة ليطفيء بدموعه وحزنه حر النار التي تعرض لها لقوله صلى الله عليه وسلم كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به حديث القوم عند أكل اللبن اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وزدنا منه أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث ابن عباس إذا أكل أحدكم طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه ومن سقاه الله لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه // فإن أكل غيره قال اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وارزقنا خيرا منه فذلك الدعاء مما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم اللبن لعموم نفعه
ويستحب عقيب الطعام أن يقول الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا سيدنا ومولانا يا كافي من كل شيء ولا يكفى منه شيء أطعمت من جوع وآمنت من خوف فلك الحمد آويت من يتم وهديت من ضلالة وأغنيت من عيلة فلك الحمد حمدا كثيرا دائما طيبا نافعا مباركا فيه كما أنت أهله ومستحقه اللهم أطعمتنا طيبا فاستعملنا صالحا واجعله عونا لنا عن طاعتك ونعوذ بك أن نستعين به على معصيتك وأما غسل اليدين بالأشنان فكيفيته أن يجعل الأشنان في كفه اليسرى ويغسل الأصابع الثلاث من اليد اليمنى أولا ويضرب أصابعه على الأشنان اليابس فيمسح به شفتيه ثم ينعم غسل الفم بإصبعه ويدلك ظاهر أسنانه وباطنها والحنك واللسان ثم يغسل أصابعه من ذلك بالماء ثم يدلك ببقية الأشنان اليابس أصابعه ظهرا وبطنا ويستغني بذلك عن إعادة الأشنان إلى الفم وإعادة غسله الباب الثاني فيما يزيد بسبب الاجتماع والمشاركة في الأكل وهي سبعة الأول أن لا يبتدئ بالطعام ومعه من يستحق التقديم بكبر سن أو زيادة فضل إلا أن يكون هو المتبوع والمقتدى به فحينئذ ينبغي أن لا يطول عليهم الانتظار إذا اشرأبوا للأكل واجتمعوا له الثاني أن لا يسكتوا على الطعام فإن ذلك من سيرة العجم ولكن يتكلمون بالمعروف ويتحدثون بحكايات الصالحين في الأطعمة وغيرها الثالث أن يرفق برفيقه في القصعة فلا يقصد أن يأكل زيادة على ما يأكله فإن ذلك حرام إن لم يكن موافقا لرضا رفيقه مهما كان الطعام مشتركا بل ينبغي أن يقصد الإيثار ولا يأكل تمرتين في دفعة إلا إذا فعلوا ذلك أو استأذنهم فإن قلل رفيقه نشطه ورغبه في الأكل وقال له كل ولا يزيد في قوله كل على ثلاث مرات فإن ذلك إلحاح وإفراط كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خوطب في شيء ثلاثا لم يراجع بعد ثلاث حديث كان إذا خوطب في شيء ثلاثا لم يراجع بعد ثلاث أخرجه أحمد من حديث جابر في حديث طويل ومن حديث أبي حدرد أيضا وإسنادهما حسن حديث كان يكرر الكلمة ثلاثا أخرجه البخاري من حديث أنس كان يعيد الكلمة ثلاثا // فليس من الأدب الزيادة عليه فأما الحلف عليه بالأكل فممنوع قال الحسن بن علي رضي الله عنهما الطعام أهون من أن يحلف عليه الرابع أن لا يحوج رفيقه إلى أن يقول له كل قال بعض الأدباء أحسن الآكلين أكلا من لا يحوج صاحبه إلى أن يتفقده في الأكل وحمل عن أخيه مؤنة القول ولا ينبغي أن يدع شيئا مما يشتهيه لأجل نظر الغير إليه فإن ذلك تصنع بل يجري على المعتاد ولا ينقص من عادته شيئا في الوحدة ولكن يعود نفسه حسن الأدب في الوحدة حتى لا يحتاج إلى التصنع عند الاجتماع نعم لو قلل من أكله إيثارا لإخوانه ونظرا لهم عند الحاجة إلى ذلك فهو حسن وإن زاد في الأكل على نية المساعدة وتحريك نشاط القوم في الأكل فلا بأس به بل هو حسن وكان ابن المبارك يقدم فاخر الرطب إلى إخوانه ويقول من أكل أكثر أعطيته بكل نواة درهما وكان يعد النوى ويعطي كل من له فضل نوى بعدده دراهم وذلك لدفع الحياء وزيادة النشاط في الإنبساط وقال جعفر بن محمد رضي الله عنهما أحب إخواني إلي أكثرهم أكلا وأعظمهم لقمة وأثقلهم على من يحوجني إلى تعهده في الأكل وكل هذا إشارة إلى الجري على المعتاد وترك التصنع وقال جعفر رحمه الله أيضا تتبين جودة محبة الرجل لأخيه بجودة أكله في منزله الخامس أن غسل اليد في الطست لا بأس به وله أن يتنخم فيه إن أكل وحده وإن أكل مع غيره فلا ينبغي أن يفعل ذلك فإذا قدم الطست إليه غيره إكراما له فليقبله
اجتمع أنس بن مالك وثابت البناني رضي الله عنهما على طعام فقدم أنس الطست إليه فامتنع ثابت فقال أنس إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولا تردها فإنما يكرم الله عز وجل وروي أن هارون الرشيد دعا أبا معاوية الضرير فصب الرشيد على يده في الطست فلما فرغ قال يا أبا معاوية تدري من صب على يدك فقال لا قال صبه أمير المؤمنين فقال يا أمير المؤمنين إنما أكرمت العلم وأجللته فأجلك الله وأكرمك كما أجللت العلم وأهله ولا بأس أن يجتمعوا على غسل اليد في الطست في حالة واحدة فهو أقرب إلى التواضع وأبعد عن طول الإنتظار فإن لم يفعلوه فلا ينبغي أن يصب ماء كل واحد بل يجمع الماء في الطست قال صلى الله عليه وسلم أجمعوا وضوءكم جمع الله شملكم قيل إن المراد هذا وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار لا يرفع الطست من بين يدي قوم إلا مملوءة ولا تشبهوا بالعجم وقال ابن مسعود اجتمعوا على غسل اليد في طست واحد ولا تستنوا بسنة الأعاجم والخادم الذي يصب الماء على اليد كره بعضهم أن يكون قائما وأحب أن يكون جالسا لأنه أقرب إلى التواضع وكره بعضهم جلوسه فروي أنه صب الماء على يد واحد خادم جالسا فقام المصبوب عليه فقيل له لم قمت فقال أحدنا لا بد وأن يكون قائما وهذا أولى لأنه أيسر للصب وللغسل وأقرب إلى تواضع الذي يصب وإذا كان له نية فيه فتمكينه من الخدمة ليس فيه تكبر فإن العادة جارية بذلك ففي الطست إذا سبعة آداب أن لا يبزق فيه وأن يقدم به المتبوع وأن يقبل الإكرام بالتقديم وأن يدار يمنة وأن يجتمع فيه جماعة وأن يجمع الماء فيه وأن يكون الخادم قائما وأن يمج الماء من فيه ويرسله من يده برفق حتى لا يرش على الفراش وعلى أصحابه وليصب صاحب المنزل بنفسه الماء على يد ضيفه هكذا فعل مالك بالشافعي رضي الله عنهما في أول نزوله عليه وقال لا يروعك ما رأيت مني فخدمة الضيف فرض السادس أن لا ينظر إلى أصحابه ولا يراقب أكلهم فيستحيون بل يغض بصره عنهم ويشتغل بنفسه ولا يمسك قبل إخوانه إذا كانوا يحتشمون الأكل بعده بل يمد اليد ويقبضها ويتناول قليلا قليلا إلى أن يستوفوا فإن كان قليل الأكل توقف في الابتداء وقلل الأكل حتى إذا توسعوا في الطعام أكل معهم أخيرا فقد فعل ذلك كثير من الصحابة رضي الله عنهم فإن امتنع لسبب فليعتذر إليهم دفعا للخجلة عنهم السابع أن لا يفعل ما يستقذره غيره فلا ينفض يده في القصعة ولا يقدم إليها رأسه عند وضع اللقمة في فيه وإن أخرج شيئا من فيه صرف وجهه عن الطعام وأخذه بيساره ولا يغمس اللقمة الدسمة في الخل ولا الخل في الدسومة فقد يكرهه غيره واللقمة التي قطعها بسنه لا يغمس بقيتها في المرقة والخل ولا يتكلم بما يذكر المستقذرات الباب الثالث في آداب تقديم الطعام إلى الإخوان الزائرين تقديم الطعام إلى الإخوان فيه فضل كثير قال جعفر بن محمد رضي الله عنهما إذا قعدتم مع الإخوان على المائدة فأطيلوا الجلوس فإنها ساعة لا تحسب عليكم من أعماركم وقال الحسن رحمه الله كل نفقة ينفقها الرجل على نفسه وأبويه فمن دونهم يحاسب عليها البتة إلا نفقة الرجل على إخوانه في الطعام فإن الله يستحي أن يسأل عن ذلك هذا مع ما ورد من الأخبار في الإطعام قال صلى الله عليه وسلم لا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دامت مائدته موضوعة بين يديه حتى ترفع وروي عن بعض علماء خراسان أنه كان يقدم إلى إخوانه طعاما كثيرا لا يقدرون على أكل جميعه وكان يقول بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الإخوان إذا رفعوا أيديهم عن الطعام لم يحاسب من أكل فضل ذلك فأنا أحب أن أستكثر مما أقدمه إليكم لنأكل فضل ذلك وفي الخبر لا يحاسب العبد على ما يأكله مع إخوانه
وكان بعضهم يكثر الأكل مع الجماعة لذلك ويقلل إذا أكل وحده وفي الخبر ثلاثة لا يحاسب عليها العبد أكلة السحور وما أفطر عليه وما أكل مع الإخوان وقال علي رضي الله عنه لأن أجمع إخواني على صاع من طعام أحب إلي من أن أعتق رقبة وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول من كرم المرء طيب زاده في سفره وبذله لأصحابه وكان الصحابة رضي الله عنهم يقولون الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق وكانوا رضي الله عنهم يجتمعون على قراءة القرآن ولا يتفرقون إلا عن ذواق وقيل اجتماع الإخوان على الكفاية مع الأنس والألفة ليس هو من الدنيا وفي الخبر يقول الله تعالى للعبد يوم القيامة يا ابن آدم جعت فلم تطعمني فيقول كيف أطعمك وأنت رب العالمين فيقول جاع أخوك المسلم فلم تطعمه ولو أطعمته كنت أطعمتني وقال صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم الزائر فأكرموه وقال صلى الله عليه وسلم إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها هي لمن ألان الكلام وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام وقال صلى الله عليه وسلم خيركم من أطعم الطعام وقال صلى الله عليه وسلم من أطعم أخاه حتى يشبعه وسقاه حتى يرويه بعده الله من النار بسبع خنادق ما بين كل خندقين مسيرة خمسمائة عام وأما آدابه فبعضها في الدخول وبعضها في تقديم الطعام أما الدخول فليس من السنة أن يقصد قوما متربصا لوقت طعامهم فيدخل عليهم وقت الأكل فإن ذلك من المفاجأة وقد نهي عنه قال الله تعالى {لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه} يعني منتظرين حينه ونضجه وفي الخبر من مشى إلى طعام لم يدع إليه مشى فاسقا وأكل حراما ولكن حق الداخل إذا لم يتربص وأتفق أن صادفهم على طعام أن لا يأكل ما لم يؤذن له فإذا قيل له كل نظر فإن علم أنهم يقولونه على محبة لمساعدته فليساعد وإن كانوا يقولونه حياء منه فلا ينبغي أن يأكل بل ينبغي أن يتعلل أما إذا كان جائعا فقصد بعض إخوانه ليطعمه ولم يتربص به وقت أكله فلا بأس به قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما منزل أبي الهيثم بن التيهان وأبي أيوب الأنصاري لأجل طعام يأكلونه وكانوا جياعا والدخول على مثل هذه الحالة إعانة لذلك المسلم على حيازة ثواب الإطعام وهي عادة السلف وكان عون بن عبد الله المسعودي له ثلاثمائة وستون صديقا يدور عليهم في السنة ولآخر ثلاثون يدور عليهم في الشهر ولآخرة سبعة يدور عليهم في الجمعة فكان إخوانهم معلومهم بدلا عن كسبهم وكان قيام أولئك بهم على قصد التبرك عبادة لهم فإن دخل ولم يجد صاحب الدار وكان واثقا بصداقته عالما بفرحه إذا أكل من طعامه فله أن يأكل بغير إذنه إذ المراد من الإذن الرضا لا سيما في الأطعمة وأمرها على السعة فرب رجل يصرح بالإذن ويحلف وهو غير راض فأكل طعامه مكروه ورب غائب لم يأذن وأكل طعامه محبوب وقد قال تعالى {أو صديقكم} ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار بريرة وأكل طعامها وهي غائبة وكان الطعام من الصدقة فقال بلغت الصدقة محلها وذلك لعلمه بسرورها بذلك لذلك يجوز أن يدخل الدار بغير استئذان اكتفاء بعلمه بالإذن فإن لم يعلم فلا بد من الاستئذان أولا ثم الدخول وكان محمد بن واسع وأصحابه يدخلون منزل الحسن فيأكلون ما يجدون بغير إذن وكان الحسن يدخل ويرى ذلك فيسر به ويقول هكذا كنا وروي عن الحسن رضي الله عنه أنه كان قائما يأكل من متاع بقال في السوق يأخذ من هذه الجونة تينة ومن هذه قسبة فقال له هشام ما بدا لك يا أبا سعيد في الورع تأكل متاع الرجل بغير إذنه فقال يا لكع اتل علي آية الأكل فتلا إلى قوله تعالى {أو صديقكم} فقال فمن الصديق يا أبا سعيد قال من استروحت إليه النفس واطمأن إليه القلب
ومشى قوم إلى منزل سفيان الثوري فلم يجدوه ففتحوا الباب وأنزلوا السفرة وجعلوا يأكلون فدخل الثوري وجعل يقول ذكرتموني أخلاق السلف هكذا كانوا وزار قوم بعض التابعين ولم يكن عنده ما يقدمه إليهم فذهب إلى منزل بعض إخوانه فلم يصادفه في المنزل فدخل فنظر إلى قدر قد طبخها وإلى خبز قد خبزه وغير ذلك فحمله كله فقدمه إلى أصحابه وقال كلوا فجاء رب المنزل فلم ير شيئا فقيل له قد أخذ فلان فقال قد أحسن فلما لقيه قال يا أخي إن عادوا فعد فهذه آداب الدخول وأما آداب التقديم فترك التكلف أولا وتقديم ما حضر فإن لم يحضره شيء ولم يملك فلا يستقرض لأجل ذلك فيشوش على نفسه وإن حضره ما هو محتاج إليه لقوته ولم تسمح نفسه بالتقديم فلا ينبغي أن يقدم دخل بعضهم على زاهد وهو يأكل فقال لولا أني أخذته بدين لأطعمتك منه وقال بعض السلف في تفسير التكلف أن تطعم أخاك مالا تأكله أنت بل تقصد زيادة عليه في الجودة والقيمة وكان الفضيل يقول إنما تقاطع الناس بالتكلف يدعو أحدهم أخاه فيتكلف له فيقطعه عن الرجوع إليه وقال بعضهم ما أبالي بمن أتاني من إخواني فإني لا أتكلف له إنما أقرب ما عندي ولو تكلفت له لكرهت مجيئه ومللته وقال بعضهم كنت أدخل على أخ لي فيتكلف لي فقلت له إنك لا تأكل وحدك هذا ولا أنا فما بالنا إذا اجتمعنا أكلناه فإما أن تقطع هذا التكلف أو أقطع المجيء فقطع التكلف ودام اجتماعنا بسببه ومن التكلف أن يقدم جميع ما عنده فيجحف بعياله ويؤذي قلوبهم روي أن رجلا دعا عليا رضي الله عنه فقال علي أجيبك على ثلاث شرائط لا تدخل من السوق شيئا ولا تدخر ما في البيت ولا تجحف بعيالك وكان بعضهم يقدم من كل ما في البيت فلا يترك نوعا إلا ويحضر شيئا منه وقال بعضهم دخلنا على جابر بن عبد الله فقدم إلينا خبزا وخلا وقال لولا أنا نهينا عن التكلف لتكلفت لكم وقال بعضهم إذا قصدت للزيارة فقدم ما حضر وإن استزرت فلا تبق ولا تذر وقال سلمان أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نتكلف للضيف ما ليس عندنا وأن نقدم إليه ما حضرنا وفي حديث يونس النبي صلى الله عليه وسلم أنه زاره إخوانه فقدم إليهم كسرا وجز لهم بقلا كان يزرعه ثم قال لهم كلوا لولا أن الله لعن المتكلفين لتكلفت لكم وعن أنس بن مالك رضي الله عنه وغيره من الصحابة أنهم كانوا يقدمون ما حضر من الكسر اليابسة وحشف التمر ويقولون لا ندري أيهما أعظم وزرا الذي يحتقر ما يقدم إليه أو الذي يحتقر ما عنده أن يقدمه الأدب الثاني وهو للزائر أن لا يقترح ولا يتحكم بشيء بعينه فربما يشق على المزور إحضاره فإن خيره أخوه بين طعامين فليتخير أيسرهما عليه كذلك السنة ففيالخبر أنه ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين شيئين إلا اختار أيسرهما وروى الأعمش عن أبي وائل أنه قال مضيت مع صاحب لي نزور سلمان فقدم إلينا خبز شعير وملحا جريشا فقال صاحبي لو كان في هذا الملح سعترا كان أطيب فخرج سلمان فرهن مطهرته وأخذ سعترا فلما أكلنا قال صاحبي الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا فقال سلمان لو قنعت بما رزقت لم تكن مطهرتي مرهونة هذا إذا توهم تعذر ذلك على أخيه أو كراهته له فإن علم أنه يسر باقتراحه ويتيسر عليه ذلك فلا يكره له الاقتراح فعل الشافعي رضي الله عنه ذلك مع الزعفراني إذ كان نازلا عنده ببغداد وكان الزعفراني يكتب كل يوم رقعة بما يطبخ من الألوان ويسلمها إلى الجارية فأخذ الشافعي الرقعة في بعض الأيام وألحق بها لونا آخر بخطه فلما رأى الزعفراني ذلك اللون أنكر وقال ما أمرت بهذا فعرضت عليه الرقعة ملحقا فيها خط الشافعي فلما وقعت عينه على خطه فرح بذلك وأعتق الجارية سرورا باقتراح الشافعي عليه
وقال أبو بكر الكتاني دخلت على السري فجاء بفتيت وأخذ يجعل نصفه في القدح فقلت له أي شيء تعمل وأنا أشربه كله في مرة واحدة فضحك وقال هذا أفضل لك من حجة وقال بعضهم الأكل على ثلاثة أنواع مع الفقراء بالإيثار ومع الإخوان بالانبساط ومع أبناء الدنيا بالأدب الأدب الثالث أن يشهي المزور أخاه الزائر ويلتمس منه الاقتراح مهما كانت نفسه طيبة بفعل ما يقترح فذلك حسن وفيه أجر وفضل جزيل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صادف من أخيه شهوة غفر له ومن سر أخاه المؤمن فقد سر الله تعالى وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه جابر من لذذ أخاه بما يشتهي كتب الله له ألف ألف حسنة ومحى عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة وأطعمه الله من ثلاث جنات جنة الفردوس وجنة عدن وجنة الخلد الأدب الرابع أن لا يقول له هل أقدم لك طعاما بل ينبغي أن يقدم إن كان قال الثوري إذا زارك أخوك فلا تقل له أتأكل أو أقدم إليك ولكن قدم فإن أكل وإلا فارفع وإن كان يريد أن يطعمهم طعاما فلا ينبغي أن يظهرهم عليه أو يصفه لهم قال الثوري إذا أردت أن لا تطعم عيالك مما تأكله فلا تحدثهم به ولا يرونه معك وقال بعض الصوفية إذا دخل عليكم الفقراء فقدموا إليهم طعاما وإذا دخل الفقهاء فسلوهم عن مسألة فإذا دخل القراء فدلوهم على المحراب الباب الرابع في آداب الضيافة ومظان الآداب فيها ستة الدعوة أولا ثم الإجابة ثم الحضور ثم تقديم الطعام ثم الأكل ثم الانصراف ولنقدم على شرحها إن شاء الله تعالى فضيلة الضيافة قال صلى الله عليه وسلم لا تكلفوا للضيف فتبغضوه فإنه من أبغض الضيف فقد أبغض الله ومن أبغض الله أبغضه الله وقال صلى الله عليه وسلم لا خير فيمن لا يضيف ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل له إبل وبقر كثيرة فلم يضيفه ومر بامرأة لها شويهات فذبحت له فقال صلى الله عليه وسلم انظروا إليهما إنما هذه الأخلاق بيد الله فمن شاء أن يمنحه خلقا حسنا فعل وقال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نزل به صلى الله عليه وسلم ضيف فقال قل لفلان اليهودي نزل بي ضيف فأسلفني شيئا من الدقيق إلى رجب فقال اليهودي والله ما أسلفه إلا برهن فأخبرته فقال والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض ولو أسلفني لأديته فاذهب بدرعي وارهنه عنده وكان إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلامه إذا أراد ان يأكل خرج ميلا أو ميلين يلتمس من يتغدى معه وكان يكنى أبا الضيفان ولصدق نيته فيه دامت ضيافته في مشهده إلى يومنا هذا فلا تنقضي ليلة إلا ويأكل عنده جماعة من بين ثلاثة إلى عشرة إلى مائة وقال قوام الموضع إنه لن يخل إلى الآن ليلة عن ضيف وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الإيمان فقال إطعام الطعام وبذل السلام وقال صلى الله عليه وسلم في الكفارات والدرجات إطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام وسئل عن الحج المبرور فقال إطعام الطعام وطيب الكلام وقال أنس رضي الله عنه كل بيت لا يدخله ضيف لا تدخله الملائكة والأخبار الواردة في فضل الضيافة والإطعام لا تحصى فلنذكر آدابها أما الدعوة فينبغي للداعي أن يعمد بدعوته الأتقياء دون الفساق قال صلى الله عليه وسلم أكل طعامك الأبرار في دعائه لبعض من دعا له وقال صلى الله عليه وسلم لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك إلا تقي ويقصد الفقراء دون الأغنياء على الخصوص قال صلى الله عليه وسلم شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء دون الفقراء وينبغي أن لا يهمل أقاربه في ضيافته فإن إهمالهم إيحاش وقطع رحم وكذلك يراعي الترتيب في أصدقائه ومعارفه فإن في تخصيص البعض إيحاشا لقلوب الباقين
Preguntas
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué es un hadiz y cómo se determina su autenticidad?
- ¿Qué enseñó el Profeta Muhammad (la paz sea con él) sobre el buen carácter?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué es el ikhlas (la sinceridad) y por qué es importante?
- ¿Cómo describe el islam la purificación del corazón?