Qur'an&Sunnah

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn

Sección V03/P238–V03/P239

وكان محمد بن واسع يبل الخبز اليابس بالماء ويأكل ويقول من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد وقال سفيان خير دنياكم ما لم تبتلوا به وخير ما ابتليتم به ما خرج من أيديكم وقال ابن مسعود ما من يوم إلا وملك ينادى يا ابن آدم قليل يكفيك خير من كثير يطغيك وقال سميط بن عجلان إنما بطنك يابن آدم شبر في شبر فلم يدخلك النار وقيل لحكيم ما مالك قال التجمل في الظاهر والقصد في الباطن واليأس مما في أيدي الناس ويروى إن الله عز وجل قال يا ابن آدم لو كانت الدنيا كلها لك لم يكن لك منها إلا القوت وإذا أنا أعطيتك منها القوت وجعلت حسابها على غيرك فأنا إليك محسن وقال ابن مسعود إذا طلب أحدكم الحاجة فليطلبها طلبا يسيرا ولا يأتي الرجل فيقول إنك وإنك فيقطع ظهره فإنما يأتيه ما قسم له من الرزق أو ما رزق وكتب بعض بني أمية إلى أبي حازم يعزم عليه إلا رفع إليه حوائجه فكتب إليه قد رفعت حوائجي إلى مولاي فما أعطاني منها قبلت وما أمسك عني قنعت وقيل لبعض الحكماء أي شيء أسر للعاقل وإيما شيء أعون على دفع الحزن فقال أسرها إليه ما قدم من صالح العمل وأعونها له على دفع الحزن الرضا بمحتوم القضاء وقال بعض الحكماء وجدت أطول الناس غما الحسود وأهنأهم عيشا القنوع وأصبرهم على الأذى الحريص إذا طمع وأخفضهم عيشا أرفضهم للدنيا وأعظمهم ندامة العالم المفرط وفي ذلك قيل آرفه ببال فتى أمسى على ثقة ... أن الذي قسم الأرزاق يرزقه فالعرض منه مصون لا يدنسه ... والوجه منه جديد ليس يخلقه إن القناعة من يحلل بساحتها ... لم يلق في دهره شيئا يؤرقه وقد قيل أيضا حتى متى أنا في حل وترحال ... وطول سعي وإدبار وإقبال ونازح الدار لا أنفك مغتربا ... عن الأحبة لا يدرون ما حالي بمشرق الأرض طورا ثم مغربها ... لا يخطر الموت من حرصي على بالي ولو قنعت أتاني الرزق في دعه ... إن القنوع الغنى لا كثرة المال وقال عمر رضي الله عنه ألا أخبركم بما أستحل من مال الله تعالى حلتان لشتائي وقيظي وما يسعني من الظهر لحجي وعمرتي وقوتي بعد ذلك كقوت رجل من قريش لست بأرفعهم ولا بأوضعهم فوالله ما أدري أيحل ذلك أم لا كأنه شك في أن هذا القدر هل هو زيادة على الكفاية التي تجب القناعة بها وعاتب أعرابي أخاه على الحرص فقال يا أخي أنت طالب ومطلوب يطلبك من لا تفوته وتطلب أنت ما قد كفيته وكأن ما غاب عنك قد كشف لك وما أنت فيه قد نقلت عنه كأنك يا أخي لم تر حريصا محروما وزاهدا مرزوقا وفي ذلك قيل أراك يزيدك الإثراء حرصا ... على الدنيا كأنك لا تموت فهل لك غاية إن صرت يوما ... إليها قلت حسبي قد رضيت

Sección V03/P239–V03/P240

وقال الشعبي حكي أن رجلا صاد قنبرة فقالت ما تريد أن تصنع بي قال أذبحك وآكلك قالت والله ما أشفى من قرم ولا أشبع من جوع ولكن أعلمك ثلاث خصال هي خير لك من أكلي أما واحدة فأعلمك وأنا في يدك وأما الثانية فإذا صرت على الشجرة وأما الثالثة فإذا صرت على الجبل قالت هات الأولى قالت لا تلهفن على ما فاتك فخلاها فلما صارت على الشجرة قال هات الثانية لا تصدقن بما لا يكون أنه يكون ثم طارت فصارت على الجبل فقالت يا شقي لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درتين زنة كل درة عشرون مثقالا قال فعض على شفته وتلهف وقال هات الثالثة قالت أنت قد نسيت اثنتين فكيف أخبرك بالثالثة ألم أقل لك لا تلهفن على ما فاتك ولا تصدقن بما لا يكون أن يكون أنا لحمي ودمي وريشي لا يكون عشرين مثقالا فكيف يكون في حوصلتي درتان كل واحدة عشرون مثقالا ثم طارت فذهبت وهذا مثال لفرط طمع الآدمي فإنه يعميه عن درك الحق حتى يقدر ما لا يكون أنه يكون وقال ابن السماك إن الرجاء حبل في قلبك وقيد في رجلك فأخرج الرجاء من قلبك يخرج القيد من رجلك وقال أبو محمد اليزيدي دخلت على الرشيد فوجدته ينظر في ورقة مكتوب فيها بالذهب فلما رآني تبسم فقلت فائدة أصلح الله أمير المؤمنين قال نعم وجدت هذين البيتين في بعض خزائن بني أمية فاستحسنتهما وقد أضفت إليهما ثالثا وأنشدني إذا سد باب عنك من دون حاجة ... فدعه لأخرى ينفتح لك بابها فإن قراب البطن يكفيك ملؤه ... ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها ولا تك مبذالا لعرضك واجتنب ... ركوب المعاصي يجتنبك عقابها وقال عبد الله بن سلام لكعب ما يذهب العلوم من قلوب العلماء إذ وعوها وعقلوها قال الطمع وشره النفس وطلب الحوائج وقال رجل للفضيل فسر لي قول كعب قال يطمع الرجل في الشيء يطلبه فيذهب عليه دينه وأما الشره فشره النفس في هذا حتى لا تحب أن يفوتها شيء ويكون لك إلى هذا حاجة وإلى هذا حاجة فإذا قضاها لك خرم أنفك وقادك حيث شاء واستمكن منك وخضعت له فمن حبك للدنيا سلمت عليه إذا مررت به وعدته إذا مرض لم تسلم عليه لله عز وجل ولم تعده لله فلو لم يكن لك إليه حاجة كان خيرا لك ثم قال هذا خير لك من مائة حديث عن فلان عن فلان قال بعض الحكماء من عجيب أمر الإنسان أنه لو نودي بدوام البقاء في أيام الدنيا لم يكن في قوى خلقته من الحرص على الجمع أكثر مما قد استعمله مع قصر مدة التمتع وتوقع الزوال وقال عبد الواحد بن زيد مررت براهب فقلت له من أين تأكل قال من بيدر اللطيف الخبير الذي خلق الرحا يأتيها بالطحين وأومأ بيده إلى رحا أضراسه فسبحان القدير الخبير بيان علاج الحرص والطمع والدواء الذي يكتسب به صفة القناعة اعلم أن هذا الدواء مركب من ثلاثة أركان الصبر والعلم والعمل ومجموع ذلك خمسة أمور الأول وهو العمل الاقتصاد في المعيشة والرفق في الإنفاق فمن أراد عز القناعة فينبغي أن يسد عن نفسه أبواب الخروج ما أمكنه ويرد نفسه إلا ما لا بد له منه فمن كثر خرجه واتسع إنفاقه لم تمكنه القناعة بل إن كان وحده فينبغي أن يقنع بثوب واحد خشن ويقنع بأي طعام كان ويقلل من الإدام ما أمكنه ويوطن نفسه عليه وإن كان له عيال فيرد كل واحد إلى هذا القدر فإن هذا القدر يتيسر بأدنى جهد ويمكن معه الإجمال في الطلب والاقتصاد في المعيشة وهو الأصل في القناعة ونعني به الرفق في الإنفاق وترك الخرق فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يحب الرفق الأمر كله وقال صلى الله عليه وسلم ما عال من اقتصد وقال صلى الله عليه وسلم ثلاث منجيات خشية الله في السر والعلانية والقصد في الغنى والفقر والعدل في الرضا والغضب

Sección V03/P240–V03/P242

وروي أن رجلا أبصر أبا الدرداء يلتقط حبا من الأرض وهو يقول إن من فقهك رفقك في معيشتك وقال ابن عباس رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم الاقتصاد وحسن السمت والهدى الصالح جزء من بضع وعشرين جزءا من النبوة وفي الخبر التدبير نصف المعيشة وقال صلى الله عليه وسلم من اقتصد أغناه الله ومن بذر أفقره الله ومن ذكر الله عز وجل أحبه الله أخرجه البزار من حديث طلحة بن عبيد الله دون قوله ومن ذكر الله أحبه الله وشيخه فيه عمران بن هارون البصري قال الذهبي شيخ لا يعرف حاله أتى بخبر منكر أي هذا الحديث ولأحمد وأبي يعلى في حديث لأبي سعيد ومن أكثر من ذكر الله أحبه الله حديث ذا أردت أمرا فعليك بالتؤدة حتى يجعل الله فيه فرجا ومخرجا رواه ابن المبارك في البر والصلة وقد تقدم // والتؤدة في الإنفاق من أهم الأمور الثاني أنه إذا تيسر له في الحال ما يكفيه فلا ينبغي أن يكون شديد الاضطراب لأجل المستقبل ويعينه على ذلك قصر الأمل والتحقق بأن الرزق الذي قدر له لا بد وأن يأتيه وإن لم يشتد حرصه فإن شدة الحرص ليست هي السبب لوصول الأرزاق بل ينبغي أن يكون واثقا بوعد الله تعالى إذ قال عز وجل {وما من دابة في الأرض} {إلا على الله رزقها} وذلك لأن الشيطان يعده الفقر ويأمره بالفحشاء ويقول إن لم تحرص على الجمع والادخار فربما تمرض وربما تعجز وتحتاج إلى احتمال الذل في السؤال فلا يزال طول العمر يتعبه في الطلب خوفا من الفقر ويضحك عليه في احتماله التعب نقدا مع الغفلة عن الله لتوهم تعب في ثاني الحال وربما لا يكون وفي مثله قيل ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر وقد دخلا ابنا خالد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما لا تيأسا من الرزق ما تهزهزت رؤوسكما فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشر ثم يرزقه الله تعالى ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن مسعود وهو حزين فقال له لا تكثر همك ما قدر يكن وما ترزق يأتك وقال صلى الله عليه وسلم ألا أيها الناس أجملوا في الطلب فإنه ليس لعبد إلا ما كتب له ولن يذهب عبد من الدنيا حتى يأتيه ما كتب له من الدنيا وهي راغمة حديث أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب أخرجه ابن حبان في الضعفاء من حديث علي بإسناد رواه ورواه ابن الجوزي في الموضوعات حديث عز المؤمن استغناؤه عن الناس أخرجه الطبراني في الأوسط والحاكم وصحح إسناده وأبو الشيخ في كتاب الثواب وأبو نعيم في الحلية من حديث سهل بن سعد أن جبريل قاله للنبي صلى الله عليه وسلم في أثناء حديث وفيه زفر بن سليمان عن محمد بن عيينة وكلاهما مختلف فيه وجعله القضاعي في مسند الشهاب من قول النبي صلى الله عليه وسلم ففي القناعة الحرية والعز ولذلك قيل استغن عمن شئت تكن نظيره واحتج إلى من شئت تكن أسيره وأحسن إلى من شئت تكن أميره الرابع أن يكثر تأمله في تنعم اليهود والنصارى وأراذل الناس والحمقى من الأكراد والأعراب الأجلاف ومن لا دين لهم ولا عقل ثم ينظر إلى أحوال الأنبياء والأولياء وإلى سمت الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة والتابعين ويستمع أحاديثهم ويطالع أحوالهم ويخير عقله بين أن يكون على مشابهة أراذل الناس أو على الاقتداء بمن هو أعز أصناف الخلق عند الله حتى يهون عليه بذلك الصبر على الضنك والقناعة باليسير فإنه إن تنعم في البطن فالحمار أكثر أكلا منه وإن تنعم في الوقاع فالخنزير أعلى رتبة منه وإن تزين في الملبس والحلي ففي اليهود من هو أعلى زينة منه وإن قنع بالقليل ورضي به لم يساهمه في رتبته إلا الأنبياء والأولياء

Sección V03/P242–V03/P243

الخامس أن يفهم ما في جمع المال من الخطر كما ذكرنا في آفات المال وما فيه من خوف السرقة والنهب والضياع وما في خلو اليد من الأمن والفراغ ويتأمل ما ذكرناه في آفات المال مع ما يفوته من المدافعة عن باب الجنة إلى خمسمائة عام فإنه إذا لم يقنع مما يكفيه ألحق بزمرة الأغنياء وأخرج من جريدة الفقراء ويتم ذلك بأن ينظر أبدا إلى من دونه في الدنيا لا إلى من فوقه فإن الشيطان أبدا يصرف نظره في الدنيا إلى من فوقه فيقول لم تفتر عن الطلب وأرباب الأموال يتنعمون في المطاعم والملابس ويصرف نظره في الدين إلى من دونه فيقول ولم تضيق على نفسك وتخاف الله وفلان أعلم منك وهو لا يخاف الله والناس كلهم مشغولون بالتنعم فلم تريد أن تتميز عنهم قال أبو ذر أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم أن أنظر إلى من هو دوني لا إلا من هو فوقي وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نظر أحدكم إلى من فضله الله عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه فبهذه الأمور يقدر على اكتساب خلق القناعة وعماد الأمر الصبر وقصر الأمل وأن يعلم أن غاية صبره في الدنيا أيام قلائل للتمتع دهرا طويلا فيكون كالمريض الذي يصبر على مرارة الدواء لشدة طعمه في انتظار الشفاء بيان فضيلة السخاء اعلم أن المال إن كان مفقودا فينبغي أن يكون حال العبد القناعة وقلة الحرص وإن كان موجودا فينبغي أن يكون حاله الإيثار والسخاء واصطناع المعروف والتباعد عن الشح والبخل فإن السخاء من أخلاق الأنبياء عليهم السلام وهو أصل من أصول النجاة وعنه عبر النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال السخاء شجرة من شجر الجنة أغصانها متدلية إلى الأرض فمن أخذ بغصن منها قاده ذلك الغصن إلى الجنة حديث جابر مرفوعا حكاية عن جبريل عن الله تعالى إن هذا دين رضيته لنفسي ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق أخرجه الدارقطني في المستجاد وقد تقدم // وفي رواية فأكرموه بهما ما صحبتموه وعن عائشة الصديقية رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جبل الله تعالى وليا له إلا على حسن الخلق والسخاء وعن جابر قال قيل يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال الصبر والسماحة وقال عبد الله بن عمرو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقان يحبهما الله عز وجل وخلقان يبغضهما الله عز وجل فأما اللذان يحبهما الله تعالى فحسن الخلق والسخاء وأما اللذان يبغضهما الله فسوء الخلق والبخل وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله في قضاء حوائج الناس

Sección V03/P243–V03/P244

وروى المقدام بن شريح عن أبيه عن جده قال قلت يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة قال إن موجبات المغفرة بذل الطعام وإفشاء السلام وحسن الكلام حديث المقدام بن شريح عن أبيه عن جده إن من موجبات المغفرة بذل الطعام وإفشاء السلام وحسن الكلام أخرجه الطبراني بلفظ بذل السلام وحسن الكلام وفي رواية له يوجب الجنة إطعام الطعام وإفشاء السلام وفي رواية له عليك بحسن الكلام وبذل الطعام حديث أبو هريرة السخاء شجرة في الجنة الحديث وفيه والشح شجرة في النار الحديث أخرجه الدارقطني في المستجاد وفيه عبد العزيز ابن عمران الزهري ضعيف جدا حديث أبي سعيد يقول الله تعالى أطلبوا الفضل من الرحماء من عبادي تعيشوا في أكنافهم الحديث أخرجه ابن حبان في الضعفاء والخرائطي في مكارم الأخلاق والطبراني في الأوسط وفيه محمد بن مروان السدي الصغير ضعيف ورواه العقيلي في الضعفاء فجعله عبد الرحمن السدي وقال إنه مجهول وتابع محمد بن مروان السدي عليه عبد الملك ابن الخطاب وقد غمزه ابن القطان وتابعه عليه عبد الغفار بن الحسن بن دينار قال فيه أبو حاتم لا بأس بحديثه وتكلم فيه الجوزجاني والأزدي ورواه الحاكم من حديث علي وقال إنه صحيح الإسناد وليس كما قال حديث ابن عباس تجافوا عن ذنب السخي فإن الله أخذ بيده كلما عثر أخرجه الطبراني في الأوسط والخرائطي في مكارم الأخلاق وقال الخرائطي أقيلوا السخي زلته وفيه ليث بن أبي سليم مختلف فيه ورواه الطبراني فيه وأبو نعيم من حديث ابن مسعود نحوه بإسناد ضعيف ورواه ابن الجوزي في الموضوعات من طريق الدارقطني حديث ابن مسعود الرزق إلى مطعم الطعام أسرع من السكين إلى ذروة البعير الحديث لم أجده من حديث ابن مسعود ورواه ابن ماجه من حديث أنس ومن حديث ابن عباس بلفظ الخير أسرع إلى البيت الذي يغشى وفي حديث ابن عباس يؤكل فيه عن الشفرة إلى سنام البعير ولأبي الشيخ في كتاب الثواب من حديث جابر الرزق إلى أهل البيت الذي فيه السخاء الحديث وكلها ضعيفة حديث إن الله جواد يجب الجود ويحب معالي الأمور ويكره سفسافها أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث طلحة بن عبيد الله ابن كريز وهذا مرسل وللطبراني في الكبير والأوسط والحاكم والبيهقي من حديث سهل بن سعد إن الله كريم يحب الكرم ويحب معالي الأمور وفي الكبير والبيهقي معالي الأخلاق الحديث وإسناده صحيح وتقدم آخر الحديث في أخلاق النبوة // وقال أنس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسأل على الإسلام شيئا إلا أعطاه وأتاه رجل فسأله فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة فرجع إلى قومه فقال يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة

Sección V03/P244–V03/P245

وقال ابن عمر قال صلى الله عليه وسلم إن لله عبادا يخصهم بالنعم لمنافع العباد فمن بخل بتلك المنافع على العباد نقلها الله تعالى عنه وحولها إلى غيره حديث الهلالي أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأسرى من بني العنبر فأمر بقتلهم وأفرد منهم رجلا الحديث وفيه فإن الله شكر له سخاء فيه لم أجد له أصلا حديث إن لكل شيء ثمرة وثمرة المعروف تعجيل السراح لم أقف له على أصل حديث نافع عن ابن عمر طعام الجواد دواء وطعام البخيل داء أخرجه ابن عدي والدارقطني في غرائب مالك وأبو علي الصدفي في عواليه رجاله ثقات أئمة قال ابن القطان ومنهم لمشاهير ثقات إلا مقدام بن داود فإن أهل مصر تكلموا فيه حديث من عظمت نعمة الله عليه عظمت مؤنة الناس عليه رواه ابن عدي وابن حبان في الضعفاء من حديث معاذ بلفظ ما عظمت نعمة الله على عبد إلا ذكره وفيه أحمد بن مهران قال أبو حاتم مجهول والحديث باطل ورواه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث عمر بإسناد منقطع وفيه حليس بن محمد أحد المتروكين ورواه العقيلي من حديث ابن عباس قال ابن عدي يروى من وجوه كلها غير محفوظة فمن لم يحتمل تلك المؤنة عرض تلك النعمة للزوال وقال عيسى عليه السلام استكثروا من شيء لا تأكله النار وقيل وما هو قال المعروف وقالت عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة دار الأسخياء وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار وإن البخيل بعيد من الله من الناس بعيد من الجنة قريب من النار وجاهل سخي أحب إلى الله من عالم بخيل وأدوأ الداء البخل حديث اصنع المعروف إلى أهله وإلى من ليس من أهله أخرجه الدارقطني في المستجاد من رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن جده مرسلا وتقدم في آداب المعيشة حديث إن بدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بصلاة ولا صيام ولكن دخلوها بسماحة الأنفس الحديث أخرجه الدارقطني في المستجاد وأبو بكر بن لال في مكارم الأخلاق من حديث أنس وفيه محمد بن عبد العزيز المبارك الدينوي أورد ابن عدي له مناكير وفي الميزان أنه ضعيف منكر الحديث ورواه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث أبي سعيد نحوه وفيه صالح المري متكلم فيه // وقال أبو سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن} الله عز وجل جعل للمعروف وجوها من خلقه حبب إليهم المعروف وحبب إليهم فعاله ووجه طلاب المعروف إليهم ويسر عليهم إعطاءه كما يسر الغيث إلى البلدة الجدبة فيحييها ويحيي به أهلها وقال صلى الله عليه وسلم كل معروف صدقة وكل ما أنفق الرجل على نفس وأهله كتب له صدقة وما وقى به الرجل عرضه فهو له صدقة وما أنفق الرجل من نفقة فعلى الله خلفها وقال صلى الله عليه وسلم كل معروف صدقة والدال على الخير كفاعله الله يحب إغاثة اللهفان وقال صلى الله عليه وسلم كل معروف فعلته إلى غني أو فقير صدقة وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام لا تقتل السامري فإنه سخي وقال جابر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا عليهم قيس بن سعد بن عبادة فجهدوا فنحر لهم قيس تسع ركائب فحدثوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال صلى الله عليه وسلم إن الجود لمن شيمة أهل ذلك البيت // حديث جابر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا عليهم قيس بن سعد بن عبادة فجهدوا فنحر لهم الحديث وفيه فقال إن الجود لمن شيمة أهل ذلك البيت أخرجه الدارقطني فيه من رواية أبي حمزة الحميري عن جابر ولا يعرف اسمه ولا حاله الآثار قال علي كرم الله وجهه إذا أقبلت عليك الدنيا فأنفق منها فإنها لا تفنى وإذا أدبرت عنك فأنفق منها فإنها لا تبقى وأنشد

Sección V03/P245–V03/P246

لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينقصها التبذير والسرف وإن تولت فأحرى أن تجود بها ... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف وسأل معاوية الحسن بن علي رضي الله عنهم عن المروءة والنجدة والكرم فقال أما المروءة فحفظ الرجل دينه وحذره نفسه وحسن قيامه بضيفه وحسن المنازعة والأقدام في الكراهية وأما النجدة فالذب عن الجار والصبر في المواطن وأما الكرم فالتبرع بالمعروف قبل السؤال والإطعام في المحل والرأفة بالسائل مع بذل النائل ورفع رجل إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما رقعة فقال حاجتك مقضية فقيل له يا ابن رسول الله لو نظرت في رقعته ثم رددت الجواب على قدر ذلك فقال يسألني الله عز وجل عن ذل مقامه بين يدي حتى أقرأ رقعته وقال ابن السماك عجبت لمن يشتري المماليك بماله ولا يشتري الأحرار بمعروفه وسئل بعض الأعراب من سيدكم فقال من احتمل شتمنا وأعطى سائلنا وأغضى عن جاهلنا وقال علي بن الحسين رضي الله عنهما من وصف ببذل ما له لطلابه لم يكن سخيا وإنما السخي من يبتديء بحقوق الله تعالى في أهل طاعته ولا تنازعه نفسه إلى حب الشكر له إذا كان يقينه بثواب الله تعالى تاما وقيل للحسن البصري ما السخاء فقال أن تجود بمالك في الله عز وجل قيل فما الحزم قال أن تمنع مالك فيه قيل فما الإسراف قال الإنفاق لحب الرياسة وقال جعفر الصادق رحمة الله عليه لا مال أعون من العقل ولا مصيبة أعظم من الجهل ولا مظاهرة كالمشاورة ألا وإن الله عز وجل يقول إني جواد كريم لا يجاورني لئيم واللؤم من الكفر وأهل الكفر في النار والجود والكرم من الإيمان وأهل الإيمان في الجنة وقال حذيفة رضي الله عنه رب فاجر في دينه أخرق في معيشته يدخل الجنة بسماحته وروي أن الأحنف بن قيس رأى رجلا في يده درهم فقال لمن هذا الدرهم فقال لي فقال أما إنه ليس لك حتى يخرج من يدك وفي معناه قيل أنت للمال إذا أمسكته ... فإذا أنفقته فالمال لك وسمي واصل بن عطاء الغزال لأنه كان يجلس إلى الغزالين فإذا رأى امرأة ضعيفة أعطاها شيئا وقال الأصمعي كتب الحسن بن علي إلى الحسين بن علي رضوان الله عليهم يعتب عليه في إعطاء الشعراء فكتب إليه خير المال ما وقي به العرض وقيل لسفيان بن عيينة ما السخاء قال السخاء البر بالإخوان والجود بالمال قال وورث أبي خمسين ألف درهم فبعث بها صررا إلى إخوانه وقال قد كنت أسأل الله تعالى لإخواني الجنة في صلاتي أفأبخل عليهم بالمال وقال الحسن بذل المجهود في بذل الموجود منتهى الجود وقيل لبعض الحكماء من أحب الناس إليك قال من كثرت أياديه عندي قيل فإن لم يكن قال من كثرت أيادي عنده وقال عبد العزيز بن مروان إذا الرجل أمكنني من نفسه حتى أضع معروفي عنده فيده عندي مثل يدي عنده وقال المهدي لشبيب بن شبة كيف رأيت الناس في داري فقال يا أمير المؤمنين إن الرجل منهم ليدخل راجيا ويخرج راضيا وتمثل متمثل عند عبد الله بن جعفر فقال إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع فإذا اصطنعت صنيعة فاعمد بها ... لله أو لذوي القرابة أو دع فقال عبد الله بن جعفر إن هذين البيتين ليبخلان الناس ولكن أمطر المعروف مطرا فإن أصاب الكرام كانوا له أهلا وإن أصاب اللئام كنت له أهلا حكايات الأسخياء عن محمد بن المنكدر عن أم درة وكانت تخدم عائشة رضي الله عنها قالت إن معاوية بعث إليها بمال في غرارتين ثمانين ومائة ألف درهم فدعت بطبق فجعلت تقسمه بين الناس فلما أمست قالت يا جارية هلم فطوري فجاءتها بخبز وزيت فقالت لها أم درة ما استطعت فيما قسمت اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحما نفطر عليه فقالت لو كنت ذكرتيني لفعلت

Sección V03/P246–V03/P247

وعن أبان بن عثمان قال أراد رجل أن يضار عبيد الله بن عباس فأتى وجوه قريش فقال يقول لكم عبيد الله تغدوا عندي اليوم فأتوه حتى ملؤا عليه الدار فقال ما هذا فأخبر الخبر فأمر عبيد الله بشراء فاكهة وأمر قوما فطبخوا وخبزوا وقدمت الفاكهة إليهم فلم يفرغوا منها حتى وضعت الموائد فأكلوا حتى صدروا فقال عبيد الله لوكلائه أو موجود لنا هذا كل يوم قالوا نعم قال فليتغد عندنا هؤلاء في كل يوم وقال مصعب بن الزبير حج معاوية فلما انصرف مر بالمدينة فقال الحسين بن علي لأخيه الحسن لا تلقه ولا تسلم عليه فلما خرج معاوية قال الحسن إن علينا دينا فلا بد لنا من إتيانه فركب في أثره ولحقه فسلم عليه وأخبره بدينه فمروا عليه ببختي عليه ثمانون ألف دينار وقد أعيا وتخلف عن الإبل وقوم يسوقونه فقال معاوية ما هذا فذكر له فقال اصرفوه بما عليه إلى أبي محمد وعن واقد بن محمد الواقدي قال حدثني أبي أنه رفع رقعة إلى المأمون يذكر فيها كثرة الدين وقلة صبره عليه فوقع المأمون على ظهر رقعته إنك رجل اجتمع فيك خصلتان السخاء والحياء فأما السخاء فهو الذي أطلق ما في يديك وأما الحياء فهو الذي يمنعك عن تبليغنا ما أنت عليه وقد أمرت لك بمائة ألف درهم فإن كنت قد أصبت فازدد في بسط يدك وإن لم أكن قد أصبت فجنايتك على نفسك وأنت حدثتني وكنت على قضاء الرشيد عن محمد بن إسحق عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للزبير بن العوام يا زبير اعلم أن مفاتيح أرزاق العباد بإزاء العرش يبعث الله عز وجل إلى كل عبد بقدر نفقته فمن كثر كثر له ومن قلل قلل له وأنت أعلم قال الواقدي فوالله لمذاكرة المأمون إياي بالحديث أحب إلى من الجائزة وهي مائة ألف درهم وسأل رجل الحسن بن علي رضي الله عنهما حاجة فقال له يا هذا حق سؤالك إياي يعظم لدي ومعرفتي بما يجب لك تكبر علي ويدي تعجز عن نيلك بما أنت أهله والكثير في ذات الله تعالى قليل وما في ملكي وفاه لشكرك فإن قبلت الميسور ورفعت عني مؤنة الاحتمال والاهتمام لما أتكلفه من واجب حقك فعلت فقال يا ابن رسول الله أقبل وأشكر العطية وأعذر علي المنع فدعا الحسن بوكيله وجعل يحاسبه على نفقاته حتى استقصاها فقال هات الفضل من الثلثمائة ألف درهم فأحضر خمسين ألف قال فما فعلت بالخمسمائة دينار قال هي عندي قال أحضرها فأحضرها فدفع الدنانير والدراهم إلى الرجل وقال هات من يحملها لك فأتاه بحمالين فدفع إليه الحسن رداءه لكراء الحمالين فقال له مواليه والله ما عندنا درهم فقال أرجو أن يكون لي عند الله أجر عظيم واجتمع قراء البصرة إلى ابن عباس وهو عامل بالبصرة فقالوا لنا جار صوام قوام يتمنى كل واحد منا أن يكون مثله وقد زوج بنته من ابن أخيه وهو فقير وليس عنده ما يجهزها به فقام عبد الله بن عباس فأخذ بأيديهم وأدخلها داره وفتح صندوقا فأخرج منه ست بدر فقال احملوا فحملوا فقال ابن عباس ما أنصفناه أعطيناه ما يشغله عن قيامه وصيامه ارجعوا بنا نكن أعوانه على تجهيزها فليس للدنيا من القدر ما يشغل مؤمنا عن عبادة ربه وما بنا من الكبر ما لا نخدم أولياء الله تعالى ففعل وفعلوا وحكي أنه لما أجدب الناس بمصر وعبد الحميد بن سعد أميرهم فقال والله لأعلمن الشيطان أني عدوه فعال محاويجهم إلى أن رخصت الأسعار ثم عزل عنهم فرحل وللتجار عليه ألف ألف درهم فرهنهم بها حلي نسائه وقيمتها خمسمائة ألف ألف فلما تعذر عليه ارتجاعها كتب إليهم ببيعها ودفع الفاضل منها عن حقوقهم إلى من لم تنله صلاته وكان أبو طاهر بن كثير شيعيا فقال له رجل بحق علي بن أبي طالب لما وهبت لي نخلتك بموضع كذا وكذا فقال قد فعلت وحقه لأعطينك ما يليها وكان ذلك أضعاف ما طلب الرجل

Sección V03/P247–V03/P248

وكان أبو مرثد أحد الكرماء فمدحه بعض الشعراء فقال للشاعر والله ما عندي ما أعطيك ولكن قدمني إلى القاضي وادع علي بعشرة آلاف درهم حتى أقر لك بها ثم احبسني فإنأهلي لا يتركوني محبوسا ففعل ذلك فلم يمس حتى دفع إليه عشرة آلاف درهم وأخرج أبو مرثد من الحبس وكان معن بن زائدة عاملا على العراقين بالبصرة فحضر بابه شاعر فأقام مدة وأراد الدخول على معن فلم يتهيأ له فقال يوما لبعض خدام معن إذا دخل الأمير البستان فعرفني فلما دخل الأمير البستان أعلمه فكتب الشاعر بيتا على خشبة وألقاها في الماء الذي يدخل البستان وكان معن على رأس الماء فلما بصر بالخشبة أخذها وقرأها فإذا مكتوب عليها أيا جود معن ناج معنا بحاجتي ... فما لي إلى معن سواك شفيع فقال من صاحب هذه فدعي بالرجل فقال له كيف قلت فقال له فأمر له بعشر بدر فأخذهاووضع الأمير الخشبة تحت بسطاه فلما كان اليوم الثاني أخرجها من تحت البساط وقرأها ودعا بالرجل فدفع إليه مائة ألف درهم فلما أخذها الرجل تفكر وخاف أن يأخذ منه ما أعطاه فخرج فلما كان في اليوم الثالث قرأ ما فيها ودعا بالرجل فطلب فلم يوجد فقال معن حق علي أن أعطيه حتى لا يبقى في بيت مالي ولا دينار وقال أبو الحسن المدائني خرج الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر حجاجا ففاتهم أثقالهم فجاعوا وعطشوا فمروا بعجوز في خباء لها فقالوا هل من شراب فقالت نعم فأناخوا إليها وليس لها إلا شويهة في كسر الخيمة فقالت احلبوها وامتذقوا لبنها ففعلوا ذلك ثم قالوا لها هل من طعام قالت لا إلا هذه الشاة فليذبحها أحدكم حتى أهيء لكم ما تأكلون فقام إليها أحدهم وذبحها وكشطها ثم هيأت لهم طعاما فأكلوا وأقاموا حتى أبردوا فلما ارتحلوا قالوا لها نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه فإذا رجعنا سالمين فألمي بنا فإنا صانعون بك خيرا ثم ارتحلوا وأقبل زوجها فأخبرته بخبر القوم والشاة فغضب الرجل وقال ويلك تذبحين شاتي لقوم لا تعرفيهم ثم تقولين نفر من قريش قال ثم بعد مدة ألجأتهما الحاجة إلى دخول المدينة فدخلاها وجعلا ينقلان البعر إليها ويبيعانه ويتعيشان بثمنه فمرت العجوز ببعض سكك المدينة فإذا الحسن بن علي جالس على باب داره فعرف العجوز وهي له منكرة فبعث غلامه فدعا بالعجوز وقال لها يا أمة الله أتعرفيني قالت لا قال أنا ضيفك يوم كذا ويوم كذا فقالت العجوز بأبي أنت وأمي أنت هو قال نعم ثم أمر الحسن فاشتروا لها من شياه الصدقة ألف شاة وأمر لها معها بألف دينار وبعث بها مع غلامه إلى الحسين فقال لها الحسين بكم وصلك أخي قالت بألف شاة وألف دينار فأمر لها الحسين أيضا بمثل ذلك ثم بعث بها مع غلامه إلى عبد الله بن جعفر فقال لها بكم وصلك الحسن والحسين قالت بألفي شاة وألفي دينار فأمر لها عبد الله بألفي شاة وألفي دينار وقال لها لو بدأت بي لأتعبتهما فرجعت العجوز إلى زوجها بأربعة آلاف شاة وأربعة آلاف دينار وخرج عبد الله بن عامر بن كريز من المسجد يريد منزله وهو وحده فقام إليه غلام من ثقيف فمشى إلى جانبه فقال له عبد الله ألك حاجة يا غلام قال صلاحك وفلاحك رأيتك تمشي وحدك فقلت أقيك بنفسي وأعوذ بالله إن طار بجانبك مكروه فأخذ عبد الله بيده ومشى معه إلى منزله ثم دعا بألف دينار فدفعها إلى الغلام وقال استنفق هذه فنعم ما أدبك أهلك

Sección V03/P248–V03/P249

وحكي أن قوما من العرب جاءوا إلى قبر بعض أسخيائهم للزيارة فنزلوا عند قبره وباتوا عنده وقد كانوا جاءوا من سفر بعيد فرأى رجل منهم في النوم صاحب القبر وهو يقول له هل لك أن تبادل بعيرك بنجيبي وكان السخي الميت قد خلف نجيبا معروفا به ولهذا الرجل بعير سمين فقال له في النوم نعم فباعه في النوم بعيره بنجيبه فلما وقع بينهما العقد عمد هذا الرجل إلى بعيره فنحره في النوم فانتبه الرجل من نومه فإذا الدم يثج من نحر بعيره فقام الرجل فنحره وقسم لحمه فطبخوه وقضوا حاجتهم منه ثم رحلوا وساروا فلما كان اليوم الثاني وهم في الطريق استقبلهم ركب فقال رجل منهم من فلان بن فلان منكم باسم ذلك الرجل فقال أنا فقال له هل بعت من فلان بن فلان شيئا وذكر الميت صاحب القبر قال نعم بعت بعيري بنجيبه في النوم فقال خذ هذا نجيبه ثم قال هو أبي وقد رأيته في النوم وهو يقول إن كنت ابني فادفع نجيبي إلى فلان بن فلان وسماه وقدم رجل من قريش من السفر فمر برجل من الأعراب على قارعة الطريق قد أقعده الدهر وأضر به المرض فقال يا هذا أعنا على الدهر فقال الرجل لغلامه ما بقي معك من النفقة فادفعه إليه فصب الغلام في حجر الأعرابي أربعة آلاف درهم فذهب لينهض فلم يقدر من الضعف فبكى فقال له الرجل ما يبكيك لعلك استقللت ما أعطيناك قال لا ولكن ذكرت ما تأكل الأرض من كرمك فأبكاني واشترى عبد الله بن عامر من خالد بن عقبة بن أبي معيط داره التي في السوق بتسعين ألف درهم فلما كان الليل سمع بكاء أهل خالد فقال لأهله ما لهؤلاء قالوا يبكون لدارهم فقال يا غلام ائتهم فأعلمهم أن المال والدار لهم جميعا وقيل بعث هارون الرشيد إلى مالك بن أنس رحمه الله بخمسمائة دينار فبلغ ذلك الليث به سعد فأنفذ إليه ألف دينار فغضب هارون وقال أعطيته خمسمائة وتعطيه ألفا وأنت من رعيتي فقال يا أمير المؤمنين إن لي من غلتي كل يوم ألف دينار فاستحييت أن أعطي مثله أقل من دخل يوم وحكي أنه لم تجب عليه الزكاة مع أن دخله كل يوم ألف دينار وحكي أن امرأة سألت الليث بن سعد رحمة الله عليه شيئا من عسل فأمر لها بزق من عسل فقيل له إنها كانت تقنع بدون هذا فقال إنها سألت على قدر حاجتها ونحن نعطيها على قدر النعمة علينا وكان الليث ابن سعد لا يتكلم كل يوم حتى يتصدق على ثلثمائة وستين مسكينا وقال الأعمش اشتكت شاة عندي فكان خيثمة بن عبد الرحمن يعودها بالغداة والعشي ويسألني هل استوفت علفها وكيف صبر الصبيان منذ فقدوا لبنها وكان تحتي لبد أجلس عليه فإذا خرج قال خذ ما تحت اللبد حتى وصل إلي في علة الشاة أكثر من ثلثمائة دينار من بره حتى تمنيت أن الشاة لم تبرأ وقال عبد الملك بن مروان لأسماء بن خارجة بلغني عنك خصال فحدثني بها فقال هي من غيري أحسن منها مني فقال عزمت عليك إلا حدثتني بها فقال يا أمير المؤمنين ما مددت رجلي بين يدي جليس لي قط ولا صنعت طعاما قط فدعوت عليه قوما إلا كانوا أمن علي مني عليهم ولا نصب لي رجل وجهه قط يسألني شيئا فاستكثرت شيئا أعطيته إياه ودخل سعيد بن خالد على سليمان بن عبد الملك وكان سعيد رجلا جوادا فإذا لم يجد شيئا كتب لمن سأله صكا على نفسه حتى يخرج عطاؤه فلما نظر إليه سليمان تمثل بهذا البيت فقال إني سمعت مع الصباح مناديا ... يا من يعين على الفتى المعوان ثم قال ما حاجتك قال ديني قال وكم هو قال ثلاثون ألف دينار قال لك دينك ومثله

Sección V03/P249–V03/P250

وقيل مرض قيس بن سعد بن عبادة فاستبطأ إخوانه فقيل له إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين فقال أخزى الله مالا يمنع الإخوان من الزيارة ثم أمر مناديا فنادى من كان عليه لقيس بن سعد حق فهو منه بريء قال فانكسرت درجته بالعشي لكثرة من زاره وعاده عن أبي إسحاق قال صليت العصر في مسجد الأشعث بالكوفة أطلب غريما لي فلما صليت وضع بين يدي حلة ونعلان فقلت لست من أهل هذا المسجد فقالوا إن الأشعث بن قيس الكندي قدم البارحة من مكة فأمر لكل من صلى في المسجد بحلة ونعلين وقال الشيخ أبو سعد الحركوشي النيسابوري رحمه الله سمعت محمد بن محمد الحافظ يقول سمعت الشافعي المجاور بمكة يقول كان بمصر رجل عرف بأن يجمع للفقراء شيئا فولد لبعضهم مولود قال فجئت إليه وقلت له ولد لي مولود وليس معي شيء فقام معي ودخل على جماعة فلم يفتح بشيء فجاء إلى قبر رجل وجلس عنده وقال رحمك الله كنت تفعل وتصنع وإني درت اليوم على جماعة فكلفتهم دفع شيء لمولود فلم يتفق لي شيء قال ثم قام وأخرج دينارا وقسمه نصفين وناولني نصفه وقال هذا دين عليك إلى أن يفتح الله عليك بشيء قال فأخذته وانصرفت فأصلحت ما اتفق لي به قال فرأى ذلك المحتسب تلك الليلة ذلك الشخص في منامه فقال سمعت جميع ما قلت وليس لنا إذن في الجواب ولكن أحضر منزلي وقل لأولادي يحفروا مكان الكانون ويخرجوا قرابة فيها خمسمائة دينار فاحملها إلى هذا الرجل فلما كان من الغد تقدم إلى منزل الميت وقص عليهم القصة فقالوا له اجلس وحفروا الموضع وأخرجوا الدنانير وجاءوا بها فوضعوها بين يديه فقال هذا مالكم وليس لرؤياي حكم فقالوا هو يتسخى ميتا ولا نتسخى نحن أحياء فلما ألحوا عليه حمل الدنانير إلى الرجل صاحب المولود وذكر له القصة قال فأخذ منها دينارا فكسره نصفين فأعطاه النصف الذي أقرضه وحمل النصف الآخر وقال يكفيني هذا وتصدق به على الفقراء فقال أبو سعيد فلا أدري أي هؤلاء أسخى وروي أن الشافعي رحمه الله لما مرض مرض موته بمصر قال مروا فلانا يغسلني فلما توفي بلغه خبر وفاته فحضر وقال ائتوني بتذكرته فأتي بها فنظر فيها فإذا على الشافعي سبعون ألف درهم دين فكتبها على نفسه وقضاها عنه وقال هذا غسلي إياه أي أراد به هذا وقال أبو سعيد الواعظ الحركوشي لما قدمت مصر طلبت منزل ذلك الرجل فدلوني عليه فرأيت جماعة من أحفاده وزرتهم فرأيت فيهم سيما الخير وآثار الفضل فقلت بلغ أثره في الخير إليهم وظهرت بركته فيهم مستدلا بقوله تعالى وكان أبوهما صالحا وقال الشافعي رحمه الله لا أزال أحب حماد بن أبي سليمان لشيء بلغني عنه أنه كان ذات يوم راكبا حماره فحركه فانقطع زره فمر على الخياط فأراد أن ينزل إليه ليسوي زره فقال الخياط والله لا نزلت فقام الخياط إليه فسوى زره فأخرج إليه صرة فيها عشرة دنانير فسلمها إلى الخياط واعتذر إليه من قلتها وأنشد الشافعي رحمه الله لنفسه يا لهف قلبي على مال أجود به ... على المقلين من أهل المروءات إن اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما ليس عندي لمن إحدى المصيبات وعن الربيع بن سليمان قال أخذ رجل بركاب الشافعي رحمه الله فقال يا ربيع أعطه أربعة دنانير واعتذر إليه عني وقال الربيع سمعت الحميدي يقول قدم الشافعي من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف دينار فضرب خباءه في موضع خارج عن مكة ونثرها على ثوب ثم أقبل على كل من دخل عليه يقبض له قبضة ويعطيه حتى صلى الظهر ونفض الثوب وليس عليه شيء

Sección V03/P250–V03/P252

وعن أبي ثور قال أراد الشافعي الخروج إلى مكة ومعه مال وكان قلما يمسك شيئا من سماحته فقلت له ينبغي أن تشتري بهذا المال ضيعة تكون لك ولولدك قال فخرج ثم قدم علينا فسألته عن ذلك المال فقال ما وجدت بمكة ضيعة يمكنني أن أشتريها لمعرفتي بأصلها وقد وقف أكثرها ولكني بنيت بمنى مضربا يكون لأصحابنا إذا حجوا أن ينزلوا فيه وأنشد الشافعي رحمه الله لنفسه يقول أرى نفسي تتوق إلى أمور ... يقصر دون مبلغهن مالي فنفسي لا تطاوعني ببخل ... ومالي لا يبلغني فعالي وقال محمد بن عباد المهلبي دخل أبي على المأمون فوصله بمائة ألف درهم فلما قام من عنده تصدق بها فأخبر بذلك المأمون فلما عاد إليه عاتبه المأمون في ذلك فقال يا أمير المؤمنين منع الموجود سوء ظن بالمعبود فوصله بمائة ألف أخرى وقام رجل إلى سعيد بن العاص فسأله فأمر له بمائة ألف درهم فبكى فقال له سعيد ما يبكيك قال أبكي على الأرض أن تأكل مثلك فأمر له بمائة ألف أخرى ودخل أبو تمام على إبراهيم بن شكلة بأبيات امتدحه بها فوجده عليلا فقبل منه المدحة وأمر حاجبه بنيله ما يصلحه وقال عسى أن أقوم من مرضي فأكافئه فأقام شهرين فوحشه طول المقام فكتب إليه يقول إن حراما قبول مدحتنا ... وترك ما نرتجي من الصفد كما الدراهم والدنانير في البيعحرام إلا يدا بيد فلما وصل البيتان إلى إبراهيم قال لحاجبه كم أقام بالباب قال شهرين قال أعطه ثلاثون ألف وجئني بدواة فكتب إليه أعجلتنا فأتاك عاجل برنا ... قلا ولو أمهلتنا لم نقلل فخذ القليل وكن كأنك لم تقل ... ونقول نحن كأننا لم نفعل وروي أنه كان لعثمان على طلحة رضي الله عنهما خمسون ألف درهم فخرج عثمان يوما إلى المسجد فقال له طلحة قد تهيأ مالك فاقبضه فقال هو لك يا أبا محمد معونة لك على مروءتك وقالت سعدى بنت عوف دخلت على طلحة فرأيت منه ثقلا فقلت له مالك فقال اجتمع عندي مال وقد غمني فقلت وما يغمك ادع قومك فقال يا غلام علي بقومي فقسمه فيهم فسألت الخادم كم كان قال أربعمائة ألف وجاء أعرابي إلى طلحة فسأله وتقرب إليه برحم فقال إن هذه الرحم ما سألني بها أحد قبلك إن لي أرضا قد أعطاني بها عثمان ثلثمائة ألف فإن شئت فاقبضها وإن شئت بعتها من عثمان ودفعت إليك الثمن فقال الثمن فباعها من عثمان ودفع إليه الثمن وقيل بكى علي كرم الله وجهه يوما فقيل ما يبكيك فقال لم يأتني ضيف منذ سبعة أيام أخاف أن يكون الله قد أهانني وأتى رجل صديقا له فدق عليه الباب فقال ما جاء بك قال علي أربعمائة درهم دين فوزن أربعمائة درهم وأخرجها إليها وعاد يبكي فقالت امرأته لم أعطيته إذ شق عليك فقال إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إلى مفاتحتي فرحم الله من هذه صفاتهم وغفر لهم أجمعين بيان ذم البخل قال الله تعالى ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون وقال تعالى ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة وقال تعالى الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وقال صلى الله عليه وسلم إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم وقال صلى الله عليه وسلم إياكم والشح فإنه دعا من كان قبلكم فسفكوا دماءهم ودعاهم فاستحلوا محارمهم ودعاهم فقطعوا أرحامهم وقال صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة بخيل ولا خب ولا خائن ولا سيء الملكة

Sección V03/P252–V03/P253

وفي رواية ولا جبار وفي رواية ولا منان وقال صلى الله عليه وسلم ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه حديث أن الله يبغض ثلاثا الشيخ الزاني والبخيل المنان والفقير المختال أخرجه الترمذي والنسائي من حديث أبي ذر دون قوله البخيل المنان وقال فيه الغني الظلوم وقد تقدم وللطبراني في الأوسط من حديث علي إن الله ليبغض الغني الظلوم والشيخ الجهول والعائل المختال وسنده ضعيف حديث مثل المنفق والبخيل كمثل رجلين عليهما جبة من حديد الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة حديث خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد وقال غريب حديث اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن الحديث أخرجه البخاري من حديث سعد وتقدم في الأذكار حديث إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة الحديث أخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو دون قوله أمرهم بالكذب فكذبوا وأمرهم بالظلم فظلموا قال عوضا عنهما وبالبخل فبخلوا وبالفجور ففجروا وكذا رواه أبو داود على ذكر الشح وقد تقدم قبله بسبعة أحاديث ولمسلم من حديث جابر اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فذكره بلفظ آخر ولم يذكر الفحش حديث شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع أخرجه أبو داود من حديث جابر بسند جيد حديث وما يدريك أنه شهيد فلعله كان يتكلم فيما لا يعنيه أو يبخل بما لا ينقصه أخرجه أبو يعلى من حديث أبي هريرة بسند ضعيف وللبيهقي في الشعب من حديث أنس أن أمه قالت ليهنك الشهادة وهو عند الترمذي إلا أن رجلا قال له أبشر بالجنة حديث جبير بن مطعم بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الناس مقفلة من حنين علقت الأعراب به الحديث أخرجه البخاري وتقدم في أخلاق النبوة // وقال عمر رضي الله عنه قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما فقلت غير هؤلاء كان أحق به {منهم فقال} إنهم يخيروني بين أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني ولست بباخل وقال أبو سعيد الخدري دخل رجلان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه ثمن بعير فأعطاهما دينارين فخرجا من عنده فلقيهما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأثنيا وقالا معروفا وشكرا ما صنع بهما فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما قالا فقال صلى الله عليه وسلم لكن فلان أعطيته ما بين عشرة إلى مائة ولم يقل ذلك إن أحدكم ليسألني فينطلق في مسألته متأبطها وهي نار فقال عمر فلم تعطهم ما هو نار فقال يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجود من جود الله تعالى فجودوا يجد الله لكم ألا إن الله عز وجل خلق الجود فجعله في صورة رجل وجعل رأسه راسخا في أصل شجرة طوبى وشد أغصانها بأغصان سدرة المنتهى ودلى بعض أغصانها إلى الدنيا فمن تعلق بغصن منها أدخله الجنة ألا إن السخاء من الإيمان والإيمان في الجنة وخلق البخل من مقته وجعل رأسه راسخا في أصل شجرة الزقوم ودلى بعض أغصانها إلى الدنيا فمن تعلق بغصن منها أدخله النار ألا إن البخل من الكفر والكفر في النار وقال صلى الله عليه وسلم السخاء شجرة تنبت في الجنة فلا يلج الجنة إلا سخي والبخل شجرة تنبت في النار فلا يلج النار إلا بخيل وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوفد بني لحيان من سيدكم يا بني لحيان قالوا سيدنا جد بن قيس إلا أنه رجل فيه بخل فقال صلى الله عليه وسلم وأي داء أدوأ من البخل ولكن سيدكم عمرو بن الجموح

Sección V03/P253–V03/P255

وفي رواية أنهم قالوا سيدنا جد بن قيس فقال بم تسودونه قالوا إنه أكثر مالا وأنا على ذلك لنرى منه البخل فقال صلى الله عليه وسلم وأي داء أدوأ من البخل ليس ذلك سيدكم قالوا فمن سيدنا يا رسول الله قالوا سيدكم بشر بن البراء وقال علي رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يبغض البخيل في حياته السخي عنه موته وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السخي الجهول أحب إلى الله من العابد البخيل وقال أيضا قال صلى الله عليه وسلم الشح والإيمان لا يجتمعان في قلب عبد وقال أيضا خصلتان لا يجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق وقال صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لمؤمن أن يكون بخيلا ولا جبانا وقال صلى الله عليه وسلم يقول قائلكم الشحيح أعذر من الظالم وأي ظلم أظلم عند الله من الشح حلف الله تعالى بعزته وعظمته وجلاله لا يدخل الجنة شحيح ولا بخيل حديث كان يطوف بالبيت فإذا رجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول بحرمة هذا البيت إلا غفرت لي الحديث في ذم البخل وفيه قال إليك عني لا تحرقني بنارك الحديث بطوله وهو باطل لا أصل له الآثار قال ابن عباس رضي الله عنهما لما خلق الله جنة عدن قال لها تزيني فتزينت ثم قال لها أظهري أنهارك فأظهرت عين السلسبيل وعين الكافور وعين التسنيم فتفجر منها في الجنان أنهار الخمر وأنهار العسل واللبن ثم قال لها أظهري سررك وحجالك وكراسيك وحليك وحللك وحور عينك فأظهرت فنظر إليها فقال تكلمى فقالت طوبى لمن دخلني فقال الله تعالى وعزتي لا أسكنك بخيلا وقالت أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز أف للبخيل لو كان البخل قميصا ما لبسته ولو كان طريقا ما سلكته وقال طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه إنا لنجد بأموالنا ما يجد البخلاء لكننا نتصبر وقال محمد بن المنكدر كان يقال إذا أراد الله بقوم شرا أمر الله عليهم شرارهم وجعل أرزاقهم بأيدي بخلائهم وقال علي كرم الله وجهه في خطبته إنه سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يده ولم يؤمر بذلك قال الله تعالى ولا تنسوا الفضل بينكم وقال عبد اللهبن عمرو الشح أشد من البخل لأن الشحيح هو الذي يشح على ما في يد غيره حتى يأخذه ويشح بما في يده فيحبسه والبخيل هو الذي يبخل بما في يده وقال الشعبي لا أدري أيهما أبعد غورا في نار جهنم البخل أو الكذب وقيل ورد على أنوشروان حكيم الهند وفيلسوف الروم فقال للهندي تكلم فقال خير الناس من ألفى سخيا وعند الغضب وقورا وفي القول متأنيا وفي الرفعة متواضعا وعلى كل ذي رحم مشفقا وقام الرومي فقال من كان بخيلا ورث عدوه ماله ومن قل شكره لم ينل النجح وأهل الكذب مذمومون وأهل النميمة يموتون فقراء ومن لم يرحم سلط عليه من لا يرحمه وقال الضحاك في قوله تعالى إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا قال البخل أمسك الله تعالى أيديهم عن النفقة في سبيل الله فهم لا يبصرون الهدى وقال كعب ما من صباح إلا وقد وكل به ملكان يناديان اللهم عجل لممسك تلفا وعجل لمنفق خلفا وقال الأصمعي سمعت أعرابيا وقد وصف رجلا فقال لقد صغر فلان في عيني لعظم الدنيا في عينه وكأنما يرى السائل ملك الموت إذا أتاه وقال أبو حنيفة رحمه الله لا أرى أن أعدل بخيلا لأن البخل يحمله على الاستقصاء فيأخذ فوق حقه خيفة من أن يغبن فمن كان هكذا لا يكون مأمون الأمانة وقال علي كرم الله وجهه والله ما استقصى كريم قط حقه قال الله تعلى عرف بعضه وأعرض عن بعض وقال الجاحظ ما بقي من اللذات إلا ثلاث دم البخلاء وأكل القديد وحك الجرب

Sección V03/P255–V03/P256

وقال بشر بن الحارث البخيل لا غيبة له قال النبي صلى الله عليه وسلم إنك إذا لبخيل ومدحت امرأة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا صوامة قوامة إلا أن فيها بخلا قال فما خيرها إذن // حديث مدحت امرأة عند النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا صوامة قوامة إلا أن فيها بخلا الحديث تقدم في آفات اللسان وقال بشر النظر إلى البخيل يقسي القلب ولقاء البخلاء كرب على قلوب المؤمنين وقال يحيى بن معاذ ما في القلب للأسخياء إلا حب ولو كانوا فجارا وللبخلاء إلا بغض ولو كانوا أبرارا وقال ابن المعتز أبخل الناس بماله أجودهم بعرضه ولقي يحيى بن زكريا عليهما السلام إبليس في صورته فقال له يا إبليس أخبرني بأحب الناس إليك وأبغض الناس إليك قال أحب الناس إلي المؤمن البخيل وأبغض الناس إلي الفاسق السخي قال له لم قال لأن البخيل قد كفاني بخله والفاسق السخي الخوف أن يطلع الله عليه في سخائه فيقبله ثم ولى وهو يقول لولا أنك يحيى لما أخبرتك حكايات البخلاء قيل كان بالبصرة رجل موسر بخيل فدعاه بعض جيرانه وقدم إليه طباهجة ببيض فأكل منه فأكثر وجعل يشرب الماء فانتفخ بطنه ونزل به الكرب والموت فجعل يتلوى فلما جهده الأمر وصف حاله للطبيب فقال لا بأس عليك تقيأ ما أكلت فقال هاه أتقيأ طباهجة ببيض الموت ولا ذلك وقيل أقبل أعرابي يطلب رجلا وبين يديه تين فغطى التين بكسائه فجلس الأعرابي فقال له الرجل هل تحسن من القرآن شيئا قال نعم فقرأ والزيتون وطور سينين فقال وأين التين قال هو تحت كسائك ودعا بعضهم أخا له ولم يطعمه شيئا فحبسه إلى العصر حتى اشتد جوعه وأخذه مثل الجنون فأخذ صاحب البيت العود وقال له بحياتي أي صوت تشتهي أن أسمعك قال صوت المقلى ويحكى أن محمد بن يحيى بن خالد بن برمك كان بخيلا قبيح البخل فسئل نسيب له كان يعرفه عنه فقال له قائل صف لي مائدته فقال هي فتر في فتر وصحافه منقورة من حب الخشخاش قيل فمن يحضرها قال الكرام الكاتبون قال فما يأكل معه أحد قال بلى الذباب فقال سوأتك بدت وأنت خاص به وثوبك مخرق قال أنا والله ما أقدر على إبرة أخيطه بها ولو ملك محمد بيتا من بغداد إلى النوبة مملوءا إبرا ثم جاءه جبريل وميكائيل ومعهما يعقوب النبي عليه السلام يطلبون منه إبرة ويسألونه إعارتهم إياها ليخيط بها قميص يوسف الذي قد من دبر ما فعل ويقال كان مروان بن أبي حفصة لا يأكل اللحم بخلا حتى يقرم إليه فإذا قرم إليه أرسل غلامه فاشترى له رأسا فأكله فقيل له نراك لا تأكل إلا الرءوس في الصيف والشتاء فلم تختار ذلك قال نعم الرأس أعرف سعره فآمن خيانة الغلام ولا يستطيع أن يغبنني فيه وليس بلحم يطبخه الغلام فيقدر أن يأكل منه إن مس عينا أو أذنا أو خدا وقفت على ذلك وآكل منه ألوانا عينه لونا وأذنه لونا ولسانه لونا وغلصمته لونا ودماغه لونا وأكفي مؤونة طبخه فقد اجتمعت لي فيه مرافق وخرج يوما يريد الخليفة المهدي فقالت له امرأة من أهله مالي عليك إن رجعت بالجائزة فقال إن أعطيت مائة ألف أعطيتك درهما فأعطي ستين ألف فأعطاها أربعة دوانق واشترى مرة لحما بدرهم فدعاه صديق له فرد اللحم إلى القصاب بنقصان دانق وقال أكره الإسراف وكان للأعمش جار وكان لا يزال يعرض عليه المنزل ويقول لو دخلت فأكلت كسرة وملحا فيأبى عليه الأعمش فعرض عليه ذات يوم فوافق جوع الأعمش فقال سر بنا فدخل منزله فقرب إليه كسرة وملحا فجاء سائل فقال له رب المنزل بورك فيك فأعاد عليه المسألة فقال له بورك فيك فلما سأل الثالثة قال له اذهب والله وإلا خرجت إليك بالعصا قال فناداه الأعمش وقال اذهب ويحك فلا والله ما رأيت أحدا أصدق مواعيد منه هو منذ مدة يدعوني على كسرة وملح فوالله ما زادني عليهما بيان الإيثار وفضله

Sección V03/P256–V03/P257

اعلم أن السخاء والبخل كل منهما ينقسم إلى درجات فأرفع درجة السخاء الإيثار وهو أن يجود بالمال مع الحاجة وإنما السخاء عبارة عن بذل ما لا يحتاج إليه لمحتاج أو لغير محتاج والبذل مع الحاجة أشد وكما أن السخاوة قد تنتهي إلى أن يسخو الإنسان على غيره مع الحاجة فالبخل قد ينتهي إلى أن يبخل على نفسه مع الحاجة فكم من بخيل يمسك المال ويمرض فلا يتداوى ويشتهي الشهوة فلا يمنعه منها إلا البخل بالثمن ولو وجدها مجانا لأكلها فهذا بخيل على نفسه مع الحاجة وذلك يؤثر على نفسه غيره مع أنه محتاج إليه فانظر ما بين الرجلين فإن الأخلاق عطايا يضعها الله حيث يشاء وليس بعد الإيثار درجة في السخاء وقد أثنى الله على الصحابة رضي الله عنهم به فقال ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيما امرئ اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر على نفسه غفر له حديث عائشة ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام متواليات ولو شئنا لشبعنا ولكنا كنا نؤثر على أنفسنا أخرجه البيهقي في الشعب بلفظ ولكنه كان يؤثر على نفسه وأول الحديث عند مسلم بلفظ ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى مضى لسبيله وللشيخين ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة ثلاثة ليال تباعا حتى قبض زاد مسلم من طعام ونزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فلم يجد عند أهله شيئا فدخل عليه رجل من الأنصار فذهب بالضيف إلى أهله ثم وضع بين يديه الطعام وأمر امرأته بإطفاء السراج وجعل يمد يده إلى الطعام كأنه يأكل ولا يأكل حتى أكل الضيف فلما أصبح قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد عجب الله من صنيعكم الليلة إلى ضيفكم ونزلت ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة // حديث نزل به ضيف فلم يجد عند أهله شيئا فدخل عليه رجل من الأنصار فذهب به إلى أهله الحديث في نزول قوله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة متفق عليه من حديث أبي هريرة فالسخاء خلق من أخلاق الله تعالى والإيثار أعلى درجات السخاء وكان ذلك من أدب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سماه الله تعالى عظيما فقال تعالى وإنك لعلى خلق عظيم وقال سهل بن عبد الله التستري قال موسى عليه السلام يا رب أرني بعض درجات محمد صلى الله عليه وسلم وأمته فقال يا موسى إنك لن تطيق ذلك ولكن أريك منزلة من منازله جليلة عظيمة فضلته بها عليك وعلى جميع خلقي قال فكشف له عن ملكوت السموات فنظر إلى منزلة كادت تتلف نفسه من أنوارها وقربها من الله تعالى فقال يارب بماذا بلغت به إلى هذه الكرامة قال بخلق اختصصته به من بينهم وهو الإيثار يا موسى لا يأتيني أحد منهم قد عمل به وقتا من عمره إلا استحييت من محاسبته وبوأته من جنتي حيث يشاء وقيل خرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له فنزل على نخيل قوم وفيه غلام أسود يعمل فيه إذ أتى الغلام بقوته فدخل الحائط كلب ودنا من الغلام فرمى إليه الغلام بقرص فأكله ثم رمى إليه الثاني والثالث فأكله وعبد الله ينظر إليه فقال يا غلام كم قوتك كل يوم قال ما رأيت قال فلم آثرت به هذا الكلب قال ما هي بأرض كلاب إنه جاء من مسافة بعيدة جائعا فكرهت أن أشبع وهو جائع قال فما أنت صانع اليوم قال أطوي يومي هذا فقال عبد الله بن جعفر ألام على السخاء إن هذا الغلام لأسخى مني فاشترى الحائط والغلام وما فيه من الآلات فأعتق الغلام ووهبه منه وقال عمر رضي الله عنه أهدي إلى رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال إن أخي كان أحوج مني إليه فبعث به إليه فلم يزل واحد يبعث به إلى آخر حتى تداوله سبعة أبيات ورجع إلى الأول

Sección V03/P257–V03/P258

وبات علي كرم الله وجهه على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوحى الله تعالى إلى جبريل وميكائيل عليهما السلام إني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة فاختارا كلاهما الحياة وأحباها فأوحى الله عز وجل إليهما أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين نبيي محمد صلى الله عليه وسلم فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه فكان جبريل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبريل عليه السلام يقول بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب والله تعالى يباهى بك الملائكة فأنزل الله تعالى ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد // حديث بات علي على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوحى الله إلى جبريل وميكائيل إني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر الحديث في نزول قوله تعالى ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله أخرجه أحمد مختصرا من حديث ابن عباس شرى على نفسه فلبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم ثم نام مكانه الحديث وليس فيه ذكر جبريل وميكائيل ولم أقف لهذه الزيادة على أصل وفيه أبو بلج مختلف فيه والحديث منكر وعن أبي الحسن الأنطاكي أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون نفسا وكانوا في قرية بقرب الري ولهم أرغفة معدودة لم تشبع جميعهم فكسروا الرغفان وأطفئوا السراج وجلسوا للطعام فلما رفع فإذا الطعام بحاله ولم يأكل أحد منه شيئا إيثارا لصاحبه على نفسه وروي أن شعبة جاءه سائل وليس عنده شيء فنزع خشبة من سقف بيته فأعطاه ثم اعتذر إليه وقال حذيفة العدوي انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ومعي شيء من ماء وأنا أقول إن كان به رمق سقيته ومسحت به وجهه فإذا أنا به فقلت أسقيك فأشار إلي أن نعم فإذا رجل يقول آه فأشار ابن عمي إلي أن أنطلق به إليه فجئته فإذا هو هشام بن العاص فقلت أسقيك فسمع به آخر فقال آه فأشار هشام انطلق به إليه فجئته فإذا هو قد مات فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات فرجعت إن ابن عمي فإذا هو قد مات رحمة الله عليهم أجمعين وقال عباس بن دهقان ما خرج أحد من الدنيا كما دخلها إلا بشر بن الحرث فإنه أتاه رجل في مرضه فشكا إليه الحاجة فنزع قميصه وأعطاه إياه واستعار ثوبا فمات فيه وعن بعض الصوفية قال كنا بطرسوس فاجتمعنا جماعة وخرجنا إلى باب الجهاد فتبعنا كلب من البلد فلما بلغنا ظاهر الباب إذا نحن بدابة ميتة فصعدنا إلى موضع عال وقعدنا فلما نظر الكلب إلى الميتة رجع إلى البلد ثم عاد بعد ساعة ومعه مقدار عشرين كلبا فجاء إلى تلك الميتة وقعد ناحية ووقعت الكلاب في الميتة فما زالت تأكلها وذلك الكلب قاعد ينظر إليها حتى أكلت الميتة وبقي العظم ورجعت الكلاب إلى البلد فقام ذلك الكلب وجاء إلى تلك العظام فأكل مما بقي عليها قليلا ثم انصرف وقد ذكرنا جملة من أخبار الإيثار وأحوال الأولياء في كتاب الفقر والزهد فلا حاجة إلى الإعادة ههنا وبالله التوفيق وعليه التوكل فيما يرضيه عز وجل بيان حد السخاء والبخل وحقيقتهما لعلك تقول قد عرف بشواهد الشرع أن البخل من المهلكات ولكن ما حد البخل وبماذا يصير الإنسان بخيلا وما من إنسان إلا وهو يرى نفسه سخيا وربما يراه غيره بخيلا وقد يصدر فعل من إنسان فيختلف فيه الناس فيقول قوم هذا بخل ويقول آخرون ليس هذا من البخل وما من إنسان إلا ويجد من نفسه حبا للمال ولأجله يحفظ المال ويمسكه فإن كان يصير بإمساك المال بخيلا فإذا لا ينفك أحد عن البخل

Sección V03/P258–V03/P259

وإذا كان الإمساك مطلقا لا يوجب البخل ولا معنى للبخل إلا الإمساك فما البخل الذي يوجب الهلاك وما حد السخاء الذي يستحق به البعد صفة السخاوة وثوابها فنقول قد قال قائلون حد البخل منع الواجب فكل من أدى ما يجب عليه فليس ببخيل 4 وهذا غير كاف فإن من يرد اللحم مثلا إلى القصاب والخبز للخباز بنقصان حبة أو نصف حبة فإنه يعد بخيلا بالاتفاق وكذلك من يسلم إلى عياله القدر الذي يفرضه القاضي ثم يضايقهم في لقمة ازدادوها عليه أو تمرة أكلوها من ماله يعد بخيلا ومن كان بين يديه رغيف فحضر من يظن أنه يأكل معه فأخفاه عنه عد بخيلا وقال قائلون البخيل هو الذي يستصعب العطية وهو أيضا قاصر فإنه إن أريد به أنه يستصعب كل عطية فكم من بخيل لا يستصعب العطية القليلة كالحبة وما يقرب منها ويستصعب ما فوق ذلك وإن أريد به أنه يستصعب بعض العطايا فمن من جواد إلا وقد يستصعب بعض العطايا وهو ما يستغرق جميع ماله أو المال العظيم فهذا لا يوجب الحكم بالبخل وكذلك تكلموا في الجود فقيل الجود عطاء بلا من وإسعاف من غير روية وقيل الجود عطاء من غير مسألة على رؤية التقليل وقيل الجود السرور بالسائل والفرح بالعطاء لما أمكن وقيل الجود عطاء على رؤية أن المال لله تعالى والعبد لله عز وجل فيعطى عبد الله مال الله على غير رؤية الفقر وقيل من أعطى البعض وأبقى البعض فهو صاحب سخاء ومن بذل الأكثر وأبقى لنفسه شيئا فهو صاحب جود ومن قاسى الضر وآثر غيره بالبلغة فهو صاحب إيثار ومن لم يبذل شيئا فهو صاحب بخل وجملة هذه الكلمات غير محيطة بحقيقة الجود والبخل بل نقول المال خلق لحكمة ومقصود وهو صلاحه لحاجات الخلق ويمكن إمساكه عن الصرف إلى ما خلق للصرف إليه ويمكن بذله بالصرف إلى ما لا يحسن الصرف إليه ويمكن التصرف فيه بالعدل وهو أن يحفظ حيث يجب الحفظ ويبذل حيث يجب البذل فالإمساك حيث يجب البذل بخل والبذل حيث يجب الإمساك تبذير وبينهما وسط وهو المحمود وينبغي أن يكون السخاء والجود عبارة عنه إذ لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالسخاء وقد قيل له ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط وقال تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما فالجود وسط بين الإسراف والإقتار وبين البسط والقبض وهو أن يقدر بذله وإمساكه بقدر الواجب ولا يكفي أن يفعل ذلك بجوارحه ما لم يكن قلبه طيبا به غير منازع له فيه فإن بذل في محل وجوب البذل ونفسه تنازعه وهو يصابرها فهو متسخ وليس بسخي بل ينبغي أن لا يكون لقلبه علاقة مع المال إلا من حيث يراد المال له وهو صرفه إلى ما يجب صرفه إليه فإن قلت فقد صار هذا موقوفا على معرفة الواجب فما الذي يجب بذله فأقول إن الواجب قسمان واجب بالشرع وواجب بالمروءة والعادة والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع ولا واجب المروءة فإن منع واحدا منهما فهو بخيل ولكن الذي يمنع واجب الشرع أبخل كالذي يمنع أداء الزكاة ويمنع عياله وأهله النفقة أو يؤديها ولكنه يشق عليه فإنه بخيل بالطبع وإنما يتسخى بالتكلف أو الذي يتيمم الخبيث من ماله ولا يطيب قلبه أن يعطي من أطيب ماله أو من وسطه فهذا كله بخل وأما واجب المروءة فهو ترك المضايقة والاستقصاء في المحقرات فإن ذلك مستقبح واستقباح ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص

Sección V03/P259–V03/P260

فمن كثر ماله استقبح منه ما لا يستقبح من الفقير من المضايقة ويستقبح من الرجل المضايقة مع أهله وأقاربه ومماليكه ما لا يستقبح مع الأجانب ويستقبح من الجار ما لا يستقبح مع البعيد ويستقبح في الضيافة من المضايقة ما لا يستقبح في المعاملة فيختلف ذلك بما فيه من المضايقة في ضيافة أو معاملة وبما به المضايقة من طعام أو ثوب إذ يستقبح في الأطعمة ما لا يستقبح في غيرها ويستقبح في شراء الكفن مثلا أو شراء الأضحية أو شراء خبز الصدقة ما لا يستقبح في غيره من المضايقة وكذلك بمن معه المضايقة من صديق أو أخ أو قريب أو زوجة أو ولد أو أجنبي وبمن منه المضايقة من صبي أو امرأة أو شيخ أو شاب أو عالم أو جاهل أو موسر أو فقير فالبخيل هو الذي يمنع حيث ينبغي أن لا يمنع إما بحكم الشرع وإما بحكم المروءة وذلك لا يمكن التنصيص على مقداره ولعل حد البخل هو إمساك المال عن غرض ذلك الغرض هو أهم من حفظ المال فإن صيانة الدين أهم من حفظ المال فمانع الزكاة والنفقة بخيل وصيانة المروءة أهم من حفظ المال والمضايق في الدقائق مع من لا تحسن المضايقة معه هاتك ستر المروءة لحب المال فهو بخيل ثم تبقى درجة أخرى وهو أن يكون الرجل ممن يؤدي الواجب ويحفظ المروءة ولكن معه مال كثير قد جمعه ليس يصرفه إلى الصدقات وإلى المحتاجين فقد تقابل غرض حفظ المال ليكون له عدة على نوائب الزمان وغرض الثواب ليكون رافعا لدرجاته في الآخرة وإمساك المال عن هذا الغرض بخل عند الأكياس وليس ببخل عند عوام الخلق وذلك لأن نظر العوام مقصور على حظوظ الدنيا فيرون إمساكه لدفع نوائب الزمان مهما وربما يظهر عند العوام أيضا سمة البخل عليه إن كان في جواره محتاج فمنعه وقال قد أديت الزكاة الواجبة وليس على غيرها ويختلف استقباح ذلك باختلاف مقدار ماله وباختلاف شدة حاجة المحتاج وصلاح دينه واستحقاقه فمن أدى واجب الشرع وواجب المروءة اللائقة به فقد تبرأ من البخل نعم لا يتصف بصفة الجود والسخاء ما لم يبذل زيادة على ذلك لطلب الفضيلة ونيل الدرجات فإذا اتسعت نفسه لبذل المال حيث لا يوجبه الشرع ولا تتوجه إليه الملامة في العادة فهو جواد بقدر ما تتسع له نفسه من قليل أو كثير ودرجات ذلك لا تحصر وبعض الناس أجود من بعض فاصطناع المعروف وراء ما توجبه العادة والمروءة هو الجود ولكن بشرط أن يكون عن طيب نفس ولا يكون طمع ورجاء خدمة أو مكافأة أو شكر أو ثناء فإن من طمع في الشكر والثناء فهو بياع وليس بجواد فإنه يشتري المدح بماله والمدح لذيذ وهو مقصود في نفسه والجود هو بذل الشيء من غير عوض هذا هو الحقيقة ولا يتصور ذلك إلا من الله تعالى أما الآدمي فاسم الجود عليه مجاز إذ لا يبذل الشيء إلا لغرض ولكنه إذا لم يكن غرضه إلا

Sección V03/P260–V03/P261

الثواب في الآخرة أو اكتساب فضيلة الجود وتطهير النفس عن رذالة البخل فيسمى جوادا فإن كان الباعث عليه الخوف من الهجاء مثلا أو من ملامة الخلق أو ما يتوقعه من نفع يناله من المنعم عليه فكل ذلك ليس من الجود لأنه مضطر إليه بهذه البواعث وهي أعواض معجلة له عليه فهو معتاض لا جواد كما روي عن بعض المتعبدات أنها وقفت على حبان بن هلال وهو جالس مع أصحابه فقالت هل فيكم من أسأله عن مسألة فقالوا لها سلي عما شئت وأشاروا إلى حبان بن هلال فقالت ما السخاء عندكم قالوا العطاء والبذل والإيثار قالت هذا السخاء في الدنيا فما السخاء في الدين قالوا أن نعبد الله سبحانه سخية بها أنفسنا غير مكرهة قالت فتريدون على ذلك أجرا قالوا نعم قالت ولم قالوا لأن الله تعالى وعدنا بالحسنة عشر أمثالها قالت سبحان الله فإذا أعطيتم واحدة وأخذتم عشرة فبأي شيء تسخيتم عليه قالوا لها فما السخاء عندك يرحمك الله قالت السخاء عندي أن تعبدوا الله متنعمين متلذذين بطاعته غير كارهين لا تريدون على ذلك أجرا حتى يكون مولاكم يفعل بكم ما يشاء ألا تستحيون من الله أن يطلع على قلوبكم فيعلم منها أنكم تريدون شيئا بشيء إن هذا في الدنيا لقبيح وقالت بعض المتعبدات أتحسبون أن السخاء في الدرهم والدينار فقط قيل ففيم قالت السخاء عندي في المهج وقال المحاسبي السخاء في الدين أن تسخوا بنفسك تتلفها لله عز وجل ويسخو قلبك ببذل مهجتك وإهراق دمك لله تعالى بسماحة من غير إكراه ولا تريد بذلك ثوابا عاجلا ولا آجلا وإن كنت غير مستغن عن الثواب ولكن يغلب على ظنك حسن كمال السخاء بترك الاختيار على الله حتى يكون مولاك هو الذي يفعل لك ما لا تحسن أن تختار لنفسك بيان علاج البخل اعلم أن البخل سببه حب المال ولحب 2 المال سببان أحدهما حب الشهوات التي لا وصول إليها إلا بالمال مع طول الأمل فإن الإنسان لو علم أنه يموت بعد يوم ربما أنه كان لا يبخل بماله إذ القدر الذي يحتاج إليه في يوم أو في شهر أو في سنة قريب وإن كان قصير الأمل ولكن كان له أولاد أقام الولد مقام طول الأمل فإنه يقدر بقاءهم كبقاء نفسه فيمسك لأجلهم ولذلك قال صلى الله عليه وسلم عليه السلام الولد مبخلة مجبنة مجهلة // حديث الولد مبخلة زاد في رواية محزنة ابن ماجه من حديث يعلى بن مره دون قوله محزنة رواه بهذه الزيادة أبو يعلى والبزار من حديث أبي سعيد والحاكم من حديث الأسود بن خلف وإسناده صحيح فإذا انضاف إلى ذلك خوف الفقر وقلة الثقة بمجيء الرزق قوي البخل لا محالة السبب الثاني أن يحب عين المال فمن الناس من معه ما يكفيه لبقية عمره إذا اقتصر على ما جرت به عادته بنفقته وتفضل آلاف وهو شيخ بلا ولد ومعه أموال كثيرة ولا تسمح نفسه بإخراج الزكاة ولا بمداواة نفسه عند المرض بل صار محبا للدنانير عاشقا لها يلتذ بوجودها في يده وبقدرته عليها فيكنزها تحت الأرض وهو يعلم أنه يموت فتضيع أو يأخذها أعداؤه هذا فلا تسمح نفسه بأن يأكل أو يتصدق منها بحبة واحدة وهذا مرض للقلب عظيم عسير العلاج لا سيما في كبر السن وهو مرض مزمن لا يرجى علاجه ومثال صاحبه مثال رجل عشق شخصا فأحب رسوله لنفسه ثم نسي محبوبه واشتغل برسوله فإن الدنانير رسول يبلغ إلى الحاجات فصارت محبوبة لذلك لأن الموصل إلى اللذيذ لذيذ ثم قد تنسى الحاجات ويصير الذهب عنده كأنه محبوب في نفسه وهو غاية الضلال بل من رأى بينه وبين الحجر فرقا فهو جاهل إلا من حيث قضاء حاجته به فالفاضل عن قدر حاجته والحجر بمثابة واحدة فهذه أسباب حب المال وإنما علاج كل علة بمضادة سببها فتعالج حب الشهوات بالقناعة

Preguntas