Qur'an&Sunnah

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn

Sección V03/P327–V03/P328

في نفسه باعثا دينيا ممزوجا بباعث الرياء أما إذا لم يحركه إلا الرياء فترك الإظهار أنفع له وأسلم وكذلك نوافل الصلوات إذا تجرد فيها باعث الرياء وجب تركها أما إذا خطر له وساوس الرياء في أثناء الصلاة وهو لها كاره فلا يترك الصلاة لأن آفة الرياء في العبادات ضعيفة وإنما تعظم في الولايات وفي التصدي للمناصب الكبيرة في العلم وبالجملة فالمراتب ثلاث الأولى الولايات والآفات فيها عظيمة وقد تركها جماعة من السلف خوفا من الآفة الثانية الصوم الصلاة والحج والغزو وقد تعرض لها أقوياء السلف وضعفاؤهم ولم يؤثر عنهم الترك لخوف الآفة وذلك لضعف الآفات الداخلة فيها والقدرة على نفيها مع إتمام العمل لله بأدنى قوة الثالثة وهي متوسطة بين الرتبتين وهو التصدي لمنصب الوعظ والفتوى والرواية والتدريس والآفات فيها أقل مما في الولايات وأكثر مما في الصلاة فالصلاة ينبغي أن لا يتركها الضعيف والقوي ولكن يدفع خاطر الرياء والولايات ينبغي أن يتركها الضعفاء رأسا دون الأقوياء ومناصب العلم بينهما ومن جرب آفات منصب العلم علم أنه بالولاة أشبه وأن الحذر منه في حق الضعيف أسلم والله أعلم وهنا رتبة رابعة وهي جمع المال وأخذه للتفرقة على المستحقين فإن في الإنفاق وإظهار السخاء استجلابا للثناء وفي إدخال السرور على قلوب الناس لذة للنفس والآفات فيها أيضا كثيرة ولذلك سئل الحسن عن رجل طلب القوت ثم أمسك وآخر طلب فوق قوته ثم تصدق به فقال القاعد أفضل لما يعرفون من قلة السلامة في الدنيا وأن من الزهد تركها قربة إلى الله تعالى وقال أبو الدرداء ما يسرني أنني أقمت على درج مسجد دمشق أصيب كل يوم خمسين دينارا أتصدق بها أما إني لا أحرم البيع والشراء ولكني أريد أن أكون من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وقد اختلف العلماء فقال قوم إذا طلب الدنيا من الحلال وسلم منها وتصدق بها فهو أفضل من أن يشتغل بالعبادات والنوافل وقال قوم الجلوس في دوام ذكر الله أفضل والأخذ والإعطاء يشغل عن الله وقد قال المسيح عليه السلام يا طالب الدنيا ليبر بها تركك لها أبر وقال أقل ما فيه أن يشغله إصلاحه عن ذكر الله وذكر الله أكبر وأفضل وهذا فيمن سلم من الآفات فأما من يتعرض لآفة الرياء فتركه لها أبر والاشتغال بالذكر لا خلاف في أنه أفضل وبالجملة ما يتعلق بالخلق وللنفس فيه لذة فهو مثار الآفات والأحب أن يعمل ويدفع الآفات فإن عجز فلينظر وليجتهد وليستفت قلبه وليزن ما فيه من الخير بما فيه من الشر وليفعل ما يدل عليه نور العلم دون ما يميل إليه الطبع وبالجملة ما يجده أخف على قلبه فهو في الأكثر أضر عليه لأن النفس لا تشير إلا بالشر وقلما تستلذ الخير وتميل إليه وإن كان لا يبعد ذلك أيضا في بعض الأحوال وهذه أمور لا يمكن الحكم على تفاصيلها بنفي وإثبات فهو موكول إلى اجتهاد القلب لينظر فيه لدينه ويدع ما يريبه إلى مالا يريبه ثم قد يقع مما ذكرناه غرور للجاهل فيمسك المال ولا ينفقه خيفة من الآفة وهو عين البخل ولا خلاف في أن تفرقة المال في المباحات فضلا عن الصدقات أفضل من إمساكه وإنما الخلاف فيمن يحتاج إلى الكسب أن الأفضل الكسب والإنفاق أو التجرد للذكر وذلك لما في الكسب من الآفات فأما المال الحاصل من الحلال فتفرقته أفضل من إمساكه بكل حال فإن قلت فبأي علامة تعرف العالم والواعظ أنه صادق مخلص في وعظه غير مريد رياء الناس فاعلم أن لذلك علامات إحداها أنه لو ظهر من هو أحسن منه وعظا أو أغزر منه علما والناس له أشد قبولا فرح به ولم يحسده نعم لا بأس بالغبطة وهو أن يتمنى لنفسه مثل علمه والأخرى أن الأكابر إذا حضروا مجلسه لم يتغير كلامه بل بقي كما كان عليه فينظر إلى الخلق بعين واحدة والأخرى أن لا يحب اتباع الناس له في الطريق والمشي خلفه في الأسواق ولذلك علامات كثيرة يطول إحصاؤها

Sección V03/P328–V03/P329

وقد روي عن سعيد بن أبي مروان قال كنت جالسا إلى جنب الحسن إذ دخل علينا الحجاج من بعض أبواب المسجد ومعه الحرس وهو على برذون أصفر فدخل المسجد على برذونه فجعل يلتفت في المسجد فلم يرى حلقة أحفل من خلقه الحسن فتوجه نحوها حتى بلغ قريبا منها ثم ثنى وركه فنزل ومشى نحو الحسن فلما رآه الحسن متوجها إليه تجافى له عن ناحية مجلسه قال سعيد وتجافيت له أيضا عن ناحية مجلسي حتى صار بيني وبين الحسن فرجة ومجلس للحجاج فجاء الحجاج حتى جلس بيني وبينه والحسن يتكلم بكلام له يتكلم به في كل يوم فما قطع الحسن كلامه قال سعيد فقلت في نفسي لأبلون الحسن اليوم ولأنظرن هل يحمل الحسن جلوس الحجاج إليه أن يزيد في كلامه يتقرب إليه أو يحمل الحسن هيبة الحجاج أن ينقص من كلامه فتكلم الحسن كلاما واحدا نحوا مما كان يتكلم به في كل يوم حتى انتهى إلى آخر كلامه فلما فرغ الحسن من كلامه وهو غير مكترث به رفع الحجاج يده فضرب بها على منكب الحسن ثم قال صدق الشيخ وبر فعليكم بهذه المجالس وأشباهها فاتخذوها حلقا وعادة فإنه بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن مجالس الذكر رياض الجنة // حديث أن مجالس الذكر رياض الجنة تقدم في الأذكار والدعوات ولولا ما حملناه من أمر الناس ما غلبتمونا على هذه المجالس لمعرفتنا بفضلها قال ثم افتر الحجاج فتكلم حتى عجب الحسن ومن حضر من بلاغته فلما فرغ طفق فقام فجاء رجل من أهل الشام إلى مجلس الحسن حين قام الحجاج فقال عباد الله المسلمين ألا تعجبون أني رجل شيخ كبير وأني أغزو فأكلف فرسا وبغلا وأكلف فسطاطا وأن لي ثلثمائة درهم من العطاء وأن لي سبع بنات من العيال فشكا من حاله حتى رق الحسن له ولأصحابه والحسن مكب فلما فرغ الرجل من كلامه رفع الحسن رأسه فقال ما لهم قاتلهم الله اتخذوا عباد الله خولا ومال الله دولا وقتلوا الناس على الدينار والدرهم فإذا غزا عدو الله غزا في الفساطيط الهبابة وعلى البغال السباقة وإذا أغزى أخاه أغزاه طاويا راجلا فما فتر الحسن حتى ذكرهم بأقبح العيب وأشده فقام رجل من أهل الشام كان جالسا إلى الحسن فسعى به إلى الحجاج وحكى له كلامه فلم يلبث الحسن أن أتته رسل الحجاج فقالوا أجب الأمير فقام الحسن وأشفقنا عليه من شدة كلامه الذي تكلم به فلم يلبث الحسن أن رجع إلى مجلسه وهو يبتسم وقلما رأيته فاغرا فاه يضحك إنما كان يتبسم فأقبل حتى قعد في مجلسه فعظم الأمانة وقال إنما تجالسون بالأمانة كأنكم تظنون أن الخيانة ليست إلا في الدينار والدرهم إن الخيانة أشد الخيانة أن يجالسنا الرجل فنطمئن إلى جانبه ثم ينطلق فيسعى بنا إلى شرارة من نار إني أتيت هذا الرجل فقال أقصر عليك من لسانك وقولك إذا غزا عدو الله غزا كذا وكذا وإذا أغزى أخاه أغزاه كذا لا أبالك تحرض علينا الناس أما إنا على ذلك لانتهم نصيحتك فأقصر عليك من لسانك قال فدفعه الله عني وركب الحسن حمارا يريد المنزل فبينما هو يسير إذا التفت فرأى قوما يتبعونه فوقف فقال هل لكم من حاجة أو تسألون عن شيء وإلا فارجعوا فما يبقى هذا من قلب العبد فبهذه العلامات وأمثالها تتبين سريرة الباطن ومهما رأيت العلماء يتغايرون ويتحاسدون ولا يتوانسون ولا يتعاونون فاعلم أنهم قد اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فهم الخاسرون اللهم ارحمنا بلطفك يا أرحم الراحمين بيان ما يصح من نشاط العبد للعبادة بسبب رؤية الخلق وما لا يصح

Sección V03/P329–V03/P330

اعلم أن الرجل قد يبيت مع القوم في موضع فيقومون للتهجد أو يقوم بعضهم فيصلون الليل كله أو بعضه وهو ممن يقوم في بيته ساعة قريبة فإذا رآهم انبعث نشاطه للموافقة حتى يزيد على ما كان يعتاده أو يصلي مع أنه كان لا يعتاد الصلاة بالليل أصلا وكذلك قد يقع في موضع يصوم فيه أهل الموضع فينبعث له نشاط في الصوم ولولاهم لما انبعث هذا النشاط فهذا ربما يظن أنه رياء وأن الواجب ترك الموافقة وليس كذلك على الإطلاق بل له تفصيل لأن كل مؤمن راغب في عبادة الله تعالى وفي قيام الليل وصيام النهار ولكن قد تعوقه العوائق ويمنعه الاشتغال ويغلبه التمكن من الشهوات أو تستهويه الغفلة فربما تكون مشاهدة الغير سبب زوال الغفلة أو تندفع العوائق والأشغال في بعض المواضع فينبعث له النشاط فقد يكون الرجل في منزله فتقطعه الأسباب عن التهجد مثل تمكنه من النوم على فراش وثير أو تمكنه من التمتع بزوجته أو المحادثة مع أهله وأقاربه أو الاشتغال بأولاده أو مطالعة حساب له مع معامليه فإذا وقع في منزل غريب اندفعت عنه هذه الشواغل التي تفتد رغبته عن الخير وحصلت له أسباب باعثة على الخير كمشاهدته إياهم وقد أقبلوا على الله وأعرضوا عن الدنيا فإنه ينظر إليهم فينافسهم ويشق عليه أن يسبقوه بطاعة الله فتتحرك داعيته للدين لا للرياء أو ربما يفارقه النوم لاستنكاره الموضع أو سبب آخر فيغتنم زوال النوم وفي منزله ربما يغلبه النوم وربما ينضاف إليه أنه في منزله على الدوام والنفس لا تسمح بالتهجد دائما وتسمح بالتهجد وقتا قليلا فيكون ذلك سبب هذا النشاط مع اندفاع سائر العوائق وقد يعسر عليه الصوم في منزله ومعه أطايب الأطعمة ويشق عليه الصبر عنها فإذا أعوزته تلك الأطعمة لم يشق عليه فتنبعث داعية الدين للصوم فإن الشهوات الحاضرة عوائق ودوافع تغلب باعث الدين فإذا سلم منها قوي الباعث فهذا وأمثاله من الأسباب يتصور وقوعه ويكون السبب فيه مشاهدة الناس وكونه معهم والشيطان مع ذلك ربما يصد عن العمل ويقول لا تعمل فإنك تكون مرائيا إذا كنت لا تعمل في بيتك ولا تزد على صلاتك المعتادة وقد تكون رغبته في الزيادة لأجل رؤيتهم وخوفا من ذمهم ونسبتهم إياه إلى الكسل لا سيما إذا كانوا يظنون به أنه يقوم الليل فإن نفسه لا تسمح بأن يسقط من أعينهم فيريد أن يحفظ منزلته وعند ذلك قد يقول الشيطان صل فإنك مخلص ولست تصلى لأجلهم بل لله وإنما كنت لا تصلي كل ليلة لكثرة العوائق وإنما داعيتك لزوال العوائق لا لاطلاعهم وهذا أمر مشتبه إلا على ذوي البصائر فإذا عرف أن المحرك هو الرياء فلا ينبغي أن يزيد على ما كان يعتاده ولا ركعة واحدة لأنه يعصي الله بطلب محمدة الناس بطاعة الله وإن كان انبعاثه لدفع العوائق وتحرك الغبطة والمنافسة بسبب عبادتهم فليوافق وعلامة ذلك أن يعرض على نفسه أنه لو رأى هؤلاء يصلون من حيث لا يرونه بل من وراء حجاب وهو في ذلك الموضع بعينه هل كانت نفسه تسخو بالصلاة وهم لا يرونه فإن سخت نفسه فليصل فإن باعثه الحق وإن كان ذلك يثقل على نفسه لو غاب عن أعينهم فليترك فإن باعثه الرياء وكذلك قد يحضر الإنسان يوم الجمعة في الجامع من نشاط الصلاة ما لا يحضره كل يوم ويمكن أن يكون ذلك لحب حمدهم ويمكن أن يكون نشاطه بسبب نشاطهم وزوال غفلته بسبب إقبالهم على الله تعالى وقد يتحرك بذلك باعث الدين ويقارنه نزوع النفس إلى حب الحمد فمهما علم أن الغالب على قلبه إرادة الدين فلا ينبغي أن يترك العمل بما يجده من حب الحمد بل ينبغي أن يرد ذلك على نفسه بالكراهية ويشتغل بالعبادة

Sección V03/P330–V03/P331

وكذلك قد يبكي جماعة فينظر إليهم فيحضره البكاء خوفا من الله تعالى لا من الرياء ولو سمع ذلك الكلام وحده لما بكى ولكن بكاء الناس يؤثر في ترقيق القلب وقد لا يحضره البكاء فيتباكى تارة رياء وتارة مع الصدق إذ يخشى على قلبه قساوة القلب حين يبكون ولا تدمع عينه فيتباكى تكلفا وذلك محمود وعلامة الصدق فيه أن يعرض على نفسه أنه لو سمع بكاءهم من حيث لا يرونه هل كان يخاف على نفسه القساوة فيتباكى أم لا فإن لم يجد ذلك عند تقدير الاختفاء عن أعينهم فإنما خوفه من أن يقال إنه قاسي القلب فينبغي أن يترك التباكي قال لقمان عليه السلام لابنه لا ترى الناس أنك تخشى ليكرموك وقلبك فاجر وكذلك الصيحة والتنفس والأنين عند القرآن أو الذكر أو بعض مجاري الأحوال تارة تكون من الصدق والحزن والخوف والندم والتأسف وتارة تكون لمشاهدته حزن غيره وقساوة قلبه فيتكلف التنفس والأنين ويتحازن وذلك محمود وقد تقترن به الرغبة فيه لدلالته على أنه كثير الحزن ليعرف بذلك فإن تجردت هذه الداعية فهي الرياء وإن اقترنت بداعية الحزن فإن أباها ولم يقبلها وكرهها سلم بكاؤه وتباكيه وإن قبل ذلك وركن إليه بقلبه حبط أجره وضاع سعيه وتعرض لسخط الله تعالى به وقد يكون أصل الأنين عن الحزن ولكن يمده ويزيد في رفع الصوت فتلك الزيادة رياء وهو محظور لأنها في حكم الابتداء لمجرد الرياء فقد يهيج من الخوف ما لا يملك العبد معه نفسه ولكن يسبقه خاطر الرياء فيقبله فيدعو إلى زيادة تحزين للصوت أو رفع له أو حفظ الدمعة على الوجه حتى تبصر بعد أن استرسلت لخشية الله ولكن يحفظ أثرها على الوجه لأجل الرياء وكذلك قد يسمع الذكر فتضعف قواه من الخوف فيسقط ثم يستحي أن يقال له إنه سقط من غير زوال عقل وحالة شديدة فيزعق ويتواجد تكلفا ليرى أنه سقط لكونه مغشيا عليه وقد كان ابتداء السقطة عن صدق وقد يزول عقله فيسقط ولكن يفيق سريعا فتجزع نفسه أن يقال حالته غير ثابتة وإنما هي كبرق خاطف فيستديم الزعقة والرقص ليرى دوام حاله وكذلك قد يفيق بعد الضعف ولكن يزول ضعفه سريعا فيجزع أن يقال لم تكن غشيته صحيحة ولو كان لدام ضعفه فيستديم إظهار الضعف والأنين فيتكئ على غيره يرى أنه يضعف عن القيام ويتمايل في المشي ويقرب الخطا ليظهر أنه ضعيف عن سرعة المشي فهذه كلها مكايد الشيطان ونزعات النفس فإذا خطرت فعلاجها أن يتذكر أن الناس لو عرفوا نفاقه في الباطن واطلعوا على ضميره لمقتوه وإن الله مطلع على ضميره وهو له أشد مقتا كما روي عن ذي النون رحمه الله أنه قام وزعق فقام معه شيخ آخر رأى فيه أثر التكلف فقال يا شيخ الذي يراك حين تقوم فجلس الشيخ وكل ذلك من أعمال المنافقين وقد جاء في الخبر تعوذوا بالله من خشوع النفاق // حديث تعوذوا بالله من خشوع النفاق أخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي بكر الصديق وفيه الحارث بن عبيد الأيادي ضعفه أحمد وابن معين وإنما خشوع النفاق أن تخشع الجوارح والقلب غير خاشع ومن ذلك الاستغفار والاستعاذة بالله من عذابه وغضبه فإن ذلك قد يكون لخاطر خوف وتذكر ذنب وتندم عليه وقد يكون للمراءاة فهذه خواطر ترد على القلب متضادة مترادفة متقاربة وهي مع تقاربها متشابهة فراقب قلبك في كل ما يخطر لك وانظر ما هو ومن أين هو فإن كان لله فامضه واحذر مع ذلك أن يكون قد خفي عليكشيء من الرياء الذي هو كدبيب النمل وكن على وجل من عبادتك أهي مقبولة أم لا لخوفك على الإخلاص فيها واحذر أن يتجدد لك خاطر الركون إلى حمدهم بعد الشروع بالإخلاص فإن ذلك مما يكثر جدا فإذا خطر لك فتفكر في اطلاع الله عليك ومقته لك وتذكر ما قاله أحد الثلاثة الذين حاجوا أيوب عليه السلام إذ قال يا أيوب أما علمت أن العبد تضل عنه علانيته التي كان يخادع بها عن نفسه ويجزى بسريرته

Sección V03/P331–V03/P332

وقول بعضهم أعوذ بك أن يرى الناس أني أخشاك وأنت لي ماقت وكان من دعاء علي بن الحسين رضي الله عنهما اللهم إني أعوذ بك أن تحسن في لامعة العيون علانيتي وتقبح لك فيما أخلو سريرتي محافظا على رياء الناس من نفسي مضيعا لما أنت مطلع عليه مني أبدي للناس أحس أمري وأفضي إليك بأسوأ عملي تقربا إلى الناس بحسناتي وفرارا منهم إليك بسيآتي فيحل بي مقتك ويجب علي غضبك أعذني من ذلك يا رب العالمين وقد قال أحد الثلاثة نفر لأيوب عليه السلام يا أيوب ألم تعلم أن الذين حفظوا علانيتهم وأضاعوا سرائرهم عند طلب الحاجات إلى الرحمن تسود وجوههم فهذه جمل آفات الرياء فليراقب العبد قلبه ليقف عليها ففي الخبر إن للرياء سبعين بابا // حديث الرياء سبعون بابا هكذا ذكر المصنف هذا الحديث هنا وكأنه تصحف عليه أو على من نقله من كلامه أنه الرياء بالمثناة وإنما هو الربا بالموحدة والمرسوم كتابته بالواو والحديث رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة بلفظ الربا سبعون حوبا أيسرها أن ينكح الرجل أمه وفي إسناد أبو معشر واسمه نجيح مختلف فيه وروى ابن ماجه أيضا من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الربا ثلاث وسبعون بابا وإسناده صحيح هكذا ذكر ابن ماجه الحديثين في أبوب التجارات وقد روى البزار حديث ابن مسعود بلفظ الربا بضع وسبعون بابا والشرك مثل ذلك وهذه الزيادة قد يستدل بها على أنه الرياء بالمثناة لاقترائه مع الشرك والله أعلم وقد عرفت أن بعضه أغمض من بعض حتى إن بعضه مثل دبيب النمل وبعضه أخفى من دبيب النمل وكيف يدرك ما هو أخفى من دبيب النمل إلا بشدة التفقد والمراقبة وليته أدرك بعد بذل المجهود فكيف يطمع في إدراكه من غير تفقد للقلب وامتحان للنفس وتفتيش عن خدعها نسأل الله تعالى العافية بمنه وكرمه وإحسانه بيان ما ينبغي للمريد أن يلزم نفسه قبل العمل وبعده وفيه اعلم أن أولى ما يلزم المريد قلبه في سائر أوقاته القناعة بعلم الله في جميع طاعاته ولا يقنع بعلم الله إلا من لا يخاف إلا الله ولا يرجو إلا الله فأما من خاف غيره وارتجاه اشتهى اطلاعه على محاسن أحواله فإن كان في هذه الرتبة فليلزم قلبه كراهة ذلك من جهة العقل والإيمان لما فيه من خطر التعرض للمقت وليراقب نفسه عند الطاعات العظيمة الشاقة التي لا يقدر عليها غيره فإن النفس عند ذلك تكاد تغلي حرصا على الإفشاء وتقول مثل هذا العمل العظيم أو الخوف العظيم أو البكاء العظيم لو عرفه الخلق منك لسجدوا لك فما في الخلق من يقدر على مثله فكيف ترضى بإخفائه فيجهل الناس محلك وينكرون قدرك ويحرمون الاقتداء بك ففي مثل هذا الأمر ينبغي أن يثبت قدمه ويتذكر في مقابلة عظم عمله عظم ملك الآخرة ونعيم الجنة ودوامه أبد الآباد وعظم غضب الله ومقته على من طلب بطاعته ثوابا من عباده ويعلم أن إظهاره لغيره محبب إليه وسقوط عند الله وإحباط للعمل العظيم فيقول وكيف أتبع مثل هذا العمل بحمد الخلق وهم عاجزون لا يقدرون لي على رزق ولا أجل فيلزم ذلك قلبه ولا ينبغي أن ييأس عنه فيقول إنما يقدر على الإخلاص الأقوياء فأما المخلطون فليس ذلك من شأنهم فيترك المجاهدة في الإخلاص لأن المخلط إلى ذلك أحوج من المتقي لأن المتقي إن فسدت نوافله بقيت فرائضه كاملة تامة والمخلط لا تخلو فرائضه عن النقصان والحاجة إلى الجبران بالنوافل فإن لم تسلم صار مأخذوا بالفرائض وهلك به فالمخلط إلى الإخلاص أحوج وقد روى تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يحاسب العبد يوم القيامة فإن نقص فرضه قيل انظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكمل به فرضه وإن لم يكن له تطوع أخذ بطرفيه فألقي في النار // حديث تميم الداري في إكمال فريضة الصلاة بالتطوع أخرجه أبو داود وابن ماجه وتقدم في الصلاة

Sección V03/P332–V03/P333

فيأتي المخلط يوم القيامة وفرضه ناقص وعليه ذنوب كثيرة فاجتهاده في جبر الفرائض وتكفير السيئات ولا يمكن ذلك إلا بخلوص النوافل وأما المتقي فجهده في زيادة الدرجات فإن حبط تطوعه بقي من حسناته ما يترجح على السيئات فيدخل الجنة فإذن ينبغي أن يلزم قلبه خوف اطلاع غير الله عليه لتصح نوافله ثم يلزم قلبه ذلك بعد الفراغ حتى لا يظهره ولا يتحدث به وإذا فعل جميع ذلك فينبغي أن يكون وجلا من عمله خائفا أنه ربما داخله من الرياء الخفي ما لم يقف عليه فيكون شاكا في قبوله ورده مجوزا أن يكون الله قد أحصى عليه من نيته الخفية ما مقته بها ورد عمله بسببها ويكون هذا الشك والخوف في دام عمله وبعده إلا في ابتداء العقل بل ينبغي أن يكون متيقنا في الابتداء أنه مخلص ما يريد بعمله إلا الله حتى يصح عمله فإذا شرع ومضت لحظة يمكن فيها الغفلة والنسيان كان الخوف من الغفلة عن شائبة خفية أحبطت عمله من رياء أو عجب أولى به ولكن يكون رجاؤه أغلب من خوفه لأنه استيقن أنه دخل بالإخلاص وشك في أنه هل أفسده برياء فيكون رجاء القبول أغلب وبذلك تعظم لذته في المناجاة والطاعات فالإخلاص يقين والرياء شك وخوفه لذلك الشك جدير بأن يكفر خاطر الرياء إن كان قد سبق وهو غافل عنه والذي يتقرب إلى الله بالسعي في حوائج الناس وإفادة العلم ينبغي أن يلزم نفسه رجاء الثواب على دخول السرور على قلب من قضى حاجته فقط ورجاء الثواب على عمل المتعلم بعلمه فقط دون شكر ومكافأة وحمد وثناء من المتعلم والمنعم عليه فإن ذلك يحبط الأجر فمهما توقع من المتعلم مساعدة في شغل وخدمة أو مرافقة في المشي في الطريق ليستكثر باستتباعه أو ترددا منه في حاجة فقد أخذ أجره بلا ثواب له غيره نعم إن لم يتوقع هو ولم يقصد إلا الثواب على عمله بعلمه ليكون له مثل أجره ولكن خدمه التلميذ بنفسه فقبل خدمته فنرجو أن لا يحبط ذلك أجره إذا كان لا ينتظره ولا يريده منه ولا يستبعده منه لو قطعه ومع هذا فقد كان العلماء يحذرون هذا حتى إن بعضهم وقع في بئر فجاء قوم فأدلوا حبلا ليرفعوه فحلف عليهم أن لا يقف معهم من قرأ عليه آية من القرآن أو سمع منه حديثا خيفة أن يحبط أجره وقال شقيق البلخي أهديت لسفيان الثوري ثوبا فرده علي فقلت له يا أبا عبد الله لست أنا ممن يسمع الحديث حتى ترده علي قال علمت ذاك ولكن أخوك يسمع مني الحديث فأخاف أن يلين قلبي لأخيك أكثر مما يلين لغيره وجاء رجل إلى سفيان ببدرة أو بدرتين وكان أبوه صديقا لسفيان وكان سفيان يأتيه كثيرا فقال له يا أبا عبد الله في نفسك من أبي شيء فقال يرحم الله أباك كان وكان وأثنى عليه فقال يا أبا عبد الله قد عرفت كيف صار هذا المال إلي فأحب أن تأخذ هذه تستعين بها على عيالك قال فقبل سفيان ذلك قال فلما خرج قال لولده يا مبارك الحقه فرده علي فرجع فقال أحب أن تأخذ مالك فلم يزل به حتى رده عليه وكأنه كانت أخوته مع أبيه في الله تعالى فكره أن يأخذ ذلك قال ولده فلما خرج لم أملك نفسي أن جئت إليه فقلت ويلك أي شيء قلبك هذا حجارة عد أنه ليس لك عيال أما ترحمني أما ترحم إخوتك أما ترحم عيالنا فأكثرت عليه فقال لي يا مبارك تأكلها أنت هنيئا مرئيا وأسأل عنها أنا فإذن يجب على العالم أن يلزم قلبه طلب الثواب من الله في اهتداء الناس به فقط ويجب على المتعلم أن يلزم قلبه حمد الله وطلب ثوابه ونيل المنزلة عنده لا عند المعلم وعند الخلق 2 وربما يظن أن له أن يرائي بطاعته لينال عند المعلم رتبته فيتعلم منه وهو خطأ لأن إرادته بطاعته غير الله خسران في الحال والعلم ربما يفيد وربما

Sección V03/P333–V03/P334

لا يفيد فيكف يخسر في الحال عملا نقدا على توهم علم وذلك غير جائز بل ينبغي أن يتعلم لله ويعبد الله ويخدم المعلم لله لا ليكون له في قلبه منزله إن كان يريد أن يكون تعلمه طاعة فإن العباد أمروا أن لا يعبدوا إلا الله ولا يريدوا بطاعتهم غيره وكذلك من يخدم أبويه لا ينبغي أن يخدمهما لطلب المنزلة عندهما إلا من حيث إن رضا الله عنه في رضا الوالدين ولا يجوز له أن يرائي بطاعته لينال بها منزلة عند الوالدين فإن ذلك معصية في الحال وسيكشف الله عن ريائه وتسقط منزلته من قلوب الوالدين أيضا وأما الزاهد المعتزل عن الناس فينبغي له أن يلزم قلبه ذكر الله والقناعة بعلمه ولا يخطر بقلبه معرفة الناس زهده واستعظامهم محله فإن ذلك يغرس الرياء في صدره حتى تتيسر عليه العبادات في خلوته به وإنما سكوته لمعرفة الله باعتزاله واستعظامهم لمحله وهو لا يدري أنه المخفف للعمل عليه قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعلمت المعرفة من راهب يقال له سمعان دخلت عليه في صومعته فقلت يا سمعان منذ كم أنت في صومعتك قال منذ سبعين سنة قلت فما طعامك قال يا حنيفي وما دعاك إلى هذا قلت أحببت أن أعلم قال في كل ليلة حمصة قلت فما الذي يهيج من قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة قال ترى الدير الذي بحذائك قلت نعم قال إنهم يأتوني في كل سنة يوما واحدا فيزينون صومعتي ويطوفون حولها ويعظموني فكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها عز تلك الساعة فأنا أحتمل جهد سنة لعز ساعة فاحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعز الأبد فوقر في قلبي المعرفة فقال حسبك أو أزيدك قلت بلى قال أنزل عن الصومعة فنزلت فأدلى لي ركوة فيها عشرون حمصة فقال لي ادخل الدير فقد رأوا ما أدليت إليك فلما دخلت الدير اجتمع علي النصارى فقالوا يا حنيفي ما الذي أدلى إليك الشيخ قلت من قوته قالوا فما تصنع به ونحن أحق به ثم قالوا ساوم قلت عشرون دينارا فأعطوني عشرين دينارا فرجعت إلى الشيخ فقال يا حنيفي ما الذي صنعت قلت بعته منهم قال بكم قلت بعشرين دينارا قال أخطأت لو ساومتهم بعشرين ألف دينار لأعطوك هذا عز من لا تعبده فانظر كيف يكون عز من تعبده يا حنيفي أقبل على ربك ودع الذهاب والجيئة والمقصود أن استشعار النفس عز العظمة في القلوب يكون باعثا في الخلوة وقد لا يشعر العبد به فينبغي أن يلزم نفسه الحذر منه وعلامة سلامته أن يكون الخلق عنده والبهائم بمثابة واحدة فلو تغيروا عن اعتقادهم له لم يجزع ولم يضق به ذرعا إلا كراهة ضعيفة إن وجدها في قلبه فيردها في الحال بعقله وإيمانه فإنه لو كان في عبادة واطلع الناس كلهم عليه لم يزده ذلك خشوعا ولم يداخله سرور بسبب اطلاعهم عليه فإن دخل سرور يسير فهو دليل ضعفه ولكن إذا قدر على رده بكراهة العقل والإيمان وبادر إلى ذلك ولم يقبل ذلك السرور بالركون إليه فيرجى له أن لا يخيب سعيه إلا أن يزيد عند مشاهدتهم في الخشوع والانقباض كي لا ينبسطوا إليه فذلك لا بأس به ولكن فيه غرور إذ النفس قد تكون شهوتها الخفية إظهار الخشوع وتتعلل بطلب الانقباض فيطالبها في دعواها قصد الانقباض بموثق من الله غليظ وهو أنه لو علم أن انقباضهم عنه إنما حصل بأن يعدوا كثيرا أو يضحك كثيرا أو يأكل كثيرا فتسمح نفسه بذلك فإذا لم تسمح وسمحت بالعبادة فيشبه أن يكون مرادها المنزلة عندهم ولا ينجو من ذلك إلا من تقرر في قلبه أنه ليس في الوجود أحد سوى الله فيعمل عمل من لو كان على وجه الأرض وحده لكان يعمله فلا يلتفت قلبه إلى الخلق إلا خطرات ضعيفة لا يشق عليه إزالتها فإذا كان كذلك لم يتغير بمشاهدة الخلق ومن علامة الصدق فيه أنه لو كان له صاحبان أحدهما غني والآخر فقير فلا يجد عند إقبال الغني زيادة هزة

Sección V03/P334–V03/P335

في نفسه لا كرامة إلا إذا كان في الغني زيادة علم أو زيادة ورع فيكون مكرما له بذلك الوصف لا بالغنى فمن كان استرواحه إلى مشاهدة الأغنياء أكثر فهو مراء أو طماع وإلا فالنظر إلى الفقراء يزيد في الرغبة إلى الآخرة ويحبب إلى القلب المسكنة والنظر إلى الأغنياء بخلافه فكيف استروح بالنظر إلى الغني أكثر مما يستروح إلى الفقير وقد حكي أنه لم ير الأغنياء في مجلس أذل منهم فيه في مجلس سفيان الثوري كان يجلسهم وراء الصف ويقدم الفقراء حتى كانوا يتمنون أنهم فقراء في مجلسه نعم لك زيادة إكرام للغني إذا كان أقرب إليك أو كان بينك وبينه حق وصداقة سابقة ولكن يكون بحث لو وجدت تلك العلاقة في فقير لكنت لا تقدم الغني عليه في إكرام وتوقير البتة فإن الفقير أكرم على الله من الغني فإيثارك لا يكون إلا طمعا في غناه ورياء له ثم إذا سويت بينهما في المجالسة فيخشى عليك أن تظهر الحكمة والخشوع للغني أكثر مما تظهره للفقير وإنما ذلك رياء خفي أو طمع خفي كما قال ابن السماك لجارية له مالي إذا أتيت بغداد فتحت لي الحكمة فقالت الطمع يشحذ لسانك وقد صدقت فإن اللسان ينطق عند الغني بما لا ينطق به عند الفقير وكذلك يحضر من الخشوع عنده ما لا يحضره عند الفقير ومكايد النفس وخفاياها في هذا الفن لا تنحصر ولا ينجيك منها إلا أن تخرج ما سوى الله من قلبك وتتجرد بالشفقة على نفسك بقية عمرك ولا ترضى لها بالنار بسبب شهوات منغصة في أيام متقاربة وتكون في الدنيا كملك من ملوك الدنيا قد أمكنته الشهوات وساعدته اللذات ولكن في بدنه سقم وهو يخاف الهلاك على نفسه في كل ساعة لو اتسع في الشهوات وعلم أنه لو احتمى وجاهد شهوته عاش ودام ملكه فلما عرف ذلك جالس الأطباء وحارف الصيادلة وعود نفسه شرب الأدوية المرة وصبر على بشاعتها وهجر جميع اللذات وصبر على مفارقتها فبدنه كل يوم يزداد نحولا لقلة أكله ولكن سقمه يزداد كل يوم نقصانا لشدة احتمائه فمهما نازعته نفسه إلى شهوة تفكر في توالي الأوجاع والآلام عليه وأداه ذلك إلى الموت المفرق بينه وبين مملكته الموجب لشماتة الأعداء به ومهما اشتد عليه شرب دواء تفكر فيما يستفيده منه من الشفاء الذي هو سبب التمتع بملكه ونعيمه في عيش هنيء وبدن صحيح وقلب رخي وأمر نافذ فيخف عليه مهاجرة اللذات ومصابرة المكروهات فكذلك المؤمن المريد لملك الآخرة احتمى عن كل مهلك له في آخرته وهي لذات الدنيا وزهرتها فاجتزى منها بالقليل واختار النحول والذبول والوحشة والحزن والخوف وترك المؤانسة بالخلق خوفا من أن يحل عليه غضب من الله فيهلك ورجاء أن ينجو من عذابه فخف ذلك كله عليه عند شدة يقينه وإيمانه بعاقبة أمره وبما أعد له من النعيم المقيم في رضوان الله أبد الآباد ثم علم أن الله كريم رحيم لمن يزل لعباده المريدين لمرضاته عونا وبهم رءوفا وعليهم عطوفا ولو شاء لأغنانهم عن التعب ولكن أراد أن يبلوهم ويعرف صدق إرادتهم حكمة منه وعدلا ثم إذا تحمل التعب في بدايته أقبل الله عليه بالمعونة والتيسير وحط عنه الأعباء وسهل عليه الصبر وحبب إليه الطاعة ورزقه فيها من لذة المناجاة ما يلهيه عن سائر اللذات ويقويه على إماتة الشهوات ويتولى سياسته وتقويته وأمده بمعونته فإن الكريم لا يضيع سعي الراجي ولا يخيب أمل المحب وهو الذي يقول من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ويقول تعالى لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي وإني إلى لقائهم أشد شوقا فليظهر العبد في البداية جده وصدقه وإخلاصه فلا يعوزه من الله تعالى على القرب ما هو اللائق بجوده وكرمه ورأفته ورحمته تم كتاب ذم الجاه والرياء والحمد لله وحده كتاب ذم الكبر والعجب وهو الكتاب التاسع من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم

Sección V03/P335–V03/P336

الحمد لله الخالق البارئ المصور العزيز الجبار المتكبر العلي الذي لا يضعه عن مجده واضع الجبار الذي كل جبار له ذليل خاضع وكل متكبر في جناب عزه مسكين متواضع فهو القهار الذي لا يدفعه عن مراده دافع الغني الذي ليس له شريك ولا منازع القادر الذي بهر أبصار الخلائق جلاله وبهاؤه وقهر العرش المجيد استواؤه واستعلاؤه واستيلاؤه وحصر ألسن الأنبياء وصفه وثناؤه وارتفع عن حد قدرتهم إحصاؤه واستقصاؤه فاعترف بالعجر عن وصف كنه جلاله ملائكته وأنبياؤه وكسر ظهور الأكاسرة عزه وعلاؤه وقصر أيدي القياصرة عظمته وكبرياؤه فالعظمة إزاره والكبرياء رداؤه ومن نازعه فيهما قصمه بداء الموت فأعجزه دواؤه جل جلاله وتقدست أسماؤه والصلاة على محمد الذي أنزل عليه النور المنتشر ضياؤه حتى أشرقت بنوره أكناف العالم وأرجاؤه وعلى آله وأصحابه الذين هم أحباء الله وأولياؤه وخيرته وأصفياؤه وسلم تسليما كثيرا أما بعد فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما قصمته حديث ثلاث مهلكات الحديث أخرجه البزار والطبراني والبيهقي في الشعب من حديث أنس بسند ضعيف وتقدم فيه أيضا فالكبر والعجب داءان مهلكان والمتكبر والمعجب سقيمان مريضان وهما عند الله ممقوتات بغيضان وإذا كان القصد في هذا الربع من كتاب إحياء علوم الدين شرح المهلكات وجب إيضاح الكبر والعجب فإنهما من قبائح المرديات ونحن نستقضي بيانهما من الكتاب في شطرين شطر في الكبر وشطر في العجب الشطر الأول من الكتاب في الكبر وفيه بيان ذم الكبر وبيان ذم الاختيال وبيان فضيلة التواضع وبيان حقيقة التكبر وآفته وبيان من يتكبر عليه ودرجات التكبر وبيان ما به التكبر وبيان البواعث على التكبر وبيان أخلاق المتواضعين وما فيه يظهر الكبر وبيان علاج الكبر وبيان امتحان النفس في خلق الكبر وبيان المحمود من خلق التواضع والمذموم منه بيان ذم الكبر قد ذم الله الكبر في مواضع من كتابه وذم كل جبار متكبر فقال تعالى {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} وقال عز وجل {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} وقال تعالى {واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد} وقال تعالى {إنه لا يحب المستكبرين} وقال تعالى {لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا} وقال تعالى {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} وذم الكبر في القرآن كثير وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان حديث أبي هريرة يقول الله تعالى الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في جهنم أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه واللفظ له وقال أبو داود قذفته في النار وقال مسلم عذبته وقال رداؤه وإزاره بالغيبة وزاد مع أبي هريرة أبا سعيد أيضا وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال التقى عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر على الصفا فتواقفا فمضى ابن عمرو وأقام ابن عمر يبكي فقالوا ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن فقال هذا يعني عبد الله بن عمرو زعم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر أكبه الله في النار على وجهه حديث لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين الحديث أخرجه الترمذي وحسنه من حديث سلمة بن الأكوع دون قوله من العذاب وقال سليمان بن داود عليهما السلام يوما للطير والإنس والجن والبهائم اخرجوا فخرجوا في مائتي ألف من الإنس ومائتي ألف من الجن فرفع حتى سمع زجل الملائكة بالتسبيح في السموات ثم خفض حتى مست أقدامه البحر فسمع صوتا لو كان في قلب صاحبكم مثقال ذرة من كبر لخسفت به أبعد مما رفعته

Sección V03/P336–V03/P337

وقال صلى الله عليه وسلم يخرج من النار عنق له أذنان تسمعان وعينان تبصران ولسان ينطق يقول وكلت بثلاث بكل جبار عنيد وبكل من دعا مع الله إلها آخر وبالمصورين حديث لا يدخل الجنة جبار ولا بخيل ولا سيء الملكة تقدم في أسباب الكسب والمعاش والمعروف خائن مكان جبار وقال صلى الله عليه وسلم تحاجت الجنة والنار فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقاطهم وعجزتهم فقال الله للجنة إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها حديث بئس العبد عبد تجبر واعتدى الحديث أخرجه الترمذي من حديث أسماء بنت عميس بزيادة فيه مع تقديم وتأخير وقال غريب وليس إسناد بالقوي ورواه الحاكم في المستدرك وصححه ورواه البيهقي في الشعب من حديث نعيم بن عمار وضعفه وعن ثابت أنه قال بلغنا أنه قيل يا رسول الله ما أعظم كبر فلان فقال أليس بعده الموت // حديث ثابت بلغنا أنه قيل يا رسول الله ما أعظم كبر فلان فقال أليس بعده الموت أخرجه البيهقي في الشعب هكذا مرسلا بلفظ تجبر وقال عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن نوحا عليه السلام لما حضرته الوفاة دعا ابنيه وقال إني آمركما باثنتين وأنهاكما عن اثنتين أنهاكما عن الشرك والكبر وآمركما بلا إله إلا الله فإن السموات والأرضين وما فيهن لو وضعت في كفة الميزان ووضعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى كانت أرجح منهما ولو أن السموات والأرضين وما فيهن كانتا حلقة فوضعت لا إله إلا الله عليها لقصمتها وآمركما بسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق كل شيء حديث أهل النار كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع وهي الزيادة عندهما من حديث حارثة بن وهب الخزاعي ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر وقال صلى الله عليه وسلم إن أحبكم إلينا وأقربكم منا في الآخرة أحاسنكم أخلاقا وإن أبغضكم إلينا وأبعدكم منا الثرثارون المتشدقون المتفيهقون قالوا يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون المتكبرون حديث يحشر المتكبرون يوم القيامة ذرا في صور الرجال الحديث أخرجه الترمذي من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقال غريب وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة في صور الذر تطؤهم الناس نهواهم على الله تعالى حديث أبي موسى إن في جنهم واديا يقال له هبهب حق على الله أن يسكنه كل جبار أخرجه أبو يعلى والطبراني والحاكم وقال صحيح الإسناد قلت فيه أزهر بن سنان ضعفه ابن معين وابن حبان وأورد له في الضعفاء هذا الحديث وقال صلى الله عليه وسلم إن في النار قصرا يجعل فيه المتكبرون ويطبق عليهم حديث اللهم إني أعوذ بك من نفخة الكبرياء لم أره بهذا اللفظ وروى أبو داود وابن ماجه من حديث جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم في أثناء الحديث أعوذ بالله من الشيطان من نفخة ونفثه وهمزه قال نفثه الشعر ونفحه الكبر وهمزه الموتة ولأصحاب السنن من حديث أبي سعيد الخدري نحو تكلم فيه أبو داود وقال الترمذي هو أشهر حديث في هذا الباب وقال من فارق روحه جسده وهو برئ من ثلاث دخل الجنة الكبر والدين والغلول // حديث من فارق روحه جسده وهو برئ من ثلاثة دخل الجنة الكبر والدين والغلول أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث ثوبان وذكر المصنف لهذا الحديث هنا موافق للمشهور في الرواية أنه الكبر بالموحدة والراء لكن ذكر ابن الجوزي في جامع المسانيد عن الدارقطني قال إنما هو الكنز بالنون والزاي وكذلك أيضا ذكر ابن مردويه الحديث في تفسير والذين يكنزون الذهب والفضة

Sección V03/P337–V03/P339

الآثار قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لا يحقرن أحد أحدا من المسلمين فإن صغير المسلمين عند الله كبير وقال وهب لما خلق الله جنة عدن نظر إليها فقال أنت حرام على كل متكبر وكان الأحنف بن قيس يجلس مع مصعب بن الزبير على سريره فجاء يوما ومصعب ماد رجليه فلم يقبضهما وقعد الأحنف فزحمه بعض الزحمة فرأى أثر ذلك في وجهه فقال عجبا لابن آدم يتكبر وقد خرج من مجرى البول مرتين وقال الحسن العجب من ابن آدم يغسل الخرء بيده كل يوم مرة أو مرتين ثم يعارض جبار السموات وقد قيل في وفي أنفسكم أفلا تبصرون هو سبيل الغائط والبول وقد قال محمد بن الحسين بن علي ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر قط إلا نقص من عقله بقدر ما دخل من ذلك أو كثر وسئل سليمان عن السيئة التي لا تنفع معها حسنة فقال الكبر وقال النعمان بن بشير على المنبر إن للشيطان مصالي وفخوخا وإن من مصالي الشيطان وفخوخه البطر بأنعم الله والفخر بإعطاء الله والكبر على عباد الله واتباع الهوى في غير ذات الله نسأل الله تعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة بمنه وكرمه بيان ذل الاختيال وإظهار آثار الكبر في المشي وجر الثياب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينظر الله إلى رجل يجر إزاره بطرا حديث بينما رجل يتبختر في برديه قد أعجبته نفسه الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة وقال صلى الله عليه وسلم من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة وقال زيد بن أسلم دخلت على ابن عمر فمر به عبد الله ابن واقد وعليه ثوب جديد فسمعته يقول أي بني ارفع إزارك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا ينظر الله إلى من جر إزاره خيلاء حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوما على كفه ووضع أصبعه عليها وقال يقول الله ابن آدم أتعجزني وقد خلقت من مثل هذه الحديث أخرجه ابن ماجه والحاكم وصحح إسناده من حديث بشر بن جحاش وقال صلى الله عليه وسلم إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم سلط الله بعضهم على بعض حديث من تعظم في نفسه واختال في مشيه لقي الله وهو عليه غضبان أخرجه أحمد والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من حديث ابن عمر الآثار عن أبي بكر الهذلي قال بينما نحن مع الحسن إذ مر علينا ابن الأهتم يريد المقصورة وعليه جباب خز قد نضد بعضها فوق بعض على ساقه وانفرج عنها قباؤه وهو يمشي يتبختر إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال أف أف شامخ بأنفه ثاني عطفه مصعر خده ينظر في عطفيه أي حميق أنت تنظر في عطفيك في نعم غير مشكورة ولا مذكورة غير المأخوذ بأمر الله فيها ولا المؤدي حق الله منها والله أن يمشي أحد طبيعته يتخلج تخلق المجنون في كل عضو من أعضائه لله نعمة وللشيطان به لفتة فسمع ابن الأهتم فرجع يعتذر إليه فقال لا تعتذر إلي وتب إلى ربك أما سمعت قول الله تعالى {ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا} ومر بالحسن شاب عليه بزة له حسنة فدعاه فقال له ابن آدم معجب بشبابه محب لشمائله كأن القبر قد وارى بدنك وكأنك قد لاقيت عملك ويحك داو قلبك فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم وروى أن عمر

Sección V03/P339–V03/P340

ابن عبد العزيز حج قبل أن يستخلف فنظر إليه طاوس وهو يختال في مشيته فغمز جنبه بأصبعه ثم قال ليست هذه مشية من في بطنه خراء فقال عمر كالمعتذر يا عم لقد ضرب كل عضو مني على هذه المشية حتى تعلمتها ورأى محمد بن واسع ولده يختال فدعاه وقال أتدري من أنت أما أمك فأشتريها بمائتي درهم وأما أبوك فلا أكثر الله في المسلمين مثله ورأى ابن عمر رجلا يجر إزاره فقال أن للشيطان إخوانا كررها مرتين أو ثلاثا ويروى أن مطرف بن عبد الله بن الشخير رأى المهلب وهو يتبختر في جبة خز فقال يا عبد الله هذه مشية يبغضها الله ورسوله فقال له المهلب أما تعرفني فقال بلى أعرفك أولك نطفة مذرة وآخرتك جيفة قذرة وأنت بين ذلك تحمل العذرة فمضى المهلب وترك مشيته تلك وقال مجاهد في قوله تعالى {ثم ذهب إلى أهله يتمطى} أي يتبختر وإذ قد ذكرنا ذم الكبر والاختيال فلنذكر فضيلة التواضع والله تعالى أعلم بيان فضيلة التواضع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زاد عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله حديث ما من أحد إلا ومعه ملكان وعليه حكمة يمسكانه بها الحديث أخرجه العقيلي في الضعفاء والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة والبيهقي أيضا من حديث ابن عباس وكلاهما ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم طوبى لمن تواضع في غير مسكنة وأنفق مالا جمعه في غير معصية ورحم أهل الذل والمسكنة وخالط أهل الفقه والحكمة حديث أبي سلمة المديني عن أبيه عن جده قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا بقباء وكان صائما الحديث وفيه من تواضع رفعه الله الحديث رواه البزار من رواية طلحة بن طلحة بن عبيد الله عن أبيه عن جده طلحة فذكر نحوه دون قوله ومن أكثر من ذكر الله أحبه الله ولم يقل بقباء وقال الذهبي في الميزان إنه خبر منكر وقد تقدم ورواه الطبراني في الأوسط من حديث عائشة قالت أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فيه لبن وعسل الحديث {وفيه} أما إني لا أزعم أنه حرام الحديث وفيه من أكثر ذكر الموت أحبه الله وروى المرفوع منه أحمد وأبو يعلى من حديث أبي سعيد دون قوله ومن بذر أفقره الله وذكر رفيه قوله ومن أكثر ذكر الله أحبه الله وتقدم في ذم الدنيا وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في نفر من أصحابه في بيته يأكلون فقام سائل على الباب وبه زمانة يتكره منها فأذن له فلما دخل أجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذه ثم قال له اطعم فكأن رجلا من قريش اشمأز منه وتكره فما مات ذلك الرجل حتى كانت به زمانة مثلها حديث خيرني ربي بين أمرين عبدا رسولا وملكا نبيا الحديث أخرجه أبو يعلى من حديث عائشة والطبراني من حديث ابن عباس وكلا الحديثين ضعيف وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام إنما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي ولم يتعاظم على خلقي وألزم قلبه خوفي وقطع نهاره بذكري وكف نفسه عن الشهوات من أجلي وقال صلى الله عليه وسلم الكرم التقوى والشرف التواضع واليقين الغنى حديث إذا هدى الله عبدا للإسلام وحسن صورته الحديث أخرجه الطبراني موقوفا على ابن مسعود نحوه وفيه المسعودي مختلف فيه وقال صلى الله عليه وسلم أربع لا يعطيهم الله إلا من أحب الصمت وهو أول العبادة والتوكل على الله والتواضع والزهد في الدنيا حديث ابن عباس إذا تواضع العبد رفع الله رأسه إلى السماء السابعة أخرجه البيهقي في الشعب نحوه وفيه زمعة بن صالح ضعفه الجمهور وقال صلى الله عليه وسلم التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرحمكم الله حديث كان يطعم فجاءه رجل أسود به جدري فجعل لا يجلس إلى أحد إلا قام من جنبه فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبه

Sección V03/P340–V03/P341

لم أجده هكذا والمعروف أكله مع مجذوم رواه أبو داود والترمذي وقال غريب وابن ماجه من حديث جابر كما تقدم وقال صلى الله عليه وسلم إنه ليعجبني أن يحمل الرجل الشيء في يده يكون مهنة لأهله يدفع به الكبر عن نفسه حديث مالي لا أرى عليكم حلاوة العبادة قالوا وما حلاوة العبادة قال التواضع غريب أيضا وقال صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم المتواضعين من أمتي فتواضعوا لهم وإذا رأيتم المتكبرين فتكبروا عليهم فإن ذلك مذلة لهم وصغار // حديث إذا رأيتم المتواضعين من أمتي فتواضعوا لهم وإذا رأيتم المتكبرين فتكبروا عليهم فإن ذلك لهم مذلة وصغار غريب أيضا الآثار قال عمر رضي الله عنه إن العبد إذا تواضع لله رفع الله حكمته وقال انتعش رفعك الله وإذا تكبر وعدا طوره رهصه الله في الأرض وقال اخسأ خسأك الله فهو في نفسه كبير وفي أعين الناس حقير حتى إنه لأحقر عندهم من الخنزير وقال جرير بن عبد الله انتهيت مرة إلى شجرة تحتها رجل نائم قد استظل بنطع له وقد جاوزت الشمس النطع فسويته عليه ثم إن الرجل استيقظ فإذا هو سلمان الفارسي فذكرت له ما صنعت فقال لي يا جرير تواضع لله في الدنيا فإنه من تواضع لله في الدنيا رفعه الله يوم القيامة يا جوير أتدري ما ظلمة النار يوم القيامة قلت لا قال إنه ظلم الناس بعضهم في الدنيا وقالت عائشة رضي الله عنها إنكم لتغفلون عن أفضل العبادات التواضع وقال يوسف بن أسباط يجزى قليل الورع من كثير العمل ويجزى قليل التواضع من كثير الاجتهاد وقال الفضيل وقد سئل عن التواضع ما هو فقال أن تخضع للحق وتنقاد له ولو سمعته من صبي قبلته ولو سمعته من أجهل الناس قبلته وقال ابن المبارك رأس التواضع أن تضع نفسك عند من دونك في نعمة الدنيا حتى تعلمه أنه ليس لك بدنياك عليه فضل وأن ترفع نفسك عمن هو فوقك في الدنيا حتى تعلمه أنه ليس له بدنياه عليك فضل وقال قتادة من أعطى مالا أو جمالا أو ثيابا أو علما ثم لم يتواضع فيه كان عليه وبالا يوم القيامة وقيل أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام إذا أنعمت عليك بنعمة فاستقبلها بالاستكانة أتممها عليك وقال كعب ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله وتواضع بها لله إلا أعطاه الله نفعها في الدنيا ورفع بها درجة في الآخرة وما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فلم يشرها ولم يتواضع بها لله إلا منعه الله نفعها في الدنيا وفتح له طبقا من النار يعذبه إن شاء الله أو يتجاوز عنه وقيل لعبد الملك بن مروان أي الرجال أفضل قال من تواضع عن قدرة وزهد عن رغبة وترك النصرة عن قوة ودخل ابن السماك على هارون فقال يا أمير المؤمنين إن تواضعك في شرفك أشرف لك من شرفك فقال ما أحسن ما قلت فقال يا أمير المؤمنين إن امرأ أتاه الله جمالا في خلقته وموضعا في حسبه وبسط له في ذات يده فعف في جماله وواسى من ماله وتوضع في حسبه كتب في ديوان الله من خالص أولياء الله فدعا هارون بدواة وقرطاس وكتبه بيده وكان سليمان بن داود عليهما السلام إذا أصبح تصفح وجوه الأغنياء والأشراف حتى يجيء إلى المساكين فيقعد معهم ويقول مسكين مع مساكين وقال بعضهم كما تكره أن يراك الأغنياء في الثياب الدون فكذلك فاكره أن يراك الفقراء في الثياب المرتفعة روي أنه خرج يونس وأيوب والحسن يتذاكرون التواضع فقال لهم الحسن أتدرون ما التواضع التواضع أن تخرج من منزلك ولا تلقى مسلما إلا رأيت له عليك فضلا وقال مجاهد إن الله تعالى لما أغرق قوم نوح عليه السلام شمخت الجبال وتطاولت وتواضع الجودي فرفعه الله فوق الجبال وجعل قرار السفينة عليه وقال أبو سليمان إن الله عز وجل اطلع على قلوب الآدميين فلم يجد قلبا أشد تواضعا من قلب موسى عليه السلام فخصه من بينهم بالكلام

Sección V03/P341–V03/P342

وقال يونس بن عبيد وقد انصرف من عرفات لم أشك في الرحمة لولا أني كنت معهم إني أخشى أنهم حرموا بسببي ويقال أرفع ما يكون المؤمن عند الله أوضع ما يكون عند نفسه وأوضع ما يكون عند الله أرفع ما يكون عند نفسه وقال زياد النمري الزاهد بغير تواضع كالشجرة التي لا تثمر وقال مالك بن دينار لو أن مناديا ينادي بباب المسجد ليخرج شركم رحلا والله ما كان أحد يسبقني إلى الباب إلا رجلا بفضل قوة أو سعى قال فلما بلغ ابن المبارك قوله قال بهذا صار مالك مالكا وقال الفضيل من أحب الرياسة لم يفلح أبدا وقال موسى بن القاسم كانت عندنا زلزلة وريح حمراء فذهبت إلى محمد بن مقاتل فقلت يا أبا عبد الله أنت إمامنا فادع الله عز وجل لنا فبكى ثم قال ليتني لم أكن سبب هلاككم قال فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال إن الله عز وجل رفع عنكم بدعاء محمد ين مقاتل وجاء رجل إلى الشبلي رحمه الله فقال له ما أنت وكان هذا دأبه وعادته فقال أنا النقطة التي تحت الباء فقال له الشبلي أباد الله شاهدك أو تجعل لنفسك موضعا وقال الشبلي في بعض كلامه ذلي عطل ذل اليهود ويقال من يرى لنفسه قيمة فليس له من التواضع نصيب وعن أبي الفتح بن شخرف قال رأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه في المنام فقلت له يا أبا الحسن عظني فقال لي ما أحسن التواضع بالأغنياء في مجالس الفقراء رغبة منهم في ثواب الله وأحسن من تيه الفقراء على الأغنياء ثقة منهم بالله عز وجل وقال أبو سليمان لا يتواضع العبد حتى يعرف نفسه وقال أبو يزيد ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شر منه فهو متكبر فقيل له فمتى يكون متواضعا قال إذا لم ير لنفسه مقاما ولا حالا وتواضع كل إنسان على قدر معرفته بربه عز وجل ومعرفته بنفسه وقال أبو سليمان لو اجتمع الخلق على أن يضعوني كاتضاعي عند نفسي ما قدروا عليه وقال عروة بن الورد التواضع أحد مصايد الشرف وكل نعمة محسود عليها صاحبها إلا التواضع وقال يحيى بن خالد البرمكي الشريف إذا تنسك تواضع والسفيه إذا تنسك تعاظم وقال يحيى بن معاذ التكبر على ذي التكبر عليك بماله تواضع ويقال التواضع في الخلق كلهم حسن وفي الأغنياء أحسن والتكبر في الخلق كلهم قبيح وفي الفقراء أقبح ويقال لا عز إلا لمن تذلل لله عز وجل ولا رفعة إلا لمن تواضع لله عز وجل ولا أمن إلا لمن خاف الله عز وجل ولا ربح إلا لمن ابتاع نفسه من الله عز وجل وقال أبو علي الجوزجاني النفس معجونة بالكبر والحرص والحسد فمن أراد الله تعالى هلاكه منع منه التواضع والنصيحة والقناعة وإذا أراد الله تعالى به خيرا لطف به في ذلك فإذا هاجت في نفسه نار الكبر أدركها التواضع من نصرة الله تعالى وإذا هاجت نار الحسد في نفسه أدركتها النصيحة مع توفيق الله عز وجل وإذا هاجت في نفسه نار الحرص أدركتها القناعة مع عون الله عز وجل وعن الجنيد رحمه الله أنه كان يقول يوم الجمعة في مجلسه لولا أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يكون في آخر الزمان زعيم القوم أرذلهم // حديث يكون في آخر الزمان زعيم القوم أرذلهم أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة إذا اتخذ الفيء دولا الحديث {وفيه} كان زعيم القوم أرذلهم الحديث وقال غريب وله من حديث علي بن أبي طالب إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء فذكر منها وكان زعيم القوم أرذلهم ولأبي نعيم في الحلية من حديث حذيفة من اقتراب الساعة اثنان وسبعون خصلة فذكرها منها وفيهما فرج بن فضالة ضعيف ما تكلمت عليكم وقال الجنيد أيضا التواضع عند أهل التوحيد تكبر ولعل مراده أن التواضع يثبت نفسه ثم يضعها والموحد لا يثبت نفسه ولا يراها شيئا حتى يضعها أو يرفعها

Sección V03/P342–V03/P344

وعن عمرو بن شيبة قال كنت بمكة بين الصفا والمروة فرأيت رجلا راكبا بغلة وبين يديه غلمان وإذا هم يعنفون الناس قال ثم عدت بعد حين فدخلت بغداد فكنت على الجسر فإذا أنا برجل حاف حاسر طويل الشعر قال فجعلت أنظر إليه وأتأمله فقال لي مالك تنظر إلي فقلت له شبهتك برجل رأيته بمكة ووصفت له الصفة فقال له أنا ذلك الرجل فقلت ما فعل الله بك فقال إني ترفعت في موضع يتواضع فيه الناس فوضعني الله حيث يترفع الناس وقال المغيرة كنا نهاب إبراهيم النخعي هيبة الأمير وكان يقول إن زمانا صرت فيه فقيه الكوفة لزمان سوء وكان عطاء السلمي إذا سمع صوت الرعد قام وقعد وأخذه بطنه كأنه امرأة ماخض وقال هذا من أجلي يصيبكم لو مات عطاء لاستراح الناس وكان بشر الحافي يقول سلموا على أبناء الدنيا بترك السلام عليهم ودعا رجل لعبد الله بن المبارك فقال أعطاك الله ما ترجوه فقال إن الرجاء يكون بعد المعرفة فأين المعرفة وتفاخرت قريش عند سلمان الفارسي رضي الله عنه يوما فقال سلمان لكنني خلقت من نطفة قذرة ثم أعود جيفة منتنة ثم أتى الميزان فإن ثقل فأنا كريم وإن خف فأنا لئيم وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وجدنا الكرم في التقوى والغنى في اليقين والشرف في التواضع نسأل الله الكريم حسن التوفيق بيان حقيقة الكبر وآفته اعلم أن الكبر ينقسم إلى باطن وظاهر فالباطن هو خلق في النفس والظاهر هو أعمال تصدر عن الجوارح واسم الكبر بالخلق الباطن أحق وأما الأعمال فإنها ثمرات لذلك الخلق وخلق الكبر موجب للأعمال ولذلك إذا ظهر على الجوارح يقال تكبر وإذا لم يظهر يقال في نفسه كبر فالأصل هو الخلق الذي في النفس وهو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه فإن الكبر يستدعي متكبرا عليه ومتكبرا به وبه ينفصل الكبر عن العجب كما سيأتي فإن العجب لا يستدعي غير المعجب بل لو لم يخلق الإنسان إلا وحده تصور أن يكون معجبا ولا يتصور أن يكون متكبرا إلا أن يكون مع غيره وهو يرى نفسه فوق ذلك الغير في صفات الكمال فعند ذلك يكون متكبرا ولا يكفي أن يستعظم نفسه ليكون متكبرا فإنه قد يستعظم نفسه ولكنه يرى غيره أعظم من نفسه أو مثل نفسه فلا يتكبر عليه ولا يكفي أن يستحقر غيره فإنه مع ذلك لو رأى نفسه أحقر لم يتكبر ولو رأى غيره مثل نفسه لم يتكبر بل ينبغي أن يرى لنفسه مرتبة ولغيره مرتبة ثم يرى مرتبة نفسه فوق مرتبة غيره فعند هذه الاعتقادات الثلاثة يحصل فيه خلق الكبر لا أن هذه الرؤية تنفي الكبر بل هذه الرؤية وهذه العقيدة تنفخ فيه فيحصل في قلبه اعتداد وهزة وفرح وركون إلى ما اعتقده وعز في نفسه بسبب ذلك فتلك العزة والهزة والركون إلى العقيدة هو خلق الكبر ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم أعوذ بك من نفخة الكبرياء حديث لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر تقدم فيه وإنما صار حجابا دون الجنة لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلها وتلك الأخلاق هي أبواب الجنة والكبر وعزة النفس يغلق تلك الأبواب كلها لأنه لا يقدر على أن يحب المؤمنين ما يحب لنفسه وفيه شيء من العز ولا يقدر على التواضع وهو رأس أخلاق المتقين وفيه العز ولا يقدر على ترك الحقد وفيه العز ولا يقدر أن يدوم على الصدق وفيه العز ولا يقدر على ترك الغضب وفيه العز ولا يقدر على كظم الغيظ وفيه العز ولا يقدر على ترك الحسد وفيه العز ولا يقدر على النصح اللطيف وفيه العز ولا يقدر على قبول النصح وفيه العز ولا يسلم من الازدراء بالناس ومن اغتيابهم وفيه العز ولا معنى للتطويل فما من خلق

Sección V03/P344–V03/P345

ذميم إلا وصاحب العز والكبر مضطر إليه ليحفظ عزه وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه خوفا من أن يفوته عزه فمن هذا لم يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة منه والأخلاق الذميمة متلازمة والبعض منها داع إلى البعض لا محالة وشر أنواع الكبر ما يمنع من استفادة العلم وقبول الحق والانقياد له وفيه وردت الآيات التي فيها ذم الكبر والمتكبرين قال الله تعالى والملائكة باسطو أيديهم إلى قوله وكنتم عن آياته تستكبرون {ثم قال} ادخلوا أبواب جنهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ثم أخبر أن أشد أهل النار عذابا أشدهم عتيا على الله تعالى فقال ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا وقال تعالى فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون وقال عز وجل يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين وقال تعالى إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين وقال تعالى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق قيل في التفسير سأرفع فهم القرآن عن قلوبهم وفي بعض التفاسير سأحجب قلوبهم عن الملكوت وقال ابن جريج سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا بها ولذلك قال المسيح عليه السلام إن الزرع ينبت في السهل ولا ينبت على الصفا كذلك الحكمة تعمل في قلب المتواضع ولا تعمل في قلب المتكبر ألا ترون أن من شمخ برأسه إلى السقف شجه ومن طأطأ أظله وأكنه فهذا مثل ضربه للمتكبرين وأنهم كيف يحرمون الحكمة ولذلك ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم جحود الحق في حد الكبر والكشف عن حقيقته وقال من سفه الحق وغمص الناس // حديث الكبر من سفه الحق وغمص الناس أخرجه من حديث ابن مسعود في أثناء حديث وقال بطر الحق وغمط الناس ورواه الترمذي فقال من بطر الحق وغمص الناس وقال حسن صحيح ورواه أحمد من حديث عقبة عامر بلفظ المصنف ورواه البيهقي في الشعب من حديث أبي ريحانة هكذا بيان المتكبر عليه ودرجاته وأقسامه وثمرات الكبر فيه اعلم أن المتكبر عليه هو الله تعالى أو رسله أو سائر خلقه وقد خلق الإنسان ظلوما جهولا فتارة يتكبر على الخلق وتارة يتكبر على الخالق فإذن التكبر باعتبار المتكبر عليه ثلاثة أقسام الأول التكبر على الله وذلك هو أفحش أنواع الكبر ولا مثار له إلا الجهل المحض والطغيان مثل ما كان من نمروذ فإنه كان يحدث نفسه بأن يقاتل رب السماء وكما يحكى عن جماعة من الجهلة بل ما يحكى عن كل من ادعى الربوبية مثل فرعون وغيره فإنه لتكبره قال أنا ربكم الأعلى إذ استنكف أن يكون عبدا لله ولذلك قال تعالى إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين وقال تعالى لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون الآية وقال تعالى وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا القسم الثاني التكبر على الرسل من حيث تعزز النفس وترفعها على الانقياد لبشر مثل سائر الناس وذلك تارة يصرف عن الفكر والاستبصار فيبقى في ظلمة الجهل بكبره فيمتنع عن الانقياد وهو ظان أنه محق فيه وتارة يمتنع مع المعرفة ولكن لا تطاوعه نفسه للإنقياد للحق والتواضع للرسل كما حكى الله قولهم أنؤمن لبشرين مثلنا {وقولهم} إن أنتم إلا بشر مثلنا ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا وقالوا لولا أنزل عليه ملك وقال فرعون فيما أخبر الله عنه {أو جاء معه الملائكة مقترنين} وقال الله تعالى {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق} فتكبر هو على الله وعلى رسله جميعا قال وهب قال له موسى عليه السلام آمن ولك ملكك قال حتى أشاور هامان فشاور هامان فقال هامان بينما أنت رب يعبد إذ صرت عبد تعبد فاسنكف عن عبودية الله وعن اتباع موسى عليه السلام

Sección V03/P345–V03/P346

وقالت قريش فيما أخبر الله تعالى عنهم {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} قال قتاده عظيم القريتين هو الوليد بن المغيرة وأبو مسعود الثقفي طلبوا من هو أعظم رياسة من النبي صلى الله عليه وسلم إذ قالوا غلام يتيم كيف بعثه الله إلينا فقال تعالى {أهم يقسمون رحمة ربك} وقال الله تعالى {ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} أي استحقارا لهم واستبعادا لتقدمهم وقالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نجلس إليك وعندك هؤلاء وأشاروا إلى فقراء المسلمين فازدروهم بأعينهم لفقرهم وتكبروا عن مجالستهم فأنزل الله تعالى {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} إلى قوله {ما عليك من حسابهم} وقال تعالى {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا} // حديث قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نجلس إليك وعندك هؤلاء الحديث في نزول قوله تعالى {ولا تطرد الذين يدعون ربهم} أخرجه مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص إلا أنه قال فقال المشركون وقال ابن ماجه قالت قريش ثم أخبر الله تعالى عن تعجبهم حين دخلوا جهنم إذا لم يروا الذين ازدروهم فقالوا {ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار} قيل يعنون عمارا وبلالا وصهيبا والمقداد رضي الله عنهم ثم كان منهم من منعه الكبر عن الفكر والمعرفة فجهل كونه صلى الله عليه وسلم محقا ومنهم من عرف ومنعه الكبر عن الاعتراف قال الله تعالى مخبرا عنهم {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} وقال {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} وهذا الكبر قريب من التكبر على الله عز وجل وإن كان دونه ولكنه تكبر على قبول أمر الله والتواضع لرسوله القسم الثالث التكبر على العباد وذلك بأن يستعظم نفسه ويستحقر غيره فتأبى نفسه عن الانقياد لهم وتدعوه إلى الترفع عليهم فيزدريهم ويستصغرهم ويأنف عن مساواتهم وهذا وإن كان دون الأول والثاني فهو أيضا عظيم من وجهين أحدهما أن الكبر والعز والعظمة والعلاء لا يليق إلا بالملك القادر فأما العبد المملوك الضعيف العاجز الذي لا يقدر على شيء فمن أين يليق بحاله الكبر فمهما تكبر العبد فقد نازع الله تعالى في صفة لا تليق إلا بجلاله ومثاله أن يأخذ الغلام قلنسوة الملك فيضعها على رأسه ويجلس على سريره فما أعظم استحقاقه للمقت وما أعظم تهدفه للخزي والنكال وما أشد استجراءه على مولاه وما أقبح ما تعاطاه وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله تعالى العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني فيهما قصمته أي إنه خاص صفتي ولا يليق إلا بي والمنازع فيه منازع في صفة من صفاتي وإذا كان الكبر على عباده لا يليق إلا به فمن تكبر على عباده فقد جني عليه إذ الذي يسترذل خواص غلمان الملك ويستخدمهم ويترفع عليهم ويستأثر بما حق الملك أن يستأثر به منهم فهو منازع له في بعض أمره وإن لم يبلغ درجته درجة من أراد الجلوس على سريره والاستبداد بملكه فالخلق كلهم عباد الله وله العظمة الكبرياء عليهم فمن تكبر على عبد من عباد الله فقد نازع الله في حقه نعم الفرق بين هذه المنازعة وبين منازعة نمروذ وفرعون هو الفرق بين منازعة الملك في استصغار بعض عبيده واستخدامهم وبين منازعته في أصل الملك

Sección V03/P346–V03/P347

الوجه الثاني الذي تعظم به رذيلة الكبر أنه يدعو إلى مخالفة الله تعالى في أوامره لأن المتكبر إذا سمع الحق من عبد من عبادالله استنكف عن قبوله وتشمر لجحده ولذلك ترى المناظرين في مسائل الدين يزعمون أنهم يتباحثون عن أسرار الدين ثم إنهم يتجاحدون تجاحد المتكبرين ومهما اتضح الحق على لسان واحد منهم أنف الآخر من قبوله وتشمر لجحده واحتال لدفعه بما يقدر عليه من التلبيس وذلك من أخلاق الكافرين والمنافقين إذ وصفهم الله تعالى فقال {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} فكل من يناظر للغلبة والإفحام لا ليغتنم الحق إذا ظفر به فقد شاركهم في هذا الخلق وكذلك يحمل ذلك على الأنفة من قبول الوعظ كما قال تعالى {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قرأها فقال {إنا لله وإنا إليه راجعون} قام رجل يأمر بالمعروف فقتل فقام آخر فقال يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فقتل المتكبر الذي خالفه والذي أمره كبرا وقال ابن مسعود كفى بالرجل إثما إذا قيل له اتق الله قال عليك نفسك وقال صلى الله عليه وسلم لرجل كل بيمينك قال لا أستطيع فقال النبي صلى الله عليه وسلم ل أستطيع فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا فما منعه إلا كبره قال فما رفعها بعد ذلك حديث قول ثابت بن قيس بن شماس إني امرؤ قد حبب إلي من الجمال ما ترى الحديث وفيه الكبر من بطر الحق وغمص الناس أخرجه مسلم والترمذي وقد تقدم قبله بحديثين وفي حديث آخر من سفه الحق حديث آفة العلم الخيلاء قلت هكذا ذكره المصنف والمعروف آفة العلم النسيان وآفة الجمال الخيلاء هكذا رواه القضاعي في مسند الشهاب من حديث علي بسند ضعيف وروى عنه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس آفة الجمال الخيلاء وفيه الحسن بن الحميد الكوفي لا يدري من هو حدث عن أبيه بحديث موضوع قاله صاحب الميزان فلا يلبث العالم أن يتعزز بعزة العلم يستشعر في نفسه جمال العلم وكماله ويستعظم نفسه ويستحقر الناس وينظر إليهم نظره إلى البهائم ويستجهلهم ويتوقع أن يبدءوه بالسلام فإن بدأه واحد منهم بالسلام أو رد عليه ببشر أو قام له أو أجاب له دعوة رأى ذلك صنيعة عنده ويدا عليه يلزمه شكرها واعتقد أنه أكرمهم وفعل بهم ما لا يستحقون من مثله وأنه ينبغي أن يرقوا له ويخدموه شكرا له على صنيعه بل الغالب أنهم يبرونه فلا يبرهم ويزورونه فلا يزورهم ويعودونه فلا يعودهم ويستخدم من خالطه منهم ويستسخره في حوائجه فإن قصر فيه استنكره كأنهم عبيده أو أجراؤه وكأن تعليمه العلم صنيعة منه إليهم ومعروفلديهم واستحقاق حق عليهم هذا فيما يتعلق بالدنيا أما في أمر الآخرة فتكبره عليهم بأن يرى نفسه عند الله تعالى أعلى وأفضل منهم فيخاف عليهم أكثر مما يخاف على نفسه ويرجو لنفسه أكثر مما يرجو لهم وهذا بأن يسمى جاهلا أولى من أن يسمى عالما بل العلم الحقيقي هو الذي يعرف الإنسان به نفسه وربه وخطر الخاتمة وحجة الله على العلماء وعظم خطر العلم فيه كما سيأتي في طريق معالجة الكبر بالعلم وهذا العلم يزيد خوفا وتواضعا وتخشعا ويقتضي أن يرى كل الناس خيرا منه لعظم حجة الله عليه بالعلم وتقصيره في القيام بشكر نعمة العلم ولهذا قال أبو الدرداء من ازداد علما ازداد وجعا وهو كما قال فإن قلت فما بال بعض الناس يزداد بالعلم كبرا وأمنا فاعلم أن لذلك سببين أحدهما أن يكون اشتغاله بما يسمى علما وليس علما حقيقيا وإنما العلم الحقيقي ما يعرف به العبد ربه ونفسه وخطر أمره في لقاء الله والحجاب منه وهذا يورث الخشية والتواضع دون الكبر والأمن

Sección V03/P347–V03/P349

قال الله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء فأما ما وراء ذلك كعلم الطب والحساب واللغة والشعر والنحو وفصل الخصومات وطرق المجادلات فإذا تجرد الإنسان لها حتى امتلأ منها امتلأ بها كبرا ونفاقا وهذه بأن تسمى صناعات أولى من أن تسمى علوما بل العلم هو معرفة العبودية والربوبية وطريق العبادة وهذه تورث التواضع غالبا السبب الثاني أن يخوض العبد في العلم وهو خبيث الدخلة رديء النفس سيء الأخلاق فإنه لم يشتغل أولا بتهذيب نفسه وتزكية قلبه بأنواع المجاهدات ولم يرض نفسه في عبادة ربه فبقي خبيث الجوهر فإذا خاض في العلم أي علم كان صادف العلم من قلبه منزلا خبيثا فلم يطب ثمره ولم يظهر في الخير أثره وقد ضرب وهب لهذا مثلا فقال العلم كالغيث ينزل من السماء حلوا صافيا فتشربه الأشجار بعروقها فتحوله على قدر طعومها فيزداد المر مرارة والحلو حلاوة فكذلك العلم تحفظه الرجال فتحوله على قدر هممها وأهوائها فيزيد المتكبر كبرا والمتواضع تواضعا وهذا لأن من كانت همته الكبر وهو جاهل فإذا حفظ العلم وجد ما يتكبر به فازداد كبرا وإذا كان الرجل خائفا مع جهله فازداد علما علم أن الحجة قد تأكدت عليه فيزداد خوفا وإشفاقا وذلا وتواضعا فالعلم من أعظم ما يتكبر به ولذلك قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين وقال عز وجل ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ووصف أولياءه فقال أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين وكذلك قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه العباس رضي الله عنه يكون قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقولون قد قرأنا القرآن فمن أقرأ منا ومن أعلم منا ثم التفت إلى أصحابه وقال أولئك منكم أيها الأمة أولئك هم وقود النار حديث سيأتي على الناس زمان من تمسك بعشر ما أنتم عليه نجا أخرجه أحمد من رواية رجل عن أبي ذر لكان جديرا بنا أن نقتحم والعياذ بالله تعالى ورطة اليأس والقنوط مع ما نحن عليه من سوء أعمالنا ومن لنا أيضا بالتمسك بعشر ما كانوا عليه وليتنا تمسكنا بعشر عشره فنسأل الله تعالى أن يعاملنا بما هو أهله ويستر علينا قبائح أعمالنا كما يقتضيه كرمه وفضله الثاني العمل والعبادة وليس يخلو عن رذيلة العز والكبر واستمالة قلوب الناس الزهاد والعباد ويترشح الكبر منهم في الدين والدنيا أما في الدنيا فهو أنهم يرون غيرهم بزيارتهم أولى منهم بزيارة غيرهم ويتوقعون قيام الناس بقضاء حوائجهم وتوقيرهم والتوسع لهم في المجالس وذكرهم بالورع والتقوى وتقديمهم على سائر الناس في الحظوظ إلى جميع ما ذكرناه في حق العلماء وكأنهم يرون عبادتهم منة على الخلق وأما في الدين فهو أن يرى الناس هالكين ويرى نفسه ناجيا وهو الهالك تحقيقا مهما رأى ذلك قال صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم حديث كفى بالمرء شرا أن يقر أخاه المسلم أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ امرؤ من الشر وكم من الفرق بينه وبين من يحبه لله ويعظمه لعبادته ويستعظمه ويرجو له ما لا يرجوه لنفسه فالخلق يدركون النجاة بتعظيمهم إياه لله فهم يتقربون إلى الله تعالى بالدنو منه وهو يتمقت إلى الله بالتنزه والتباعد منهم كأنه مترفع عن مجالستهم فما أجدرهم إذ أحبوه لصلاحه أن ينقلهم الله إلى درجته في العمل وما أجدره إذ ازدراهم بعينه أن ينقله الله إلى حد الإهمال كما روي أن رجلا في بني إسرائيل كان يقال له خليع بني إسرائيل لكثرة فساده مر برجل آخر يقال له عابد بني إسرائيل وكان على رأس العابد غمامة تظله فلما مر الخليع به فقال الخليع في نفسه أنا خليع بني إسرائيل وهذا عابد بني إسرائيل فلو جلست إليه لعل الله يرحمني فجلس إليه فقال العابد أنا عابد بني إسرائيل وهذا خليع بني إسرائيل فكيف يجلس إلي فأنف منه وقال له قم عني فأوحى الله إلى نبي ذلك الزمان مرهما فليستأنفا العمل فقد غفرت للخليع وأحبطت عمل العابد

Sección V03/P349–V03/P350

وفي رواية أخرى فتحولت الغمامة إلى رأس الخليع وهذا يعرفك أن الله تعالى إنما يريد من العبيد قلوبهم فالجاهل العاصي إذا تواضع هيبة لله وذل خوفا منه فقد أطاع الله بقلبه فهو أطوع لله من العالم المتكبر والعابد المعجب وكذلك روي أن رجلا في بني إسرائيل أتى عابدا من بني إسرائيل فوطئ على رقبته وهو ساجد فقال ارفع فوالله لا يغفر الله لك حديث أن رجلا ذكر بخير للنبي صلى الله عليه وسلم فأقبل ذات يوم فقالوا يا رسول الله هذا الذي ذكرناه لك فقال إني أرى في وجهه سفعة من الشيطان الحديث أخرجه أحمد والبزار والدارقطني من حديث أنس فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنور النبوة ما استكن في قلبه سفعة في وجهه وهذه آفة لا ينفك عنها أحد من العباد إلا من عصمه الله لكن العلماء والعباد في آفة الكبر على ثلاث درجات الدرجة الأولى أن يكون الكبر مستقرا في قلبه يرى نفسه خيرا من غيره إلا أنه يجتهد ويتواضع ويفعل فعل من يرى غيره خيرا من نفسه وهذا قد رسخ في قلبه شجرة الكبر ولكنه قطع أغصانها بالكلية الثانية أن يظهر ذلك على أفعاله بالترفع في المجالس والتقدم على الأقران وإظهار الإنكار على من يقصر في حقه وأدنى ذلك في العالم أن يصعر خده للناس كأنه معرض عنهم وفي العابد أن يعبس وجهه ويقطب جبينه كأنه منزه عن الناس مستقذر لهم أو غضبان عليهم وليس يعلم المسكين أن الورع ليس في الجبهة حتى تقطب ولا في الوجه حتى يعبس ولا في الخد حتى يصعر ولا في الرقبة حتى تطأطأ ولا في الذيل حتى يضم إنما الورع في القلوب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم التقوى هاهنا وأشار إلى صدره حديث كان أكرم الخلق وأتقاهم الحديث تقدم في كتاب أخلاق النبوة ولذلك قال الحارث بن جزء الزبيدي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبني من القراء كل طليق مضحاك فأما الذي تلقاه ببشر ويلقاك بعبوس يمن عليك بعلمه فلا أكثر الله في المسلمين مثله ولو كان الله سبحانه وتعالى يرضى ذلك لما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} وهؤلاء الذين يظهر أثر الكبر على شمائلهم فأحوالهم أخف حالا ممن هو في الرتبة الثالثة وهو الذي يظهر الكبر على لسانه حتى يدعوه إلى الدعوى والمفاخرة والمباهاة وتزكية النفس وحكايات الأحوال والمقامات والتشمر لغلبة الغير في العلم والعمل أما العابد فإنه يقول في معرض التفاخر لغيره من العباد من هو وما عمله ومن أين زهده فيطول اللسان فيهم بالتنقص ثم يثني على نفسه ويقول إني لم أفطر منذ كذا وكذا ولا أنام الليل وأختم القرآن في كل يوم وفلان ينام سحرا ولا يكثر القراءة وما يجري مجراه وقد يزكي نفسه ضمنا فيقول قصدني فلان بسوء فهلك ولده وأخذ ماله أو مرض أو ما يجره مجراه يدعي الكرامة لنفسه وأما مباهاته فهو أنه لو وقع مع قوم يصلون بالليل قام وصلى أكثر مما كان يصلي وإن كانوا يصبرون على الجوع فيكلف نفسه الصبر ليغلبهم ويظهر له قوته وعجزهم وكذلك يشتد في العبادة خوفا من أن يقال غيره أعبد منه أو أقوى منه في دين الله وأما العالم فإنه يتفاخر ويقول أنا متفنن في العلوم ومطلع على الحقائق ورأيت من الشيوخ فلانا وفلانا ومن أنت وما فضلك ومن لقيت وما الذي سمعت من الحديث كل ذلك ليصغره ويعظم نفسه وأما مباهاته فهو أنه يجتهد في المناظرة أن يغلب ولا يغلب ويسهر طول الليل والنهار في تحصيل علوم يتجمل بها في المحافل كالمناظرة والجدل وتحسين العبارة وتسجيع الألفاظ وحفظ العلوم الغريبة ليغرب بها على الأقران ويتعظم عليهم ويحفظ الأحاديث ألفاظها وأسانيدها حتى يرد على من أخطأ فيها فيظهر فضله ونقصان أقرانه ويفرح مهما أخطأ واحد منهم ليرد عليه ويسوء إذا أصاب وأحسن خيفة من أن يرى أنه أعظم منه

Preguntas