Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn
وكان الفضيل يقول إذا استوى عنده المنع والعطاء فقد رضي عن الله تعالى وقال أحمد بن أبي الحواري قال أبو سليمان الداراني إن الله عز وجل من كرمه قد رضي من عبيده بما رضي العبيد من مواليهم قلت وكيف ذاك قال أليس مراد العبد من الخلق أن يرضى عنه مولاه قلت نعم قال فإن محبة الله من عبيده أن يرضوا عنه وقال سهل حظ العبيد من اليقين على قدر حظهم من الرضا وحظهم من الرضا على قدر عيشهم مع الله عز وجل وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل بحكمته وجلاله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين وجعل الغم والحزن في الشك والسخط بيان حقيقة الرضا وتصوره فيما يخالف الهوى اعلم أن من قال ليس فيما يخالف الهوى وأنواع البلاء إلا الصبر فأما الرضا فلا يتصور فإنما أتى من ناحية إنكار المحبة فأما إذا ثبت تصور الحب لله تعالى واستغراق الهم به فلا يخفى أن الحب يورث الرضا بأفعال الحبيب ويكون ذلك من وجهين {أحدهما} أن يبطل الإحساس بالألم حتى يجري عليه المؤلم ولا يحس وتصيبه جراحة ولا يدرك ألمها ومثاله الرجل المحارب فإنه في حال غضبه أو في حال خوفه قد تصيبه جراحة وهو لا يحس بألم ذلك لشغل قلبه بل الذي يحجم أو يحلق رأسه بحديدة كآلة يتألم به فإن كان مشغول القلب بمهم من مهماته فرغ المزين والحجام وهو لا يشعر به وكل ذلك لأن القلب إذا صار مستغرقا بأمر من الأمور مستوفى به لم يدرك ما عداه فكذلك العاشق المستغرق الهم بمشاهدة معشوقه أو بحبه قد يصيبه ما كان يتألم به أو يغتم له لولا عشقه ثم لا يدرك غمه وألمه لفرط استيلاء الحب على قلبه هذا إذا أصابه من غير حبيبه فكيف إذا أصابه من حبيبه وشغل القلب بالحب والعشق من أعظم الشواغل وإذا تصور هذا في ألم يسير بسبب حب خفيف تصور في الألم العظيم بالحب العظيم فإن الحب أيضا يتصور تضاعفه في القوة كما يتصور تضاعف الألم وكما يقوى حب الصور الجميلة المدركة بحاسة البصر فكذا يقوى حب الصور الجميلة الباطنة المدركة بنور البصيرة وجمال حضرة الربوبية وجلالها لا يقاس به جمال ولا جلال فمن ينكشف له شيء منه فقد يبهره بحث يدهش ويغشى عليه فلا يحس مما يجري عليه فقد روي أن امرأة فتح الموصلي عثرت فانقطع ظفرها فضحكت فقيل لها أما تجدين الوجع فقالت إن لذة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه وكان سهل رحمه الله تعالى به علة يعالج غيره منها ولا يعالج نفسه فقيل له في ذلك فقال يا دوست ضرب الحبيب لا يوجع وأما الوجه الثاني فهو أن يحس به ويدرك ألمه ولكن يكون راضيا به بل راغبا فيه مريدا له أعني بعقله وإن كان كارها بطبعه كالذي يلتمس من الفصاد الفصد والحجامة فإنه يدرك ألم ذلك إلا انه راض به وراغب فيه ومتقلد من الفصاد به منة بفعله فهذا حال الراضي بما يجري عليه من الألم وكذلك كل من يسافر في طلب الربح يدرك مشقة السفر ولكن حبه لثمرة سفره طيب عنده مشقة السفر وجعله راضيا بها ومهما أصابه بلية من الله تعالى وكان له يقين بأن ثوابه الذي ادخر له فوق ما فاته رضي به ورغب فيه وأحبه وشكر الله عليه هذا إن كان يلاحظ الثواب والإحسان الذي يجازى به عليه ويجوز أن يغلب الحب بحيث يكون حظ المحب في مراد محبوبه ورضاء لا لمعنى آخر وراءه فيكون مراد حبيبه ورضاه محبوبا عنده ومطلوبا وكل ذلك موجود في المشاهدات في حب الخلق وقد تواصفها المتواصفون في نظمهم ونثرهم ولا معنى له إلا ملاحظة جمال الصورة الظاهرة بالبصر فإن نظر إلى الجمال فما هو إلا جلد ولحم ودم مشحون بالأقذار والأخباث بدايته من نطفة مذرة ونهايته جيفة قذرة وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة
وإن نظر إلى المدرك للجمال فهي العين الخسيسة التي تغلط فيما ترى كبيرا فترى الصغير كبيرا والكبير صغيرا والبعيد قريبا والقبيح جميلا فإذا تصور استيلاء هذا الحب فمن أين يستحيل ذلك في حب الجمال الأزلي الأبدي الذي لا منتهى لكماله المدرك بعين البصيرة التي لا يعتريها الغلط ولا يدور بها الموت بل تبقى بعد الموت حية عند الله فرحة برزق الله تعالى مستفيدة بالموت مزيد تنبيه واستكشاف فهذا أمر واضح من حيث النظر بعين الاعتبار ويشهد لذلك الوجود وحكايات أحوال المحبين وأقوالهم فقد قال شقيق البلخي من يرى ثواب الشدة لا يشتهي المخرج منها وقال الجنيد سألت سريا السقطي هل يجد المحب ألم البلاء قال لا قلت وإن ضرب بالسيف قال نعم وإن ضرب بالسيف سبعين ضربة ضربة على ضربة وقال بعضهم أحببت كل شيء يحبه حتى لو أحب النار أحببت دخول النار وقال بشر بن الحارث مررت برجل وقد ضرب ألف سوط في شرقية بغداد ولم يتكلم ثم حمل إلى الحبس فتبعته فقلت له لم ضربت فقال لأني عاشق فقلت له ولم سكت قال لأن معشوقي كان بحذائي ينظر إلي فقلت فلو نظرت إلى المعشوق الأكبر قال فزعق زعقة خر ميتا وقال يحي بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى إذا نظر أهل الجنة إلى الله تعالى ذهبت عيونهم في قلوبهم من لذة النظر إلى الله تعالى ثمانمائة سنة لا ترجع إليهم فما ظنك بقلوب وقعت بين جماله وجلاله إذا لاحظت جلاله هابت وإذا لاحظت جماله تاهت وقال بشر قصدت عبادان في بدايتي فإذا برجل أعمى مجذوم مجنون قد صرع والنمل يأكل لحمه فرفعت رأسه فوضعته في حجري وأنا أردد الكلام فلما أفاق قال من هذا الفضولي الذي يدخل بيني وبين ربي لو قطعني إربا إربا ما ازددت له إلا حبا قال بشر فما رأيت بعد ذلك نقمة بين عبد وبين ربه فأنكرتها وقال أبو عمرو محمد بن الأشعث إن أهل مصر مكثوا أربعة أشهر لم يكن لهم غذاء إلا النظر إلى وجه يوسف الصديق عليه السلام كانوا إذا جاعوا نظروا إلى وجهه فشغلهم جماله عن الإحساس بألم الجوع بل في القرآن ما هو أبلغ من ذلك وهو قطع النسوة أيديهن لاستهتارهن بملاحظة جماله حتى ما أحسسن بذلك وقال سعيد بن يحيى رأيت بالبصرة في خان عطاء بن مسلم شابا وفي يده مدية وهو ينادي بأعلى صوته والناس حوله وهو يقول يوم الفراق من القيامة أطول ... والموت من ألم التفرق أجمل قالوا الرحيل فقلت لست براحل ... لكن مهجتي التي تترحل ثم بقر بالمدية بطنه وخر ميتا فسألت عنه وعن أمره فقيل لي إنه كان يهوى فتى لبعض الملوك حجب عنه يوما واحدا ويروى أن يونس عليه السلام قال لجبريل دلني على أعبد أهل الأرض فدله على رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه وذهب ببصره فسمعه وهو يقول إلهي متعتني بهما ما شئت أنت وسلبتني ما شئت أنت وأبقيت لي فيك الأمل يا بر يا وصول ويروى عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه اشتكى له ابن فاشتد وجده عليه حتى قال بعض القوم لقد خشينا على هذا الشيخ إن حدث بهذا الغلام حدث فمات الغلام فخرج ابن عمر في جنازته وما رجل أشد سرورا أبدا منه فقيل له في ذلك فقال ابن عمر إنما كان حزني رحمة له فلما وقع أمر الله رضينا به
وقال مسروق كان رجل بالبادية له كلب وحمار وديك فالديك يوقظهم للصلاة والحمار ينقلون عليه الماء ويحمل لهم خباءهم والكلب يحرسهم قال فجاء الثعلب فأخذ الديك فحزنوا له وكان الرجل صالحا فقال عسى أن يكون خيرا ثم جاء ذئب فخرق بطن الحمار فقتله فحزنوا عليه فقال الرجل عسى أن يكون خيرا ثم أصيب الكلب بعد ذلك فقال عسى أن يكون خيرا ثم أصبحوا ذات يوم فنظروا فإذا قد سبي من حولهم وبقوا هم قال وإنما أخذوا أولئك لما كان عندهم من أصوات الكلاب والحمير والديكة فكانت الخيرة لهؤلاء في هلاك هذه الحيوانات كما قدره الله تعالى فإذن من عرف خفي لطف الله تعالى رضي بفعله على كل حال ويروى أن عيسى عليه السلام مر برجل أعمى أبرص مقعد مضروب الجنبين بفالج وقد تناثر لحمه من الجذام وهو يقول الحمد لله الذي عافاني مما ابتلي به كثيرا من خلقه فقال له عيسى يا هذا أي شيء من البلاء أراه مصروفا عنك فقال يا روح الله أنا خير ممن لم يجعل الله في قلبه ما جعل في قلبي من معرفته فقال له صدقت هات يدك فناوله يده فإذا هو أحسن الناس وجها وأفضلهم هيئة وقد أذهب الله عنه ما كان به فصحب عيسى عليه السلام وتعبد معه وقطع عروة بن الزبير رجله من ركبته من أكلة خرجت بها ثم قال الحمد لله الذي أخذ مني واحدة وليت لئن كنت أخذت لقد أبقيت ولئن كنت ابتليت لقد عافيت ثم لم يدع ورده تلك الليلة وكان ابن مسعود يقول الفقر والغنى مطيبتان ما أبالي أيتهما ركبت إن كان الفقر فإن فيه الصبر وإن كان الغنى فإن فيه البذل وقال أبو سليمان الداراني قلت قد نلت من كل مقام حالا إلا الرضا فمالى منه إلا مشام الريح وعلى ذلك لو أدخل الخلائق كلهم الجنة وأدخلني النار كنت بذلك راضيا وقيل لعارف آخر هل نلت غاية الرضا عنه فقال أما الغاية فلا ولكن مقام الرضا قد نلته لو جعلني جسرا على جهنم يعبر الخلائق علي إلى الجنة ثم ملأ بي جهنم تحلة لقسمه وبدلا من خليقته لأحببت ذلك من حكمه ورضيت به من قسمه وهذا كلام من علم أن الحب قد استغرق همه حتى منعه الإحساس بألم النار فإن بقي إحساس فيغمره ما يحصل من لذته في استشعاره حصول رضا محبوبه بإلقائه إياه في النار واستيلاء هذه الحالة غير محال في نفسه وإن كان بعيدا من أحوالنا الضعيفة ولكن لا ينبغي أن يستنكر الضعيف المحروم أحوال الأقوياء ويظن أن ما هو عاجز عنه يعجز عنه الأولياء وقال الروذباري قلت لأبي عبد الله بن الجلاء الدمشقي قول فلان وددت أن جسدي قرض بالمقاريض وأن هذا الخلق أطاعوه ما معناه فقال يا هذا إن كان هذا من طريق التعظيم والإجلال فلا أعرف وإن كان هذا من طريق الإشفاق والنصح للخلق فأعرف قال ثم غشي عليه وقد كان عمران بن الحصين قد استسقى بطنه فبقي ملقى على ظهره ثلاثين سنة لا يقوم ولا يقعد قد نقب له في سرير من جريد كان عليه موضع لقضاء حاجته فدخل عليه مطرف وأخوه العلاء فجعل يبكي لما يراه من حاله فقال لم تبكي قال لأني أراك على هذه الحالة العظيمة قال لا تبك فإن أحبه إلى الله تعالى أحبه إلي ثم قال أحدثك شيئا لعل الله أن ينفعك به واكتم علي حتى أموت إن الملائكة تزورني فآنس بها وتسلم علي فأسمع تسليمها فأعلم بذلك أن هذا البلاء ليس بعقوبة إذ هو سبب هذه النعمة الجسيمة فمن يشاهد هذا في بلائه كيف لا يكون راضيا به قال ودخلنا على سوبد بن متعبه نعوده فرأيناه ثوبا ملقى فما ظننا أن تحته شيئا حتى كشف فقالت له امرأته أهلي فداؤك ما نطعمك
ما نسقيك فقال طالت الضجعة ودبرت الحراقيف وأصبحت نضوا لا أطعم طعاما ولا أسيغ شرابا منذ كذا فذكر أياما وما يسرني أني نقصت من هذا قلامة ظفر ولما قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة وقد كان كف بصره جاءه الناس يهرعون إليه كل واحد يسأله أن يدعو له فيدعو لهذا ولهذا وكان مجاب الدعوة قاله عبد الله بن السائب فأتيته وأنا غلام فتعرفت إليه فعرفني وقال أنت قارئ أهل مكة قلت نعم فذكر قصة قال في آخرها فقلت له يا عم أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك فرد الله عليك بصرك فتبسم وقال يا بني قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري وضاع لبعض الصوفية ولد صغير ثلاثة أيام لم يعرف له خبر فقيل له لو سألت الله تعالى أن يرده عليك فقال اعتراضي عليه فيما قضي أشد علي من ذهاب ولدي وعن بعض العباد أنه قال إني أذنبت ذنبا عظيما فأنا أبكي عليه منذ ستين سنة وكان قد اجتهد في العبادة لأجل التوبة من الذنب فقيل له وما هو قال قلت مرة لشيء كان ليته لم يكن وقال بعض السلف لو قرض جسمي بالمقاريض لكان أحب إلي من أن أقول لشيءقضاه الله تعالى سبحانه ليته لم يقضه وقيل لعبد الواحد بن زيد ههنا رجل قد تعبد خمسين سنة فقصده فقال له يا حبيبي أخبرني عنك هل قنعت به قال لا قال أنست به قال لا قال فهل رضيت عنه قال لا قال فإنما مزيدك منه الصوم والصلاة قال نعم قال لولا أني أستحيي منك لأخبرتك بأن معاملتك خمسين سنة مدخولة ومعناه أنك لم يفتح لك باب القلب فتترقى إلى درجات القرب بأعمال القلب وإنما أنت تعد في طبقات أصحاب اليمين لأن مزيدك منه في أعمال الجوارح التى هى مزيد أهل العموم ودخل جماعة من الناس على الشبلي رحمه الله تعالى في مارستان قد حبس فيه وقد جمع بين يديه حجارة فقال من أنتم فقالوا محبوك فأقبل عليهم يرميهم بالحجارة فتهاربوا فقال ما بالكم ادعيتم محبتي إن صدقتم فاصبروا على بلائي وللشبلي رحمه الله تعالى إن المحبة للرحمن أسكرني ... وهل رأيت محبا غير سكران وقال بعض عباد أهل الشام كلكم يلقى الله عز وجل مصدقا ولعله قد كذبه وذلك أن أحدكم لو كان له إصبع من ذهب ظل يشير بها ولو كان بها شلل ظل يواريها يعني بذلك أن الذهب مذموم عند الله والناس يتفاخرون به والبلاء زينة أهل الآخرة وهم يستنكفون منه وقيل إنه وقع الحريق في السوق فقيل للسري احترق السوق وما احترق دكانك فقال الحمد لله ثم قال كيف قلت الحمد لله على سلامتي دون المسلمين فتاب من التجارة وترك الحانوت بقية عمره توبة واستغفارا من قوله الحمد لله فإذا تأملت هذه الحكايات عرفت قطعا أن الرضا بما يخالف الهوى ليس مستحيلا بل هو مقام عظيم من مقامات أهل الدين ومهما كان ذلك ممكنا في حب الخلق وحظوظهم كان ممكنا في حق حب الله تعالى وحظوظ الآخرة قطعا وإمكانه من وجهين {أحدهما} الرضا بالألم لما يتوقع من الثواب الموجود كالرضا بالفصد والحجامة وشرب الدواء انتظارا للشفاء والثاني الرضا به لا لحظ وراءه بل لكونه مراد المحبوب ورضا له فقد يغلب الحب بحيث ينغمر مراد المحب في مراد المحبوب فيكون ألذ الأشياء عنده سرور قلب محبوبه ورضاه ونفوذ إرادته ولو في هلاك روحه كما قيل فما لجرح إذا أرضاكم ألم ... وهذا ممكن مع الإحساس بالألم وقد يستولي الحب بحيث يدهش عن إدراك الألم فالقياس والتجربة والمشاهدة دالة على وجوده فلا ينبغي أن ينكره من فقده من نفسه لأنه إنما فقده لفقد سببه وهو فرط حبه ومن لم يذق طعم الحب لم يعرف عجائبه فللمحبين عجائب أعظم مما وصفناه وقد روى عن عمرو بن الحارث الرافعي قال كنت في مجلس بالرقة عند صديق لي وكان معنا فتى يتعشق جارية مغنية وكانت معنا في المجلس فضربت بالقضيب وغنت علامة ذل الهوى ... على العاشقين البكا
ولا سيما عاشق ... إذا لم يجد مشتكى فقال لها الفتى أحسنت والله يا سيدتي أفتأذنين لي أن أموت فقالت مت راشدا قال فوضع رأسه على الوسادة وأطبق فمه وغمض عينيه فحركناه فإذا هو ميت وقال الجنيد رأيت رجلا متعلقا بكم صبي وهو يتضرع إليه ويظهر له المحبة فالتفت إليه الصبي وقال له إلى متى ذا النفاق الذي تظهر لي فقال قد علم الله أني صادق فيما أورده حتى لو قلت لي مت لمت فقال إن كنت صادقا فمت قال فتنحى الرجل وغمض عينيه فوجد ميتا وقال سمنون المحب كان في جيراننا رجل وله جارية يحبها غاية الحب فاعتلت الجارية فجلس الرجل ليصلح لها حيسا فبينا هو يحرك القدر إذ قالت الجارية آه قال فدهش الرجل وسقطت الملعقة من يده وجعل يحرك ما في القدر بيده حتى سقطت أصابعه فقالت الجارية ما هذا قال هذا مكان قولك آه وحكى عن محمد ابن عبد الله البغدادي قال رأيت بالبصرة شابا على سطح مرتفع وقد أشرف على الناس وهو يقول من مات عشقا فليمت هكذا ... لا خير في عشق بلا موت ثم رمى بنفسه إلى الأرض فحملوه ميتا فهذا وأمثاله قد يصدق به في حب المخلوق والتصديق به في حب الخالق أولى لأن البصيرة الباطنة أصدق من البصر الظاهر وجمال الحضرة الربانية أو في من كل جمال بل كل جمال في العالم فهو حسنة من حسنات ذلك الجمال نعم الذي فقد البصر ينكر جمال الصور والذي فقد السمع ينكر لذة الألحان والنغمات الموزونة فالذي فقد القلب لا بد وأن ينكر أيضا هذه اللذات التي لامظنة لها سوى القلب بيان أن الدعاء غير مناقض للرضا ولا يخرج صاحبه عن مقام الرضا وكذلك كراهة المعاصي ومقت أهلها ومقت أسبابها والسعي في إزالتها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يناقضه أيضا وقد غلط في ذلك بعض البطالين المغترين وزعم أن المعاصي والفجور والكفر من قضاء الله وقدره عز وجل فيجب الرضا به وهذا جهل بالتأويل وغفلة عن أسرار الشرع فأما الدعاء فقد تعبدنا به وكثرة دعوات رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء عليهم السلام على ما نقلناه في كتاب الدعوات تدل عليه ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعلى المقامات من الرضا وقد أثنى الله تعالى على بعض عباده بقوله {ويدعوننا رغبا ورهبا} وأما إنكار المعاصي وكراهتها وعدم الرضا بها فقد تعبد الله به عباده وذمهم على الرضا به فقال {ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها} وقال تعالى {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم} وفي الخبر المشهور من شهد منكرا فرضي به فكأنه قد فعله وفي الحديث الدال على الشر كفاعله وعن ابن مسعود إن العبد ليغيب عن المنكر ويكون عليه مثل وزر صاحبه وقيل وكيف ذلك قال يبلغه فيرضى به وفي الخبر لو أن عبدا قتل بالمشرق ورضي بقتله آخر بالمغرب كان شريكا في قتله وقد أمر الله تعالى بالحسد والمنافسة في الخيرات وتوقي الشرور فقال تعالى {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله حكمة فهو يبثها في الناس ويعلمها ورجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق وفي لفظ آخر ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار فيقول الرجل لو آتاني الله مثل ما آتى هذا لفعلت مثل ما يفعل
وأما بغض الكفار والفجار والإنكار عليهم ومقتهم فما ورد فيه من شواهد القرآن والأخبار لا يحصى مثل قوله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء وقال تعالى وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا وفي الخبر إن الله تعالى أخذ الميثاق على كل مؤمن أن يبغض كل منافق وعلى كل منافق أن يبغض كل مؤمن وقال عليه السلام المرء مع من أحب وقال من أحب قوما ووالاهم حشر معهم يوم القيامة وقال عليه السلام أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله وشواهد هذا قد ذكرناها في بيان الحب والبغض في الله تعالى من كتاب آداب الصحبة وفي كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا نعيده فإن قلت فقد وردت الآيات والأخبار بالرضا بقضاء الله تعالى فإن كانت المعاصي بغير قضاء الله تعالى فهو محال وهو قادح في التوحيد وإن كانت بقضاء الله تعالى فكراهتها ومقتها كراهة لقضاء الله تعالى وكيف السبيل إلى الجمع وهو متناقض على هذا الوجه وكيف يمكن الجمع بين الرضا والكراهة في شيء واحد فاعلم أن هذا مما يلتبس على الضعفاء القاصرين عن الوقوف على أسرار العلوم وقد التبس على قوم حتى رأوا السكوت عن المنكر مقاما من مقامات الرضا وسموه حسن الخلق وهو جهل محض بل نقول الرضا والكراهة يتضادان إذا تواردا على شيء واحد من جهة واحدة على وجه واحد فليس من التضاد في شيء واحد أن يكرهه من وجه ويرضى به من وجه إذ قد يموت عدوك الذي هو أيضا عدو بعض أعدائك وساع في إهلاكه فتكره موته من حيث إنه مات عدو عدوك وترضاه من حيث إنه مات عدوك وكذلك المعصية لها وجهان وجه إلى الله تعالى من حيث إنه فعله واختياره وإرادته فيرضى به من هذا الوجه تسليما للملك إلى مالك الملك ورضا بما يفعله فيه ووجه إلى العبد من حيث إنه كسبه ووصفه وعلامة كونه ممقوتا عند الله وبغيضا عنده حيث سلط عليه أسباب البعد والمقت فهو من هذا الوجه منكر ومذموم ولا ينكشف هذا لك إلا بمثال فلنفرض محبوبا من الخلق قال بين يدي محبيه إني أريد أن أميز بين من يحبني ويبغضني وأنصب فيه معيارا صادقا وميزانا ناطقا وهو أني أقصد إلى فلان فأوذيه وأضربه ضربا يضطره ذلك إلى الشتم لي حتى إذا شتمني أبغضته واتخذته عدوا لي فكل من أحبه أعلم أيضا أنه عدوي وكل من أبغضه أعلم أنه صديقي ومحبي ثم فعل ذلك وحصل مراده من الشتم الذي هو سبب البغض وحصل البغض الذي هو سبب العداوة فحق على كل من هو صادق في محبته وعالم بشروط المحبة أن يقول أما تدبيرك في إيذاء هذا الشخص وضربه وإبعاده وتعريضك إياه للبغض والعداوة فأنا محب له وراض به فإنه رأيك وتدبيرك وفعلك وإرادتك وأما شتمه إياك فإنه عدوان من جهته إذ كان حقه أن يصبر ولا يشتم ولكنه كان مرادك منه فإنك قصدت بضربه استنطاقه بالشتم الموجب للمقت فهو من حيث إنه حصل على وفق مرادك وتدبيرك الذي دبرته فأنا راض به ولو لم يحصل لكان ذلك نقصانا في تدبيرك وتعويقا في مرادك وأنا كاره لفوات مرادك ولكنه من حيث إنه وصف لهذا الشخص وكسب له وعدوان وتهجم منه عليك على خلاف ما يقتضيه جمالك إذ كان ذلك يقتضي أن يحتمل منك الضرب ولا يقابل بالشتم فأنا كاره له من حيث نسبته إليه ومن حيث هو وصف له لا من حيث هو مرادك ومقتضى تدبيرك وأما بغضك له بسبب شتمك فأنا راض به ومحب له لأنه مرادك وأنا على موافقتك أيضا مبغض له لأن شرط المحب أن يكون لحبيب المحبوب حبيبا ولعدوه عدوا
وأما بغضه لك فإني أرضاه من حيث إنك أردت أن يبغضك إذ أبعدته عن نفسك وسلطت عليه دواعي البغض ولكني أبغضه من حيث إنه وصف ذلك المبغض وكسبه وفعله وأمقته لذلك فهو ممقوت عندي لمقته إياك وبغضه ومقته لك أيضا عندي مكروه من حيث أنه وصفه وكل ذلك من حيث إنه مرادك فهو مرضي وإنما التناقض أن يقول هو من حيث إنه مرادك مرضي ومن حيث إنه مرادك مكروه وأما إذا كان مكروها لا من حيث إنه فعله ومراده بل من حيث إنه وصف غيره وكسبه فهذا لا تناقض فيه ويشهد لذلك كل ما يكره من وجه ويرضى به من وجه ونظائر ذلك لا تحصى فإذن تسليط الله دواعي الشهوة والمعصية عليه حتى يجره ذلك إلى حب المعصية ويجره الحب إلى فعل المعصية يضاهي ضرب المحبوب للشخص الذي ضربناه مثلا ليجره الضرب إلى الغضب والغضب إلى الشتم ومقت الله تعالى لمن عصاه وإن كانت معصيته بتدبيره يشبه بغض المشتوم لمن شتمه وإن كان شتمه إنما يحصل بتدبيره واختياره لأسبابه وفعل الله تعالى ذلك بكل عبد من عبيده أعني تسليط دواعي المعصية عليه يدل على أنه سبقت مشيئته بإبعاده ومقته فواجب على كل عبد محب لله أن يبغض من أبغضه الله ويمقت من مقته الله ويعادي من أبعده الله عن حضرته وإن اضطره بقهره وقدرته إلى معاداته ومخالفته فإنه بعيد مطرود ملعون عن الحضرة وإن كان بعيدا بإبعاده قهرا ومطرودا بطرده واضطراره والمبعد عن درجات القرب ينبغي أن يكون مقيتا بغيضا إلى جميع المحبين موافقة للمحبوب بإظهار الغضب على من أظهر المحبوب الغضب عليه بإبعاده بهذا يتقرر جميع ما وردت به الأخبار من البغض في الله والحب في الله والتشديد على الكفار والتغليظ عليهم والمبالغة في مقتهم مع الرضا بقضاء الله تعالى من حيث إنه قضاء الله عز وجل وهذا كله يستمد من سر القدر الذي لا رخصه فى إفشائه وهو أن الشر والخير كلاهما داخلان في المشيئة والإرادة ولكن الشر مراد مكروه والخير مراد مرضي به قمن قال ليس الشر من الله فهو جاهل وكذا من قال إنهما جميعا منه من غير افتراق في الرضا والكراهة فهو أيضا مقصر وكشف الغطاء عنه غير مأذون فيه فالأولى السكوت والتأدب بأدب الشرع فقد قال صلى الله عليه وسلم القدر سر الله فلا تفشوه وذلك يتعلق بعلم المكاشفة وغرضنا الآن بيان الإمكان فيما تعبد به الخلق من الجمع بين الرضا بقضاء الله تعالى ومقت المعاصي مع أنها من قضاء الله تعالى وقد ظهر الغرض من غير حاجة إلى كشف السر فيه وبهذا يعرف أيضا أن الدعاء بالمغفرة والعصمة من المعاصي وسائر الأسباب المعينة على الدين غير مناقض للرضا بقضاء الله تعالى فإن الله تعبد العباد بالدعاء ليستخرج الدعاء منهم صفاء الذكر وخشوع القلب ورقة التضرع ويكون ذلك جلاء للقلب ومفتاحا للكشف وسببا لتواتر مزايا اللطف كما أن حمل الكوز وشرب الماء ليس مناقضا للرضا بقضاء الله تعالى في العطش وشرب الماء طلبا لإزالة العطش مباشرة سبب رتبه مسبب الأسباب فكذلك الدعاء سبب رتبه الله تعالى وأمر به وقد ذكرنا أن التمسك بالأسباب جريا على سنة الله تعالى لا يناقض التوكل واستقصيناه في كتاب التوكل فهو أيضا لا يناقض الرضا لأن الرضا مقام ملاصق للتوكل ويتصل به نعم إظهار البلاء في معرض الشكوى وإنكاره بالقلب على الله تعالى مناقض للرضا وإظهار البلاء على سبيل الشكر والكشف عن قدرة الله تعالى لايناقض وقد قال بعض السلف من حسن الرضا بقضاء الله تعالى أن لا يقول هذا يوم حار أي في معرض الشكاية وذلك في الصيف فأما الشتاء فهو شكر والشكوى تناقض الرضا بكل حال وذم الأطعمة وعيبها يناقض الرضا بقضاء الله تعالى لأن مذمة الصنعة مذمة للصانع والكل من صنع الله تعالى
وقول القائل الفقر بلاء ومحنة والعيال هم وتعب والاحتراف كد ومشقة كل ذلك قادح في الرضا بل ينبغي أن يسلم التدبير لمدبره والمملكة لمالكها ويقول ما قاله عمر رضي الله عنه لا أبالي أصبحت غنيا أو فقيرا فإني لا أدري أيهما خير لي بيان أن الفرار من البلاد التي هي مظان المعاصي ومذمتها لا يقدح في الرضا اعلم أن الضعيف قد يظن أن نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخروج من بلد ظهر به الطاعون يدل على النهي عن الخروج من بلد ظهرت فيه المعاصي لأن كل واحد منهما فرار من قضاء الله تعالى وذلك محال بل العلة في النهي عن مفارقة البلد بعد ظهور الطاعون أنه لو فتح هذا الباب لارتحل عنه الأصحاء وبقي فيه المرضى مهملين لا متعهد لهم فيهلكون هزالا وضرا ولذلك شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأخبار بالفرار من الزحف ولو كان ذلك للفرار من القضاء لما أذن لمن قارب البلدة في الانصراف وقد ذكرنا حكم ذلك في كتاب التوكل وإذا عرف المعنى ظهر أن الفرار من البلاد التي هي مظان المعاصي ليس فرارا من القضاء بل من القضاء الفرار مما لا بد من الفرار منه وكذلك مذمة المواضع التي تدعو إلى المعاصي والأسباب التي تدعو إليها لأجل التنفير عن المعصية ليست مذمومة فما زال السلف الصالح يعتادون ذلك حتى اتفق جماعة على ذم بغداد وإظهارهم ذلك وطلب الفرار منها فقال ابن المبارك قد طفت الشرق والغرب فما رأيت بلدا شرا من بغداد قيل وكيف قال هو بلد تزدري فيه نعمة الله وتستصغر فيه معصية الله ولما قدم خراسان قيل له كيف رأيت بغداد قال ما رأيت بها إلا شرطيا غضبان أو تاجرا لهفان أو قارئا حيران ولا ينبغي أن تظن أن ذلك من الغيبة لأنه لم يتعرض لشخص بعينه حتى يستضر ذلك الشخص به وإنما قصد بذلك تحذير الناس وكان يخرج إلى مكة وقد كان مقامه ببغداد يرقب استعداد القافلة ستة عشر يوما فكان يتصدق بستة عشر دينار لكل يوم دينار كفارة لمقامه وقد ذم العراق جماعة كعمر بن عبد العزيز وكعب الأحبار وقال ابن عمر رضي الله عنهما لمولى له أين تسكن فقال العراق قال فما تصنع به بلغني أن ما من أحد يسكن العراق إلا قيض الله قرينا من البلاء وذكر كعب الأحبار يوما العراق فقال فيه تسعة أعشار الشر وفيه الداء العضال وقد قيل قسم الخير عشرة أجزاء فتسعة أعشاره بالشام وعشره بالعراق وقسم الشر عشرة أجزاء على العكس من ذلك وقال بعض أصحاب الحديث كنا يوما عند الفضيل بن عياض فجاءه صوفي متدرع بعباءة فأجلسه إلى جانبه وأقبل عليه ثم قال أين تسكن فقال بغداد فأعرض عنه وقال يأتينا أحدهم في زي الرهبان فإذا سألناه أين تسكن قال في عش الظلمة وكان بشر بن الحارث يقول مثال المتعبد ببغداد مثال المتعبد في الحش وكان يقول لا تقتدوا بي في المقام بها من أراد أن يخرج فليخرج وكان أحمد بن حنبل يقول لولا تعلق هؤلاء الصبيان بنا كان الخروج من هذا البلد آثر في نفسي قيل وأين تختار السكنى قال بالثغور وقال بعضهم وقد سئل عن أهل بغداد زاهدهم زاهد وشريرهم شرير
فهذا يدل على أن من بلي ببلدة تكثر فيها المعاصي ويقل فيها الخير فلا عذر له في المقام بها بل ينبغي أن يهاجر قال الله تعالى ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فإن منعه عن ذلك عيال أو علاقة فلا ينبغي أن يكون راضيا بحاله مطمئن النفس إليه بل ينبغي أن يكون منزعج القلب منها قائلا على الدوام ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها وذلك لأن الظلم إذا عم نزل البلاء ودمر الجميع وشمل المطيعين قال الله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة فإذن ليس في شيء من أسباب نقص الدين البتة رضا مطلق إلا من حيث إضافتها إلى فعل الله تعالى فأما هي في نفسها فلا وجه للرضا بها بحال وقد اختلف العلماء في الأفضل من أهل المقامات الثلاث رجل يحب الموت شوقا إلى لقاء الله تعالى ورجل يحب البقاء لخدمة المولى ورجل قال لا أختار شيئا بل أرضى بما اختاره الله تعالى ورفعت هذه المسألة إلى بعض العارفين فقال صاحب الرضا أفضلهم لأنه أقلهم فضولا واجتمع ذات يوم وهيب بن الورد وسفيان الثوري ويوسف بن أسباط فقال الثوري كنت أكره موت الفجأة قبل اليوم واليوم وددت أني مت فقال له يوسف لم قال لما أتخوف من الفتنة فقال يوسف لكني لا أكره طول البقاء فقال سفيان لم قال لعلي أصادف يوما أتوب فيه وأعمل صالحا فقيل لوهيب إيش تقول أنت فقال أنا لا أختار شيئا أحب ذلك إلي أحبه إلى الله سبحانه وتعالى فقبله الثوري بين عينيه وقال روحانية ورب الكعبة بيان جملة من حكايات المحبين وأقوالهم ومكاشفاتهم قيل لبعض العارفين إنك محب فقال لست محبا إنما أنا محبوب والمحب متعوب وقيل له أيضا الناس يقولون إنك واحد من السبعة فقال أنا كل السبعة وكان يقول إذا رأيتموني فقد رأيتم أربعين بدلا قيل وكيف وأنت شخص واحد قال لأني رأيت أربعين بدلا وأخذت من كل بدل خلقا من أخلاقه وقيل له بلغنا أنك ترى الخضر عليه السلام فتبسم وقال ليس العجب ممن يرى الخضر ولكن العجب ممن يريد الخضر أن يراه فيحتجب عنه وحكي عن الخضر عليه السلام أنه قال ما حدثت نفسي يوما قط أنه لم يبق ولي لله تعالى إلا عرفته إلا ورأيت في ذلك اليوم وليا لم أعرفه وقيل لأبي يزيد البسطامي مرة حدثنا عن مشاهدتك من الله تعالى فصاح ثم قال ويلكم لا يصلح لكم أن تعلموا ذلك قيل فحدثنا بأشد مجاهدتك لنفسك في الله تعالى فقال وهذا أيضا لا يجوز أن أطلعكم عليه قيل فحدثنا عن رياضة نفسك في بدايتك فقال نعم دعوت نفسي إلى الله فجمحت علي فعزمت عليها أن لا أشرب الماء سنة ولا أذوق النوم سنة فوفت لي بذلك ويحكى عن يحيى بن معاذ أنه رأى أبا يزيد في بعض مشاهداته من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر مستوفزا على صدور قدميه رافعا أخمصيه مع عقبيه عن الأرض ضاربا بذقنه على صدره شاخصا بعينيه لايطرف قال ثم سجد عند السحر فأطاله ثم قعد فقال اللهم إن قوما طلبوك فأعطيتهم الشىء على الماء والمشي في الهواء فرضوا بذلك وإني أعوذ بك من ذلك وإن قوما طلبوك فأعطيتهم طى الأرض فرضوا بذل وإني أعوذ بك من ذلك وإن قوما طلبوك فأعطيتهم كنوز الأرض فرضوا بذلك وإني أعوذ بك من ذلك حتى عد نيفا وعشرين مقاما من كرامات الأولياء ثم التفت فرآني فقال يحيى قلت نعم يا سيدي فقال منذ متى أنت ههنا قلت منذ حين فسكت فقلت يا سيدي حدثني بشيء فقال أحدثك بما يصلح لك أدخلني في الفلك الأسفل فدورني في الملكوت السفلى وأراني الأرضين وما تحتها إلى الثرى ثم أدخلني في الفلك العلوي فطوف بي في السموات وأراني ما فيها من الجنان إلى العرش أوقفني بين يديه فقال سلني أي شيء رأيت حتى أهبه لك فقلت يا سيدي ما رأيت شيئا استحسنته فأسألك إياه فقالأنت عبدي حقا تعبدني لأجلي صدقا لأفعلن بك ولأفعلن فذكر أشياء
قال يحيى فهالني ذلك وامتلأت به وعجبت منه فقلت ياسيدى لم لا سألته المعرفة به وقد قال لك ملك الملوك سلني ما شئت قال فصاح بي صيحة وقال اسكت ويلك عرت عليه مني حتى لا أحب أن يعرفه سواه وحكي أن أبا تراب التخشبي كان معجبا ببعض المريدين فكان يدنيه ويقوم بمصالحه والمريد مشغول بعبادته ومواجدته فقال له أبو تراب يوما لو رأيت أبا يزيد فقال إني عنه مشغول فلما أكثر عليه أبو تراب من قوله لو رأيت أبا يزيد هاج وجد المريد فقال ويحك ما أصنع بأبي يزيد قد رأيت الله تعالى فأغناني عن أبي يزيد قال أبو تراب فهاج طبعي ولم أملك نفسي فقلت ويلك تغتر بالله عز وجل لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة قال فبهت الفتى من قوله وأنكره فقال وكيف ذلك قال له ويلك أما ترى الله تعالى عندك فيظهر لك على مقدارك وترى أبا يزيد عند الله قد ظهر له على مقداره فعرف ما قلت فقال احملني إليه فذكر قصة قال في آخرها فوقفنا على تل تنتظره ليخرج إلينا من الغيضة وكان يأوي إلى غيضة فيها سباع قال فمر بنا وقد قلب فروة على ظهره فقلت للفتى هذا أبو يزيد فانظر إليه فنظر إليه الفتى فصعق فحركناه فإذا هو ميت فتعاونا على دفنه فقلت لأبي يزيد يا سيدي نظره إليك قتله قال لا ولكن كان صاحبكم صادقا واستكن في قلبه سر لم ينكشف له بوصفه فلما رآنا انكشف له سر قلبه فضاق عن حمله لأنه في مقام الضعفاء المريدين فقتله ذلك ولما دخل الزنج البصرة فقتلوا الأنفس ونهبوا الأموال اجتمع إلى سهل إخوانه فقالوا لو سألت الله تعالى دفعهم فسكت ثم قال إن لله عبادا في هذه البلدة لو دعوا على الظالمين لم يصبح على وجه الأرض ظالم إلا مات في ليلة واحدة ولكن لا يفعلون قيل لم قال لأنهم لا يحبون ما لا يحب ثم ذكر من إجابة الله تعالى أشياء لا يستطاع ذكرها حتى قال ولو سألوه أن لا يقيم الساعة لم يقمها وهذه أمور ممكنة في أنفسها فمن لم يحظ بشيء منها فلا ينبغي أن يخلو عن التصديق والإيمان بإمكانها فإن القدرة واسعة والفضل عميم وعجائب الملك والملكوت كثيرة ومقدورات الله تعالى لا نهاية لها وفضله على عباده الذين اصطفى لا غاية له ولذلك كان أبو يزيد يقول إن أعطاك مناجاة موسى وروحانية عيسى وخلة إبراهيم فاطلب ما وراء ذلك فإن عنده فوق ذلك أضعافا مضاعفة فإن سكنت إلى ذلك حجبك به وهذا بلاء مثلهم ومن هو في مثل حالهم لأنهم الأمثل فالأمثل وقد قال بعض العارفين كوشفت بأربعين حوراء رأيتهن يتساعين في الهواء عليهن ثياب من ذهب وفضة وجوهر يتخشخش ويتثنى معهن فنظرت إليهن نظرة فعوقبت أربعين يوما ثم كوشفت بعد ذلك بثمانين حوراء فوقهن في الحسن والجمال وقيل لي انظر إليهن قال فسجدت وغمضت عيني في سجودي لئلا أنظر إليهن وقلت أعوذ بك مما سواك لا حاجة لي بهذا فلم أزل أتضرع حتى صرفهن الله عني فأمثال هذه المكاشفات لا ينبغي أن ينكرها المؤمن لإفلاسه عن مثلها فلو لم يؤمن كل واحد إلا بما يشاهده من نفسه المظلمة وقلبه القاسي لضاق مجال الإيمان عليه بل هذه أحوال تظهر بعد مجاوزة عقبات ونيل مقامات كثيرة أدناها الإخلاص وإخراج حظوظ النفس وملاحظة الخلق عن جميع الأعمال ظاهرا وباطنا ثم مكاتمة ذلك عن الخلق بستر الحال حتى يبقى متحصنا بحصن الخمول فهذه أوائل سلوكهم وأقل مقاماتهم وهي أعز موجود في الأتقياء من الناس
وبعد تصفية القلب عن كورة الالتفات إلى الخلق يفيض عليه نور اليقين وينكشف له مبادي الحق وإنكار ذلك دون التجربة وسلوك الطريق يجري مجرى إنكار من أنكر إمكان انكشاف الصورة في الحديدة إذا شكلت ونقيت وصقلت وصورت بصورة المرأة فنظر المنكر إلى ما في يده من زبرة حديد مظلم قد استولى عليه الصدأ والخبث وهو لا يحكي صورة من الصور فأنكر إمكان انكشاف المرئي فيها عند ظهور جوهرها وإنكار ذلك غاية الجهل والضلال فهذا حكم كل من أنكر كرامات الأولياء إذ لا مستند له إلا قصوره عن ذلك وقصور من رآه وبئس المستند ذلك في إنكار قدرة الله تعالى بل إنما يشم روائح المكاشفة من سلك شيئا ولو من مبادي الطريق كما قيل لبشر بأي شيء بلغت هذه المنزلة قال كنت أكاتم الله تعالى حالي معناه أسأله أن يكتم على ويخفي أمري وروي أنه رأى الخضر عليه السلام فقال له ادع الله تعالى لي فقال يسر الله عليك طاعته قلت زدني قال وسترها عليك فقيل معناه سترها عن الخلق وقيل معناه سترها عنك حتى لا تلتفت أنت إليها وعن بعضهم أنه قال أقلقني الشوق إلى الخضر عليه السلام فسألت الله تعالى مرة أن يريني إياه ليعلمني شيئا كان أهم الأشياء علي قال فرأيته فما غلب علي همي ولا همتي إلا أن قلت له يا أبا العباس علمني شيئا إذا قلته حجبت عن قلوب الخليقة فلم يكن لي فيها قدر ولا يعرفني أحد بصلاح ولا ديانة فقال قل اللهم أسبل علي كثيف سترك وحط علي سرادقات حجبك واجعلني في مكنون غيبك واحجبني عن قلوب خلقك قال ثم غاب فلم أره ولم أشتق إليه بعد ذلك فما زلت أقول هذه الكلمات في كل يوم فحكي أنه صار بحيث كان يستذل ويمتهن حتى كان أهل الذمة يسخرون منه ويستسخرونه في الطرق يحمل الأشياء لهم لسقوطه عندهم وكان الصبيان يلعبون به فكانت راحته ركود قلبه واستقامة حاله في ذله وخموله فهكذا حال أولياء الله تعالى ففي أمثال هؤلاء ينبغي أن يطلبوا والمغرورون إنما يطلبونهم تحت المرقعات والطيالسة وفي المشهورين بين الخلق بالعلم والورع والرياسة وغيرة الله تعالى على أوليائه تأبى إلا إخفاءهم كما قال تعالى أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري وقال صلى الله عليه وسلم رب أشعث أغبر ذى طمرين لايؤبه له لو أقسم على الله لأبره وبالجملة فأبعد القلوب عن مشام هذه المعاني القلوب المتكبرة المعجبة بأنفسها المستبشرة بعملها وعلمها وأقرب القلوب إليها القلوب المنكسرة المستشعرة ذل نفسها استشعارا إذا ذل واهتضم لم يحس بالذل كما لا يحس العبد بالذل مهما ترفع عليه مولاه فإذا لم يحس بالذل ولم يشعر أيضا بعدم التفاته إلى الذل بل كان عند نفسه أخس منزلة من أن يرى جميع أنواع الذل ذلا في حقه بل يرى نفسه دون ذلك حتى صار التواضع بالطبع صفة ذاته فمثل هذا القلب يرجى له أن يستنشق مبادئ هذه الروائح فإن فقدنا مثل هذا القلب وحرمنا مثل هذا الروح فلا ينبغي أن يطرح الإيمان بإمكان ذلك لأهله فمن لا يقدر أن يكون من أولياء الله فليكن محبا لأولياء الله مؤمنا بهم فعسى أن يحشر مع من أحب ويشهد لهذا ما روي أن عيسى عليه السلام قال لبني إسرائيل أين ينبت الزرع قالوا في التراب فقال بحق أقول لكم لا تنبت الحكمة إلا في قلب مثل التراب ولقد انتهى المريدون لولاية الله تعالى في طلب شروطها بإذلال النفس إلى منتهى الضعة والخسة حتى روي أن ابن الكريبي وهو أستاذ الجنيد دعاه رجل إلى طعام ثلاث مرات ثم كان يرده ثم يستدعيه فيرجع إليه بعد ذلك حتى أدخله في المرة الرابعة فسأله عن ذلك فقال قد رضت نفسي على الذل عشرين سنة حتى صارت بمنزلة الكلب يطرد فينطرد ثم يدعى فيرمى له عظم فيعود ولو رددتني خمسين مرة ثم دعوتني بعد ذلك لأجبت
وعنه ايضا أنه قال نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح فتشتت علي قلبي فدخلت الحمام وعدلت إلى ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها ثم لبست مرقعتي فوقها وخرجت وجعلت أمشي قليلا قليلا فلحقوني فنزعوا مرقعتي وأخذوا الثياب وصفعوني وأوجعوني ضربا فصرت بعد ذلك أعرف بلص الحمام فسكنت نفسي فهكذا كانوا يروضون أنفسهم حتى يخلصهم الله من النظر إلى الخلق ثم من النظر إلى النفس فإن الملتفت إلى نفسه محجوب عن الله تعالى وشغله بنفسه حجاب له فليس بين القلب وبين الله حجاب بعد وتخلل حائل وإنما بعد القلوب شغلها بغيره أو بنفسه وأعظم الحجب شغل النفس ولذلك حكي أن شاهدا عظيم القدر من أعيان أهل بسطام كان لا يفارق مجلس أبي يزيد فقال له يوما أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر لاأفطر وأقوم الليل لا أنام ولا أجد في قلبي من هذا العلم الذي تذكر شيئا وأنا أصدق به وأحبه فقال أبو يزيد ولو صمت ثلثمائة سنة وقمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة قال ولم قال لأنك محجوب بنفسك قال فلهذا دواء قال نعم قال قل لي حتى أعمله قال لا تقبله قال فاذكره لي حتى أعمل قال اذهب الساعة إلى المزين فاحلق رأسك ولحيتك وانزع هذا اللباس واتزر بعباءة وعلق في عنقك مخلاة مملوءة جوزا واجمع الصبيان حولك وقل كل من صفعني صفعة أعطيته جوزة وادخل السوق وطف الأسواق كلها عند الشهود وعند من يعرفك وأنت على ذلك فقال الرجل سبحان الله تقول لي مثل هذا فقال أبو يزيد قولك سبحان الله شرك قال وكيف قال لأنك عظمت نفسك فسبحتها وما سبحت ربك فقال هذا لا أفعله ولكن دلني على غيره فقال ابتدئ بهذا قبل كل شيء فقال لا أطيقه قال قد قلت لك إنك لا تقبل فهذا الذي ذكره أبو يزيد هو دواء من اعتل بنظره إلى نفسه ومرض بنظر الناس إليه ولا ينجي من هذا المرض دواء سوى هذا وأمثاله فمن لا يطيق الدواء فلا ينبغي أن ينكر إمكان الشفاء في حق من داوى نفسه بعد المرض أو لم يمرض بمثل هذا المرض أصلا فأقل درجات الصحة الإيمان بإمكانها فويل لمن حرم هذا القدر القليل أيضا وهذه أمور جلية في الشرع واضحة وهي مع ذلك مستبعدة عند من يعد نفسه من علماء الشرع فقد قال صلى الله عليه وسلم لا يستكمل العبد الإيمان حتى تكون قلة الشيء أحب إليه من كثرته وحتى يكون أن لا يعرف أحب من أن يعرف وقد قال عليه السلام ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه لا يخاف في الله لومة لائم ولا يرائي بشيء من عمله وإذا عرض عليه أمران أحدهما للدنيا والآخر للآخرة آثر أمر الآخرة على الدنيا وقال عليه السلام لا يكمل إيمان عبد حتى يكون فيه ثلاث خصال إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق وإذا رضاه لم يدخله رضاء في باطل وإذا قدر لم يتناول ما ليس له وفي حديث آخر ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود العدل في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر وخشية الله في السر والعلانية فهذه شروط ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأولى الإيمان فالعجب ممن يدعي علم الدين ولا يصادف في نفسه ذرة من هذه الشروط ثم يكون نصيبه من علمه وعقله أن يجحد مالا يكون إلا بعد مجاوزة مقامات عظيمة علية وراء الإيمان وفي الأخبار أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه إنما اتخذ لخلتي من لا يفتر عن ذكري ولا يكون له هم غيري ولا يؤثر علي شيئا من خلقي وإن حرق بالنار لم يجد لحرق النار وجعا وإن قطع بالمناشير لم يجد لمس الحديد ألما فمن لم يبلغ إلى أن يغلبه الحب إلى هذا الحد فمن أين يعرف ما وراء الحب من الكرامات والمكاشفات وكل ذلك وراء الحب والحب وراء كمال الإيمان ومقامات الإيمان وتفاوته في الزيادة والنقصان لا حصر له
ولذلك قال عليه السلام للصديق رضي الله تعالى عنه إن الله تعالى قد أعطاك مثل إيمان كل من آمن بي من أمتي وأعطاني مثل إيمان كل من آمن به من ولد آدم وفي حديث آخر إن لله تعالى ثلثمائة خلق من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل الجنة فقال أبو بكر يا رسول الله هل في منها خلق فقال كلها فيك يا أبا بكر وحبها إلى الله تعالى السخاء وقال عليه السلام رأيت ميزانا دلي من السماء فوضعت في كفة ووضعت أمتي في كفة فرجحت بهم ووضع أبو بكر في كفة وجيء بأمتي فوضعت في كفة فرجح بهم ومع هذا كله فقد كان استغراق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله تعالى بحيث لم يتسع قلبه للخلة مع غيره فقال لو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله تعالى يعني نفسه خاتمة الكتاب بكلمات متفرقة تتعلق بالمحبة ينتفع بها قال سفيان المحبة إتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال غيره دوام الذكر وقال غيره إيثار المحبوب وقال بعضهم كراهية البقاء في الدنيا وهذا كله إشارة إلى ثمرات المحبة فأما نفس المحبة فلم يتعرضوا لها وقال بعضهم المحبة معنى من المحبوب قاهر للقلوب عن إدراكه وتمتنع الألسن عن عبارته وقال الجنيد حرم الله تعالى المحبة على صاحب العلاقة وقال كل محبة تكون بعوض فإذا زال العوض زالت المحبة وقال ذو النون قل لمن أظهر حب الله احذر أن تذل لغير الله وقيل للشبلي رحمه الله صف لنا العارف والمحب فقال العارف إن تكلم هلك والمحب إن سكت هلك وقال الشبلي رحمه الله يا أيها السيد الكريم ... حبك بين الحشا مقيم يا رافع النوم عن جفوني ... أنت بما مر بي عليم عجبت لمن يقول ذكرت إلفي ... وهل أنسى فأذكر ما نسيت أموت إذا ذكرتك ثم أحيا ... ولولا حسن ظني ما حييت فأحيا بالمنى وأموت شوقا ... فكم أحيا عليك وكم أموت شربت الحب كأسا بعد كأس ... فما نفد الشرب وما رويت فليت خياله نصب لعيني ... فإن قصرت في نظري عميت وقالت رابعة العدوية يوما من يدلنا على حبيبنا فقالت خادمة لها حبيبنا معنا ولكن الدنيا قطعتنا عنه وقال ابن الجلاء رحمه الله تعالى أوحى الله إلى عيسى عليه السلام إني إذا اطلعت على سر عبد فلم أجد فيه حب الدنيا والآخرة ملأته من حبي وتوليته بحفظي وقيل تكلم سمنون يوما في المحبة فإذا بطائر نزل بين يديه فلم يزل ينقر بمنقاره الأرض حتى سال الدم منه فمات وقال إبراهيم بن أدهم إلهي إنك تعلم أن الجنة لا تزن عندي جناح بعوضة في جنب ما أكرمتني من محبتك وآنستني بذكرك وفرغتني للتفكر في عظمتك وقال السري رحمه الله من أحب الله عاش ومن مال إلى الدنيا طاش والأحمق يغدو ويروح في لاش والعاقل عن عيوبه فتاش وقيل لرابعة كيف حبك للرسول صلى الله عليه وسلم فقالت والله إني لأحبه حبا شديدا ولكن حب الخالق شغلني عن حب المخلوقين وسئل عليه السلام عن أفضل الأعمال فقال الرضا عن الله تعالى والحب له وقال أبو يزيد المحب لايحب الدنيا ولا الآخرة إنما يحب من مولاه مولاه وقال الشبلي الحب دهش في لذة وحيرة في تعظيم وقيل المحبة أن تمحو أثرك عنك حتى لا يبقى فيك شيء راجع منك إليك وقيل المحبة قرب القلب من المحبوب بالاستبشار والفرح وقال الحواص المحبة محو الإرادات واحتراق الصفات والحاجات وسئل سهل عن المحبة فقال عطف الله بقلب عبده لمشاهدته بعد الفهم للمراد منه
وقيل معاملة المحب على أربع منازل على المحبة والهيبة والحياء والتعظيم وأفضلها التعظيم والمحبة لأنهاتين المنزلتين تبقيان مع أهل الجنة في الجنة ويرفع عنهم غيرهما وقال هرم بن حبان المؤمن إذا عرف ربه عز وجل أحبه وإذا أحبه أقبل عليه وإذا وجد حلاوة الإقبال عليه لم ينظر إلى الدنيا بعين الشهوة ولم ينظر إلى الآخرة بعين الفترة وهي تحسره في الدنيا وتروحه في الآخرة وقال عبد الله بن محمد سمعت امرأة من المتعبدات تقول وهي باكية والدموع على خدها جارية والله لقد سئمت من الحياة حتى لو وجدت الموت يباع لاشتريته شوقا إلى الله تعالى وحبا للقائه قال فقلت لها فعلى ثقة أنت من عملك قالت لا ولكن لحبي إياه وحسن ظني به أفتراه يعذبني وأنا أحبه وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم لماتوا شوقا إلي وتقطعت أوصالهم من محبتي يا داود هذه إرادتي في المدبرين علي فكيف إرادتي في المقبلين علي يا داود أحوج ما يكون العبد إلي إذا استغنى عني وأرحم ما أكون بعبدي إذا أدبر عني وأجل ما يكون عبدي إذا رجع إلي وقال أبو خالد الصفار لقي نبي من الأنبياء عابدا فقال له إنكم معاشر العباد تعملون على أمر لسنا معشر الأنبياء نعمل عليه أنتم تعملون على الخوف والرجاء ونحن نعمل على المحبة والشوق وقال الشبلي رحمه الله أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام يا داود ذكري للذاكرين وجنتي للمطيعين وزيارتي للمشتاقين وأنا خاصة للمحبين وأوحى الله تعالى إلى آدم عليه السلام يا آدم من أحب حبيبا صدق قوله من أنس بحبيبه رضي فعله ومن اشتاق إليه جد في مسيره وكان الخواص رحمه الله يضرب على صدره ويقول واشوقاه لمن يراني ولا أراه وقال الجنيد رحمه الله بكى يونس عليه السلام حتى عمي وقام حتى انحنى وصلى حتى أقعد وقال وعزتك وجلالك لو كان بيني وبينك بحر من نار لخضته إليك شوقا مني إليك وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سنته فقال المعرفة رأس مالي والعقل أصل ديني والحب أساسي والشوق مركبي وذكر الله أنيسي والثقة كنزي والحزن رفيقي والعلم سلاحي والصبر ردائي والرضا غنيمتي والعجز فخري والزهد حرفتي واليقين قوتي والصدق شفيعي والطاعة حبي والجهاد خلقي وقرة عيني في الصلاة وقال ذو النون سبحان من جعل الأرواح جنود مجندة فأرواح العارفين جلالية قدسية فلذلك اشتاقوا إلى الله تعالى وأرواح المؤمنين روحانية فلذلك حنوا إلى الجنة وأرواح الغافلين هوائية فلذلك مالوا إلى الدنيا وقال بعض المشايخ رأيت في جبل اللكام رجلا أسمر اللون ضعيف البدن وهو يقفز من حجر إلى حجر ويقول الشوق والهوى ... صيراني كما ترى ويقال الشوق نار الله أشعلها في قلوب أوليائه حتى يحرق بها ما في قلوبهم من الخواطر والإرادات والعوارض والحاجات فهذا القدر كاف في شرح المحبة والأنس والشوق والرضا فلنقتصر عليه والله الموفق للصواب تم كتاب المحبة والشوق والأنس يتلوه كتاب النية والإخلاص والصدق كتاب النية والإخلاص والصدق وهو الكتاب السابع من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم نحمد الله حمد الشاكرين ونؤمن به إيمان الموقنين ونقر بوحدانيته إقرار الصادقين ونشهد أن لا إله إلا الله رب العالمين وخالق السموات والأرضين ومكلف الجن والإنس والملائكة المقربين أن يعبدوه عبادة المخلصين فقال تعالى {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} فما لله إلا الدين الخالص المتين فإنه أغنى الأغنياء عن شركة المشاركين والصلاة على نبيه محمد سيد المرسلين وعلى جميع النبيين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين أما بعد فقد انكشف لأرباب القلوب ببصيرة الإيمان وأنوار القرآن أن لا وصول إلى السعادة إلا بالعلم والعبادة فالناس كلهم هلكى إلا العالمون والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون والمخلصون على خطر عظيم
فالعمل بغير نية عناء والنية بغير إخلاص رياء وهو للنفاق كفاء ومع العصيان سواء والإخلاص من غير صدق وتحقيق هباء وقد قال الله تعالى في كل عمل كان بإرادة غير الله مشوبا مغمورا {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} وليت شعري كيف يصحح نيته من لا يعرف حقيقة النية أو كيف يخلص من صحح النية إذا لم يعرف حقيقة الإخلاص أو كيف تطالب المخلص نفسه بالصدق إذا لم يتحقق معناه فالوظيفة الأولى على كل عبد أراد طاعة الله تعالى أن يتعلم النية أولا لتحصل المعرفة ثم يصححها بالعمل بعد فهم حقيقة الصدق والإخلاص اللذين هما وسيلتنا العبد إلى النجاة والخلاص ونحن نذكر معاني الصدق والإخلاص في ثلاثة أبواب الباب الأول في حقيقة النية ومعناها الباب الثاني في الإخلاص وحقائقه والباب الثالث في الصدق وحقيقته الباب الأول في حقيقة النية ومعناها وفيه بيان فضيلة النية و بيان حقيقة النية وبيان كون النية خيرا من العمل وبيان تفضيل الأعمال المتعلقة بالنفس وبيان خروج النية عن الاختيار بيان فضيلة النية قال الله تعالى {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} والمراد بتلك الإرادة هي النية وقال صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه وقال صلى الله عليه وسلم أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته وقال تعالى {إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} فجعل النية سبب التوفيق وقال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم وإنما نظر إلى القلوب لأنها مظنة النية وقال صلى الله عليه وسلم إن العبد ليعمل أعمالا حسنة فتصعد الملائكة في صحف مختمة فتلقى بين يدي الله تعالى فيقول ألقوا هذه الصحيفة فإنه لم يرد بما فيها وجهي ثم ينادي الملائكة اكتبوا له كذا وكذا اكتبوا له كذا وكذا فيقولون يا ربنا إنه لم يعمل شيئا من ذلك فيقول الله تعالى إنه نواه وقال صلى الله عليه وسلم الناس أربعة رجل أتاه الله عز وجل علما ومالا فهو يعمل بعلمه في ماله فيقول رجل لو آتاني الله تعالى مثل ما آتاه لعملت كما يعمل فهما في الأجر سواء ورجل آتاه الله تعالى مالا ولم يؤته علما فهو يتخبط بجهله في ماله فيقول رجل لو آتاني الله مثل ما آتاه عملت كما يعمل فهما في الوزر سواء ألا ترى كيف شركه بالنية في محاسن عمله ومساويه وكذلك في حديث أنس بن مالك لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قال إن بالمدينة أقواما ما قطعنا واديا ولا وطئنا موطئا يغيظ الكفار ولا أنفقنا نفقة ولا أصابتنا مخمصة إلا شركونا في ذلك وهم بالمدينة قالوا وكيف ذلك يا رسول الله وليسوا معنا قال حبسهم العذر فشركوا بحسن النية وفي حديث ابن مسعود من هاجر يبتغي شيئا فهو له فهاجر رجل فتزوج امرأة منا فكان يسمى مهاجر أم قيس وكذلك جاء في الخبر إن رجلا قتل في سبيل الله وكان يدعى قتيل الحمار لأنه قاتل رجلا ليأخذ سلبه وحماره فقتل على ذلك فأضيف إلى نيته
وفي حديث عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم من غزا وهو لا ينوي إلا عقالا فله ما نوى وقال أبي استعنت رجلا يغزو معي فقال لا حتى تجعل لي جعلا فجعلت له فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال ليس له من دنياه وآخرته إلا ما جعلت له وروي في الإسرائيليات أن رجلا مر بكثبان من رمل في مجاعة فقال في نفسه لو كان هذا الرمل طعاما لقسمته بين الناس فأوحى الله تعالى إلى نبيهم أن قل له إن الله تعالى قبل صدقتك وقد شكر حسن نيتك وأعطاك ثواب مالو كان طعاما فتصدقت به وقد ورد في أخبار كثيرة من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة وفي حديث عبد الله بن عمرو من كانت الدنيا نيته جعل الله فقره بين عينيه وفارقها أرغب ما يكون فيها ومن تكن الآخرة نيته جعل الله تعالى غناه في قلبه وجمع عليه ضيعته وفارقها أزهد ما يكون فيها وفي حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر جيشا يخسف بهم البيداء فقلت يا رسول الله يكون فيهم المكره والأجير فقال يحشرون على نياتهم وقال عمر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنما يقتتل المقتتلون على النيات أخرجه ابن أبى الدنيا في كتاب الإخلاص والنية من حديث عمر بإسناد ضعيف بلفظ إنما يبعث ورويناه في فوائد تمام بلفظ إنما يبعث المسلمون على النيات ولابن ماجه من حديث أبى هريرة إنما يبعث الناس على نياتهم وفيه ليث بن أبى سليم مختلف فيه وقال عليه السلام إذا التقى الصفان نزلت الملائكة تكتب الخلق على مراتبهم فلان يقاتل للدنيا فلان يقاتل حمية فلان يقاتل عصيبة ألا فلا تقولوا فلان قتل في سبيل الله فمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله هي العليا فهو في سبيل الله وعن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يبعث كل عبد على ما مات عليه وفي حديث الأحنف عن أبي بكرة إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال لأنه أراد قتل صاحبه وفي حديث أبي هريرة من تزوج امرأة على صداق وهو لا ينوي أداءه فهو زان ومن ادان دينا وهو لا ينوي قضاءه فهو سارق وقال صلى الله عليه وسلم من تطيب لله تعالى جاء يوم القيامة وريحه أطيب من المسك ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة وأما الآثار فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أفضل الأعمال أداء ما افترض الله تعالى والورع عما حرم الله تعالى وصدق النية فيما عند الله تعالى وكتب سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز اعلم أن عون الله تعالى للعبد على قدر النية فمن تمت نيته تم عون الله له وإن نقصت نقص بقدره وقال بعض السلف رب عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبير تصغره النية وقال داود الطائي البر همته التقوى فلو تعلقت جميع جوارحه بالدنيا لردته نيته يوما إلى نية صالحة وكذلك الجاهل بعكس ذلك وقال الثوري كانوا يتعلمون النية للعمل كما تتعلمون العمل وقال بعض العلماء اطلب النية للعمل قبل العمل وما دمت تنوي الخير فأنت بخير وكان بعض المريدين يطوف على العلماء يقول من يدلني على عمل لا أزال فيه عاملا لله تعالى فإني لا أحب أن يأتي علي ساعة من ليل أو نهار إلا وأنا عامل من عمال الله فقيل له قد وجدت حاجتك فاعمل الخير ما استطعت فإذا فترت أو تركته فهم بعمله فإن الهام بعمل الخير كعامله وكذلك قال بعض السلف وإن نعمة الله عليكم أكثر من أن تحصوها وإن ذنوبكم أخفى من أن تعلموها ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين يغفر لكم ما بين ذلك وقال عيسى عليه السلام طوبى لعين نامت ولا تهم بمعصية وانتبهت إلى غير إثم
وقال أبو هريرة يبعثون يوم القيامة على قدر نياتهم وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} يبكي ويرددها ويقول إنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وقال الحسن إنما خلد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار بالنيات وقال أبو هريرة مكتوب في التوراة ما أريد به وجهي فقليله كثير وما أريد به غيري فكثيره قليل وقال بلال بن سعد إن العبد ليقول قول مؤمن فلا يدعه الله عز وجل وقوله حتى ينظر في عمله فإذا عمل لم يدعه الله حتى ينظر في ورعه فإن تورع لم يدعه حتى ينظر ماذا نوى فإن صلحت نيته فبالحري أن يصلح ما دون ذلك فإذن عماد الأعمال بالنيات فالعمل مفتقر إلى النية ليصير بها خيرا والنية في نفسها خير وإن تعذر العمل بعائق بيان حقيقة النية اعلم أن النية والإرادة والقصد عبارات على متوارده معنى واحد وهو حالة وصفة للقلب يكتنفها أمران علم وعمل {العلم} يقدمه لأنه أصله وشرطه {والعمل} يتبعه لأنه ثمرته وفرعه وذلك لأن كل عمل أعني كل حركة وسكون اختياري فإنه لا يتم إلا بثلاثة أمور علم وإرادة وقدرة لأنه لا يريد الإنسان مالا يعلمه فلابد وأن يعلم ولا يعمل ما لم يرد فلا بد من إرادة ومعنى الإرادة انبعاث القلب إلى ما يراه موافقا للغرض إما في الحال أو في المآل فقد خلق الإنسان بحيث يوافقه بعض الأمور ويلائم غرضه ويخالفه بعض الأمور فيحتاج إلى جلب الملائم الموافق إلى نفسه ودفع الضار المنافي عن نفسه فافتقر بالضرورة إلى معرفة وإدراك للشيء المضر والنافع حتى يجلب هذا ويهرب من هذا فإن من لا يبصر الغذاء ولا يعرفه لا يمكنه أن بتناول ومن لا يبصر النار لا يمكنه الهرب منها فخلق الله الهداية والمعرفة وجعل لها أسبابا وهي الحواس الظاهرة والباطنة وليس ذلك من غرضنا ثم لو أبصر الغذاء وعرف أنه موافق له فلا يكفيه ذلك للتناول ما لم يكن فيه ميل إليه ورغبة فيه وشهوة له باعثة عليه إذا المريض يرى الغذاء ويعلم أنه موافق ولا يمكنه التناول لعدم الرغبة والميل ولفقد الداعية المحركة إليه فخلق الله تعالى له الميل والرغبة والإرادة وأعني به نزوعا في نفسه إليه وتوجها في قلبه إليه ثم ذلك لايكفيه فكم من مشاهد طعاما راغب فيه مريد تناوله عاجز عنه لكونه زمنا فخلقت له القدرة والأعضاء المتحركة حتى يتم به التناول والعضو لا يتحرك إلا بالقدرة والقدرة تنتظر الداعية الباعثة والداعية تنتظر العلم والمعرفة أو الظن والاعتقاد وهو أن يقوى في نفسه كون الشيء موافقا له فإذا جزمت المعرفة بأن الشيء موافق ولا بد وأن يفعل وسمت عن معارضة باعث آخر صارف عنه انبعثت الإرادة وتحقق الميل فإذا انبعثت الإرادة انتهضت القدرة لتحريك الأعضاء لأن القدرة خادمة للإردة والإرادة تابعة لحكم الاعتقاد والمعرفة فالنية عبارة عن الصفة المتوسطة وهي الإرادة وانبعاث النفس بحكم الرغبة والميل إلى ما هو موافق للغرض إما في الحال وإما في المآل فالمحرك الأول هو الغرض المطلوب وهو الباعث والغرض الباعث هو المقصد المنوي والانبعاث هو القصد والنية وانتهاض القدرة لخدمة الإرادة بتحريك الأعضاء هو العمل إلا أن انتهاض القدرة للعمل قد يكون بباعث واحد وقد يكون بباعثين اجتمعا في فعل واحد وإذا كان بباعثين فقد يكون كل واحد بحيث لو انفرد لكان مليا بإنهاض القدرة وقد يكون كل واحد قاصرا عنه إلا بالاجتماع وقد يكون أحدهما كافيا لولا الآخر لكن الآخر انتهض عاضدا له ومعاونا فيخرج من هذا القسم أربعة أقسام فلنذكر لكل واحد مثالا واسما
أما الأول فهو أن ينفرد الباعث الواحد يتجرد كما إذا هجم على الإنسان سبع فكلما رآه قام من موضعه فلا مزعج له إلا غرض الهرب من السبع فإنه رأى السبع وعرفه ضارا فانبعثت نفسه إلى الهرب ورغبت فيه فانتهضت القدرة عاملة بمقتضى الانبعاث فيقال نيته للفرار من السبع لا نية له في القيام لغيره وهذه النية تسمى خالصة ويسمى العمل بموجبها إخلاصا بالإضافة إلى الغرض الباعث ومعناه أنه خلص عن مشاركة غيره وممازجته وأما الثاني فهو أن يجتمع باعثان كل واحد مستقل بالإنهاض لو انفرد ومثاله من المحسوس أن يتعاون رجلان على حمل شيء بمقدار من القوة كان كافيا في الحمل لو انفرد ومثاله في غرضنا أن يسأله قريبه الفقير حاجة فيقضيها لفقره وقرابته وعلم أنه لولا فقره لكان يقضيها بمجرد القرابة وأنه لولا قرابته لكان يقضيها بمجرد القرابة وأنه لولا قرابته لكان يقضيها بمجرد الفقر وعلم ذلك من نفسه بأنه يحضره قريب غني فيرغب في قضاء حاجته وفقير أجنبي فيرغب أيضا فيه وكذلك من أمره الطبيب بترك الطعام ودخل عليه يوم عرفة فصام وهو يعلم أنه لو لم يكن يوم عرفة لكان يترك الطعام حمية ولولا الحمية لكان يتركه لأجل أنه يوم عرفة وقد اجتمعا جميعا فأقدم على الفعل وكان الباعث الثاني رفيق الأول فلنسم هذا مرافقة للبواعث والثالث أن لا يستقل كل واحد لو انفرد ولكل قوى مجموعهما على إنهاض القدرة ومثاله في المحسوس أن يتعاون ضعيفان على حمل مالا ينفرد أحدهما به ومثاله في غرضنا أن يقصده قريبه الغني فيطلب درهما فلا يعطيه ويقصده الأجنبي الفقير فيطلب درهما فلا يعطيه ثم يقصده القريب الفقير فيعطيه فيكون انبعاث داعيته المجموع الباعثين وهو القرابة والفقر وكذلك الرجل يتصدق بين يدي الناس لغرض الثواب ولغرض الثناء ويكون بحيث لو كان منفردا لكان لا يبعثه مجرد قصد الثواب على العطاء ولو كان الطالب فاسقا لا ثواب في التصدق عليه لكان لا يبعثه مجرد الرياء على العطاء ولو اجتمعا أورثا بمجموعهما تحريك القلب ولنسم هذا الجنس مشاركة والرابع أن يكون أحد الباعثين مستقلا لو انفرد بنفسه والثاني لا يستقل ولكن لما انضاف إليه لم ينفك عن تأثير بالإعانة والتسهيل ومثاله في المحسوس أن يعاون الضعيف الرجل القوي على الحمل ولو انفرد القوي لاستقل ولو انفرد الضعيف لم يستقل فإن ذلك بالجملة يسهل العمل ويؤثر في تخفيفه ومثاله في غرضنا أن يكون للإنسان ورد في الصلاة وعادة في الصدقات فاتفق أن حضر في وقتها جماعة من الناس فصار الفعل أخف علة بسبب مشاهدتهم وعلم من نفسه أنه لو كان منفردا خاليا لم يفتر عن عمله وعلم أن عمله لو لم يكن طاعة لم يكن مجرد الرياء يحمله عليه فهو شوب تطرق إلى النية ولنسم هذا الجنس المعاونة فالباعث الثانى إما أن يكون رفيقا أو شريكا أو معينا وسنذكر حكمها في باب الإخلاص والغرض الآن بيان أقسام النيات فإن العمل تابع للباعث عليه فيكتسب الحكم منه ولذلك قيل إنما الأعمال بالنيات لأنها تابعة لا حكم لها في نفسها وإنما الحكم للمتبوع بيان سر قوله صلى الله عليه وسلم نية المؤمن خير من عمله اعلم أنه قد يظن أن سبب هذا الترجيح أن النية سر لا يطلع عليه إلا الله تعالى والعمل ظاهر ولعمل السر فضل وهذا صحيح ولكن ليس هو المراد لأنه لو نوى أن يذكر الله بقلبه أو يتفكر في مصالح المسلمين فيقتضي عموم الحديث أن تكون نية التفكر خيرا من التفكر وقد يظن أن سبب الترجيح أن النية تدوم إلى آخر العمل والأعمال لا تدوم وهو ضعيف لأن ذلك يرجع معناه إلى أن العمل الكثير خير من القليل بل ليس كذلك فإن نية أعمال الصلاة قد لا تدوم إلا في لحظات معدودة والأعمال تدوم والعموم يقتضي أن تكون نيته خيرا من عمله
وقد يقال إن معناه أن النية بمجردها خير من العمل بمجرده دون النية وهو كذلك ولكنه بعيد أن يكون هو المراد إذ العمل بلا نية أو على الغفلة لا خير فيه أصلا والنية بمجردها خير وظاهر الترجيح للمشتركين في أصل الخير بل المعنى أن كل طاعة تنتظم بنية وعمل وكانت النية من جملة الخيرات وكان العمل من جملة الخيرات ولكن النية من جملة الطاعة خير من العمل أي لكل واحد منهما أثر في المقصود وأثر النية أكثر من أثر العمل فمعناه نية المؤمن من جملة طاعته خير من عمله الذي هو من جملة طاعته والغرض أن للعبد اختيارا في النية وفى العمل فمهما عملان والنية من الجملة خيرهما فهذا معناه وأما سبب كونها خيرا ومترجحة على العمل فلا يفهمه إلا من فهم مقصد الدين وطريقه ومبلغ أثر الطريق في الاتصال إلى المقصد وقاس بعض الآثار بالبعض حتى يظهر له بعد ذلك الأرجح بالإضافة إلى المقصود فمن قال الخبز خير من الفاكهة فإنما يعني به أنه خير بالإضافة إلى مقصود القوت والاغتذاء ولا يفهم ذلك إلا من فهم أن للغذاء مقصدا وهو الصحة والبقاء وأن الأغذية مختلفة الآثار فيها وفهم أثر كل واحد وقاس بعضها بالبعض فالطاعات غذاء للقلوب والمقصود شفاؤها وبقاؤها وسلامتها في الآخرة وسعادتها وتنعمها بلقاء الله تعالى فالمقصد لذة السعادة بلقاء الله فقط ولن يتنعم بلقاء الله إلا من مات محبا لله تعالى عارفا بالله ولن يحبه إلا من عرفه ولن يأنس بربه إلا من طال ذكره له فالآنس يحصل بدوام الذكر والمعرفة تحصل بدوام الفكر والمحبة تتبع المعرفة بالضرورة ولن يتفرغ القلب لدوام الذكر والفكر إلا إذا فرغ من شواغل الدنيا ولن يتفرغ من شواغلها إلا إذا انقطع عنه شهواتها حتى يصير مائلا إلى الخير مريدا له نافرا عن الشر مبغضا له وإنما يميل إلى الخيرات والطاعات إذا علم أن سعادته في الآخرة منوطة بها كما يميل العاقل إلى القصد والحجامة لعلمه بأن سلامته فيهما وإذا حصل أصل الميل بالمعرفة فإنما يقوى بالعمل بمقتضى الميل والمواظبة عليه فإن المواظبة على مقتضى صفات القلب وأرادتها بالعمل تجري مجرى الغذاء والقوت لتلك الصفة حتى تترشح الصفة وتقوى بسببها فالمائل إلى طلب العلم او طلب الرياسة لا يكون ميله في الابتداء إلا ضعيفا فإن اتبع بمقتضى الميل واشتغل بالعلم وتربية الرياسة والأعمال المطلوبة لذلك تأكيد ميله ورسخ وعسر عليه النزوع وإن خالف مقتضى ميله ضعف ميله وانكسر وربما زال والمحق بل الذي ينظر إلى وجه حسن مثلا فيميل إليه طبعا لا ضعفا لو تبعه وعمل بمقتضاه فداوم على النظر والمجالسة والمخالطة والمحاورة تأكد ميله حتى يخرج أمره عن اختياره فلا يقدر على النزوع عنه ولو فطم نفسه ابتداء وخالف مقتضى ميله لكان ذلك كقطع القوت والغذاء عن صفة الميل ويكون ذلك زبرا ودفعا في وجهه حتى يضعف وينكسر بسببه وينقمع وينمحي وهكذا جميع الصفات والخيرات والطاعات كلها هي التي تراد بها الآخرة والشرور كلها هي التي تراد بها الدنيا لا الآخرة وميل النفس إلى الخيرات الأخروية وانصرافها عن الدنيوية هو الذي يفرغها للذكر والفكر ولن يتأكد ذلك إلا بالمواظبة على أعمال الطاعة وترك المعاصي بالجوارح لأن بين الجوارح وبين القلب علاقة حتى إنه يتأثر كل واحد منهما بالآخر فترى العضو إذا أصابته جراحة تألم بها القلب وترى القلب إذا تألم بعلمه بموت عزيز من أعزته أو بهجوم أمر مخوف تأثرت به الأعضاء وارتعدت الفرائض وتغير اللون إلا أن القلب هو الأصل المتبوع فكأنه الأمير والراعي والجوارح كالخدم والرعايا والأتباع فالجوارح خادمة للقلب بتأكيد صفاتها فيه فالقلب هو المقصود والأعضاء آلات موصلة إلى المقصود ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وقال عليه الصلاة والسلام اللهم أصلح الراعي والرعية وأراد بالراعي القلب وقال الله تعالى لن ينال لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى {منكم} وهي صفة القلب
فمن هذا الوجه يجب لا محالة أن تكون أعمال القلب على الجملة أفضل من حركات الجوارح ثم يجب أن تكون النية من جملتها أفضل لأنها عبارة عن ميل القلب إلى الخير وإرادته له وغرضنا من الأعمال بالجوارح أن يعود القلب إرادة الخير ويؤكد فيه الميل إليه ليفرغ من شهوات الدنيا ويكب على الذكر والفكر فبالضرورة يكون خيرا بالإضافة إلى الغرض لأنه متمكن من نفس المقصود وهذا كما أن المعدة إذا تألمت فقد تداوى بأن يوضع الطلاء على الصدر وتداوى بالشرب والدواء الواصل إلى المعدة فالشرب خير من طلاء الصدر لأن طلاء الصدر أيضا إنما أريد به أن يسري منه الأثر إلى المعدة فما بلاقى عين المعدة فهو خير وأنفع فهكذا ينبغي أن تفهم تأثير الطاعات كلها إذ المطلوب منها تغيير القلوب وتبديل صفاتها فقط دون الجوارح فلا تظنن أن في وضع الجبهة على الأرض غرضا من حيث إنه جمع بين الجبهة والأرض بل من حيث إنه بحكم العادة يؤكد صفة التواضع في القلب فإن من يجد في نفسه تواضعا فإذا استكان بأعضائه وصورها بصورة التواضع تأكد تواضعه ومن وجد في قلبه رقة على يتيم فإذا مسح رأسه وقبله تأكد الرقة في قلبه ولهذا لم يكن العمل بغير نية مفيدا أصلا لأن من يمسح رأس يتيم وهو غافل بقلبه أو ظان أنه يمسح ثوبا لم ينتشر من أعضائه أثر إلى قلبه لتأكيد الرقة وكذلك من يسجد غافلا وهو مشغول الهم بأعراض الدنيا لم ينتشر من جبهته ووضعها على الأرض أثر إلى قلبه يتاكد به التواضع فكان وجود ذلك كعدمه وما ساوى وجوده عدمه بالإضافة إلى الغرض المطلوب منه يسمى باطلا فيقال العبادة بغير نية باطلة وهذا معناه إذا فعل عن غفلة فإذا قصد به رياء أو تعظيم شخص آخر لم يكن وجوده كعدمه بل زاده شرا فإنه لم يؤكد الصفة المطلوبة تأكيدها حتى أكد الصفة المطلوب قمعها وهي صفة الرياء التي هي من الميل إلى الدنيا فهذا وجه كون النية خير من العمل وبهذا أيضا يعرف معنى قوله صلى الله عليه وسلم من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة لأن هم القلب هو ميله إلى الخير وانصرافه عن الهوى وحب الدنيا وهي غاية الحسنات وإنما الإتمام بالعمل يزيدها تأكيدا فليس المقصود من إراقة دم القربان الدم واللحم بل ميل القلب عن حب الدنيا وبذلها إيثارا لوجه الله تعالى وهذه الصفة قد حصلت عند جزم النية والهمة وإن عاق عن العمل عائق ف لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم والتقوى ههنا صفة القلب ولذلك قال صلى الله عليه وسلم إن قوما بالمدينة قد شركونا في جهادنا كما تقدم ذكره لأن قلوبهم في صدق إرادة الخير وبذل المال والنفس والرغبة في طلب الشهادة وإعلاء كلمة الله تعالى كقلوب الخارجين في الجهاد وإنما فارقوهم بالأبدان لعوائق تخص الأسباب الخارجة عن القلب وذلك غير مطلوب إلا لتأكيد هذه الصفات وبهذه المعاني تفهم جميع الأحاديث التى أوردناها في فضيلة النية فاعرضها عليها لينكشف لك أسرارها فلا نطول بالإعادة بيان تفصيل الأعمال المتعلقة بالنية اعلم أن الأعمال وإن انقسمت أقساما كثيرة من فعل وقول وحركة وسكون وجلب ودفع وفكر وذكر وغير ذلك مما لا يتصور إحصاؤه واستقصاؤه فهي ثلاثة أقسام معاص وطاعات ومباحات القسم الأول المعاصي وهي لا تتغير عن موضعها بالنية فلا ينبغي أن يفهم الجاهل ذلك من عموم قوله عليه السلام إنما الأعمال بالنيات فيظن أن المعصية تنقلب طاعة بالنية كالذي يغتاب إنسانا مراعاة لقلب
Preguntas
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué es un hadiz y cómo se determina su autenticidad?
- ¿Qué enseñó el Profeta Muhammad (la paz sea con él) sobre el buen carácter?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué es el ikhlas (la sinceridad) y por qué es importante?
- ¿Cómo describe el islam la purificación del corazón?