Qur'an&Sunnah

Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye

Sección V02/P071–V02/P073

قال أهل المعاني: فيه إضمار كأنه قال: فقل لهم أو فأعلمهم أنى قريب منهم بالعلم. وقال أهل الإشارة: رفع الواسطة إظهار للقدرة. قوله: {أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجبوا لى} [البقرة: 186] أي فليستجيبوا لي بالطاعة، يقال: أجاب واستجاب بمعنى واحد. وقال أبو رجاء الخرساني -رحمه الله -: يعنى فليدعوني. والإجابة في اللغة الطاعة وإعطاء ما سئل، يقال: أجابت السماء بالمطر وأجابت الأرض بالنبات: أي سئلت السماء المطر فأعطت، وسئلت الأرض النبات فأعطت. والإجابة من الله -عز وجل -: هو الإعطاء ومن العبد الطاعة. قوله: {وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون} [البقرة: 186] أي لكى يهتدوا. فإن سأل سائل عن قوله: {أجيب دعوة الداع إذا دعان} وقوله: {ادعونى أستجب لكم} وقال: قد نرى كثيرا من خلق الله تعالى يدعون فلا يجاب لهم: قيل: اختلف أهل العلم في وجه الآيتين وتأويلهما. فقال بعضهم: معنى الدعاء هاهنا: الطاعة، ومعنى الإجابة: الثواب كأنه قال -عز وجل -: أجيب دعوة الداع بالثواب إذا أطاعني. وقال بعضهم: معنى الآيتين خاص وإن كان لفظهما عاما، تقديرهما أجيب دعوة الداع إن شئت، وأجيب دعوة الداعى إذا وافق القضاء، وأجيب دعوة الداع إذا لم يسأل محالا، وأجيب دعوة الداع إذا كانت الإجابة له خيرا. يدل على ذلك ما روى عن علي بن أبى المتوكل عن أبى سعيد -رضي الله عنه -، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "ما مسلم دعا الله -عز وجل -بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم إلا أعطى الله تعالى بها صاحبها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها، قالوا. يا رسول الله إذا نكثر، قال -صلى الله عليه وسلم -: الله أكثر". وقال بعضهم: إن الآية عامة ليس فيها أكثر من إجابة الدعوة، فإما إعطاء المنية وقضاء الحاجة فليس بمذكور في الآية، وقد يجيب السيد عبده والوالد ولده ولا يعطيه سؤاله. فالإجابة كائنة لا محالة عند حصول الدعوة، لأن قوله: أجيب وأستجب خبر، والخبر لا يعترض عليه النسخ، لأنه إذا نسخ صار المخبر كذابا، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وخبر الله تعالى لا يقع بخلاف مخبره. والذي يؤيد هذا التأويل ما روى نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما -عن النبي -صلى الله عليه وسلم -أنه قال: "من فتح له باب الدعاء فتحت له أبواب الإجابة". وأوحى الله تعالى إلى داود -عليه السلام -: قل للظلمة لا يدعوني فإني أوجبت على نفسي أن أجيب من دعاني، وإني إذا أجبت الظالمين لعنتهم. وقيل: إن الله تعالى يجيب دعوة المؤمن في الوقت إلا أنه يؤخر إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته. يدل عليه ما روى عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما -قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "إن العبد ليدعو الله -عز وجل -وهو يجيبه، فيقول الله تعالى: يا جبريل اقض لعبدي هذا حاجته وأخرها، فإني أحب أن لا أزال أسمع صوته، وإن العبد ليدعو الله -عز وجل -وهو يبغضه فيقول: يا جبريل اقض لعبد هذا حاجته بإخلاصه # وعجلها، فإني أكره أن أسمع صوته". وقيل: إن يحيى بن سعيد -رحمه الله -قال: رأيت رب العزة في المنام فقلت: يا رب كم أدعوك فلا تستجيب لي، قال: يا يحيى إني أحب صوتك. وقال بعضهم: إن للدعاء آدابا وشرائط وهي أسباب الإجابة ونيل المنى، فمن راعاها واستكملها كان من أهل الإجابة، ومن أغفلها أو أخل بها فهو من أهل الاعتداء في الدعاء. وقيل: إنه سئل إبراهيم بن أدهم -رحمه الله -فقيل له: ما بالنا ندعو الله فلا يستجيب لنا؟ فقال: لأنكم عرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار فلم ترهبوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا بهم، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس. (فصل) وأما النحر : فقوله -عز وجل -: {وأنحر}.

Sección V02/P073–V02/P075

والأصل في النحر أمر الله تعالى لخليله إبراهيم النبي -صلى الله عليه وسلم -وذلك ن إبراهيم خليل الرحمن لما أنجاه الله تعالى من نار نمرود الجبار وسلمه من كيده وعذابه، قال: {إني ذاهب إلى ربى} [الصافات: 99] يعني مهاجرا إلى ربي، يعني إلى رضا ربي بالأرض المقدسة {سيهدين} [الصافات: 99] لدينه، وهو عليه السلام -أول من هاجر من خلق الله في دين الله -عز وجل -، فهاجر ومعه لوط وسارة أخت لوط، وهو ابن خال إبراهيم عليه السلم، فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه الولد قال: {رب هب لى من الصالحين} [الصافات: 100]. يقول: هبب لي ولدا صالحا، فاستجاب الله له {فبشرناه بغلام حليم} [الصافات: 101] يعنى عليم وهو العالم، وهو إسحاق بن سارة، {فلما بلغ معه السعى} [الصافات: 102] يعني المشى إلى الجبل {قال يا بنى إني أرى في المنام أني أذبحك} [الصافات: 102] يعنى أمرت في المنام بذبحك وذلك لنذر كان عليه في -عليه السلام - {فانظر ماذا ترى} [الصافات: 102] فرد عليه إسحاق -عليه السلام -بقوله: {يا أبت أفعل ما تؤمر} وأطع # ربك، فمن ثم لم يقل إسحاق لإبراهيم افعل ما رأيت في المنام، ورأى ذلك إبراهيم -عليه السلام -ثلاث لبال متتابعات، وكان إسحاق صام وصلى قبل الذبح فقال: {ستجدنى إن شاء الله من الصابرين} [الصافات: 102] على الذبح {فلما أسلما} [الصافات: 103] يقول: أسلما لأمر الله تعالى وطاعته {وتله للجبين} [الصافات: 103] يقول كبه على جبهته، فلما أذخ بناصيته ليذبحه لله، علم الله منهما الصدق، وقال الله -عز وجل -: {وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} [الصافات: 104 - 105] في ذبح ابنك، فخذ الكبش واذبحه فداء عن ولدك، قال الله -عز وجل -: {وفديناه بذبح عظيم} [الصافات: 107] واسم الكبش زرير، وكان من الوعول يرعى في الجنة أربعين سنة قبل أن يذبح. وقيل: إنه هو الكبش الذي قربه هابيل بن آدم المقتول شهيدا -عليه السلام -، وكان يرعى في الجنة قد فدى به إسحاق النبي -عليه السلام -من الذبح، قال الله -عز وجل -: {إنا كذلك نجزى المحسنين} [الصافات: 105] يعنى هكذا نجزى كل محسن، فجزاه الله خيرا بإحسانه بطاعته لأمر الله تعالى في الذبح لابنه إسحاق. وقيل: إن المأمور بذبحه إنما هو إسماعيل بن إبراهيم -عليه السلام -، ثم قال الله -عز وجل -: {إن هذا لهو البلاء المبين} [الصافات: 106] يعني النعيم المبين حين عفا عنه وفداه بالكبش. وقيل: إنه لما وضع الخليل -عليه السلام السكين على حقل ولده نودي: {أن يا إبراهيم} [الصافات: 104] خل ولدك، فإن مرادنا لم يكن قربانا للولد، وإنما كان مرادنا خلو القلب عن محبة الولد، ولهذا قيل: إنه ذكر في بعض الكتب أن إبراهيم -عليه السلام -لما أراد أن يذبح ولده قال في سره: يا رب، أيش لو كان هذا الذبح على يدي غيري، قال الله تعالى: لا يكون إلا على يدك، فقالت الملائكة: يا ربنا لم فعلت هكذا؟ قال: حتى يزيد بلاء على بلاء، فقالت الملائكة: لم؟ قال: حتى لا يحب أحدا غيري، فإني لا أقبل الشريك في الحب، فإبراهيم -عليه السلام -أحب ولده فابتلى بذبحه، ويعقوب أحب يوسف فغاب عنه أربعين سنة وابتلى بفراقه، ونبينا محمد -صلى الله عليه وسلم -أحب الحسن والحسين -رضي الله عنهما -وعلقا بقلبه، فجاء جبريل -عليه السلام -وأخبره بأن أحدهما يسم والآخر يقتل حتى لا يحب مع الحبيب سواه. (فصل) ويستحب إذا خرج المؤمن إلى صلاة العيد في طريق أن يرجع في طريق أخرى . لما روى ابن عمر -رضي الله عنهما -أن النبي -صلى الله عليه وسلم -أخذ يوم العيد في طريق ورجع في آخر. وفي حديث آخر أنه كان يخرج في طريق ويرجع في طريق آخر، فاختلف الناس في ذلك، فقال أكثرهم: إنما أراد بذلك اختلاف حرز المشركين لعسكره، فخالف بين الطريقين ليختلف الحرز. وقال آخرون: إنما قصد بذلك الاختصار في الرجوع كأنه سلك الطريق الأطول في الممر لكثرة الحسنات ورجع في الأقصر.

Sección V02/P075–V02/P077

وقال آخرون: لما مضى في طريق شهدت له الأرض، ثم رجع في طريق آخر لتشهد له الأرض الثانية. وقيل: إنه -عليه السلام -مضى على حي من الأحياء ثم رجع على غيرهم ليساوى بينهم في الإكرام، لأن رؤيته -عليه السلام -كانت رحمة، قال الله تعالى: {وما أرسلناك إل رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107]. وقيل: إن الأرض تفتخر بوطء النبي -صلى الله عليه وسلم -وغيره من الأنبياء والأولياء وسعيهم عليها، فأراد أن يساوى بين البقعتين لكي لا تفتخر بعضها على بعض. وقيل: إنه -عليه السلام -كان قد سلك إلى المصلى من طريق وقصده الحقيقة إلى الله تعالى، ثم أراد الرجوع إلى الأهل والوطن والطين والماء المعروف المعهود، فكره أن يسلك إلى الله تعالى طريقا ثم يسلكه إلى غيره، فرجع من طريق آخر. وقيل: إنه -عليه السلام -لو لم يرجع في طريق آخر لوجب على الناس الاستنان به -عليه السلام -، وتعذر عليهم التفرق بعد صلاة العيد إلى منازلهم، فأراد أن يبين التوسعة عليهم في الرجوع في أي طريق شاءوا. وقيل: إنه -صلى الله عليه وسلم -فزع من مكيدة الكفار والمنافقين. وقيل: إنه كان يتصدق على من كان معه، فكان يرجع في طريق آخر حتى تتوفر # الصدقة على الفقراء. وقيل: إنه كان يفعل ذلك لأجل ازدحام الناس عليه -صلى الله عليه وسلم -. (فصل: في فضيلة يوم النحر والأضحية) روى عبد الله بن قرط -رضي الله عنه -قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "أعظم الأيام عند الله يوم النحر". وروى أن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال لفاطمة -رضي الله عنها -: "قومي إلى أضحيتك فاشهديها، فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها كا ذنب عملت، وقولي: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين". وروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال: "إن داود -عليه السلام -قال: إلهي ما ثواب من ضحى من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم -قال: ثوابه أن يعطى بكل شعرة منها عشر حسنات، ويمحى عنه عشر سيئات، ويرفع له عشر درجات، فقال: إلهي فما ثوابه إذا شق بطنها؟ قال: إذا انشق القبر عنه أخرجه الله تعالى آمنا من الجوع والعطش ومن أهوال القيامة، يا داود له بكل بضعة من لحمها طير في الجنة كأمثال البخت، وبكل كراع منها مركب من مراكب الجنة، وبكل شعرة على جسدها قصر في الجنة، وبكل شعرة على رأسها جارية من الحور العين. أما علمت يا داود أن الضحايا هي المطايا، وأن الضحايا تمحو الخطايا وتدفع البلايا، مر بالضحايا فإنها فداء المؤمن كفداء إسحاق من الذبح". وقال النبي -صلى الله عليه وسلم -: "أحسنوا ضحاياكم فإنها مطاياكم يوم القيامة". وروى أن عليا -رضي الله عنه -قرأ: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا} [مريم: 85] ثم قال: وهل يكون الوفد إلا ركبانا على نجائبهم، ونجائبهم صحاياهم يؤتون بنوق لم ير الخلائق مثلها عليها أرحلة من الذهب، وأمتها من الزبرجد، ثم تنطلق بهم إلى الجنة حتى يقرعوا بابها. وروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم -أنه قال: "ضحوا وطيبوا بها نفسا فإنه من أخد أضحيته # فاستقبل بها القبلة كان دمها وشعرها محصورين له يوم القيامة، فإن الدم إذا وقع في التراب فإنما يقع في حرز الله، انفقوا يسيرا تؤجروا كثيرا". وروى "أن النبي -صلى الله عليه وسلم -دعا بكبشين أملحين أقرنين عظيمين، فأضجع أحدهما وقال: بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عن محمد وعن أهل بيته، ثم ثنى بالآخر وقال: بسم الله والله أكبر اللهم هذا عن محمد وعن أمته". وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما -عن النبي -صلى الله عليه وسلم -"أنه ضحى بكبشين يوم النحر".

Sección V02/P077–V02/P079

وأخبرنا هبة الله عن محمد بن أحمد الخارون المعدل الكوفى، قال: أنبأنا القاضي محمد بن عبد الله الجعفى، أنبأنا محمد بن جعفر الأشجعى، أنبأنا على بن المنذر الطرفى، أنبأنا ابن فضيل عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة -رضي الله عنها -عن النبي -صلى الله عليه وسلم -أنه قال: "من قرب أضحيته يوم النحر لينحرها، قربة الله تعالى إلى الجنة، فإذا نحرها غفر الله له بأول قطرة تقطر من دمها، وجعلها الله تعالى له مركبا يوم القيامة إلى المحشر، ويعطى بعدد شعرها وصوفها حسنات". وروى عن أنس بن مالك -رضي الله عنه -: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم -ضحى بكبشين أقرنين أملحين، فكان يذبح ويسمى ويضع رجله على صفحتها". قال أبو عبيدة: الأملح ما فيه بياض وسواد، والسواد أغلبه. وروت عائشة -رضي الله عنها -أنه "أمر النبي -صلى الله عليه وسلم -بكبش أقرن بطأ في سواد وينظر في سواد ويبرك في سواد، فأتى به فضحى به فأضجعه وذبحه فقال: بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد". قال أصحاب الحديث: قوله: "وبطأ في سواد وينظر في سواد معناه: لكثرة شحمه ولحمه ما يظل في ظل نفسه وينظر فيه ويبرك فيه". وقال أهل اللغة: معنى السواد في هذا الموضع: أنه كان أسود اليدين والعينين والركبتين. (فصل: في صلاة ليلة الأضحى) وهو أن يصلى ركعتين في كل ركعة فاتحة الكتاب خمس عشرة مرة، و {قل هو الله أحد ...} كذلك، و {قل أعوذ برب الفلق ...} مثل ذلك، و {قل أعوذ برب الناس ...} كذلك، فإذا سلم قرأ آية الكرسى ثلاث مرات، واستغفر الله خمس عشر مرة، ثم يدعو بما شاء من خير الدنيا والآخرة. (فصل) والأضحية سنة : لا يستحب تركها لمن قدر عليها عند الإمام أحمد ومالك والشافعي -رحمهم الله -، وعند غيرهم هي واجبة. والأصل في استحبابها دون وجوبها ما روى عن ابن عباس -رضي الله عنهما -، عن النبي -صلى الله عليه وسلم -أنه قال: "أمرت بالنحر وهو لكم سنة". وفي خبر آخر: "ثلاث على فرض، ولكم تطوع: النحر، والوتر، وركعتا الفجر ... ". وفي حديث أم سلمة -رضي الله عنها -قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحى فلا يمس من شعره ولا بشرته شيئا". فعلق -صلى الله عليه وسلم -الأضحية بالإرادة، وما كان واجبا بالشرع لا يتعلق بالإرادة. (فصل) وأفضلها الإبل ثم البقر ثم الغنم، ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثنى مما سواه . أما الجذع فهو ما كمل له ستة أشهر، والثنى من المعز ما كمل له سنة، ومن البقر ما كمل له سنتان، ومن الإبل ما كمل له خمس سنين، وتجزئ الشاة عن واحد، والبدنة من الإبل والبقر عن سبعة. وأفضل الضحايا الشهب ثم الصفر ثم السود، والأفضل أن يذبحها بنفسه، فإن لم # يحسن فليشاهد ذبحها، ويأكل ثلثها، ويهدى ثلثها، ويتصدق بثلثها، ويجتنب فيها المعيبة. والعيوب خمسة، فلا يضحى بعضباء القرن والأذن وهي ما ذهب أكثر أذنها أو قرنها، وقيل: ما ذهب ثلث أذنها وقرنها. وكذلك لا يضحى بالجماء، لأنها كالعضباء في أصح القولين، ولا بالعوراء البين عورها، وهي ما انخسفت عينها وذهبت، ولا بالعجفاء التي لا تنقى، وهي الهزيلة التي لا مخ فيها، وال بالعرجاء البين عرجها، وهي التي لا تقدر على المشي مع المسرح، ولا المشاركة في العلف لضعفها، ولا بالمريضة البين مرضها، ولا بالجرباء، لأن جربها يفسد اللحم. وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم -أن يضحى بالمقابلة، وهي ما قطع شيء من مقدم أذنها وبقى معلقا، ولا بالمدابرة، وهي ما قطع شيء من خلف أذنها، ولا بالخرقاء، وهي ما ثقب الكي أذنها، ولا بالشرقاء، وهي ما شق الكي أذنها، وذلك محمول على نهي تنزيه لا على نهي تحريم، والأولى أن يجتنب ذلك، وإن ضحى بها جاز.

Sección V02/P079–V02/P081

وأيام النحر ثلاثة: يوم العيد بعد الصلاة أو قدرها، ويومان بعده، وهو مذهب أكثر الفقهاء، وقال الشافعي -رحمه الله -: يوم العيد وأيام التشريق الثلاثة. والذي ذكرناه من أنه ثلاثة أيام منقول عن عمر وعلي وابن عباس وأبى هريرة -رضي الله عنهم -. ومن ضحى قبل صلاة الإمام فهي شاة لحم لا يحصل بذلك ثواب الأضحية لما روى منصور عن الشعبي عن البراء بن عازب -رضي الله عنهما -قال: خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم -يوم النحر بعد الصلاة -فقال: "من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم، فقام أبو بردة بن نبار -رضي الله عنه -فقال: يا رسول الله لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب فعجلت وأكلت وأطعمت أهلي وجيراني، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: تلك شاة لحم فقال: إن عندي عناقا جذعة وهي خير من شاتي لحم فهل تجزئ عني؟ فقال -صلى الله عليه وسلم -: نعم، ولا تجزئ عن أحد بعدك". وعن الأسود بن قيس -رضي الله عنه -قال: شهدت النبي -صلى الله عليه وسلم -يوم النحر مر بقوم ذبحوا قبل الصلاة، فقال -صلى الله عليه وسلم -: "من ذبح قبل الصلاة فليعد". وفي بعض الأخبار "من كان ذبح قبل أن يصلي فليعد أخرى مكانها ومن لم يكن ذبح فليذبح". (فصل: في ذكر أيام التشريق) قال الله تعالى: {واذكروا الله في أيام معدودات} [البقرة: 203] يعني بالذكر: التكبير إدبار الصلوات، وعند الجمرات يكبر مع كل حصاة وغيرها من الأوقات، يستحب ذلك من أول العشر إلى آخر أيام التشريق. قوله: {في أيام معدودات} يعنى أيام التشريق أيام منى الثلاث، وأما المعلومات. فهي أيام العشر، وعلى هذا أكثر العلماء، ويدل عليه قوله تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} [البقرة: 203] وإنما يكون الصدر في أيام التشريق في يومين منها أو جميع الثلاث. قال ابن عباس -رضي الله عنهما: أمر الله تعالى بذكره في الأيام المعدودات وهي أيام التشريق ثلاثة أيام بعد النحر، وجعلها معدودة لقلتها من بين الشهور، وكما قال تعالى: {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة} [يوسف: 20]. وقيل: إنما سميت معدودة، لأنها تعد من أيام الحج، فيفرغ فيها مما عليه من أفعال الحج من رمي الجمار والبيتوتة بمزدلفة. وقال الزجاج: تستعمل المعدودات في اللغة للشيء القليل فسميت بذلك لأنها ثلاث أيام، فالأيام المعدودات، أيام التشريق، والذكر المأمور فيها: التكبير. وعن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما -أنه قال: الأيام المعدودات ثلاثة أيام، يوم النحر ويومان بعده. وقال إبراهيم النخعى -رحمه الله -: الأيام المعدودات: أيام العشر، والمعلومات. أيام النحر. وسبب أمر الله تعالى المسلمين بالذكر في هذه الآية والتي قبلها قوله -عز وجل -: {فاذكروا الله كذكركم آباءكم} [البقرة: 200] على ما ذكر المفسرون أن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم وقفوا عند البيت وذكروا مآثر آبائهم ومفاخرهم، وكان الرجل يقول إن أبى كان يقرى الضيف، ويطعم الطعام، وينحر الجزور، ويفك العانى، ويجز النواصى، ويفعل كذا وكذا، ويتفاخرون بذلك، فأمرهم الله -عز وجل -بذكره، فنزل الله -عز وجل -: {فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} [البقرة: 200] إلى قوله تعالى: {واذكروا الله فى أيام معدودات} [البقرة: 203]. وقال -جل وعلا -: {فاذكرونى} [البقرة: 152] فأنا الذي فعلت ذلك بكم وبآبائكم وأحسنت إليكم وإليهم. وقال السدى -رحمه الله -: كانت العرب إذا قضت مناسكها وأقاموا بمنى يقوم الرجل فيسأل الله -عز وجل-ويقول: اللهم إن أبى كان عظيم الجفنة عظيم القبة كثير المال، فأعطني مثل ذلك، وليس يذكر الله -عز وجل -، إنما يذكر أباه، ويسأل أن يعطى في دنياه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال ابن عباس وعطاء والربيع والضحاك معناه: فاذكروا الله تعالى كذكر الصبيان الصغار الآباء، وهو قول الصبي أول ما يفصح ويفقه كلام أبيه وأمه، ثم يلهج بأبيه وأمه.

Sección V02/P081–V02/P083

وعن عمر بن مالك عن أبى الجوزاء قال: قلت لابن عباس -رضي الله عنهما -: أخبرني عن قول الله -عز وجل -: {فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} البقرة: 2] وقد يأتي على الرجل يوم لا يذكر فيه أباه، فقال ابن عباس -رضي الله عنهما -: ليس كذلك، ولكن أن تغضب لله -عز وجل -إذا عصى أشد من غضبك لوالديك إذا شتما. وعن محمد بن أبى حميد عن محمد بن كعب القرظى -رحمه الله - {فاذكروا الله كذكركم آباءكم} أي كذكر آباءكم إياكم {أو أشد ذكرا} يعنى بل أشد كقوله: {أو يزيدون} [الصافات: 147] أي بل يزيدون. قال مقاتل -رحمه الله -: {أو أشد ذكرا} يعنى أكثر ذكرا كقوله: {أو أشد قسوة} [البقرة: 74] {أو أشد خشية} [النساء: 77]. (فصل) وقد سمى الله -عز وجل -أشياء في القرآن ذكرا : - من ذلك أنه سمى التوراة ذكرا، فقال -عز وجل -: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [الأنبياء: 7، والنحل: 43]. - وسمى القرآن ذكرا، قوله -عز وجل -: {وهذا ذكر مبارك أنزلناه} [الأنبياء: 5]. - وسمى اللوح المحفوظ ذكرا، قوله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} [الأنبياء: 105] يعنى من بعد اللوح المحفوظ. - وسمى الموعظة ذكرا، قوله -عز وجل -: {فلما نسوا ما ذكروا} [الأنعام: 44، والأعراف: 165]. - وسمى الرسول ذكرا، قوله -عز وجل -: {قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا} [الطلاق: 10 - 11]. - والخبر ذكرا، قوله -عز وجل -: {هذا ذكر من معي وذكر من قبلي} [الأنبياء: 24]. - والشرف ذكرا، قوله -عز وجل -: {وإنه لذكر لك ولقومك} [الزخرف: 44]. - والتوبة ذكرا، قوله -عز وجل -: {ذلك ذكرى للذاكرين} [هود: 114]. - والصلاة ذكرا، قوله -عز وجل -: {فاذكروا الله كما علمكم} [البقرة: 239]. - وسمى صلاة العصر ذكرا، قوله -عز وجل -: {إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي} [ص: 33] يعني صلاة العصر. - والجمعة أيضا ذكرا، قوله -عز وجل -: {فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة: 9]. - والشفاعة ذكرا، قوله -عز وجل -: {اذكرني عند ربك} [يوسف: 42]. - وسمى الطاعة ذكرا، قوله -عز وجل -: {فاذكروني أذكركم} [البقرة: 152] معناه: اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة. - وسمى الندامة ذكرا، قوله تعالى: {أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله} [آل عمران: 135] أي ندموا بالقلب واستغفروا باللسان. - وسمى التكبير ذكرا، قوله تعالى: {واذكروا الله في أيام معدودات} [البقرة: 202] يعني أيام التشريق. (فصل) واختلف لم سميت أيام التشريق : فقال قوم إن المشركين كانوا يقولون أشرق ثبير كيما نفير، يعني ادخل في الشرق يا ثبير، وهو اسم جبل، كيما نغير أي كيما ندفع، لأنهم كانوا لا يدفعون ولا يفيضون من المزدلفة إلا بعد أن تشرق الشمس فجاء الإسلام فأبطل ذلك. وقيل: إنما سميت أيام التشريق لأنهم كانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحي، وتشريق اللحم: أن يشرح ويشرق في الشمس، ويسمى القديد شرائق اللحم. وقيل: بل سميت الصلاة يوم النحر، والتشريق صلاة العيد، وإنما أخذ من شروق الشمس لأن ذلك يكون وقتها، وسمى المصلى المشرق لأن الناس يبرزون فيه للشمس، فسمى يوم العيد يوم التشريق لهذا المعنى، ثم صارت أيام التشريق تبعا للعيد. وقيل لذى النون المصري -رحمه الله -: لم سمى الموقف بالمشعر ولم يسم بالحرم؟ فقال: لأن الكعبة بيته، والحرم حجابه، والمشعر بابه، فلما قصده الوافدون أوقفهم بالباب الأول يتضرعون إليه، ثم أوقفهم بالحجاب الثاني وهو المزدلفة، فلما نظر إلى تضرعهم أمرهم بتقريب قربانهم، فلما أن قربوها وتطهروا من الذنوب أمرهم بالزيارة على الطهارة. فقيل له: لم كره الصيام في أيام التشريق؟ قال: لأن القوم زاروا الله تعالى وهم في ضيافته، ولا ينبغي للضيف أن يصوم عند من أضافه. فقيل له: يا أبا الفيض ما معنى تعلق الرجل بأستار الكعبة؟ قال: مثله كمثل رجل بينه وبين صاحبه جناية، فهو متعلق بذيل رجال يشفعون له أن يهب له جرمه. (فصل) واختلف في قدر التكبير في هذه الأيام :

Sección V02/P083–V02/P086

قال نافع -رحمه الله -: كان عمر وعبد الله ابنه -رضي الله عنهما -يكبران بمنى هذه الأيام عقيب الصلاة، وفي المجلس، وعلى الفرش، والفسطاط، وفي الطريق، ويكبر الناس بتكبيرها، ويتلوان هذه الآية، فالاتفاق حاصل على كون التكبير سنة، وإنما الخلاف في قدره. وكان علي -رضي الله عنه -يكبر من صلاة الغداة من يوم عرفة، إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وهو مذهب إمامنا أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى -، وأحد أقوال الشافعي ومذهب أبى يوسف ومحمد بن الحسن، وهو أولى الأقاويل وأجمعها # وكان عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه -يكبر من صلاة الغداة يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر، وهو مذهب الإمام الأعظم أبى حنيفة النعمان -رحمه الله تعالى -. وكان ابن عباس وزيد بن ثابت -رضي الله عنهم -يكبران من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وهو قول عطاء -رحمه الله -. والأظهر من مذهب الشافعي -رحمه الله -أن يبدأ بالتكبير من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق اقتداء بالحاج، وهو مذهب الإمام مالك، وللشافعي قول ثالث: أوله من صلاة المغرب ليلة النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق. وأما لفظ التكبير، فكان ابن مسعود رضي الله عنه يكبر اثنين: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد، وهو مذهب إمامنا أحمد وأبى حنيفة -رحمهما الله -وأهل العراق. وعن مالك -رحمه الله تعالى -أنه كان يقول: الله أكبر الله أكبر، ثم يقطع فيقول: الله أكبر لا إله إلا الله. وكان سعيد بن جبير والحسن -رحمهما الله تعالى -يقولان: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثا نسقا ثم يسوق التكبير إلى آخره على ما ذكرنا أولا وهو مذهب الشافعي -رحمه الله -وأهل المدينة. وعن قتادة -رحمه الله -أنه كان يقول: الله أكبر كبيرا، الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر ولله الحمد. وروى أبو هريرة -رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -قال: "أيام منى أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى". وعن جعفر بن محمد -رحمه الله -أنه قال: "إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -بعث مناديا فنادى في أيام التشريق. إنها أيام أكل وشرب وبعال". (فصل) وإن كان محرما فمن صلاة الظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق عند إمامنا أحمد -رحمه الله تعالى-، وكذلك في الصحيح عنه لا يكبر إلا إذا صلى الفرض في # جماعة، ولا يكبر إذا كان وحده ولا عقيب النوافل. (فصل) وهذا التكبير الذي ذكرناه في عيد الأضحى في عيد الفطر بل هو آكد في الفطر ليلة الفطر لقول الله -عز وجل -: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم} [البقرة: 185]. غير أن ابتداءه من بعد غروب الشمس ليلة الفطر إلى أن يفرغ الإمام من خطبتي العيد يوم العيد ثم ينقطع. وقال الإمام أبو حنيفة -رحمه الله -: ليس في الفطر تكبير مسنون. وقال مالك -رحمه الله -: يكبر يوم الفطر دون ليلته ويكون وقته إلى أن يأتي المصلى ويخرج الإمام ويظهر الناس للصلاة. وقال الشافعي -رحمه الله -: يكبر من غروب الشمس ليلة الفطر إلى أن يفرغ الإمام من خطبتي العيد ثم ينقطع. وقال في قول: يكبر من غروب الشمس ليلة العيد إلى أن يظهر الإمام في المصلى. وقال في قول: إلى أن يحرم بالصلاة. وفي قول: إلا أن يفرغ من الصلاة. مجلس في فضائل يوم عاشوراء قال الله تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله ...} إلى قوله: {منها أربعة حرم} [التوبة: 36] وقد تقدم ذكر ذلك. وإن منها المحرم، فهذا الشهر من الأشهر المحرمة عند الله تعالى، وفيه يوم عاشوراء الذي عظم الله تعالى أجر من أطاعه فيه.

Sección V02/P086–V02/P087

من ذلك ما أخبرنا به أبو نصر عن والده، بإسناده عن مجاهد عن ابن عباس -رضي الله عنهما -قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "من صام يوما من المحرم فله بكل يوم ثلاثون يوما". ومن ذلك ما روى عن ميمون بن مهران عن ابن عباس -رضي الله عنهما -قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "من صام يوم عاشوراء من المحرم أعطى ثواب عشرة آلاف ملك، ومن صام يوم عاشوراء من المحرم أعطى ثواب عشرة آلاف شهيد وثواب عشرة آلاف حاج ومعتمر، ومن مسح بيده على رأس يتيم يوم عاشوراء رفع الله تعالى له بكل شعرة على رأسه درجة في الجنة، ومن فطر مؤمنا ليلة عاشوراء فكأنما أفطر عنده جميع أمة محمد -صلى الله عليه وسلم -وأشبع بطونهم. قالوا: يا رسول الله لقد فضل الله تعالى يوم عاشوراء على سائر الأيام؟ قال -صلى الله عليه وسلم -: نعم خلق الله تعالى السموات في يوم عاشوراء، وخلق الجبال يوم عاشوراء، وخلق البحار يوم عاشوراء، وخلق القلم يوم عاشوراء، وخلق اللوح يوم عاشوراء، وخلق آدم يوم عاشوراء، وأدخله الجنة يوم عاشوراء، وولد إبراهيم -عليه السلام -يوم عاشوراء، ونجاه الله من النار يوم عاشوراء، وفدى ابنه من الذبح يوم عاشوراء، وأغرق فرعون يوم عاشوراء، وكشف الله تعالى البلاء عن أيوب يوم عاشوراء، وتاب الله تعالى على آدم يوم عاشوراء، وغفر الله تعالى ذنب داود -عليه السلام -يوم عاشوراء، وولد عيسى يوم عاشوراء، ويوم القيامة في يوم عاشوراء". وفي لفظ آخر عن ابن عباس -رضي الله عنهما -قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "من صام يوم عاشوراء كتب الله له عبادة ستين سنة بصيامها وقيامها، ومن صام يوم عاشوراء أعطى ثواب ألف شهيد، ومن صام يوم عاشوراء كتب الله له أجر أهل سبع سموات، ومن فطر مؤمنا يوم عاشوراء فكأنما أفطر عنده جميع أمة محمد -صلى الله عليه وسلم -وأشبع بطونهم، ومن مسح رأس يتيم في يوم عاشوراء رفعت له بكل شعرة على رأسه درجة في الجنة، فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -: يا رسول الله لقد فضلنا الله تعالى بيوم عاشوراء، قال -صلى الله عليه وسلم -: خلق الله تعالى السموات يوم عاشوراء والأرض كمثله، وخلق الجبال يوم عاشوراء والنجوم كمثله، وخلق العرش يوم عاشوراء والكرسي كمثله، وخلق اللوح يوم عاشوراء والقلم كمثله، وخلق جبريل يوم عاشوراء والملائكة كمثله، وخلق آدم في يوم عاشوراء، وولد إبراهيم في يوم عاشوراء، ونجاه الله من النار يوم عاشوراء، وفدى الله ابنه يوم عاشوراء، وأغرق فرعون في يوم عاشوراء، ورفع إدريس في يوم عاشوراء، وكشف الضر عن أيوب في يوم عاشوراء، ورفع عيسى في يوم عاشوراء، وولد عيسى في يوم عاشوراء، وتاب الله على آدم في يوم عاشوراء، وغفر ذنب داود في يوم عاشوراء، وأعطى الله الملك لسليمان في يوم عاشوراء، وولد نبيكم محمد -صلى الله عليه وسلم -في يوم عاشوراء، واستوى الرب تبارك وتعالى على العرش في يوم عاشوراء، ويوم القيامة في يوم عاشوراء، وأول مطر نزل من السماء يوم عاشواء، وأول رحمة نزلت في يوم عاشوراء، ومن اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض مرضا إلا مرض الموت، ومن اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم ترمد عينه تلك السنة كلها، ومن عاد مريضا يوم عاشوراء فكأنما عاد ولد آدم، ومن سقى شربة من ماء يوم عاشوراء فكأنما لم يعص الله طرفة عين، ومن صلى أربع ركعات يوم عاشوراء يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وخمسين مرة {قل هو الله أحد ...} غفر الله تعالى له ذنوب خمسين عاما ماضيا وخمسين عاما مستقبلا، وبنى له في الملأ الأعلى ألف منبر من نور".

Sección V02/P087–V02/P089

وقد ورد في حديث آخر "من صلى يوم عاشوراء أربع ركعات، بتسليمتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة واحدة، و {إذا زلزلت الأرض زلزالها ...} مرة، و {قل يا أيها الكافرون} مرة، و {قل هو الله أحد ...} مرة، ويصلى على النبي -صلى الله عليه وسلم -سبعين مرة إذا فرغ منها" مروى ذلك في حديث أبى هريرة -رضي الله عنه -. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه -قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "افترض على بني إسرائيل صوم يوم في السنة وهو يوم عاشوراء العاشر من المحرم فصوموه ووسعوا فيه على عيالكم، ومن وسع على عياله من ماله في يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته، ومن صام هذا اليوم كان كفارة أربعين سنة، وما من أحد أحيا ليلة عاشوراء وأصبح صائما مات ولم يدر بالموت". وفي حديث على -كرم الله -وجهه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "من أحيا ليلة عاشوراء أحياه الله تعالى ما شاء". وعن سفيان بن عيينة عن جعفر الأحمر الكوفي عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر -وكان من أفضل من رؤى بالكوفة على ما قيل في زمانه -أنه بلغه: أن من وسع على عياله في يوم عاشوراء وسع الله تعالى عليه سائر سنته. قال سفيان -رحمه الله -: فجرينا ذلك منذ خمسين سنة فلم نر إلا سعة. وعن عبد الله -رضي الله عنه -قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "من وسع على أهله في يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته". وقيل عن بعض السلف أنه قال: "من صام يوم الزينة، يعنى يوم عاشوراء أدرك ما فاته. من صام السنة، ومن تصدق فيه يومئذ أدرك ما فاته من صدقة السنة". وقال يحيى بن أبى كثير -رحمه الله -: من اكتحل يوم عاشوراء بكحل فيه مسك لم يشتك عينه إلى قابل من ذلك اليوم. وأخبرنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن أبى غليظ بن أمية بن خلف الجمحى قال: "رأى النبي -صلى الله عليه وسلم -على بيتي صردا فقال: هذا أول طائر صام يوم عاشوراء". وقال قيس بن عباد: كانت الوحش تصوم يوم عاشوراء. وعن أبى هريرة -رضي الله عنه -قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "أفضل صيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي يدعونه المحرم، وأفضل الصلاة بعد المفروضة وفي جوف الليل. الصلاة يوم عاشوراء". وعن علي -كرم الله وجهه -قال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال: "في شهر الله المحرم تاب الله على قوم ويتوب على آخرين". وعن ابن عباس -رضي الله عنهما -قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "من صام آخر يوم من ذي الحجة وأول يوم من المحرم فقد ختم السنة الماضية بصوم واستفتح السنة المستقبلة بصوم، وجعل الله -عز وجل -له كفارة خمسين سنة". وعن عروة عن عائشة -رضي الله عنها -قالت: "كان عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم -يصومه بمكة، فلما قدم المدينة فرض صيام رمضان، قال: فمن شاء صام يوم عاشوراء ومن شاء تركه". وعن ابن عباس -رضي الله عنهما -قال: "قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم -المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسأل عن ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله -عز وجل -فيه موسى -عليه السلام -وبنى إسرائيل على قوم فرعون فنحن نصومه تعظيما له، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم -: نحن أولى بموسى منكم، فأمر بصومه". (فصل) واختلف العلماء -رحمهم الله -في تسميته بيوم عاشوراء : فقال أكثرهم: إنما سمى يوم عاشوراء، لأنه عاشر يوم من أيام المحرم. وقال بعضهم: إنما سمى عاشوراء، لأنه عاشر الكرامات التي أكرم الله -عز وجل -هذه الأمة بها: أولها: رجب، وهو شهر الله تعالى الأصم، وإنما جعله كرامة لهذه الأمة وفضله على سائر الشهور كفضل هذه الأمة على سائر الأمم.

Sección V02/P089–V02/P091

الكرامة الثانية: شهر شعبان، وفضله على سائر الشهور كفضل النبي -صلى الله عليه وسلم -على سائر الأنبياء. والثالثة: شهر رمضان وفضله على سائر الشهور كفضل الله تعالى على خلقه. والرابعة: ليلة القدر، وهي خير من ألف شهر. والخامسة: يوم الفطر، وهو يوم الجزاء الأوفى. والسادسة: أيام العشر، وهي أيام ذكر الله تعالى. والسابعة: يوم عرفة، وصومه كفارة سنتين. والثامنة: يوم النحر، وهو يوم القربان. والتاسعة يوم الجمعة، وهو سيد الأيام. والعاشرة: يوم عاشوراء، وصومه كفارة سنة. فلكل وقت من هذه الأيام كرامة جعلها الله تعالى لهذه الأمة تكفيرا لذنوبهم وتطهيرا لخطاياهم. وقال بعضهم: إنما سمى عاشوراء، لأن الله تعالى أكرم فيه عشرة من الأنبياء عليهم السلام بعشر كرامات: إحداها: أنه -عز وجل -تاب على آدم -عليه السلام -فيه. والثانية: رفع الله -عز وجل -إدريس النبي -عليه السلام -فيه مكانا عليا. والثالثة: استوت سفينة نوح -عليه السلام فيه على الجودى. والرابعة: ولد إبراهيم -عليه السلام -فيه، واتخذ الله تعالى خليلا وأنجاه من نار نمرود فيه. والخامسة: تاب الله -عز وجل -على داود -عليه السلام -فيه، ورد الملك على سليمان -عليه السلام -فيه. والسادسة: كشف الله ضر أيوب -عليه السلام -فيه. والسابعة: نجى الله -عز وجل -موسى -عليه السلام -من البحر، وأغرق فرعون في البحر فيه. والثامنة: نجى الله -عز وجل -يونس -عليه السلام -من بطن الحوت فيه. والعاشرة: ولد نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم -فيه. فصل من فضائل يوم عاشوراء أن الحسين بن علي -رضي الله تعالى عنهما -قتل فيه (فصل) واختلفوا في أي يوم هو من المحرم : فقال أكثرهم: اليوم العاشر من المحرم وهو الصحيح لما تقدم. وقال بعضهم: هو الحادي عشر منه. ونقل عن عائشة -رضي الله عنها -أنه هو التاسع منه. وعن الحكيم بن الأعرج أنه سأل ابن عباس -رضي الله عنهما -عن أي يوم يصام عاشوراء؟ فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، ثم أصبح صائما من تاسعه. قلت: أكذلك كان يصومه محمد -صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم. وفي حديث آخر عن ابن عباس -رضي الله عنهما -أيضا، أنه صام رسول الله -صلى الله عليه وسلم -يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: إذا كان العام المقبل إن شاء الله تعالى صمنا يوم التاسع، فلم يأت العام المقبل حتى توفى رسول الله -صلى الله عليه وسلم -. قال ابن عباس -رضي الله عنهما -في لفظ آخر: "قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: لئن عشت إلى قابل إن شاء الله تعالى صمت يوم التاسع، مخافة أن يفوته يوم عاشوراء". (فصل) ونذكر من فضائل يوم عاشوراء أن الحسين بن علي -رضي الله تعالى عنهما -قتل فيه. روى عن أم سلمة -رضي الله عنها -قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم -في منزلي، إذ دخل عليه الحسين -رضي الله عنه -فطالعتهما من الباب وإذا الحسين -رضي الله عنه -على صدر النبي -صلى الله عليه وسلم -يلعب، وفي يد النبي -صلى الله عليه وسلم -قطعة من طين ودموعه تجرى، فلما خرج الحسين -رضي الله عنه -دخلت فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله طالعتك وفي يدك طينة وأنت تبكي، فقال -صلى الله عليه وسلم -لي: لما فرحت به وهو على صدري يلعب أتاني جبريل -عليه السلام -، وناولني الطينة التي يقتل عليها، فلذلك بكيت".

Sección V02/P091–V02/P094

وروى عن الحسن البصري -رحمه الله -أنه قال: إن سليمان بن عبد الملك رأى النبي -صلى الله عليه وسلم -في المنام يبشره ويلاطفه، فلما أصبح سأل الحسن -رضي الله عنه -عن ذلك، فقال له # الحسن -رضي الله عنه -: لعلك فعلت إلى أهل بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم -معروفا، فقال: نعم، وجدت رأس الحسين بن علي -رضي الله عنه -في خزانة يزيد بن معاوية، فكسوته خمسة أثواب من الديباج، وصليت عليه مع جماعة من أصحابي وقبرته، فقال له الحسن -رحمه الله -: لقدر رضى النبي -صلى الله عليه وسلم -عنك بسبب ذلك، فأحسن إلى الحسن -رحمه الله -، وأمر له بالجوائز. وروى عن حمزة الزيات قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم -وإبراهيم الخليل -عليه السلام -في المنام يصليان على قبر الحسين بن علي -رضي الله عنهما -. وأخبرنا أبو نصر عن والده بإسناده عن أبى أسامة عن جعفر بن محمد -رحمه الله -قال: هبط على قبر الحسين بن علي -رضي الله عنهما -يوم أصيب سبعون ألف ملك يبكون عليه إلى يوم القيامة. (فصل) وقد طعن قوم على من صام هذا اليوم العظيم وما ورد فيه من التعظيم وزعموا أنه لا يجوز صيامه لأجل قتل الحسين بن علي -رضي الله عنهما -فيه. وقالا: ينبغي أن تكون المصيبة فيه عامة لجميع الناس لفقده فيه، وأنتم تتخذونه يوم فرح وسرور، وتأمرون فيه بالتوسعة على العيال والنفقة الكثيرة، والصدقة على الفقراء والضعفاء والمساكين، وليس هذا من حق الحسين -رضي الله عنه -على جماعة المسلمين. وهذا القائل خاطئ ومذهبه قبيح فاسد، لأن الله تعالى اختار بسبط نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم -الشهادة في أشرف الأيام وأعظمها وأجلها وأرفعها عنده، ليزيده بدلك رفعة في درجاته وكراماته، مضافة إلى كرامته وبلغه منازل الخلفاء الراشدين الشهداء بالشهادة، ولو جار أن يتخذ يوم موته يوم مصيبة لكان يوم الإثنين أول بذلك، إذ قبض الله تعالى نبيه محمدا -صلى الله عليه وسلم -فيه، وكذلك أبو بكر الصديق -رضي الله عنه -قبض فيه، وهو ما روى هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة -رضي الله عنها -قالت: قال لي أبو بكر -رضي الله عنه -. أي يوم توفي النبي -صلى الله عليه وسلم -فيه؟ قلت: يوم الإثنين، قال -رضي الله عنه -: إني أرجو أن أموت فيه، فمات -رضي الله عنه -فيه، وفقد رسول الله -صلى الله عليه وسلم -وفقد أبى بكر -رضي الله عنه -أعظم من فقد غيرهما. وقد اتفق الناس على شرف يوم الإثنين وفضيلة صومه، وأنه تعرض فه الأعمال، وفي يوم الخميس ترفع أعمال العباد، وكذلك يوم عاشوراء لا يتخذ يوم مصيبة، ولأن # يوم عاشوراء أن يتخذ يوم مصيبة ليس بأولى من أن يتخذ يوم فرح وسرور لما قدمنا ذكر وفضله، من أنه نجى الله تعالى فيه أنبياءه من أعدائهم، وأهلك فيه أعداءهم الكفار من فرعون وقومه وغيرهم، وأنه تعالى خلق السموات والأرض والأشياء الشريفة فيه، وآدم -عليه السلام -وغير ذلك، وما أعد الله تعالى لمن صامه من الثواب الجزيل والعطاء الوافر الكثير، وتكفير الذنوب وتمحيص السيئات فصار عاشوراء بمثابة بقية الأيام الشريفة كالعيدين والجمعة وعرفة وغيرها، ثم لو جاز أن يتخذ هذا اليوم مصيبة لاتخذه الصحابة والتابعون -رضي الله عنهم، لأنهم أقرب إليه منا وأخص به. وقد ورد عنهم الحث على التوسعة على العيال فيه والصوم فيه، من ذلك ما روى عن الحسن -رحمه الله -أنه قال: "صوم يوم عاشوراء فريضة". وكان علي -رضي الله عنه -يأمر بصيامه فقالت لهم عائشة -رضي الله عنها -: "من يأمركم بصوم يوم عاشوراء؟ قالوا: علي -رضي الله عنه، قالت: أما إنه أعلم من بقى بالسنة". وروى عن علي -رضي الله عنه -أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "من أحيا ليلة عاشوراء أحياه الله تعالى ما شاء" فدل على بطلان ما ذهب إليه القائل، والله تعالى أعلم. مجلس في فضائل يوم الجمعة

Sección V02/P094–V02/P096

قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} [الجمعة: 9]. قال عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما -: {يا أيها الذين آمنوا} يعنى أقروا وصدقوا بوحدانية الله تعالى: {إذا نودى للصلاة} يعنى إذا دعيتم بالأذان يوم الجمعة {فاسعوا إلى ذكر الله} يعنى فامشوا إلى صلاة الجمعة {وذروا البيع} يعنى واتركوا البيع بعد النداء {ذلكم} يعنى الصلاة {خير لكم} من الكسب والتجارة {إن كنتم تعلمون} يعنى تصدقون. وسبب نزول هذه الآية أن اليهود افتخروا على المسلمين بأشياء ثلاثة: أحدها: قالوا: نحن أولياء الله وأحباؤه دونكم. والثاني: لنا كتاب ولا كتاب لكم. والثالث: لنا سبت ولا سبت لكم. فرد الله عليهم وكذبهم في هذه السورة، فقال لنبيه -صلى الله عليه وسلم -: {قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} [الجمعة: 6] بقولكم نحن أولياء الله من دونكم. وأنزل الله -عز وجل -لقولهم أنتم أميون لا كتاب لكم، قوله -جل وعلا -: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} [الجمعة: 2] وذمهم فقال تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا} [الجمعة: 5]. وأنزل تبارك وتعالى لقولهم لنا سبت ولا سبت لكم: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة ...} إلى قوله: {ذلكم خير لكم}. ثم قال -عز وجل -: {وإذا رأو تجارة أو لهوا انفضوا إليها} [الجمعة: 11]. وذلك أن العير كانت إذا قدمت المدينة استقبلوها بالطبل والتصفيق، فيخرج الناس من المسجد، فلما كان ذات يوم جاءت العير فخرج الناس من المسجد، غير اثنى عشر # رجلا وامرأة، ثم جاءت عير أخرى فخرجوا أيضا إلا اثنى عشر رجلا وامرأة، ثم إن دحية بن خليفة الكلبى من بنى عامر بن عوف أقبل بتجارة من الشام قبل أن يسلم، وكان يحمل معه من أنواع التجارة، وكان يتلقاه أهل المدينة بالطبل والتصفيق، فوافق قدومه يوم الجمعة والنبي -صلى الله عليه وسلم -قائم على المنبر يخطب، فخرج إليه الناس، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم -: انظروا كم بقى في المسجد؟ فقالوا: اثنا عشر رجلا وامرأة، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم -: لولا هؤلاء لقد سومت عليهم الحجارة، يعنى علم على الحجارة لهم، فأنزل الله -عز وجل -: {وإذا رأو تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما} [الجمعة: 11] على المنبر {قل ما عند الله خير من اللهو} [الجمعة: 11] يعنى من الطبل والتصفيق {ومن التجارة} [الجمعة: 11] التي جاء بها دحية {والله خير الرازقين} [الجمعة: 11] من غيره. وقيل: من الاثنى عشر رجلا الذين بقوا في المسجد أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما -. (فصل: في فضائل يوم الجمعة من طريق الآثار) من ذلك ما روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة -رضي الله عنه -قال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال: "لم تطلع الشمس ولم تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة، وما من دابة إلا وهى تفزع من يوم الجمعة إلا الثقلان الجن والإنس، وعلى كل باب من أبواب المسجد ملكان يكتبان الناس الأول فالأول، كرجل قرب بدنة، وكرجل قرب بقرة، وكرجل قرب شاة، وكرجل قرب دجاجة، وكرجل قرب بيضة، فإذا قام الإمام طريت الصحف". وعن أبى سلمة عن أبى هريرة -رضي الله عنه -عن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال: "إن خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق الله تعالى آدم، وفيه أدخله الجنة وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يصادفها مؤمن يسأل الله تعالى فيها شيئا إلا أعطاه إياه". قال أبو سلمة: قال عبد الله بن سلام -رضي الله عنه -: قد عرفت تلك الساعة، وهى آخر ساعة من النهار، وهى الساعة التي خلق فيها آدم -عليه السلام -، قال الله -عز وجل -: {خلق الإنسان من عجل} [الأنبياء: 37].

Sección V02/P096–V02/P097

وروى عبد الله بن منذر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله تعالى من يوم الفطر، وفيه خمس خلال: فيه خلق الله تعالى آدم -عليه السلام، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه توفى، وفيه ساعة لا يسأل العبد ربه فيها شيئا إلا أعطاه إياه ما لم يسأل حراما، وفيه تقوم الساعة، وما من ملك مقرب عند ربه -عز وجل -إلا وهو يفزع من يوم الجمعة، ولا سماء ولا أرض إلا وهى تشفق من يوم الجمعة". وعن أبى هريرة -رضي الله عنه -عن النبي -صلى الله عليه وسلم -أنه قال: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم -عليه السلام -، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة". وعن أبى هريرة -رضي الله عنه -أيضا عن النبي -صلى الله عليه وسلم -أنه قال: "اليوم الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، والموعود يوم القيامة، ما طلعت شمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله تعالى فيها خيرا إلا أعطاه أو يستعيذه من شر إلا يعيذه". أخبرنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن علي بن أبى طالب -رضي الله عنه -قال: "إذا كان يوم الجمعة خرجت الشياطين يزفون الناس إلى أسواقهم ومعهم الرايات، وتخرج الملائكة على أبواب المساجد يكتبون الناس على قدر منازلهم، السابق والمصلى والذي يليه، حتى يخرج الإمام، فمن دنا من الإمام فنصت واستمع ولم يلغ كان له كفلان من الأجر، ومن نأى عنه فاستمع ونصت ولم يلغ كان له كفل من الأجر، ومن دنا من الإمام فلغا ولم ينصت ولم يستمع كان عليه كفلان، ومن نأى عنه فلغا ولم ينصت ولم يستمع كان عليه كفل من الوزر، ومن قال صه فقد تكلم، ومن تكلم فلا جمعة له، ثم قال علي -رضي الله عنه -: هكذا سمعت من نبيكم محمد -صلى الله عليه وسلم -". فقوله: فلا جمعة له أي جمعة كاملة من الأجر والثواب ومعناه ناقص الأجر والثواب. وعن أبى هريرة -رضي الله عنه -قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم -يقول: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغوت". وعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي الله عنه -قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -قال: "تقف الملائكة على أبواب المساجد يوم الجمعة يكتبون مجيء الناس حتى يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام طويت الصحف ورفع الأقلام". قال: "فتقول الملائكة بعضهم لبعض: ما حبس فلانا وما حبس فلانا؟ قال: فتقول الملائكة بعضهم لبعض: اللهم إن كان مريضا فاشفه، وإن كان ضالا فاهده، وإن كان غائبا فأعنه". وقال جعفر: حدثنا ثابت. قال: بلغنا أن الله تعالى ملائكة معهم ألواح من فضة وأقلام من ذهب يكتبون من صلى ليلة الجمعة ويوم الجمعة في جماعة. أخبرنا الشيخ أبو نصر عن والده، بإسناده عن أبى الزبير، عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما -: قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -قال: "من كان يؤمن بالله والبوم الآخر فعليه الجمعة في يوم الجمعة، إلا مريضا أو مسافرا أو امرأة أو صبيا أو مملوكا، ومن استغنى عنها بلهو أو تجارة استغنى الله عنه، والله غنى حميد". وعن أبى الجهد الضمرى عن النبي -صلى الله عليه وسلم -أنه قال: "من ترك الجمعة ثلاثا تهاونا بها طبع الله تعالى على قلبه".

Sección V02/P097–V02/P099

وأخبرنا الشيخ أبو نصر عن والده بإسناده عن سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما -قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم -يقول على منبره: "يا أيها الناس توبوا إلى الله تعالى قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشتغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له تسعدوا، وأكثروا من الصدقة في السر والعلانية تؤجروا # وتحمدوا وترزقوا، واعلموا أن الله تعالى قد فرض عليكم الجمعة فريضة مكتوبة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة، من وجد إليها سبيلا وتركها في حياتي أو بعدي جحودا بها أو استخفافا بها، وله إمام جائز أو عادل، فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره، ألا فلا صلاة له، ألا فلا وضوء له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا بركة له حتى يتوب، فإن تاب تاب الله عليه، ألا ولا تؤمن امرأة رجلا ولا يؤمن أعرابي مهاجرا، ألا ولا يؤمن فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه وسوطه". وأخبرنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن ثابت البنانى عن طاوس عن أبى موسى الأشعري -رضي الله عنه -قال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال: "إن الله يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها، ويبعث الجمعة وهي زاهرة منيرة، أهلها يحفون بها كالعروس تهدى إلى كريمها تضيء لهم، يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج وريحهم كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، وينظر إليهم الثقلان، ما يطرفون تعجبا حتى يدخلوا الجنة، لا يخالطهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون". وأخبرنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن ثابت البنانى، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه -، عن النبي -صلى الله عليه وسلم -أنه قال: "إن لله تعالى ستمائة ألف عتيق من النار في كل يوم، وليلة الجمعة ويوم الجمعة أربع وعشرون ساعة، في كل ساعة ستمائة ألف عتيق من النار". وفي لفظ آخر عن ثابت عن أنس -رضي الله عنه -عن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال: "إن لله في كل ساعة من ساعات الدنيا ستمائة ألف عتيق من النار يعتقهم كلهم، قد استوجبوا النار يوم القيامة، وفي يوم الجمعة وليلة الجمعة أربع وعشرون ساعة، ليس فيها ساعة إلا ولله -عز وجل -فيها ستمائة ألف عتيق يعتقهم من النار كلهم قد استوجبوا النار". وعن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن أبى الدرداء -رضي الله عنه -قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "من صلى يوم الجمعة في جماعة كتبت له حجة متقبلة، وإن صلى العصر كانت فصل من اغتسل يوم الجمعة ثم راح له عمرة، وإن تمسى في مكانه لم يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه". وعن أبى أمامة الباهلى -رضي الله عنه -قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "من صام يوم الجمعة وصلى مع الإمام وشهد جنازة وتصدق بصدقة وعاد مريضا وشهد نكاحا وجبت له الجنة". وأخبرنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي الله عنه -، عن النبي -صلى الله عليه وسلم -أنه قال: "يحضر الجمعة ثلاثة نفر: فرجل حضرها بلغو فذاك حظه، ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله تعالى، فإن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا، فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، فإن الله -عز وجل -يقول: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 16]. وقد ورد في الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم -أنه قال: "ما من دابة إلا وهي قائمة على ساق يوم الجمعة مشفقة من قيام الساعة إلا الشياطين وشقي بني آدم". ويقال: إن الطير والهوام تلقى بعضها بعضا في يوم الجمعة، فتقول: سلام عليكم يوم صالح.

Sección V02/P099–V02/P101

وفي بر آخر: "إن جهنم تسعر في كل يوم قبل الزوال عند استواء الشمس في كبد السماء، فلا تصلوا في هذه الساعة إلا يوم الجمعة، فإنها صلاة كلها وإن جهنم لا تسعر فيه". (فصل) روى عن أبى صالح عن أبى هريرة -رضي الله عنه -أن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال: "من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما فرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، # فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر". فالساعة الأولى تكون بعد صلاة الصبح، والساعة الثانية تكون عند ارتفاع الشمس، والثالثة عند انبساطها وهي الضحى الأعلى إذا مضت الأقدام بحر الشمس، والساعة الرابعة تكون قبل الزوال، والخامسة إذا زالت الشمس أو مع استوائها. وعن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما -قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "اغتسل في كل يوم جمعة أخرجه الله تعالى من ذنوبه ثم قيل له: استأنف العمل". وروى عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -أنه قال: "من غسل واغتسل وغدا وابتكر ودنا من الإمام ولم يلغ، كان له بكل خطوة صيام سنة وقيامها". وقوله -صلى الله عليه وسلم -: "من غسل" بالتشديد: أي غسل أهله كناية عن الجماع، ولهذا يستحب عند أهل العلم إتيان الزوجة في يوم الجمعة، كان بعض السلف يفعله إتباعا لهذا الحديث. ومن روى بالتخفيف: أي غسل رأسه ثم غسل جسده. وعن الحسن عن أبى هريرة -رضي الله عنه -قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا هريرة اغتسل كل يوم جمعة، ولو صار أن تشترى الماء بقوت يومك". فغسل الجمعة مستحب عند أكثر الفقهاء، وواجب عند داود، فلا ينبغي أن يتركه من يأتي الجمعة. ووقته: بعد طلوع الفجر الثاني، والأولى له له أن يعقبه بالرواح إلى المسجد ليخرج من الخلاف، وأن يتحفظ من نقض الطهارة حتى يصلى الجمعة وينوى بالغسل خدمة مولاه، فإن أصبح جنبا فتوضأ واغتسل ناويا بهما الجنابة والجمعة جاز، ويتنظف بأخذ شعره وظفره وقطع رائحته: أي الكريهة، ويلبس أحسن ثيابه وأفضلها البياض ويتعمم ويرتدي، فإنه جاء في الحديث: "إن الملائكة تصلي على أصحاب العمائم يوم الجمعة" ويتطيب بأطيب طيبه مما يظهر ريحه ويخفى لونه، وليخرج من بيته إلى الجامع وعليه # السكينة والوقار خاشعا متواضعا مخبتا مفتقرا مكثرا من الدعاء والاستغفار، والصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، وينوى بخروجه زيارة مولاه في بيته والتقرب إلى الله تعالى بأداء فرائضه، والعكوف في المسجد إلى حين انقلابه إلى بيته، وينوى كف جوارحه عن اللهو واللغو في الطريق والجامع، وليترك راحته يوم الجمعة وحظوظ دنياه، وليواصل الأوراد والعبادة فيه، فيجعل أول نهاره إلى انقضاء صلاة الجمعة للخدمة، ثم يجعل وسط النهار إلى صلاة العصر لاستماع العلم ومجالس الذكر، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس للتسبيح والاستغفار، وأفضل ما يشتغل به في هذا الوقت وفي كل يوم وليلة من الأذكار أن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، مائتي مرة، سبحان الله العظيم وبحمده مائة مرة، لا إله إلا الله الملك الحق المبين مائة مرة، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي مائة مرة وأستغفر الله العظيم الحي القيوم وأسأله التوبة مائة مرة، وما شاء الله لا قوة إلا بالله مائة مرة فذلك سبعمائة مرة من أنواع الأذكار.

Sección V02/P101–V02/P102

وقد نقل عن بعض الصحابة -رضي الله عنهم -، أنه كان يسبح في كل يوم اثنى عشر ألف تسبيحة، وعن بعض التابعين أنه كان يسبح كل يوم ثلاثين ألفا، كل قد علم صلاته وتسبيحه، فاحذر أن تكون من المحرومين، فلا تذكر ولا تذكر، والمؤمن أولا يكون ذاكرا لله -عز وجل -، ثم مذكورا له، قال الله تعالى: {فاذكروني أذكركم} البقرة: 152]. وأما قبل الصلاة فلا يستحب له حضور القاص، لأن القصص بدعة وكان ابن عمر وغيره من الصحابة -رضي الله عنهم -يخرجون القصاص من الجامع، اللهم إلا أن يكون عالما بالله تعالى من أهل المعرفة واليقين، فيكون حضور مجلسه أفضل من صلاته لحديث أبى ذر -رضي الله عنه -: "حضور مجلس العلم أفضل من صلاة ألف ركعة". وفي حديث آخر: "لئن يتعلم أحدكم بابا من العلم أو يعلمه خير له من صلاة ألف ركعة". وإذا أتى الجامع لا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إماما أو مؤذنا، لما روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم -أنه قال لرجل رآه يتخطى رقاب الناس: "يا فلان ما منعك أن تصلي معنا فصل أتاني جبريل في كفه كمأة بيضاء الجمعة؟ فقال: أولم ترنى يا رسول الله؟ قال -صلى الله عليه وسلم -: رأيتك تلبثت وآذيت" أي تأخرت عن البكور، وآذيت الحضور. وفي حديث آخر قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: "ما منعك اليوم أن تجمع؟ قال: يا نبي الله قد جمعت، قال -صلى الله عليه وسلم -: أولم أرك تتخطى رقاب الناس". وقد قيل: إن من فعل ذلك جعل جسرا يوم القيامة على جهنم يتخطاه الناس. ولا تمرن بين يدى المصلى، لأن في الخبر "لأن يقف أحدكم أربعين سنة خير له من أن يمر بين يدى المصلى". وفي لفظ آخر "لأن يكون الرجل رمادا تذروه الرياح خير له من أن يمر بين يدي المصلى". ولا يقيمن أحدا من موضعه ويجلس مكانه، لما روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم -أنه قال: "لا يقيمن أحدكم أخاه من مجلسه ثم يجلس فيه". وكان ابن عمر -رضي الله عنهما -إذا قام له الرجل من مجلسه لم يجلس فيه حتى يعود إليه. وإن رأى بين يديه فرجة فهل يجوز له أن يتخطى رقاب الناس فيجلس فيها؟ على روايتين عند إمامنا أحمد -رحمه الله تعالى -، فإن قدم صاحبا له فجلس في موضعه، فإذا جلس هناك جاز وإن بسط له شيئا فهل لغيره أن يرفعه ويجلس هناك؟ على وجهين عند أصحابنا. ويجتهد أن يدنو من الإمام فينصت إلى الخطبة فلا يتكلم، فإن تكلم أثم في إحدى الروايتين، ولا يحرم الكلام قبل الشروع في الخطبة وبعد الفراغ منها.

Sección V02/P102–V02/P104

(فصل) أخبرنا الشيخ أبو نصر عن والده، قال: أنبأنا أبو القاسم عبد الله بن عمر الفقيه الشافعي -رحمه الله تعالى -، قال: حدثنا حبيب بن الحسن القزاز، قال: حدثنا # جعفر بن محمد بن الحسين الخراساني، قال: حدثنا أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، قال: حدثنا محمد بن شعيب، عن عمر بن عبد الله مولى عفرة، عن أنس ابن مالك -رضي الله عنه -، عن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال: "أتاني جبريل -عليه السلام -في كفه كمأة بيضاء فيها نكتة سوداء، فقلت: ما هذه يا جبريل؟ قال: هذه الجمعة، لكم فيها خير كثير، قلت: وما هذه النكتة السوداء؟ قال: هذه الساعة، تقوم يوم الجمعة، وهو سيد الأيام، ونحن نسميه عندنا يوم المزيد، قلت: ولم تسمونه يوم المزيد يا جبريل؟ قال: ذلك لأن ربك -عز وجل -اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة من أيام الآخرة هبط الجبار تبارك وتعالى من عرشه إلى كرسيه إلى ذلك الوادي، وقد حف الكرسي بمنابر من نور يجلس عليها النبيون، وحفت المنابر بكراسي من ذهب مكللة بالجواهر يجلس عليها الصديقون والشهداء، ثم جاء أهل الغرف حتى حفوا بالكثيب، فيقول الله -عز وجل -: أنا الذي صدقتكم وعدى وأتممت عليكم نعمتي وأحللتكم كرامتي، ثم يقول: فسلوني، فيقولون بأجمعهم: نسألك الرضا عنا، فيقول: رضاي عنكم أحلكم داري وأنيلكم كرامتي، ثم يقول: سلوني، فيعيدون فيقولون: ربنا نسألك الرضا، ثم يقول: سلوني، فيسألونه حتى تنتهي أمنية كل عبد منهم، ثم يقولون: حسبنا ربنا، فيفتح لهم بقدر انصرافهم من يوم الجمعة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم، غرفة من لؤلؤة بيضاء، وياقوتة حمراء وزمردة خضراء، ليس فيها فصم ولا وصم، مطردة فيها الأنهار متدلية فيها ثمارها وفيها أزواجها وخدمها ومساكنها، فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة، ليزدادوا فضلا من ربهم ورضوانا". وأخبرنا أبو نصر عن والده، قال: حدثنا محمد بن أحمد الحافظ، قال: حدثنا أبو علي محمد بن أحمد الصواف، قال: حدثنا أبو العباس عبد الله بن الصقر، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم أبو صالح الخزاز، قال: حدثنا عمرو بن شمس عن سعد بن طريف الإسكاف، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي -رضي الله عنه -قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "إذا كان يوم الجمعة غدا أمين الله جبريل -عليه السلام -إلى المسجد الحرام، فركز لواء فيه، وغدا سائر الملائكة إلى المساجد التي يجمع فيها، فركزوا ألويتهم وراياتهم فصل في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد يدعو الله تعالى إلا استجيبت دعوته بأبواب المساجد، ثم ينشرون قراطيس من فضة وأقلاما من ذهب، ثم يكتبون الأول فالأول من بكر إلى الجمعة، فإذا دخل كل مسجد سبعون رجلا ممن بكر إلى المسجد طويت القراطيس، وكان أولئك السبعون الذين بكروا كالذين اختار موسى {واختار موسى قومه سبعين رجلا} [الأعراف: 155] والذين اختارهم موسى من قومه كانوا أنبياء" ثم يتخلل الملائكة الصفوف فيتفقدون الرجال، ويقول بعضهم لبعض: ما فعل فلان؟ فيقولون: مات، فيقولون. رحمه الله تعالى، فإنه كان صاحب جمعة، ويقولون: ما فعل فلان؟ فيقولون: غائب، فيقولون: حفظه الله فإن كان صاحب جمعة، فيقولون: ما فعل فلان؟ فيقولون: مريض، فيقولون: عافاه الله فإنه كان صاحب جمعة". (فصل) وفي يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد يدعو الله تعالى إلا استجيبت دعوته.

Sección V02/P104–V02/P106

أخبرنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "أتيت الطور فوجدت فيه كعبا، فحدثته عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وحدثني عن التوراة، قال: فما اختلفنا في شيء حتى انتهينا إلى حديث، فقلت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "في الجمعة ساعة لا يوافقها مؤمن يصلي فيسأل الله تعالى فيها خيرا إلا أعطاه إياه" فقال كعب: في كل سنة، قال: فقلت بل في كل جمعة، كذلك قال -صلى الله عليه وسلم-، فذهب قليلا ثم رجع فقال: صدقت والله، إنها لكما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل جمعة، وإنه سيد الأيام وأحبها إلى الله تعالى. فيه خلق آدم عليه السلام، وفيه أسكن الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، ما من دابة إلا وهي مصيخة تنتظر ما يكون في يوم الجمعة إلا الثقلين، فرجعت فلقيت عبد الله بن سلام رضي الله عنه فحدثته بحديثي وحديث كعب، قال: فقال عبد الله رضي الله عنه: كذب كعب هو كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في التوراة، قال: فقلت: إنه قد رجع، فقال عبد الله بن سلام رضي الله عنه: إني لأعلم تلك الساعة، قلت: أي ساعة هي؟ قال: آخر ساعة من نهار يوم الجمعة، قال: فقلت: وكيف وقد سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يوافقها مؤمن يصلي" ولات حين صلاة قال: أما سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من انتظر صلا فرض فهو # في صلاة، قلت: بلى، قال: فهي كذلك". وفي لفظ عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه، وقال: بيده يقللها". وقد روى عن بعض السلف أنه قال: إن لله تبارك وتعالى فضلا من الرزق سوى أرزاق العباد ولا يعطى من ذلك الفضل إلا لمن سأله عشية الخميس ويوم الجمعة. وأخبرنا أبو النصر عن والده، بإسناده عن سعيد بن راشد، عن زيد بن على عن مرجانة، عن فاطمة بنت النبي -صلى الله عليه وسلم- رضي الله عنها، عن أبيها -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه" قلت: يا أبت أية ساعة هي؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: "إذا تدلى نصف الشمس للغروب" قالت: فكانت فاطمة رضي الله عنها إذا كان يوم الجمعة أمرت غلاما لها يقال له زيد تقول: اصعد إلى الضراب، فإذا تدلى نصف الشمس للغروب فآذني وأعلمني، فكان يصعد، فإذا كانت تلك الساعة آذنها وأعلمها، فتقوم وتدخل المسجد حتى تغرب الشمس وتصلي. وفي حديث كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه عن جده رضي الله عنه، قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "في الجمعة ساعة من نهار ولا يسأل الله فيها عبد شيئا إلا أعطاه سؤله، قيل له: وأية ساعة هي يا رسول الله؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها". قال كثير بن عبد الله المزني: يعني بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجمعة. وأخبرنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: عرض هذا الدعاء على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "لو دعى الله به على كل شيء بين المشرق والمغرب في ساعة يوم الجمعة لاستجيب لصاحبه: سبحانك لا إله إلا أنت يا حنان يا منان، يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام. وقال صفوان بن سليم: بلغني أن من قال حين يجلس الإمام على المنبر يوم الجمعة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير، غفر له.

Sección V02/P106–V02/P108

وقال البراء بن عازب رضي الله عنهما: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "فضل يوم الجمعة في رمضان على سائر الأيام كفضل رمضان على سائر الشهور". (فصل: في الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في يوم الجمعة) أخبرنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أكثروا من الصلاة على يوم الجمعة، فإنه يوم تضاعف فيه الأعمال، وسلوا الله لي الدرجة الوسيلة من الجنة، قيل: يا رسول الله: وما الدرجة الوسيلة من الجنة؟ قال: هي أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا نبي، وأرجو أن أكون هو". وعن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، حلت له الشفاعة يوم القيامة". وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "أكثروا الصلاة على نبيكم في الليلة الغراء واليوم الأزهر، ليلة الجمعة ويوم الجمعة". وعن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت واقفا بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "من صلى على في كل جمعة ثمانين مرة غفر الله تعالى له ذنوب ثمانين سنة، قلت: يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: تقول اللهم صل # على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وتعقد واحدة". وعن مكحول الشامي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أكثروا من الصلاة على في يوم الجمعة، فإن صلاة أمتي تعرض على في كل يوم جمعة، فمن كان أكثرهم على صلاة كان أقربهم مني منزلة يوم القيامة". (فصل: فيما يستحب أن يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة) أخبرنا أبو نصر عن والده بإسناده عن أبي الأحوص، عن عبد الله رضي الله عنه قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ في الصبح يوم الجمعة: الم السجدة، وهل أتى". وروى عنه -صلى الله عليه وسلم- "أنه كان يقرأ في المغرب ليلة الجمعة: {قل يا أيها الكافرون ...}، و {قل هو الله أحد ...}، وفي العشاء بسورة الجمعة والمنافقين". وقيل: إنه -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ ذلك في صلاة الجمعة. وعن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من قرأ ليلة الجمعة سورة يس وحم الدخان أصبح مغفورا له". وقيل: إن من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة كان كمن تصدق بعشرة آلاف دينار سوية. ويستحب أن يصلي ليلة الجمعة ويوم الجمعة أربع ركعات بأربع سور: سورة الأنعام، وسورة الكهف، وسورة طه، وسورة الملك، فإن لم يحسن القرآن قرأ جميع ما يحسن منه، فذلك له ختمة، فقد قيل: ختمة من حيث علمه، وإن كان يحسن القرآن يستحب له أن يختم في يوم الجمعة، فإن لم يقدر يشفع إليه ليلة الجمعة، فإن جعل آخر ختمته في ركعتي المغرب أو ركعتي الفجر كان أحسن، وكذلك إن جعل ختمته بين الآذان والإقامة يوم الجمعة كان فيه فضل كبير، وإن قرأ ألف مرة {قل هو الله أحد ...} يوم الجمعة في عشر ركعات أو عشرين أو في غير صلاة كان أفضل من ختمة القرآن. ويستحب الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- ألف مرة يوم الجمعة، وكذلك التسبيح ألف مرة، وهي بالكلمات الأربع التي تقدمت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. (فصل: في تسميته بيوم الجمعة)

Sección V02/P108–V02/P110

أخبرنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن سلمان رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أتدري لم سمى يوم الجمعة؟ قلت: لا، قال: لأن فيه جمع أبوكم آدم. قال لكني أقول: لا يتطهر رجل يوم الجمعة فيتوضأ ويحسن وضوءه، ثم يأتي الجمعة، إلا كفر له ما بينها وبين الجمعة الأخرى ما اجتنب الكبائر". وقال بعضهم: هو من الاجتماع، وهو اجتماع قالب آدم وروحه بعد أن كان ملقى أربعين سنة، وقال آخرون: لاجتماع آدم وحواء لما خلقها الله تعالى من ضلع آدم عليه السلام، وقال آخرون: لاجتماع آدم وحواء بعد الفرقة الطويلة. وقيل: إنما سمي بذلك لاجتماع أهل البلد والرسانيق فيه. وقيل: لأنه تقوم فيه القيامة، وهو يوم الجمع، قال الله عز وجل: {يوم يجمعكم ليوم الجمع} [التغابن:9]. (فصل) وجميع ما ذكرناه من صيام الأشهر والأضحية والعبادات من الصلاة والأذكار وغير ذلك ، وما سنذكر إن شاء الله تعالى، لا يقبل إلا بعد التوبة وطهارة القلب وإخلاص العمل لله تعالى وترك الرياء والسمعة. أما التوبة: فقد تقدم بيانها ونزيد عليه بأن الله يحب التوابين ويحب كل قلب طاهر من الذنوب، فقال عز وجل: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} [البقرة: 222]. قال عطاء ومقاتل والكلبي رحمهم الله: إن الله يحب التوابين من الذنوب، والمتطهرين بالماء من الأحداث والمحيض والجنابات والنجاسات، بيانه قصة أهل قباء، حيث ذكرهم الله عز وجل بقوله تعالى: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} [التوبة: 18] سألهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عما يعملون، فقالوا: نتبع الماء الأحجار في الاستنجاء. وقال مجاهد رحمه الله: يحب التوابين من الذنوب والمتطهرين عن أديار السماء أن يأتوها، من أتى امرأة في دبرها فليس من المتطهرين، فإن دبر المرأة مثله من الرجل. وقيل: التوابين من الذنوب والمتطهرين من الشرك. وروي عن أبي المنهال رحمه الله أنه قال: كنت عند أب العالية فتوضأ وضوءا حسنا، فقلت: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}، فقل: الطهور ممه، إن الطهور حسن، ولكنهم المتطهرون من الذنوب. وعن سعيد بن جبير رحمه الله قال: إن الله تعالى يحب التوابين من الشك، والمتطهرين من الذنوب. وقيل: التوابين من الكفر، والمتطهرين بالإيمان. وقيل التوابين من الذنوب لا يعودون فيها، والمتطهرين منها لم يصيبوها. وقيل: التوابين من الكبائر، والمتطهرين من الصغائر. وقيل: التوابين من الأفعال، والمتطهرين من الأقوال. وقيل: التوابين من الأقوال والأفعال، والمتطهرين من العقود والإضمار. وقيل: التوابين من الآثام، والمتطهرين من الأجرام. وقيل: التوابين من الجرائر، والمتطهرين من خبث السرائر. وقيل: التوابين من الذنوب، والمتطهرين من العيوب. وقيل: التواب الذي كلما أذنب تاب، قال الله عز وجل: {فإنه كان للأوابين غفورا} [الإسراء: 25]. وعن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مر رجل ممن كان قبلكم بجمجمة، فنظر إليها فقال: أي رب أنت أنت وأنا من أنا، أنت العواد بالمغفرة وأنا العواد بالذنوب، ثم خر ساجدا، فقيل له: ارفع رأسك فأنا العواد بالمغفرة، وأنت العواد بالذنوب فرفع رأسه فغفر له". (فصل) وأما الإخلاص : فقد قال الله عز وجل: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة: 5]، وقال جلا وعلا: {ألا لله الدين الخالص} [الزمر: 3]. وقال تعالى: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن ينال التقوى منكم} [الحج:37]. وقال جل جلاله: {ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون} [البقرة: 139]. اختلف الناس في معنى الإخلاص: قال الحسن رحمه الله: سألت حذيفة رضي الله عنه عن الإخلاص ما هو؟ قال: "سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإخلاص ما هو؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: سألت جبريل عليه السلام عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت رب العزة جل وعلا عن الإخلاص ما هو؟ فقال سبحانه وتعالى: هو سر من سرى استودعته قلب من أحببت من عبادي".

Preguntas