Qur'an&Sunnah

Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

Sección V03/P110–V03/P112

قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} سبب نزول هذه الآية ما روي أن تميم بن أوس الداري وعدي بن [بداء] قد خرجا من المدينة للتجارة إلى أرض الشام، وهما نصرانيان، ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص، وكان مسلما فلما اشتد وجعه أوصى إلى تميم وعدي، وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله، ومات بديل ففتشا متاعه وأخذا منه إناء من فضة منقوشا بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال فضة فغيباه، ثم قضيا حاجتهما، فانصرفا إلى المدينة، فدفعا المتاع إلى أهل البيت، ففتشوا وأصابوا الصحيفة فيها تسمية ما كان معه فجاءوا تميما وعديا فقالوا: هل باع صاحبنا شيئا من متاعه؛ قالا لا قالوا: فهل اتجر تجارة؟ قالا لا قالوا: هل طال مرضه فأنفق على نفسه قالا لا فقالوا: إنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية ما كان معه وإنا قد فقدنا منها إناء من فضة مموها بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال فضة، قالا ما ندري إنما أوصى لنا بشيء فأمرنا أن ندفعه إليكم فدفعناه وما لنا علم بالإناء، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأصرا على الإنكار، وحلفا فأنزل الله عز وجل هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان} أي: ليشهد اثنان، لفضه خبر ومعناه أمر. وقيل: معناه: أن الشهادة فيما بينكم على الوصية عند الموت اثنان، واختلفوا في هذين الاثنين فقال قوم: هما الشاهدان اللذان يشهدان على وصية الموصي. وقال آخرون: هما الوصيان، لأن الآية نزلت فيهما ولأنه قال: {تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان} ولا يلزم الشاهد يمين، وجعل الوصي اثنين تأكيدا، فعلى هذا تكون الشهادة بمعنى الحضور، كقولك: شهدت وصية فلان، بمعنى حضرت، قال الله تعالى: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) (النور -2) يريد الحضور {ذوا عدل} أي: أمانة وعقل {منكم} أي: من أهل دينكم يا معشر المؤمنين {أو آخران من غيركم} أي: من غير دينكم وملتكم في قول أكثر المفسرين، قاله ابن عباس وأبو موسى الأشعري، وهو قول سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد وعبيدة. ثم اختلف هؤلاء في حكم الآية فقال النخعي وجماعة: هي منسوخة وكانت شهادة أهل الذمة مقبولة في الابتداء ثم نسخت. وذهب قوم إلى أنها ثابتة، وقالوا: إذا لم نجد مسلمين فنشهد كافرين. وقال شريح: من كان بأرض غربة ولم يجد مسلما يشهده على وصيته فأشهد كافرين على أي دين كانا من دين أهل الكتاب أو عبدة الأوثان، فشهادتهم جائزة، ولا تجوز شهادة كافر على مسلم إلا على وصية في سفر. وعن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا ولم يجد مسلما يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة بتركته وأتيا الأشعري، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأحلفهما، وأمضى شهادتهما. وقال آخرون: قوله {ذوا عدل منكم} أي: من حي الموصي أو آخران من غير حيكم وعشيرتكم، وهو قول الحسن والزهري وعكرمة، وقالوا: لا تجوز شهادة كافر في شيء من الأحكام، {إن أنتم ضربتم} أي سرتم وسافرتم، {في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت} فأوصيتم إليهما ودفعتم إليهما مالكم فاتهمهما بعض الورثة وادعوا عليهما خيانة فالحكم فيه أن {تحبسونهما} أي: تستوقفونهما، {من بعد الصلاة} أي: بعد الصلاة، و {من} صلة يريد بعد صلاة العصر، هذا

Sección V03/P112–V03/P113

قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير وقتادة وعامة المفسرين، لأن جميع أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت، ويجتنبون فيه الحلف الكاذب، وقال الحسن: أراد من بعد صلاة العصر، وقال السدي: من بعد صلاة أهل دينهما وملتهما لأنهما لا يباليان بصلاة العصر، {فيقسمان} يحلفان، {بالله إن ارتبتم} أي: شككتم ووقعت لكم الريبة في قول الشاهدين وصدقهما، أي: في قول اللذين ليسا من أهل ملتكم، فإن كانا مسلمين فلا يمين عليهما، {لا نشتري به ثمنا} أي: لا نحلف بالله كاذبين على عوض نأخذه أو مال نذهب به أو حق نجحده، {ولو كان ذا قربى} ولو كان المشهود له ذا قرابة منا، {ولا نكتم شهادة الله} أضاف الشهادة إلى الله لأنه أمر بإقامتها ونهى عن كتمانها، وقرأ يعقوب " شهادة " بتنوين، " الله " ممدود، وجعل الاستفهام عوضا عن حرف القسم، ويروى عن أبي جعفر " شهادة " بتنوين، " الله " بقطع الألف وكسر الهاء من غير استفهام على ابتداء اليمين، أي: والله: {إنا إذا لمن الآثمين} أي إن كتمناها كنا من الآثمين. فلما نزلت هذه الآية صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا تميما وعديا فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يختانا شيئا مما دفع إليهما فحلفا على ذلك، وخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما. ثم ظهر الإناء واختلفوا في كيفية ظهوره فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم أنه وجد بمكة، فقالوا: إنا اشتريناه من تميم وعدي، وقال آخرون: لما طالت المدة أظهروه فبلغ ذلك بني سهم فأتوهما في ذلك، فقالا إنا كنا قد اشتريناه منه فقالوا لهما: ألم تزعما أن صاحبنا لم يبع شيئا من متاعه؟ قالا لم يكن عندنا بينة وكرهنأ 114\أأن نقر لكم به فكتمناه لذلك، فرفعهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: {فإن عثر} {فإن عثر} أي: اطلع على خيانتهما، وأصل العثور: الوقوع على الشيء، {على أنهما} يعني: الوصيين {استحقا} استوجبا، {إثما} بخيانتهما وبأيمانهما الكاذبة، {فآخران} من أولياء الميت، {يقومان مقامهما} يعني: مقام الوصيين، {من الذين استحق} بضم التاء على المجهول، هذا قراءة العامة، يعني: الذين استحق، {عليهم} أي فيهم ولأجلهم الإثم وهم ورثة الميت استحق الحالفان بسببهم الإثم و (على) بمعنى في، كما قال الله (على ملك سليمان) (البقرة، 102) أي: في ملك سليمان، وقرأ حفص (استحق) بفتح التاء والحاء، وهي قراءة علي والحسن، أي: حق ووجب عليهم الإثم، يقال: حق واستحق بمعنى واحد، {الأوليان} نعت للآخران، أي: فآخران الأوليان، وإنما جاز ذلك و {الأوليان} معرفة والآخران نكرة لأنه لما وصف ال"آخران"، فقال {من الذين} صار كالمعرفة و {الأوليان} تثنية الأولى، والأولى هو الأقرب، وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم ويعقوب " الأولين " بالجمع فيكون بدلا من الذين، والمراد منهم أيضا أولياء الميت. ومعنى الآية: إذا ظهرت خيانة الحالفين يقوم اثنان آخران من أقارب الميت، {فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما} يعني: يميننا أحق من يمينهما، نظيره قوله تعالى في اللعان: (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله) (النور -6) . والمراد بها الأيمان، فهو كقول القائل: أشهد بالله، أي: أقسم بالله، {وما اعتدينا} في أيماننا، وقولنا أن شهادتنا أحق من شهادتهما، {إنا إذا لمن الظالمين} فلما نزلت هذه الآية قام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان، فحلفا بالله بعد العصر فدفعا الإناء إليهما وإلى أولياء الميت، وكان تميم الداري بعدما أسلم يقول صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء، فأتوب إلى الله وأستغفره، وإنما انتقل اليمين إلى الأولياء لأن الوصيين ادعيا أنهما ابتاعاه. والوصي إذا أخذ شيئا من مال الميت وقال: إنه أوصى لي به حلف الوارث، إذا أنكر ذلك، وكذلك لو ادعى رجل سلعة في يد رجل فاعترف ثم ادعى أنه اشتراها من المدعي، حلف المدعي أنه لم يبعها منه.

Sección V03/P113–V03/P115

ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما عن تميم الداري قال: كنا بعنا الإناء بألف درهم فقسمتها أنا وعدي، فلما أسلمت تأثمت فأتيت موالي الميت فأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فأتوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحلف عمرو والمطلب فنزعت الخمسمائة من عدي، ورددت أنا الخمسمائة. فذلك قوله تعالى: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} أي: ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين أجدر وأحرى أن يأتي الوصيان بالشهادة على وجهها وسائر الناس أمثالهم، أي أقرب إلى الإتيان بالشهادة على ما كانت، {أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} أي: أقرب إلى أن يخافوا رد اليمن بعد يمينهم على [المدعي] فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا ويغرموا فلا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا الحكم، {واتقوا الله} أن تحلفوا أيمانا كاذبة أو تخونوا أمانة، {واسمعوا} الموعظة، {والله لا يهدي القوم الفاسقين} {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون } قوله عز وجل {يوم يجمع الله الرسل} وهو يوم القيامة، {فيقول ماذا أجبتم} أي: ما الذي أجابتكم أمتكم؟ وما الذي رد عليكم قومكم حين دعوتموهم إلى توحيدي وطاعتي؟ {قالوا} أي: فيقولون {لا علم لنا} قال ابن عباس معناه: لا علم لنا إلا العلم الذي أنت أعلم به منا، وقيل: لا علم لنا بوجه الحكمة عن سؤالك إيانا عن أمر أنت أعلم به منا، وقال ابن جريج: لا علم لنا بعاقبة أمرهم وبما أحدثوا من بعد، دليله أنه قال: {إنك أنت علام الغيوب} أي: أنت الذي تعلم ما غاب ونحن لا نعلم إلا ما نشاهد. أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسلم بن إبراهيم أنا وهيب أنا عبد العزيز عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول: أصحابي، فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك" . وقال ابن عباس والحسن ومجاهد والسدي: إن للقيامة أهوالا وزلازل تزول فيها القلوب عن مواضعها، فيفزعون من هول ذلك اليوم ويذهلون عن الجواب، ثم بعدما ثابت إليهم عقولهم يشهدون على أممهم. قوله تعالى: {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك} قال الحسن: ذكر النعمة شكرها، وأراد بقوله {نعمتي} أي: نعمي، [قال الحسن] لفظه واحد ومعناه جمع، كقوله تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) ، {وعلى والدتك} مريم ثم ذكر النعم فقال: {إذ أيدتك} قويتك، {بروح القدس} يعني جبريل عليه السلام، {تكلم الناس} يعني: وتكلم الناس، {في المهد} صبيا، {وكهلا} نبيا قال ابن عباس: أرسله وهو ابن ثلاثين سنة، فمكث في رسالته ثلاثين شهرا ثم رفعه الله إليه، {وإذ علمتك الكتاب} يعني الخط، {والحكمة} يعني العلم والفهم، {والتوراة والإنجيل وإذ تخلق} تجعل وتصور، {من الطين كهيئة الطير} كصورة الطير، {بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا} حيا يطير، {بإذني وتبرئ} وتصحح، {الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى} من قبورهم أحياء، {بإذني وإذ كففت} منعت وصرفت، {بني إسرائيل} يعني اليهود، {عنك} حين هموا بقتلك، {إذ جئتهم بالبينات} يعني: الدلالات والمعجزات، وهي التي ذكرنا.

Sección V03/P115–V03/P117

{فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين} يعني: ما جاءهم به من البينات، قرأ حمزة والكسائي " ساحر مبين " هاهنا وفي سورة هود والصف، فيكون راجعا إلى عيسى عليه السلام، وفي هود يكون راجعا إلى محمد صلى الله عليه وسلم. {وإذ أوحيت إلى الحواريين} ألهمتهم وقذفت في قلوبهم، وقال أبو عبيدة يعني أمرت و {إلى} صلة، والحواريون خواص أصحاب عيسى عليه السلام، {أن آمنوا بي وبرسولي} [عيسى] {قالوا} حين وافقتهم {آمنا واشهد بأننا مسلمون} {إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين} إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك قرأ الكسائي "هل تستطيع" بالتاء "ربك" بنصب الباء وهو قراءة علي وعائشة وابن عباس ومجاهد، أي: هل تستطيع أن تدعو وتسأل ربك، وقرأ الآخرون "هل يستطيع" بالياء و"ربك" برفع الباء، ولم يقولوه شاكين في قدرة الله عز وجل، ولكن معناه: هل ينزل ربك أم لا؟ كما يقول الرجل لصاحبه هل تستطيع أن تنهض معي وهو يعلم أنه يستطيع، وإنما يريد هل يفعل ذلك أم لا وقيل: يستطيع بمعنى يطيع، يقال: أطاع واستطاع بمعنى واحد، كقولهم: أجاب واستجاب، معناه: هل يطيعك ربك بإجابة سؤالك؟ وفي الآثار من أطاع الله أطاعه الله، وأجرى بعضهم على الظاهر 114/ب فقالوا: غلط القوم، وقالوه قبل استحكام المعرفة وكانوا بشرا، فقال لهم عيسى عليه السلام عند الغلط، استعظاما لقولهم {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} أي: لا تشكوا في قدرته. {أن ينزل علينا مائدة من السماء} المائدة الخوان الذي عليه الطعام، وهي فاعلة من: ماده يميده إذا أعطاه وأطعمه، كقوله ماره يميره، وامتاد: افتعل منه، والمائدة هي المطعمة للآكلين الطعام، وسمي الطعام أيضا مائدة على الجواز، لأنه يؤكل على المائدة، وقال أهل الكوفة: سميت مائدة لأنها تميد بالآكلين، أي: تميل. وقال أهل البصرة: فاعلة بمعنى المفعول، أي تميد بالآكلين إليها، كقوله تعالى (عيشة راضية) أي: مرضية، {قال} عيسى عليه السلام مجيبا لهم: {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} فلا تشكوا في قدرته، وقيل: اتقوا الله أن تسألوه شيئا لم يسأله الأمم قبلكم، فنهاهم عن اقتراح الآيات بعد الإيمان. {قالوا نريد} أي: إنما سألنا لأنا نريد، {أن نأكل منها} أكل تبرك لا أكل حاجة فنستيقن قدرته، {وتطمئن} وتسكن، {قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا} بأنك رسول الله، أي: نزداد إيمانا ويقينا، وقيل: إن عيسى ابن مريم أمرهم أن يصوموا ثلاثين يوما، فإذا أفطروا لا يسألون الله شيئا إلا أعطاهم، ففعلوا وسألوا المائدة، وقالوا: "ونعلم أن قد صدقتنا" في قولك، إنا إذا صمنا ثلاثين يوما لا نسأل الله تعالى شيئا إلا أعطانا، {ونكون عليها من الشاهدين} لله بالوحدانية والقدرة، ولك بالنبوة والرسالة، وقيل: ونكون من الشاهدين لك عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم. {قال عيسى ابن مريم} عند ذلك، {اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء} وقيل: إنه اغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين وطأطأ رأسه وغض بصره وبكى، ثم قال: اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء، {تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا} أي: عائدة من الله علينا حجة وبرهانا، والعيد: يوم السرور، سمي به للعود من الترح إلى الفرح، وهو اسم لما اعتدته ويعود إليك، وسمي يوم الفطر والأضحى عيدا لأنهما يعودان كل سنة، قال السدي: معناه نتخذ اليوم الذي أنزلت فيه عيدا لأولنا وآخرنا، أي: نعظمه نحن ومن بعدنا، وقال سفيان: نصلي فيه، قوله {لأولنا} أي: لأهل زماننا {وآخرنا} أي: لمن يجيء بعدنا، وقال ابن عباس: يأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم، {وآية منك} دلالة وحجة، {وارزقنا وأنت خير الرازقين}

Sección V03/P117–V03/P119

{قال الله} تعالى مجيبا لعيسى عليه السلام، {إني منزلها عليكم} يعني: المائدة وقرأ أهل المدنة وابن عامر وعاصم "منزلها" بالتشديد لأنها نزلت مرات، والتفعيل يدل على التكرير مرة بعد أخرى، وقرأ الآخرون بالتخفيف لقوله: أنزل علينا، {فمن يكفر بعد منكم} أي: بعد نزول المائدة {فإني أعذبه عذابا} أي جنس عذاب، {لا أعذبه أحدا من العالمين} يعني: عالمي زمانه، فجحد القوم وكفروا بعد نزول المائدة فمسخوا قردة وخنازير، قال عبد الله بن عمر: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون . واختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا؟ فقال مجاهد والحسن: لم تنزل لأن الله عز وجل لما أوعدهم على كفرهم بعد نزول المائدة خافوا أن يكفر بعضهم فاستعفوا، وقالوا: لا نريدها، فلم تنزل، وقوله: "إني منزلها عليكم"، يعني: إن سألتم . والصحيح الذي عليه الأكثرون: أنها نزلت، لقوله تعالى: "إني منزلها عليكم"، ولا خلف في خبره، لتواتر الأخبار فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين. واختلفوا في صفتها فروى خلاس بن عمرو عن عمار بن ياسر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها نزلت خبزا ولحما، وقيل لهم: إنها مقيمة لكم ما لم تخونوا [وتخبؤوا] فما مضى يومهم حتى خانوا وخبؤوا فمسخوا قردة وخنازير . وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن عيسى عليه السلام قال لهم: صوموا ثلاثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم يعطكموه، فصاموا فلما فرغوا قالوا: يا عيسى إنا لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا، وسألوا الله المائدة فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها، علها سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم . قال كعب الأحبار: نزلت [مائدة] منكوسة تطير بها الملائكة بين السماء والأرض، عليها كل الطعام إلا اللحم. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم، قال قتادة كان عليها ثمر من ثمار الجنة. وقال عطية العوفي: نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شيء. وقال الكلبي: كان عليها خبز ورز وبقل. وقال وهب بن منبه: أنزل الله أقرصة من شعير وحيتانا وكان قوم يأكلون ثم يخرجون ويجيء آخرون فيأكلون حتى أكلوا جميعهم وفضل. وعن الكلبي ومقاتل: أنزل الله خبزا وسمكا وخمسة أرغفة، فأكلوا ما شاء الله تعالى، والناس ألف ونيف فلما رجعوا إلى قراهم، ونشروا الحديث ضحك منهم من لم يشهد، وقالوا: ويحكم إنما سحر أعينكم، فمن أراد الله به الخير ثبته على بصيرته، ومن أراد فتنته رجع إلى كفره، ومسخوا خنازير ليس فيهم صبي ولا امرأة، فمكثوا بذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا، ولم يتوالدوا ولم يأكلوا ولم يشربوا، وكذلك كل ممسوخ.

Sección V03/P119–V03/P120

وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشيا حيث كانوا كالمن والسلوى لبني إسرائيل، وقال عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي لما سأل الحوارين المائدة لبس عيسى عليه السلام صوفا وبكى، وقال: "اللهم أنزل علينا مائدة من السماء" الآية فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها، وهم ينظرون إليها وهي تهوي منقضة حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى، وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة، واليهود ينظرون إلى شيء لم يروا مثله قط ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه، فقال عيسى عليه السلام: ليقم أحسنكم عملا فيكشف عنها ويذكر اسم الله تعالى، فقال شمعون الصفار رأس الحواريين: أنت أولى بذلك منا [فقام عيسى عليه السلام] فتوضأ وصلى صلاة طويلة وبكى كثيرا، ثم كشف المنديل عنها، وقال: بسم الله خير الرازقين فإذا هو سمكة مشوية ليس عليها فلوسها ولا شوك عليها تسيل من الدسم وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد، فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من 115\أطعام الآخرة؟ فقال: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة، ولكنه شيء افتعله الله تعالى بالقدرة الغالبة، كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله، قالوا: يا روح الله كن أول من يأكل منها، فقال عيسى عليه السلام: معاذ الله أن آكل منها ولكن يأكل منها من سألها فخافوا أن يأكلوا منها، فدعا لها أهل الفاقة والمرضى وأهل البرص والجذام والمقعدين والمبتلين، فقال: كلوا من رزق الله ولكم المهنأ ولغيركم البلاء، فأكلوا وصدر عنها ألف وثلاثمائة رجل وامرأة من فقير ومريض وزمن ومبتلى كلهم شبعان، وإذا السمكة بهيئتها حين نزلت، ثم طارت سفرة المائدة صعدا وهم ينظرون إليها حتى توارت، فلم يأكل منها زمن ولا مريض ولا مبتلى إلا عوفي ولا فقير إلا استغنى، وندم من لم يأكل منها فلبثت أربعين صباحا تنزل ضحى، فإذا نزلت اجتمعت الأغنياء والفقراء والصغار والكبار والرجال والنساء، ولا تزال منصوبة يؤكل منها حتى إذا فاء الفيء طارت وهم ينظرون في ظلها حتى توارت عنهم، وكانت تنزل غبا تنزل يوما ولا تنزل يوما كناقة ثمود، فأوحى الله تعالى [إلى عيسى عليه السلام] اجعل مائدتي ورزقي للفقراء دون الأغنياء، فعظم ذلك على الأغنياء حتى شكوا وشككوا الناس فيها، وقالوا: أترون المائدة حقا تنزل من السماء؟ فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: إني شرطت أن من كفر بعد نزولها عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، فقال عيسى عليه السلام: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) فمسخ منهم ثلاثمائة وثلاثون رجلا باتوا من ليلتهم على فرشهم مع نسائهم فأصبحوا خنازير يسعون في الطرقات والكناسات، ويأكلون العذرة في الحشوش فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى عليه السلام وبكوا فلما أبصرت الخنازير عيسى عليه السلام بكت وجعلت تطيف بعيسى عليه السلام وجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم فيشيرون برءوسهم ويبكون ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا. وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم

Sección V03/P120–V03/P122

قوله عز وجل: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} واختلفوا في أن هذا القول متى يكون، فقال السدي: قال الله تعالى هذا القول لعيسى عليه السلام حين رفعه إلى السماء لأن حرف "إذ" يكون للماضي، وقال سائر المفسرين: إنما يقول الله له هذا القول يوم القيامة بدليل قوله [من قبل] (يوم يجمع الله الرسل) (المائدة، 109) . وقال من بعدها (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) (المائدة، 119) ، وأراد بهما يوم القيامة، وقد تجيء "إذ" بمعنى "إذا" كقوله عز وجل: (ولو ترى إذ فزعوا) أي: إذا فزعوا [يوم القيامة] والقيامة وإن لم تكن بعد ولكنها كالكائنة لأنها آتية لا محالة. قوله: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} ؟ فإن قيل: فما وجه هذا السؤال مع علم الله عز وجل أن عيسى لم يقله؟ قيل هذا السؤال عنه لتوبيخ قومه وتعظيم أمر هذه المقالة كما يقول القائل لآخر: أفعلت كذا وكذا؟ فيما يعلم أنه لم يفعله، إعلاما واستعظاما لا استخبارا واستفهاما. وأيضا: أراد الله عز وجل أن يقر [عيسى عليه السلام عن] نفسه بالعبودية، فيسمع قومه، ويظهر كذبهم عليه أنه أمرهم بذلك، قال أبو روق: وإذا سمع عيسى عليه السلام هذا الخطاب أرعدت مفاصله وانفجرت من أصل كل شعرة في جسده عين من دم، ثم يقول مجيبا لله عز وجل: {قال سبحانك} تنزيها وتعظيما لك {ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} قال ابن عباس: تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك، وقيل معناه: تعلم سري ولا أعلم سرك، وقال أبو روق تعلم ما كان مني في دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منك في الآخرة، وقال الزجاج: النفس عبارة عن جملة الشيء وحقيقته، يقول: تعلم جميع ما أعلم من حقيقة أمري ولا أعلم حقيقة أمرك، {إنك أنت علام الغيوب} ما كان وما يكون. {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد } {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم} [وحدوه] ولا تشركوا به شيئا، {وكنت عليهم شهيدا ما دمت} أقمت، {فيهم فلما توفيتني} قبضتني ورفعتني إليك، {كنت أنت الرقيب عليهم} والحفيظ عليهم، تحفظ أعمالهم، {وأنت على كل شيء شهيد} قوله تعالى: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فإن قيل كيف طلب المغفرة لهم وهم كفار، وكيف قال: وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم، وهذا لا يليق بسؤال المغفرة، قيل: أما الأول فمعناه إن تعذبهم بإقامتهم على كفرهم وإن تغفر لهم بعد الإيمان وهذا يستقيم على قول السدي: إن هذا السؤال قبل يوم القيامة لأن الإيمان لا ينفع في القيامة. وقيل: هذا في فريقين منهم، معناه: إن تعذب من كفر منهم وإن تغفر لمن آمن منهم. وقيل: ليس هذا على وجه طلب المغفرة ولو كان كذلك لقال: فإنك أنت الغفور الرحيم، ولكنه على تسليم الأمر وتفويضه إلى مراده. وأما السؤال الثاني: فكان ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور لالرحيم، وكذلك هو في مصحفه، وأما على القراءة المعروفة قيل فيه تقديم وتأخير تقديره: إن تغفر لهم فإنهم عبادك وإن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم. وقيل: معناه إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز في الملك الحكيم في القضاء لا ينقص من عزك شيء، ولا يخرج من حكمك شيء، ويدخل في حكمته ومغفرته وسعة رحمته ومغفرته الكفار، لكنه أخبر أنه لا يغفر وهو لا يخلف خبره.

Sección V03/P122–V03/P125

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي ثنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثني يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب أخبرني عمر بن الحارث أن بكر بن سوادة حدثه عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى في إبراهيم: "رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني"، الآية. وقول عيسى عليه السلام: "إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم" فرفع يديه وقال: اللهم أمتي وبكى فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد، وربك أعلم فسله ما يبكيه؟ فأتاه جبريل فسأله، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال الله، فقال الله تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك" . {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم } {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} 115/ب قرأ نافع (يوم) بنصب الميم، يعني: تكون هذه الأشياء في يوم، فحذف في فانتصب، وقرأ الآخرون بالرفع على أنه خبر (هذا) أي: ينفع الصادقين في الدنيا صدقهم في الآخرة، ولو كذبوا ختم الله على أفواههم ونطقت به جوارحهم فافتضحوا، وقيل: أرادوا بالصادقين النبيين. وقال الكلبي: ينفع المؤمنين إيمانهم، قال قتادة: متكلمان لا يخطئان يوم القيامة عيسى عليه السلام، وهو ما قص الله عز وجل، وعدو الله إبليس، وهو قوله: "وقال الشيطان لما قضي الأمر"، الآية، فصدق عدو الله يومئذ، وكان قبل ذلك كاذبا فلم ينفعه صدقه، وأما عيسى عليه السلام فكان صادقا في الدنيا والآخرة، فنفعه صدقه. وقال عطاء: هذا يوم من أيام الدنيا لأن الدار الآخرة دار جزاء لا دار عمل، ثم بين ثوابهم فقال: {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم} ثم عظم نفسه. فقال: {لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير} سورة الأنعام مكية، وهي مائة وخمس وستون آية، نزلت بمكة [جملة] ليلا معها سبعون ألف ملك قد سدوا ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتمجيد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظيم وخر ساجدا" . وروي مرفوعا: "من قرأ سورة الأنعام يصلي عليه أولئك السبعون ألف ملك ليله ونهاره" . وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت سورة الأنعام بمكة، إلا قوله: "وما قدروا الله حق قدره"، إلى آخر ثلاث آيات، وقوله تعالى: "قل تعالوا أتل"، إلى قوله: "لعلكم تتقون"، فهذه الست آيات مدنيات . {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض} قال كعب الأحبار: هذه الآية أول آية في التوراة، وآخر آية في التوراة، قوله: "الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا" الآية (الإسراء-111) . قال ابن عباس رضي الله عنهما: افتتح الله الخلق بالحمد، فقال: (الحمد لله الذي خلق السموات والأرض) ، وختمه بالحمد فقال: (وقضي بينهم بالحق) ، أي: بين الخلائق، (وقيل: الحمد لله رب العالمين) [الزمر-75] . قوله: "الحمد لله" حمد الله نفسه تعليما لعباده، أي: احمدوا الله الذي خلق السموات والأرض، خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وفيهما العبر والمنافع للعباد، {وجعل الظلمات والنور} والجعل بمعنى الخلق، قال الواقدي: كل ما في القرآن من الظلمات والنور فهو الكفر والإيمان، إلا في هذه الآية فإنه يريد بهما الليل والنهار. وقال الحسن: وجعل الظلمات والنور يعني الكفر والإيمان، وقيل: أراد بالظلمات الجهل وبالنور العلم. وقال قتادة: يعني الجنة والنار. وقيل: معناه خلق الله السموات والأرض، وقد جعل الظلمات والنور، لأنه خلق الظلمة والنور قبل السموات والأرض.

Sección V03/P125–V03/P127

قال قتادة: خلق الله السموات قبل الأرض، والظلمة قبل النور، والجنة قبل النار، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى خلق الخلق فى ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل" . {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} أي: ثم الذين كفروا بعد هذا البيان بربهم يعدلون، أي: يشركون، وأصله من مساواة الشيء بالشيء، ومنه العدل، أي: يعدلون بالله غير الله تعالى، يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته، وبه قال النضر بن شميل، الباء بمعنى عن، أي: عن ربهم يعدلون، أي يميلون وينحرفون من العدول، قال الله تعالى (عينا يشرب بها عباد الله) أي: منها. وقيل: تحت قوله "ثم الذين كفروا بربهم يعدلون" معنى لطيف، وهو مثل قول القائل: أنعمت عليكم بكذا وتفضلت عليكم بكذا، ثم تكفرون بنعمتي. {هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون } قوله عز وجل: {هو الذي خلقكم من طين} يعني آدم عليه السلام، خاطبهم به إذ كانوا من ولده. قال السدي: بعث الله تعالى جبريل عليه السلام إلى الأرض ليأتيه بطائفة منها، فقالت الأرض إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني، فرجع جبريل ولم يأخذ وقال: يا رب إنها عاذت بك، فبعث ميكائيل، فاستعاذت فرجع، فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أخالف أمره، فأخذ من وجه الأرض فخلط الحمراء والسوداء والبيضاء، فلذلك اختلفت ألوان بني آدم، ثم عجنها بالماء العذب والملح والمر، فلذا اختلفت أخلاقهم فقال الله تعالى لملك الموت: رحم جبريل وميكائيل الأرض ولم ترحمها، لا جرم أجعل أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال "خلق الله آدم عليه السلام من تراب وجعله طينا، ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا ثم خلقه وصوره وتركه حتى كان صلصالا كالفخار، ثم نفخ فيه روحه" . قوله عز وجل: {ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده} قال الحسن وقتادة والضحاك: الأجل الأول من الولادة إلى الموت، والأجل الثاني من الموت إلى البعث، وهو البرزخ، وروي ذلك عن ابن عباس، وقال: لكل أحد أجلان أجل إلى الموت وأجل من الموت إلى البعث، فإن كان برا تقيا وصولا للرحم زيد له من أجل البعث في أجل العمر، وإن كان فاجرا قاطعا للرحم نقص من أجل العمر وزيد في أجل البعث، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: الأجل الأول أجل الدنيا، والأجل الثاني أجل الآخرة، وقال عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما {ثم قضى أجلا} يعني: النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع عند اليقظة، {وأجل مسمى عنده} يعني: أجل الموت، وقيل: هما واحد معناه: [ثم قضى أجلا] يعني: جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها، "وأجل مسمى عنده" يعني: وهو أجل مسمى عنده، لا يعلمه غيره، {ثم أنتم تمترون} تشكون في البعث. قوله عز وجل: {وهو الله في السماوات وفي الأرض} يعني: وهو إله السموات والأرض، كقوله: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) ، وقيل: هو المعبود في السموات والأرض، وقال محمد بن جرير: معناه هو في السموات يعلم سركم وجهركم في الأرض، [وقال الزجاج: فيه تقديم وتأخير تقديره: وهو الله، {يعلم سركم وجهركم} في السموات والأرض] {ويعلم ما تكسبون} تعملون من الخير والشر. {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين }

Sección V03/P127–V03/P129

{وما تأتيهم} يعني: أهل مكة، {من آية من آيات ربهم} مثل انشقاق القمر وغيره، وقال عطاء: يريد من آيات القرآن، {إلا كانوا عنها معرضين} لها تاركين بها مكذبين. {فقد كذبوا بالحق} بالقرآن، وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم، {لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} أي: أخبار استهزائهم وجزاؤه، أي: سيعلمون عاقبة 116\أاستهزائهم إذا عذبوا. قوله عز وجل: {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن} يعني: الأمم الماضية، والقرن: الجماعة من الناس، وجمعه قرون، وقيل: القرن مدة من الزمان، يقال ثمانون سنة، وقيل: ستون سنة، وقيل: أربعون سنة، وقيل: ثلاثون سنة، ويقال: مائة سنة، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن بسر المازني: "إنك تعيش قرنا"، فعاش مائة سنة فيكون معناه على هذه الأقاويل من أهل قرن، {مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم} أي: أعطيناهم ما لم نعطكم، وقال ابن عباس: أمهلناهم في العمر مثل قوم نوح وعاد وثمود، يقال: مكنته ومكنت له، {وأرسلنا السماء عليهم مدرارا} يعني: المطر، مفعال، من الدر، قال ابن عباس: مدرارا أي: متتابعا في أوقات الحاجات، وقوله: "ما لم نمكن لكم" من خطاب التلوين، رجع من الخبر من قوله: "ألم يروا" إلى خطاب، كقوله: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) [يونس، 22] . وقال أهل البصرة: أخبر عنهم بقوله "ألم يروا" وفيهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم خاطبهم معهم، والعرب تقول: قلت لعبد الله ما أكرمه، وقلت: لعبد الله ما أكرمك، {وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا} خلقنا وابتدأنا، {من بعدهم قرنا آخرين} قوله عز وجل: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس} الآية، قال الكلبي ومقاتل نزلت في النضر بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد، قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسوله، فأنزل الله عز وجل: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس} مكتوبا من عندي، {فلمسوه بأيديهم} أي: عاينوه ومسوه بأيديهم، وذكر اللمس ولم يذكر المعاينة لأن اللمس أبلغ في إيقاع العلم من [الرؤية] فإن السحر يجري على المرئي ولا يجري على الملموس، {لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} معناه: لا ينفع معهم شيء لما سبق فيهم من علمي. {وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون } {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين } {وقالوا لولا أنزل عليه} على محمد صلى الله عليه وسلم، {ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر} أي: لوجب العذاب، وفرغ من الأمر، وهذا سنة الله في الكفار أنهم متى اقترحوا آية فأنزلت ثم لم يؤمنوا استؤصلوا بالعذاب، {ثم لا ينظرون} أي: لا يؤجلون ولا يمهلون، وقال قتادة: لو أنزلنا ملكا ثم لم يؤمنوا لعجل لهم العذاب ولم يؤخروا طرفة عين، وقال مجاهد: لقضي الأمر أي لقامت القيامة، وقال الضحاك: لو أتاهم ملك فى صورته لماتوا. {ولو جعلناه ملكا} [يعني: لو أرسلنا إليهم ملكا] {لجعلناه رجلا} يعني في صورة [رجل] آدمي، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة، وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي، وجاء الملكان إلى داود في صورة رجلين. قوله عز وجل: {وللبسنا عليهم ما يلبسون} أي: خلطنا عليهم ما يخلطون وشبهنا عليهم فلا يدرون أملك هو أم آدمي، وقيل معناه شبهوا على ضعفائهم فشبه عليهم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هم أهل الكتاب فرقوا دينهم وحرفوا الكلم عن مواضعه، فلبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم وقرأ الزهري {وللبسنا} بالتشديد على التكرير والتأكيد.

Sección V03/P129–V03/P131

{ولقد استهزئ برسل من قبلك} كما استهزئ بك يا محمد يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم {فحاق} قال الربيع [بن أنس] فنزل، وقال عطاء: حل، وقال الضحاك: أحاط، {بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} أي: جزاء استهزائهم من العذاب والنقمة. {قل} يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين، {سيروا في الأرض} معتبرين، يحتمل هذا: السير بالعقول والفكر، ويحتمل السير بالأقدام، {ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} أي: آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والتكذيب الهلاك، فحذر كفار مكة عذاب الأمم الخالية. {قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم } قوله عز وجل: {قل لمن ما في السماوات والأرض} فإن أجابوك وإلا ف {قل} أنت، {لله} أمره بالجواب عقيب السؤال ليكون أبلغ في التأثير وآكد في الحجة، {كتب} أي: قضى، {على نفسه الرحمة} هذا استعطاف منه تعالى للمؤمنين عنه إلى الإقبال عليه وإخباره بأنه رحيم بالعباد لا يعجل بالعقوبة، ويقبل الإنابة والتوبة. أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي أخبرنا أبو طاهر الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه قال ثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي" . وروى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: "إن رحمتي [سبقت] غضبي . أخبرنا الشيخ أبو القاسم عبد الله بن علي الكركاني أنا أبو طاهر الزيادي أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا عبد الرحمن المروزي أخبرنا عبد الله بن المبارك أنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تتعاطف الوحوش على أولادها، وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة" . أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا ابن أبي مريم ثنا أبو غسان حدثني زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها، تسعى إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: "أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ فقلنا: لا وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: الله أرحم بعباده من هذه بولدها" . قوله عز وجل: {ليجمعنكم} اللام فيه لام القسم والنون نون التأكيد مجازه: والله ليجمعنكم، {إلى يوم القيامة} أي: في يوم القيامة، وقيل: معناه ليجمعنكم في قبوركم إلى يوم القيامة، {لا ريب فيه الذين خسروا} غبنوا، {أنفسهم فهم لا يؤمنون} {وله ما سكن في الليل والنهار} أي: استقر، قيل: أراد ما سكن وما تحرك، كقوله: (سرابيل تقيكم الحر) أي: الحر والبرد، وقيل: إنما خص السكون بالذكر لأن النعمة فيه أكثر، قال محمد بن جرير: كل ما طلعت عليه الشمس وغربت فهو من ساكن الليل والنهار، والمراد منه جميع ما في الأرض. وقيل معناه: ما يمر عليه الليل والنهار، {وهو السميع} لأصواتهم، {العليم} بأسرارهم. {قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين } قوله تعالى: {قل أغير الله أتخذ وليا} ؟ وهذا حين دعا إلى 116/ب دين آبائه، فقال تعالى: قل يا

Sección V03/P131–V03/P133

محمد أغير الله أتخذ وليا، [ربا ومعبودا وناصرا ومعينا] ؟ {فاطر السماوات والأرض} أي: خالقهما ومبدعهما ومبتديهما، {وهو يطعم ولا يطعم} أي: وهو يرزق ولا يرزق كما قال: (ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) . {قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم} يعني: من هذه الأمة، والإسلام بمعنى الاستسلام لأمر الله، وقيل: أسلم أخلص، {ولا تكونن} يعني: وقيل لي ولا تكونن، {من المشركين} {قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير } {قل إني أخاف إن عصيت ربي} [فعبدت غيره] {عذاب يوم عظيم} يعني: عذاب يوم القيامة. {من يصرف عنه} يعني: من يصرف العذاب عنه، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب " يصرف " بفتح الياء وكسر الراء، أي: من يصرف الله عنه العذاب، لقوله: "فقد رحمه" وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الراء، {يومئذ} يعني: يوم القيامة، {فقد رحمه وذلك الفوز المبين} أي: النجاة البينة. قوله عز وجل: {وإن يمسسك الله بضر} بشدة وبلية، {فلا كاشف له} لا رافع، {إلا هو وإن يمسسك بخير} عافية ونعمة، {فهو على كل شيء قدير} من الخير والضر. أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو عبد الله السلمي أنا أبو العباس الأصم أنا أحمد بن شيبان الرملي أنا عبد الله بن ميمون القداح أنا شهاب بن خراش، [هو ابن عبد الله] عن عبد الملك بن عمير عن ابن عباس قال: أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة، أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر، ثم أردفني خلفه، ثم سار بي مليا ثم التفت إلي فقال: يا غلام، فقلت: لبيك يا رسول الله، قال: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وقد مضى القلم بما هو كائن، فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم يقضه الله تعالى لك لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروك بما لم يكتب الله تعالى عليك، ما قدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين، فافعل فإن لم تستطع فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا واعلم أن النصر مع الصبر، وأن مع الكرب الفرج، وأن مع العسر يسرا" . {وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير } {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون } {وهو القاهر فوق عباده} القاهر الغالب، وفي القهر زيادة معنى على القدرة، وهي منع غيره عن بلوغ المراد، وقيل: هو المنفرد بالتدبير الذي يجبر الخلق على مراده، فوق عباده هو صفة الاستعلاء الذي تفرد به الله عز وجل. {وهو الحكيم} في أمره، {الخبير} بأعمال عباده. قوله عز وجل: {قل أي شيء أكبر شهادة} ؟ الآية، قال الكلبي: أتى أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أرنا من يشهد أنك رسول الله فإنا لا نرى أحدا يصدقك، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر، فأنزل الله تعالى: {قل أي شيء أكبر} أعظم، {شهادة} ؟ فإن أجابوك، وإلا {قل الله} هو {شهيد بيني وبينكم} على ما أقول، ويشهد لي بالحق وعليكم بالباطل، {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به} لأخوفكم به يا أهل مكة، {ومن بلغ} يعني: ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم من الأمم إلى يوم القيامة. حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد بن الحنفي أنا محمد بن بشر بن محمد المزني أنا أبو بكر

Sección V03/P133–V03/P134

محمد بن الحسن بن بشر النقاش أنا أبو شعيب الحراني أنا يحيى بن عبد الله بن الضحاك البابلي أنا الأوزاعي حدثني حسان بن عطية عن أبي كبشة [السلولي] عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ معقده من النار" . أخبرنا أبو الحسن عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها. فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" . قال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له، وقال محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا صلى الله عليه وسلم وسمع منه، أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى؟ ولم يقل أخر لأن الجمع يلحقه التأنيث، كقوله عز وجل: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) (الأعراف، 180) ، وقال: (فما بال القرون الأولى) . (طه، 51) {قل} يا محمد إن شهدتم أنتم، ف {لا أشهد} ، أنا أن معه إلها، {قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون} قوله عز وجل: {الذين آتيناهم الكتاب} ، يعني: التوراة والإنجيل، {يعرفونه} ، يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته، {كما يعرفون أبناءهم} ، من بين الصبيان. {الذين خسروا أنفسهم} ، غبنوا أنفسهم {فهم لا يؤمنون} ، وذلك أن الله جعل لكل آدمي منزلا في الجنة ومنزلا في النار، وإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل أهل النار في الجنة، ولأهل النار منازل أهل الجنة في النار، وذلك الخسران. قوله عز وجل: {ومن أظلم} ، أكفر، {ممن افترى} ، اختلق، {على الله كذبا} ، فأشرك به غيره، {أو كذب بآياته} ، يعني: القرآن، {إنه لا يفلح الظالمون} ، الكافرون. {ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون } {ويوم نحشرهم جميعا} ، أي: العابدين والمعبودين، يعني: يوم القيامة، قرأ يعقوب " يحشرهم " هاهنا، وفي سبأ بالياء، ووافق حفص في سبأ، وقرأ الآخرون بالنون، {ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون} ، أنها تشفع لكم عند ربكم. {ثم لم تكن فتنتهم} ، قرأ حمزة والكسائي ويعقوب "يكن" بالياء لأن الفتنة بمعنى الافتتان، فجاز تذكيره، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث الفتنة، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم "فتنتهم" بالرفع جعلوه اسم كان، وقرأ الآخرون بالنصب، فجعلوا الاسم قوله "أن قالوا" وفتنتهم الخبر، ومعنى قوله "فتنتهم" أي: قولهم وجوابهم، وقال ابن عباس وقتادة: معذرتهم والفتنة التجربة، فلما كان سؤالهم تجربة لإظهار ما في قلوبهم قيل فتنة. قال الزجاج في قوله: {ثم لم تكن فتنتهم} معنى لطيف وذلك مثل الرجل يفتتن بمحبوب ثم يصيبه فيه [محنة] فيتبرأ من محبوبه، فيقال: لم تكن فتنت إلا هذا، كذلك الكفار فتنوا بمحبة الأصنام ولما رأوا العذاب تبرأوا منها، يقول الله عز وجل: {ثم لم تكن فتنتهم} في محبتهم الأصنام، {إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} ، قرأ حمزة والكسائي " ربنا " بالنصب على نداء المضاف، وقرأ الآخرون بالخفض على نعت والله، وقيل: 117\أإنهم إذا رأوا يوم القيامة مغفرة الله تعالى وتجاوزه عن أهل التوحيد قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجوا مع أهل التوحيد، فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، فيختم على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم بالكفر.

Sección V03/P134–V03/P136

فقال عز وجل: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} ، باعتذارهم بالباطل وتبريهم عن الشرك، {وضل عنهم} زال وذهب عنهم {ما كانوا يفترون} من الأصنام، وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها، فبطل كله في ذلك اليوم. {ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون } قوله عز وجل: {ومنهم من يستمع إليك} الآية، قال الكلبي: اجتمع أبو سفيان بن حرب وأبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحارث بن عامر، يستمعون القرآن فقالوا للنضر: يا أبا قتيلة ما يقول محمد؟ قال: ما أدري ما يقول إلا أني أراه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون وأخبارها . فقال أبو سفيان: إني أرى بعض ما يقول حقا، فقال أبو جهل: كلا لا نقر بشيء من هذا، وفي رواية: للموت أهون علينا من هذا، فأنزل الله عز وجل: "ومنهم من يستمع إليك" وإلى كلامك، {وجعلنا على قلوبهم أكنة} ، أغطية، جمع كنان، كالأعنة جمع عنان، {أن يفقهوه} ، أن يعلموه، قيل: معناه أن لا يفقهوه، وقيل: كراهة أن يفقهوه، {وفي آذانهم وقرا} ، صمما وثقلا هذا دليل على أن الله تعالى يقلب القلوب فيشرح بعضها للهدى، ويجعل بعضها في أكنة فلا تفقه كلام الله ولا تؤمن، {وإن يروا كل آية} ، من المعجزات والدلالات، {لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين} ، يعني: أحاديثهم وأقاصيصهم، والأساطير جمع: أسطورة، وإسطارة، وقيل: هي الترهات والأباطيل، وأصلها من سطرت، أي: كتبت. {وهم ينهون عنه} أي: ينهون الناس عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم {وينأون عنه} ، أي: يتباعدون عنه بأنفسهم، نزلت في كفار مكة، قاله محمد بن الحنفية والسدي والضحاك، وقال قتادة: ينهون عن القرآن وعن النبي صلى الله عليه وسلم ويتباعدون عنه. وقال ابن عباس ومقاتل نزلت في أبي طالب كان ينهى الناس عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم ويمنعهم وينأى عن الإيمان به، أي: يبعد، حتى روي أنه اجتمع إليه رءوس المشركين وقالوا: خذ شابا من أصبحنا وجها، وادفع إلينا محمدا، فقال أبو طالب: ما أنصفتموني أدفع إليكم ولدي لتقتلوه وأربي ولدكم؟ وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الإيمان، فقال: لولا أن تعيرني قريش لأقررت بها عينك، ولكن أذب عنك ما حييت. وقال فيه أبياتا: والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وابشر بذاك وقر بذاك منك عيونا ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ولقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرضت دينا قد علمت بأنه من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار سبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا {وإن يهلكون} ، أي: ما يهلكون، {إلا أنفسهم} أي: لا يرجع وبال فعلهم إلا إليهم، وأوزار الذين يصدونهم عليهم، {وما يشعرون} . . {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين } {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون }

Sección V03/P136–V03/P138

قوله عز وجل: {ولو ترى إذ وقفوا على النار} يعني: في النار، كقوله تعالى: (على ملك سليمان) أي: في ملك سليمان، وقيل: عرضوا على النار، وجواب "لو" محذوف معناه: لو تراهم في تلك الحالة لرأيت عجبا، {فقالوا يا ليتنا نرد} يعني: إلى الدنيا، {ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} قراءة العامة كلها بالرفع على معنى: يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب، ونكون من المؤمنين، وقرأ حمزة وحفص ويعقوب "ولا نكذب ونكون" بنصب الباء والنون على جواب التمني، أي: ليت ردنا وقع، وأن لا نكذب ونكون، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصب بالفاء، وقرأ ابن عامر "نكذب" بالرفع و"نكون" بالنصب لأنهم تمنوا أن يكونوا من المؤمنين، وأخبروا عن أنفسهم أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردوا إلى الدنيا. {بل بدا لهم} قوله: "بل" تحته رد لقولهم، أي: ليس الأمر على ما قالوا إنهم لو ردوا لآمنوا، بل بدا لهم، ظهر لهم، {ما كانوا يخفون} يسرون، {من قبل} في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم، وقيل: ما كانوا يخفون وهو قولهم "والله ربنا ما كنا مشركين" (الأنعام، 23) ، فأخفوا شركهم وكتموا حتى شهدت عليهم جوارحهم بما كتموا وستروا، لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا، إلا أن تجعل الآية في المنافقين، وقال المبرد: بل بدا لهم جزاء ما كانوا يخفون، وقال النضر بن شميل: بل بدا عنهم. ثم قال {ولو ردوا} إلى الدنيا {لعادوا لما} يعني إلى ما {نهوا عنه} من الكفر، {وإنهم لكاذبون} في قولهم، لو رددنا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين. {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} هذا إخبار عن إنكارهم البعث، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، هذا من قولهم لو ردوا لقالوه. قوله عز وجل: {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} أي: على حكمه وقضائه ومسألته، وقيل: عرضوا على ربهم، {قال} لهم وقيل: تقول لهم الخزنة بأمر الله، {أليس هذا بالحق} ؟ يعني: أليس هذا البعث والعذاب بالحق؟ {قالوا بلى وربنا} إنه حق، قال ابن عباس: هذا في موقف، وقولهم: والله ربنا ما كنا مشركين في موقف آخر، وفي القيامة مواقف، ففي موقف يقرون، وفي موقف ينكرون. {قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} أي: خسروا أنفسهم بتكذيبهم المصير إلى الله بالبعث بعد الموت، {حتى إذا جاءتهم الساعة} أي: القيامة {بغتة} أي: فجأة، {قالوا يا حسرتنا} ندامتنا، [ذكر] على وجه النداء للمبالغة، وقال سيبويه: كأنه يقول: أيتها الحسرة هذا أوانك، {على ما فرطنا} أي: قصرنا {فيها} أي: في الطاعة، وقيل: تركنا في الدنيا من عمل الآخرة.

Sección V03/P138–V03/P139

قال محمد بن جرير: الهاء راجعة إلى الصفقة، وذلك أنه لما تبين لهم خسران صفقتهم ببيعهم الآخرة بالدنيا قالوا: يا حسرتنا على ما فرطنا فيها، أي: في الصفقة [فترك ذكر الصفقة] اكتفاء بذكر بقوله {قد خسر} لأن الخسران إنما يكون في صفقة بيع، والحسرة شدة الندم، حتى يتحسر النادم، كما يتحسر الذي تقوم به دابته في السفر البعيد، {وهم يحملون أوزارهم} أثقالهم وآثامهم، {على ظهورهم} قال السدي وغيره: إن المؤمن +إذ أخرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحا فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: لا فيقول: أنا عملك الصالح فاركبني، فقد طالما ركبتك في الدنيا، فذلك قوله عز وجل: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) (مريم، 85) أي: ركبانا، وأما الكافر فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا. فيقول: أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيأ 117/ب فأنا اليوم أركبك، فهذا معنى قوله: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} {ألا ساء ما يزرون} يحملون قال ابن عباس: بئس الحمل حملوا. {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو} باطل وغرور لا بقاء لها {وللدار الآخرة} قرأ ابن عامر {ولدار الآخرة} مضافا أضاف الدار إلى الآخرة، ويضاف الشيء إلى نفسه عند اختلاف اللفظين، كقوله: (وحب الحصيد) ، وقولهم: ربيع الأول ومسجد الجامع، سميت الدنيا لدنوها، وقيل: لدناءتها، وسميت الآخرة لأنها بعد الدنيا، {خير للذين يتقون} الشرك، {أفلا تعقلون} أن الآخرة أفضل من الدنيا، قرأ أهل المدينة وابن عامر ويعقوب (أفلا تعقلون) بالتاء هاهنا وفي الأعراف وسورة يوسف ويس، ووافق أبو بكر في سورة يوسف، ووافق حفص إلا في سورة يس، وقرأ الآخرون بالياء فيهن. قوله عز وجل: {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} قال السدي: التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام، فقال الأخنس لأبي جهل يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هاهنا أحد يسمع كلامك غيري، قال أبو جهل: والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية . وقال ناجية بن كعب: قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم لا نتهمك ولا نكذبك، ولكنا نكذب الذي جئت به، فأنزل الله تعالى: {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} . {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} بأنك كاذب، {فإنهم لا يكذبونك} قرأ نافع والكسائي بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد من التكذيب، والتكذيب هو أن تنسبه إلى الكذب، وتقول له: كذبت، والإكذاب هو أن تجده كاذبا، تقول العرب: أجدبت الأرض وأخصبتها إذا وجدتها جدبة ومخصبة، {ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} يقول: إنهم لا يكذبونك في السر لأنهم عرفوا صدقك فيما مضى، وإنما يكذبون وحيي ويجحدون آياتي، كما قال: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم" (النمل، 94) . {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين } {ولقد كذبت رسل من قبلك} كذبهم قومهم كما كذبتك قريش، {فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا} بتعذيب من كذبهم، {ولا مبدل لكلمات الله} لا ناقض لما حكم به، وقد حكم في كتابه بنصر أنبيائه عليهم السلام، فقال: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون) (الصافات، 171-172) ، وقال: (إنا لننصر رسلنا) (غافر، 51) وقال: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) (المجادلة، 21) ، وقال الحسن بن الفضل: لا خلف [لعداته] {ولقد جاءك من نبأ المرسلين} و {من} صلة كما تقول: أصابنا من مطر.

Sección V03/P139–V03/P142

{وإن كان كبر عليك إعراضهم} أي: عظم عليك وشق أن أعرضوا عن الإيمان بك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على إيمان قومه أشد الحرص، وكانوا إذ سألوا آية أحب أن يريهم الله تعالى ذلك طمعا في إيمانهم، فقال الله عز وجل: {فإن استطعت أن تبتغي نفقا} تطلب وتتخد نفقا سربا {وفي الأرض} ومنه نافقاء اليربوع، وهو أحد جحريه فيذهب فيه، {أو سلما} أي: درجا ومصعدا، {في السماء} فتصعد فيه، {فتأتيهم بآية} فافعل، {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} فآمنوا كلهم، {فلا تكونن من الجاهلين} أي: بهذا الحرف، وهو قوله: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} وأن من يكفر لسابق علم الله فيه. {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون } {إنما يستجيب الذين يسمعون} يعني: المؤمنين الذين يسمعون الذكر فيتبعونه وينتفعون به دون من ختم الله على سمعه، {والموتى} يعني الكفار، {يبعثهم الله ثم إليه يرجعون} فيجزيهم بأعمالهم. قوله عز وجل: {وقالوا} يعني: رؤساء قريش، {لولا} هلا {نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون} ما عليهم في إنزالها. قوله عز وجل: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه} قيد الطيران بالجناح تأكيدا كما يقال نظرت بعيني وأخذت بيدي، {إلا أمم أمثالكم} قال مجاهد: أصناف مصنفة تعرف بأسمائها يريد أن كل جنس من الحيوان أمة، فالطير أمة، والدواب أمة، والسباع أمة، تعرف بأسمائها مثل بني آدم، يعرفون بأسمائهم، يقال: الإنس والناس. أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي أنا علي بن الجعد أنا المبارك هو ابن فضالة عن الحسن عن عبد الله بن مغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن الكلاب أمة لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم) . وقيل: أمم أمثالكم يفقه بعضهم عن بعض، وقيل: أمم أمثالكم في الخلق والموت والبعث، وقال عطاء: أمم أمثالكم في التوحيد والمعرفة، قال ابن قتيبة: أمم أمثالكم في الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك. {ما فرطنا في الكتاب} أي: في اللوح المحفوظ، {من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} قال ابن عباس والضحاك: حشرها موتها، وقال أبو هريرة: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير، وكل شيء فيأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابا فحينئذ يتمنى الكافر ويقول: (يا ليتني كنت ترابا) . أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لتردن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء" . {والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } قوله عز وجل: {والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم} لا يسمعون الخير ولا يتكلمون به، {في الظلمات} في ضلالات الكفر، {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} وهو الإسلام. قوله تعالى: {قل أرأيتكم} هل رأيتم؟ والكاف فيه للتأكيد، وقال الفراء: العرب تقول أرأيتك، وهم يريدون أخبرنا، كما يقول: أرأيتك إن فعلت كذا ماذا تفعل؟ أي: أخبرني، وقرأ أهل

Sección V03/P142–V03/P144

المدينة "أرايتكم، وأرايتم، وأرايت" بتليين الهمزة الثانية، والكسائي بحذفها، قال ابن عباس: قل يا محمد لهؤلاء المشركين أرأيتكم، {إن أتاكم عذاب الله} قبل الموت، {أو أتتكم الساعة} يعني: القيامة، {أغير الله تدعون} في صرف العذاب عنكم، {إن كنتم صادقين} وأراد أن الكفار يدعون الله في أحوال الاضطرار كما أخبر الله عنهم: (وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين) (لقمان، 32) . ثم قال: {بل إياه تدعون} أي: تدعون الله ولا تدعون غيره، {فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} قيد الإجابة بالمشيئة [والأمور كلها بمشيئته] {وتنسون} وتتركون، {ما تشركون} {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء} بالشدة والجوع، {والضراء} المرض والزمانة، {لعلهم يتضرعون} أي يتوبون ويخضعون، والتضرع السؤال بالتذلل. {فلولا} فهلا {إذ جاءهم بأسنا} عذابنا، {تضرعوا} فآمنوا فكشف عنهم، 118\أأخبر الله عز وجل أنه قد أرسل إلى قوم بلغوا من القسوة إلى أنهم أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا ولم يتضرعوا، فذلك قوله: {ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} من الكفر والمعاصي. {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون } {فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون } {فلما نسوا ما ذكروا به} تركوا ما وعظوا وأمروا به، {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} قرأ أبو جعفر، "فتحنا" بالتشديد، في كل القرآن، وقرأ ابن عامر كذلك إذا كان عقيبه جمع والباقون بالتخفيف وهذا فتح استدراج ومكر، أي: بدلنا مكان البلاء والشدة الرخاء والصحة، {حتى إذا فرحوا بما أوتوا} وهذا فرح بطر مثل فرح قارون بما أصاب من الدنيا، {أخذناهم بغتة} فجأة آمن ما كانوا، وأعجب ما كانت الدنيا إليهم، {فإذا هم مبلسون} آيسون من كل خير، وقال أبو عبيدة: المبلس النادم الحزين، وأصل الإبلاس: الإطراق من الحزن والندم، وروى عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معصيته، فإنما ذلك استدراج) ، ثم تلا "فلما نسوا ما ذكروا به" الآية . {فقطع دابر القوم الذين ظلموا} أي: آخرهم [الذين بدبرهم، يقال: دبر فلان القوم يدبرهم دبرا ودبورا إذا كان آخرهم] ومعناه أنهم استؤصلوا بالعذاب فلم يبق منهم باقية، {والحمد لله رب العالمين} حمد الله نفسه على أن قطع دابرهم لأنه نعمة على الرسل، فذكر الحمد لله تعليما لهم ولمن آمن بهم، أن يحمدوا الله على كفايته شر الظالمين، وليحمد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ربهم إذا أهلك المكذبين. قوله تعالى: {قل أرأيتم} أيها المشركون، {إن أخذ الله سمعكم} حتى لا تسمعوا شيئا أصلا {وأبصاركم} حتى لا تبصروا شيئا، {وختم على قلوبكم} حتى لا تفقهوا شيئا ولا تعرفوا مما تعرفون من أمور الدنيا، {من إله غير الله يأتيكم به} ولم يقل بها مع أنه ذكر أشياء، قيل: معناه يأتيكم بما أخذ منكم، وقيل: الكناية ترجع إلى السمع الذي ذكر أولا ويندرج غيره تحته، كقوله تعالى: (والله ورسوله أحق أن يرضوه) (التوبة، 62) . فالهاء راجعة إلى الله، ورضى رسوله يندرج في رضى الله تعالى، {انظر كيف نصرف الآيات} أي: نبين لهم العلامات الدالة على التوحيد والنبوة، {ثم هم يصدفون} يعرضون عنها مكذبين. {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون } {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة} فجأة، {أو جهرة} معاينة ترونه عند نزوله، قال

Sección V03/P144–V03/P145

ابن عباس والحسن ليلا أو نهارا، {هل يهلك إلا القوم الظالمون} المشركون. قوله عز وجل: {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح} العمل، {فلا خوف عليهم} حين يخاف أهل النار، {ولا هم يحزنون} إذا حزنوا. {والذين كذبوا بآياتنا يمسهم} يصيبهم {العذاب بما كانوا يفسقون} يكفرون. {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله} نزل حين اقترحوا الآيات فأمره أن يقول لهم: {لا أقول لكم عندي خزائن الله} أي خزائن رزقه فأعطيكم ما تريدون، {ولا أعلم الغيب} فأخبركم بما غاب مما مضى ومما سيكون، {ولا أقول لكم إني ملك} قال ذلك لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه الآدمي ويشاهد ما لا يشاهده الآدمي، يريد لا أقول لكم شيئا من ذلك فتنكرون قولي وتجحدون أمري، {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} أي: ما آتيكم به فمن وحي الله تعالى، وذلك غير مستحيل في العقل مع قيام الدليل والحجج البالغة، {قل هل يستوي الأعمى والبصير} ؟ قال قتادة: الكافر والمؤمن، وقال مجاهد: الضال والمهتدي، وقيل: الجاهل والعالم، {أفلا تتفكرون} أي: أنهما لا يستويان. {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين } قوله عز وجل: {وأنذر به} خوف به أي: بالقرآن، {الذين يخافون أن يحشروا} يجمعوا ويبعثوا إلى ربهم، وقيل: يخافون أي يعلمون، لأن خوفهم إنما كان من علمهم، {ليس لهم من دونه} من دون الله، {ولي} قريب ينفعهم، {ولا شفيع} يشفع لهم، {لعلهم يتقون} فينتهون عما نهوا عنه، وإنما نفى الشفاعة لغيره -مع أن الأنبياء والأولياء يشفعون -لأنهم لا يشفعون إلا بإذنه. {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قرأ ابن عامر "بالغدوة" بضم الغين وسكون الدال وواو بعدها، هاهنا وفي سورة الكهف، وقرأ الآخرون: بفتح العين والدال وألف بعدها. قال سلمان وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية، جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري وذووهم من المؤلفة قلوبهم، فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم، وكان عليهم جباب صوف لم يكن عليهم غيرها، لجالسناك وأخذنا عنك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: "ما أنا بطارد المؤمنين" قالوا فإنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: اكتب لنا عليك بذلك كتابا، قال: فدعا بالصحيفة ودعا عليا ليكتب، قالوا ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل بقوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} إلى قوله: {بالشاكرين} فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده، ثم دعانا فأثبته، وهو يقول: (سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة) ، فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله عز وجل: (واصبر نفسك ممع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) (الكهف، 28) ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد وندنو منه حتى كادت ركبنا تمس ركبته، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم، وقال لنا: "الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي، معكم المحيا ومعكم الممات" . وقال الكلبي: قالوا له اجعل لنا يوما ولهم يوما، فقال: لا أفعل، قالوا: فاجعل المجلس واحدا فأقبل إلينا وول ظهرك عليهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي}

Sección V03/P145–V03/P147

قال مجاهد: قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد لبايعنا محمدا، فأنزل الله هذه الآية: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال ابن عباس: يعني يعبدون ربهم بالغداة والعشي، يعني: صلاة الصبح وصلاة العصر، ويروى عنه: أن المراد منه الصلوات الخمس، وذلك أن أناسا من الفقراء كانوا مع النبي عليه السلام، فقال ناس من الأشراف: إذا صلينا فأخر هؤلاء فليصلوا خلفنا، فنزلت الآية. وقال مجاهد: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب، فلما سلم الإمام ابتدر الناس القاص، فقال سعيد: ما أسرع الناس إلى هذا المجلس! قال مجاهد: فقلت يتأولون قوله تعالى {يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال: أفي هذا هو، إنمأ 118/ب ذلك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن، وقال إبراهيم النخعي: يعني يذكرون ربهم، وقيل المراد منه: حقيقة الدعاء، {يريدون وجهه} أي: يريدون الله بطاعتهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يطلبون ثواب الله فقال: {ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء} أي: لا تكلف أمرهم ولا يتكلفون أمرك، وقيل: ليس رزقهم عليك فتملهم، {فتطردهم} ولا رزقك عليهم، قوله {فتطردهم} جواب لقوله {ما عليك من حسابهم من شيء} وقوله: {فتكون من الظالمين} جواب لقوله {ولا تطرد} أحدهما جواب النفي والآخر جواب النهي. {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم } قوله عز وجل: {وكذلك فتنا} أي: ابتلينا، {بعضهم ببعض} أراد ابتلاء الغني بالفقير والشريف بالوضيع، وذلك أن الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد سبقه بالإيمان امتنع من الإسلام بسببه فكان فتنة له فذلك قوله: {ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} فقال الله تعالى: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} فهو جواب لقوله {أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} فهو استفهام بمعنى التقرير، أي: الله أعلم بمن شكر الإسلام إذ هداه الله عز وجل. أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن هارون الطيسفوني أنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي ثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو بن بسطام ثنا أبو الحسن أحمد بن سيار القرشي أنا مسدد أنا جعفر بن سليمان عن المعلى بن زياد عن العلاء بن بشير المزني عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: جلست في نفر من ضعفاء المهاجرين وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري، وقارئ يقرأ علينا إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام علينا، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت القارئ، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "ما كنتم تصنعون؟ قلنا يا رسول الله كان قارئ يقرأ علينا فكنا نستمع إلى كتاب الله تعالى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم" قال: ثم جلس وسطنا ليدل نفسه فينا ثم قال بيده هكذا فتحلقوا، وبرزت وجوههم له، قال فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف منهم أحدا غيري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك مقدار خمسمائة سنة" . قوله عز وجل: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم} قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله عز وجل نبيه عن طردهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام . وقال عطاء: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم وأبي عبيدة ومصعب بن عمير وحمزة وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر والأرقم بن أبي الأرقم وأبي سلمة بن عبد الأسد رضي الله عنهم أجمعين.

Preguntas