Qur'an&Sunnah

Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

Sección V03/P300–V03/P301

قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} الآية. اختلفوا فيه، قال ابن عباس : هو بلعم بن باعوراء. وقال مجاهد : بلعام بن باعر. وقال عطية عن ابن عباس : كان من بني إسرائيل. وروي عن علي بن أبي طلحة رضي الله عنه أنه كان من الكنعانيين من مدينة الجبارين وقال مقاتل: هو من مدينة بلقا. وكانت قصته -على ما ذكره ابن عباس وابن إسحاق والسدي وغيرهم - أن موسى لما قصد حرب الجبارين ونزل أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعم إلى بلعم -وكان عنده اسم الله الأعظم -فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جند كثير، وإنه جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج فادع الله أن يردهم عنا، فقال: ويلكم نبي الله ومعه الملائكة والمؤمنون كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم، وإني إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي، فراجعوه وألحوا عليه فقال: حتى أؤامر ربي، وكان لا يدعوه حتى ينظر ما يؤمر به في المنام فآمر في الدعاء عليهم، فقيل له في المنام لا تدع عليهم، فقال لقومه: إني قد آمرت ربي وإني قد نهيت فأهدوا إليه هدية فقبلها، ثم راجعوه فقال: حتى أؤامر، فآمر، فلم يوح إليه شيء، فقال: قد آمرت فلم يجز إلي شيء، فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك في المرة الأولى، فلم يزالوا يتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن فركب أتانا له متوجها إلى جبل يطلعه على عسكر بني إسرائيل يقال له حسبان، فلما سار 140/ب عليها غير كثير ربضت به، فنزل عنها فضربها حتى إذا أذلقها قامت فركبها، فلم تسر به كثيرا حتى ربضت، ففعل بها مثل ذلك فقامت، فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت، فضربها حتى أذلقها، أذن الله لها بالكلام فكلمته حجة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب بي؟ ألا ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا؟ أتذهب بي إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم؟ فلم ينزع، فخلى الله سبيلها فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل حسبان جعل يدعو عليهم ولا يدعو عليهم بشيء إلا صرف الله به لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف الله به لسانه إلى بني إسرائيل. فقال له قومه: يا بلعم أتدري ماذا تصنع إنما تدعو لهم علينا؟! فقال: هذا ما لا أملكه، هذا شيء قد غلب الله عليه، فاندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة فلم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جملوا النساء وزينوهن وأعطوهن

Sección V03/P301–V03/P302

السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه، ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنا رجل واحد منهم كفيتموهم، ففعلوا فلما دخل النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين، اسمها كستى بنت صور، برجل من عظماء بني إسرائيل يقال له زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب، فقام إليها فأخذ بيدها حين [أعجبه جمالها] ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى، فقال: إني أظنك ستقول هذه حرام عليك؟ قال: أجل هي حرام عليك لا تقربها، قال: فوالله لا أطيعك في هذا، ثم دخل بها قبته فوقع عليها فأرسل الله الطاعون على بني إسرائيل في الوقت، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى، وكان رجلا قد أعطي بسطة في الخلق وقوة في البطش، وكان غائبا حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يجوس بني إسرائيل، فأخبر الخبر، فأخذ حربته وكانت من حديد كلها، ثم دخل عليهما القبة، وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لحيته وكان بكر العيزار، وجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك، ورفع الطاعون، فحسب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص، فوجدوا قد هلك منهم سبعون ألفا في ساعة من النهار، فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها القبة والذراع واللحي، لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها بذراعه، وإسناده إياها إلى لحيته، والبكر من كل أموالهم وأنفسهم، لأنه كان بكر العيزار وفي بلعم أنزل الله تعالى: "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا" الآية. وقال مقاتل: إن ملك البلقاء قال لبلعام: ادع الله على موسى، فقال: إنه من أهل ديني لا أدعو عليه، فنحت خشبة ليصلبه فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو عليه، فلما عاين عسكرهم قامت به الأتان ووقفت فضربها، فقالت: لم تضربني؟ إني مأمورة وهذه نار أمامي قد منعتني أن أمشي فرجع وأخبر الملك فقال: لتدعون عليه أو لأصلبنك، فدعا على موسى بالاسم الأعظم: أن لا يدخل المدينة، فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه، فقال موسى: يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه؟ فقال: بدعاء بلعام. قال: فكما سمعت دعاءه علي فاسمع دعائي عليه، [فدعا موسى عليه السلام] أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان، فنزع الله عنه المعرفة وسلخه منها فخرجت من صدره كحمامة بيضاء، فذلك قوله: "فانسلخ منها". وقال عبد الله بن عمرو بن العاص، وسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم: نزلت هذه الآية في أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكانت قصته: أنه كان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولا فرجا أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل محمد صلى الله عليه وسلم حسده وكفر به، وكان صاحب حكمة وموعظة حسنة، وكان قصد بعض الملوك فلما رجع مر على قتلى بدر، فسأل عنهم فقيل: قتلهم محمد، فقال: لو كان نبيا ما قتل أقرباءه، فلما مات أمية أتت أخته فارعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وفاة أخيها فقالت: بينما هو راقد أتاه آتيان فكشفا سقف البيت، فنزلا فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: وعى؟ قال أزكى؟ قال: أبى، قالت: فسألته عن ذلك فقال: خير أريد بي، فصرف عني فغشي عليه، فلما أفاق قال: كل عيش وإن تطاول دهرا صائر مرة إلى أن يزولا ليتني كنت قبل ما قد بدا لي في قلال الجبال أرعى الوعولا إن يوم الحساب يوم عظيم شاب فيه الصغير يوما ثقيلا ثم قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشديني من شعر أخيك، فأنشدته بعض قصائده، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آمن شعره وكفر قلبه"، فأنزل الله عز وجل {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} الآية .

Sección V03/P302–V03/P304

وفي رواية عن ابن عباس: أنها نزلت في البسوس، رجل من بني إسرائيل وكان قد أعطي له ثلاث دعوات مستجابات، وكانت له امرأة له منها ولد، فقالت: اجعل لي منها دعوة، فقال لك منها واحدة فما تريدين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها فجعلت أجمل النساء في بني إسرائيل، فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه، فغضب الزوج ودعا عليها فصارت كلبة نباحة، فذهبت فيها دعوتان، فجاء بنوها وقالوا: ليس لنا على هذا قرار، قد صارت أمنا كلبة نباحة، والناس يعيروننا بها، ادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت، فذهبت فيها الدعوات كلها . والقولان الأولان أظهر . وقال الحسن وابن كيسان: نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم. وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله عز وجل لمن عرض عليه الهدى فأبى أن يقبله، فذلك قوله "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا". قال ابن عباس والسدي: اسم الله الأعظم. قال ابن زيد: كان لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه. وقال ابن عباس في رواية أخرى: أوتي كتابا من كتب الله فانسلخ، أي: خرج منها كما تنسلخ، أي: خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها. {فأتبعه الشيطان} أي: لحقه وأدركه، {فكان من الغاوين} {ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } {ولو شئنا لرفعناه بها} أي: رفعنا درجته ومنزلته 141/أبتلك الآيات. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لرفعناه بعلمه بها. وقال مجاهد وعطاء: لرفعنا عنه الكفر وعصمناه بالآيات. {ولكنه أخلد إلى الأرض} أي: سكن إلى الدنيا ومال إليها. قال الزجاج: خلد وأخلد واحد. وأصله من الخلود وهو الدوام والمقام، يقال: أخلد فلان بالمكان إذا أقام به، والأرض هاهنا عبارة عن الدنيا، لأن ما فيها من القفار والرباع كلها أرض، وسائر متاعها مستخرج من الأرض. {واتبع هواه} انقاد لما دعاه إليه الهوى، قال ابن زيد: كان هواه مع القوم. قال عطاء: أراد الدنيا وأطاع شيطانه. وهذه أشد آية على العلماء، وذلك أن الله أخبر أنه آتاه [آية] من اسمه الأعظم والدعوات المستجابة والعلم والحكمة، فاستوجب بالسكون إلى الدنيا واتباع الهوى تغيير النعمة عليه والانسلاخ عنها، ومن الذي يسلم من هاتين الخلتين إلا من عصمه الله؟ أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنا محمد بن أحمد بن الحارث، أنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنا عبد الله بن محمود، أنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أنا عبد الله بن المبارك عن زكريا بن أبي زائدة، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن كعب بن مالك الأنصاري عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه" . قوله تعالى: {فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} يقال: لهث الكلب يلهث لهثا: إذا أدلع لسانه. قال مجاهد: هو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به.

Sección V03/P304–V03/P306

والمعنى: إن هذا الكافر إن زجرته لم ينزجر، وإن تركته لم يهتد، فالحالتان عنده سواء، كحالتي الكلب: إن طرد وحمل عليه بالطرد كان لاهثا، وإن ترك وربض كان لاهثا. قال القتيبي: كل شيء يلهث إنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب، فإنه يلهث في حال الكلال وفي حال الراحة وفي حال العطش، فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته فقال: إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث، وإن تركته على حاله لهث، نظيره قوله تعالى: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون) [الأعراف-193] ، ثم عم بهذا التمثيل جميع من يكذب بآيات الله فقال: {ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} وقيل: هذا مثل لكفار مكة وذلك أنهم كانوا يتمنون هاديا يهديهم ويدعوهم إلى طاعة الله، فلما جاءهم نبي لا يشكون في صدقه كذبوه فلم يهتدوا تركوا أو دعوا. {ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون } {ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا} أي: بئس مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، وتقديره: ساء مثلا مثل القوم، فحذف مثل وأقيم القوم مقامه فرفع، {وأنفسهم كانوا يظلمون} {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون } {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} أخبر الله تعالى أنه خلق كثيرا من الجن والإنس للنار، وهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة، ومن خلقه الله لجهنم فلا حيلة له في الخلاص منها. أخبرنا أبو بكر يعقوب بن أحمد بن محمد بن علي الصيرفي، أنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي، أنا أحمد بن محمد بن أبي حمزة البلخي، حدثنا موسى بن محمد بن الحكم الشطوي، حدثنا حفص بن غياث، عن طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: أدرك النبي صلى الله عليه وسلم جنازة صبي من صبيان الأنصار، فقالت عائشة: طوبى له عصفور من عاصفير الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما يدريك؟ إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم" . وقيل: اللام في قوله "لجهنم" لام العاقبة، أي: ذرأناهم، وعاقبة أمرهم جهنم، كقوله تعالى: "فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا" (القصص 8) ، ثم وصفهم فقال: {لهم قلوب لا يفقهون بها} أي لا يعلمون بها الخير والهدى. {ولهم أعين لا يبصرون بها} طريق الحق وسبيل الرشاد، {ولهم آذان لا يسمعون بها} مواعظ القرآن فيتفكرون فيها ويعتبرون بها، ثم ضرب لهم مثلا في الجهل والاقتصار على الأكل والشرب، فقال: {أولئك كالأنعام بل هم أضل} أي: كالأنعام في أن همتهم في الأكل والشرب والتمتع بالشهوات، بل هم أضل لأن الأنعام تميز بين المضار والمنافع، فلا تقدم على المضار، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة، مع العلم بالهلاك، {أولئك هم الغافلون} قوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} قال مقاتل: وذلك أن رجلا دعا الله في صلاته ودعا الرحمن، فقال بعض مشركي مكة: إن محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه يدعون أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو اثنين؟ فأنزل الله عز وجل: "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها". والحسنى تأنيث الأحسن كالكبرى والصغرى، فادعوه بها. أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، أنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، أنا أحمد بن منصور المرادي حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة إنه وتر يحب الوتر" .

Sección V03/P306–V03/P308

{وذروا الذين يلحدون في أسمائه} قرأ حمزة: "يلحدون" -بفتح الياء والحاء حيث كان -وافقه الكسائي في النحل، والباقون بضم الياء وكسر الحاء، ومعنى الإلحاد هو: الميل عن [المقصد] يقال: ألحد يلحد إلحادا، ولحد يلحد لحودا: إذا مال. قال يعقوب بن السكيت: الإلحاد هو العدول عن الحق، وإدخال ما ليس منه فيه، يقال: ألحد في الدين، ولحد، وبه قرأ حمزة. {وذروا الذين يلحدون في أسمائه} هم المشركون عدلوا بأسماء الله تعالى عما هي عليه، فسموا بها أوثانهم فزادوا ونقصوا، فاشتقوا اللات من "الله" والعزى من "العزيز"، ومناة من "المنان"، هذا قول ابن عباس ومجاهد. وقيل: هو تسميتهم الأصنام آلهة. وروي عن ابن عباس: يلحدون في أسمائه أي يكذبون. وقال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله: تسميته بما لم يسم به، ولم ينطق به كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجملته: أن أسماء الله تعالى على التوقيف 141/ب فإنه يسمى جوادا ولا يسمى سخيا، وإن كان في معنى الجواد، ويسمى رحيما ولا يسمى رفيقا، ويسمى عالما ولا يسمى عاقلا وقال تعالى: "يخادعون الله وهو خادعهم" (النساء 142) وقال عز من قائل: "ومكروا ومكر الله" (آل عمران-54) ، ولا يقال في الدعاء: يا مخادع، يا مكار، بل يدعى بأسمائه التي ورد بها التوقيف على وجه التعظيم، فيقال: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا عزيز، يا كريم ونحو ذلك. {سيجزون ما كانوا يعملون} في الآخرة. {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين } قوله تعالى: {وممن خلقنا أمة} أي: عصابة، {يهدون بالحق وبه يعدلون} قال عطاء عن ابن عباس: يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم المهاجرون والتابعون لهم بإحسان. وقال قتادة: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: "هذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها، ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثني الوليد، حدثني ابن جابر، وهو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني عمير بن هانئ أنه سمع معاوية رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" . وقال الكلبي: هم من جميع الخلق. {والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} قال عطاء: سنمكر بهم من حيث لا يعلمون. وقيل: نأتيهم من مأمنهم، كما قال: "فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا" (الحشر-2) ، قال الكلبي: يزين لهم أعمالهم ويهلكهم. وقال الضحاك: كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة. قال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعمة وننسيهم الشكر. قال أهل المعاني: الاستدراج أن يتدرج إلى الشيء في خفية قليلا قليلا فلا يباغت ولا يجاهر، ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه في المشي، ومنه درج الكتاب إذا طواه شيئا بعد شيء. {وأملي لهم} أي: أمهلهم وأطيل لهم مدة عمرهم ليتمادوا في المعاصي، {إن كيدي متين} أي: إن أخذي قوي شديد، قال ابن عباس: إن مكري شديد. قيل: نزلت في المستهزئين، فقتلهم الله في ليلة واحدة. قوله تعالى: {أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة} قال قتادة ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قام على الصفا ليلا فجعل يدعو قرشا فخذا فخذا: يا بني فلان، يا بني فلان، يحذرهم بأس الله ووقائعه، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوت إلى الصباح، فأنزل الله تعالى: "أولم يتفكروا ما بصاحبهم" محمد صلى الله عليه وسلم: {من جنة} جنون، {إن هو} ما هو، {إلا نذير مبين} ثم حثهم على النظر المؤدي إلى العلم فقال:

Sección V03/P308–V03/P310

{أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون } {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله} فيهما {من شيء} أي: وينظروا إلى ما خلق الله من شيء ليستدلوا بها على وحدانيته. {وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم} أي: لعل أن يكون قد اقترب أجلهم فيموتوا قبل أن يؤمنوا ويصيروا إلى العذاب، {فبأي حديث بعده يؤمنون} أي: بعد القرآن يؤمنون. يقول: بأي كتاب غير ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يصدقون، وليس بعده نبي ولا كتاب، ثم ذكر علة إعراضهم عن الإيمان فقال: {من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم} قرأ أهل البصرة وعاصم بالياء ورفع الراء، وقرأ حمزة والكسائي بالياء وجزم الراء، لأن ذكر الله قد مر قبله، وجزم الراء مردود على "يضلل" وقرأ الآخرون: بالنون ورفع الراء على أنه كلام مستأنف. {في طغيانهم يعمهون} يترددون متحيرين. قوله تعالى: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} قال قتادة: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة؟ فأنزل الله تعالى: "يسئلونك عن الساعة" يعني: القيامة، {أيان مرساها} قال ابن عباس رضي الله عنهما: منتهاها. وقال قتادة: قيامها، وأصله الثبات، أي: مثبتها؟ {قل} يا محمد {إنما علمها عند ربي} استأثر بعملها ولا يعلمها إلا هو، {لا يجليها} لا يكشفها ولا يظهرها. وقال مجاهد: لا يأتي بها، {لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض} يعني: ثقل علمها وخفي أمرها على أهل السموات والأرض، وكل خفي ثقيل. قال الحسن: يقول إذا جاء ثقلت وعظمت على أهل السموات والأرض، {لا تأتيكم إلا بغتة} فجأة على غفلة. أخبرنا عبد الواحد المليحي، حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها" . {يسألونك كأنك حفي عنها} أي: عالم بها من قولهم أحفيت في المسألة، أي: بالغت فيها، معناه: كأنك بالغت في السؤال عنها حتى علمتها، {قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أن علمها عند الله حتى سألوا محمدا صلى الله عليه وسلم عنها. {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون } {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله} قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن أهل مكة قالوا: يا محمد، ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتريه وتربح فيه عند الغلاء؟ وبالأرض التي يريد أن تجذب فترتحل منها إلى ما قد أخصبت؟ فأنزل الله تعالى "قل لا أملك لنفسي نفعا" أي: لا أقدر لنفسي نفعا، أي: اجتلاب نفع بأن أربح ولا ضرا، أي دفع ضر بأن أرتحل من أرض تريد أن تجدب إلا ما شاء الله أن أملكه. {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} أي: لو كنت أعلم الخصب والجدب لاستكثرت من الخير، أي: من المال لسنة القحط {وما مسني السوء} أي: الضر والفقر والجوع. وقال ابن جريج: "قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا" يعني: الهدى والضلالة، (ولو كنت أعلم الغيب) أي: متى أموت، لاستكثرت من الخير، يعني: من العمل الصالح وما مسني السوء.

Sección V03/P310–V03/P313

قال ابن زيد: واجتنبت ما يكون من الشر واتقيته. وقيل: معناه ولو كنت أعلم الغيب أي متى الساعة لأخبرتكم حتى تؤمنوا وما مسني السوء بتكذيبكم. وقيل: ما مسني السوء: ابتداء، يريد: وما مسني الجنون لأنهم كانوا ينسبونه إلى الجنون. {إن أنا إلا نذير} لمن لا يصدق بما جئت به، {وبشير} بالجنة، {لقوم يؤمنون} يصدقون. {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون } قوله تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} يعني: آدم، {وجعل} وخلق {منها زوجها} يعني: حواء، {ليسكن إليها} ليأنس بها ويأوي إليها 142/أ {فلما تغشاها} أي: واقعها وجامعها {حملت حملا خفيفا} وهو أول ما تحمل المرأة من النطفة يكون خفيفا عليها، {فمرت به} أي: استمرت به وقامت وقعدت به، لم يثقلها، {فلما أثقلت} أي: كبر الولد في بطنها وصارت ذات ثقل بحملها ودنت ولادتها، {دعوا الله ربهما} يعني آدم وحواء، {لئن آتيتنا} يا ربنا {صالحا} أي: بشرا سويا مثلنا، {لنكونن من الشاكرين} قال المفسرون: فلما حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل، فقال لها: ما الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري. قال: إني أخاف أن يكون بهمية، أو كلبا، أو خنزيرا، وما يدريك من أين يخرج؟ من دبرك فيقتلك، أو من [قبلك] وينشق بطنك، فخافت حواء من ذلك، وذكرت ذلك لآدم عليه السلام فلم يزالا في هم من ذلك، ثم عاد إليها فقال: إني من الله بمنزلة، فإن دعوت الله أن يجعله خلقا سويا مثلك ويسهل عليك خروجه تسميه عبد الحارث؟ -وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث -فذكرت ذلك لآدم، فقال: لعله صاحبنا الذي قد علمت، فعاودها إبليس، فلم يزل بهما حتى غرهما، فلما ولدت سمياه عبد الحارث . قال الكلبي: قال إبليس لها: إن دعوت الله فولدت إنسانا أتسمينه بي؟ قالت: نعم، فلما ولدت قال سميه بي، قالت: وما اسمك قال الحارث، ولو سمى لها نفسه لعرفته فسمته عبد الحارث. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت حواء تلد لآدم فيسميه عبد الله، وعبيد الله وعبد الرحمن، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس وقال: إن سركما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث، فولدت فسمياه عبد الحارث فعاش. وجاء في الحديث: "خدعهما إبليس مرتين مرة في الجنة ومرة في الأرض". وقال ابن زيد: ولد لآدم ولد فسماه عبد الله فأتاهما إبليس فقال لهما: ما سميتما ابنكما؟ قالا عبد الله -وكان قد ولد لهما قبل ذلك ولد فسمياه عبد الله فمات -فقال إبليس: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما، لا والله ليذهبن به كما ذهب بالآخر، ولكن أدلكم على اسم يبقى لكما ما بقيتما، فسمياه عبد شمس. والأول أصح، فذلك قوله: {فلما آتاهما صالحا} {فلما آتاهما صالحا} بشرا سويا {جعلا له شركاء فيما آتاهما} قرأ أهل المدينة وأبو بكر: "شركا" بكسر الشين والتنوين، أي: شركة. قال أبو عبيدة: أي حظا ونصيبا، وقرأ الآخرون: "شركاء" بضم الشين ممدودا على جمع شريك، يعني: إبليس، أخبر عن الواحد بلفظ الجمع. أي: جعلا له شريكا إذ سمياه عبد الحارث، ولمن يكن هذا إشراكا في العبادة ولا أن الحارث ربهما، فإن آدم كان نبيا معصوما من الشرك، ولكن قصد إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة أمه، وقد يطلق اسم العبد على من لا يراد به أنه مملوك، كما يطلق اسم الرب على ما لا يراد به أنه معبود هذا، كالرجل إذا نزل به ضيف يسمي نفسه عبد الضيف، على وجه الخضوع لا على أن الضيف ربه، ويقول للغير: أنا عبدك. وقال يوسف لعزيز مصر: إنه ربي، ولم يرد به أنه معبوده، كذلك هذا.

Sección V03/P313–V03/P315

وقوله: {فتعالى الله عما يشركون} قيل: هذا ابتداء كلام وأراد به إشراك أهل مكة، ولئن أراد به ما سبق فمستقيم من حيث أنه كان الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم. وفي الآية قول آخر: وهو أنه راجع إلى جميع المشركين من ذرية آدم، وهو قول الحسن وعكرمة، ومعناه: جعل أولادهما شركاء، فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم، كما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء في تعييرهم بفعل الآباء فقال: "ثم اتخذتم العجل"، "وإذ قتلتم نفسا" خاطب به اليهود الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك الفعل من آبائهم. وقيل: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا فهودوا ونصروا، وقال ابن كيسان: هم الكفار سموا أولادهم عبد العزى وعبد اللات وعبد مناة ونحوه. وقال عكرمة: خاطب كل واحد من الخلق بقوله خلقكم أي خلق كل واحد من أبيه وجعل منها زوجها، أي: جعل من جنسها زوجها، وهذا قول حسن، لولا قول السلف مثل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن المسيب وجماعة المفسرين أنه في آدم وحواء. {أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين } قال الله تعالى: {أيشركون ما لا يخلق شيئا} يعني: إبليس والأصنام، {وهم يخلقون} أي: هم مخلوقون. {ولا يستطيعون لهم نصرا} أي: الأصنام لا تنصر من أطاعها، {ولا أنفسهم ينصرون} قال الحسن: لا يدفعون عن أنفسهم مكروه من أراد بهم بكسر أو نحوه ثم خاطب المؤمنين فقال: {وإن تدعوهم إلى الهدى} {وإن تدعوهم إلى الهدى} إن تدعوا المشركين إلى الإسلام، {لا يتبعوكم} قرأ نافع بالتخفيف وكذلك: "يتبعهم الغاوون" في الشعراء (الآية 224) وقرأ الآخرون بالتشديد فيهما وهما لغتان، يقال: تبعه تبعا وأتبعه إتباعا. {سواء عليكم أدعوتموهم} إلى الدين، {أم أنتم صامتون} عن دعائهم لا يؤمنون، كما قال: "سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون" (البقرة-6) وقيل: "وإن تدعهم إلى الهدى" يعني: الأصنام، لا يتبعوكم لأنها غير عاقلة. {إن الذين تدعون من دون الله} يعني الأصنام، {عباد أمثالكم} يريد أنها مملوكة أمثالكم. وقيل: أمثالكم في التسخير، أي: أنهم مسخرون مذللون لما أريد منهم. قال مقاتل: قوله "عباد أمثالكم" أراد به الملائكة، والخطاب مع قوم كانوا يعبدون الملائكة. والأول أصح. {فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين} أنها آلهة، قال ابن عباس: فاعبدوهم، هل يثيبونكم أو يجاوزونكم إن كنتم صادقين أن لكم عندها منفعة؟ ثم بين عجزهم فقال: {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها} {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون } {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها} قرأ أبو جعفر بضم الهاء هنا وفي القصص والدخان، وقرأ الآخرون بكسر الطاء، {أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها} أراد أن قدرة المخلوقين تكون بهذه الجوارح والآلات، وليست للأصنام هذه الآلات، فأنتم مفضلون عليها بالأرجل الماشية والأيدي الباطشة والأعين الباصرة والآذان السامعة، فكيف تعبدون من أنتم أفضل وأقدر منهم؟ {قل ادعوا شركاءكم} يا معشر المشركين، {ثم كيدون} أنتم وهم، {فلا تنظرون} أي: لا تمهلوني واعجلوا في كيدي. قوله: {إن وليي الله الذي نزل الكتاب} يعني القرآن، أي أنه يتولاني وينصرني كما أيدني بإنزال الكتاب، {وهو يتولى الصالحين} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد الذين لا يعدلون بالله شيئا فالله يتولاهم بنصره فلا يضرهم عداوة من عاداهم 142/ب

Sección V03/P315–V03/P317

{وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا} يعني الأصنام، {وتراهم} يا محمد {ينظرون إليك} يعني الأصنام، {وهم لا يبصرون} وليس المراد من النظر حقيقة النظر، إنما المراد منه: المقابلة، تقول العرب: داري تنظر إلى دارك، أي: تقابلها. وقيل: وتراهم ينظرون إليك أي: كأنهم ينظرون إليك، كقوله تعالى: "وترى الناس سكارى" (الحج 2) ، أي: كأنهم سكارى هذا قول [أكثر] المفسرين. وقال الحسن: "وإن تدعوهم إلى الهدى" يعني: المشركين لا يسمعوا ولا يعقلوا ذلك بقلوبهم، وتراهم ينظرون إليك بأعينهم وهم لا يبصرون بقلوبهم. قوله تعالى: {خذ العفو} قال عبد الله بن الزبير: أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. وقال مجاهد: خذ العفو يعني العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس، وذلك مثل قبول الاعتذار والعفو والمساهلة وترك البحث عن الأشياء ونحو ذلك. وروي أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: "ما هذا؟ قال لا أدري حتى أسأله، ثم رجع فقال: إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك" . وقال ابن عباس رضي الله عنهما والسدي والضحاك والكلبي: يعي خذ ما عفا لك من الأموال وهو الفضل عن العيال، وذلك معنى قوله: "يسألونك ماذا ينفقون قل العفو" (البقرة-219) ، ثم نسخت هذه بالصدقات المفروضات. قوله تعالى: {وأمر بالعرف} أي: بالمعروف، وهو كل ما يعرفه الشرع. وقال عطاء: وأمر بالعرف يعني بلا إله إلا الله. {وأعرض عن الجاهلين} أبي جهل وأصحابه، نسختها آية السيف. وقيل: إذا تسفه عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه، وذلك مثل قوله: "وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما" (الفرقان-63) ، وذلك سلام المتاركة. قال جعفر الصادق: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية. أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد [الجرجاني] ثنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي، ثنا الهيثم بن كليب، ثنا أبو عيسى الترمذي، ثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الله الجدلي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح" . ثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي ثنا أبو سعيد عبد الملك بن أبي عثمان الواعظ ثنا عماد بن محمد البغدادي ثنا أحمد بن محمد عن سعيد الحافظ ثنا محمد بن إسماعيل ثنا عمر بن إبراهيم يعني الكوفي ثنا يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق وإتمام محاسن الأفعال" . {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } قوله تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ} أي: يصيبك ويعتريك ويعرض لك من الشيطان نزغ نخسة، والنزغ من الشيطان الوسوسة. وقال الزجاج: النزغ أدنى حركة تكون من الآدمي، ومن الشيطان أدنى وسوسة. وقال عبد الرحمن بن زيد: لما نزلت هذه الآية: "خذ العفو"، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كيف يا رب والغضب"؟ فنزل: "وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله" أي: استجر بالله {إنه سميع عليم} {إن الذين اتقوا} يعني المؤمنين، {إذا مسهم طائف من الشيطان} قرأ ابن كثير وأهل البصرة والكسائي: "طيف"، وقرأ الآخرون "طائف" بالمد والهمز، وهما لغتان كالميت والمائت، ومعناهما: الشيء يلم بك. وفرق قوم بينهما، فقال أبو عمرو: الطائف ما يطوف حول الشيء والطيف: اللمة والسوسة، وقيل: الطائف ما طاف به من وسوسة الشيطان، والطيف اللمم والمس.

Sección V03/P317–V03/P319

{تذكروا} عرفوا، قال سعيد بن جبير: هو الرجل يغضب الغضبة فيذكر الله تعالى فيكظم الغيظ. وقال مجاهد: هو الرجل يهم بالذنب فيذكر الله فيدعه. {فإذا هم مبصرون} أي يبصرون مواقع خطاياهم بالتذكر والتفكر. قال السدي: إذا زلوا تابوا. وقال مقاتل: إن المتقي إذا أصابه نزغ من الشيطان تذكر وعرف أنه معصية، فأبصر فنزغ عن مخالفة الله. {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } قوله: {وإخوانهم يمدونهم} يعني إخوان الشياطين من المشركين يمدونهم، أي: يمدهم الشيطان. قال الكلبي: لكل كافر أخ من الشياطين. {في الغي} أي: يطلبون هم الإغواء حتى يستمروا عليه. وقيل: يزيدونهم في الضلالة. وقرأ أهل المدينة: "يمدونهم" بضم الياء وكسر الميم، من الإمداد، والآخرون: بفتح الياء وضم الميم وهما لغتان بمعنى واحد. {ثم لا يقصرون} أي: لا يكفون. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين يمسكون عنهم، فعلى هذا قوله: "ثم لا يقصرون" من فعل المشركين والشياطين جميعا. قال الضحاك ومقاتل: يعني المشركين لا يقصرون عن الضلالة ولا يبصرونها، بخلاف ما قال في المؤمنين: "تذكروا فإذا هم مبصرون". {وإذا لم تأتهم بآية} يعني: إذا لم تأت المشركين بآية، {قالوا لولا اجتبيتها} هلا افتعلتها وأنشأتها من قبل نفسك واختيارك؟ تقول العرب: اجتبيت الكلام إذا اختلقته. قال الكلبي: كان أهل مكة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم الآيات تعنتا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا: لولا اجتبيتها؟ أي: هلا أحدثتها وأنشأتها من عندك؟ {قل} لهم يا محمد {إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي} ثم قال: {هذا} يعني: القرآن {بصائر} حجج وبيان وبرهان {من ربكم} واحدتها بصيرة، وأصلها ظهور الشيء واستحكامه حتى يبصره الإنسان، فيهتدي به يقول: هذا دلائل تقودكم إلى الحق. {وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} قوله عز وجل: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فذهب جماعة إلى أنها في القراءة في الصلاة، روي عن أبي هريرة كانوا يتكلمون 143/أ في الصلاة بحوائجهم فأمروا بالسكوت والاستماع إلى قراءة القرآن . وقال قوم: نزلت في ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام . وروى زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة . وقال الكلبي: كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار . وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سمع ناسا يقرأون مع الإمام فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفقهوا وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا كما أمركم الله ؟ وهذا قول الحسن والزهري والنخعي: أن الآية في القراءة في الصلاة. وقال سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد: إن الآية في الخطبة، أمروا بالإنصات لخطبة الإمام يوم الجمعة . وقال سعيد بن جبير: هذا في الإنصات يوم الأضحى والفطر ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام . وقال عمر بن عبد العزيز: [يجب] الإنصات لقول كل واعظ. والأول أولاها، وهو أنها في القراءة في الصلاة لأن الآية مكية والجمعة وجبت بالمدينة . واتفقوا على أنه مأمور بالإنصات حالة ما يخطب الإمام. أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ثنا أبو العباس الأصم ثنا الربيع ثنا الشافعي ثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت" . واختلف أهل العلم في القراءة خلف الإمام في الصلاة: فذهب جماعة إلى إيحابها سواء جهر الإمام بالقراءة أو أسر. روي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، ومعاذ، وهو قول الأوزاعي والشافعي.

Sección V03/P319–V03/P322

وذهب قوم إلى أنه يقرأ فيما أسر الإمام فيه بالقراءة ولا يقرأ إذا جهر، يروى ذلك عن ابن عمر، وهو قول عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وبه قال الزهري ومالك وابن المبارك وأحمد وإسحاق. وذهب قوم إلى أنه لا يقرأ سواء أسر الإمام أو جهر، يروى ذلك عن جابر، وبه قال الثوري وأصحاب الرأي ويتمسك من لا يرى القراءة خلف الإمام بظاهر هذه الآية، ومن أوجبها قال الآية في غير الفاتحة وإذا قرأ الفاتحة يتبع سكتات الإمام ولا ينازع الإمام في القراءة. والدليل عليه: ما أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، ثنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، ثنا أبو العباس المحبوبي، ثنا أبو عيسى الترمذي، ثنا هناد، ثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبح فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "إني أراكم تقرأون وراء إمامكم"؟ قال: قلنا يا رسول الله إي والله، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" . {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون } قوله تعالى: {واذكر ربك في نفسك} قال ابن عباس: يعني بالذكر: القراءة في الصلاة، يريد يقرأ سرا في نفسه، {تضرعا وخيفة} خوفا، أي: تتضرع إلي وتخاف مني هذا في صلاة السر. وقوله: {ودون الجهر من القول} أراد في صلاة الجهر لا تجهر جهرا شديدا، بل في خفض وسكون، يسمع من خلفك، وقال مجاهد وابن جريج: أمر أن يذكروه في الصدور بالتضرع إليه في الدعاء والاستكانة دون رفع الصوت والصياح بالدعاء {بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين} أي: بالبكر والعشيات، واحد آصال: أصيل مثل يمين وأيمان، وهو ما بين العصر والمغرب. {إن الذين عند ربك} يعني: الملائكة المقربين بالفضل والكرامة، {لا يستكبرون} لا يتكبرون، {عن عبادته ويسبحونه} وينزهونه ويذكرونه، فيقولون: سبحان الله. {وله يسجدون} أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنبأنا أحمد بن الحسن الحيري، أنبأنا حاجب بن أحمد الطوسي، ثنا عبد الرحيم بن منيب، ثنا يعلى بن عبيد عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، فيقول: يا ويله أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار" أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ثنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، ثنا حميد بن زنجويه، ثنا محمد بن يوسف، ثنا الأوزاعي، عن الوليد بن هشام، عن معدان قال: سألت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: حدثني حديثا ينفعني الله به، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها سيئة" . سورة الأنفال مدنية وهي خمس وسبعون آية قيل: إلا سبع آيات من قوله: «وإذ يمكر بك الذين كفروا» إلى آخر سبع آيات فإنها نزلت بمكة والأصح أنها نزلت بالمدينة، وإن كانت الواقعة بمكة. {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين }

Sección V03/P322–V03/P324

{يسألونك عن الأنفال} الآية، قال أهل التفسير: سبب نزول هذه الآية هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: "من أتى مكان كذا فله من النفل كذا ومن قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا"، فلما التقوا تسارع إليه الشبان وأقام الشيوخ ووجوه الناس عند الرايات، فلما فتح الله على المسلمين جاءوا يطلبون ما جعل لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الأشياخ: كنا ردءا لكم ولو انهزمتم لانحزتم إلينا، فلا تذهبوا بالغنائم دوننا، وقام أبو اليسر بن عمرو الأنصاري أخو بني سلمة فقال: يا رسول الله إنك وعدت أن من قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا وإنا قد قتلنا منهم سبعين وأسرنا منهم سبعين، فقام سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال: والله يا رسول الله ما منعنا أن نطلب ما طلب هؤلاء زهادة في الأجر ولا جبن عن العدو، ولكن كرهنا أن نعري مصافك [فيعطف عليه] خيل من المشركين 143/ب فيصيبوك، فأعرض عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال سعيد: يا رسول الله إن الناس كثير والغنيمة دون ذلك، فإن تعط هؤلاء [الذين] ذكرت لا يبقى لأصحابك كبير شيء، فنزلت: "يسألونك عن الأنفال" . وقال ابن إسحاق: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما في العسكر فجمع فاختلف المسلمون فيه، فقال من جمعه: هو لنا، قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل كل امرئ ما أصاب، وقال الذين كانوا يقاتلون العدو: لولا نحن ما أصبتموه، وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رأينا أن نقتل العدو وأن نأخذ المتاع ولكنا خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كرة العدو، وقمنا دونه فما أنتم بأحق به منا . وروى مكحول عن أبي أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال، قال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت، حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا عن بواء -يقول على السواء -وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وصلاح ذات البين . وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: لما كان يوم بدر قتل أخي عمير، وقتلت سعيد بن العاص بن أمية، وأخذت سيفه، وكان يسمى ذا الكثيفة، فأعجبني فجئت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله إن الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف. فقال: ليس هذا لي ولا لك، اذهب فاطرحه في القبض، فطرحته ورجعت، وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلاحي، وقلت: عسى أن يعطى هذا السيف من لم يبل بلائي فما جاوزت إلا قليلا حتى جاءني الرسول، وقد أنزل الله عز وجل: "يسألونك عن الأنفال"، الآية. فخفت أن يكون قد نزل في شيء، فلما انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي، وإنه قد صار لي الآن فاذهب فخذه فهو لك" . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت المغانم لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ليس لأحد فيها شيء، وما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به فمن حبس منه إبرة أو سلكا فهو غلول . قوله: {يسألونك عن الأنفال} أي: عن حكم الأنفال وعلمها، وهو سؤال استخبار لا سؤال طلب، وقيل: هو سؤال طلب. قاله الضحاك وعكرمة. وقوله: {عن الأنفال} أي: من الأنفال، عن بمعنى من. وقيل: عن صلة أي: يسألونك الأنفال، وهكذا قراءة ابن مسعود بحذف عن. والأنفال: الغنائم، واحدها: نفل، وأصله الزيادة، يقال: نفلتك وأنفلتك، أي: زدتك، سميت الغنائم أنفالا لأنها زيادة من الله تعالى لهذه الأمة على الخصوص.

Sección V03/P324–V03/P326

وأكثر المفسرين على أن الآية في غنائم بدر. وقال عطاء: هي ما شذ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال، من عبد أو أمة ومتاع فهو للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع به ما شاء. قوله تعالى: {قل الأنفال لله والرسول} [يقسمها كما شاء] واختلفوا فيه، فقال مجاهد وعكرمة والسدي: هذه الآية منسوخة بقوله عز وجل: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول" الآية. كانت الغنائم يومئذ للنبي صلى الله عليه وسلم فنسخها الله عز وجل بالخمس . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي ثابتة غير منسوخة، ومعنى الآية: قل الأنفال لله مع الدنيا والآخرة وللرسول يضعها حيث أمره الله تعالى، أي: الحكم فيها لله ولرسوله، وقد بين الله مصارفها في قوله عز وجل: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه" الآية . {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} أي: اتقوا الله بطاعته وأصلحوا الحال بينكم بترك المنازعة والمخالفة، وتسليم أمر الغنيمة إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم. {وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين} {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم } {إنما المؤمنون} يقول ليس المؤمن الذي يخالف الله ورسوله، إنما المؤمنون الصادقون في إيمانهم، {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} خافت وفرقت قلوبهم، وقيل: إذا خوفوا بالله انقادوا خوفا من عقابه. {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} تصديقا ويقينا. وقال عمير بن حبيب وكانت له صحبة: إن للإيمان زيادة ونقصانا، قيل: فما زيادته؟ قال: إذا ذكرنا الله عز وجل وحمدناه فذلك زيادته، وإذا سهونا وغفلنا فذلك نقصانه، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: إن للإيمان فرائض وشرائط وشرائع وحدودا وسننا فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان. {وعلى ربهم يتوكلون} أي: يفوضون إليه أمورهم ويثقون به ولا يرجون غيره ولا يخافون سواه. {أولئك هم المؤمنون حقا} يعني يقينا: قال ابن عباس: برئوا من الكفر. قال مقاتل: حقا لا شك في إيمانهم. وفيه دليل على أنه ليس لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمنا حقا لأن الله تعالى إنما وصف بذلك قوما مخصوصين على أوصاف مخصوصة، وكل أحد لا يتحقق وجود تلك الأوصاف فيه. وقال ابن أبي نجيح: سأل رجل الحسن فقال: أمؤمن أنت؟ فقال: إن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب، فأنا بها مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله: "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم" الآية، فلا أدري أمنهم أنا أم لا؟ وقال علقمة: كنا في سفر فلقينا قوما فقلنا: من القوم؟ قالوا: نحن المؤمنون حقا، فلم ندر ما نجيبهم حتى لقينا عبد الله بن مسعود فأخبرناه بما قالوا، قال: فما رددتم عليهم؟ قلنا: لم نرد عليهم شيئا، قال أفلا قلتم أمن أهل الجنة أنتم؟ إن المؤمنين أهل الجنة. وقال سفيان الثوري: من زعم أنه مؤمن حقا أو عند الله، ثم لم يشهد أنه في الجنة فقد آمن بنصف الآية دون النصف. {لهم درجات عند ربهم} قال عطاء: يعني درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم. وقال الربيع بن أنس: سبعون درجة ما بين كل درجتين حضر الفرس المئضمر سبعين 144/أسنة . {ومغفرة} لذنوبهم {ورزق كريم} حسن يعني ما أعد لهم في الجنة. {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين }

Sección V03/P326–V03/P328

قوله تعالى: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} اختلفوا في الجالب لهذه الكاف التي في قوله {كما أخرجك ربك} قال المبرد: تقديره الأنفال لله وللرسول وإن كرهوا، كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن كرهوا. وقيل: تقديره امض لأمر الله في الأنفال وإن كرهوا كما مضيت لأمر الله في الخروج من البيت لطلب العير وهم كارهون. وقال عكرمة: معناه فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن ذلك خير لكم، كما أن إخراج محمد صلى الله عليه وسلم من بيته بالحق خير لكم، وإن كرهه فريق منكم. وقال مجاهد: معناه كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره فريق منهم، كذلك يكرهون القتال ويجادلون فيه. وقيل: هو راجع إلى قوله: "لهم درجات عند ربهم"، تقديره: وعد [الله] الدرجات لهم حق ينجزه الله عز وجل كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، فأنجز الوعد بالنصر والظفر. وقيل: الكاف بمعنى على، تقديره: امض على الذي أخرجك ربك. وقال أبو عبيدة: هي بمعنى القسم مجازا، والذي أخرجك، لأن "ما" في موضع الذي، وجوابه "يجادلونك"، وعليه يقع القسم، تقديره: يجادلونك والله الذي أخرجك ربك من بيتك بالحق. وقيل: الكاف بمعنى "إذ" تقديره: واذكر إذ أخرجك ربك. قيل: المراد بهذا الإخراج هو إخراجه من مكة إلى المدينة. والأكثرون على أن المراد منه إخراجه من المدينة إلى بدر، أي: كما أمرك ربك بالخروج من بيتك إلى المدينة بالحق قيل: بالوحي لطلب المشركين {وإن فريقا من المؤمنين} منهم، {لكارهون} {يجادلونك في الحق} أي: في القتال، {بعد ما تبين} وذلك أن المؤمنين لما أيقنوا بالقتال كرهوا ذلك، وقالوا: لم تعلمنا أنا نلقى العدو فنستعد لقتالهم، وإنما خرجنا للعير، فذلك جدالهم بعدما تبين لهم أنك لا تصنع إلا ما أمرك، وتبين صدقك في الوعد، {كأنما يساقون إلى الموت} لشدة كراهيتهم القتال، {وهم ينظرون} فيه تقديم وتأخير، تقديره: وإن فريقا من المؤمنين لكارهون كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون يجادلونك في الحق بعدما تبين. قال ابن زيد: هؤلاء المشركون جادلوه في الحق كأنما يساقون إلى الموت حين يدعون إلى الإسلام لكراهيتهم إياه وهم ينظرون. قوله تعالى: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} قال ابن عباس وابن الزبير ومحمد بن إسحاق والسدي أقبل أبو سفيان من الشام في عير لقريش في أربعين راكبا من كفار قريش، فيهم: عمرو بن العاص، ومخرمة بن نوفل الزهري، وفيها تجارة كثيرة، وهي اللطيمة حتى إذا كانوا قريبا من بدر، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فندب أصحابه إليه وأخبرهم بكثرة المال وقلة العدد، وقال: هذه عير قريش فيها أموالكم فاخرجوا إليها لعل الله تعالى أن ينفلكموها، فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا. فلما سمع أبو سفيان بمسير النبي صلى الله عليه وسلم استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم ويخبرهم أن محمدا قد عرض لعيرهم في أصحابه، فخرج ضمضم سريعا إلى مكة. وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له: يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفزعتني وخشيت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم علي ما أحدثك. قال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس قد اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس، فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا دخلتها منها فلقة . فقال العباس: والله إن هذه لرؤيا رأيت! فاكتميها ولا تذكريها لأحد.

Sección V03/P328–V03/P330

ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان له صديقا فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش. قال العباس: فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا، قال: فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطلب متى حدثت هذه النبية فيكم؟ قلت: وما ذاك؟ قال: الرؤيا التي رأت عاتكة؟ قلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم؟ قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك ما قالت حقا فسيكون، وإن تمض الثلاث، ولم يكن من ذلك شيء، نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب. فقال العباس: والله ما كان مني إليه كبير إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا، ثم تفرقنا فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم تكن عندك غيرة لشيء مما سمعت؟ قال: قلت والله قد فعلت ما كان مني إليه من كثير، وأيم الله لأتعرضن له فإن عاد لأكفينكه. قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى أن قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه، قال: فدخلت المسجد فرأيته، فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلا خفيفا، حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر، إذ خرج نحو باب المسجد يشتد. قال: قلت في نفسي: ما له لعنه الله؟ أكل هذا فرقا 144/ب مني أن أشاتمه؟ قال: فإذا هو قد سمع ما لم أسمع، صوت ضمضم بن عمرو، وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره، وقد جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث. قال: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر، فتجهز الناس سراعا فلم يتخلف من أشراف قريش أحد إلا أن أبا لهب قد تخلف وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة. فلما اجتمعت قريش للمسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة بن الحارث، فقالوا: نخشى أن يأتونا من خلفنا فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وكان من أشراف بني بكر، فقال: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه. فخرجوا سراعا، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، في ليال مضت من شهر رمضان، حتى إذا بلغ واديا يقال له ذفران، فأتاه الخبر عن مسير قريش ليمنعوا عيرهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالروحاء أخذ عينا للقوم فأخبره بهم. وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا عينا له من جهينة حليفا للأنصار يدعى عبد الله بن أريقط فأتاه بخبر القوم وسبقت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل جبريل وقال: إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العير وإما قريشا، وكانت العير أحب إليهم، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في طلب العير وحرب النفير، فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك فوالله ما نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد يعني مدينة الحبشة، لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير.

Sección V03/P330–V03/P332

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشيروا علي أيها الناس" وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا على من دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم. فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. قال: قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئتنا به هو الحق أعطيناك على ذلك [عهودا ومواثيق] على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر عند الحرب صدق في اللقاء ولعل الله تعالى يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك، ثم قال: "سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم". قال ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان"، قال ويضع يده على الأرض هاهنا وهاهنا، قال فما ماط أحد عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله تعالى: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} أي: الفريقين إحداهما أبو سفيان مع العير والأخرى أبو جهل مع النفير. {وتودون} أي: تريدون {أن غير ذات الشوكة تكون لكم} يعني العير التي ليس فيها قتال. والشوكة: الشدة والقوة. ويقال السلاح. {ويريد الله أن يحق الحق} أي يظهره ويعليه، {بكلماته} بأمره إياكم بالقتال. وقيل [بعداته] التي سبقت من إظهار الدين وإعزازه، {ويقطع دابر الكافرين} أي: يستأصلهم حتى لا يبقى منهم أحد، يعني: كفار العرب. {ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون } {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين } {ليحق الحق} ليثبت الإسلام، {ويبطل الباطل} أي: يفني الكفر {ولو كره المجرمون} المشركون. وكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة ليلة من شهر رمضان. قوله تعالى: {إذ تستغيثون ربكم} تستجيرون به من عدوكم وتطلبون منه الغوث والنصر. روي عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا دخل العريش هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنه، واستقبل القبلة ومد يده فجعل يهتف بربه عز وجل: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه عز وجل مادا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأخذ أبو بكر رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك منا شدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله عز وجل "إذ تستغيثون ربكم" {فاستجاب لكم أني ممدكم} مرسل إليكم مددا وردءا لكم، {بألف من الملائكة مردفين} قرأ أهل المدينة ويعقوب "مردفين" بفتح الدال، أي: أردف الله المسلمين وجاء بهم مددا. وقرأ الآخرون بكسر الدال، أي: متتابعين بعضهم في إثر بعض، يقال: أردفته وردفته بمعنى تبعته. يروى أنه نزل جبريل في خمسمائة وميكائيل في خمسمائة في [صورة] الرجال على خيل بلق عليهم ثياب بيض وعلى رءوسهم عمائم بيض، قد أرخوا أطرافها بين أكتافهم . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ناشد ربه عز وجل وقال أبو بكر: إن الله منجز لك ما وعدك فخفق رسول

Sección V03/P332–V03/P334

الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش ثم انتبه، فقال: "يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده على ثناياه النقع" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا إبراهيم بن موسى، ثنا عبد الوهاب، ثنا خالد، عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب" . وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض ويوم حنين عمائم خضر، ولم تقاتل الملائكة 145/أفي يوم سوى يوم بدر من الأيام، وكانوا يكونون فيما سواه عددا ومددا . وروي عن أبي أسيد مالك بن ربيعة قد شهد بدرا أنه قال بعدما ذهب بصره: لو كنت معكم اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة . {وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان } قوله تعالى: {وما جعله الله} يعني: الإمداد بالملائكة، {إلا بشرى} أي: بشارة {ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم} {إذ يغشيكم النعاس} قرأ ابن كثير وأبو عمرو: "يغشاكم" بفتح الياء، "النعاس" رفع على أن الفعل له، كقوله تعالى في سورة آل عمران "أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم" (آل عمران-154) وقرأ أهل المدينة: "يغشيكم" بضم الياء وكسر الشين مخففا، "النعاس" نصب، كقوله تعالى: "كأنما أغشيت وجوههم"، وقرأ الآخرون بضم الياء وكسر الشين مشددا، "النعاس" نصب، على أن الفعل لله عز وجل، كقوله تعالى: "فغشاها ما غشى" (النجم-54) ، والنعاس: النوم الخفيف. {أمنة} أمنا {منه} مصدر أمنت أمنا وأمنة وأمانا. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: النعاس في القتال أمنة من الله وفي الصلاة وسوسة من الشيطان. {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} وذلك أن المسلمين نزلوا يوم بدر على كثيب أعفر، تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب، وسبقهم المشركون إلى ماء بدر وأصبح المسلمون بعضهم محدثين وبعضهم مجنبين، وأصابهم الظمأ، ووسوس إليهم الشيطان، وقال: تزعمون أنكم على الحق وفيكم نبي الله وأنكم أولياء الله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلون محدثين ومجنبين، فكيف ترجون أن تظهروا عليهم؟ فأرسل الله عز وجل عليهم مطرا سال منه الوادي فشرب المؤمنون واغتسلوا، وتوضأوا وسقوا الركاب، +وملأوا الأسقية، وأطفأ الغبار، ولبد الأرض حتى ثبتت عليها الأقدام، وزالت عنهم وسوسة الشيطان، وطابت أنفسهم، فذلك قوله تعالى: "وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به" من الأحداث والجنابة. {ويذهب عنكم رجز الشيطان} وسوسته، {وليربط على قلوبكم} باليقين والصبر {ويثبت به الأقدام} حتى لا تسوخ في الرمل بتلبيد الأرض. وقيل: يثبت به الأقدام بالصبر وقوة القلب. {إذ يوحي ربك إلى الملائكة} الذين أمد بهم المؤمنين، {أني معكم} بالعون والنصر، {فثبتوا الذين آمنوا} أي: قووا قلوبهم. قيل: ذلك التثبيت حضورهم معهم القتال ومعونتهم، أي: ثبتوهم بقتالكم معهم المشركين. وقال مقاتل: أي: بشروهم بالنصر، وكان الملك يمشي أمام الصف في صورة الرجل ويقول: أبشروا فإن الله ناصركم. {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} قال عطاء: يريد الخوف من أوليائي، {فاضربوا فوق الأعناق} قيل: هذا خطاب مع المؤمنين. وقيل: هذا خطاب مع الملائكة، وهو متصل بقوله "فثبتوا الذين آمنوا"، وقوله: "فوق الأعناق" قال عكرمة: يعني الرءوس لأنها فوق الأعناق. وقال الضحاك: معناه فاضربوا الأعناق، وفوق صلة كما قال تعالى: "فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب"، (محمد-4) ، وقيل: معناه فاضربوا على الأعناق. فوق بمعنى: على.

Sección V03/P334–V03/P335

{واضربوا منهم كل بنان} قال عطية: يعني كل مفصل. وقال ابن عباس وابن جريج والضحاك: يعني الأطراف. والبنان جمع بنانة، وهي أطراف أصابع اليدين والرجلين. قال ابن الأنباري: ما كانت الملائكة تعلم كيف يقتل الآدميون، فعلمهم الله عز وجل. أخبرنا إسماعيل بن عبد القادر الجرجاني، أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أنا محمد بن عيسى الجلودي، ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا زهير بن حرب، ثنا عمرو بن يونس الحنفي، ثنا عكرمة بن عمار، ثنا أبو زميل هو سماك الحنفي ثنا عبد الله بن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذا سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا، فنظر إليه فإذا هو قد حطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول صلى الله عليه وسلم فقال: "صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة". فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين وروي عن أبي داود المازني وكان شهد بدرا قال: إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري . وروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: والله، لقد رأيتنا يوم بدر، وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك، فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف . وقال عكرمة، قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، وأسلمت أم الفضل وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب عدو الله قد تخلف عن بدر وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا وكنت رجلا ضعيفا وكنت أعمل القداح وأنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس أنحت القداح، وعندي أم الفضل جالسة، إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه حتى جلس على طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري، فبينما هو جالس إذ قال الناس هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم، فقال أبو لهب: إلي يا ابن أخي فعندك الخبر، فجلس إليه والناس قيام عليه، قال: يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شيء والله إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاءوا وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض، لا والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء، قال أبو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك والله الملائكة، قال فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة، فثاورته، فاحتملني فضرب بي الأرض، ثم برك علي يضربني، وكنت رجلا ضعيفا فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فأخذته فضربته به ضربة 145/ب فلقت في رأسه شجة منكرة، وقالت: تستضعفه أن غاب عنه سيده؟ فقام موليا ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته" . وروى مقسم عن ابن عباس قال: كان الذي أسر العباس أبو اليسر، كعب بن عمرو أخو بني سلمة، وكان أبو اليسر رجلا مجموعا، وكان العباس رجلا جسيما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي اليسر، كيف أسرت العباس؟ قال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد أعانك عليه ملك كريم" . {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير }

Sección V03/P335–V03/P338

{ذلك بأنهم شاقوا الله} خالفوا الله، {ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب} {ذلكم} أي: هذا العذاب والضرب الذي عجلته لكم أيها الكفار ببدر، {فذوقوه} عاجلا {وأن للكافرين} أي: واعلموا وأيقنوا أن للكافرين أجلا في المعاد، {عذاب النار} روى عكرمة عن ابن عباس قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء، فناداه العباس وهو أسير في وثاقه: لا يصلح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لمه؟ قال: لأن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك . قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا} أي مجتمعين متزاحمين بعضكم إلى بعض، والتزاحف: التداني في القتال: والزحف مصدر؛ لذلك لم يجمع، كقولهم: قوم عدل ورضا. قال: الليث: الزحف جماعة يزحفون إلى عدولهم بمرة، فهم الزحف والجمع: الزحوف. {فلا تولوهم الأدبار} يقول: فلا تولوهم ظهوركم، أي تنهزموا فإن المنهزم يولي دبره. {ومن يولهم يومئذ دبره} ظهره، {إلا متحرفا لقتال} أي منعطفا يرى من نفسه الانهزام، وقصده طلب الغرة وهو يريد الكرة، {أو متحيزا إلى فئة} أي: منضما صائرا إلى جماعة من المؤمنين [يريد] العود إلى القتال. ومعنى الآية النهي عن الانهزام من الكفار والتولي عنهم، إلا على نية التحرف للقتال والانضمام إلى جماعة من المسلمين ليستعين بهم ويعودون إلى القتال، فمن ولى ظهره لا على هذه النية لحقه الوعيد، كما قال تعالى: {فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} اختلف العلماء في هذه الآية فقال أبو سعيد الخدري: هذا في أهل بدر خاصة، ما كان يجوز لهم الانهزام لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان معهم، ولم يكن لهم فئة يتحيزون إليها دون النبي صلى الله عليه وسلم، ولو انحازوا لانحازوا إلى المشركين، فأما بعد ذلك فإن المسلمين بعضهم فئة لبعض فيكون الفار متحيزا إلى فئة فلا يكون فراره كبيرة، وهو قول الحسن وقتادة والضحاك. قال يزيد بن أبي حبيب أوجب الله النار لمن فر يوم بدر، فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال: "إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم" (آل عمران -155) ، ثم كان يوم حنين بعده فقال: "ثم وليتم مدبرين" (التوبة 0 25) "ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء" (التوبة -27) . وقال عبد الله بن عمر: كنا في جيش بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاص الناس حيصة فانهزمنا، فقلنا: يا رسول الله نحن [الفرارون] قال: "بل أنتم الكرارون، أنا فئة المسلمين" . وقال محمد بن سيرين: لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر فقال: لو انحاز إلي كنت له فئة فأنا فئة كل مسلم . وقال بعضهم: حكم الآية عام في حق كل من ولى منهزما. جاء في الحديث: "من الكبائر الفرار من الزحف" . وقال عطاء بن أبي رباح: هذه الآية منسوخة بقوله عز وجل: "الآن خفف الله عنكم" (الأنفال -66) فليس لقوم أن يفروا من [مثلهم] فنسخت تلك إلا في هذه العدة وعلى هذا أكثر أهل العلم أن المسلمين إذا كانوا على الشطر من عدوهم لا يجوز لهم أن يفروا أو يولوا ظهورهم إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة، وإن كانوا أقل من ذلك جاز لهم أن يولوا ظهورهم وينحازوا عنهم قال ابن عباس:"من فر من ثلاثة فلم يفر، ومن اثنين فقد فر" . {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم } قوله تعالى: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم} قال مجاهد سبب هذه الآية أنهم لما انصرفوا عن القتال كان الرجل يقول: أنا قتلت فلانا ويقول الآخر مثله، فنزلت الآية. ومعناه: فلم تقتلوهم أنتم بقوتكم ولكن الله قتلهم [بنصره] إياكم وتقويته لكم. وقيل: لكن الله قتلهم بإمداد الملائكة.

Sección V03/P338–V03/P340

{وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} قال أهل التفسير والمغازي: ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدرا، ووردت عليهم روايا قريش، وفيهم أسلم، غلام أسود لبني الحجاج، وأبو يسار، غلام لبني العاص بن سعيد، فأتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما: أين قريش؟ قالا هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى -والكثيب: العقنقل -فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما: كم القوم؟ قالا كثير، قال: ما عدتهم؟ قالا لا ندري، قال: كم ينحرون كل يوم؟ قالا يوما عشرة ويوما تسعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القوم ما بين التسعمائة إلى الألف" ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش؟ قالا عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري ابن هشام، وحكيم بن حزام، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها" فلما أقبلت قريش ورآها رسول الله تصوب من العقنقل، وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي، قال لهم: هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها [تحادك] وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، فأتاه جبريل عليه السلام وقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى الجمعان تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم كفا من حصى عليه تراب، فرمى به في وجوه القوم، وقال: شاهت الوجوه، فلم يبق منهم مشرك إلا دخل في عينيه وفمه ومنخريه منها شيء، فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم . وقال قتادة، وابن زيد: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ يوم بدر ثلاث حصيات فرمى بحصاة في ميمنة القوم وبحصاة في ميسرة القوم وبحصاة بين أظهرهم، وقال: شاهت الوجوه، فانهزموا، فذلك قوله تعالى: "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"، إذ ليس في وسع أحد من البشر أن يرمي كفا من 146/أالحصا إلى وجوه جيش فلا يبقى فيهم عين إلا ويصيبها منه شيء. وقيل: معناه الآية وما بلغت إذ رميت ولكن الله بلغ. وقيل: وما رميت بالرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء ولكن الله رمى بالرعب في قلوبهم حتى انهزموا، {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا} أي: ولينعم على المؤمنين نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة، {إن الله سميع} لدعائكم، {عليم} بنياتكم. {ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين } {ذلكم} الذي ذكرت من القتل والرمي والبلاء الحسن، {وأن الله} قيل: فيه إضمار، أي: [واعلموا] أن الله {موهن} مضعف، {كيد الكافرين} قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة: "موهن" بالتشديد والتنوين، "كيد" نصب، وقرأ الآخرون "موهن" بالتخفيف والتنوين إلا حفصا، فإنه يضيفه فلا ينون ويخفض "كيد". قوله تعالى: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر لما التقى الناس: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لم نعرف فأحنه الغداة، فكان هو المستفتح على نفسه . أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال: قال عبد الرحمن بن عوف: إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان، حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عم أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي وما تصنع به؟ فقال: عاهدت الله عز وجل إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه. فقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله، فما سرني أني بين رجلين بمكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه، وهما ابنا عفراء .

Preguntas