Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)
قال الفراء: هذا الاستثناء استثناه الله ولا يفعله، كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وعزيمتك أن تضربه . {إن ربك فعال لما يريد} . {وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ } . {وأما الذين سعدوا} قرأ حمزة والكسائي وحفص {سعدوا} بضم السين [وكسر العين] ، أي: رزقوا السعادة، وسعد وأسعد بمعنى واحد. وقرأ الآخرون بفتح السين قياسا على "شقوا". {ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} قال الضحاك: إلا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة. قال قتادة: الله أعلم بثنياه. {عطاء غير مجذوذ} أي غير مقطوع. قال ابن زيد: أخبرنا الله تعالى بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: {عطاء غير مجذوذ} ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا . وعن أبي هريرة رضي الله عنه مثله . ومعناه عند أهل السنة إن ثبت: أن لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان. وأما مواضع الكفار فممتلئة أبدا. {فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير } . {فلا تك في مرية} في شك، {مما يعبد هؤلاء} أنهم ضلال، {ما يعبدون إلا كما يعبد} فيه إضمار، أي: كما كان يعبد، {آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم} حظهم من الجزاء. {غير منقوص} . {ولقد آتينا موسى الكتاب} التوراة، {فاختلف فيه} فمن مصدق به ومكذب، كما فعل قومك بالقرآن، يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم {ولولا كلمة سبقت من ربك} في تأخير العذاب عنهم، {لقضي بينهم} أي: لعذبوا في الحال وفرغ من عذابهم وإهلاكهم، {وإنهم لفي شك منه مريب} موقع في الريبة والتهمة. {وإن كلا} قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر: "وإن كلا" ساكنة النون على تخفيف إن الثقيلة، والباقون بتشديدها، {لما} شددها هنا وفي يس والطارق: ابن عامر وعاصم وحمزة، [وافق أبو جعفر ها هنا، وفي الطارق وفي الزخرف، بالتشديد عاصم وحمزة] والباقون بالتخفيف، فمن شدد قال الأصل فيه: {وإن كلا} [لمن ما، فوصلت من الجارة بما، فانقلبت النون ميما للإدغام، فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت إحداهن، فبقيت لما بالتشديد، و"ما" ها هنا بمعنى: من، هو اسم لجماعة من الناس، كما قال تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم} (النساء -3) ، أي: من طاب لكم، والمعنى: وإن كلا لمن جماعة ليوفينهم] . ومن قرأ بالتخفيف قال: "ما" صلة [زيدت بين اللامين ليفصل بينهما كراهة اجتماعهما، والمعنى] وإن كلا ليوفينهم. وقيل "ما" بمعنى من، تقديره: لمن ليوفينهم، واللام في "لما" لام التأكيد [التي تدخل على خبر إن] ، وفي ليوفينهم لام القسم، [والقسم مضمر] تقديره: والله، {ليوفينهم ربك أعمالهم} أي: جزاء أعمالهم، {إنه بما يعملون خبير} . {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون } . قوله عز وجل: {فاستقم كما أمرت} أي: استقم على دين ربك، والعمل به، والدعاء إليه كما أمرت، {ومن تاب معك} أي: ومن آمن معك فليستقيموا، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب . أخبرنا الإمام الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، أخبرنا والدي إملاء، حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن العلاء بن كريب، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت، يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: "قل آمنت بالله ثم استقم" .
{ولا تطغوا} لا تجاوزوا أمري ولا تعصوني، وقيل: معناه ولا تغلوا فتزيدوا على ما أمرت ونهيت. {إنه بما تعملون بصير} لا يخفى عليه من أعمالكم شيء. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من هذه الآية، ولذلك قال: "شيبتني هود وأخواتها" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد السلام بن مطهر، ثنا عمر بن علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" . قوله عز وجل: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: ولا تميلوا. والركون: هو المحبة والميل بالقلب، وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم. قال السدي: لا تداهنوا الظلمة. وعن عكرمة: لا تطيعوهم. وقيل: لا تسكنوا إلى الذين ظلموا. {فتمسكم} فتصيبكم، {النار وما لكم من دون الله من أولياء} أي: أعوان يمنعونكم من عذابه، {ثم لا تنصرون} . {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين } . قوله عز وجل: {وأقم الصلاة طرفي النهار} أي: الغداة والعشي. [يعني: صلاة الصبح والمغرب] ، قال مجاهد: طرفا النهار صلاة [الصبح] والظهر والعصر. "وزلفا من الليل"، صلاة المغرب والعشاء. وقال مقاتل: صلاة الفجر والظهر طرف، وصلاة العصر والمغرب طرف، وزلفا من الليل، يعني: صلاة العشاء. وقال الحسن: طرفا النهار. الصبح والعصر، وزلفا من الليل: المغرب والعشاء. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: طرفا النهار الغداة والعشي، يعني صلاة الصبح والمغرب. قوله: {وزلفا من الليل} أي: 178/ب ساعاته واحدتها زلفة. وقرأ أبو جعفر "زلفا" بضم اللام. {إن الحسنات يذهبن السيئات} يعني: إن الصلوات الخمس يذهبن الخطيئات. روي أنها نزلت في أبي اليسر، قال: أتتني امرأة تبتاع تمرا فقلت لها: إن في البيت تمرا أطيب منه: فدخلت معي البيت، فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت أبا بكر رضي الله عنه فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب، فأتيت عمر رضي الله عنه فذكرت ذلك له، فقال: استر على نفسك وتب، فلم أصبر فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: "أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا، حتى ظن أنه من أهل النار؟ فأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أوحى الله إليه: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} الآية، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال: "بل للناس عامة" . أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل أنبأنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يزيد بن زريع عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله تعالى {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات} قال الرجل: يا رسول الله ألي هذا؟ قال: "لجميع أمتي كلهم" . وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني أبو طاهر، وهارون بن سعيد الأيلي، قالا حدثنا ابن وهب، عن أبي صخر، أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" .
وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا محمد الحسين بن أحمد المخلدي، أنبأنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، أنبأنا قتيبة، أنبأنا الليث وبكر بن مضر، عن ابن الهادي، عن محمد ابن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا. قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا" . قوله عز وجل: {ذلك} أي: ذلك الذي ذكرنا. وقيل: هو إشارة إلى القرآن، {ذكرى} عظة {للذاكرين} أي لمن ذكره. {واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } . {واصبر} يا محمد على ما تلقى من الأذى. وقيل: على الصلاة، ونظيره {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} (طه -132) {فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} في أعمالهم.. قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني المصلين. {فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون } . {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } . قوله عز وجل: {فلولا} فهلا {كان من القرون} التي أهلكناهم، {من قبلكم} والآية للتوبيخ {أولو بقية} أي: أولو تمييز. وقيل: أولو طاعة. وقيل: أولو خير. يقال: فلان ذو بقية إذا كان فيه خير. معناه: فهلا كان من القرون من قبلكم من فيه خير ينهى عن الفساد في الأرض؟ [وقيل: معناه أولو بقية من خير. يقال: فلان على بقية من الخير إذا كان على خصلة محمودة] . {ينهون عن الفساد في الأرض} أي يقومون بالنهي عن الفساد، ومعناه جحد، أي: لم يكن فيهم أولو بقية. {إلا قليلا} هذا استثناء منقطع معناه: لكن قليلا {ممن أنجينا منهم} وهم أتباع الأنبياء كانوا ينهون عن الفساد في الأرض. {واتبع الذين ظلموا ما أترفوا} نعموا، {فيه} والمترف: المنعم. وقال مقاتل بن حيان: خولوا. وقال الفراء: [عودوا من النعيم واللذات وإيثار الدنيا] أي: واتبع الذين ظلموا ما عودوا من النعيم واللذات وإيثار الدنيا على الآخرة. {وكانوا مجرمين} كافرين. {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم} أي: لا يهلكهم بشركهم، {وأهلها مصلحون} فيما بينهم يتعاطون الإنصاف ولا يظلم بعضهم بعضا، وإنما يهلكهم إذا تظالموا، وقيل: لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون في أعمالهم، ولكن يهلكهم بكفرهم وركوبهم السيئات. قوله عز وجل: {ولو شاء ربك لجعل الناس} كلهم {أمة واحدة} على دين واحد. {ولا يزالون مختلفين} على أديان شتى من بين يهودي ونصراني، ومجوسي، ومشرك. {إلا من رحم ربك} معناه: لكن من رحم ربك فهداهم إلى الحق، فهم لا يختلفون، {ولذلك خلقهم} قال الحسن وعطاء: وللاختلاف خلقهم. وقال أشهب: سألت مالكا عن هذه الآية، فقال: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير. وقال أبو عبيدة: الذي أختاره قول من قال: خلق فريقا لرحمته وفريقا لعذابه. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: وللرحمة خلقهم، يعني الذين رحمهم. وقال الفراء: خلق أهل الرحمة للرحمة، وأهل الاختلاف للاختلاف. وحاصل الآية: أن أهل الباطل مختلفون، وأهل الحق متفقون، فخلق الله أهل الحق للاتفاق، وأهل الباطل للاختلاف. {وتمت كلمة ربك} وتم حكم ربك، {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} . {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون } .
{وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} معناه: وكل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل، أي: من أخبارهم وأخبار أممهم نقصها عليك لنثبت به فؤادك، لنزيدك يقينا ونقوي قلبك، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعها كان في ذلك تقوية لقلبه على الصبر على أذى قومه. {وجاءك في هذه الحق} قال الحسن وقتادة: في هذه الدنيا. وقال غيرهما: في هذه السورة. وهذا قول الأكثرين. خص هذه السورة تشريفا، وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور. {وموعظة} أي: وجاءتك موعظة، {وذكرى للمؤمنين} . {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم} أمر تهديد ووعيد، {إنا عاملون} . {وانتظروا} ما يحل بنا من رحمة الله، {إنا منتظرون} ما يحل بكم من نقمة الله. {ولله غيب السموات والأرض} أي: علم ما غاب عن العباد فيهما، {وإليه يرجع الأمر كله} في المعاد. قرأ نافع وحفص: "يرجع" بضم الياء وفتح الجيم: أي: يرد. وقرأ الآخرون بفتح الياء وكسر الجيم، أي: يعود الأمر كله إليه حتى لا يكون للخلق أمر. {فاعبده وتوكل عليه} وثق به، {وما ربك بغافل عما تعملون} قرأ أهل المدينة والشام وحفص ويعقوب: "تعملون" بالتاء ها هنا وفي آخر سورة النمل. وقرأ الآخرون بالياء فيهما. قال كعب: خاتمة التوراة خاتمة سورة هود . أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أنبأنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي، أنبأنا أبو سعيد 179/أالهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام، عن شيبان، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله قد شبت، فقال صلى الله عليه وسلم: "شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت" . ويروى: "شيبتني هود وأخواتها" . سورة يوسف (سورة يوسف عليه السلام مكية ) بسم الله الرحمن الرحيم {الر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين } . {الر تلك آيات الكتاب المبين} أي: البين حلاله وحرامه، وحدوده وأحكامه. قال قتادة: مبين -والله-بركته وهداه ورشده، فهذا من بان أي: ظهر. وقال الزجاج: مبين الحق من الباطل والحلال من الحرام، فهذا من أبان بمعنى أظهر. {إنا أنزلناه} يعني: الكتاب، {قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} أي: أنزلناه بلغتكم، لكي تعلموا معانيه، وتفهموا ما فيه. {نحن نقص عليك} أي: نقرأ عليك {أحسن القصص} والقاص هو الذي يتبع الآثار ويأتي بالخبر على وجهه. معناه: نبين لك أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية أحسن البيان. وقيل: المراد منه: قصة يوسف عليه السلام خاصة، سماها أحسن القصص لما فيها من العبر والحكم والنكت والفوائد التي تصلح للدين والدنيا، من سير الملوك والمماليك، والعلماء، ومكر النساء، والصبر على أذى الأعداء، وحسن التجاوز عنهم بعد الالتقاء، وغير ذلك من الفوائد. قال خالد بن معدان: سورة يوسف وسورة مريم يتفكه بهما أهل الجنة في الجنة. وقال ابن عطاء: لا يسمع سورة يوسف محزون إلا استراح إليها. قوله عز وجل: {بما أوحينا إليك} "ما" المصدر، أي: بإيحائنا إليك، {هذا القرآن وإن كنت} وقد كنت، {من قبله} أي: [قبل وحينا] {لمن الغافلين} لمن الساهين عن هذه القصة لا تعلمها. قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاه عليهم زمانا فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا، فأنزل الله عز وجل: {الله نزل أحسن الحديث} (الزمر -23) فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا، فأنزل الله عز وجل: {نحن نقص عليك أحسن القصص} فقالوا: يا رسول الله لو ذكرتنا، فأنزل الله عز وجل ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} (الحديد -16) . {إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين } .
قوله عز وجل: {إذ قال يوسف لأبيه} أي: واذكر إذ قال يوسف لأبيه، ويوسف اسم عبري [عرب] ، ولذلك لا يجري [عليه الإعراب] وقيل هو عربي . سئل أبو الحسن الأقطع عن يوسف؟ فقال: الأسف في اللغة: الحزن، والأسيف: العبد، واجتمعا في يوسف عليه السلام فسمي به. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل قال: قال عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الصمد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم . {يا أبت} قرأ أبو جعفر وابن عامر {يا أبت} بفتح التاء في جميع القرآن على تقدير: يا أبتاه. وقرأ الآخرون: {يا أبت} بكسر التاء لأن أصله: يا أبت، والجزم يحرك إلى الكسر. {إني رأيت أحد عشر كوكبا} أي نجما من نجوم السماء، ونصب الكواكب على التفسير. {والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} ولم يقل رأيتها إلي ساجدة، والهاء والميم والياء والنون من كنايات من يعقل، لأنه لما أخبر عنها بفعل من يعقل عبر عنها بكناية من يعقل كقوله تعالى: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} (النمل -18) . وكان النجوم في التأويل أخواته ، وكانوا أحد عشر رجلا يستضاء بهم كما يستضاء بالنجوم، والشمس أبوه، والقمر أمه. قاله قتادة. وقال السدي: القمر خالته، لأن أمه راحيل كانت قد ماتت. وقال ابن جريج: القمر أبوه والشمس أمه؛ لأن الشمس مؤنثة والقمر مذكر. وكان يوسف عليه السلام ابن اثنتي عشرة سنة حين رأى هذه الرؤيا. وقيل: رآها ليلة الجمعة ليلة القدر فلما قصها على أبيه. {قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين } . {قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك} وذلك أن رؤيا الأنبياء عليهم السلام وحي فعلم يعقوب أن الإخوة إذا سمعوها حسدوه فأمره بالكتمان، {فيكيدوا لك كيدا} فيحتالوا في إهلاكك لأنهم يعلمون تأويلها فيحسدونك. واللام في قوله "لك" صلة، كقوله تعالى: {لربهم يرهبون} (الأعراف -154) . وقيل: هو مثل قولهم نصحتك ونصحت لك، وشكرتك وشكرت لك. {إن الشيطان للإنسان عدو مبين} أي: يزين لهم الشيطان، ويحملهم على الكيد، لعداوته القديمة. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أنبأنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا شعبة عن عبد ربه بن سعيد قال: سمعت أبا سلمة قال: كنت أرى الرؤيا تهمني حتى سمعت أبا قتادة يقول: كنت أرى الرؤيا فتمرضني، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "الرؤيا الصالحة من الله تعالى، [والحلم من الشيطان] ، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان وليتفل ثلاثا، ولا يحدث به أحدا فإنها لن تضر" . أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أنبأنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا شعبة عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن أبي رزين العقيلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الرؤيا جزء من أربعين أو ستة وأربعين جزءا من النبوة وهو على رجل طائر فإذا حدث بها وقعت"، وأحسبه قال: "لا تحدث بها إلا حبيبا أو لبيبا" . {وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم } .
قوله عز وجل: {وكذلك يجتبيك ربك} يصطفيك ربك يقوله يعقوب ليوسف، أي: كما رفع منزلتك بهذه الرؤيا، فكذلك يصطفيك ربك، {ويعلمك من تأويل الأحاديث} يريد تعبير الرؤيا، سمي تأويلا لأنه يؤول أمره إلى ما رأى في منامه، والتأويل ما يؤول إلى عاقبة الأمر، {ويتم نعمته عليك} يعني: بالنبوة، {وعلى آل يعقوب} أي: على أولاده فإن أولاده كلهم كانوا أنبياء، {كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق} فجعلهما نبيين، {إن ربك عليم حكيم} . وقيل: المراد من إتمام النعمة على إبراهيم الخلة. وقيل: إنجاؤه من النار، وعلى إسحاق إنجاؤه من الذبح . وقيل: بإخراج يعقوب 179/ب والأسباط من صلبه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان بين رؤيا يوسف هذه وبين تحقيقها بمصير أبويه وإخوته إليه أربعون سنة، وهو قول أكثر أهل التفسير. وقال الحسن البصري: كان بينهما ثمانون سنة. فلما بلغت هذه الرؤيا إخوة يوسف حسدوه وقالوا: ما رضي أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه فبغوه. {لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين } . يقول الله تعالى: {لقد كان في يوسف وإخوته} أي: في خبره وخبر إخوته. وأسماؤهم: روبيل، وهو أكبرهم، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، وزبالون، وقيل: زبلون، وآشر، وأمهم ليا بنت ليان وهي ابنة خال يعقوب عليه السلام، وولد له من سريتين له، اسم إحداهما زلفة والأخرى يلهمة أربعة أولاد: دان، ونفتالي، وقيل: نفتولي، وجاد، وأشير. ثم توفيت ليا فتزوج يعقوب عليه السلام أختها راحيل فولدت له يوسف وبنيامين. [وقيل: وابن يامين] ، فكان بنو يعقوب عليه السلام اثني عشر رجلا. {آيات} قرأ ابن كثير " آية " على التوحيد، أي: عظة وعبرة، وقيل: عجب. وقرأ الآخرون: {آيات} على الجمع. {للسائلين} وذلك أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف عليه السلام. وقيل: سألوه عن سبب انتقال ولد يعقوب من كنعان إلى مصر. فذكر لهم قصة يوسف، فوجدوها موافقة لما في التوراة [فتعجبوا منها] . فهذا معنى قوله: {آيات للسائلين} [أي: دلالة على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: آيات للسائلين ولمن لم يسأل، كقوله: {سواء للسائلين} (فصلت -10) ] . وقيل: معناه عبرة للمعتبرين، فإنها تشتمل على حسد إخوة يوسف، وما آل إليه أمرهم في الحسد، وتشتمل على رؤياه، وما حقق الله منها، وتشتمل على صبر يوسف عليه السلام عن قضاء الشهوة، وعلى الرق وفي السجن، وما آل إليه أمره من الملك، وتشتمل على حزن يعقوب وصبره وما آل إليه أمره من الوصول إلى المراد وغير ذلك من الآيات. {إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين } . {إذ قالوا ليوسف} اللام فيه جواب القسم تقديره: والله ليوسف، {وأخوه} بنيامين، {أحب إلى أبينا منا} كان يوسف وأخوه بنيامين من أم واحدة، وكان يعقوب عليه السلام شديد الحب ليوسف عليه السلام، وكان إخوته يرون من الميل إليه ما لا يرونه مع أنفسهم فقالوا هذه المقالة ، {ونحن عصبة} جماعة وكانوا عشرة. قال الفراء: العصبة هي العشرة فما زاد. وقيل: العصبة ما بين الواحد إلى العشرة. وقيل: ما بين الثلاثة إلى العشرة. وقال مجاهد: ما بين العشرة إلى خمسة عشر. وقيل: ما بين العشرة إلى الأربعين. وقيل: جماعة يتعصب بعضها لبعض لا واحد لها من لفظها كالنفر والرهط. {إن أبانا لفي ضلال مبين} أي خطإ بين في إيثاره يوسف وأخاه علينا، وليس المراد من الضلال عن الدين، ولو أرادوه لكفروا به، بل المراد منه: الخطأ في تدبير أمر الدنيا، يقولون: نحن أنفع له في أمر الدنيا وإصلاح أمر معاشه ورعي مواشيه، فنحن أولى بالمحبة منه، فهو مخطئ في صرف محبته إليه. {اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين } . {اقتلوا يوسف} اختلفوا في قائل هذا القول؛ فقال وهب: قاله شمعون. وقال كعب: قاله دان.
{أو اطرحوه أرضا} أي: إلى أرض يبعد عن أبيه. وقيل: في أرض تأكله السباع. {يخل لكم} يخلص لكم ويصف لكم. {وجه أبيكم} عن شغله بيوسف، {وتكونوا من بعده} من بعد قتل يوسف، {قوما صالحين} تائبين، أي: توبوا بعدما فعلتم هذا يعف الله عنكم. وقال مقاتل: يصلح أمركم فيما بينكم وبين أبيكم. {قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف} وهو يهوذا، وقال [قتادة] : روبيل، وكان ابن خالة يوسف، وكان أكبرهم سنا وأحسنهم رأيا فيه. والأول أصح أنه يهوذا، نهاهم عن قتله، وقال: القتل كبيرة عظيمة. {وألقوه في غيابة الجب} قرأ أبو جعفر، ونافع: "غيابات الجب" على الجمع في الحرفين، وقرأ الباقون "غيابة الجب" على الواحد، أي: في أسفل الجب وظلمته. والغيابة: كل موضع ستر عنك الشيء وغيبه. والجب: البئر غير المطوية لأنه جب، أي: قطع ولم يطو. {يلتقطه} يأخذه، والالتقاط: أخذ الشيء من حيث لا يحتسبه ، {بعض السيارة} أي: بعض المسافرين، فيذهب به إلى ناحية أخرى، فتستريحوا منه، {إن كنتم فاعلين} أي: إن عزمتم على فعلكم، وهم كانوا يومئذ بالغين، ولم يكونوا أنبياء بعد. وقيل: لم يكونوا بالغين، وليس بصحيح؛ بدليل أنهم قالوا: "وتكونوا من بعده قوما صالحين" . " وقالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا " والصغير لا ذنب له. وقال محمد بن إسحاق: اشتمل فعلهم على جرائم من قطع الرحم، وعقوق الوالدين، وقلة الرأفة بالصغير، الذي لا ذنب له، والغدر بالأمانة، وترك العهد والكذب مع أبيهم. وعفا الله عنهم ذلك كله حتى لا ييئس أحد من رحمة الله. وقال بعض [أهل العلم] إنهم عزموا على قتله وعصمهم الله رحمة بهم، ولو فعلوا لهلكوا أجمعين، وكل ذلك كان قبل أن أنبأهم الله تعالى . وسئل أبو عمرو بن العلاء: كيف قالوا "نرتع ونلعب" وهم أنبياء؟ قال: كان ذلك قبل أن نبأهم الله تعالى، فلما أجمعوا على التفريق بينه وبين والده بضرب من الحيل. {قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون } . {قالوا} ليعقوب، {يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف} قرأ أبو جعفر: {تأمنا} بلا إشمام ، وهو رواية عن نافع [وقرأ الباقون: {تأمنا} بإشمام الضمة في النون الأولى المدغمة، وهو إشارة إلى الضمة، من غير إمحاض، ليعلم أن أصله: لا تأمننا بنونين على تفعلنا، فأدغمت النون الأولى في الثانية] ، بدؤوا بالإنكار عليه في ترك إرساله معهم كأنهم قالوا: إنك لا ترسله معنا أتخافنا عليه؟. {وإنا له لناصحون} قال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، وذلك أنهم قالوا لأبيهم: "أرسله معنا" فقال أبوهم: "إني ليحزنني أن تذهبوا به" فحينئذ قالوا: {ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون} النصح ها هنا هو: القيام بالمصلحة، وقيل: البر والعطف، معناه: إنا عاطفون عليه، قائمون بمصلحته، نحفظه حتى نرده إليك. {أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون } . {فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون } . {أرسله معنا غدا} إلى الصحراء، {يرتع ويلعب} قرأ أبو عمرو، وابن عامر، بالنون فيهما وجزم العين من "نرتع" وقرأ أهل الكوفة بالياء فيهما وجزم العين من "يرتع" يعني يوسف، وقرأ يعقوب: "نرتع" بالنون "ويلعب" بالياء. والرتع هو: الاتساع في الملاذ. يقال: رتع فلان في ماله إذا أنفقه في شهواته، يريد ونتنعم ونأكل ونشرب ونلهو وننشط. وقرأ أهل الحجاز: {يرتع} بكسر العين، وهو [يفتعل] من الرعي. ثم ابن كثير قرأ بالنون فيهما أي: نتحارس ويحفظ بعضنا بعضا. وقرأ أبو جعفر ونافع بالياء إخبارا عن يوسف، أي: يرعى الماشية كما نرعى نحن. {وإنا له لحافظون} 180/أ
{قال} لهم يعقوب، {إني ليحزنني أن تذهبوا به} أي: يحزنني ذهابكم به، والحزن ها هنا: ألم القلب بفراق المحبوب، {وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون} وذلك أن يعقوب كان رأى في المنام أن ذئبا شد على يوسف، فكان يخاف من ذلك، فمن ثم قال هذه المقالة . {قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة} عشرة، {إنا إذا لخاسرون} عجزة ضعفاء. {فلما ذهبوا به وأجمعوا} أي: عزموا، {أن يجعلوه} يلقوه، {في غيابة الجب وأوحينا إليه} هذه الواو زائدة ، تقديره: أوحينا إليه، كقوله تعالى: {فلما أسلما وتله للجبين وناديناه} (الصافات -103) أي: ناديناه، {لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} يعني: أوحينا إلى يوسف عليه السلام لتصدقن رؤياك ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا وهم لا يشعرون بوحي الله وإعلامه إياه ذلك، قاله مجاهد. وقيل: معناه: وهم لا يشعرون يوم تخبرهم أنك يوسف، وذلك حين دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون. وذكر وهب وغيره: أنهم أخذوا يوسف عليه السلام بغاية الإكرام وجعلوا يحملونه، فلما برزوا إلى البرية ألقوه وجعلوا يضربونه فإذا ضربه واحد منهم استغاث بالآخر فضربه الآخر، فجعل لا يرى منهم رحيما فضربوه حتى كادوا يقتلونه وهو يصيح: يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الإماء، فلما كادوا أن يقتلوه قال لهم يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقا أن لا تقتلوه، فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه فيه، وكان ابن اثنتي عشرة سنة -وقيل: ثماني عشرة سنة- فجاؤوا به إلى بئر على غير الطريق واسعة الأسفل ضيقة الرأس. قال مقاتل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب عليه السلام. وقال كعب: بين مدين ومصر. وقال وهب: بأرض الأردن. وقال قتادة: هي بئر بيت المقدس فجعلوا يدلونه في البئر فيتعلق بشفير البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال: يا إخوتاه ردوا علي القميص أتوارى به في الجب، فقالوا: ادع الشمس والقمر والكواكب تواريك ، قال: إني لم أر شيئا، فألقوه فيها. وقيل: جعلوه في دلو وأرسلوه فيها حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت فكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة فيها فقام عليها. إنهم لما ألقوه فيها جعل يبكي فنادوه فظن أن رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه، فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام، وبقي فيها ثلاث ليال . {وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا} الأكثرون على أن الله تعالى أوحى إليه بهذا وبعث إليه جبريل عليه السلام يؤنسه ويبشره بالخروج، ويخبره أنه ينبئهم بما فعلوه ويجازيهم عليه وهم لا يشعرون . قال ابن عباس رضي الله عنهما: ثم إنهم ذبحوا سخلة وجعلوا دمها على قميص يوسف عليه السلام. {وجاءوا أباهم عشاء يبكون قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } . {وجاءوا أباهم عشاء يبكون} قال أهل المعاني: جاؤوا في ظلمة العشاء ليكونوا أجرأ على الاعتذار بالكذب. وروي أن يعقوب عليه السلام سمع صياحهم وعويلهم فخرج وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا. قال: فما أصابكم وأين يوسف؟؟. {قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق} أي: نترامى وننتضل، وقال السدي: نشتد على أقدامنا. {وتركنا يوسف عند متاعنا} أي: عند ثيابنا وأقمشتنا. {فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا} بمصدق لنا، {ولو كنا} وإن كنا {صادقين} . فإن قيل: كيف قالوا ليعقوب أنت لا تصدق الصادق؟. قيل: معناه إنك تتهمنا في هذا الأمر لأنك خفتنا في الابتداء واتهمتنا في حقه. وقيل: معناه لا تصدقنا لأنه لا دليل لنا على صدقنا وإن كنا صادقين عند الله. {وجاءوا على قميصه بدم كذب} أي: بدم هو كذب، لأنه لم يكن دم يوسف. وقيل: بدم مكذوب فيه، فوضع المصدر موضع الاسم. وفي القصة: أنهم لطخوا القميص بالدم ولم يشقوه، فقال يعقوب عليه السلام: كيف أكله الذئب ولم يشق قميصه؟ فاتهمهم.
{قال بل سولت} زينت، {لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل} معناه: فأمري صبر جميل أو فعلي صبر جميل. وقيل: فصبر جميل أختاره. والصبر الجميل الذي لا شكوى فيه ولا جزع. {والله المستعان على ما تصفون} أي: أستعين بالله على الصبر، على ما تكذبون. وفي القصة: أنهم جاؤوا بذئب، وقالوا: هذا الذي أكله. فقال له يعقوب: يا ذئب أنت أكلت ولدي وثمرة فؤادي؟ فأنطقه الله عز وجل، فقال: تالله ما رأيت وجه ابنك قط. قال: كيف وقعت بأرض كنعان؟. قال: جئت لصلة قرابة [فصادني هؤلاء] فمكث يوسف في البئر ثلاثة أيام . {وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون } . {وجاءت سيارة} وهم القوم المسافرون، سموا سيارة لأنهم يسيرون في الأرض، كانت رفقة من مدين تريد مصر، فأخطؤوا الطريق فنزلوا قريبا من الجب، وكان الجب في [قفر بعيد] من العمران للرعاة والمارة، وكان ماؤه مالحا فعذب حين ألقي يوسف عليه السلام فيه، فلما نزلوا أرسلوا رجلا من أهل مدين يقال له مالك بن ذعر ، [لطلب الماء] فذلك قوله عز وجل: {فأرسلوا واردهم} والوارد الذي يتقدم الرفقة إلى الماء فيهيئ الأرشية والدلاء. {فأدلى دلوه} أي: أرسلها في البئر، يقال: أدليت الدلو إذا أرسلتها في البئر، ودلوتها إذا أخرجتها، فتعلق يوسف بالحبل فلما خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعطي يوسف شطر الحسن" . ويقال: إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة، وكانت قد أعطيت سدس الحسن. قال ابن إسحاق ذهب يوسف وأمه بثلثي الحسن . فلما رآه مالك بن ذعر، {قال يا بشرى} قرأ الأكثرون هكذا بالألف وفتح الياء، بشر المستقي أصحابه يقول : أبشروا. وقرأ أهل الكوفة: يا بشرى، بغير إضافة، يريد نادى المستقي رجلا من أصحابه اسمه بشرى. {هذا غلام} وروى ابن مجاهد عن أبيه: أن جدران البئر كانت تبكي على يوسف حين أخرج منها. {وأسروه} أخفوه، {بضاعة} قال مجاهد: أسره مالك بن ذعر وأصحابه من التجار الذين معهم وقالوا: هو بضاعة استبضعها بعض أهل الماء إلى مصر خيفة أن يطلبوا منهم فيه المشاركة. وقيل: أراد أن إخوة يوسف أسروا 180/ب شأن يوسف وقالوا هذا عبد لنا [أبق] . قال الله تعالى: {والله عليم بما يعملون} فأتى يهوذا يوسف بالطعام فلم يجده في البئر، فأخبر بذلك إخوته، فطلبوه فإذا هم بمالك وأصحابه نزولا فأتوهم فإذا هم بيوسف، فقالوا هذا عبد آبق منا. ويقال: إنهم هددوا يوسف حتى لم يعرف حاله. وقال مثل قولهم، ثم باعوه، فذلك قوله عز وجل: {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين } . {وشروه} أي: باعوه، {بثمن بخس} قال الضحاك، ومقاتل، والسدي: حرام لأن ثمن الحر حرام، وسمي الحرام بخسا لأنه مبخوس البركة. وعن ابن عباس وابن مسعود: بخس أي زيوف. وقال عكرمة والشعبي: بثمن قليل. {دراهم} بدل من الثمن، {معدودة} ذكر العدد عبارة عن قلتها. وقيل: إنما قال معدودة لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان أقل من أربعين درهما، إنما كانوا يعدونها عدا، فإذا بلغت أوقية وزنوها. واختلفوا في عدد تلك الدراهم: قال ابن عباس وابن مسعود وقتادة: عشرون درهما، فاقتسموها درهمين درهمين. وقال مجاهد: اثنان وعشرون درهما. وقال عكرمة: أربعون درهما . {وكانوا} يعني: إخوة يوسف، {فيه} أي: في يوسف {من الزاهدين} لأنهم لم يعلموا منزلته عند الله. وقيل: كانوا في الثمن من الزاهدين، لأنهم لم يكن قصدهم تحصيل الثمن، إنما كان قصدهم تبعيد يوسف عن أبيه. ثم انطلق مالك بن ذعر وأصحابه بيوسف، فتبعهم إخوته يقولون: استوثقوا منه لا يأبق، قال: فذهبوا به حتى قدموا مصر، وعرضه مالك على البيع فاشتراه قطفير قاله ابن عباس. وقيل: إظفير صاحب أمر الملك، وكان على خزائن مصر يسمى العزيز، وكان الملك يومئذ بمصر ونواحيها الريان بن الوليد بن شروان من العمالقة. وقيل: إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتبع يوسف على دينه، ثم مات ويوسف حي.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما دخلوا مصر تلقى قطفير مالك بن ذعر فابتاع منه يوسف بعشرين دينارا وزوج نعل وثوبين أبيضين. وقال وهب بن منبه: قدمت السيارة بيوسف مصر فدخلوا به السوق يعرضونه للبيع، فترافع الناس في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه ذهبا ووزنه فضة ووزنه مسكا وحريرا، وكان وزنه أربعمائة رطل، وهو ابن ثلاث عشرة سنة فابتاعه قطفير من مالك بن ذعر بهذا الثمن، فذلك قوله تعالى: {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون } . {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته} واسمها: راعيل، وقيل: زليخا، {أكرمي مثواه} أي: منزله ومقامه، والمثوى: موضع الإقامة. وقيل: أكرميه في المطعم والملبس والمقام. وقال قتادة وابن جريج: منزلته. {عسى أن ينفعنا} أي: نبيعه بالربح إن أردنا البيع، أو يكفينا إذا بلغ بعض أمورنا. {أو نتخذه ولدا} أي: نتبناه. قال ابن مسعود رضي الله عنه: أفرس الناس ثلاثة: العزيز في يوسف، حيث قال لامرأته: أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا، وابنة شعيب عليه السلام حيث قالت لأبيها في موسى عليه السلام: يا أبت استأجره، وأبو بكر في عمر رضي الله عنهما حيث استخلفه . {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض} [أي: في أرض مصر] أي: كما أنقذنا يوسف من القتل وأخرجناه من الجب، كذلك [مكنا له] في الأرض فجعلناه على خزائنها. {ولنعلمه من تأويل الأحاديث} أي: [مكنا له] في الأرض لكي نعلمه من تأويل الأحاديث، وهي عبارة عن الرؤيا. {والله غالب على أمره} قيل: الهاء في أمره كناية عن الله تعالى، يقول: إن الله غالب على أمره يفعل ما يشاء، لا يغلبه شيء ولا يرد حكمه راد. وقيل: هي راجعة إلى يوسف عليه السلام معناه: إن الله مستول على أمر يوسف بالتدبير [والحياطة] لا يكله إلى أحد حتى يبلغ منتهى علمه فيه. {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ما الله به صانع. {ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين } . {ولما بلغ أشده} منتهى شبابه وشدته وقوته. قال مجاهد: ثلاثا وثلاثين سنة. وقال السدي: ثلاثين سنة. وقال الضحاك: عشرين سنة. وقال الكلبي: الأشد ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة. وسئل مالك رحمه الله عن الأشد قال: هو الحلم . {آتيناه حكما وعلما} فالحكم: النبوة، والعلم: الفقه في الدين. وقيل: حكما يعني: إصابة في القول: وعلما: بتأويل الرؤيا. وقيل: الفرق بين الحكيم والعالم، أن العالم: هو الذي يعلم الأشياء، والحكيم: الذي يعمل بما يوجبه العلم. {وكذلك نجزي المحسنين} قال ابن عباس رضي الله عنهما: المؤمنين. وعنه أيضا: المهتدين. وقال الضحاك: الصابرين على النوائب كما صبر يوسف عليه السلام. {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون } . {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه} يعني: امرأة العزيز. والمراودة: طلب الفعل، والمراد ها هنا أنها دعته إلى نفسها ليواقعها، {وغلقت الأبواب} أي: أطبقتها، وكانت سبعة، {وقالت هيت لك} أي: هلم وأقبل. قرأه أهل الكوفة والبصرة: {هيت لك} بفتح الهاء والتاء. وقرأ أهل المدينة والشام: {هيت} بكسر الهاء وفتح التاء. وقرأ ابن كثير: {هيت} بفتح الهاء وضم التاء. وقرأ السلمي وقتادة: {هئت لك} بكسر الهاء وضم التاء مهموزا، يعني: تهيأت لك، وأنكره أبو عمرو والكسائي، وقالا لم يحك هذا عن العرب. والأول هو المعروف عند العرب. قال ابن مسعود رضي الله عنه: أقرأني النبي صلى الله عليه وسلم {هيت لك} . قال أبو عبيدة كان الكسائي يقول: هي لغة لأهل حوران رفعت إلى الحجاز معناها [إلي] تعال. وقال عكرمة: هي أيضا بالحورانية هلم. وقال مجاهد وغيره: هي لغة عربية وهي كلمة حث وإقبال على الشيء. قال أبو عبيدة: إن العرب لا تثني {هيت} ولا تجمع ولا تؤنث، وإنها بصورة واحدة في كل حال.
{قال} يوسف لها عند ذلك: {معاذ الله} أي: أعوذ بالله وأعتصم بالله مما دعوتني إليه، {إنه ربي} يريد أن زوجك قطفير سيدي {أحسن مثواي} أي: أكرم منزلي. هذا قول أكثر المفسرين. وقيل: الهاء راجعة إلى الله تعالى، يريد: أن الله تعالى ربي أحسن مثواي، أي: آواني، ومن بلاء الجب عافاني. {إنه لا يفلح الظالمون} يعني: إن فعلت هذا فخنته في أهله بعد ما أكرم مثواي فأنا ظالم، ولا يفلح الظالمون. وقيل: لا يفلح الظالمون: أي لا يسعد الزناة. {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين } . {ولقد همت به وهم بها} والهم هو: المقاربة من الفعل من غير دخول فيه. فهمها: عزمها على المعصية والزنى. وأما همه: فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: حل الهميان وجلس منها مجلس الخائن . وعن مجاهد قال: حل سراويله وجعل يعالج ثيابه. وهذا قول أكثر المتقدمين مثل سعيد بن جبير والحسن . وقال الضحاك: جرى الشيطان فيما بينهما فضرب بإحدى يديه إلى جيد يوسف وباليد 181/أالأخرى إلى جيد المرأة حتى جمع بينهما. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: وقد أنكر قوم هذا القول، والقول ما قال متقدمو هذه الأمة، وهم كانوا أعلم بالله أن يقولوا في الأنبياء عليهم السلام من غير علم. وقال السدي وابن إسحاق: لما أرادت امرأة العزيز مراودة يوسف عليه السلام عن نفسه جعلت تذكر له محاسن نفسه، وتشوقه إلى نفسها، فقالت: يا يوسف ما أحسن شعرك!. قال: هو أول ما ينتثر من جسدي. قالت: ما أحسن عينيك! قال: هي أول ما تسيل على وجهي في قبري. قالت: ما أحسن وجهك! قال: هو للتراب يأكله . وقيل: إنها قالت: إن فراش الحرير مبسوط، فقم فاقض حاجتي. قال: إذا يذهب نصيبي من الجنة. فلم تزل تطمعه وتدعوه إلى اللذة، وهو شاب يجد من شبق الشباب ما يجده الرجل، وهي امرأة حسناء جميلة، حتى لان لها مما يرى من كلفها، وهم بها، ثم إن الله تعالى تدارك عبده ونبيه بالبرهان الذي ذكره . وزعم بعض المتأخرين: أن هذا لا يليق بحال الأنبياء عليهم السلام ، وقال: تم الكلام عند قوله: {ولقد همت به} ثم ابتدأ الخبر عن يوسف عليه السلام فقال: {وهم بها لولا أن رأى برهان ربه} على التقديم والتأخير، أي: لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، ولكنه رأى البرهان فلم يهم. وأنكره النحاة وقالوا: إن العرب لا تؤخر {لولا} عن الفعل، فلا تقول: لقد قمت لولا زيد، [وهو يريد لولا زيد لقمت] . وقيل: همت بيوسف أن يفترشها، وهم بها يوسف أي: تمنى أن تكون له زوجة. وهذا التأويل وأمثاله غير مرضية لمخالفتها أقاويل القدماء من العلماء الذين يؤخذ عنهم الدين والعلم . وقال بعضهم: إن القدر الذي فعله يوسف عليه السلام كان من الصغائر، والصغائر تجوز على الأنبياء عليهم السلام . روي أن يوسف عليه السلام لما دخل على الملك حين خرج من السجن وأقرت المرأة، قال يوسف: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} قال له جبريل: ولا حين هممت بها يا يوسف؟ فقال يوسف عند ذلك: {وما أبرئ نفسي} الآية . وقال الحسن البصري: إن الله تعالى لم يذكر ذنوب الأنبياء عليهم السلام في القرآن ليعيرهم، ولكن ذكرها ليبين موضع النعمة عليهم، ولئلا ييئس أحد من رحمته . وقيل: إنه ابتلاهم بالذنوب ليتفرد بالطهارة والعزة، ويلقاه جميع الخلق يوم القيامة على انكسار المعصية. وقيل: ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء الرحمة وترك الإياس من المغفرة والعفو. وقال بعض أهل الحقائق: الهم همان: هم ثابت، وهو إذا كان معه عزم وعقد ورضا، مثل هم امرأة العزيز، والعبد مأخوذ به، وهم عارض وهو الخطرة، وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم، مثل هم يوسف عليه السلام، فالعبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل.
أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أنبأنا أبو طاهر محمد بن محمد محمش الزيادي، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قال الله عز وجل: إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له، ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها" . قوله عز وجل: {لولا أن رأى برهان ربه} اختلفوا في ذلك البرهان: قال قتادة وأكثر المفسرين: إنه رأى صورة يعقوب، وهو يقول له: يا يوسف تعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في الأنبياء!. وقال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك: انفرج له سقف البيت فرأى يعقوب عليه السلام عاضا على أصبعه . وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: مثل له يعقوب عليه السلام فضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله . وقال السدي: نودي يا يوسف تواقعها! إنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جوف السماء لا يطاق، ومثلك إن تواقعها مثله إذا مات ووقع على الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، ومثلك ما لم تواقعها مثل الثور الصعب الذي لا يطاق، ومثلك إن واقعتها مثل الثور يموت فيدخل النمل في أصل قرنيه لا يستطيع أن يدفعه عن نفسه. وعن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وهم بها} قال: حل سراويله وقعد منها مقعد الرجل من امرأته، فإذا بكف قد بدت بينهما بلا معصم ولا عضد مكتوب عليها {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون} (الانفطار -11) ، فقام هاربا وقامت، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد فظهرت تلك الكف مكتوبا عليها: {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا} (الإسراء -32) فقام هاربا وقامت، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد، فظهر، ورأى تلك الكف مكتوبا عليها: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} (البقرة -281) فقام هاربا وقامت، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد، فقال الله عز وجل لجبريل عليه السلام: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة، فانحط جبريل عليه السلام عاضا على أصبعه، يقول: يا يوسف تعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب عند الله في الأنبياء . وروي أنه مسحه بجناحه فخرجت شهوته من أنامله. وقال محمد بن كعب القرظي: رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت حين هم بها فرأى كتابا في حائط البيت: "لا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا". وروى عطية عن ابن عباس: في البرهان أنه رأى مثال الملك . وقال جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما: البرهان النبوة التي أودعها الله في صدره حالت بينه وبين ما يسخط الله عز وجل . وعن علي بن الحسين قال: كان في البيت صنم فقامت المرأة وسترته بثوب، فقال لها يوسف:لم فعلت هذا؟. فقالت: استحييت منه أن يراني على المعصية. فقال يوسف: أتستحين مما لا يسمع ولا يبصر ولا يفقه؟ فأنا أحق أن أستحي من ربي، وهرب . قوله عز وجل: {لولا أن رأى برهان ربه} جواب لولا محذوف، تقديره: لولا أن رأى برهان ربه لواقع المعصية. {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء} فالسوء: الإثم. وقيل: السوء القبيح. والفحشاء: الزنى. {إنه من عبادنا المخلصين} قرأ أهل المدينة والكوفة: {المخلصين} بفتح اللام حيث كان إذا لم يكن بعده ذكر الدين، زاد الكوفيون " مخلصا " في سورة مريم ففتحوا. ومعنى 181/ب {المخلصين} المختارين للنبوة، دليله: {إنا أخلصناهم بخالصة} (ص -146) . وقرأ الآخرون بكسر اللام، أي: المخلصين لله الطاعة والعبادة. {واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين } .
{واستبقا الباب} وذلك أن يوسف لما رأى البرهان قام مبادرا إلى باب البيت هاربا، وتبعته المرأة لتمسك الباب حتى لا يخرج يوسف، فسبق يوسف، وأدركته المرأة، فتعلقت بقميصه من خلفه، فجذبته إليها حتى لا يخرج. {وقدت قميصه} أي: فشقته {من دبر} أي: من خلف، فلما خرجا لقيا العزيز، وهو قوله: {وألفيا سيدها لدى الباب} أي: وجدا زوج المرأة قطفير عند الباب جالسا مع ابن عم لراعيل، فلما رأته هابته و {قالت} سابقة بالقول لزوجها {ما جزاء من أراد بأهلك سوءا} يعني: الزنى، ثم خافت عليه أن يقتله فقالت: {إلا أن يسجن} أي: يحبس، {أو عذاب أليم} أي: ضرب بالسياط، فلما سمع يوسف مقالتها. {قال هي راودتني عن نفسي} يعني: طلبت مني الفاحشة فأبيت وفررت. وقيل: ما كان يريد يوسف أن يذكره، فلما قالت المرأة: ما جزاء من أراد بأهلك سوءا؟ ذكره، فقال: هي راودتني عن نفسي. {وشهد شاهد} وحكم حاكم، {من أهلها} اختلفوا في ذلك الشاهد: فقال سعيد بن جبير، والضحاك: كان صبيا في المهد، أنطقه الله عز وجل ، وهو رواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة ابنة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى بن مريم عليه السلام" . وقيل: كان ذلك الصبي ابن خال المرأة. وقال الحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد: لم يكن صبيا ولكنه كان رجلا حكيما ذا رأي . قال السدي: هو ابن عم راعيل ، فحكم فقال: {إن كان قميصه قد من قبل} أي: من قدام، {فصدقت وهو من الكاذبين} . {وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين } . {فلما رأى} قطفير، {قميصه قد من دبر} عرف خيانة امرأته وبراءة يوسف عليه السلام، {قال} لها {إنه} أي: إن هذا الصنيع، {من كيدكن إن كيدكن عظيم} وقيل: إن هذا من قول الشاهد ثم أقبل قطفير على يوسف فقال: {يوسف} أي: يا يوسف، {أعرض عن هذا} أي: عن هذا الحديث، فلا تذكره لأحد حتى لا يشيع. وقيل: معناه لا تكترث له، فقد بان عذرك وبراءتك. ثم قال لامرأته: {واستغفري لذنبك} أي: توبي إلى الله، {إنك كنت من الخاطئين} وقيل: إن هذا من قول الشاهد ليوسف ولراعيل. وأراد بقوله: {واستغفري لذنبك} ، أي سلي زوجك أن لا يعاقبك ويصفح عنك {إنك كنت من الخاطئين} من المذنبين، حتى راودت شابا عن نفسه وخنت زوجك، فلما استعصم كذبت عليه، وإنما قال: "من الخاطئين" ولم يقل: من الخاطئات، لأنه لم يقصد به الخبر عن النساء بل قصد به الخبر عمن يفعل ذلك، تقديره: من القوم الخاطئين، كقوله تعالى: {وكانت من القانتين} (التحريم -12) بيانه قوله تعالى: {إنها كانت من قوم كافرين} (النمل -43) . {وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين } . {فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم } . قوله تعالى: {وقال نسوة في المدينة} الآية. يقول: شاع أمر يوسف والمرأة في المدينة مدينة مصر. وقيل: مدينة عين الشمس، وتحدث النساء بذلك وقلن -وهن خمس نسوة: امرأة حاجب الملك، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة الخباز، وامرأة الساقي، وامرأة صاحب السجن، قاله مقاتل. وقيل: هن نسوة من أشراف مصر-: {امرأة العزيز تراود فتاها} أي: عبدها الكنعاني، {عن نفسه} أي: تطلب من عبدها الفاحشة، {قد شغفها حبا} أي: علقها حبا. قال الكلبي: حجب حبه قلبها حتى لا تعقل سواه. وقيل: أحبته حتى دخل حبه شغاف قلبها، أي: داخل قلبها. قال السدي: الشغاف جلدة رقيقة على القلب، يقول: دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب.
وقرأ الشعبي والأعرج {شعفها} بالعين غير المعجمة، معناه: ذهب الحب بها كل مذهب. ومنه شعف الجبال وهو رؤوسها. {إنا لنراها في ضلال مبين} أي: خطإ ظاهر. وقيل: معناه إنها تركت ما يكون عليه أمثالها من العفاف والستر. {فلما سمعت} راعيل، {بمكرهن} بقولهن وحديثهن، قاله قتادة والسدي. قال ابن إسحاق إنما قلن ذلك مكرا بها لتريهن يوسف، وكان يوصف لهن حسنه وجماله. وقيل: إنها أفشت إليهن سرها واستكتمتهن فأفشين ذلك، فلذلك سماه مكرا. {أرسلت إليهن} قال وهب: اتخذت مأدبة، ودعت أربعين امرأة، منهن هؤلاء اللاتي عيرنها. {وأعتدت} أي: أعدت، {لهن متكأ} أي: ما يتكأ عليه. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومجاهد: متكأ أي: طعاما، سماه متكأ لأن أهل الطعام إذا جلسوا يتكئون على الوسائد، فسمى الطعام متكأ على الاستعارة. يقال: اتكأنا عند فلان أي: طعمنا . ويقال: المتكأ ما اتكأت عليه للشرب أو الحديث أو الطعام ، ويقرأ في الشواذ متكأ بسكون التاء. واختلفوا في معناه: فقال ابن عباس: [هو الأترج. ويروى عن مجاهد مثله. وقيل] هو الأترج بالحبشة. وقال الضحاك: هو الرباورد . وقال عكرمة: هو كل شيء يقطع بالسكين. وقال أبو زيد الأنصاري: كل ما يجز بالسكين فهو عند العرب متك، والمتك والبتك بالميم والباء: القطع، فزينت [المأدبة بألوان] الفواكه والأطعمة، ووضعت الوسائد ودعت النسوة. {وآتت} وأعطت، {كل واحدة منهن سكينا} فكن يأكلن اللحم حزا بالسكين. {وقالت} ليوسف، {اخرج عليهن} وذلك أنها كانت أجلسته في مجلس آخر، فخرج عليهن يوسف. قال عكرمة: كان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم. وروي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت ليلة أسري بي إلى السماء يوسف كالقمر ليلة البدر" . قال إسحاق بن أبي فروة: كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران. {فلما رأينه أكبرنه} أعظمنه، قال أبو العالية: هالهن أمره وبهتن. وقيل: أكبرنه أي: حضن لأجله من جماله . ولا يصح. {وقطعن} أي: حززن بالسكاكين التي معهن، {أيديهن} وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج، ولم يجدن الألم لشغل قلوبهن بيوسف. قال مجاهد: 182/أفما أحسسن إلا بالدم. وقال قتادة : أبن أيديهن حتى ألقينها. والأصح كان قطعا بلا إبانة. وقال وهب: ماتت جماعة منهن . {وقلن حاش لله ما هذا بشرا} أي: معاذ الله أن يكون هذا بشرا. قرأ أبو عمرو: حاشى لله، بإثبات الياء في الوصل، على الأصل. وقرأ الآخرون بحذف الياء لكثرة ورودها على الألسن، واتباعا للكتاب. وقوله: {ما هذا بشرا} نصب بنزع حرف الصفة، أي: ليس هذا ببشر، {إن هذا} أي: ما هذا، {إلا ملك} من الملائكة، {كريم} على الله تعالى. {قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين } . {قالت} يعني: راعيل، {فذلكن الذي لمتنني فيه} أي: في حبه، ثم صرحت بما فعلت، فقالت: {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} أي: فامتنع، وإنما صرحت به لأنها علمت أنه لا ملامة عليها منهن وقد أصابهن ما أصابها من رؤيته، فقلن له: أطع مولاتك. فقالت راعيل: {ولئن لم يفعل ما آمره} ولئن لم يطاوعني فيما دعوته إليه، {ليسجنن} أي: ليعاقبن بالحبس، {وليكونن من الصاغرين} من الأذلاء. ونون التوكيد تثقل وتخفف، والوقف على قوله: {ليسجنن} بالنون لأنها مشددة، وعلى قوله {"وليكونا "} بالألف لأنها مخففة، وهي شبيهة بنون الإعراب في الأسماء، كقوله: رأيت رجلا وإذا وقفت، قلت: رأيت رجلا بالألف، ومثله: {لنسفعن بالناصية ناصية} (العلق -15، 16) . فاختار يوسف عليه السلام السجن على المعصية حين توعدته المرأة. {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين } .
{قال رب} أي: يا رب، {السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} قيل: كان الدعاء منها خاصة، ولكنه أضاف إليهن خروجا من التصريح إلى التعريض. وقيل: إنهن جميعا دعونه إلى أنفسهن. وقرأ يعقوب وحده: السجن بفتح السين. وقرأ العامة بكسرها. وقيل: لو لم يقل: السجن أحب إلي لم يبتل بالسجن، والأولى بالمرء أن يسأل الله العافية. قوله تعالى: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن} أمل إليهن وأتابعهن، يقال: صبا فلان إلى كذا يصبو صبوا وصبوا وصبوة إذا مال واشتاق إليه. {وأكن من الجاهلين} فيه دليل على أن المؤمن إذا ارتكب ذنبا يرتكبه عن جهالة. {فاستجاب له} أجاب له. {ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم} [لدعائه] العليم بمكرهن. {ثم بدا لهم} أي: للعزيز وأصحابه في الرأي، وذلك أنهم أرادوا أن يقتصروا من أمر يوسف على الأمر بالإعراض. ثم بدا لهم أن يحبسوه. {من بعد ما رأوا الآيات} الدالة على براءة يوسف من قد القميص، وكلام الطفل وقطع النساء أيديهن وذهاب عقولهن، {ليسجننه حتى حين} إلى مدة يرون فيه رأيهم. وقال عطاء: إلى أن تنقطع مقالة الناس. قال عكرمة: سبع سنين. وقال الكلبي: خمس سنين. قال السدي: وذلك أن المرأة قالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس، يخبرهم أني راودته عن نفسه، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر إلى الناس، وإما أن تحبسه، فحبسه، وذكر أن الله تعالى جعل ذلك الحبس تطهيرا ليوسف عليه السلام من همه بالمرأة . قال ابن عباس: عثر يوسف ثلاث عثرات: حين هم بها فسجن، وحين قال "اذكرني عند ربك" فلبث في السجن بضع سنين، وحين قال للإخوة "إنكم لسارقون"، فقالوا: "إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل" . {ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين } . قوله تعالى: {ودخل معه السجن فتيان} وهما غلامان كانا [للريان بن الوليد بن شروان العمليق] ملك مصر الأكبر، أحدهما: خبازه وصاحب طعامه، والآخر: ساقيه وصاحب شرابه. غضب الملك عليهما فحبسهما. وكان السبب فيه: أن جماعة من أهل مصر أرادوا المكر بالملك واغتياله، فضمنوا لهذين مالا ليسما الملك في طعامه وشرابه فأجاباهم، ثم إن الساقي نكل عنه، وقبل الخباز الرشوة فسم الطعام، فلما أحضر الطعام والشراب قال الساقي: لا تأكل أيها الملك فإن الطعام مسموم، وقال الخباز: لا تشرب فإن الشراب مسموم. فقال الملك للساقي: اشرب فشربه فلم يضره، وقال للخباز: كل من طعامك، [فأبى فجرب] ذلك الطعام على دابة فأكلته فهلكت، فأمر الملك بحبسهما. وكان يوسف حين دخل السجن جعل ينشر علمه ويقول: إني أعبر الأحلام، فقال أحد الفتيين لصاحبه: هلم فلنجرب هذا العبد العبراني، فتراءيا له فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا، قال ابن مسعود: ما رأيا شيئا وإنما تحالما ليجربا يوسف. وقال قوم: بل كانا رأيا حقيقة، فرآهما يوسف وهما مهمومان، فسألهما عن شأنهما، فذكرا أنهما صاحبا الملك، حبسهما، وقد رأيا رؤيا غمتهما. فقال يوسف: قصا علي ما رأيتما، فقصا عليه. {قال أحدهما} وهو صاحب الشراب، {إني أراني أعصر خمرا} أي: عنبا، سمى العنب خمرا باسم ما يؤول إليه، كما يقال: فلان يطبخ الآجر أي: يطبخ اللبن للآجر. وقيل: الخمر العنب بلغة عمان، وذلك أنه قال: إني رأيت كأني في بستان، فإذا بأصل حبلة عليها ثلاث عناقيد من عنب فجنيتها، وكان كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه. {وقال الآخر} وهو الخباز: {إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه} وذلك أنه قال: إني رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان الأطعمة وسباع الطير تنهش منه. {نبئنا بتأويله} أخبرنا بتفسيره وتعبيره وما يؤول إليه أمر هذه الرؤيا. {إنا نراك من المحسنين} أي: العالمين بعبارة الرؤيا، والإحسان بمعنى العلم.
وروي أن الضحاك بن مزاحم سئل عن قوله: {إنا نراك من المحسنين} ما كان إحسانه؟ قال: كان إذا مرض إنسان في السجن عاده وقام عليه، وإذا ضاق [عليه المجلس] وسع له، وإذا احتاج جمع له شيئا، وكان مع هذا يجتهد في العبادة، ويقوم الليل كله للصلاة . وقيل : إنه لما دخل السجن وجد فيه قوما اشتد بلاؤهم وانقطع رجاؤهم وطال حزنهم، فجعل يسليهم ويقول: أبشروا واصبروا تؤجروا، فيقولون: بارك الله فيك يا فتى ما أحسن وجهك وخلقك وحديثك، لقد بورك لنا في جوارك فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحاق بن خليل الله إبراهيم، فقال له عامل السجن: يا فتى والله لو استطعت لخليت سبيلك، ولكن سأحسن جوارك فتمكن في أي بيوت السجن شئت. ويروى أن الفتيين لما رأيا يوسف قالا له: لقد أحببناك حين رأيناك، فقال لهما يوسف: أنشدكما بالله أن لا تحباني، فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل علي من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل علي بلاء، ثم أحبني أبي فألقيت في الجب، وأحبتني 182/ب امرأة العزيز فحبست. فلما قصا عليه الرؤيا كره يوسف أن يعبر لهما ما سألاه لما علم في ذلك من المكروه على أحدهما، فأعرض عن سؤالهما وأخذ في غيره في إظهار المعجزة والدعاء إلى التوحيد . {قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون } . {قال لا يأتيكما طعام ترزقانه} قيل: أراد به في النوم يقول: لا يأتيكما طعام ترزقانه في نومكما، {إلا نبأتكما بتأويله} في اليقظة. وقيل: أراد به في اليقظة، يقول: لا يأتيكما طعام من منازلكما ترزقانه، تطعمانه وتأكلانه إلا نبأتكما بتأويله بقدره ولونه والوقت الذي يصل فيه إليكما. {قبل أن يأتيكما} قبل أن يصل إليكما، وأي طعام أكلتم وكم أكلتم ومتى أكلتم، فهذا مثل معجزة عيسى عليه السلام حيث قال: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} (آل عمران -49) فقالا هذا فعل العرافين والكهنة ، فمن أين لك هذا العلم؟ فقال: ما أنا بكاهن وإنما {ذلكما} العلم، {مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون} وتكرار {هم} على التأكيد. {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار } . {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} أظهر أنه من ولد الأنبياء {ما كان لنا} ما ينبغي لنا، {أن نشرك بالله من شيء} معناه: أن الله قد عصمنا من الشرك، {ذلك} التوحيد والعلم، {من فضل الله علينا وعلى الناس} ما بين لهم من الهدى، {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} ثم دعاهما إلى الإسلام فقال: {يا صاحبي السجن} جعلهما صاحبي السجن لكونهما فيه، كما يقال لسكان الجنة: أصحاب الجنة، ولسكان النار: أصحاب النار، {أأرباب متفرقون} أي: آلهة شتى، هذا من ذهب، وهذا من فضة، وهذا من حديد، وهذا أعلى، وهذا أوسط، وهذا أدنى، متباينون لا تضر ولا تنفع، {خير أم الله الواحد القهار} الذي لا ثاني له. القهار: الغالب على الكل. ثم بين عجز الأصنام فقال: {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين } .
{ما تعبدون من دونه} أي: من دون الله، وإنما ذكر بلفظ الجمع وقد ابتدأ الخطاب للاثنين لأنه أراد جميع أهل السجن، وكل من هو على مثل حالهما من [أهل] الشرك، {إلا أسماء سميتموها} آلهة وأربابا خالية عن المعنى لا حقيقة لتلك الأسماء، {أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان} حجة وبرهان، {إن الحكم} ما القضاء والأمر والنهي، {إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم} المستقيم، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ثم فسر رؤياهما فقال: {يا صاحبي السجن أما أحدكما} . {يا صاحبي السجن أما أحدكما} وهو صاحب الشراب، {فيسقي ربه} [يعني الملك] {خمرا} والعناقيد الثلاثة ثلاثة أيام يبقى في السجن ثم يدعوه الملك بعد الثلاثة أيام، ويرده إلى منزلته التي كان عليها، {وأما الآخر} يعني: صاحب الطعام فيدعوه الملك بعد ثلاثة أيام، والسلال الثلاث الثلاثة أيام يبقى في السجن، ثم يخرجه، {فيصلب فتأكل الطير من رأسه} . قال ابن مسعود: لما سمعا قول يوسف قالا ما رأينا شيئا إنما كنا نلعب، قال يوسف: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} ، أي: فرغ من الأمر الذي عنه تسألان، ووجب حكم الله عليكما الذي أخبرتكما به، رأيتما أو لم تريا. {وقال} يعني: يوسف عند ذلك، {للذي ظن} علم {أنه ناج منهما} وهو الساقي، {اذكرني عند ربك} يعني: سيدك الملك، وقل له: إن في السجن غلاما محبوسا ظلما طال حبسه. {فأنساه الشيطان ذكر ربه} قيل: أنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف للملك، تقديره: فأنساه الشيطان ذكره لربه. قال ابن عباس وعليه الأكثرون: أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه حين ابتغى الفرج، من غيره واستعان بمخلوق، وتلك غفلة عرضت ليوسف من الشيطان . {فلبث} فمكث، {في السجن بضع سنين} واختلفوا في معنى البضع، فقال مجاهد: ما بين الثلاث إلى السبع. وقال قتادة: ما بين الثلاث إلى التسع. وقال ابن عباس: ما دون العشرة. وأكثر المفسرين على أن البضع في هذه الآية سبع سنين، وكان قد لبث قبله خمس سنين فجملته اثنتا عشرة سنة. وقال وهب: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وترك يوسف في السجن سبع سنين، وعذب بختنصر فحول في السباع سبع سنين . قال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي اذكرني عند ربك، قيل له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا لأطيلن حبسك، فبكى يوسف، وقال: يا رب أنسى قلبي كثرة البلوى فقلت كلمة ولن أعود . وقال الحسن: دخل جبريل على يوسف في السجن، فلما رآه يوسف عرفه فقال له: يا أخا المنذرين مالي أراك بين الخاطئين؟ فقال له جبريل: يا طاهر الطاهرين يقرأ عليك السلام رب العالمين، ويقول لك: أما استحييت مني أن استشفعت بالآدميين، فوعزتي لألبثنك في السجن بضع سنين، قال يوسف: وهو في ذلك عني راض؟ قال: نعم، قال: إذا لا أبالي. وقال كعب: قال جبريل ليوسف إن الله تعالى يقول من خلقك؟ قال: الله، قال: فمن حببك إلى أبيك؟ قال: الله، قال: فمن نجاك من كرب البئر؟ قال: الله، قال: فمن علمك تأويل الرؤيا؟ قال: الله، قال: فمن صرف عنك السوء والفحشاء؟ قال: الله، قال: فكيف استشفعت بآدمي مثلك؟ . فلما انقضت سبع سنين -قال الكلبي: وهذا السبع سوى الخمسة التي كانت قبل ذلك-ودنا فرج يوسف، رأى ملك مصر الأكبر رؤيا عجيبة هالته، وذلك أنه رأى سبع بقرات سمان، خرجت من البحر، ثم خرج عقبهن سبع بقرات عجاف في غاية الهزال، فابتلعت العجاف السمان فدخلن في بطونهن، ولم ير منهن شيء ولم يتبين على العجاف منها شيء، ثم رأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها، [وسبعا أخرى] يابسات قد استحصدت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، ولم يبق من خضرتها شيء، فجمع السحرة والكهنة والحازة والمعبرين وقص عليهم رؤياه، فذلك قوله تعالى: {وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون } .
{قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلوني يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون } . {وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات} فقال لهم، {يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون} . {قالوا أضغاث أحلام} أخلاط أحلام مشتبهة، أهاويل، واحدها ضغث، وأصله الحزمة من أنواع الحشيش، والأحلام جمع الحلم، وهو الرؤيا، والفعل منه حلمت أحلم، بفتح اللام في الماضي وضمها في الغابر، حلما وحلما، مثقلا ومخففا. {وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين} . {وقال الذي نجا} من القتل، {منهما} من الفتيين وهو الساقي، {وادكر} أي: تذكر قول يوسف اذكرني عند ربك، {بعد أمة} بعد حين وهو سبع سنين. {أنا أنبئكم بتأويله} وذلك أن الغلام جثا بين يدي الملك، وقال: إن في السجن رجلا يعبر الرؤيا، {فأرسلون} وفيه اختصار تقديره: فأرسلني أيها الملك إليه، فأرسله فأتى السجن 183/أقال ابن عباس: ولم يكن السجن في المدينة. فقال: {يوسف} يعني: يا يوسف، {أيها الصديق} والصديق الكثير الصدق، {أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات} فإن الملك رأى هذه الرؤيا، {لعلي أرجع إلى الناس} أهل مصر، {لعلهم يعلمون} تأويل الرؤيا. وقيل: لعلهم يعلمون منزلتك في العلم. فقال لهم يوسف معبرا ومعلما: أما البقرات السمان والسنبلات الخضر: فسبع سنين مخاصيب، والبقرات العجاف والسنبلات [اليابسات] فالسنون المجدبة، فذلك قوله تعالى إخبارا عن يوسف: {قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم } . {قال تزرعون سبع سنين دأبا} هذا خبر بمعنى الأمر، يعني: ازرعوا سبع سنين على عادتكم في الزراعة. والدأب: العادة. وقيل: بجد واجتهاد. وقرأ عاصم برواية حفص: {دأبا} بفتح الهمزة، وهما لغتان، يقال: دأبت في الأمر أدأب دأبا ودأبا إذا اجتهدت فيه. {فما حصدتم فذروه في سنبله} أمرهم بترك الحنطة في السنبلة لتكون أبقى على الزمان ولا تفسد، {إلا قليلا مما تأكلون} أي: مما تدرسون قليلا للأكل، أمرهم بحفظ الأكثر والأكل بقدر الحاجة. {ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد} سمى السنين المجدبة شدادا لشدتها على الناس، {يأكلن} أي: يفنين ويهلكن، {ما قدمتم لهن} أي: يؤكل فيهن ما أعددتم لهن من الطعام، أضاف الأكل إلى السنين على طريق التوسع {إلا قليلا مما تحصنون} تحرزون وتدخرون للبذر. {ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس} أي: يمطرون، من الغيث: وهو المطر. وقيل: ينقذون من قول العرب استغثت فلانا فأغاثني، {وفيه يعصرون} قرأ حمزة والكسائي: " تعصرون " بالتاء، لأن الكلام كله على الخطاب، وقرأ الآخرون بالياء ردا إلى الناس، ومعناه: يعصرون العنب خمرا، والزيتون زيتا، والسمسم دهنا. وأراد به كثرة النعيم والخير. وقال أبو عبيدة: يعصرون أي ينجون من الكروب والجدب، والعصر والعصرة: المنجاة والملجأ . {وقال الملك ائتوني به} وذلك أن الساقي لما رجع إلى الملك وأخبره بما أفتاه يوسف من تأويل رؤياه، وعرف الملك أن الذي قاله كائن، قال: ائتوني به. {فلما جاءه الرسول} وقال له: أجب الملك، أبى أن يخرج مع الرسول حتى تظهر براءته ثم {قال} للرسول: {ارجع إلى ربك} يعني: سيدك الملك، {فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن} ولم يصرح بذكر امرأة العزيز أدبا واحتراما. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي" .
{إن ربي بكيدهن عليم} أي: إن الله بصنيعهن عالم، وإنما أراد يوسف بذكرهن بعد طول المدة حتى لا ينظر إليه الملك بعين التهمة، ويصير إليه بعد زوال الشك عن أمره، فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالته، فدعا الملك النسوة وامرأة العزيز. {قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } . {قال} لهن {ما خطبكن} ما شأنكن وأمركن، {إذ راودتن يوسف عن نفسه} خاطبهن والمراد امرأة العزيز، وقيل: إن امرأة العزيز راودته عن نفسه وسائر النسوة أمرنه بطاعتها فلذلك خاطبهن. {قلن حاش لله} معاذ لله، {ما علمنا عليه من سوء} خيانة. {قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق} ظهر وتبين. وقيل: إن النسوة أقبلن على امرأة العزيز فقررنها [فأقرت] ، وقيل: خافت أن يشهدن عليها فأقرت. {أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} في قوله: هي راودتني عن نفسي، فلما سمع ذلك يوسف قال : {ذلك} أي: ذلك الذي فعلت من ردي رسول الملك إليه، {ليعلم} العزيز، {أني لم أخنه} في زوجته، {بالغيب} أي: في حال غيبته، {وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} قوله ذلك ليعلم من كلام يوسف اتصل بقول امرأة العزيز: أنا راودته عن نفسه، من غير تميز، لمعرفة السامعين . وقيل: فيه تقديم وتأخير: معناه: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم، ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب . قيل: لما قال يوسف هذه المقالة، قال له جبريل: ولا حين هممت بها؟ فقال يوسف عند ذلك: وما أبرئ نفسي . قال السدي: إنما قالت له امرأة العزيز: ولا حين حللت سراويلك يا يوسف؟ فقال يوسف: {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين } . {وما أبرئ نفسي} من الخطإ والزلل فأزكيها، {إن النفس لأمارة بالسوء} بالمعصية {إلا ما رحم ربي} أي: إلا من رحم ربي فعصمه، " ما " بمعنى من -كقوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم} (النساء -3) أي: من طاب لكم-وهم الملائكة، عصمهم الله عز وجل فلم يركب فيهم الشهوة. وقيل: "إلا ما رحم ربي" إشارة إلى حالة العصمة عند رؤية البرهان. {إن ربي غفور رحيم} فلما تبين للملك عذر يوسف عليه السلام وعرف أمانته وعلمه: {وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي} أي: أجعله خالصا لنفسي، {فلما كلمه} فيه اختصار تقديره: فجاء الرسول يوسف فقال له: أجب الملك الآن. روي أنه قام ودعا لأهل السجن فقال: اللهم عطف عليهم قلوب الأخيار، ولا تعم عليهم الأخبار، فهم أعلم الناس بالأخبار في كل بلد، فلما خرج من السجن كتب على باب السجن: هذا قبر الأحياء، وبيت الأحزان، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء. ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثيابا حسانا وقصد الملك . قال وهب: فلما وقف بباب الملك قال: حسبي ربي من دنياي، وحسبي ربي من خلقه، عز جاره، وجل ثناؤه، ولا إله غيره. ثم دخل الدار فلما دخل على الملك قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بك من شره وشر غيره. فلما نظر إليه الملك سلم عليه يوسف بالعربية فقال: الملك ما هذا اللسان؟ قال: لسان عمي إسماعيل، ثم دعا له بالعبرانية فقال الملك: ما هذا اللسان؟ قال هذا لسان آبائي، ولم يعرف الملك هذين اللسانين. قال وهب: وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا فكلما تكلم بلسان أجابه يوسف بذلك اللسان وزاد عليه بلسان العربية والعبرانية، فأعجب الملك [ما رأى منه] مع حداثة سنه، وكان يوسف يومئذ ابن ثلاثين سنة، فأجلسه و، {قال إنك اليوم لدينا مكين} [المكانة في الجاه] ، {أمين} أي: صادق. وروي أن الملك قال له: إني أحب أن أسمع رؤياي منك شفاها.
فقال يوسف: نعم أيها الملك، رأيت سبع بقرات سمان شهب غر حسان، كشف لك عنهن النيل، فطلعن عليك من شاطئه تشخب أخلافهن لبنا، فبينما أنت تنظر إليهن ويعجبك حسنهن إذ نضب النيل فغار ماؤه وبدا يبسه، فخرج من حمأته سبع بقرات عجاف شعث غبر متقلصات [البطون، ليس لهن ضروع ولا أخلاف] ، ولهن أنياب وأضراس وأكف كأكف الكلاب، وخراطيم كخراطيم السباع، فافترسن السمان افتراس السبع، فأكلن لحومهن، ومزقن جلودهن، وحطمن عظامهن، وتمششن مخهن، فبينما أنت تنظر وتتعجب 183/ب إذ سبع سنابل خضر وسبع أخر سود في منبت واحد [عروقهن في الثرى والماء، فبينما أنت تقول في نفسك أنى هذا؟ خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات، والمنبت واحد وأصولهن في الماء] إذ هبت ريح فذرت الأوراق من اليابسات السود على الخضر المثمرات فاشتعلت فيهن النار، فاحترقن فصرن سودا فهذا ما رأيت، ثم انتبهت من نومك مذعورا. فقال الملك: والله ما شأن هذه الرؤيا -وإن كانت عجيبة-بأعجب مما سمعت منك، فما ترى في رؤياي أيها الصديق؟ فقال يوسف عليه السلام: أرى أن تجمع الطعام وتزرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة، وتجعل الطعام في الخزائن بقصبه وسنبله ليكون القصب والسنبل علفا للدواب، وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخمس، فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها، ويأتيك الخلق من النواحي للميرة فيجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك. فقال الملك: ومن لي بهذا ومن يجمعه ويبيعه ويكفيني الشغل فيه؟. {قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم } . ف {قال} يوسف، {اجعلني على خزائن الأرض} الخزائن: جمع خزانة، وأراد خزائن الطعام والأموال، والأرض: أرض مصر، أي: خزائن أرضك. وقال الربيع بن أنس: على خراج مصر ودخله. {إني حفيظ عليم} أي: [حفيظ للخزائن عليم بوجوه مصالحها. وقيل: حفيظ عليم] كاتب حاسب. وقيل: حفيظ لما استودعتني، عليم بما وليتني. وقيل: حفيظ للحساب عليم بالألسن أعلم لغة كل من يأتيني. وقال الكلبي: حفيظ بتقديره في السنين الخصبة [في الأرض الجدبة] عليم بوقت الجوع حين يقع، فقال له الملك. ومن أحق به منك؟! فولاه ذلك وقال له: إنك اليوم لدينا مكين، ذو مكانة ومنزلة، أمين على الخزائن. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الفنجوي، حدثنا مخلد بن جعفر البقرجي، حدثنا الحسن بن علويه، حدثنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا إسحاق بن بشر، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته، ولكنه أخره لذلك سنة فأقام في بيته سنة مع الملك" . وبإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما انصرمت السنة من اليوم الذي سأل الإمارة دعاه الملك فتوجه [وقلده بسيفه] ووضع له سريرا من ذهب مكلل بالدر والياقوت، وضرب عليه حلة من إستبرق، وطول السرير ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرة أذرع، عليه ثلاثون فراشا وستون مقرمة، ثم أمره أن يخرج، فخرج متوجا، ولونه كالثلج، ووجهه كالقمر، يرى الناظر وجهه في صفاء لون وجهه، فانطلق حتى جلس على السرير، ودانت له الملوك، ودخل الملك بيته وفوض إليه أمر مصر، وعزل قطفير عما كان عليه وجعل يوسف مكانه قاله ابن إسحاق . وقال ابن زيد: وكان لملك مصر خزائن كثيرة فسلم سلطانه كله إليه وجعل أمره وقضاءه نافذا، قالوا: ثم إن قطفير هلك في تلك الليالي فزوج الملك يوسف راعيل امرأة قطفير، فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيرا مما كنت تريدين؟ فقالت: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة حسناء ناعمة كما ترى في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك فغلبتني نفسي فوجدها يوسف عذراء فأصابها فولدت له ولدين: أفراثيم بن يوسف، وميشا بن يوسف . واستوثق ليوسف ملك مصر، أي: اجتمع، فأقام فيهم العدل، وأحبه الرجال والنساء، فذلك قوله تعالى:
Preguntas
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?
- ¿Quién fue el Profeta Muhammad (la paz sea con él)?
- ¿Quiénes fueron los Compañeros (Sahaba) del Profeta Muhammad (la paz sea con él)?