Qur'an&Sunnah

Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

Sección V08/P025–V08/P027

والباقون بفتحها، فمن قرأ بالضم، قال الحسن معناه: تخرج روحه في الريحان، وقال قتادة: الروح الرحمة أي له الرحمة، وقيل: معناه فحياة وبقاء لهم. ومن قرأ بالفتح معناه: فله روح وهو الراحة، وهو قول مجاهد. وقال سعيد بن جبير: فرح. وقال الضحاك: مغفرة ورحمة. {وريحان} استراحة. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: رزق. وقال مقاتل: هو الرزق بلسان حمير، يقال: خرجت أطلب ريحان الله أي رزق الله. وقال آخرون: هو الريحان الذي يشم. قال أبو العالية: لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم تقبض روحه. . {وجنة نعيم} قال أبو بكر الوراق: "الروح" النجاة من النار، و"الريحان" دخول دار القرار. {وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين } {وأما إن كان} المتوفى {من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين} أي سلامة لك يا محمد منهم فلا تهتم لهم، فإنهم سلموا من عذاب الله أو أنك ترى فيهم ما تحب من السلامة. قال مقاتل: 152/ب هو أن الله تعالى يتجاوز عن سيئاتهم ويقبل حسناتهم. وقال الفراء وغيره: مسلم لك أنهم من أصحاب اليمين، أو يقال لصاحب اليمين: مسلم لك أنك من أصحاب اليمين وألفيت إن كالرجل يقول إني مسافر عن قليل، فيقول له: أنت مصدق مسافر عن قليل، وقيل: "فسلام لك" أي عليك من أصحاب اليمين. {وأما إن كان من المكذبين} بالبعث {الضالين} عن الهدى وهم أصحاب المشئمة. {فنزل من حميم وتصلية جحيم إن هذا لهو حق اليقين فسبح باسم ربك العظيم } {فنزل من حميم} فالذي يعد لهم حميم جهنم. {وتصلية جحيم} وإدخال نار عظيمة. {إن هذا} يعني ما ذكر من قصة المحتضرين {لهو حق اليقين} أي الحق اليقين أضافه إلى نفسه. {فسبح باسم ربك العظيم} قيل: فصل بذكر ربك وأمره وقيل: "الباء" زائدة أي فسبح اسم ربك العظيم. أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا ابن أبي شيبة، حدثنا حمزة بن محمد الكاتب، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن أيوب الغافقي عن عمه وهو إياس بن عامر، عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم "فسبح باسم ربك العظيم" قال: "اجعلوها في ركوعكم" ولما نزلت "سبح اسم ربك الأعلى" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في سجودكم" . أخبرنا أبو عثمان الضبي أخبرنا أبو محمد الجراحي حدثنا أبو العباس المحبوبي حدثنا أبو عيسى الترمذي حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود، قال أخبرنا شعبة عن الأعمش قال: سمعت سعد بن عبيدة يحدث عن المستورد، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم وفي سجوده سبحان ربي الأعلى، وما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأل، وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوذ" . أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا محمد بن فضيل، أخبرنا عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" . أخبرنا أبو نصر محمد بن الحسن الجلفري حدثني أبو القاسم تمام بن محمد بن عبد الله الرازي بدمشق، حدثنا علي بن الحسين البزاز وأحمد بن سليمان بن حذلم وابن راشد قالوا: أخبرنا بكار بن قتيبة، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. "من قال سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة".

Sección V08/P027–V08/P032

أخبرنا عبد الواحد المليحي قال أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني السري بن يحيى أن شجاعا حدثه عن أبي طيبة عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا" وكان أبو طيبة لا يدعها أبدا. سورة الحديد مدنية وآياتها تسع وعشرون بسم الله الرحمن الرحيم {سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم } {سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم هو الأول والآخر والظاهر والباطن} يعني هو "الأول" قبل كل شيء بلا ابتداء، كان هو ولم يكن شيء موجودا و"الآخر" بعد فناء كل شيء، بلا انتهاء تفنى الأشياء ويبقى هو، و"الظاهر" الغالب العالي على كل شيء و"الباطن" العالم بكل شيء، هذا معنى قول ابن عباس. وقال يمان: "هو الأول" القديم و"الآخر" الرحيم و"الظاهر" الحليم و"الباطن" العليم. وقال السدي: هو الأول ببره إذ عرفك توحيده، والآخر بجوده إذ عرفك التوبة على ما جنيت، والظاهر بتوفيقه إذ وفقك للسجود له والباطن بستره إذ عصيته فستر عليك. وقال الجنيد: هو الأول بشرح القلوب، والآخر بغفران الذنوب، والظاهر بكشف الكروب، والباطن بعلم الغيوب. وسأل عمر -رضي الله تعالى عنه -كعبا عن هذه الآية فقال: معناها إن علمه بالأول كعلمه بالآخر، وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن. {وهو بكل شيء عليم} أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغفار بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني زهير ابن حرب، حدثنا جرير عن سهيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن ثم يقول: "اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين واغنني من الفقر" . وكان يروى ذلك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير } {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور} {آمنوا بالله ورسوله} يخاطب كفار مكة {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} مملكين فيه: يعني: المال الذي كان بيد غيرهم فأهلكهم وأعطاه قريشا فكانوا في ذلك المال خلفاء عمن مضوا. {فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير} {وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرءوف رحيم وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير }

Sección V08/P032–V08/P034

{وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم} قرأ أبو عمرو: "أخذ" بضم الهمزة وكسر الخاء "ميثاقكم" برفع القاف على ما لم يسم فاعله. وقرأ الآخرون بفتح الهمزة والخاء والقاف، أي: أخذ الله ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر آدم عليه السلام بأن الله ربكم لا إله لكم سواه، قاله مجاهد. وقيل: أخذ ميثاقكم بإقامة الحجج 153/أوالدلائل التي تدعو إلى متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم {إن كنتم مؤمنين} يوما، فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا لقيام الحجج والإعلام ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن. {هو الذي ينزل على عبده} محمد صلى الله عليه وسلم {آيات بينات} [يعني القرآن] . {ليخرجكم} الله بالقرآن {من الظلمات إلى النور} وقيل: ليخرجكم الرسول بالدعوة من الظلمات إلى النور أي من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان {وإن الله بكم لرءوف رحيم} {وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض} يقول: أي شيء لكم في ترك الإنفاق فيما يقرب من الله وأنتم ميتون تاركون أموالكم ثم بين فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله وبالجهاد فقال: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح} يعني فتح مكة في قول أكثر المفسرين، وقال الشعبي: هو صلح الحديبية {وقاتل} يقول: لا يستوي في الفضل من أنفق ماله وقاتل العدو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة مع من أنفق وقاتل بعده {أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا} وروى محمد بن فضيل عن الكلبي أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق -رضي الله عنه -فإنه أول من أسلم وأول من أنفق ماله في سبيل الله . وقال عبد الله بن مسعود: أول من أظهر إسلامه بسيفه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر. أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد، أخبرنا أحمد بن إسحاق بن أيوب، أخبرنا محمد بن يونس، حدثنا العلاء بن عمرو الشيباني، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، حدثنا سفيان بن سعيد عن آدم بن علي عن ابن عمر قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وعليه عباءة قد خلها في صدره بخلال، فنزل عليه جبريل فقال: مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلها في صدره بخلال؟ فقال: "أنفق ماله علي قبل الفتح" قال: فإن الله عز وجل يقول: اقرأ عليه السلام وقل له: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أبا بكر إن الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول لك: أراض أنت في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال أبو بكر: أأسخط على ربي؟ إني عن ربي راض إني عن ربي راض . {وكلا وعد الله الحسنى} أي كلا الفريقين وعدهم الله الجنة. قال عطاء: درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا قبل الفتح في أفضلها. وقرأ ابن عامر: "وكل" بالرفع {والله بما تعملون خبير} {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم } {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم } {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم} يعني على الصراط {بين أيديهم وبأيمانهم} يعني عن أيمانهم. قال بعضهم: أراد جميع جوانبهم، فعبر بالبعض عن الكل وذلك دليلهم إلى الجنة. وقال قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء ودون ذلك حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه" وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره أعلى إبهامه فيطفأ مرة ويقد مرة.

Sección V08/P034–V08/P036

وقال الضحاك ومقاتل: "يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم" كتبهم، يريد أن كتبهم التي أعطوها بأيمانهم ونورهم بين أيديهم . وتقول لهم الملائكة: {بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم} {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب } {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا} قرأ الأعمش وحمزة: "أنظرونا" بفتح الهمزة وكسر الظاء يعني أمهلونا. وقيل انتظرونا. وقرأ الآخرون بحذف الألف في الوصل وضمها في الابتداء وضم الظاء، تقول العرب: انظرني وأنظرني، يعني انتظرني. {نقتبس من نوركم} نستضيء من نوركم، وذلك أن الله تعالى يعطي المؤمنين نورا على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين أيضا نورا خديعة لهم، وهو قوله عز وجل "وهو خادعهم" (النساء -141) فبيناهم يمشون إذ بعث الله عليهم ريحا وظلمة فأطفأت نور المنافقين، فذلك قوله: "يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا" (التحريم -8) مخافة أن يسلبوا نورهم كما سلب نور المنافقين. وقال الكلبي: بل يستضيء المنافقون بنور المؤمنين، ولا يعطون النور، فإذا سبقهم المؤمنون وبقوا في الظلمة قالوا للمؤمنين، انظرونا نقتبس من نوركم {قيل ارجعوا وراءكم} قال ابن عباس: يقول لهم المؤمنون وقال قتادة: تقول لهم الملائكة: ارجعوا وراءكم من حيث جئتم {فالتمسوا نورا} فاطلبوا هناك لأنفسكم نورا فإنه لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا، فيرجعون في طلب النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم ليلقوهم فيميز بينهم وبين المؤمنين، وهو قوله: {فضرب بينهم بسور} أي سور، و"الباء" صلة يعني بين المؤمنين والمنافقين وهو حائط بين الجنة والنار {له} أي لذلك السور {باب باطنه فيه الرحمة} أي في باطن ذلك السور الرحمة وهي الجنة {وظاهره} أي خارج ذلك السور {من قبله} أي من قبل ذلك الظاهر {العذاب} وهو النار. {ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور } {ينادونهم} روي عن عبد الله بن عمر قال: إن السور الذي ذكر الله تعالى في القرآن " فضرب بينهم بسور له باب" هو سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب وادي جهنم . وقال شريح: كان كعب يقول: في الباب الذي يسمى "باب الرحمة" في بيت المقدس: إنه الباب الذي قال الله عز وجل: "فضرب بينهم بسور له باب" الآية . "ينادونهم" يعني: ينادي المنافقون المؤمنين من وراء السور حين حجز بينهم بالسور وبقوا في الظلمة: {ألم نكن معكم} في الدنيا نصلي ونصوم؟ {قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم} 153/ب أهلكتموها بالنفاق والكفر واستعملتموها في المعاصي والشهوات وكلها فتنة {وتربصتم} بالإيمان والتوبة. قال مقاتل: وتربصتم الموت وقلتم يوشك أن يموت فنستريح منه {وارتبتم} شككتم في نبوته وفيما أوعدكم به {وغرتكم الأماني} الأباطيل وما كنتم تتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين {حتى جاء أمر الله} يعني الموت {وغركم بالله الغرور} يعني الشيطان، قال قتادة: ما زالوا على خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله في النار . {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون }

Sección V08/P036–V08/P038

{فاليوم لا يؤخذ منكم فدية} قرأ أبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب: "تؤخذ" بالتاء، وقرأ الآخرون بالياء {فدية} بدل وعوض بأن تفدوا أنفسكم من العذاب {ولا من الذين كفروا} يعني المشركين {مأواكم النار هي مولاكم} صاحبكم وأولى بكم، لما أسلفتم من الذنوب {وبئس المصير} قوله عز وجل: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} قال الكلبي ومقاتل: نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة وذلك أنهم سألوا سلمان الفارسي ذات يوم فقالوا: حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب فنزلت: "نحن نقص عليك أحسن القصص" (يوسف -3) فأخبرهم أن القرآن أحسن قصصا من غيره، فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء الله، ثم عادوا فسألوا سلمان عن مثل ذلك فنزل: "الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها" (الزمر -23) فكفوا عن سؤاله ما شاء الله ثم عادوا فقالوا: حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب فنزلت هذه الآية. فعلى هذا التأويل، قوله "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله" يعني في العلانية وباللسان. وقال آخرون نزلت في المؤمنين قال عبد الله بن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله" إلا أربع سنين . وقال ابن عباس: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، فقال: "ألم يأن" ألم يحن للذين آمنوا أن تخشع: ترق وتلين وتخضع قلوبهم لذكر الله {وما نزل} قرأ نافع وحفص عن عاصم بتخفيف الزاي وقرأ الآخرون بتشديدها {من الحق} وهو القرآن {ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل} وهم اليهود والنصارى {فطال عليهم الأمد} الزمان بينهم وبين أنبيائهم {فقست قلوبهم} قال ابن عباس: مالوا إلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ الله والمعنى أن الله عز وجل ينهى المؤمنين أن يكونوا في صحبة القرآن كاليهود والنصارى الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر. روي أن أبا موسى الأشعري بعث إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرؤا القرآن فقال لهم: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم . {وكثير منهم فاسقون} يعني الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم } {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم } {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون إن المصدقين والمصدقات} قرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد فيهما من "التصديق" أي: المؤمنين والمؤمنات، وقرأ الآخرون بتشديدهما أي المتصدقين والمتصدقات أدغمت التاء في الصاد {وأقرضوا الله قرضا حسنا} بالصدقة والنفقة في سبيل الله عز وجل {يضاعف لهم} ذلك القرض {ولهم أجر كريم} ثواب حسن وهو الجنة. {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} والصديق: الكثيرالصدق، قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسوله فهو صديق وتلا هذه الآية. قال الضحاك: هم ثمانية نفر من هذه الأمة، سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام: أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته. {والشهداء عند ربهم} اختلفوا في نظم هذه الآية، منهم من قال: هي متصلة بما قبلها، و"الواو" واو النسق، وأراد بالشهداء المؤمنين المخلصين. قال الضحاك: هم الذين سميناهم. قال مجاهد: كل مؤمن صديق شهيد، وتلا هذه الآية . وقال قوم: تم الكلام عند قوله: "هم الصديقون" ثم ابتدأ فقال: والشهداء عند ربهم، و"الواو" واو الاستئناف، وهو قول ابن عباس ومسروق وجماعة. ثم اختلفوا فيهم فقال قوم: هم الأنبياء الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة، يروى ذلك عن ابن عباس هو قول مقاتل بن حيان. وقال مقاتل بن سليمان: هم الذين استشهدوا في سبيل الله .

Sección V08/P038–V08/P041

{لهم أجرهم} بما عملوا من العمل الصالح {ونورهم} على الصراط {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } قوله عز وجل: {اعلموا أنما الحياة الدنيا} أي: أن الحياة الدنيا، و"ما" صلة، أي: أن الحياة في هذه الدار {لعب} باطل لا حاصل له {ولهو} فرح ثم ينقضي {وزينة} منظر تتزينون به {وتفاخر بينكم} يفخر به بعضكم على بعض {وتكاثر في الأموال والأولاد} أي: مباهاة بكثرة الأموال والأولاد، ثم ضرب لها مثلا فقال: {كمثل غيث أعجب الكفار} أي: الزراع {نباته} ما نبت من ذلك الغيث {ثم يهيج} ييبس {فتراه مصفرا} بعد خضرته ونضرته {ثم يكون حطاما} يتحطم ويتكسر بعد يبسه ويفنى {وفي الآخرة عذاب شديد} قال مقاتل: لأعداء الله {ومغفرة من الله ورضوان} لأوليائه وأهل طاعته. {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} قال سعيد بن جبير: متاع الغرور لمن يشتغل فيها بطلب الآخرة، ومن اشتغل بطلبها فله متاع بلاغ إلى ما هو خير منه 15 / 4 أ {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد } {سابقوا} سارعوا {إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} لو وصل بعضها ببعض {أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} فبين أن أحدا لا يدخل الجنة إلا بفضل الله. قوله عز وجل: {ما أصاب من مصيبة في الأرض} يعني: قحط المطر وقلة النبات ونقص الثمار {ولا في أنفسكم} يعني: الأمراض وفقد الأولاد {إلا في كتاب} يعني: اللوح المحفوظ {من قبل أن نبرأها} من قبل أن نخلق الأرض والأنفس. قال ابن عباس: من قبل أن نبرأ المصيبة. وقال أبو العالية: يعني النسمة {إن ذلك على الله يسير} أي إثبات ذلك على كثرته هين على الله عز وجل. {لكي لا تأسوا} تحزنوا {على ما فاتكم} من الدنيا {ولا تفرحوا بما آتاكم} قرأ أبو عمرو بقصر الألف، لقوله "فاتكم" فجعل الفعل له وقرأ الآخرون {آتاكم} بمد الألف، أي: أعطاكم. قال عكرمة: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا الفرح شكرا والحزن صبرا {والله لا يحب كل مختال فخور} متكبر بما أوتي من الدنيا "فخور" يفخر به على الناس. قال جعفر بن محمد الصادق: يا ابن آدم مالك تأسف على مفقود لا يرده إليك الفوت، ومالك تفرح بموجود لا يتركه في يدك الموت . {الذين يبخلون} قيل: هو في محل الخفض على نعت المختال. وقيل: هو رفع بالابتداء وخبره فيما بعده. {ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول} أي: يعرض عن الإيمان {فإن الله هو الغني الحميد} قرأ أهل المدينة والشام: "فإن الله الغني" بإسقاط "هو" وكذلك هو في مصاحفهم. {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز } قوله عز وجل {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات} بالآيات والحجج {وأنزلنا معهم الكتاب والميزان} يعني: العدل. وقال مقاتل بن سليمان: هو ما يوزن به أي: ووضعنا الميزان كما قال: "والسماء رفعها ووضع الميزان" (الرحمن -7) {ليقوم الناس بالقسط} ليتعاملوا بينهم بالعدل.

Sección V08/P041–V08/P042

{وأنزلنا الحديد} روي عن ابن عمر يرفعه: إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد والنار والماء والملح وقال أهل المعاني معنى قوله: "أنزلنا الحديد" [أنشأنا وأحدثنا أي: أخرج لهم الحديد] من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه. وقال قطرب هذا من النزل كما يقال: أنزل الأمير على فلان نزلا حسنا فمعنى الآية: أنه جعل ذلك نزلا لهم. ومثله قوله: "وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج" (الزمر -6) . {فيه بأس شديد} قوة شديدة يعني: السلاح للحرب. قال مجاهد: فيه جنة وسلاح يعني آلة الدفع وآلة الضرب {ومنافع للناس} مما ينتفعون به في مصالحهم كالسكين والفأس والإبرة ونحوها إذ هو آلة لكل صنعة {وليعلم الله} أي: أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم هذه الأشياء ليتعامل الناس بالحق والعدل وليعلم الله وليرى الله {من ينصره} أي: دينه {ورسله بالغيب} أي: قام بنصرة الدين ولم ير الله ولا الآخرة، وإنما يحمد ويثاب من أطاع الله بالغيب {إن الله قوي عزيز} قوي في أمره، عزيز في ملكه. {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون } {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه} [على دينه] {رأفة} وهي أشد الرقة {ورحمة} كانوا متوادين بعضهم لبعض، كما قال الله تعالى في وصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم "رحماء بينهم" (الفتح -29) {ورهبانية ابتدعوها} من قبل أنفسهم، وليس هذا بعطف على ما قبله، وانتصابه بفعل مضمر كأنه قال: وابتدعوا رهبانية أي جاءوا بها من قبل أنفسهم {ما كتبناها} أي ما فرضناها {عليهم إلا ابتغاء رضوان الله} يعني: ولكنهم ابتغوا رضوان الله بتلك الرهبانية، وتلك الرهبانية ما حملوا أنفسهم من المشاق في الامتناع من المطعم والمشرب والملبس والنكاح والتعبد في الجبال {فما رعوها حق رعايتها} أي لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها بل ضيعوها وكفروا بدين عيسى فتهودوا وتنصروا ودخلوا في دين ملوكهم وتركوا الترهب، وأقام منهم أناس على دين عيسى عليه الصلاة والسلام حتى أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، وذلك قوله تعالى: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} وهم الذين ثبتوا عليها وهم أهل الرأفة والرحمة {وكثير منهم فاسقون} وهم الذين تركوا الرهبانية وكفروا بدين عيسى عليه الصلاة والسلام. أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أنبأني عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا الصعق بن حزن، عن عقيل الجعدي عن أبي إسحاق عن سويد بن غفلة، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا ابن مسعود اختلف من كان قبلكم على اثنتين وسبعين فرقة، نجا منها ثلاث وهلك سائرهن، فرقة آزت الملوك وقاتلوهم على دين عيسى عليه الصلاة والسلام، فأخذوهم وقتلوهم، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهرانيهم يدعونهم إلى دين الله ودين عيسى عليه السلام فساحوا في البلاد وترهبوا وهم الذين قال الله عز وجل فيهم: "ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون" .

Sección V08/P042–V08/P044

وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال لي: "يا ابن أم عبد هل تدري من أين اتخذت بنو إسرائيل الرهبانية؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى عليه السلام يعملون بالمعاصي فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم، فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات، فلم يبق منهم إلا القليل، فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو له فقالوا: تعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى عليه السلام، يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم 154/ب فتفرقوا في غيران الجبال، وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر، ثم تلا هذه الآية: "ورهبانية ابتدعوها" الآية. "فآتينا الذين آمنوا منهم" يعني من ثبتوا عليها أجرهم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا ابن أم عبد أتدري ما رهبانية أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: الهجرة والجهاد، والصلاة والصوم والحج والعمرة والتكبير على التلاع" وروي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لكل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله" وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت ملوك بعد عيسى عليه السلام بدلوا التوارة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرؤن التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين الله فقيل لملوكهم: لو جمعتهم هؤلاء الذين شقوا عليكم فقتلتموهم أو دخلوا فيما نحن فيه، فجمعهم ملوكهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها فقالوا: نحن نكفيكم أنفسنا فقالت طائفة: ابنوا لنا أسطوانة، ثم ارفعونا إليها ثم أعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا ولا نرد عليكم، وقالت طائفة: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش، فإن قدرتم علينا بأرض فاقتلونا وقالت طائفة: ابنوا لنا دورا في الفيافي نحتفر الآبار ونحترث البقول فلا نرد عليكم ولا نمر بكم، ففعلوا بهم ذلك فمضى أولئك على منهاج عيسى عليه الصلاة والسلام، وخلف قوم من بعدهم ممن قد غير الكتاب، فجعل الرجل يقول: نكون في مكان فلان فنتعبد كما تعبد فلان ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دورا كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فذلك قوله عز وجل: "ورهبانية ابتدعوها" أي ابتدعها هؤلاء الصالحون {فما رعوها حق رعايتها} يعني الآخرين الذين جاؤا من بعدهم {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} يعني الذين ابتدعوها ابتغاء رضوان الله "وكثير منهم فاسقون" هم الذين جاؤا من بعدهم، قال: فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق منهم إلا قليل انحط رجل من صومعته وجاء سياح من سياحته وصاحب دير من ديره وآمنوا به فقال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم } {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} الخطاب لأهل الكتابين من اليهود والنصارى، يقول: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله في محمد صلى الله عليه وسلم {وآمنوا برسوله} محمد صلى الله عليه وسلم {يؤتكم كفلين} نصيبين {من رحمته} يعني يؤتكم أجرين لإيمانكم بعيسى عليه الصلاة والسلام، والإنجيل وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. وقال قوم: انقطع الكلام عند قوله "ورحمة" ثم ابتدأ: ورهبانية ابتدعوها وذلك أنهم تركوا الحق فأكلوا الخنزير وشربوا الخمر وتركوا الوضوء والغسل من الجنابة والختان، فما رعوها يعني: الطاعة والملة "حق رعايتها" كناية عن غير مذكور "فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم" وهم أهل الرأفة والرحمة "وكثير منهم فاسقون" وهم الذين ابتدعواالرهبانية، وإليه ذهب مجاهد. معنى قوله: "إلا ابتغاء رضوان الله" [على هذا التأويل: ما أمرناهم وما كتبنا عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وما أمرناهم بالترهب] .

Sección V08/P044–V08/P046

قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا} بموسى وعيسى {اتقوا الله} وآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم "يؤتكم كفلين من رحمته". وروينا عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها ورجل من أهل الكتاب آمن بكتابه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعبد أحسن عبادة الله ونصح سيده" {ويجعل لكم نورا تمشون به} قال ابن عباس ومقاتل: يعني على الصراط، كما قال: "نورهم يسعى بين أيديهم" (التحريم -8) ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النور هو القرآن. وقال مجاهد: هو الهدى والبيان، أي يجعل لكم سبيلا واضحا في الدين تهتدون به {ويغفر لكم والله غفور رحيم} وقيل: لما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله عز وجل: "أولئك يؤتون أجرهم مرتين" (القصص -54) قالوا للمسلمين: أما من آمن منا بكتابكم فله أجره مرتين لإيمانه بكتابكم وبكتابنا وأما من لم يؤمن منا فله أجر كأجوركم فما فضلكم علينا؟ فأنزل الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته" فجعل لهم الأجرين إذا آمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم وزادهم النور والمغفرة ثم قال: {لئلا يعلم أهل الكتاب} {لئلا يعلم أهل الكتاب} قال قتادة: حسد الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب المؤمنين منهم فأنزل الله تعالى "لئلا يعلم أهل الكتاب". قال مجاهد: قالت اليهود يوشك أن يخرج [منا] . نبي يقطع الأيدي والأرجل، فلما خرج من العرب كفروا به، فأنزل الله تعالى "لئلا يعلم أهل الكتاب" أي ليعلم و"لا" صلة {ألا يقدرون على شيء من فضل الله} أي ليعلم الذين لم يؤمنوا أنهم لا أجر لهم ولا نصيب لهم في فضل الله {وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث عن نافع، عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس ألا لكم الأجر مرتين، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء؟ قال الله تعالى: "هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ " قالوا: لا قال: "فإنه فضلي أعطيه من شئت" . أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة عن يزيد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا إلى الليل على أجر معلوم فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملناه باطل، فقال لهم: لا تفعلوا أكملوا بقي عملكم، وخذوا أجركم كاملا فأبوا وتركوا واستأجر قوما آخرين بعدهم، فقال: أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال: أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير فأبوا فاستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس فاستكملوا أجر الفريقين كليهما فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور" سورة المجادلة مدنية بسم الله الرحمن الرحيم

Sección V08/P046–V08/P050

{قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير } {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} الآية. نزلت في خولة بنت ثعلبة كانت تحت أوس بن الصامت، وكانت حسنة الجسم وكان به لمم فأرادها فأبت، فقال لها: أنت علي كظهر أمي، ثم ندم على ما قال. وكان الظهار والإيلاء من طلاق أهل الجاهلية. فقال لها: ما أظنك إلا قد حرمت علي. فقالت: والله ما ذاك طلاق، وأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم -وعائشة رضي الله عنها تغسل شق رأسه -فقالت: يا رسول الله إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة غنية ذات مال وأهل حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبر سني ظاهر مني، وقد ندم، فهل من شيء يجمعني وإياه تنعشني به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا وإنه أبو ولدي وأحب الناس إلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليه، فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي قد طالت صحبتي ونفضت له بطني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أراك إلا قد حرمت عليه، ولم أومر في شأنك بشيء، فجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليه هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك، اللهم فأنزل على لسان نبيك، وكان هذا أول ظهار في الإسلام. فقامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر. فقالت: انظر في أمري جعلني الله فداءك يا نبي الله، فقالت عائشة: أقصري حديثك ومجادلتك أما ترين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ -وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه أخذه مثل السبات -فلما قضي الوحي قال لها: ادعي زوجك فدعته، فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد سمع الله قول التي تجادلك" الآيات . قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها إن المرأة لتحاور رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في ناحية البيت أسمع بعض كلامها ويخفى علي بعضه إذ أنزل الله: "قد سمع الله" الآيات . ومعنى قوله: {قول التي تجادلك} تخاصمك وتحاورك وتراجعك في زوجها {وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما} مراجعتكما الكلام {إن الله سميع بصير} سميع لما تناجيه وتتضرع إليه، بصير بمن يشكو إليه، ثم ذم الظهار فقال: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم} {الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور } {الذين يظاهرون منكم من نسائهم} قرأ عاصم: "يظاهرون" فيها بضم الياء وتخفيف الظاء وألف بعدها وكسر الهاء. وقرأ ابن عامر، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي: بفتح الياء والهاء، وتشديد الظاء وألف بعده. اوقرأ الآخرون بفتح الياء وتشديد الظاء والهاء من غير ألف. {ما هن أمهاتهم} أي ما اللواتي يجعلونهن من زوجاتهم كالأمهات بأمهات. وخفض التاء في "أمهاتهم" على خبر "ما" ومحله نصب كقوله: "ما هذا بشرا" (يوسف -31) المعنى: ليس هن بأمهاتهم {إن أمهاتهم} أي ما أمهاتهم {إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول} لا يعرف في شرع {وزورا} كذبا {وإن الله لعفو غفور} عفا عنهم وغفر لهم بإيجاب الكفارة عليهم. وصورة الظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، أو أنت مني أو معي أو عندي كظهر أمي، وكذلك لو قال: أنت علي كبطن أمي أو كرأس أمي أو كيد أمي أو قال بطنك أو رأسك أو يدك علي كظهر أمي أو شبه عضوا منها بعضو آخر من أعضاء أمه فيكون ظهارا.

Sección V08/P050–V08/P052

وعند أبي حنيفة -رضي الله عنه -إن شبهها ببطن الأم أو فرجها أو فخذها يكون ظهارا وإن شبهها بعضو آخر لا يكون ظهارا. ولو قال أنت علي كأمي أو كروح أمي وأراد به الإعزاز والكرامة فلا يكون ظهارا حتى يريده، ولو شبهها بجدته فقال: أنت علي كظهر جدتي يكون ظهارا وكذلك لو شبهها بامرأة محرمة عليه بالقرابة بأن قال: أنت علي كظهر أختي أو عمتي أو خالتي أو شبهها بامرأة محرمة عليه بالرضاع يكون ظهارا -على الأصح من الأقاويل -. {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير } {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة} ثم حكم الظهار: أنه يحرم على الزوج وطؤها بعد الظهار ما لم يكفر، والكفارة تجب بالعود بعد الظهار. لقوله تعالى: "ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة". واختلف أهل العلم في "العود" فقال أهل الظاهر: هو إعادة لفظ الظهار، وهو قول أبي العالية لقوله تعالى: "ثم يعودون لما قالوا" أي إلى ما قالوا [أي أعادوه مرة أخرى] . فإن لم يكرر اللفظ فلا كفارة عليه. وذهب قوم إلى أن الكفارة تجب بنفس الظهار، والمراد من "العود" هو: العود إلى ما كانوا عليه في الجاهلية من نفس الظهار، وهو قول مجاهد والثوري. وقال قوم: المراد من "العود" الوطء 155/ب وهو قول الحسن وقتادة وطاووس والزهري وقالوا: لا كفارة عليه ما لم يطأها. وقال قوم: هو العزم على الوطء، وهو قول مالك وأصحاب الرأي. وذهب الشافعي إلى أن العود هو أن يمسكها عقيب الظهار زمانا يمكنه أن يفارقها فلم يفعل، فإن طلقها عقيب الظهار في الحال أو مات أحدهما في الوقت فلا كفارة عليه لأن العود للقول هو المخالفة. وفسر ابن عباس "العود" بالندم، فقال: يندمون فيرجعون إلى الألفة، ومعناه هذا. قال الفراء يقال: عاد فلان لما قال، أي فيما قال، وفي نقض ما قال يعني: رجع عما قال. وهذا يبين ما قال الشافعي وذلك أن قصده بالظهار التحريم، فإذا أمسكها على النكاح فقد خالف قوله ورجع عما قاله فتلزمه الكفارة، حتى قال: لو ظاهر عن امرأته الرجعية ينعقد ظهاره ولا كفارة عليه حتى يراجعها فإن راجعها صار عائدا ولزمته الكفارة. قوله: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} والمراد ب "التماس": المجامعة، فلا يحل للمظاهر وطء امرأته التي ظاهر منها ما لم يكفر، سواء أراد التكفير بالإعتاق أو بالصيام أو بالإطعام، وعند مالك إن أراد التكفير بالإطعام يجوز له الوطء قبله، لأن الله تعالى قيد العتق والصوم بما قبل المسيس وقال في الإطعام: "فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا" ولم يقل: من قبل أن يتماسا. وعند الآخرين: الإطلاق في الإطعام محمول على المقيد في العتق والصيام. واختلفوا في تحريم ما سوى الوطء من المباشرات قبل التكفير، كالقبلة والتلذذ: فذهب أكثرهم إلى أنه لا يحرم سوى الوطء، وهو قول الحسن، وسفيان الثوري وأظهر قولي الشافعي كما أن الحيض يحرم الوطء دون سائر الاستمتاعات. وذهب بعضهم إلى أنه يحرم، لأن اسم "التماس" يتناول الكل، ولو جامع المظاهر قبل التكفير يعصي الله تعالى، والكفارة في ذمته. ولا يجوز أن يعود ما لم يكفر، ولا يجب بالجماع كفارة أخرى. وقال بعض أهل العلم: إذا واقعها قبل التكفير عليه كفارتان. وكفارة الظهار مرتبة يجب عليه عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فعليه صيام شهرين متتابعين، فإن أفطر يوما متعمدا أو نسي النية يجب عليه استئناف الشهرين، فإن عجز عن الصوم يجب عليه أن يطعم ستين مسكينا. وقد ذكرنا في سورة المائدة مقدار ما يطعم كل مسكين . {ذلكم توعظون به} تؤمرون به {والله بما تعملون خبير} {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم }

Sección V08/P052–V08/P054

{فمن لم يجد} يعني الرقبة {فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا} فإن كانت له رقبة إلا أنه محتاج إلى خدمته، أو له ثمن رقبة لكنه محتاج إليه لنفقته ونفقة عياله فله أن ينتقل إلى الصوم. وقال مالك والأوزاعي: يلزمه الإعتاق إذا كان واجدا للرقبة أو ثمنها وإن كان محتاجا إليه. وقال أبو حنيفة: إن كان واجدا لعين الرقبة يجب عليه إعتاقها وإن كان محتاجا إليها فأما إذا كان واجدا لثمن الرقبة وهو محتاج إليه فله أن يصوم، فلو شرع المظاهر في صوم شهرين ثم جامع في خلال الشهر بالليل يعصي الله تعالى بتقديم الجماع على الكفارة، ولكن لا يجب عليه استئناف الشهرين، وعند أبي حنيفة يجب عليه استئناف الشهرين. قوله عز وجل: {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} يعني المظاهر إذا لم يستطع الصوم لمرض أو كبر أو فرط شهوة ولا يصبر عن الجماع يجب عليه إطعام ستين مسكينا. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري حدثنا أحمد بن علي الكشميهني حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة، عن عطاء بن يسار أن خولة بنت ثعلبة كانت تحت أوس بن الصامت، فظاهر منها وكان به لمم، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أوسا ظاهر مني وذكرت أن به لمما فقالت: والذي بعثك بالحق ما جئتك إلا رحمة له إن له في منافع، فأنزل القرآن فيهما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مريه فليعتق رقبة، قالت: والذي بعثك بالحق ما عنده رقبة ولا ثمنها قال: مريه فليصم شهرين متتابعين، فقالت: والذي بعثك بالحق لو كلفته ثلاثة أيام ما استطاع، قال: مريه فليطعم ستين مسكينا قالت: والذي بعثك بالحق ما يقدر عليه، قال: مريه فليذهب إلى فلان ابن فلان فقد أخبرني أن عنده شطر تمر صدقة، فليأخذه صدقة عليه ثم ليتصدق به على ستين مسكينا" . وروى سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر قال: كنت امرأ أصيب من النساء ما لم يصب غيري فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئا فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينما هي تحدثني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فلم ألبث أن وقعت عليها فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: أنت بذاك، فقلت: أنا بذاك -قاله ثلاثا -قلت: أنا بذاك وها أنا ذا فأمض في حكم الله، فإني صابر لذلك، قال: فأعتق رقبة. فضربت صفحة عنقي بيدي فقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أملك غيرها قال: فصم شهرين متتابعين، فقلت: يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا من الصيام؟ قال: فأطعم ستين مسكينا قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه [وحشين] ما لنا عشاء، قال: اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقا ستين مسكينا ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك. قال: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السعة والبركة، أمر لي بصدقتكم فادفعوها إلي قال: فدفعوها إليه . {ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله} لتصدقوا ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم من الله عز وجل، {وتلك حدود الله} يعني ما وصف من الكفارات في الظهار {وللكافرين عذاب أليم} قال ابن عباس: لمن جحده وكذب به. {إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد } {إن الذين يحادون الله ورسوله} أي يعادون الله ورسوله ويشاقون ويخالفون أمرهما {كبتوا} أذلوا وأخزوا وأهلكوا {كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين} {يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله} حفظ الله أعمالهم {ونسوه والله على كل شيء شهيد}

Sección V08/P054–V08/P055

{ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير } {ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون} 156/أقرأ أبو جعفر بالتاء، لتأنيث النجوى، وقرأ الآخرون بالياء لأجل الحائل {من نجوى ثلاثة} أي من سرار ثلاثة، يعني من المسارة، أي: ما من شيء يناجي به الرجل صاحبيه {إلا هو رابعهم} بالعلم. وقيل: معناه ما يكون من متناجين ثلاثة يسار، بعضهم بعضا إلا هو رابعهم بالعلم، يعلم نجواهم {ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا} قرأ يعقوب: "أكثر" بالرفع على محل الكلام قبل دخول "من" {ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم} {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى} نزلت في اليهود والمنافقين وذلك أنهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم، يوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم، فيحزنون لذلك ويقولون ما نراهم إلا وقد بلغهم عن إخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل أو موت أو هزيمة، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم، فلما طال ذلك عليهم وكثر شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم فأنزل الله "ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى" أي المناجاة {ثم يعودون لما نهوا عنه} أي يرجعون إلى المناجاة التي نهوا عنها {ويتناجون} قرأ الأعمش وحمزة: و"وينتنجون" على وزن يفتعلون، وقرأ الآخرون "يتناجون" لقوله: "إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول" وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد نهاهم عن النجوى فعصوه {وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله} وذلك أن اليهود كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم {ويقولون} السام عليك. " والسام ": الموت، وهم يوهمونه أنهم يقولون: السلام عليك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم فيقول: عليكم، فإذا خرجوا قالوا: {في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول} يريدون: لو كان نبيا حقا لعذبنا الله بما نقول، قال الله عز وجل: {حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير} أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أبو أيوب عن ابن أبي مليكة، عن عائشة: "أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: السام عليك قال: وعليكم، فقالت عائشة: السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش، قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: أولم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في" . {يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون }

Sección V08/P055–V08/P057

ثم إن الله تعالى: نهى المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين واليهود فقال: {يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول} أي كفعل المنافقين واليهود وقال مقاتل أراد بقوله: "آمنوا" المنافقين أي آمنوا بلسانهم. قال عطاء: يريد الذين آمنوا بزعمهم قال لهم: لا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول {وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون} {إنما النجوى من الشيطان} أي من تزيين الشيطان {ليحزن الذين آمنوا} أي إنما يزين لهم ذلك ليحزن المؤمنين {وليس} التناجي {بضارهم شيئا} وقيل: ليس الشيطان بضارهم شيئا {إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري أخبرنا جدي أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار أخبرنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه فإن ذلك يحزنه" . {يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير } قوله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا} الآية قال مقاتل بن حيان: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس منهم يوما وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم وسلموا عليه فرد عليهم، ثم سلموا على القوم فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فلم يفسحوا لهم فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لمن حوله: قم يا فلان وأنت يا فلان، فأقام من المجلس بقدر النفر الذين قاموا بين يديه من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه وعرف النبي صلى الله عليه وسلم الكراهية في وجوههم فأنزل الله هذه الآية . وقال الكلبي: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وقد ذكرنا في سورة الحجرات قصته . وقال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلا ضنوا بمجلسهم فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض . وقيل: كان ذلك يوم الجمعة، فأنزل الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا} {يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا} أي توسعوا في المجلس، قرأ الحسن وعاصم: "في المجالس" لأن الكل جالس مجلسا معناه: ليتفسح كل رجل في مجلسه. وقرأ الآخرون: "في المجلس" على التوحيد لأن المراد منه مجلس النبي صلى الله عليه وسلم {فافسحوا} أوسعوا، يقال: فسح يفسح فسحا: إذا وسع في المجلس {يفسح الله لكم} يوسع الله لكم الجنة والمجالس فيها. أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يخلفه فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا" . أخبرنا عبد الوهاب بن الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة 156/ب ولكن ليقل افسحوا"

Sección V08/P057–V08/P059

وقال أبو العالية، والقرظي والحسن: هذا في مجالس الحرب ومقاعد القتال، كان الرجل يأتي القوم في الصف فيقول توسعوا فيأبون عليه لحرصهم على القتال ورغبتهم في الشهادة {وإذا قيل انشزوا فانشزوا} قرأ أهل المدينة والشام وعاصم بضم الشين وقرأ الآخرون بكسرهما وهما لغتان أي ارتفعوا قيل: ارتفعوا عن مواضعكم حتى توسعوا لإخوانكم. وقال عكرمة والضحاك: كان رجال يتثاقلون عن الصلاة إذا نودي لها فأنزل الله تعالى هذه الآية معناه: إذا نودي للصلاة فانهضوا لها وقال مجاهد وأكثر المفسرين: معناه: إذا قيل لكم انهضوا إلى الصلاة وإلى الجهاد وإلى مجالس كل خير وحق فقوموا لها ولا تقصروا . {يرفع الله الذين آمنوا منكم} بطاعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم وقيامهم من مجالسهم وتوسعتهم لإخوانهم {والذين أوتوا العلم} من المؤمنين بفضل علمهم وسابقتهم "درجات" فأخبر الله عز وجل أن رسوله صلى الله عليه وسلم مصيب فيما أمر وأن أولئك المؤمنين مثابون فيما ائتمروا وأن النفر من أهل بدر مستحقون لما عوملوا من الإكرام. {والله بما تعملون خبير} قال الحسن: قرأ ابن مسعود هذه الآية وقال: أيها الناس افهموا هذه الآية ولنرغبنكم في العلم، فإن الله تعالى يقول: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" المؤمن العالم فوق الذي لا يعلم درجات. [أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد ابن سليمان] حدثنا أبو علي حامد بن محمد بن عبد الله الهروي أخبرنا محمد بن يونس القرشي أخبرنا عبيد الله بن داود، حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة، حدثني داود بن جميل عن كثير بن قيس قال: كنت جالسا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق فجاء رجل فقال: يا أبا الدرداء إني جئتك من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما كانت لك حاجة غيره؟ قال: لا قال: ولا جئت لتجارة؟ قال: لا قال: ولا جئت إلا رغبة فيه؟ قال: نعم قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم، وإن السموات والأرض والحوت في الماء لتدعو له، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر" . أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو علي الحسين بن أحمد بن إبراهيم السراج، أخبرنا الحسن ابن يعقوب العدل، حدثنا محمد بن عبد الوهاب الفراء، حدثنا جعفر بن عون أخبرنا عبد الرحمن بن زياد عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجلسين في مسجده أحد المجلسين يدعون الله ويرغبون إليه، والآخر يتعلمون الفقه ويعلمونه، قال: "كلا المجلسين على خير، وأحدهما أفضل من صاحبه، أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه ويعلمون الجاهل، فهؤلاء أفضل وإنما بعثت معلما ثم جلس فيهم" . {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم } قوله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} أمام مناجاتكم، قال ابن عباس: وذلك أن الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثروا حتى شقوا عليه فأراد الله أن يخفف على نبيه ويثبطهم ويردعهم عن ذلك فأمرهم أن يقدموا صدقة على المناجاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم .

Sección V08/P059–V08/P061

وقال مقاتل بن حيان: نزلت في الأغنياء، وذلك أنهم كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على المجالس، حتى كره النبي صلى الله عليه وسلم طول جلوسهم ومناجاتهم، فلما رأوا ذلك انتهوا عن مناجاته، فأما أهل العسرة فلم يجدوا شيئا وأما أهل الميسرة فضنوا واشتد ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الرخصة . قال مجاهد: نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا فلم يناجه إلا علي رضي الله عنه تصدق بدينار وناجاه ثم نزلت الرخصة فكان علي رضي الله عنه يقول: آية في كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي وهي آية المناجاة وروي عن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما ترى دينارا؟ قلت: لا يطيقونه قال: فكم؟ قلت: حبة أو شعيرة، قال: إنك لزهيد، فنزلت: "أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات" قال علي رضي الله تعالى عنه: فبي قد خفف الله عن هذه الأمة . {ذلك خير لكم} يعني: تقديم الصدقة على المناجاة {وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم} يعني الفقراء الذين لا يجدون ما يتصدقون به معفو عنهم. {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون } {أأشفقتم أن تقدموا} قال ابن عباس: أبخلتم؟ والمعنى: أخفتم العيلة والفاقة إن قدمتم {بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا} ما أمرتم به {وتاب الله عليكم} تجاوز عنكم ولم يعاقبكم بترك الصدقة، وقيل "الواو" صلة مجازه: فإن لم تفعلوا تاب الله عليكم ونسخ الصدقة [قال مقاتل بن حيان: كان ذلك عشر ليال ثم نسخ] وقال الكلبي: ما كانت إلا ساعة من نهار. {فأقيموا الصلاة} المفروضة {وآتوا الزكاة} الواجبة {وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون} {ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم} نزلت في المنافقين تولوا اليهود وناصحوهم ونقلوا أسرار المؤمنين إليهم . وأراد بقوله: "غضب الله عليهم" اليهود {ما هم منكم ولا منهم} يعني المنافقين ليسوا من المؤمنين في الدين والولاء، ولا من اليهود والكافرين، كما قال: "مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء" (النساء -143) {ويحلفون على الكذب وهم يعلمون} قال السدي ومقاتل: نزلت في عبد الله بن نبتل المنافق كان يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة من حجره إذ قال: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان، فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق العينين فقال النبي صلى الله عليه وسلم "علام تشتمني أنت وأصحابك"؟ فحلف بالله ما فعل وجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فأنزل الله عز وجل هذه الآيات، فقال: "ويحلفون على الكذب وهم يعلمون" 157/أأنهم كذبة . {أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون} {اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز } {اتخذوا أيمانهم} الكاذبة {جنة} يستجنون بها من القتل ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم {فصدوا عن سبيل الله} صدوا المؤمنين

Sección V08/P061–V08/P063

عن جهادهم بالقتل وأخذ أموالهم {فلهم عذاب مهين} {لن تغني عنهم} يوم القيامة {أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} {يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له} كاذبين ما كانوا مشركين {كما يحلفون لكم} في الدنيا {ويحسبون أنهم على شيء} من أيمانهم الكاذبة {ألا إنهم هم الكاذبون} {استحوذ} غلب واستولى {عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين} الأسفلين. أي: هم في جملة من يلحقهم الذل في الدنيا والآخرة. {كتب الله} قضى الله قضاء ثابتا {لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز} [نظيره] قوله: "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون" (الصافات 71-72) قال الزجاج: غلبة الرسل على نوعين: من بعث منهم بالحرب فهو غالب بالحرب، ومن لم يؤمر بالحرب فهو غالب بالحجة. {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون } قوله عز وجل {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} الآية. أخبر أن إيمان المؤمنين يفسد بموادة الكافرين وأن من كان مؤمنا لا يوالي من كفر، وإن كان من عشيرته. قيل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة وسيأتي في سورة الممتحنة إن شاء الله عز وجل. وروى مقاتل بن حيان عن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية قال: "ولو كانوا آباءهم" يعني: أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد "أو أبناءهم" يعني أبا بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز وقال: يا رسول الله دعني أكن في الرحلة الأولى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: متعنا بنفسك يا أبا بكر "أو إخوانهم" يعني: مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد "أو عشيرتهم" يعني عمر قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر، وعليا وحمزة وعبيدة قتلوا يوم بدرعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} أثبت التصديق في قلوبهم فهي موقنة مخلصة، وقيل: حكم لهم بالإيمان فذكر القلوب لأنها موضعه {وأيدهم بروح منه} قواهم بنصر منه. قال الحسن: سمى نصره إياهم روحا لأن أمرهم يحيا به. وقال السدي: يعني بالإيمان. وقال الربيع: يعني بالقرآن وحجته، كما قال: "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا" (الشورى -52) وقيل برحمة منه. وقيل أمدهم بجبريل عليه السلام. {ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} سورة الحشر مدنية قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل: سورة النضير بسم الله الرحمن الرحيم {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم }

Sección V08/P063–V08/P064

{سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم} قال المفسرون: نزلت هذه السورة في بني النضير وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة فصالحته بنو النضير على أن لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وظهر على المشركين قالت بنو النضير: والله إنه النبي الذي وجدنا نعته في التوراة لا ترد له راية، فلما غزا أحدا وهزم المسلمون ارتابوا وأظهروا العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركب كعب بن الأشرف في أربعين راكبا من اليهود إلى مكة فأتوا قريشا فحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد صلى الله عليه وسلم ودخل أبو سفيان في أربعين وكعب في أربعين من اليهود المسجد الحرام، وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الأستار والكعبة، ثم رجع كعب وأصحابه إلى المدينة، ونزل جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما تعاقد عليه كعب وأبو سفيان، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل كعب بن الأشرف فقتله محمد بن مسلمة -ذكرناه في سورة آل عمران . وكان النبي صلى الله عليه وسلم اطلع منهم على خيانة حين أتاهم في دية المسلمين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري في منصرفه من بئر معونة، فهموا بطرح حجر عليه من فوق الحصن فعصمه الله وأخبره بذلك -ذكرناه في سورة المائدة . فلما قتل كعب بن الأشرف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الناس بالمسير إلى بني النضير وكانوا بقرية يقال لها زهرة فلما سار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وجدهم ينوحون على كعب بن الأشرف فقالوا: يا محمد واعية على إثر واعية وباكية على إثر باكية؟ قال: نعم قالوا: ذرنا نبكي شجونا ثم ائتمر أمرك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اخرجوا من المدينة فقالوا: الموت أقرب إلينا من ذلك فتنادوا بالحرب وآذنوا بالقتال ودس المنافقون -عبد الله بن أبي وأصحابه -إليهم: أن لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولننصرنكم ولئن أخرجتم لنخرجن معكم. فدربوا على الأزقة وحصنوها ثم إنهم أجمعوا على الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا إليه: أن اخرج في ثلاثين رجلا من أصحابك وليخرج منا ثلاثون حتى نلتقي بمكان بيننا وبينك فيستمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلنا فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثين من أصحابه وخرج إليه ثلاثون حبرا من اليهود حتى إذا كانوا في براز من الأرض قال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلا من أصحابه كلهم يحب أن يموت قبله؟ فأرسلوا إليه: كيف نفهم ونحن ستون رجلا؟ اخرج في ثلاثة من أصحابك ونخرج إليك في ثلاثة من علمائنا فيستمعوا منك فإن آمنوا بك آمنا كلنا بك وصدقناك فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة من أصحابه وخرج ثلاثة من اليهود واشتملوا 157/ب على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها وهو رجل مسلم من الأنصار فأخبرته بما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أخوها سريعا حتى أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فساره بخبرهم قبل أن يصل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فرجع النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة فقذف الله في قلوبهم الرعب وأيسوا من نصر المنافقين فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من المدينة على ما يأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم فقبلوا ذلك، فصالحهم على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من أموالهم إلا الحلقة وهي السلاح، وعلى أن يخلوا لهم ديارهم وعقارهم وسائر أموالهم .

Sección V08/P064–V08/P070

وقال ابن عباس: على أن يحمل كل أهل ثلاثة أبيات على بعير ما شاءوا من متاعهم، ولنبي الله صلى الله عليه وسلم ما بقي. وقال الضحاك: أعطي كل ثلاثة نفر بعيرا وسقاة ففعلوا ذلك وخرجوا من المدينة إلى الشام إلى أذرعات وأريحاء إلا أهل بيتين منهم آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة منهم بالحيرة فذلك قوله عز وجل: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب} {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار } {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب} يعني بني النضير {من ديارهم} التي كانت بيثرب، قال ابن إسحاق: كان إجلاء بني النضير بعد مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد وفتح قريظة عند مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان. {لأول الحشر} قال الزهري: كانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما مضى، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا . قال ابن عباس: من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية فكان هذا أول حشر إلى الشام قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: اخرجوا قالوا إلى أين قال: إلى أرض المحشر، ثم يحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام . وقال الكلبي: إنما قال: "لأول الحشر" لأنهم كانوا أول من أجلي من أهل الكتاب من جزيرة العرب، ثم أجلى آخرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه. قال مرة الهمداني: كان أول الحشر من المدينة، والحشر الثاني من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحاء من الشام في أيام عمر. وقال قتادة: كان هذا أول الحشر، والحشر الثاني نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا . {ما ظننتم} أيها المؤمنون {أن يخرجوا} المدينة لعزتهم ومنعتهم، وذلك أنهم كانوا أهل حصون وعقار ونخيل كثيرة. {وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله} أي: وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من سلطان الله {فأتاهم الله} أي أمر الله وعذابه {من حيث لم يحتسبوا} أنه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقتالهم وإجلائهم وكانوا لا يظنون ذلك {وقذف في قلوبهم الرعب} بقتل سيدهم كعب بن الأشرف. {يخربون} قرأ أبو عمرو: بالتشديد والآخرون بالتخفيف ومعناهما واحد {بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} قال الزهري: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالحهم على أن لهم ما أقلت الإبل كانوا ينظرون إلى الخشب في منازلهم فيهدمونها وينزعون منها ما يستحسنونه فيحملونه على إبلهم، ويخرب المؤمنون باقيها قال ابن زيد: كانوا يقلعون العمد وينقضون السقوف وينقبون الجدران ويقلعون الخشب حتى الأوتاد يخربونها لئلا يسكنها المؤمنون حسدا منهم وبغضا . قال قتادة: كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها ويخربها اليهود من داخلها . قال ابن عباس رضي الله عنهما: كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها لتتسع لهم المقاتل، وجعل أعداء الله ينقبون دورهم في أدبارها فيخرجون إلى التي بعدها فيتحصنون فيها ويكسرون ما يليهم، ويرمون بالتي خرجوا منها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك قوله عز وجل: {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا} فاتعظوا وانظروا فيما نزل بهم {يا أولي الأبصار} يا ذوي العقول والبصائر. {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار } {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء} الخروج من الوطن {لعذبهم في الدنيا} بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة {ولهم في الآخرة عذاب النار} {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين } {ذلك} الذي لحقهم {بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب}

Sección V08/P070–V08/P071

{ما قطعتم من لينة} الآية. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل ببني النضير وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها فجزع أعداء الله عند ذلك وقالوا: يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح! أفمن الصلاح عقر الشجر وقطع النخيل؟ فهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض؟ فوجد المسلمون في أنفسهم [من قولهم وخشوا] أن يكون ذلك فسادا واختلفوا في ذلك فقال بعضهم: لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا. وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعها فأنزل الله هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإثم. أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر قال: حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقطع البويرة فنزلت {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} أخبر الله في هذه الآية أن ما قطعوه وما تركوه فبإذن الله {وليخزي الفاسقين} واختلفوا في "اللينة" فقال قوم: النخل كلها لينة ما خلا العجوة [وهو قول عكرمة وقتادة ورواه زاذان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع نخلهم إلا العجوة] وأهل المدينة يسمون ما خلا العجوة من التمرة: الألوان واحدها لون ولينة. وقال الزهري: هي ألوان النخل كلها إلا العجوة والبرنية. وقال مجاهد وعطية: هي النخل كلها من غير استثناء. وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهم: هي لون من النخل. وقال سفيان: هي كرام النخل. وقال مقاتل هي ضرب من النخل 158/أيقال لثمرها اللون وهو شديد الصفرة يرى نواه من خارج يغيب فيها الضرس وكان من أجود تمرهم وأعجبها إليهم وكانت النخلة الواحدة منها ثمنها ثمن وصيف وأحب إليهم من وصيف فلما رأوهم يقطعونها شق ذلك عليهم وقالوا للمؤمنين إنكم تكرهون الفساد في الأرض وأنتم تفسدون دعوا هذا النخل [قائما هو لمن غلب عليها] فأخبر الله تعالى أن ذلك بإذنه. {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب } {وما أفاء الله على رسوله} أي رده على رسوله. يقال: أفاء يفيء أي رجع، وأفاء الله {منهم} أي من يهود بني النضير {فما أوجفتم} أوضعتم {عليه من خيل ولا ركاب} يقال: وجف الفرس والبعير يجف وجيفا وهو سرعة السير، وأوجفه صاحبه إذا حمله على السير، وأراد بالركاب الإبل التي تحمل القوم. وذلك أن بني النضير لما تركوا رباعهم وضياعهم طلب المسلمون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسمها بينهم، كما فعل بغنائم خيبر، فبين الله تعالى في هذه الآية أنها فيء لم يوجف المسلمون عليها خيلا ولا ركابا ولم يقطعوا إليها شقة ولا نالوا مشقة ولم يلقوا حربا، {ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير} فجعل أموال بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث ابن الصمة .

Preguntas