Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V01/P445

وفي الباب حديث أبي هريرة المذكور في الكتاب : إذا لبستم وإذا توضأتم فابدأوا بأيامنكم وثبت الابتداء في الوضوء باليمين من رواية عثمان وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم رضي الله عنهم ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا نزع بدأ بالشمال لتكون اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تنزع رواه البخاري ومسلم وعن أنس رضي الله عنه أنه قال : من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى رواه الحاكم في المستدرك في أوائل باب صفة الصلاة وقال : هو حديث صحيح على شرط مسلم . فرع : إنما يستحب تقديم اليمين في الوضوء في اليدين والرجلين وأما الكفان والخدان والأذنان فالسنة تطهيرهما معا فإن كان أقطع قدم اليمنى والله أعلم .

Section V01/P445–V01/P447

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجب إدخال المرفقين في الغسل لما روى جابر رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أمر الماء على مرفقيه . + الشرح : هذا الحديث رواه البيهقي وإسناده ضعيف ولفظه : أدار الماء على مرفقيه وهذا الذي ذكره المصنف من وجوب غسل المرفقين هو مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا ما حكاه أصحابنا عن زفر وأبي بكر بن داود أنهما قالا : لا يجب غسل المرفقين والكعبين ، واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : وأيديكم إلى المرافق فذكر ابن قتيبة والأزهري وآخرون من أهل اللغة والفقهاء في كيفية الاستدلال بالآية كلاما مختصره أن جماعة من أهل اللغة منهم أبو العباس ثعلب وآخرون قالوا : ( إلى ) بمعنى مع ، وقال أبو العباس المبرد وأبو إسحاق الزجاج وآخرون : ( إلى ) للغاية ، وهذا هو الأصح الأشهر فإن كانت بمعنى مع فدخول المرفق ظاهر ، وإنما لم يدخل العضد للإجماع . وإن كانت للغاية فالحد يدخل إذا كان التحديد شاملا للحد والمحدود كقولك : قطعت أصابعه من الخنصر إلى المسبحة ، أو بعتك هذه الأشجار من هذه إلى هذه ، فإن الأصبعين والشجرتين داخلان في القطع والبيع بلا شك لشمول اللفظ ، ويكون المراد بالتحديد في مثل هذا : إخراج ما وراء الحد مع بقاء الحد داخلا ، فكذا هنا اسم اليد شامل من أطراف الأصابع إلى الإبط ، ففائدة التحديد بالمرافق مع بقاء المرفق . ومما يستدل به حديث أبي هريرة رضي الله عنه : أنه توضأ فغسل يديه حتى أشرع في العضدين وغسل رجليه حتى أشرع في الساقين ، ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ رواه مسلم فثبت غسله صلى الله عليه وسلم المرفقين ، وفعله بيان للوضوء المأمور به ولم ينقل تركه ذلك والله أعلم . والمرفق بكسر الميم وفتح الفاء وعكسه لغتان مشهورتان الأولى أفصحهما ، وهو مجتمع العظمين المتداخلين وهما طرفا عظم العضد وطرف عظم الذراع ، وهو الموضع الذي يتكىء عليه المتكيء إذا ألقم راحته رأسه واتكأ على ذراعه ، هذا معنى ما ذكره الأزهري في ضبط المرفق والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن طالت أظافيره وخرجت عن رؤوس الأصابع ففيه طريقان قال أبو علي بن خيران يجب غسلها قولا واحدا لأن ذلك نادر ، ومن أصحابنا من قال : فيه قولان كاللحية المسترسلة . + الشرح : هذان الطريقان مشهوران الصحيح منهما القطع بالوجوب حكاه القاضي أبو الطيب عن أبي علي بن أبي هريرة أيضا وصححه الجرجاني والروياني والشاشي وآخرون وقطع به البغوي و غيره ، وفرقوا بينه وبين اللحية بأن هذا نادر ، ولأنه لا مشقة في غسله ولأنه مقصر بترك تقليم الأظفار واللحية تخالفه في كل هذا فلو كان على طرف ظفره الخارج شمع ونحوه فإن لم نوجب غسله صح وضوؤه وإلا فلا ، والأظافير والأظفار جمع ظفر ، وتقدم بيانه في باب السواك واللحية المسترسلة بكسر السين الثانية ، وابن خيران تقدم بيان اسمه وحاله في باب الماء المستعمل والله أعلم .

Section V01/P447–V01/P449

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان له أصبع زائدة أو كف زائدة لزمه غسلها لأنه في محل الفرض فإن كانت له يدان متساويتان على منكب أو مرفق لزمه غسلهما لوقوع اسم اليد عليهما ، وإن كانت إحداهما تامة والأخرى ناقصة فالتامة هي الأصلية وينظر في الناقصة فإن خلقت على محل الفرض لزمه غسلها ، كالأصبع الزائدة ، وإن خلقت على العضد ولم تحاذ محل الفرض لم يلزمه غسلها ، وإن حاذت بعض محل الفرض لزمه غسل ما حاذى منها محل الفرض . + الشرح : في الأصبع عشر لغات تقدمت في باب السواك ، والكف مؤنثة في اللغة المشهورة وحكى تذكيرها ، سميت كفا لأنه يكف بها عن سائر البدن ، وقيل : لأن بها يضم ويجمع ، والمنكب مجتمع ما بين العضد والكتف وجمعه مناكب ، والعضد بفتح العين وضم الضاد ويقال بإسكان الضاد مع فتح العين وضمها ثلاث لغات ، الأولى أفصح وأشهر . أما حكم المسألة : فإذا كان له أصبع أو كف زائدة وجب غسلها بلا خلاف لما ذكره ، وإن كان له يدان متساويتان في البطش والخلقة وجب غسلهما أيضا بلا خلاف لوقوع اسم اليد ، وإن كانت إحداهما تامة والأخرى ناقصة فالتامة هي الأصلية فيجب غسلها ، وأما الناقصة فإن خلقت في محل الفرض وجب غسلها أيضا بلا خلاف كالأصبع الزائدة . قال الرافعي وغيره : وسواء جاوز طولها الأصلية أم لا . قال : ومن الأمارات المميزة للزائدة أن تكون فاحشة القصر ، والأخرى معتدلة ، ومنها فقد البطش وضعفه ونقص الأصابع . وإن خلقت الناقصة على العضد ولم يحاذ شيء منها محل الفرض لم يجب غسلها بلا خلاف ، وإن حاذته وجب غسل المحاذي على المذهب الصحيح الذي نص عليه الشافعي وقطع به الأكثرون ، منهم الشيخ أبو حامد والمحاملي وإمام الحرمين والغزالي والبغوي وصاحب العدة وآخرون . ونقل إمام الحرمين عن العراقيين وغيرهم أنهم نقلوا ذلك عن نص الشافعي ثم قال : المسألة محتملة جدا ولكني لم أر فيها إلا نقلهم النص ، هذا كلام الإمام . ونقل جماعات في وجوب غسل المحاذي وجهين منهم الماوردي وابن الصباغ والمتولي والشاشي والروياني وصاحب البيان وغيرهم قال الرافعي : قال كثيرون من المعتبرين : لا يجب ، لأنها ليست أصلا ولا نابتة في محل الفرض ، فتجعل تبعا ، وحملوا النص على ما إذا لصق شيء منها بمحل الفرض . قال إمام الحرمين : ولو نبتت سلعة في العضد وتدلت إلى الساعد لم يجب غسل شيء منها بلا خلاف إذا تدلت ولم تلتصق والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن من له يدان متساويتان يلزمه غسلهما ، ولو سرق هذا الشخص قطعت إحداهما فقط ، هذا هو الصحيح الذي قطع به الجمهور ، ممن قطع به القاضي أبو الطيب والروياني والشيخ نصر المقدسي في كتاب الانتخاب ، وذكروه في هذا الموضع وقطع به أيضا البغوي في كتاب السرقة ونقله القاضي أبو الطيب والشيخ نصر عن نص الشافعي ، قال البغوي : تقطع إحداهما ثم إذا سرق ثانيا قطعت الأخرى ، وأما قول الغزالي في كتاب السرقة قال الأصحاب : نقطعهما جميعا فغير موافق عليه بل أنكروه عليه وردوه ، والصواب الاكتفاء بإحداهما ، وفرق القاضي أبو الطيب والأصحاب بينه وبين الوضوء بأن الوضوء عبادة مبنية على الاحتياط ، وأما الحد فمبني على الدرء والإسقاط والله أعلم .

Section V01/P449–V01/P450

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن تقلع جلد من الذراع وتدلى منها لزمه غسله لأنه في محل الفرض وإن تقلع من الذراع وبلغ التقلع إلى العضد ثم تدلى لم يلزمه غسله لأنه صار من العضد ، وإن تقلع من العضد وتدلى منه لم يلزمه غسله ، لأنه ( جلد ) تدلى من غير محل الفرض ، وإن تقلع من العضد وبلغ التقلع إلى الذراع ثم تدلى ( منه ) لزمه غسله لأنه صار من الذراع ، وإن تقلع من أحدهما والتحم بالآخر لزمه غسل ما حاذى منه محل الفرض لأنه بمنزلة الجلد الذي على الذراع إلى العضد ، فإن كان متجافيا عن ذراعه لزمه غسل ما تحته . + الشرح : هذه المسائل التي ذكرها واضحة وحاصلها أن الاعتبار في الجلد المتقلع بالمحل الذي انتهى التقلع إليه وتدلى منه فيعتبر المنتهي ولا ينظر إلى الموضع الذي تقلع منه ، وهكذا ذكر هذه الصورة أصحابنا العراقيون والبغوي وأشار المحاملي في كتابيه إلى أن الشافعي نص عليه في حرملة صرح البندنيجي بأن الشافعي نص عليه في حرملة كما ذكره المصنف بحروفه ، ونقله إمام الحرمين عن العراقيين ، ثم قال : وهذا غلط بل الصواب أنه يعتبر بأصله فيجب غسل جلدة الساعد المتدلية من العضد ولا يجب غسل جلدة العضد المتدلية من الساعد إذا لم تلتصق به ، وبهذا قطع الماوردي وصححه المتولي والمختار الأول . ثم حيث أوجبنا غسل المتقلعة وجب غسل ظاهرها وباطنها وعسل ما تقلعت عنه وظهر من محل الفرض ، وقوله : ( فإن بلغ التقلع إلى العضد ثم تدلى منه لم يلزم غسله ) يعني سواء حاذى محل الفرض أم لا ، بخلاف ما سبق في اليد المتدلية من العضد المحاذية لمحل الفرض ، فإنه يجب غسل المحاذي منها على الصحيح لأن اسم اليد يقع عليها بخلاف الجلدة . كذا فرق الشيخ أبو حامد وآخرون . وقوله : فإن كان متجافيا لزمه غسل ما تحته كذا قاله الأصحاب واتفقوا عليه وفرقوا بينه وبين اللحية الكثيفة فإنه لا يجب غسل ما تحتها بأن هذا نادر فلا يسقط ما تحته كلحية المرأة ، قال البغوي : ولو التصقت جلدة العضد بالساعد واستتر ما تحتها من الساعد فغسلها ثم زالت الجلدة لزمه غسل ما ظهر من تحتها لأن الاقتصار على ظاهرها كان للضرورة وقد زالت بخلاف ما لو غسل لحيته ثم حلقت لا يلزمه غسل ما كان تحتها لأن غسل باطنها كان ممكنا ، وإنما كان عليه غسل الظاهر وقد فعله والله أعلم .

Section V01/P450–V01/P451

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان أقطع اليد ولم يبق من محل الفرض شيء فلا فرض عليه ، والمستحب أن يمس ما بقي من اليد ماء حتى لا يخلو العضو من الطهارة . + الشرح : قوله : يمس هو بضم الياء وكسر الميم ، وقوله : لا فرض عليه هذا متفق عليه وكذا اتفقوا على استحباب إمساسه الماء وروى محمد بن جرير في كتابه اختلاف الفقهاء نحوه عن ابن عباس ، ثم هذا الاستحباب ثابت من أي موضع قطعت فوق محل الفرض ، حتى لو قطعت من المنكب استحب أن يمس موضع القطع ماء بلا خلاف ، نص عليه الشافعي رحمه الله في الأم ، وذكره الشيخ أبو حامد والبندنيجي وآخرون . واختلف أصحابنا في تعليل أصل هذا الإمساس فقال جماعة : حتى لا يخلو العضد من طهارة كما ذكره المصنف ، وقال الغزالي و البغوي وآخرون : يستحب ذلك إطالة للغرة أي التحجيل ، وقال القاضي أبو الطيب : نص الشافعي على استحبابه فقال أبو إسحاق المروزي : لئلا يخلو العضو من طهارته وقال الأكثرون : استحبه لأنه موضع الحلية والتحجيل . وأما قول المصنف : يمس ما بقي ماء فكذا عبارة الأكثرين والمراد بالإمساس غسل باقي اليد ، هكذا صرح به الغزالي في الوجيز والروياني في البحر والرافعي وغيرهم . فإن قيل إنما كان غسل ما فوق المرفق مستحبا تبعا للذراع وقد زال المتبوع فينبغي ألا يشرع التابع كمن فاته صلوات في زمن الجنون والحيض فإنه لا يقضي النوافل الراتبة التابعة للفرائض كما لا يقضي الفرائض . فالجواب ما أجاب به الشيخ أبو محمد الجويني وغيره أن سقوط القضاء عن المجنون رخصة مع إمكانه ، فإذا سقط الأصل مع إمكانه فالتابع أولى ، وأما سقوط غسل الذراع هنا فلتعذره ، والتعذر مختص بالذراع فبقي العضد على ما كان من الاستحباب ، وصار كالمحرم الذي لا شعر على رأسه يستحب إمرار الموسى على رأسه والله أعلم . وقول المصنف : وإن كان أقطع اليد ولم يبق من محل الفرض شيء فلا فرض عليه فيه احتراز مما إذا بقي من محل الفرض شيء فإنه يجب غسله بلا خلاف لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم رواه البخاري ومسلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن لم يقدر الأقطع على الوضوء ووجد من يوضئه بأجرة المثل ، لزمه كما يلزمه شراء الماء بثمن المثل ، فإن لم يجد صلى وأعاد كما لو لم يجد ماء ولا ترابا . + الشرح : إذا لم يقدر على الوضوء لزمه تحصيل من يوضئه إما متبرعا وإما بأجرة المثل إذا وجدها ، وهذا لا خلاف فيه فإن لم يجد الأجرة أو وجدها ولم يجد من يستأجره أو وجد فلم يقنع بأجرة المثل صلى على حسب حاله وأعاد ، كما يصلي ويعيد من لم يجد ماء ولا ترابا ، فالصلاة لحرمة الوقت والإعادة لاختلال الصلاة بسبب نادر . هذا إذا لم يقدر الأقطع على التيمم ، فإن قدر لزمه أن يتيمم ويصلي ويعيد لأنه عذر نادر ، هذا الذي ذكرناه من وجوب التيمم هو الصواب الذي نص عليه الشافعي وقطع به الأصحاب ، وشذ صاحب البيان فقال في باب التيمم : لا يلزمه التيمم بل يصلي بحاله وإن أمكنه التيمم ، وهذا شاذ منكر وسنعيد المسألة إن شاء الله تعالى في باب التيمم واضحة مبسوطة ، واتفق الأصحاب على أنه لو وجد من يوضئه متبرعا لزمه القبول إذ لا منة . والشراء يمد ويقصر لغتان فإذا مد كتب بالألف وإذا قصر كتب بالياء والله أعلم .

Section V01/P451–V01/P453

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن توضأ ثم قطعت يده لم يلزمه غسل ما ظهر بالقطع من الحدث وكذا لو مسح شعر رأسه ثم حلقه لم يلزمه مسح ما ظهر ، لأن ذلك ليس ببدل عما تحته فلم يلزمه بظهوره طهارة كما لو غسل يده ثم كشط جلده ، فإن أحدث بعد ذلك لزمه غسل ما ظهر بالقطع لأنه صار ظاهرا ، وإن حصل في يده ثقب لزمه غسل باطنه لأنه صار ظاهرا . + الشرح : اتفق أصحابنا على أن من توضأ ثم قطعت يده من محل الفرض أو رجله أو حلق رأسه أو كشطت جلدة من وجهه أو يده لم يلزمه غسل ما ظهر ولا مسحه ما دام على تلك الطهارة ، وهذا لا خلاف فيه عندنا ، ونقله ابن الصباغ عن نص الشافعي رحمه الله في البويطي ، وكذا رأيته أنا في البويطي وهو قول جمهور السلف وحكي عن مجاهد والحكم وحماد وعبد العزيز من أصحاب مالك ومحمد بن جرير الطبري أنهم أوجبوا طهارة ذلك العضو . ووقع في النهاية والوسيط في هذه المسألة غلط فقالا : لا يلزمه غسل ذلك خلافا لابن خيران ، قال في النهاية : نقله العراقيون عن ابن خيران فيقتضي هذا أن يكون وجها في المذهب ، فإن أبا علي بن خيران من كبار أصحابنا أصحاب الوجوه ومتقدميهم في العصر والمرتبة ، ولكن هذا غلط وتصحيف ، وقد اتفق المتأخرون على أن هذا غلط وتصحيف ، وأن صوابه : ( خلافا لابن جرير ) بالجيم وهو إمام مستقل لا يعد قوله وجها في مذهبنا ، وقد نقله أصحابنا العراقيون والخراسانيون أجمعون ، والغزالي أيضا في البسيط عن ابن جرير والله أعلم . وقوله : لم يلزمه غسل ما ظهر بالقطع من الحدث ، احتراز من النجس فإنه يجب غسل المقطع من النجاسة إن كانت ، فإن خاف من غسله فهي مسألة من على قرحه دم يخاف من غسله فيصلي بحاله ويلزمه الإعادة في الجديد إن كان دما كثيرا بحيث لا يعفى عنه . وقوله : لأن ذلك ليس ببدل عما تحته فيه إشارة إلى الفرق بينه وبين الخف وقوله : إن أحدث بعد ذلك لزمه غسل ما ظهر ، كذا قاله أصحابنا واتفقوا عليه وقد ذكر في فصل غسل الوجه في مسائل الفرع وجهين فيما لو تطهر ثم قطع أنفه أو شفته هل يلزمه غسل ما ظهر وقوله : وإن حصل في يده ثقب لزمه غسل باطنه ، هذا متفق عليه ويقال : ثقب وثقب بفتح الثاء وضمها لغتان ذكرهما الفارابي في ديوان الأدب أشهرهما الفتح والله أعلم . فرع : في مسائل تتعلق بغسل اليد . إحداها : قال أبو القاسم الصيمري وصاحبه الماوردي في الحاوي : يستحب أن يبدأ في غسل يديه من أطراف أصابعه فيجري الماء على يده ويدير كفه الأخرى عليها مجريا للماء بها إلى مرفقه ولا يكتفي بجريان الماء بطبعه فإن صب عليه غيره بدأ بالصب من مرفقه إلى أطراف الأصابع ويقف الصاب عن يساره . الثانية : قال أصحابنا : إذا كان في أصبعه خاتم فلم يصل الماء إلى ما تحته وجب إيصال الماء إلى ما تحته بتحريكه أو خلعه وإن تحقق وصوله استحب تحريكه وروى البيهقي فيه حديثا أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا توضأ حرك خاتمه لكنه ضعيف قال البيهقي : والاعتماد على الأثر فيه عن علي وغيره ، ثم روى عن علي وابن عمر رضي الله عنهم أنهما كانا إذا توضآ حركا الخاتم . الثالثة : يستحب دلك اليدين وقد سبق بيانه في غسل الوجه ويستحب تخليل أصابعهما وسنوضحه في مسألة تخليل الرجلين إن شاء الله تعالى . ولو كان على يده شعر كثيف لزمه غسله مع البشرة تحته لندوره ، وقد سبق بيانه في فصل الوجه .

Section V01/P453–V01/P454

الرابعة : إذا قطعت يده فله ثلاثة أحوال ذكرها الشافعي رحمه الله في الأم والأصحاب أحدها : تقطع من تحت المرفق فيجب غسل باقي محل الفرض بلا خلاف ، والثاني : يقطع فوق المرفق فلا فرض عليه ويستحب غسل الباقي كما سبق الثالث : يقطع من نفس المرفق بأن يغسل الذراع ويبقى العظمان ، فنقل الربيع في الأم أنه يجب غسل ما بقي من المرفق وهو العظمان ، ونقل المزني في المختصر أنه لا يجب ، وحكي عن القديم أنه لا يجب . واختلف الأصحاب فيه على طريقين أحدهما : يجب غسله قولا واحدا وبهذا قطع الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وباقي العراقيين أو أكثرهم ، قالوا : وغلط المزني في النقل وكان صوابه أن يقول : قطع من فوق المرفق ، فأسقط لفظة فوق والطريق الثاني : فيه قولان وهذا مشهور عند الخراسانيين ، وقطع به المتولي والغزالي في الوجيز ، أصح القولين وجوبه واختلفوا في أصل القولين فقيل : هما مبنيان على أن غسل العظمين المحيطين بإبرة الذراع كان قبل القطع تبعا للإبرة أم مقصودا وفيه قولان ، فإن قلنا : تبعا لم يجب وإلا وجب ، وقيل : مبنيان على أن حقيقته المرفق ماذا ففي قول هو إبرة الذراع الداخلة بين ذينك العظمين ، وفي قول هو الإبرة مع العظمين ، فعلى الأول لا يجب ، وعلى الثاني يجب والله أعلم .

Section V01/P454–V01/P455

قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم يمسح برأسه وهو فرض لقوله تعالى : وامسحوا برؤوسكم والرأس ما اشتمل عليه منابت الشعر المعتاد والنزعتان منه ، لأنه في سمت الناصية والصدغ من الرأس ، لأنه من منابت شعره . + الشرح : يقال : مسح برأسه ومسح رأسه والنزعتان بفتح النون والزاي هذه اللغة الفصيحة المشهورة ، وحكيت لغية بإسكان الزاي ، وقد بسطت الكلام فيهما في تهذيب الأسماء واللغات . والنزعتان هما الموضعان المحيطان بالناصية في جانبي الجبينين اللذان ينحسر شعر الرأس عنهما في بعض الناس ، وأما الناصية فهي الشعر بين النزعتين ذكره القاضي أبو الطيب في تعليقه والشيخ نصر في الانتخاب ، وحكاه عن أهل اللغة قال ابن فارس : هي قصاص الشعر وجمعها نواص ، ويقال للناصية : ناصاة بلغة طيء كما يقولون للجارية جاراه ونحوه . أما حكم المسألة : فمسح الرأس واجب بالكتاب والسنة والإجماع ، وقوله : ( والرأس ما اشتملت عليه منابت الشعر المعتاد ) هكذا قاله أصحابنا ، وقوله : والنزعتان منه هذا مذهبنا نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب وبه قال جمهور العلماء ، وحكى الماوردي وغيره عن قوم من العلماء أنهم الوا : النزعتان من الوجه لذهاب الشعر عنهما واتصالهما بالوجه ، ودليلنا أنهم داخلتان في حد الرأس فكانتا منه وليس ذهاب الشعر مخرجا لهما عن حكم الرأس كما لو ذهب شعر ناصيته قال الماوردي : والعرب مجمعة على أن النزعة من الرأس ، وذلك ظاهر في شعرهم ، ونص الشافعي في الأم على استحباب غسل النزعتين مع الوجه ، ونقل النص عنه الشيخ أبو حامد والمحاملي وغيرهما قالوا : وإنما استحب ذلك للخروج من خلاف من أوجب غسلهما مع الوجه ، والله أعلم . وأما الصدغ فهو بالصاد ويقال بالسين لغتان الصاد أشهر وهو المحاذي لرأس الأذن نازلا إلى أول العذار ، هكذا ضبطه صاحب البحر وآخرون . وقال الشيخ أبو حامد : هو المحاذي لرأس الأذن وموضع التحذيف قال : وربما تركه بعض الناس عند الحلق قال : وينبغي ألا يترك . واختلف أصحابنا فيه فقطع المصنف والأكثرون بأن الصدغ من الرأس ، ممن قطع بذلك الشيخ أبو حامد والبندنيجي والمحاملي وسليم الرازي في الكفاية والقاضي حسين وابن الصباغ والشيخ نصر والبغوي وآخرون ، وحكى الماوردي فيه ثلاثة أوجه أحدها : من الرأس والثاني : من الوجه والثالث : هو قول أبي الفياض وجمهور البصريين أن ما استعلى على الأذنين منه فهو من الرأس ، وما انحدر عنهما فمن الوجه ، قال الروياني : هذا الثالث هو الصحيح وقال صاحب المستظهري : هذا الثالث ظاهر الفساد . وأنكر الشيخ أبو عمرو على الجمهور كونهم قطعوا بأنه من الرأس وقال : الذي رأيته منصوصا صريحا للشافعي في مختصر الربيع ومختصر البويطي أن الصدغ من الوجه . ثم ذكر كلام الماوردي والروياني ثم قال : والمذهب ما نقلته عن النص وكأن من خالفه لم يطلع عليه إلا السرخسي صاحب الأمالي فاطلع عليه وتأوله ، وقال : أراد بالصدغ العذار وهذا متروك عليه ، هذا كلام أبي عمرو . وقد قال أبو العباس ابن سريج في كتابه الأقسام وابن القاص في التلخيص والقفال في شرح التلخيص : الصدغان من الوجه لكن ظاهر كلامهم أنهم أرادوا بالصدغ العذار . فإن ابن القاص قال : وإذا لم يصل الماء بشرة وجهه أجزأه إن كان شعره كثيرا إلا في أربعة مواضع : الحاجبين والشاربين والعنفقة ومواضع الصدغين . هذا لفظ ابن القاص ولفظ القفال مثله ، وزاد القفال بيانا فقال في أحد تعليلي ذلك : لأن الوجه أحاط بالصدغين من وجهين لأن البياض الذي وراء الصدغ إلى الأذن من الوجه ، وهذا تصريح بأن مرادهم بالصدغ العذار ، فبهذا علل الأصحاب غسل العذار في أحد التعليلين كما سبق .

Section V01/P455–V01/P456

وأما نص الشافعي في البويطي فمحتمل أنه أراد بالصدغ العذار كما قال السرخسي ، وكذا تأوله البندنيجي فإن الشافعي قال : وإذا غسل الأمرد وجهه غسله كله ولحيته وصدغيه إلى أصول أذنيه ، وإذا غسل الملتحي وجهه غسل ما أقبل من شعر اللحية إلى وجهه وأمر الماء على الصدغ وما خلف الصدغ إلى الأذن ، فإن ترك من هذا شيئا أعاد . هذا نصه بحروفه ومن مختصر الربيع والبويطي نقلته ، ونقل الروياني في البحر نصه في البويطي بحروفه ثم قال : قال أصحابنا أراد بالصدغ هنا العذار قلت : وهذا تأويل صحيح وهو ظاهر ، ولعل سبب هذا الخلاف الاختلاف في تحقيق ضبط الصدغ وتحديده والله أعلم . وروى أبو داود بإسناد حسن عن الربيع بنت معوذ رضي الله عنها قالت : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فمسح رأسه ما أقبل منه وأدبر وصدغيه وأذنيه مرة واحدة ) .

Section V01/P456–V01/P457

قال المصنف رحمه الله تعالى : والواجب منه أن يمسح ما يقع عليه اسم المسح وإن قل ، وقال أبو العباس بن القاص : أقله ثلاث شعرات كما نقول في الحلق في الإحرام ، والمذهب أنه لا يتقدر لأن الله تعالى أمر بالمسح وذلك يقع على القليل والكثير . + الشرح : المشهور في مذهبنا الذي تظاهرت عليه نصوص الشافعي وقطع به جمهور الأصحاب في الطرق أن مسح الرأس لا يتقدر وجوبه بشيء ، بل يكفي فيه ما يمكن ، قال أصحابنا : حتى لو مسح بعض شعرة واحدة أجزأه ، هكذا صرح به الأصحاب ونقله إمام الحرمين عن الأئمة ، ويتصور المسح على بعض شعرة بأن يكون رأسه مطليا بحناء ونحوه بحيث لم يبق من الشعر ظاهرا إلا شعرة فأمر يده عليها على رأسه المطلي ، وقال ابن القاص وأبو الحسن بن خيران في كتابه اللطيف وهو غير أبي علي بن خيران : أقله مسح ثلاث شعرات ، وحكاه الماوردي عن أصحابنا البصريين قال : وعندي أن أقله أن يمسح بأقل شيء من أصبعه على أقل شيء من رأسه لأنه أقل ما يقتصر عليه في العرف وقال البغوي : ينبغي أن لا يجزي أقل من قدر الناصية ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمسح أقل منها ، وحكى هذا عن المزني ، وقول المصنف : كما نقول في الحلق في الإحرام يعني الحلق الذي هو نسك فإنه لا يحصل إلا بثلاث شعرات ، وكذا الحلق الذي هو حرام على المحرم لا تكمل الفدية فيه إلا بثلاث شعرات ، فقال جماعة على الحلق الأول ، وآخرون على الثاني ، وآخرون عليهما وكله صحيح ، والأول أجود والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء في أقل ما يجزي من مسح الرأس وقد ذكرنا أن المشهور من مذهبنا أنه ما يقع عليه الاسم وإن قل ، وحكاه ابن الصباغ عن ابن عمر رضي الله عنهما وحكاه أصحابنا عن الحسن البصري وسفيان الثوري وداود ، وعن أبي حنيفة ثلاث روايات أشهرها : ربع الرأس : والثانية : قدر ثلاث أصابع بثلاث أصابع ، والثالثة : قدر الناصية ، وعن أبي يوسف : نصف الرأس ، وعن مالك وأحمد والمزني : جميع الرأس على المشهور عنهم . وقال محمد بن سلمة من أصحاب مالك : إن ترك نحو ثلث الرأس جاز وهي رواية عن أحمد . واحتج لمن أوجب الجميع بقوله تعالى : وامسحوا المائدة : 6 قالوا والباء للإلصاق كقوله تعالى : وليطوفوا بالبيت العتيق الحج : 92 ولأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح الجميع وقياسا على التيمم في قوله تعالى : فامسحوا بوجوهكم المائدة : 6 ويجب فيه الاستيعاب . واحتج أصحابنا بأن المسح يقع على القليل والكثير ، وثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته ، فهذا يمنع وجوب الاستيعاب ويمنع التقدير بالربع والثلث والنصف فإن الناصية دون الربع فتعين أن الواجب ما يقع عليه الاسم والذي اعتمده إمام الحرمين في كتابه الأساليب في الخلاف أن المسح إذا أطلق فالمفهوم معه المسح من غير اشتراط للاستيعاب ، وانضم إليه أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح الناصية وحدها .

Section V01/P457–V01/P458

ولم يخص أحد الناصية ومنع جواز قدرها من موضع آخر ، فدل على جواز مطلق المسح ، وأما قولهم الباء للإلصاق فقال أصحابنا : لا نسلم أنها هنا للإلصاق بل هي للتبعيض ، ونقلوا ذلك عن بعض أهل العربية وقال جماعة منهم إذا دخلت الباء على فعل يتعدى على فعل يتعدى بنفسه كانت للتبعيض كقوله : وامسحوا برؤوسكم المائدة : 6 وإن لم يتعد فللالصاق كقوله تعالى : وليطوفوا بالبيت الحج : 92 قال أصحابنا : وعلى هذا يحصل الجمع بين الآية والأحاديث ، فيكون النبي صلى الله عليه وسلم مسح كل الرأس في معظم الأوقات بيانا لفضيلته ، واقتصر على البعض في وقت بيانا للجواز وأما قياسهم على التيمم فجوابه من وجهين أحدهما : أن السنة بينت أن المطلوب بالمسح في التيمم الاستيعاب وفي الرأس البعض الثاني : فرق الشافعي في مختصر المزني بينهما فقال : مسح الرأس أصل فاعتبر فيه حكم لفظه ، والتيمم بدل عن غسل الوجه فاعتبر فيه حكم مبدله . فإن قيل : هذا الفرق فاسد بالمسح على الخف فالجواب أن هذا التعليل يقتضي استيعاب الخف بالمسح لكن ترك ذلك لوجهين أحدهما : الإجماع على أنه لا يجب الثاني : أنه يفسد الخف مع أنه مبني على التخفيف ، ولهذا يجوز مع القدرة على غسل الرجل بخلاف التيمم والله أعلم . وأما قول ابن القاص ومن وافقه : أنه يشترط مسح ثلاث شعرات كالحلق في الإحرام فأجاب الأصحاب بأن المطلوب في الحلق الشعر ، وتقدير الآية : محلقين شعر رؤوسكم ، والشعر إما جمع كما يقوله أهل اللغة وإما اسم جنس كما يقوله أهل النحو والتصريف وهو الصحيح ، وأقل الجمع ثلاث بخلاف المسح فإنه غير منوط بالشعر ، واسم المسح يقع على القليل ، وهذا الفرق مشهور ، وممن ذكره بمعناه إمام الحرمين والمتولي واتفق الأصحاب على تضعيف قول ابن القاص قال إمام الحرمين : هو غلط ، لأن الاستيعاب قد سقط وبطل التقدير فتعين الاكتفاء بما يقع عليه الاسم ، قال الرافعي : وهل يختص قول ابن القاص بما إذا مسح الشعر أم يجزي في مسح البشرة ويشترط مسح قدر ثلاث شعرات في كلام النقلة ما يشعر بالاحتمالين ، والأول أظهر والله أعلم .

Section V01/P458–V01/P459

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يمسح جميع الرأس فيأخذ الماء بكفيه ثم يرسله ثم يلصق طرف سبابته بطرف سبابته الأخرى ثم يضعهما على مقدم رأسه ، ويضع إبهاميه على صدغيه ثم يذهب بهما إلى قفاه ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه لما روي أن عبد الله بن زيد رضي الله عنه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم : فمسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر ، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ولأن منابت شعر الرأس مختلفة ففي ذهابه يستقبل الشعر الذي على مقدم رأسه فيقع المسح على ظاهر الشعر ، فإذا رد يديه حصل المسح على ما لم يمسح عليه في ذهابه . + الشرح : حديث عبد الله بن زيد هذا رواه البخاري ومسلم بلفظه وفي الصحيحين زيادة بعد قوله : ثم ذهب بهما إلى قفاه ، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه وقد أخل المصنف بهذه الزيادة ولا بد منها . لأن بها يتم الاستدلال لمجموع ما ذكره . وعبد الله بن زيد هذا هو راوي حديث صلاة الاستسقاء وهو مذكور في المهذب هناك وفي أول باب الشك في الطلاق ، وهو عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني المدني ، وأمه أم عمارة الأنصارية ، شهد هو وأمه أحدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل بالحرة سنة ثلاثة وستين وهو ابن سبعين سنة ، وهو غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الأوسي صاحب الأذان ، وهما مشتركان في أن كل واحد منهما عبد الله بن زيد الأنصاري ، لكن يفترقان في الجد والقبيلة وقد أوضحتهما في تهذيب الأسماء . أما حكم المسألة : فاتفق الأصحاب على أنه يستحب مسح جميع الرأس لهذا الحديث وغيره وللخروج من خلاف العلماء ، وهذه الكيفية التي ذكرها المصنف متفق على استحبابها للحديث والمعنى الذي ذكره ، قال أصحابنا : والذهاب من مقدم الرأس إلى مؤخره والرجوع إلى مقدمه كلاهما يحسب مرة واحدة بخلاف السعي بين الصفا والمروة فإنه يحسب الذهاب من الصفا إلى المروة مرة ، والرجوع من المروة إلى الصفا مرة ثانية على المذهب الصحيح خلافا لأبي بكر الصيرفي وغيره والفرق ما أشار إليه المصنف وهو أن تمام المسحة الواحدة لا يحصل على جميع الشعر إلا بالذهاب والرجوع فإنه في رجوعه يمسح ما لم يمسحه في ذهابه ، بخلاف السعي فإن قطع المسافة بتمامها يحصل في ذهابه . قال أصحابنا : وإنما يستحب الرد لمن له شعر مسترسل ، أما من لا شعر أو حلق شعره وطلع منه يسير فلا يستحب له الرد لأنه لا فائدة فيه ، وممن صرح بهذا القفال والصيدلاني وإمام الحرمين والغزالي والمتولي والبغوي وصاحب العدة وغرهم . وكذلك يستحب الرد لمن له شعر كثير مضفور ، قاله القفال وإمام الحرمين والروياني وصاحب العدة قال القفال والبغوي وغيرهما : لو رد في الصورة التي لا يستحب فيها الرد لم يحسب رده مرة ثانية ، لأن البلل صار مستعملا لحصول مسح جميع الرأس ، قال إمام الحرمين : ولو مسح طرف رأسه ثم طرفا آخر لم يكن ذلك من التكرار ، وإنما هو محاولة للاستيعاب ، والاستيعاب سنة منفصلة عن التكرار ، ورد اليد من القفا إلى الناصية من الاستيعاب والله أعلم . فرع : قال الشافعي في مختصر المزني رحمهما الله : أحب أن يتحرى جميع رأسه وصدغيه ، هذا لفظه ، قال صاحب الحاوي وغيره : من جعل الصدغين من الرأس قال : قال الشافعي ذلك لاستيعاب الرأس ، ومن جعلهما من الوجه قال : قال الشافعي ذلك ليصير بالابتداء منهما محتاطا في استيفاء أجزاء الرأس ، فإنه إذا لم يفعل هكذا ترك جزءا من أول الرأس لا يمر المسح عليه والله أعلم .

Section V01/P459–V01/P460

فرع : إذا مسح جميع الرأس فوجهان مشهوران لأصحابنا في كتب الفقه وأصول الفقه ، أصحهما : أن الفرض منه ما يقع عليه الاسم والباقي سنة . والوجه الثاني : أن الجميع يقع فرضا ، فعلى هذا يكون حكمه حكم خصال كفارة اليمين ، فأي خصلة فعلها حكم بأنها الواجب ، ثم قال جماعة من أصحابنا : الوجهان فيمن مسح دفعة واحدة أما من مسح متعاقبا كما هو الغالب فما سوى الأول سنة قطعا ، والأكثرون أطلقوا الوجهين ولم يفرقوا ، ولهذه المسألة نظائر ، منها : إذا طول القيام في الصلاة أو الركوع أو السجود زيادة على قدر الواجب فهل الواجب الجميع أم القدر الذي لو اقتصر عليه أجزأه فيه الوجهان . ومثله لو أخرج بعيرا عن خمس من الإبل فهل الواجب منه الخمس أو الجميع فيه الوجهان ، وقد ذكر المصنف هذه المسألة في الزكاة ، ومثله لو نذر أن يهدي شاة أو يضحي بها فأهدى بدنة أو ضحى بها فأجزأه ، وهل الواجب جميعها أو سبعها والباقي تطوع فيه الوجهان ، وقد ذكرها المصنف في باب النذر ، والأصح أن الواجب القدر المجزىء ، وتظهر فائدة الوجهين في مسألة مسح الرأس وإطالة الركوع والسجود في تكثير الثواب ، فإن ثواب الواجب أكثر من ثواب النفل ، وتظهر فائدتهما في الزكاة في الرجوع إذا عجل الزكاة ثم جرى ما يقتضي الرجوع فإنه يرجع في الواجب لا في النفل . وفائدتهما في النذر أنه يجوز الأكل من الهدي والأضحية المتطوع بهما لا الواجب على الصحيح ، فهذا مختصر هذه المسائل وسنوضحها في أبوابها إن شاء الله تعالى ، قال صاحب التتمة في باب صفة الصلاة في فصل القراءة : أصل هذا الخلاف في هذه المسائل القولان في الوقص في الزكاة هل هو عفو أم يتعلق به الفرض والله أعلم . فرع : قول المصنف : طرف سبابته هي الأصبع التي تلي الإبهام لأنه يشار بها عند السب ، ومقدم هو بفتح القاف والدال المشددة فهذه أفصح اللغات التي فيه ، وهن ست وهي جاريات في المؤخر ، والإبهام بكسر الهمزة هي الأصبع العظمى وهي معرفة وهي مؤنثة ، قال ابن خروف في شرح الجمل : وتذكيرها لغة قليلة وجمعها أباهم على وزن أكابر ، وقال الجوهري : أباهيم بالياء ، والقفا مقصور والله أعلم .

Section V01/P460–V01/P462

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن كان عليه شعر فمسح الشعر أجزأه وإن مسح البشرة أجزأه لأن الجميع يسمى رأسا . + الشرح : هذا الذي قطع به من التخيير بين مسح الشعر والبشرة هو الصحيح المشهور ، وبه قطع الجمهور منهم القاضي حسين والفوراني وإمام الحرمين والغزالي في البسيط والمتولي والبغوي والشاشي في المعتمد وآخرون ، قال صاحب البيان : هو قول أكثر أصحابنا ، وقال آخرون منهم الشيخ أبو حامد والنبدنيجي والمحاملي والجرجاني وصاحب العدة : إن كان على بعض رأسه شعر ولا شعر على بعضه تخير بين مسح الشعر والبشرة ، وإن كان على رأسه شعر تعين مسحه ولا تجزىء البشرة لأن الفرض انتقل إلى الشعر فلم يجز المسح على البشرة تحته كما لو غسل بشرة اللحية الكثيفة وترك شعرها فإنه لا يجزئه ، كذا قطع به الأصحاب في الطريق ، وحكى السرخسي وجها أنه يجزئه في اللحية ، وليس بشيء . وفرق المتولي وغيره بين مسح الرأس واللحية ، فإن الواجب غسل الوجه وهو ما يحصل به المواجهة وهي تحصل بالشعر دون البشرة ، وأما الرأس فهو ما ترأس وعلا والبشرة عالية ولأن أهل اللسان والعرف يعدون ماسح بشرة الرأس ماسحا على الرأس فحصل في المسألتين أوجه أحدها : تجزئه البشرة في الموضعين والثاني : لا والثالث وهو المذهب : تجزئه في الرأس دون اللحية والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان له ذؤابة قد نزلت عن الرأس فمسح النازل منها على الرأس لم يجزئه لأنه لا يقع عليه اسم الرأس ، وإن كان له شعر مسترسل عن منبته ولم ينزل عن محل الفرض فمسح أطرافه أجزأه لأن اسم الرأس يتناوله ، ومن أصحابنا من قال : لا يجزئه لأنه مسح على شعر في غير منبته فهو كطرف الذؤابة وليس بشيء . + الشرح : الذؤابة بضم الذال وبعدها همزة وهي الشعر المضفور إلى جهة القفا ، وجمعها ذوائب وإذا مسح على شعر نازل عن محل الفرض لم يجزئه ، نص عليه الشافعي رحمه الله في الأم ، واتفق عليه الأصحاب ، وقد ذكر المصنف دليله ، ولو عقص أطراف شعره المسترسل الخارج عن محل الفرض وشده في وسط رأسه ومسحه لم يجزئه ، نص عليه في الأم واتفقوا عليه فإن قيل : ما الفرق بينه وبين التقصير في الحج فإنه يجوز من الشعر النازل عن محل الفرض فالجواب ما أجاب به الشيخ أبو حامد في آخر مسألة اللحية المسترسلة وقاله غيره من أصحابنا أن الفرض في المسح متعلق بالرأس ، والرأس ما ترأس وعلا ، وما نزل عن محل الفرض لا يسمى رأسا ، والفرض في الحلق والتقصير متعلق بالشعر بدليل أنه لو لم يكن على رأسه شعر سقط عنه الفرض بخلاف المسح ، وإذا كان الفرض متعلقا بالشعر فهو وإن طال يسمى شعر الرأس . أما إذا مسح على شعر مسترسل خرج عن منبته ولم يخرج عن محل الفرض فوجهان ، والصحيح منهما باتفاق الأصحاب أنه يجزئه ، والثاني : لا يجزئه ، وهو ظاهر نصه في الأم فإنه قال : لو مسح بشيء من الشعر على منابت الرأس قد أزيل عن منبته لم يجزئه ، لأنه شعر على غير منبته فهو كالعمامة ، هذا نصه ، وتأوله الشيخ أبو حامد والمحاملي على ما إذا كان الشعر مسترسلا خارجا عن محل الفرض فعقصه في وسط رأسه وهذا تأويل ظاهر . واعلم أن مسألة الوجهين في شعر خرج عن منبته ولكن بحيث لو مد لم يخرج عن محل الفرض فإن كان متجعدا بحيث لو مد موضع المسح لخرج عن محل الفرض فقال الجمهور : لا يجوز المسح عليه وجها واحدا ، ممن قطع بذلك أبو محمد الجويني في الفروق وولده إمام الحرمين والغزالي والمتولي وجماعات وحكى القاضي حسين فيه وجها وهو شاذ ضعيف فإنه كمسألة المعقوص في وسط الرأس والله أعلم .

Section V01/P462–V01/P465

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان على رأسه عمامة ولم يرد نزعها مسح بناصيته والمستحب أن يتم المسح بالعمامة لما روى المغيرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته ، فإن اقتصر على مسح العمامة لم يجزئه لأنها ليست برأس ، ولأنه عضو لا يلحق المشقة في إيصال الماء إليه فلا يجوز المسح على حائل منفصل عنه كالوجه واليد . + الشرح : حديث المغيرة رواه مسلم في صحيحه ، وتقدم بيان حال المغيرة في أول هذا الباب ، وقول المصنف : لأنه عضو لا يلحق المشقة في إيصال الماء إليه فيه احتراز من الجبيرة على كسر وقوله : حائل منفصل احتراز من مسح شعر الرأس ، والعضو بضم العين وكسرها لغتان . فأما حكم المسألة : فقال أصحابنا : إذا كان عليه عمامة ولم يرد نزعها لعذر ولغير عذر مسح الناصية كلها ويستحب أن يتم المسح على العمامة سواء لبسها على طهارة أو حدث ، ولو كان على رأسه قلنسوة ولم يرد نزعها فهي كالعمامة فيمسح بناصيته ، ويستحب أن يتم المسح عليها صرح به أبو العباس الجرجاني في التحرير ، هكذا حكم ما على رأس المرأة ، وأما إذا اقتصر على مسح العمامة ولم يمسح شيئا من رأسه فلا يجزيه بلا خلاف عندنا ، وهو مذهب أكثر العلماء كذا حكاه الخطابي والماوردي عن أكثر العلماء ، وحكاه ابن المنذر عن عروة بن الزبير والشعبي والنخعي والقاسم ومالك وأصحاب الرأي وحكاه غيره عن علي بن أبي طالب وابن عمر وجابر رضي الله عنهم ، وقالت طائفة : يجوز الاقتصار على العمامة قال سفيان الثوري والأوزاعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق ومحمد بن جرير وداود ، قال ابن المنذر : ممن مسح على العمامة أبو بكر الصديق وبه قال عمرو وأنس بن مالك وأبو أمامة ، وروى عن سعد بن أبي وقاص وأبي الدرداء وعمر بن عبد العزيز ومكحول والحسن وقتادة والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، ثم شرط بعض هؤلاء لبسها على طهارة وشرط بعضهم كونها محنكة أي بعضها تحت الحنك ، ولم يشترط بعضهم شيئا من ذلك . واحتج لمن جوز ذلك بحديث بلال رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والخمار رواه مسلم . وعن عمرو بن أمية قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على عمامته وخفيه رواه البخاري ، وعن ثوبان قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين رواه أبو داود بإسناد صحيح ، والعصائب العمائم والتساخين بفتح التاء المثناة فوق وبالسين المهملة والخاء المعجمة وهي الخفاف وعن بلال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج فيقضي حاجته فآتيه بالماء فيتوضأ ويمسح على عمامته وموقيه رواه أبو داود بإسناد جيد ، والموق بضم الميم خف قصير ، قالوا : ولأنه عضو سقط فرضه في التيمم فجاز المسح على حائل دونه كالرجل في الخف . واحتج أصحابنا بقوله تعالى : وامسحوا برؤوسكم والعمامة ليست برأس ولأنه عضو طهارته المسح فلم يجز المسح على حائل دونه كالوجه واليد في التيمم فإنه مجمع عليه ولأنه عضو لا تلحق المشقة في إيصال الماء إليه غالبا فلم يجز المسح على حائل منفصل عنه كاليد في القفاز ، والوجه في البرقع والنقاب .

Section V01/P465–V01/P467

وأما الجواب على احتجاجهم بالأحاديث فهو ما أجاب به الخطابي والبيهقي وغيرهما من المحدثين وسائر أصحابنا في كتب الفقه أنه وقع فيها اختصار ، والمراد مسح الناصية والعمامة ليكمل سنة الاستيعاب ، يدل على صحة هذا التأويل أنه صرح به في حديث المغيرة كما سبق بيانه ، وكذا جاء في حديث بلال أن النبي صلى الله عليه وسلم : مسح على الخفين وبناصيته وعلى العمامة قال البيهقي : إسناد هذه الرواية حسن ، وعن أنس قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية فأدخل يده تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة رواه أبو داود . والقطرية بكسر القاف نوع من البرود قال الخطابي : فيها حمرة فإن قيل كيف يصح هذا التأويل وكيف يظن بالراوي حذف مثل هذا فالجواب أنه ثبت بالقرآن وجوب مسح الرأس وجاءت الأحاديث الصحيحة بمسح الناصية مع العمامة ، وفي بعضها مسح العمامة ولم تذكر الناصية فكان محتملا لموافقة الأحاديث الباقية ، ومحتملا لمخالفتها ، فكان حملها على الاتفاق وموافقة القرآن أولى ، قال أصحابنا : وإنما حذف بعض الرواة ذكر الناصية لأن مسحها كان معلوما لأن مسح الرأس مقرر معلوم لهم وكان المهم بيان مسح العمامة ، قال الخطابي : والأصل أن الله تعالى فرض مسح الرأس والحديث محتمل للتأويل ، فلا يترك اليقين بالمحتمل ، قال هو وسائر الأصحاب وقياس العمامة على الخف بعيد لأنه يشق نزعه بخلافها والله أعلم . فرع في مسائل تتعلق بمسح الرأس إحداها : المرأة كالرجل في صفة مسح الرأس على ما سبق . نص عليه الشافعي رحمه الله تعالى في البويطي وذكره الأصحاب ، ونقله البخاري في صحيحه عن سعيد بن المسيب . قال الشافعي في البويطي : وتدخل يدها تحت خمارها حتى يقع المسح على الشعر ، فلو وضعت يدها المبتلة على خمارها قال أصحابنا : إن لم يصل البلل إلى الشعر لم يجزئها وإن وصل فهي كالرجل إذا وضع يده المبتلة على رأسه إن أمرها عليه أجزأه وإلا فوجهان الصحيح الإجزاء . الثانية : لو كان له رأسان كفاه مسح أحدهما ، وفيه احتمال للدارمي وقد سبقت المسألة في فصل غسل الوجه . الثالثة : قال أصحابنا : لا تتعين اليد لمسح الرأس فله المسح بأصابعه وبأصبع واحدة أو خشبة أو خرقة أو غيرها أو يمسحه له غيره ، قال الشيخ أبو حامد وغيره : أو يقف تحت المطر فيقع عليه وينوي المسح فيجزئه ، كل ذلك بلا خلاف ولو قطر الماء على رأسه ولم يسل أو وضع عليه يده المبتلة ولم يمرها عليه أو غسل رأسه بدل مسحه أجزأه على الصحيح ، وبه قطع الأكثرون ، لأنه في معنى المسح . وفيه وجه أنه لا يجزيه لأنه لا يسمى مسحا حكاه المتولي والبغوي والروياني والشاشي وغيرهم ، ونقل إمام الحرمين الاتفاق على اجزاء الغسل قال : لأنه فوق المسح ، فأجزاء المسح مبني على أجزاء الغسل من طريق الأولى فإذا قلنا : بالمذهب وهو إجزاء الغسل فقد نقل إمام الحرمين والغزالي في البسيط اتفاق الأصحاب على أنه لا يستحب وهل يكره فيه وجهان ، قال إمام الحرمين في النهاية : قال الأكثرون : وهو مكروه لأنه سرف كالغسلة الرابعة ، وبهذا قطع المحاملي في اللباب والجرجاني في التحرير . والوجه الثاني : لا يكره وهو قول القفال ولم يذكر إمام الحرمين في الأساليب غيره وصححه الغزالي في الوجيز والرافعي . وأما غسل الخف بدل مسحه فمكروه بلا خلاف لأنه تعييب له بلا فائدة وممن نقل الاتفاق على كراهته إمام الحرمين والله أعلم .

Section V01/P467–V01/P469

قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما لما روى المقدام بن معد يكرب : أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما وأدخل أصبعيه في جحري أذنيه : ويكون ذلك بماء جديد غير الذي مسح به الرأس لما روي : أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه وأمسك مسبحتيه لأذنيه ولأنه عضو يتميز عن الرأس في الاسم والخلقة فلا يتبعه في الطهارة كسائر الأعضاء . وقال في الأم والبويطي : ويأخذ لصماخيه ماء جديدا غير الماء الذي مسح به ظاهر الأذن وباطنه ، لأن الصماخ في الأذن كالفم والأنف في الوجه ، فكما أفرد الفم والأنف عن الوجه بالماء فكذلك الصماخ في الأذن فإن ترك مسح الأذن جاز ، لمن روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي : توضأ كما أمرك الله وليس فيما أمر الله تعالى مسح الأذنين . + الشرح : أما حديث المقدام فحسن رواه أبو داود والنسائي والبيهقي وغيرهم بمعناه بأسانيد حسنة وروى أبو داود والترمذي وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم : مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وروى أبو داود وغيره مثله من رواية عثمان ، وفيه أحاديث كثيرة جمعتها في جامع السنة . وأما راوي الحديث فهو المقدام بكسر الميم وآخره ميم أخرى وكرب بفتح الكاف وكسر الراء ويجوز صرفه وترك صرفه وجهان مشهوران لأهل العربية وفيه وجه ثالث أن الباء مضمومة بكل حال ، وأما ياء معدي فساكنة بكل حال ، والمقدام من مشهوري الصحابة رضي الله عنهم وهو كندي شامي حمصي يكنى أبا كريمة وقيل : أبا صالح ، وقيل : أبا يحيى ، وقيل : أبا بشر ، والأول أشهر توفي سنة سبع وثمانين ابن إحدى وتسعين سنة . وأما الحديث الثاني وهو قوله : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه وأمسك مسبحتيه بأذنيه فهو موجود في نسخ المهذب المشهورة وليس موجودا في بعض النسخ المتعمدة وهو حديث ضعيف أو باطل لا يعرف ، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح : وهنا نكتة خفيت على أهل العناية ب المهذب وهي أن مصنفه رجع عن الاستدلال بهذا الحديث وأسقطه عن المهذب فلم يفد ذلك بعد انتشار الكتاب ، قال : وجدت بخط بعض تلامذته في هذه المسألة من تعليقه في الخلاف في الحاشية عند استدلاله بهذا الحديث قال الشيخ : ليس له أصل في السنن فيجب أن تضربوا عليه وفي المهذب فإني صنفته من عشر سنين وما عرفته . قال أبو عمرو بن الصلاح : وبلغني أن هذا الحديث مضروب عليه في أصل المصنف الذي هو بخطه . ويغني عن هذا حديث عبد الله بن زيد أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم : يتوضأ فأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذ لرأسه حديث حسن رواه البيهقي وقال : إسناده صحيح وأما حديث الأعرابي فصحيح تقدم بيانه في فصل المضمضة والله أعلم . وقوله : جحري أذنيه هو بضم الجيم وإسكان الحاء وهو الثقب المعروف وفي رواية أبي داود وغيره صماخي أذنيه بدل جحري وهو تفسير له والأذن بضم الذال ويجوز إسكانها كما سبق في غسل الوجه مشتقة من الأذن بفتح الهمزة والذال وهو الاستمتاع ، والصماخ بكسر الصاد ويقال : السماخ بالسين لغتان الصاد أفصح وأشهر ، وادعى ابن السكيت وابن قتيبة أنه لا يجوز بالسين . وقول المصنف : وقال في الأم ، وكذا وقع في المهذب وقال بواو العطف وهو صحيح ، وقوله : ولأنه عضو تميز عن الرأس في الاسم والخلقة ، احترز بالاسم عن الناصية وبالخلقة عن النزعتين والله أعلم . أما أحكام المسألة : فمسح الأذنين سنة للأحاديث السابقة ، والسنة أن يمسح ظاهرهما وباطنهما ، فظاهرهما ما يلي الرأس وباطنهما ما يلي الوجه ، كذا قاله الصيمري وآخرون وهو واضح .

Section V01/P469–V01/P473

وأما كيفية المسح فقال إمام الحرمين والغزالي وجماعات : يأخذ الماء بيديه ويدخل مسبحتيه في صماخي أذنيه ويديرهما على المعاطف ويمر الإبهامين على ظهور الأذنين ، قال الشيخ أبو محمد الجويني وغيره : ويلصق بعد ذلك كفيه المبلولتين بأذنيه طلبا للاستيعاب ، وقال الفوراني والمتولي وغيرهما : يمسح بالإبهام ظاهر الأذن وبالمسبحة باطنها ويمر رأس الأصبع في معاطف الأذن ويدخل الخنصر في صماخيه ، قال الفوراني : ويضع الإبهام على ظاهر الأذن ويمرها إلى جهة العلو . قال أصحابنا : ويمسح الأذنين معا ولا يقدم اليمنى فإن كان أقطع اليد قدمها حكى الروياني وجها أنه يستحب تقديم اليمنى وهو شاذ وغلط . واعلم أن مسح الأذنين بعد مسح الرأس فلو قدمه عليه فظاهر كلام الأصحاب أنه لا يحصل له مسح الأذنين لأنه فعله قبل وقته . وذكر الروياني في حصوله وجهين والصحيح المنع . ويشترط لمسح الأذنين ماء غير الماء الذي مسح به الرأس بلا خلاف بين أصحابنا وبه قال جمهور العلماء ، قال أصحابنا : ولا يشترط أن يكون أخذه للماء لهما أخذا جديدا ، بل لو أخذ الماء للرأس بأصابعه فمسح ببعضها وأمسك بعضها ثم مسح الأذنين بما أمسكه صح لأنه مسحهما بغير ماء الرأس ، قال الشافعي في الأم والبويطي والأصحاب : ويأخذ للصماخين ماء غير ماء ظاهر الأذن وباطنه ، وقد ذكر المصنف دليله ويكون المأخوذ للصماخ ثلاثا كسائر الأعضاء ، صرح به الماوردي في كتابه الإقناع وهو واضح ، وحكى الماوردي في الحاوي : وجها أنه يكفي مسح الصماخ ببقية ماء الأذن لكونه منها وحكاه الرافعي قولا والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء في الأذنين مذهبنا أنهما ليستا من الوجه ولا من الرأس بل عضوان مستقلان يسن مسحهما على الانفراد ولا يجب ، وبه قال جماعة من السلف حكوه عن ابن عمر والحسن وعطاء وأبي ثور . وقال الزهري : هما من الوجه فيغسلان معه وقال الأكثرون : هما من الرأس وقال ابن المنذر : رويناه عن ابن عباس وابن عمر وأبي موسى وبه قال عطاء وابن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز والنخعي وابن سيرين وسعيد بن جبير وقتادة ومالك و الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد . قال الترمذي : هو قول العلماء من الصحابة فمن بعدهم ، وبه قال الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق ، واختلف هؤلاء هل يأخذ لهما ماء جديدا أم يمسحهما بماء الرأس . وقال الشعبي والحسن بن صالح : ما أقبل منهما فهو من الوجه يغسل معه ، وما أدبر فمن الرأس يمسح معه قال ابن المنذر : واختاره إسحاق . واحتج لمن قال : هما من الوجه بأن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يقول في سجوده : سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره فأضاف السمع إلى الوجه كما أضاف إليه البصر . واحتج من قال : هما من الرأس بقول الله تعالى : وأخذ برأس أخيه يجره إليه الأعراف : 7 وقيل : المراد به الأذن ، واحتجوا بحديث شهر بن حوشب عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الأذنان من الرأس رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم وروي من رواية ابن عباس وابن عمر وأنس وعبد الله بن زيد وأبي هريرة وعائشة ، وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم : مسح رأسه وقال بالوسطيين من أصابعه في باطن أذنيه والإبهامين من وراء أذنيه . واحتج للشعبي ومن وافقه بما روى عن علي رضي الله عنه : أنه مسح رأسه ومؤخر أذنيه ولأن الوجه ما حصلت به المواجهة وهي حاصلة بما أقبل .

Section V01/P473–V01/P474

واحتج أصحابنا بأشياء أحسنها حديث عبد الله بن زيد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخذ لأذنيه ماء خلاف الذي أخذ لرأسه وهو حديث صحيح كما سبق بيانه قريبا ، فهذا صريح في أنهما ليستا من الرأس إذا لو كانتا منه لما أخذ لهما ماء جديدا كسائر أجزاء الرأس ، وهو صريح في أخذ ماء جديد فيحتج به أيضا على من قال : يمسحهما بماء الرأس ، وفيه رد على من قال : هما من الوجه ، فقد جمع هذا الحديث الصحيح الدلالة للمذهب والرد على جميع المخالفين . واحتجوا على من قال هما من الوجه بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسحهما ، ولم ينقل غسلهما مع كثرة رواة صفة الوضوء واختلاف صفاته ، ولأن الإجماع منعقد على أن المتيمم لا يلزمه مسحهما ، قال القاضي أبو الطيب : ولأن الأصمعي والمفضل بن سلمة قالا : الأذنان ليستا من الرأس وهما إمامان من أجل أئمة اللغة والمرجع في اللغة إلى نقل أهلها . واحتجوا على من قال : هما من الرأس بأن الإجماع منعقد على أنه لا يجزىء مسحهما عن مسح الرأس بخلاف أجزائه ، وبأنه لو قصر المحرم من شعرهما لم يجزئه عن تقصير الرأس بالإجماع ، ولأنه عضو يخالف الرأس خلقة وسمتا فلم يكن منه كالخد ، وقولنا : وسمتا احتراز من النزعة قال القاضي أبو الطيب والماوردي : ولأن الإجماع منعقد على أن البياض الدائر حول الأذن ليس من الرأس مع قربه فالأذن أولى ، ولأنه لا يتعلق بالأذن شيء من أحكام الرأس سوى المسح ، فمن ادعى أن حكمها في المسح حكم الرأس فعليه البيان . وأما الجواب عن احتجاج الزهري فمن وجهين ، أحدهما : المراد بالوجه الجملة والذات كقوله تعالى : كل شيء هالك إلا وجهه القصص : 88 الدليل على هذا أن السجود حاصل بأعضاء أخر الثاني : أن الشيء يضاف إلى ما يقاربه وإن لم يكن منه . والجواب عما احتج به القائلون بأنهما من الرأس من الآية أنه تأويل للآية على خلاف ظاهرها فلا يقبل ، والمفسرون مختلفون في ذلك فقيل : المراد الرأس ، وقيل : الأذن ، وقيل : الذؤابة ، فكيف يحتج بها والحالة هذه والجواب عن الأحاديث أنها كلها ضعيفة متفق على ضعفها مشهور في كتب الحديث تضعيفها إلا حديث ابن عباس فإسناده جيد ، ولكن ليس فيه دليل ما ادعوه لأنه ليس فيه أنه مسحهما بماء الرأس المستعمل في الرأس ، قال البيهقي قال أصحابنا : كأنه كان يعزل من كل يد أصبعين فإذا فرغ من مسح الرأس مسح بهما أذنيه . وأما الجواب عن احتجاج الشعبي بفعل علي فمن أوجه أحدها : أنها رواية ضعيفة لا تعرف والثاني : ليس فيها دليل على الفرق بين مقدم الأذن ومؤخرها والثالث : أن ذلك محمول على أنه استوعب الرأس فانمسح مؤخر الأذن معه ضمنا لا مقصودا لأن الاستيعاب لا يتأتى غالبا إلا بذلك الرابع : لو صح ذلك عن علي وتعذر تأويله كان ما قدمناه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وما هو المشهور عن علي أولى والله أعلم . فرع : أجمعت الأمة على أن الأذنين تطهران ، واختلفوا في كيفية تطهيرهما على المذاهب السابقة قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه اختلاف الفقهاء أجمعوا أن من ترك مسحهما فطهارته صحيحة ، وكذا نقل الإجماع غيره ، وحكى ابن المنذر وأصحابنا عن إسحاق بن راهويه أنه قال : من ترك مسحهما عمدا لم تصح طهارته وهو محجوج بإجماع من قبله وبالحديث الذي ذكره المصنف والله أعلم .

Section V01/P474–V01/P475

وحكى القاضي أبو الطيب وغيره عن الشيعة أنهم قالوا : لا يستحب مسح الأذنين لأنه لا ذكر لهما في القرآن ، ولكن الشيعة لا يعتد بهم في الإجماع ، وإن تبرعنا بالرد عليهم فدليله الأحاديث الصحيحة الذي ذكرناها ، ولا يلزم من كونه لم يذكر في القرآن أنه لا يكون سنة للأحاديث الصحيحة والله أعلم . فرع : حكى صاحب الحاوي والمستظهري عن أبي العباس بن سريج رحمه الله أنه كان يغسل أذنيه ثلاثا مع الوجه كما قال الزهري ، ويمسحهما مع الرأس كما قال الآخرون ، ويمسحهما على الإنفراد ثلاثا كما قال الشافعي . قال صاحب الحاوي : ولم يكن ابن سريج يفعل ذلك واجبا بل احتياطا ليخرج من الخلاف . وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح : لم يخرج ابن سريج بهذا من الخلاف بل زاد فيه ، فإن الجمع بين الجميع لم يقل به أحد ، وهذا الاعتراض مردود لأن ابن سريج لا يوجب ذلك ، بل يفعله استحبابا واحتياطا كما سبق ، وذلك غير ممنوع بالإجماع بل محبوب ، وكم من موضع مثل هذا اتفقوا على استحبابه للخروج من الخلاف وإن كان لا يحصل ذلك إلا بفعل أشياء لا يقول بإيجابها كلها أحد . وقد قدمنا قريبا أن الشافعي والأصحاب رحمهم الله قالوا : يستحب غسل النزعتين مع الوجه وهما مما يمسح عند الشافعي ، إذ هما من الرأس ، واستيعابه بالمسح مأمور به بالإجماع ، وإنما استحبوا غسلهما للخروج من خلاف من قال : هما من الوجه ، ولم يقل أحد بوجوب غسلهما ومحسهما ، ومع هذا استحبه الشافعي والأصحاب ، ونظائر ذلك كثيرة مشهورة فالصواب استحسان فعل ابن سريج رحمه الله والله أعلم .

Questions