Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
وأما خطبة يوم النحر ففيها أحاديث صحيحة منها : حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو يخطب يوم النحر فقام إليه رجل فقال : كنت أحسب يا رسول الله كذا وكذا قبل كذا وكذا . ثم جاء آخر فقال يا رسول الله كنت أحسب أن كذا وكذا قبل كذا وكذا لهؤلاء الثلاث ، قال افعل ولا حرج رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما ، يعني بالثلاث الرمي يوم النحر والحلق ونحر الهدي . وعن أبي بكرة قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال : أي يوم هذا وذكر الحديث في خطبته صلى الله عليه وسلم يوم النحر بمنى . وبيانه تحريم الدماء والأعراض والأموال رواه البخاري ومسلم . وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر فقال يا أيها الناس أي يوم هذا قالوا يوم حرام ، قال فأي بلد هذا قالوا بلد حرام قال فأي شهر هذا قالوا شهر حرام ، قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ، فأعادها مرارا ثم رفع رأسه فقال : اللهم قد بلغت ، اللهم قد بلغت . وذكر تمام الحديث رواه البخاري . وعن ابن عمر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم بمنى أتدرون أي يوم هذا قالوا الله ورسوله أعلم ، قال فإن هذا يوم حرام ، وذكر الحديث رواه البخاري . وعن أم الحصين قالت : حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيته حين رمي جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة أحدهما يقود به راحلته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا كثيرا ثم سمعته يقول إن أمر عليكم عبد مجدع يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا رواه مسلم . وعن الهرماس بن زياد الصحابي ابن الصحابي قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على ناقته العضباء يوم الأضحى بمنى رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم ، ورواه النسائي والبيهقي أيضا بإسناد آخر صحيح ، ولفظه ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا صبي أردفني أبي ، يخطب الناس بمنى يوم الأضحى على راحلته ) وعن أبي أمامة قال ( سمعت خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى يوم النحر ) رواه أبو داود بإسناد حسن ورواه الترمذي لكن لفظه ( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع ) وقال حديث حسن صحيح . وعن رافع بن عمرو المزني رضي الله عنه قال ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى حين أرتفع الضحى على بغلة شهباء ، وعلي رضي الله عنه يعبر عنه ، والناس بين قائم وقاعد ) رواه أبو داود بإسناد حسن والنسائي بإسناد صحيح ، وفي المسألة أحاديث كثيرة غير ما ذكرته ، والله أعلم . وأما خطبة اليوم الثاني من أيام التشريق ففيها حديث عبد الله بن أبي نجيح عن أبيه عن رجلين من بين بكر قالا ( رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب أيام التشريق ونحن عند راحلته ، وهي خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي خطب بمنى ) رواه أبو داود بإسناد صحيح . وعن سراء بنت نبهان الصحابية رضي الله عنها ، وهي بضم السين المهملة وتشديد الراء ، وبالإماله قالت ( خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الرءوس فقال : أي يوم هذا قلنا الله ورسوله أعلم ، قال : أليس أوسط أيام التشريق ) رواه أبو داود بإسناد حسن ولم يضعفه .
وعن ابن عمر قال : أنزلت هذه السورة ( إذا جاء نصر الله والفتح ) على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق وعرف أنه الوداع ، فأمر براحلته القصوى فرحلت له فركب فوقف بالعقبة واجتمع الناس ، فقال يا أيها الناس ، فذكر الحديث في خطبته ) رواه البيهقي بإسناد ضعيف والله أعلم ، ولم ينقل في الخطبة في اليوم الثالث من أيام التشريق شيء ، والله أعلم . فرع : مذهبنا أن في خطبة عرفات يخطب الخطبة الأولى قبل الأذان ثم يشرع الإمام في الخطبة الثانية مع شروع المؤذن في الأذان كما سبق ، قال أبو حنيفة : يؤذن قبل الخطبة كالجمعة ، واحتج أصحابنا بحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم عرفة وقال ( إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى آخر خطبتيه ، قال ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ولم يصل بينهما شيئا ، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف ) رواه مسلم بهذه الحروف . وفي رواية للشافعي والبيهقي عن إبراهيم بن محمد بن يحيى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه راح إلى الموقف فخطب الناس الخطبة الأولى ثم أذن بلال ، ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة الثانية . ففرغ من الخطبة الثانية وبلال من الأذان ، ثم أقام بلال فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ) قال البيهقي : تفرد بهذا إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قلت : وهو ضعيف لا يحتج به ، إنما ذكرته لأبين حال حديثه هذا ، والمعتمد رواية مسلم . والله تعالى أعلم . فرع : مذهبنا ومذهب الجمهور أنه إذا كان الإمام مسافرا فصلى بهم الظهر والعصر يوم عرفة قاصرا قصر خلفه المسافرون سفرا طويلا ولزم المقيمين الإتمام وقال مالك : يجوز للجميع القصر ، واحتج بما نقلوه عن ابن عمر أنه دخل مكة فأتم الصلاة ثم قصر لما خرج إلى منى ، دليلنا ما سبق في اشتراط مسافة القصر مطلقا ، وأما ابن عمر فكان مسافرا له القصر ، فقصر في موضع وأتم في موضع ، وذلك جائز . واحتج مالك في الموطأ بما رواه بإسناده الصحيح ( أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قدم مكة صلى بهم ركعتين ثم انصرف ، فقال يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ، ثم صلى عمر ركعتين بمنى ، ولم يبلغني أنه قال لهم شيئا ) هذا ما ذكره في الموطأ ، وهو دليل لنا لا له ، لأنه يحتمل أنه قاله أيضا في منى ، ولم يبلغ مالكا ويحتمل أنه تركه اكتفاء بقوله في مكة ، إذ لا فرق بينهما في حق أهل مكة . فرع : مذهبنا أنه يؤذن للظهر ولا يؤذن للعصر إذا جمعهما في وقت الظهر عند عرفات ، وبه قال أبو حنيفة وأبو ثور وابن المنذر ، ونقل الطحاوي الإجماع على هذا لكن قال مالك : يؤذن لكل منهما ويقيم ، وقال أحمد وإسحاق يقيم لكل منهما ولا يؤذن لواحدة منهما . دليلنا حديث جابر السابق قريبا والله أعلم . فرع : أجمعت الأمة على أن للحاج أن يجمع بين الظهر والعصر إذا صلى مع الإمام ، فلو فات بعضهم الصلاة مع الإمام جاز له أن يصليهما منفردا جامعا بينهما عندنا ، وبه قال أحمد وجمهور العلماء ، وقال أبو حنيفة : لا يجوز ، ووافقنا على أن الإمام لو حضر ولم يحضر معه للصلاة أحد جاز له الجمع ، وعلى أن المأموم لو فاته الصلاتان بالمزدلفة مع الإمام جاز له أن يصليهما منفردا جامعا ، فاحتج أصحابنا عليه بما وافق عليه ، والله أعلم .
فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يسن الإسرار بالقراءة في صلاتي الظهر والعصر بعرفات ، ونقل ابن المنذر إجماع العلماء عليه ، قال : وممن حفظ ذلك عنه طاوس ومجاهد والزهري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو حنيفة هذا كلام ابن المنذر . ونقل أصحابنا عن أبي حنيفة الجهر كالجمعة ، وقد سبق دليلنا . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا أن السنة أن يصلي الظهر يوم التروية بمنى ، وبه قال جمهور العلماء ، منهم الثوري ومالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور قال ابن المنذر : وقال ابن عباس : إذا زاغت الشمس فليخرج إلى منى ، قال وصلى ابن الزبير الظهر بمكة يوم التروية وتأخرت عائشة يوم التروية حتى ذهب ثلث الليل ، قال : وأجمعوا على أن من ترك المبيت بمنى ليلة عرفة لا شيء عليه ، قال : وأجمعوا على أنه ينزل من منى حيث شاء ، والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم يروح إلى عرفة ويقف ، والوقوف ركن من أركان الحج ، لما روى عبد الرحمن الديلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الحج عرفات ، فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج والمستحب أن يغتسل ، لما روى نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يغتسل إذا راح إلى عرفة ولأنه قربة يجتمع لها الخلق في موضع واحد فشرع لها الغسل كصلاة الجمعة والعيد ، ويصح الوقوف في جميع عرفة ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : عرفة ، كلها موقف والأفضل أن يقف عند الصخرات لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عند الصخرات وجعل بطن ناقته إلى الصخرات ويستحب أن يستقبل القبلة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل القبلة ، ولأنه إذا لم يكن بد من جهة فجهة القبلة أولى ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خير المجالس ما استقبل به القبلة ويستحب الإكثار من الدعاء ، وأفضله لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، لما روى طلحة بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أفضل الدعاء يوم عرفة ، وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله وحده لا شريك له . ويستحب أن يرفع يديه ، لما روى ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ترفع الأيدي عند الموقفين ، يعني عرفة والمشعر الحرام وهل الأفضل أن يكون راكبا أم لا فيه قولان ، قال في الأم : النازل والراكب سواء . وقال في القديم والإملاء : الوقوف راكبا أفضل ، وهو الصحيح ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف راكبا ولأن الراكب أقوى على الدعاء ، فكان الركوب أولى ، ولهذا كان الإفطار بعرفة أفضل ، لأن المفطر أقوى على الوقوف والدعاء . وأول وقته إذا زالت الشمس لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بعد الزوال وقد قال صلى الله عليه وسلم : خذوا عني مناسككم وآخر وقته إلى أن يطلع الفجر الثاني لحديث عبد الرحمن الديلي ، فإن حصل بعرفة في وقت الوقوف قائما أو قاعدا أو مجتازا فقد أدرك الحج ، لقوله صلى الله عليه وسلم من صلى هذه الصلاة معنا وقد قام قبل ذلك ليلا أو نهارا ، فقد تم حجه وقضى تفثه وإن وقف وهو مغمى عليه لم يدرك الحج ، وإن وقف وهو نائم فقد أدرك الحج لأن المغمى عليه ليس من أهل العبادات والنائم من أهل العبادات ، ولهذا لو أغمي عليه في جميع نهار الصوم لم يصح صومه ، وإن نام في جميع النهار صح صومه ، وإن وقف وهو لا يعلم أنه عرفة فقد أدرك لأنه وقف بها وهو مكلف ، فأشبه إذا علم أنها عرفة . والسنة أن يقف بعد الزوال إلى أن تغرب الشمس ، لما روى علي كرم الله وجهه قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ثم أفاض حين غابت الشمس فإن دفع منها قبل الغروب نظرت فإن رجع إليها قبل طلوع الفجر لم يلزمه شيء لأنه جمع في الوقوف بين الليل والنهار ، فأشبه إذا قام بها إلى أن غربت الشمس وإن لم يرجع قبل طلوع الفجر أراق دما . وهل يجب ذلك أو يستحب فيه قولان أحدهما : يجب ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من ترك نسكا فعليه دم ولأنه نسك يختص بمكان فجاز أن يجب بتركه الدم كالإحرام من الميقات والثاني : إنه يستحب لأنه وقف في أحد زماني الوقوف فلا يلزمه دم للزمان الآخر ، كما لو وقف في الليل دون النهار .
+ الشرح : حديث عبد الرحمن الديلي صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وآخرون بأسانيد صحيحة ، وهذا لفظ الترمذي عن عبد الرحمن بن يعمر أن ناسا من أهل نجد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة فسألوه ، فأمر مناديا ينادي : الحج عرفة ، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج وفي رواية أبي داود فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فنادى : الحج الحج يوم عرفة . من جاء ليلة حج فيتم حجه . وفي رواية البيهقي عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الحج عرفات ، الحج عرفات ، فمن أدرك ليلة جمع قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك وإسناد هذه الرواية صحيح وهو من رواية سفيان بن عيينة ، قلت عن سفيان الثوري قال ابن عيينة : ليس عندكم بالكوفة حديث أشرف ولا أحسن من هذا . وأما حديث ابن عباس فرواه البيهقي بغير هذا اللفظ مرفوعا وموقوفا عليه ، لكن يغني عنه حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وقفت ههنا وعرفة كلها موقف رواه مسلم . وأما قوله إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل بطن ناقته إلى الصخرات ، فرواه بهذا اللفظ من رواية جابر . أما قوله إن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل القبلة ، فرواه مسلم من رواية جابر أيضا . وأما حديث خير المجالس ما استقبل به القبلة . وأما حديث أفضل الدعاء يوم عرفة فرواه مالك في الموطأ بإسناده عن طلحة بن عبيد الله بن كريز بفتح الكاف وآخره زاي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أفضل الدعاء يوم عرفة ، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له هكذا رواه مالك في الموطأ وهو آخر حديث في كتاب الحج من الموطأ وهو مرسل ، لأن طلحة هذا تابعي خزاعي كوفي ، وكان ينبغي للمصنف أن يقول : لما روى طلحة بن عبيد الله بن كريز ، لئلا يتوهم أنه طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المشهود لهم بالجنة رضي الله عنهم . قال البيهقي : وقد روي عن مالك بإسناد آخر موصولا قال : ووصله ضعيف ورواه الترمذي أطول من هذا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خير الدعاء دعاء يوم عرفة ، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير فضعفه الترمذي في إسناده ، ورواه البيهقي من رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول لله صلى الله عليه وسلم أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، اللهم اجعل في قلبي نورا إلى آخر الحديث ، وضعفه البيهقي من وجهين لأنه من رواية موسى بن عبيدة الربذي عن أخيه عبد الله بن عبيدة عن علي قال : تفرد به موسى وهو ضعيف ، وأخوه لم يدرك عليا . وأما حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف راكبا فصحيح رواه البخاري ومسلم من رواية أم الفضل بنت الحارث امرأة العباس ، ورواه مسلم من رواية جابر أيضا : وأما حديث وقوف النبي صلى الله عليه وسلم بعد الزوال فرواه مسلم من رواية جابر ، ورواه البخاري من رواية ابن عمر . وأما حديث لتأخذوا عني مناسككم فرواه مسلم من رواية جابر ، وسبق بيانه مرات في هذا الباب ، وأن البيهقي رواه بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم ولفظه خذوا عني مناسككم كرواية المصنف .
وأما الحديث الآخر ( من صلى هذه الصلاة معنا ) فصحيح ، وهو من رواية عروة بن مضرس بن أوس الطائي الصحابي قال ( أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة حين خرج للصلاة فقلت : يا رسول الله إني جئت من جبل طىء أكلت راحلتي وأتعبت نفسي ، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه ، فهل لي من حج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من شهد صلاتنا هذه فوقف معنا حتى ندفع . وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضي تفثه رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد صحيحة . قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح . وأما حديث علي رضي الله عنه فصحيح رواه الترمذي بلفظه هنا ، وهو بعض حديث طويل . قال وهو حديث حسن صحيح سنذكره بطوله إن شاء الله تعالى في فصل الدفع من عرفات إلى المزدلفة . وفي معناه حديث جابر ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل بنمرة حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصوى فرحلت له فأتي بطن الوادي ، فخطب الناس ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ، ثم ركب حتى أتي الموقف فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس ، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص ) رواه مسلم . وأما حديث ( من ترك نسكا فعليه دم ) فرواه مالك والبيهقي وغيرهما بأسانيد صحيحة عن ابن عباس موقوفا عليه لا مرفوعا ، ولفظه عن مالك عن أيوب عن سعيد بن جبير أن ابن عباس قال من نسى من نسكه شيئا أو تركه فليهرق دما قال مالك : لا أدري قال ترك أم نسى قال البيهقي : وكذا رواه الثوري عن أيوب من ترك شيئا فليهرق له دما قال البيهقي : فكأنه قالهما ، يعني البيهقي أن ( أو ) ليست للشك كما أشار إليه مالك ، بل للتقسيم ، والمراد به يريق دما سواء ترك عمدا أو سهوا ، والله أعلم . أما ألفاظ الفصل : ففيه عبد الرحمن الديلي الصحابي بكسر الدال وإسكان الياء المثناة تحت وهو من ساكني الكوفة وأبو يعمر بفتح الميم وضمها وقوله ولأنه قربة يجتمع لها الخلق في موضع واحد احتراز من التلبية والأذكار ولكنه ينتقض بالمبيت بمنى ليلة التاسع . وقوله لقوله صلى الله عليه وسلم ( من صلى هذه الصلاة معنا ، وقد قام قبل ذلك ) هكذا هو في نسخ المهذب ، وقد قام ، وقد وقف ، كما سبق في الحديث . قوله ( قضى تفثه ) هو ما يفعله المحرم عند تحلله من إزالة الشعث والوسخ والحلق وقلم الأظفار ونحوها . قوله ( ولهذا لو أغمي عليه جميع النهار لم يصح صومه ، ولو نام جميعه صح ) هذا هو المذهب فيهما ، وفيهما ما سبق قوله ولأنه نسك يختص بمكان احتراز من التلبية والأذكار ونحوها والله أعلم . أما الأحكام : ففيها مسائل إحداها : إذا فرغوا من صلاتي الظهر والعصر ، فالسنة أن يسيروا في الحال إلى الموقف ويعجلوا المسير ، وهذا التعجيل مستحب بالإجماع ، لحديث سالم بن عبد الله بن عمر قال ( كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج أن يأتم بعبد الله بن عمر في الحج ، فلما كان يوم عرفة جاء ابن عمر ، وأنا معه حين زاغت الشمس فصاح عند فسطاطه : أين هذا فخرج إليه فقال ابن عمر : الرواح ، فقال الآن قال : نعم . فسار بيني وبين أبي ، فقلت له : إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم فأقصر الخطبة وعجل الوقوف ، فقال ابن عمر صدق رواه البخاري . وفي صحيح مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ( صلى الظهر والعصر ثم أتي الموقف ) .
الثانية : وقت الوقوف ما بين زوال الشمس يوم عرفة وطلوع الفجر الثاني يوم النحر ، هذا هو المذهب ، ونص عليه الشافعي ، وقطع به جمهور الأصحاب وحكى جماعة من الخراسانيين وجها أنه لا يصح الوقوف في ليلة النحر ، وحكى الفوراني قولا مثل هذا ، وفيه ما بين زوال الشمس وغروبها . وحكى الدارمي والرافعي وجها آخر أنه يشترط كون الوقوف بعد الزوال وبعد مضي إمكان صلاة الظهر ، وهذان الوجهان شاذان ضعيفان والصواب ما سبق عن الجمهور ، ودليله الأحاديث الصحيحة السابقة . قال الشافعي والأصحاب : فمن حصل بعرفات في لحظة لطيفة من هذا الوقت وهو من أهل الوقوف صح وقوفه ، وأدرك بذلك الحج ، ومن فاته هذا الزمان فقد فاته الحج ، والأفضل أن يقف من حين يفرغ من صلاتي الظهر والعصر المجموعتين إلى أن تغرب الشمس ، ثم يدفع عقب الغروب إلى مزدلفة فلو وقف بعد الزوال ثم أفاض قبل الغروب فحجه صحيح بلا خلاف كما ذكرنا . ثم إن عاد إلى عرفات وبقي بها حتى غربت الشمس فلا دم ، وإن لم يعد حتى طلع الفجر أراق دما ، وهل هذا الدم واجب أم مستحب فيه ثلاثة طرق أصحها : وبه قطع المصنف والجمهور فيه قولان ذكر المصنف دليلهما أصحهما : باتفاقهم سنة وهو نصه في الإملاء والثاني : واجب وهو نصه في الأم و القديم والطريق الثاني : القطع بأنه مستحب والثالث : إن أفاض مع الإمام فمعذور فيكون الدم مستحبا قطعا ، وإلا فعلى القولين فإن قلنا : يجب فعاد في الليل إلى عرفات ففي سقوط الدم عنه طريقان أصحهما : وبه قطع المصنف والعراقيون وطائفة من غيرهم يسقط لما ذكره المصنف . والثاني : حكاه الخراسانيون فيه وجهان أصحهما : هذا والثاني : لا يسقط أما من لم يحضر عرفات إلا في ليلة النحر فحصل فيها قبل الفجر ، وقيل بالمذهب إنه يصح وقوفه فلا دم عليه بلا خلاف ، وإنما الخلاف فيمن وقف نهارا ثم انصرف قبل الغروب ، لأنه مقصر بالإعراض ، وقطع الوقوف والله أعلم . الثالثة : الوقوف بعرفات ركن من أركان الحج وهو أشهر أركان الحج للأحاديث الصحيحة السابقة الحج عرفة وأجمع المسلمون على كونه ركنا . قال الشافعي والأصحاب : والمعتبر فيه الحضور في جزء من عرفات ، ولو في لحظة لطيفة ، بشرط كونه أهلا للعبادة ، سواء حضرها عمدا أو وقف مع الغفلة والبيع والشراء والتحدث واللهو ، أو في حالة النوم ، أو اجتاز فيها في وقت الوقوف وهو لا يعلم أنها عرفات ، ولم يمكث أصلا بل مر مسرعا في طرق من أطرافها أو كان نائما على بعير فانتهى البعير إلى عرفات ، فمر بها البعير ولم يستيقظ راكبه حتى فارقها أو اجتازها في طلب غريم هارب بين يديه ، أو بهيمة شاردة أو غير ذلك مما هو في معناه فيصح وقوفه في جميع هذه الصور ونحوها ، هذا هو المذهب ، ونص عليه الشافعي وقطع به الجمهور . وفي بعض هذه الصور وجه شاذ ضعيف سنذكره إن شاء الله تعالى فمنها : وجه أنه لا يكفي المرور المجرد بل يشترط لبث يسير حكاه ابن القطان والدارمي والرافعي ، قال الدارمي : والمنصوص أنه يصح ولا يشترط اللبث . ومنها : وجه أنه إذا مر بها ولا يعلم أنها عرفات لا يجزئه ، حكاه ابن القطان والقاضي أبو الطيب والدارمي والمتولي وصاحب البيان وغيرهم عن أبي حفص بن الوكيل من أصحابنا ، وهذا شاذ ضعيف .
ومنها : وجه أنه لا يصح وقوف النائم حكاه ابن القطان والدارمي والرافعي وهو شاذ ضعيف والمشهور الصحة ، قال المتولي : هذا الخلاف في مسألة النائم ومسألة الجاهل بكونها عرفات مبني على أنه يشترط في كل ركن من أركان الحج النية أم لا وفيه وجهان أصحهما لا يشترط كأركان الصلاة والطهارة والثاني : يشترط لكل ركن نية لأن أركانه ينفصل بعضها عن بعض ، فيكون كل ركن كعبادة منفردة فإن شرطناها لم يصح مع النوم ولا مع الجهل بالمكان وإلا فيصح والمذهب ما سبق . أما : إذا حضر في طلب غريم أو دابة بين يديه فقد ذكرنا أنه يجزئه . هكذا قطع الأصحاب ، قال إمام الحرمين : قال الأصحاب : يجزئه قال : وظاهر النص يشير إليه قال : ولم يذكروا فيه الخلاف السابق فيمن صرف الطواف إلى طلب غريم ونحوه ، قال ولعل الفرق أن الطواف قد يقع قربة مستقلة بخلاف الوقوف قال : ولا يمتنع طرد الخلاف . أما : إذا وقف وهو مغمى عليه ففي صحة وقوفه وجهان ، حكاهما ابن المرزبان والقاضي أبو الطيب في تعليقه والدارمي والبغوي والمتولي وصاحب البيان وآخرون أصحهما : وبه قطع المصنف والأكثرون لا يصح ، ممن قطع به الشيخ أبو حامد والمصنف هنا وفي التنبيه والرافعي في المجرد وآخرون وصححه ابن الصباغ والمتولي . قال صاحب البيان : هو المشهور والثاني : يصح ورجحه البغوي والرافعي في الشرح ، ولو وقف وهو مجنون فطريقان المذهب : القطع بأنه لا يصح والثاني : فيه الوجهان كالمغمى عليه ، وممن ذكر الخلاف فيه ابن القطان وصاحب الشامل وصاحب البيان والرافعي . ولو وقف وهو سكران ، قال ابن المرزبان والقاضي أبو الطيب والدارمي : فيه الوجهان كالمغمى عليه ، وقال صاحب البيان إن كان سكره بغير معصية ففيه الوجهان كالمغمى عليه ، وإن كان بمعصية فوجهان حكاهما الصيمري أصحهما : لا يجزئه تغليظا عليه والثاني : يجزئه لأنه كالصاحي في الأحكام والله أعلم . وإذا قلنا في المغمى عليه لا يصح وقوفه ، قال المتولي لا يجزئه عن حج الفرض لكن يقع ثفلا كحج الصبي الذي لا يميز ، وحكاه أيضا الرافعي عنه وسكت عليه فكأنه ارتضاه والله أعلم . واتفق أصحابنا على أن الجنون لو تخلل بين الإحرام والوقوف أو بينه وبين الطواف أو بين الطواف والوقوف ، وكان عاقلا في حال فعل الأركان لا يضر . بل يصح حجه ويقع عن حجة الإسلام . وممن صرح بالمسألة المتولي والله أعلم . الرابعة : يصح الوقوف في أي جزء كان من أرض عرفات بإجماع العلماء لحديث جابر السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : عرفة كلها موقف قال الشافعي والأصحاب وغيرهم من العلماء : وأفضلها موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند الصخرات الكبار المفترشة في أسفل جبل الرحمة . وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات ويقال له إلال بكسر الهمزة على وزن هلال . وذكر الجوهري في صحاحه أنه بفتح الهمزة والمشهور كسرها . وأما حد عرفات فقال الشافعي رحمه الله : هي ما جاوز وادي عرنة ، بعين مضمومة ثم راء مفتوحة ثم نون . إلى الجبال القابلة مما يلي بساتين ابن عامر . هذا نص الشافعي وتابعه عليه الأصحاب . ونقل الأزرقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : حد عرفات من الجبل المشرف على بطن عرنة إلى جبال عرفات إلى وصيق . بفتح الواو وكسر الصاد المهملة وآخره قاف إلى ملتقى وصيق ووادي عرنة . قال بعض أصحابنا : لعرفات أربعة حدود أحدها : ينتهي إلى جادة طريق المشرق والثاني : إلى حافات الجبل الذي وراء أرض عرفات والثالث : إلى البساتين التي تلي قرية عرفات . وهذه القرية على يسار مستقبل الكعبة . إذا وقف بأرض عرفات والرابع : ينتهي إلى وادي عرنة قال إمام الحرمين ويطيف بمنعرجات عرفات جبال وجوهها المقبلة من عرفات .
وأعلم أنه ليس من عرفات وادي عرنة ولا نمرة ولا المسجد المسمى مسجد إبراهيم ، ويقال له أيضا مسجد عرنة ، بل هذه المواضع خارجة عن عرفات على طرفها الغربي مما يلي مزدلفة ومنى ومكة . هذا الذي ذكرته من كون وادي عرنة ليس من عرفات لا خلاف فيه ، نص عليه الشافعي ، واتفق عليه الأصحاب . وأما نمرة فليست أيضا من عرفات بل بقربها ، هذا هو الصواب الذي نص عليه الشافعي في مختصر الحج الأوسط وفي غيره ، وصرح به أبو علي البندنيجي والأصحاب ونقله الرافعي عن الأكثرين . قال وقال صاحب الشامل وطائفة هي من عرفات . وهذا الذي نقله غريب ليس بمعروف ولا هو في الشامل ولا هو صحيح ، بل إنكار للحس ، ولما تطابقت عليه كتب العلماء . وأما مسجد إبراهيم فقد نص الشافعي على أنه ليس من عرفات ، وأن من وقف به لم يصح وقوفه . هذا نصه ، وبه قطع الماوردي والمتولي وصاحب البيان وجمهور العراقيين . وقال جماعة من الخراسانيين منهم الشيخ أبو محمد الجويني والقاضي حسين في تعليقه ، وإمام الحرمين والرافعي : مقدم هذا المسجد من طرف وادي عرنة لا في عرفات وآخره في عرفات ، قالوا فمن في مقدمه لم يصح وقوفه ، ومن وقف في آخره صح وقوفه ، قالوا : ويتميز ذلك بصخرات كبار فرشت هناك . قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح وجه الجمع بين كلامهم ونص الشافعي أن يكون زيد في المسجد بعد الشافعي هذا القدر الذي ذكره والله أعلم . قلت : قال الأزرقي في هذا المسجد ذرع سعته من مقدمه إلى مؤخره مائة ذراع وثلاث وستون ذراعا ، قال ومن جانبه الأيمن إلى جانبه الأيسر من عرفة والطريق مائتا ذراع وثلاث عشرة ذراعا ، قال : وله مائة شرفة وثلاث شرفات ، وله عشرة أبواب ، قال : ومن حد الحرم إلى مسجد عرنة ألف ذراع وستمائة وخمس أذرع . قال : ومن مسجد عرفات هذا إلى موقف النبي صلى الله عليه وسلم ميل والله تعالى أعلم . واعلم أن عرنة ونمرة بين عرفات والحرم ليستا من واحد منهما وأما : جبل الرحمة ففي وسط عرفات . فإذا علمت عرفات بحدودها فقال الماوردي : قال الشافعي حيث وقف الناس من عرفات في جوانبها ونواحيها وجبالها وسهلها وبطاحها وأوديتها وسوقها المعروفة بذي المجاز أجزأه ، قال : فأما إن وقف بغير عرفات من ورائها أو دونها عامدا أو ناسيا أو جاهلا بها فلا يجزئه ، وقال مالك : يجزئه وعليه دم ، والله أعلم . فرع : واجب الوقوف وشرطه شيئان أحدهما : كونه في أرض عرفات وفي وقت الوقوف الذي سبق بيانه والثاني : كون الواقف أهلا للعبادة . وأما سننه وآدابه فكثيرة أحدها : أن يغتسل بنمرة بنية الغسل للوقوف ، فإن عجز عن الغسل تيمم الثاني : أن لا يدخل أرض عرفات إلا بعد صلاتي الظهر والعصر الثالث : الخطبتان والجمع بين الصلاتين الرابع : تعجيل الوقوف عقب الصلاتين وقد سبق هذا كله مبسوطا بأدلته الخامس : أن يكون مفطرا سواء أطاق الصوم أم لا ، وسواء ضعف به أم لا ، لأن الفطر أعون له على الدعاء ، وقد سبقت المسألة مبسوطة في باب صوم التطوع . وثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف مفطرا السادس : أن يكون متطهرا لأنه أكمل فلو وقف وهو محدث أو جنب أو حائض أو نفساء أو عليه نجاسة أو مكشوف العورة صح وقوفه لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين حاضت اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت .
قال أصحابنا : ولا تشترط الطهارة في شيء من أعمال الحج والعمرة إلا الطواف وركعتيه السابع : السنة أن يقف مستقبل الكعبة الثامن : أن يطوف حاضر القلب فارغا من الأمور الشاغلة عن الدعاء ، وينبغي أن يقدم قضاء أشغاله قبل الزوال ويتفرغ بظاهره وباطنه عن جميع العلائق وينبغي أن يتجنب في موقفه طرق القوافل وغيرهم ، لئلا ينزعج بهم ويتهوش عليه حاله ويذهب خشوعه . التاسع : قال أصحابنا : إن كان يشق عليه الوقوف ماشيا أو كان يضعف به عن الدعاء أو كان ممن يقتدى به ويحتاج الناس إلى ظهوره ليستفتى ويقتدى به ، فالأفضل له وقوفه راكبا ، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف راكبا كما سبق بيانه والركوب أفضل من تركه والحالة هذه . وأما إذا كان لا يضعف بالوقوف ماشيا ولا يشق عليه ولا هو ممن يحتاج إلى ظهوره ، ففي الأفضل في حقه أقوال للشافعي أصحها : عند الأصحاب : راكبا أفضل للاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ولأنه أعوز له على الدعاء ، وهو المهم في هذا الموضع . وهذا القول هو المنصوص في القديم و الإملاء كما ذكره المصنف والأصحاب ، وبه قطع المحاملي والماوردي وآخرون وصححه الباقون والثاني : ترك الركوب أفضل لأنه أشبه بالتواضع والخضوع والثالث هما سواء ، وهو نصه في الأم لتعادل الفضيلتين فيها . والله أعلم . العاشر : أن يحرص على الوقوف بموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند الصخرات كما سبق بيانه . قال أصحابنا : وإن كان راكبا جعل نظر راحلته إلى الصخرات لحديث جابر السابق في صحيح مسلم . وإن كان راجلا وقف على الصخرات أو عندها بحسب الإمكان بحيث لا يؤذي ولا يتأذى ، قال أصحابنا : فإن تعذر عليه الوصول إليه للزحمة تقرب منه بحسب الإمكان فهذا هو الصواب . وأما ما اشتهر عند العوام من الاعتناء بالوقوف على جبل الرحمة الذي هو بوسط عرفات كما سبق بيانه ، وترجيحهم له على غيره من أرض عرفات حتى ربما توهم من جهلتهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه ، فخطأ ظاهر ومخالف للسنة ، ولم يذكر أحد ممن يعتمد في صعود هذا الجبل فضيلة يختص بها ، بل له حكم سائر أرض عرفات غير موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري فإنه قال : يستحب الوقوف عليه ، وكذا قال الماوردي في الحاوي يستحب قصد هذا الجبل الذي يقال له جبل الدعاء ، قال : وهو موقف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، وذكر البندنيجي نحوه . وهذا الذي قالوه لا أصل له ولم يرد فيه حديث صحيح ولا ضعيف فالصواب الاعتناء بموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هو الذي خصه العلماء بالذكر وحثوا عليه وفضلوه ، وحديثه في صحيح مسلم وغيره كما سبق . هكذا نص عليه الشافعي وجميع أصحابنا وغيرهم من العلماء . وقد قال إمام الحرمين في وسط عرفات جبل يسمى جبل الرحمة لا نسك في صعوده وإن كان يعتاده الناس ، والله أعلم . الحادي عشر : السنة أن يكثر من الدعاء والتهليل والتلبية والاستغفار والتضرع وقراءة القرآن ، فهذه وظيفة هذا اليوم ولا يقصر في ذلك ، وهو معظم الحج ومطلوبه ، وقد سبق في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( الحج عرفة ) فينبغي أن لا يقصر في الاهتمام بذلك واستفراغ الوسع فيه . ويكثر من هذا الذكر والدعاء قائما وقاعدا ويرفع يديه في الدعاء ولا يجاوز بهما رأسه . ولا يتكلف السجع في الدعاء ، ولا بأس بالدعاء المسجوع إذا كان محفوظا أو قاله بلا تكلف ولا فكر فيه . بل جرى على لسانه ولم يقصد تكلف ترتيبه وإعرابه وغير ذلك مما يشغل قلبه .
ويستحب أن يخفض صوته بالدعاء ويكره الإفراط في رفع الصوت لحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ، رفعت أصواتنا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا أيها الناس اربعو على أنفسكم ، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنه معكم إنه سميع قريب رواه البخاري ومسلم . اربعوا بفتح الباء الموحدة أي ارفقوا بأنفسكم ويستحب أن يكثر التضرع والخشوع ، والتذلل والخضوع وإظهار الضعف والافتقار ، ويلح في الدعاء ولا يستبطىء الإجابة ، بل يكون قوي الرجاء للإجابة . لحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول قد دعوت ولم يستجب لي رواه البخاري ومسلم . وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم . فقال رجل من القوم : إذن تكثر . قال : الله أكثر رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح . ورواه الحاكم في المستدرك من رواية أبي سعيد وزاد فيه أو يدخر له من الأجر مثلها ويستحب أن يكرر كل دعاء ثلاثا . ويفتتح دعاءه بالتحميد والتمجيد لله تعالى والتسبيح . والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويختمه بمثل ذلك . وليكن متطهرا متباعدا عن الحرام والشبهة في طعامه وشرابه ولباسه ومركوبه وغير ذلك مما معه ، فإن هذه آداب لجميع الدعوات . وليختم دعاءه بآمين . وليكثر من التسبيح والتهليل والتكبير ونحوها من الأذكار . وأفضله ما قدمناه من رواية الترمذي وغيره عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أفضل الدعاء يوم عرفة . وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له . له الملك وله الحمد . وهو على كل شيء قدير . وفي كتاب الترمذي عن علي رضي الله عنه قال : أكثر ما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة في الموقف اللهم لك الحمد كالذي نقول وخير مما نقول . اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي . وإليك مآبي ، لك رب قرآني . اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر . اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجىء به الريح وإسناد هذين الحديثين ضعيف . لكن معناهما صحيح ، وأحاديث الفضائل يعمل فيها بالأضعف كما سبق مرات . ويكثر من التلبية رافعا بها صوته من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وينبغي أن يأتي بهذه الأذكار كلها . فتارة يهلل وتارة يكبر وتارة يسبح وتارة يقرأ القرآن . وتارة يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وتارة يدعو وتارة يستغفر ويدعو مفردا وفي جماعة وليدع لنفسه ولوالديه ومشايخه وأقاربه وأصحابه وأصدقائه وأحبائه وسائر من أحسن إليه وسائر المسلمين ، وليحذر كل الحذر من التقصير في شيء من هذا . فإن هذا اليوم لا يمكن تداركه بخلاف غيره . وينبغي أن يكرر الاستغفار والتلفظ بالتوبة من جميع المخالفات . مع الندم بالقلب . وأن يكثر البكاء مع الذكر والدعاء . فهناك تسكب العبرات . وتستقال العثرات وترتجي الطلبات . وإنه لمجمع عظيم وموقف جسيم . يجتمع فيه خيار عباد الله الصالحين وأوليائه المخلصين والخواص من المقربين . وهو أعظم مجامع الدنيا . وقد قيل إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة غفر لكل أهل الموقف . وثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة . وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة .
فيقول ما أراد هؤلاء وروينا عن طلحة بن عبيد الله أحد العشرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رؤي الشيطان أصغر ولا أحقر ولا أدبر ولا أغيظ منه في يوم عرفة . وما ذاك إلا أن الرحمة تنزل فيه فيتجاوز عن الذنوب العظام وعن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أنه رأى سائلا يسأل الناس يوم عرفة . فقال : يا عاجز . في هذا اليوم يسأل غير الله تعالى . وعن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه نظر إلى بكاء الناس بعرفة فقال أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقا أكان يردهم قيل : لا . قال : والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق وبالله التوفيق . فرع : ومن الأدعية المختارة : اللهم آتنا في الدنيا حسنة . وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار . اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا كبيرا . وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . فاغفر لي مغفرة من عندك . وارحمني رحمة أسعد بها في الدارين وتب علي توبة نصوحا لا أنكثها أبدا وألزمني سبيل الإستقامة لا أزيغ عنها أبدا . اللهم انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة . واكفني بحلالك عن حرامك . وأغنني بفضلك عمن سواك . ونور قلبي وقبري . واغفر لي من الشر كله . واجمع لي الخير . اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى . اللهم يسرني لليسرى وجنبني العسرى ، وارزقني طاعتك ما أبقيتني ، أستودعك مني ومن أحبابي والمسلمين أدياننا وأماناتنا وخواتيم أعمالنا ، وأقوالنا وأبداننا ، وجميع ما أنعمت به علينا ، وبالله التوفيق . فرع : ليحذر كل الحذر من المخاصمة والمشاتمة والمنافرة والكلام القبيح ، بل ينبغي أن يحترز من الكلام المباح ما أمكنه ، فإنه تضييع للوقت المهم فيما لا يعني مع أنه يخاف انجراره إلى حرام من غيبة ونحوها ، وينبغي أن يحترز غاية الإحتراز عن احتقار من يراه رث الهيئة أو مقصرا في شيء ، ويحترز من انتهار السائل ونحوه ، فإن خاطب ضعيفا تلطف في مخاطبته ، فإن رأى منكرا محققا لزمه إنكاره ، ويتلطف في ذلك . فرع : ليستكثر من أعمال الخير في يوم عرفة وسائر أيام عشر ذي الحجة وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما العمل في أيام أفضل منه في هذه ، يعني أيام العشر ، قالوا : ولا الجهاد قال ولا الجهاد ، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وما له فلم يرجع بشيء والله تعالى أعلم . فرع : الأفضل للواقف أن لا يستظل ، بل يبرز للشمس إلا للعذر بأن يتضرر أو ينقص دعاؤه أو اجتهاده في الأذكار . ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم استظل بعرفات مع ثبوت الحديث في صحيح مسلم وغيره عن أم الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم ظلل عليه بثوب وهو يرمي الجمرة وقد قدمنا بيان مذهبنا غير ما في استظلال المحرم بغير عرفات في باب الإحرام . والله أعلم . فرع : في التعريف بغير عرفات ، وهو الإجتماع المعروف في البلدان بعد العصر يوم عرفة ، وفيه خلاف للسلف رويناه في سنن البيهقي عن أبي عوانة قال : رأيت الحسن البصري يوم عرفة بعد العصر جلس فدعا وذكر الله عز وجل فاجتمع الناس وفي رواية رأيت الحسن خرج يوم عرفة من المقصورة بعد العصر فعرف . وعن شعبة قال سألت الحكم وحمادا عن اجتماع الناس يوم عرفة في المساجد فقالا : هو محدث وعن منصور عن إبراهيم النخعي هو محدث وعن قتادة عن الحسن قال : قال أول من صنع ذلك ابن عباس ، هذا ما ذكره البيهقي .
وقال الأثرم : سألت أحمد بن حنبل عنه فقال : أرجو أنه لا بأس به ، قد فعله غير واحد ، الحسن وبكر وثابت ومحمد بن واسع كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة ، وكرهه جماعات منهم نافع مولى ابن عمر وإبراهيم النخعي والحكم وحماد ومالك ابن أنس وغيرهم ، وصنف الإمام أبو بكر الطرطوشي المالكي الزاهد كتابا في البدع المنكرة ، جعل منها هذا التعريف ، وبالغ في إنكاره ، ونقل أقوال العلماء فيه ، ولا شك أن من جعله بدعة لا يلحقه بفاحشات البدع ، بل يخفف أمرها والله أعلم . فرع : من البدع القبيحة ما اعتاده بعض العوام في هذه الأزمان من إيقاد الشمع بجبل عرفة ليلة التاسع أو غيرها ، ويستصحبون الشمع من بلدانهم لذلك ويعتنون به ، وهذه ضلالة فاحشة جمعوا فيها أنواعا من القبائح منها : إضاعة المال في غير وجهه ومنها : إظهار شعار المجوس في الاعتناء بالنار ومنها : اختلاط النساء بالرجال ، والشموع بينهم ، ووجوهم بارزة ومنها : تقديم دخول عرفات على وقتها المشروع ، ويجب على ولي الأمر وفقه الله وكل مكلف تمكن من إزالة هذه البدع إنكارها ، والله المستعان . فرع : في مذاهب العلماء في مسائل تتعلق بالوقوف . إحداها : قال ابن المنذر : أجمع العلماء على أنه يصح وقوف غير الطاهر من الرجال والنساء كالجنب والحائض وغيرهما ، واختلفوا في صوم يوم عرفة بعرفة وقد ذكرنا المذاهب فيه في باب صوم التطوع . الثانية : ذكرنا أن الأصح عندنا أنه لا يصح وقوف المغمي عليه ، وحكاه ابن المنذر عن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور قال : وبه أقول ، وقال مالك وأبو حنيفة يصح . الثالثة : لو وقف بعرفات ، وهو لا يعلم أنها عرفات فقد ذكرنا أن مذهبنا صحة وقوفه ، وبه قال مالك وأبو حنيفة ، وحكى ابن المنذر عن بعض العلماء أنه لا يجزئه . الرابعة : إذا وقف في النهار ودفع قبل غروب الشمس ، ولم يعد في نهاره إلى عرفات ، هل يلزمه الدم فيه قولان سبقا الأصح : أنه لا يلزمه ، وقال أبو حنيفة وأحمد يلزمه ، فإن قلنا يلزمه فعاد في الليل سقط عندنا وعند مالك وقال أبو حنيفة وأبو ثور : لا يسقط ، وإذا دفع بالنهار ولم يعد ، أجزأه وقوفه وحجه صحيح ، سواء أوجبنا الدم أم لا ، وبه قال عطاء والثوري وأبو حنيفة وأبو ثور ، وهو الصحيح من مذهب أحمد ، قال ابن المنذر : وبه قال جميع العلماء إلا مالكا . وقال مالك : المعتمد في الوقوف بعرفة هو الليل ، فإن لم يدرك شيئا من الليل فقد فاته الحج ، وهو رواية عن أحمد . واحتج مالك بأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف حتى غربت الشمس ، وقال لتأخذوا عني مناسككم . واحتج أصحابنا بحديث عروة بن مضرس السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من شهد صلاتنا هذه يعني الصبح وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وهو حديث صحيح والجواب : عن حديثهم أنه محمول على الاستحباب أو أن الجمع بين الليل والنهار يجب لكن يجبر بدم ، ولا بد من الجمع بين الحديثين ، وهذا الذي ذكرناه طريق الجمع والله أعلم . الخامسة : وقت الوقوف بين زوال الشمس يوم عرفة وطلوع الفجر ليلة النحر ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور . وقال القاضي أبو الطيب والعبدري : هو قول العلماء كافة إلا أحمد ، فإنه قال : وقته ما بين طلوع الفجر يوم عرفة ، وطلوعه يوم النحر ، واحتج بحديث عروة السابق قريبا في المسألة الرابعة . واحتج أصحابنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بعد الزوال وكذلك الخلفاء الراشدون فمن بعدهم إلى اليوم ، وما نقل أن أحدا وقف قبل الزوال .
قالوا : وحديث عروة محمول على ما بعد الزوال . السادسة : لو وقف ببطن عرنة لم يصح وقوفه عندنا ، وبه قال جماهير العلماء وحكى ابن المنذر وأصحابنا عن مالك أنه يصح ويلزمه دم . وقال العبدري : هذا الذي حكاه أصحابنا من مالك لم أره له ، بل مذهبه في هذه المسألة كمذهب الفقهاء أنه لا يجزئه ، قال : وقد نص أصحابه أنه لا يجوز أن يقف بعرنة . واحتج أصحابنا بالحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عرفة كلها موقف وارتفعوا عن عرنة وهو حديث ضعيف رواه ابن ماجه من رواية جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم باسناد ضعبف جدا لأن فيه القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب . وأجمعوا على تضعيف القاسم هذا . قال أحمد بن حنبل : هو كذاب كان يضع الحديث ، فترك الناس حديثه . وقال يحيى بن معين : هو ضعيف ليس بشيء . وقال أبو حاتم هو متروك . وقال أبو زرعة هو ضعيف لا يساوي شيئا متروك الحديث ، منكر الحديث ، ورواه البيهقي من رواية محمد بن المنكدر عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح لكنه مرسل . ورواه بإسناد صحيح موقوفا على ابن عباس وبإسناد ضعيف مرفوعا ورواه الحاكم في المستدرك مرفوعا بالإسناد الذي ذكره البيهقي وقال هو صحيح على شرط مسلم ، وليس كما قال ، فليس هو على شرط مسلم ولا إسناده صحيح لأنه من رواية محمد بن كثير ، ولم يرو له مسلم ، وقد ضعفه جمهور الأئمة . والله تعالى أعلم . قلت : فتحصل الدلالة على مالك بثلاثة أشياء أحدها : الرواية المرسلة ، فإن المرسل عنده حجة والثاني : الموقوف على ابن عباس وهو حجة عنده والثالث : أن الذي قلنا به من تحديد عرفات مجمع عليه ، والذي يدعيه من دخول عرنة في الحد لا يقبل إلا بدليل ، وليس لهم دليل صحيح ولا ضعيف في ذلك ، والله تعالى أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا غربت الشمس دفع إلى المزدلفة ، لحديث علي كرم الله وجهه ، ويمشي وعليه السكينة لما روى الفضل بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للناس عشية عرفة وغداة جمع حين دفعوا : عليكم بالسكينة فإذا وجد فرجة أسرع لما روى أسامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص ، ويجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة على ما بيناه في كتاب الصلاة ، فإن صلى كل واحدة منهما في وقتها جاز ، لأن الجمع رخصة لأجل السفر فجاز له تركه . ويثبت بها إلى أن يطلع الفجر الثاني ، لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء ، واضطجع حتى إذا طلع الفجر صلى الفجر وفي أي موضع من المزدلفة بات أجزأه ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : المزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر وهل يجب المبيت بمزدلفة أم لا فيه قولان أحدهما : يجب لأنه نسك مقصود في موضع فكان واجبا كالرمي والثاني : إنه سنة لأنه مبيت فكان سنة كالمبيت بمنى ليلة عرفة ، فإن قلنا إنه يجب وجب بتركه الدم وإن قلنا إنه سنة لم يجب بتركه الدم . ويستحب أن يؤخذ منها حصى جمرة العقبة لما روى الفضل بن العباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال غداة يوم النحر القط لي حصى ، فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف ولأن السنة إذا أتي منى لا يعرج على غير الرمي ، فاستحب أن يأخذ الحصى حتى لا يشتغل عن الرمي ، وإن أخذ الحصى من غيرها جاز لأن الاسم يقع عليه . ويصلي الصبح بالمزدلفة في أول الوقت وتقديمها أفضل ، لما روى عبد الله قال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة إلا لميقاتها إلا المغرب والعشاء بجمع ، وصلاة الفجر يومئذ قبل ميقاتها ولأنه يستحب الدعاء بعدها فاستحب تقديمها ليكثر الدعاء . فإذا صلى وقف على قزح وهو المشعر الحرام ويستقبل القبلة ويدعو الله تعالى ، لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب القصواء حتى رقى على المشعر الحرام واستقبل القبلة فدعا الله عز وجل وكبر وهلل ووحد ولم يزل واقفا حتى أسفر جدا ثم دفع قبل أن تطلع الشمس . والمستحب أن يدفع قبل طلوع الشمس لحديث جابر ، فإن أخر الدفع حتى طلعت الشمس كره لما روى المسور بن مخرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس على رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم ، وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس ليخالف هدينا هدي أهل الأوثان والشرك فإن قدم الدفع بعد نصف الليل وقبل طلوع الفجر جاز لما روت عائشة رضي الله عنها أن سودة رضي الله عنها كانت امرأة ثبطة ، فأستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعجيل الإفاضة ليلا في ليلة المزدلفة فأذن لها والمستحب إذا دفع من المزدلفة أن يمشي وعليه السكينة ، لما ذكرناه من حديث الفضل بن عباس ، وإذا وجد فرجة أسرع كما يفعل في الدفع من عرفة . والمستحب إذا بلغ وادي محسر أن يسرع إذا كان ماشيا أو يحرك دابته إذا كان راكبا بقدر رمية حجر ، لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حرك قليلا في وادي محسر . + الشرح : أما حديث علي رضي الله عنه فسبق في فصل الوقوف بعرفات أنه حديث صحيح . ومما في معناه حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص رواه مسلم . وحديث الفضل بن العباس رواه مسلم ، وحديث أسامة رواه البخاري ومسلم .
وحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المزدلفة إلى آخره رواه مسلم بلفظه وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بالمزدلفة تلك الليلة بين المغرب والعشاء من رواية جماعات من الصحابة ، منهم ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبو أيوب الأنصاري وأسامة بن زيد وجابر ، وكل رواياتهم في صحيح البخاري ومسلم إلا جابرا ففي مسلم خاصة . وأما حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : المزدلفة كلها موقف ، وارتفعوا عن بطن محسر فرواه البيهقي بإسناد فيه ضعف ، وقد ذكرناه قريبا في المسألة السادسة في مذاهب العلماء قبل هذا الفصل ، ويغني عنه حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نحرت ههنا ومنى كلها منحر ، فانحروا في رحالكم ، ووقف ههنا وعرفة كلها موقف ، ووقفت ههنا وجمع كلها موقف رواه مسلم . وجمع هي المزدلفة وسنوضحه إن شاء الله تعالى . وأما حديث الفضل بن عباس في لقط الحصيات فصحيح ، رواه البيهقي بإسناد حسن أو صحيح ، وهو على شرط مسلم من رواية عبد الله بن عباس عن أخيه الفضل بن عباس . ورواه النسائي وابن ماجه بإسنادين صحيحين ، إسناد النسائي على شرط مسلم ، لكنهما روياه من رواية ابن عباس مطلقا ، وظاهر روايتهما أنه عبد الله بن عباس لا الفضل ، وكذا ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الأطراف في مسند عبد الله بن عباس ، ولم يذكره في مسند الفضل ، والجميع صحيح كما ذكرناه فيكون ابن عباس وصله في رواية البيهقي ، وأرسله في روايتي النسائي وابن ماجه ، وهو مرسل صحابي وهو حجة لو لم يعرف المرسل عنه ، فإذا عرف فأولى بالإحتجاج والاعتماد ، وقد عرف هنا أنه عن الفضل بن عباس فالحاصل أن الحديث صحيح من رواية الفضل بن عباس والله أعلم . وأما حديث عبد الله هو ابن مسعود ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة إلا لميقاتها إلى آخره ، فرواه البخاري ومسلم . وقوله في الصبح قبل ميقاتها أي قبل ميقاتها المعتاد في باقي الأيام ، وكانت هذه الصلاة عقب طلوع الفجر . وأما حديث جابر في الوقوف بالمشعر الحرام فرواه مسلم بلفظه الواقع هنا ، وهو بعض من حديث جابر الطويل . وأما حديث المسور بن مخرمة فرواه البيهقي بمعناه بإسناد جيد . وأما حديث عائشة في قصة سودة فرواه البخاري ومسلم . وأما حديث جابر الذي بعده في وادي محسر فرواه مسلم ، والله أعلم . وأما لغات الفصل وألفاظه : فالمزدلفة بكسر اللام . قال الأزهري : سميت بذلك من التزلف والإزدلاف ، وهو التقرب ، لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها أي مضوا إليها وتقربوا منها . وقيل سميت بذلك لمجىء الناس إليها في زلف من الليل أي ساعات ، وسميت المزدلفة جمعا بفتح الجيم وإسكان الميم سميت بذلك لاجتماع الناس بها . واعلم أن المزدلفة كلها من الحرم . قال الأزرقي في تاريخ مكة والبندنيجي والماوردي صاحب الحاوي في كتابه الأحكام السلطانية وغيرهما من أصحابنا وغيرهم : حد المزدلفة ما بين وادي محسر ومأزمي عرفة ، وليس الحدان منها ، ويدخل في المزدلفة جميع تلك الشعاب القوابل والظواهر ، والجبال الداخلة في الحد المذكور . وأما وادي محسر فبضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر السين المهملة المشددة وبالراء ، سمي بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه ، أي أعيى وكل عن السير ومنه قوله تعالى : ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ووادي محسر موضع فاصل بين منى ومزدلفة ، وليس من واحدة منهما . قال الأزرقي : وادي محسر خمسمائة ذراع وخمس وأربعون ذراعا . وأما منى فبكسر الميم ، ويجوز فيها الصرف وعدمه والتذكير والتأنيث ، والأجود الصرف . وجزم ابن قتيبة في آداب الكتاب بأنها لا تصرف ، وجزم الجوهري في الصحاح بأن منى مذكر مصروف .
وقال العلماء : سميت منى لما يمن فيها من الدماء ، أي يراق ويصب . هذا هو الصواب الذي جزم به الجمهور من أهل اللغة والتواريخ وغيرهم ونقل الأزرقي وغيره أنها سميت بذلك لأن آدم لما أراد مفارقة جبريل قال له : تمن ، قال : أتمنى الجنة . وقيل سميت بذلك من قولهم : منى الله الشيء أي قدره . فسميت منى ، لما جعل الله تعالى من الشعائر فيها . قال الجوهري : قال يونس : يقال امتنى القوم إذا أتوا منى ، وقال ابن الأعرابي يقال أمنى القوم أتوا منى . وأعلم أن منى من الحرم وهي شعب ممدود بين جبلين أحدهما : ثبير والآخر : الصانع ، قال الأزرقي وأصحابنا في كتب المذهب : حد منى ما بين جمرة العقبة ووادي محسر ، وليست الجمرة ولا وادي محسر من منى . قال البندنيجي والأصحاب : ما أقبل على منى من الجبال فهو منها ، وما أدبر فليس منها . قال الأزرقي وغيره : ذرع ما بين جمرة العقبة ومحسر سبعة آلاف ذراع ومائتا ذراع ، قال الأزرقي : وعرض منى من مؤخر المسجد الذي يلي الجبال إلى الجبل بحذائه ألف ذراع وثلاثمائة ذراع ، ومن جمرة العقبة إلى الجمرة الوسطى أربعمائة ذراع وسبع وثمانون ذراعا ونصف ذراع ، ومن الجمرة الوسطى إلى الجمرة التي تلي مسجد الخيف ثلاثمائة ذراع وخمسة أذرع ، ومن الجمرة التي تلي مسجد الخيف إلى أوسط أبواب المسجد ألف ذراع وثلاثمائة ذراع وإحدى وعشرون ذراعا ، والله أعلم . واعلم أن بين مكة ومنى مسافة فرسخ ، هو ثلاثة أميال . ومن منى إلى مزدلفة فرسخ ، ومن مزدلفة إلى عرفات فرسخ ، وقال إمام الحرمين والرافعي : بين مكة ومنى فرسخان ، والصواب فرسخ فقط . كذا قاله الأزرقي والمحققون في هذا الفن . والله أعلم . وأما المشعر الحرام فبفتح الميم . هذا هو الصحيح المشهور . وبه جاء القرآن وهو المعروف في رواية الحديث . قال صاحب المطالع : ويجوز كسر الميم لكن لم يرد إلا بالفتح . وحكى الجوهري الكسر . ومعنى الحرام المحرم أي الذي يحرم فيه الصيد وغيره . فإنه من الحرم . ويجوز أن يكون معناه ذا الحرمة . واختلف العلماء في المشعر الحرام . هل هو المزدلفة كلها أم بعضها . وهو قزح خاصة . وسنوضح الخلاف فيه قريبا إن شاء الله تعالى . قال العلماء : سمي مشعرا لما فيه من الشعائر ، وهي معالم الدين وطاعة الله تعالى . قوله : فإذا وجد فرجة وهي بضم الفاء وفتحها . ويقال فرج بلا هاء ثلاث لغات سبق بيانها في موقف الإمام والمأموم . وقوله يسير العنق بفتح النون وهو ضرب معروف من السير فيه إسراع يسير ، والنص بفتح النون وتشديد الصاد المهملة ، أكثر من العنق .
قوله ( لأنه نسك مقصود في موضعه فكان واجبا كالرمي ) احترز عن الرمل والاضطباع فإنهما تابعان للطواف ، وكذا صلاة الطواف وتقبيل الحجر ونحوه ولكنه ينتقض بالمبيت بمنى ليلة التاسع ، وبطواف القدوم ، وبالخطب والتلبية قوله صلى الله عليه وسلم القط لي حصى هو بضم القاف قوله ويصلي الصبح في أول الوقت ويقدمها أفضل تقديم أي أكثر ما يمكنه من التقديم ، وهو أن يصليها أول طلوع الفجر ، قوله وقف على قزح هو بضم القاف وفتح الزاي وهو جبل معروف بالمزدلفة قوله : أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب القصواء ، هي بفتح القاف وإسكان الصاد وبالمد ، قال أهل اللغة : يقال شاة قصواء وناقة قصواء إذا قطع من أذنها شيء لا يجاوز الربع ، فإن جاوز فهي عضباء ، قال العلماء : ولم تكن ناقة النبي صلى الله عليه وسلم مقطوعا من أذنها شيء ، قال صاحب المطالع : قال الداروردي إنما قيل لها القصواء لأنها كانت لا تكاد تسبق ، قال الجوهري يقال شاة قصواء وناقة قصواء ، ولا يقال جمل أقصى ، وإنما يقال مقصو ومقصى ، كما يقال امرأة حسناء ، ولا يقال رجل أحسن ، وكان يقال لهذه الناقة : القصواء والقصى والجدعا قال العلماء : هي اسم لناقة واحدة وقيل : هي ثلاث والله أعلم . قوله رقى على المشعر هو بكسر القاف ، وسبق بيانه قريبا . قوله حتى أسفر جدا هو بكسر الجيم ، وهو منصوب بفعل محذوف أي جد ، ومعناه إسفارا ظاهرا . قوله امرأة ثبطة هي بثاء مثلثة مفتوحة ثم باء موحدة ساكنة أي ثقيلة البدن جسيمة ، والله أعلم . أما الأحكام : ففيها مسائل إحداها : وهي مقدمة لما بعدها في بيان حديث علي رضي الله عنه الذي سبق الوعد به ، وهو ما رواه عبد الله بن رافع عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال : هذه عرفة ، وهو الموقف ، وعرفة كلها موقف ، ثم أفاض حين غربت الشمس وأردف أسامة بن زيد وجعل يشير بيده على هينته والناس يضربون يمينا وشمالا لا يلتفت إليهم ويقول : أيها الناس عليكم السكينة ، ثم أتى جمعا فصلى بهم الصلاتين جميعا ، فلما أصبح أتى قزح ووقف عليه وقال : هذا قزح وهو الموقف ، وجمع كلها موقف ، ثم أفاض حتى انتهى إلى وادي محسر فقرع ناقته فخبت حتى جاز الوادي فوقف وأردف الفضل ثم أتي الجمرة فرماها ، ثم أتى المنحر فقال : هذا المنحر ومنى كلها منحر ، واستفتته جارية شابة من خثعم فقالت : إن أبي شيخ كبير وقد أدركته فريضة الله في الحج أفيجزي أن أحج عنه ، قال : حجي عن أبيك ، ولوى عنق الفضل ، فقال العباس : يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك قال رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما . وأتاه رجل فقال : يا رسول الله إني أفضت قبل أن أحلق أو أقصر ، قال أحلق ولا حرج . قال : وجاء آخر فقال : يا رسول الله ذبحت قبل أن أرمي ، قال ارم ولا حرج ، قال ثم أتى البيت فطاف به ثم أتى زمزم فقال : با بني عبد المطلب لولا أن يغلبكم عليه الناس لنزعت رواه الترمذي بهذا اللفظ وقال هو حديث حسن صحيح . ورواه أبو داود مختصرا وفي روايته والناس يضربون يمينا وشمالا لا يلتفت إليهم . الثانية : السنة للإمام إذا غربت الشمس وتحقق غروبها أن يفيض من عرفات ، ويفيض الناس معه ، وأن يؤخر صلاة المغرب بنية الجمع إلى العشاء ، ويكثر كل واحد منهم من ذكر الله تعالى والتلبية لقوله تعالى : فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا .
الثالثة : السنة أن يسلك في ذهابه إلى المزدلفة على طريق المأزمين ، وهو بين العلمين اللذين هما حد الحرم من تلك الناحية ، والمأزم بهمزة بعد الميم وكسر الزاي هو الطريق بين الجبلين ، وقد نص الشافعي في المختصر والمصنف في التنبيه وجميع الأصحاب على أنه يسن الذهاب إلى المزدلفة على طريق المأزمين ، لا على طريق ضب . وعجب إهمال المصنف هذه المسألة هنا مع شهرتها . وذكره لها في التنبيه مع الحاجة إليها . وقد ثبت معناه في الصحيحين من رواية أسامة بن زيد رضي الله عنهما . الرابعة : السنة أن يسير إلى المزدلفة وعليه السكينة والوقار على عادة سيره ، سواء كان راكبا أو ماشيا ، ويحترز عن إيذاء الناس في المزاحمة ، فإن وجد فرجة فالسنة الإسراع فيها لما ذكره المصنف ، ولا بأس بأن يتقدم الناس على الإمام أو يتأخروا عنه ، لكن من أراد الصلاة مع الإمام فينبغي أن يكون قريبا منه . الخامسة : السنة أن يؤخروا صلاة المغرب ويجمعوا بينها وبين العشاء في المزدلفة في وقت العشاء . وهكذا أطلق استحباب تأخير المغرب والعشاء إلى المزدلفة جمهور الأصحاب لما ذكره المصنف ، وقالت طائفة من أصحابنا : يؤخرهما إلى المزدلفة ما لم يخش فوت وقت الإختيار للعشاء ، وهو ثلث الليل في أصح القولين ونصفه في الآخر ، فإن خافه لم يؤخر بل يجمع بالناس في الطريق وممن قال بهذا التفصيل الدارمي وأبو علي البندنيجي في كتابه الجامع والقاضي أبو الطيب في كتابه التعليق و المجرد وصاحبا الشامل و العدة وصاحب البيان وآخرون ، ونقله أبو الطيب في تعليقه عن نص الشافعي ، ونقله صاحبا الشامل و البيان عن نصه في الإملاء ، ولعل إطلاق الأكثرين محمول على ما لم يخش فوت وقت الإختيار ليتفق قولهم مع نص الشافعي ، وهذه الطائفة الكثيرة الكبيرة والله تعالى أعلم . قال الشافعي والأصحاب : السنة إذا وصلوا مزدلفة أن يصلوا قبل حط رحالهم وينيخ كل إنسان جمله ويعقله ثم يصلون ، لحديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء المزدلفة توضأ ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ، ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئا رواه البخاري ومسلم . وفي رواية لمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حتى جئنا المزدلفة فأقام المغرب ثم أناخ الناس في منازلهم ولم يحلوا حتى أقام العشاء الآخرة فصلى ثم حلوا . قال الشافعي : ولو ترك الجمع بينهما وصلى كل واحدة في وقتها أو جمع بينهما في وقت المغرب أو جمع وحده لا مع الإمام أو صلى إحداهما مع الإمام والأخرى وحده جامعا بينهما ، أو صلاهما في عرفات أو في الطريق قبل المزدلفة جاز وفاتته الفضيلة . وإن جمع في المزدلفة في وقت العشاء أقام لكل واحدة منهما ولا يؤذن للثانية . وفي الأذان للأولى الأقوال الثلاثة فيمن جمع في سائر الأسفار في وقت الثانية والأصح أن يؤذن ، وقد سبقت المسألة واضحة في باب الأذان . وأعلم أن هذا الجمع ثابت بالأحاديث الصحيحة وإجماع المسلمين ، وأحاديثه مشهورة في الصحيحين ، فمن روى في صحيحي البخاري و مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بالمزدلفة تلك الليلة بين المغرب والعشاء عبد الله بن مسعود وأبو أيوب الأنصاري وابن عمر وأسامة بن زيد . ورواه مسلم أيضا من رواية جابر في حديثه الطويل والترمذي من رواية علي وهو صحيح كما سبق والله أعلم . السادسة : إذا وصلوا مزدلفة وحلوا باتوا بها ، وهذا المبيت نسك بالإجماع ، لكن هو واجب أو سنة .
فيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : واجب والثاني : سنة وحكى الرافعي فيه ثلاثة طرق أصحها : قولان كما ذكرنا والثاني : القطع بالإيجاب والثالث : بالاستحباب ، فإن تركه أراق دما ، فإن قلنا المبيت واجب فالدم لتركه واجب وإلا فسنة ، وعلى القولين ليس بركن ، فلو تركه صح حجه . هذا هو الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي وقطع به جمهور الأصحاب وجماهير العلماء . وقال إمامان من أصحابنا : هو ركن لا يصح الحج إلا به كالوقوف بعرفات ، قاله أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ، فأما ابن بنت الشافعي فهو مشهور عنه ، حكاه عنه القاضي أبو الطيب في تعليقه ، والماوردي وغيرهما ، وحكاه الرافعي عنه وعن ابن خزيمة ، وأشار ابن المنذر إلى ترجيحه والمذهب أنه ليس بركن ، وأنه واجب فيجب الدم بتركه ثم الصحيح المنصوص في الأم أن هذا المبيت يحصل بالحضور في مزدلفة في ساعة من النصف الثاني من الليل ، وبهذا قطع جمهور العراقيين وأكثر الخراسانيين ، وفي قول ضعيف يحصل أيضا بساعة في النصف الثاني أو ساعة قبل طلوع الشمس حكاه أبو علي البندنيجي عن نصه في القديم و الإملاء . وحكى إمام الحرمين عن نقل شيخه أبي محمد وصاحب التقريب في قدر الواجب من المبيت قولين أظهرهما : معظم الليل والثاني : الحضور حال طلوع الفجر . وهذا النقل غريب وضعيف ، وقطع صاحب الحاوي بأنه لو دفع من عرفات ولم يحصل بمزدلفة إلا بعد نصف الليل لزمه دم ، قال لأنه لم يحضر فيها إلا أقل الليل ، وهذا الحكم والدليل ضعيفان ، والمذهب ما سبق . واتفق أصحابنا ونصوص الشافعي على أنه لو دفع من مزدلفة بعد نصف الليل أجزأه ، وحصل المبيت ، ولا دم عليه بلا خلاف ، وهذا مما يرد نقل إمام الحرمين ، فإنهم لا يصلون بمزدلفة غالبا إلا قريب ربع الليل أو نحوه ، فإذا دفع عقب نصف الليل لم يكن قد حضر معظم الليل بمزدلفة وقد اتفقوا على أنه يجزئه ، قال أصحابنا : وسواء كان الدفع بعد نصف الليل لعذر أم لغيره فإنه يجزئه المبيت ، واتفقوا على أنه لو دفع قبل نصف الليل بيسير ولم يعد إلى المزدلفة ، فقد ترك المبيت ، فلو دفع قبل نصف الليل وعاد إليها قبل طلوع الفجر أجزأه المبيت ولا شيء عليه بلا خلاف ، والله أعلم . وهذا الذي ذكرناه من وجوب الدم بترك المبيت من أصله إذا قلنا المبيت واجب هو فيمن تركه بلا عذر . أما من انتهى إلى عرفات ليلة النحر ، واشتغل بالوقوف عن المبيت بالمزدلفة فلا شيء عليه باتفاق الأصحاب . وممن نقل الإتفاق عليه إمام الحرمين . ولو أفاض من عرفات إلى مكة وطاف الإفاضة بعد نصف ليلة النحر ففاته المبيت بالمزدلفة بسبب الطواف : قال صاحب التقريب والقفال : لا شيء عليه لأنه اشتغل بركن فأشبه المشتغل بالوقوف . وحكى إمام الحرمين هذا ثم قال : وهذا محتمل عندي لأن المنتهي إلى عرفات في الليل مضطر إلى التخلف عن المبيت . وأما الطواف فيمكن تأخيره فإنه لا يفوت . والله أعلم . فرع : يحصل هذا المبيت بالحضور في أية بقعة كانت من مزدلفة . والعمدة في دليله أنه يصدق عليه اسم مزدلفة . وأما الحديث الذي احتج به المصنف فلا دلالة فيه لما ذكره . لأنه إنما ورد في الوقوف بالمشعر الحرام بعد الصبح لا في المبيت . وقد سبق بيانه . وعجب كيف استدل به المصنف . وقد سبق تحديد المزدلفة في أول الفصل . فرع : قال الشافعي والأصحاب : ويستحب أن يبقى بالمزدلفة حتى يطلع الفجر للأحاديث الصحيحة المشهورة في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بات بها حتى طلع الفجر .