Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V08/P213–V08/P214

فرع : إذا طاف للوداع فشرط الإعتداد به أن لا يقيم بعده ، فإن أقام لشغل ونحوه لم يحسب عن الطواف ، وإن أقيمت الصلاة بعد طوافه فصلاها معهم لم يضره يسير لعذر ظاهر مأمور به ، ووافقنا مالك وأحمد وداود ، وقال أبو حنيفة : إذا طاف للوداع بعد أن دخل وقت النفر لم يضره الإقامة بعده ، ولو بلغت شهرا وأكثر وطوافه ماض على صحته ، دليلنا الحديث السابق فليكن آخر عهده بالبيت . فرع : إذا حاضت ولم تكن طافت للإفاضة ، فقد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يلزم من أكراها الإقامة لها ، بل لها أن تجعل مكانها من شاءت ، وبه قال ابن المنذر . وقال مالك : يلزم من أكراها الإقامة أكثر مدة الحيض ، وزيادة ثلاثة أيام ، والله تعالى أعلم . & باب الفوات والإحصار &

Section V08/P214–V08/P215

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن أحرم بالحج ولم يقف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج . وعليه أن يتحلل بعمل عمرة ، وهي الطواف والسعي والحلق ، ويسقط عنه المبيت والرمي . وقال المزني : لا يسقط المبيت والرمي ، كما لا يسقط الطواف والسعي . وهذا خطأ لما روى الأسود عن عمر رضي الله عنه أنه قال لمن فاته الحج تحلل بعمل عمرة وعليك الحج من قابل وهدي ولأن المبيت والرمي من توابع الوقوف ، ولهذا لا يجب على المعتمر حين لم يجب عليه الوقوف ، وقد سقط الوقوف ههنا فسقطت توابعه بخلاف الطواف والسعي فإنهما غير تابعين للوقوف فبقي فرضهما ، ويجب عليه القضاء لحديث عمر رضي الله عنه ، ولأن الوقوف معظم الحج ، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم الحج عرفة وقد فاته ذلك فوجب قضاؤه . وهل يجب القضاء على الفور أم لا فيه وجهان كما ذكرناه فيمن أفسد الحج ، ويجب عليه هدي ، لقول عمر رضي الله عنه ، ولأنه تحلل من الإحرام قبل الإتمام فلزمه الهدي كالمحصر ، ومتى يجب الهدي فيه وجهان أحدهما : يجب مع القضاء لقول عمر رضي الله عنه ، ولأنه كالمتمتع ، ودم التمتع لا يجب إلا إذا أحرم بالحج والثاني : يجب في عامه كدم الإحصار . + الشرح : أما الأثر المذكور أولا عن عمر رضي الله عنه فصحيح رواه الشافعي والبيهقي وغيرهما بأسانيد صحيحة . وأما حديث الحج عرفة فسبق بيانه في فصل الوقت بعرفات . أما الأحكام : فإذا أحرم بالحج فلم يقف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج بالإجماع ويلزمه أن يتحلل بأعمال عمرة ، وهي الطواف والسعي والحلق فأما الطواف فلا بد منه بلا خلاف . وأما السعي فإن كان سعى عقب طواف القدوم كفاه ذلك ولا يسعى بعد الفوات . وقد أهمل المصنف بيان هذا ، ولا بد من التنبيه عليه كما قاله الأصحاب ، وإن لم يكن سعي وجب السعي بعد الطواف هذا هو المذهب ، وبه قطع المصنف والعراقيون . وقال الخراسانيون : للشافعي نصان أحدهما : نصه في المختصر أنه يطوف ويسعى ويحلق والثاني : نصه في الإملاء أنه يطوف ويحلق ، قال القاضي حسين نص عليه في الإملاء وحرملة ، ونقله القفال وصاحب البحر عن نصه في القديم قال الخراسانيون : للأصحاب في هذين النصين طريقان أصحهما : باتفاقهم أنه يجب السعي لحديث عمر رضي الله عنه ، ولأن السعي ملازم للطواف في النسك والثاني : لا يجب لأنه ليس من أسباب التحلل ، والطريق الثاني : يجب قولا واحدا . واختلفوا على هذا في تأويل نص الشافعي في الإملاء وحرملة و القديم فذكر القاضي حسين والبغوي والروياني والأكثرون أنه محمول على من كان سعى بعد طواف القدوم ، وذكر إمام الحرمين تأويلا آخر أنه اقتصر على الطواف في اللفظ ومراده الطواف مع السعي ، وإنما حذفه اختصارا للعلم به ، قال : وهذا معتاد في الكلام والله أعلم . وأما الحلق : فإن قلنا : هو نسك وجب وإلا فلا والحاصل مما ذكرناه أنه يجب الطواف قطعا ، وفي السعي طريقان المذهب : وجوبه والثاني : على قولين وفي الحلق قولان أصحهما : وجوبه والثاني : لا ، وإن اقتصرت على الراجح قلت : يجب الطواف والسعي والحلق ، وأما المبيت والرمي ، فإن فات وقتهما لم يجبان ، وإن بقي فوجهان الصحيح : المنصوص ، وبه قطع جمهور أصحابنا لا يجبان والثاني : يجبان . قاله المزني والاصطخري ، ودليل الجميع في الكتاب والله تعالى أعلم .

Section V08/P215–V08/P217

قال أصحابنا : وإذا تحلل بأعمال العمرة لا ينقلب حجه عمرة ، ولا تجزئه عن عمرة الإسلام ، ولا تحسب عمرة أخرى ، هذا هو المذهب والمنصوص ، وبه قطع الأصحاب ، وحكى إمام الحرمين عن الشيخ أبي علي السنجي أنه حكى في شرح التلخيص وجها أنه ينقلب عمرة مجزئة ، وهذا شاذ ضعيف جدا ، وعلى هذا الشاذ لا بد من الطواف والسعي ، وكذا الحلق إذا جعلناه نسكا والله أعلم . قال الشافعي والأصحاب : ومن فاته الحج وتحلل يلزمه القضاء ، هكذا أطلقوه . ودليله ما ذكره المصنف ، وعبر بعض الخراسانيين عبارة أخرى توافق هذه في الحكم فقالوا : إن كان تحلله من حجة واجبة بقيت في ذمته كما كانت ، وإن كان من حجة تطوع لزمه قضاؤها كما لو أفسدها . وفي وجوب القضاء على الفور وهو في السنة الآتية وجهان كما سبق في الإفساد أصحهما : يجب على الفور ، لحديث عمر رضي الله عنه . وممن صرح بتصحيحه الماوردي والروياني والرافعي ، ولا يلزمه قضاء عمره مع قضاء الحج عندنا بلا خلاف ، ويجب عليه دم للفوات وهو شاذ . وهل يجب في سنة الفوات أم في سنة القضاء فيه خلاف ، منهم من يحكيه قولين ، ومنهم من يحكيه وجهين كما حكاه المصنف أصحهما : يجب تأخيره إلى سنة القضاء وهو نصه في الإملاء و القديم والثاني : يجب في سنة الفوات ، وله تأخيره إلى سنة القضاء ، فعلى الأول في وقت وجوبه وجهان حكاهما البندنيجي وغيره . أحدهما : يجب في سنة الفوات ، وإن وجب تأخيره كما يجب فيها القضاء وأصحهما : أن الوجوب في سنة القضاء ، لأنه لو وجب في سنة الفوات لجاز إخراجه فيها فإنه ممكن بخلاف القضاء ، فإنه لا يمكن فيها . وقد سبق في آخر باب ما يجب بمحظورات الإحرام بيان هذا الخلاف وما يتفرع عليه . وبيان بدل هذا الدم إذا عجز عنه والله أعلم . ثم إنه إنما يلزم دم واحد كما ذكرنا . هذا هو المذهب المنصوص . وبه قطع الأصحاب في الطريقين . وحكى صاحب التقريب وإمام الحرمين ومتابعوه قولا آخر غريبا ضعيفا : أنه يلزمه دمان أحدهما : في مقابلة الفوات والثاني : لأنه في قضاء يشبه التمتع لكونه تحلل بين النسكين والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : لا فرق في الفوات بين المعذور وغيره فيما ذكرناه . لكن يفترقان في الإثم . فلا يأثم المعذور . ويأثم غيره . كذا صرح بإثمه القاضي أبو الطيب وغيره ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : المكي وغير المكي سواء في الفوات . وترتب الأحكام ووجوب الدم بخلاف التمتع . فإن المكي لا دم عليه فيه ، لأن الفوات يحصل من المكي كحصوله من غيره وأما : دم التمتع فإنما يجب لترك الميقات والمكي لا يترك الميقات لأن ميقاته موضعه والله أعلم . فرع : إذا أحرم بالعمرة في أشهر الحج وفرغ منها ثم أحرم بالحج ففاته لزمه قضاء الحج دون العمرة . لأن الذي فاته الحج دون العمرة يلزمه دمان دم الفوات ودم التمتع . فرع : هذا الذي سبق كله فيمن أحرم بالحج وحده وفاته . فأما من أحرم بالعمرة فلا يتصور فواتها . لأن جميع الزمان وقت لها وأما : من أحرم بالحج والعمرة قارنا ففاته الوقوف ، فإن العمرة تفوت بفوات الحج لأنه مندرجة فيه وتابعة له . ولأنه إحرام واحد فلا يتبعض حكمه . هذا هو المذهب ، وبه قطع جمهور العراقيين وجماعات من الخراسانيين . وحكى الماوردي في الحاوي والدارمي والقفال والقاضي حسين والفوراني والبغوي والمتولي والروياني وآخرون من الخراسانيين في العمرة قولين أصحهما : وجوب قضائها لما ذكرناه والثاني : لا يستحب بل إذا تحلل بالطواف والسعي والحلق حصلت العمرة . لأنها لا تفوت بخلاف الحج .

Section V08/P217–V08/P218

قال القاضي حسين : هذان القولان مبنيان على أن النسك الواحد هل يتبعض حكمه إذا جمع بينهما بأن استأجر من يحج ويعتمر . وكان المستأجر قد أدى عن نفسه أحد النسكين فأحرم الأجير بهما وفرغ منهما وفيه قولان أحدهما : لا يتبعض . فيكونان عن المستأجر . فعلى هذا تفوته العمرة بفوات الحج والثاني : يتبعض . فيقع أحدهما عنه . فعلى هذا لا تفوت العمرة . وقال المتولي : أصل القولين أن العمرة هل يسقط اعتبارها في القران أم يقع العمل عنهما جميعا وفيه خلاف سبق بيانه فإن قلنا : يسقط اعتبارها فاتت بفوات الحج وإن قلنا : لا يسقط اعتبارها ، بل تقع الأعمال عنهما حسبت عمرته والله أعلم . قال أصحابنا : وعليه القضاء قارنا ، ويلزمه ثلاثة دماء : دم للفوات ، ودم للقران الفائت ، ودم ثالث للقران الذي أتى به في القضاء . فإن قضاهما مفردا أجزأه عن النسكين . ولا يسقط عنه الدم الثالث الواجب بسبب الفوات في القضاء لأنه توجه عليه القران ودمه ، فإذا تبرع بالإفراد لا يسقط الدم الواجب . وقد قال الشافعي رحمه الله : فإن قضاه مفردا لم يكن له . قال الشيخ أبو حامد والأصحاب : مراده أنه لا يسقط الدم الثالث . لأنه بالفوات لزمه القضاء قارنا مع دم . فإذا قضى الحج والعمر مفردا أجزأه . لأنه أكمل من القران ، ولا يسقط الدم لما ذكرناه . قال الروياني : قال ابن المرزبان : وقد نص الشافعي على هذا في الإملاء . وشذ الدارمي فحكى وجها غريبا أنه إذا قضاه مفردا سقط الدم الثالث . وهذا ضعيف جدا ، والصواب ما سبق . قال الروياني : ولو قضاه مفردا فأتى بالعمرة بعد الحج ، قال الشافعي في الإملاء : يحرم بالعمرة من الميقات . لأنه كان أحرم بها من الميقات في سنة الفوات . قال : فإن أحرم بها من أدنى الحل لم يلزمه أكثر من الدماء الثلاثة . لأنه وإن ترك الإحرام من الميقات فالدم الواجب بسبب الميقات ، ودم القران بسبب الميقات ، فتداخلا : قال : وإن قضاه متمتعا أجزأه إلا أنه يحرم بالحج من الميقات ، فإن أحرم به من جوف مكة وجب دم التمتع ، ودخل فيه دم القران لأنه بمعناه . فالحاصل أنه يلزمه ثلاثة دماء . سواء قضى مفردا أو متمتعا أو قارنا ، والله أعلم . فرع : قال القفال والروياني وغيرهما : كما أن العمرة تابعة للحج للفوات في حق القارن ، فهي أيضا تابعة له في الإدراك في حق القارن حتى لو رمى القارن وحلق ، ثم جامع لم تفسد عمرته كما لا يفسد حجه ، وإن لم يكن أتى بأعمال العمرة وهذا الذي ذكروه هو المذهب ، وفي المسألة وجه ضعيف جدا غريب ، سبق بيانه في باب محظورات الإحرام في مسائل الجماع أنه يفسد عمرته والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن من فاته الحج تحلل بطواف وسعى وحلق قال الماوردي وغيره : فإن كان معه هدى ذبحه قبل الحلق كما يفعل من لم يفته . فرع : قال الشيخ أبو حامد والدارمي والماوردي وغيرهم : لو أراد صاحب الفوات استدامة إحرامه إلى السنة الآتية لم يجز ، لأنه يصير محرما بالحج في غير أشهره والبقاء على الإحرام كإبتدائه ، ونقل أبو حامد هذا عن نص الشافعي قال : وهو إجماع الصحابة . فرع : قال القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد والروياني : قال ابن المرزبان : صاحب الفوات له حكم من تحلل التحلل الأول ، لأنه لما فاته الوقوف سقط عنه الرمي فصار كمن رمى فإن وطىء لم يفسد إحرامه ، وإن تطيب أو لبس لم يلزمه الفدية ، قال القاضي والروياني : وهذا على قولنا الحلق ليس بنسك فإن قلنا : احتاج إلى الحلق أو الطواف حتى يحصل التحلل الأول . وقد صرح الدارمي بما قاله القاضي والروياني .

Section V08/P218–V08/P220

فرع : لو أفسد حجه بالجماع ثم فاته ، قال الأصحاب : عليه دمان . دم للإفساد وهو بدنه ، ودم للفوات وهو شاة . فرع في مذاهب العلماء قد ذكرنا أن مذهبنا أن من فاته الحج لزمه التحلل بعمل عمرة وعليه القضاء ودم ، وهو شاة ، ولا ينقلب إحرامه عمرة ، وهو مذهب عمر وابن عمر وزيد بن ثابت وابن عباس ومالك وأبي حنيفة ، إلا أن أبا حنيفة ومحمدا قالا : لا دم عليه ، ووافقا في الباقي . وقال أبو يوسف وأحمد في أصح الروايتين : ينقلب عمرة مجزئة عن عمرة سبق وجوبها ، ولا دم . وقال المزني كقولنا : وزاد وجوب المبيت والرمي كما سبق عنه . دليلنا ما روى البيهقي بإسناده الصحيح عن ابن عمر أنه قال : من لم يدرك عرفة حتى طلع الفجر فقد فاته الحج ، فليأت البيت فليطف به سبعا ، وليطوف بين الصفا والمروة سبعا ثم ليحلق أو يقصر إن شاء ، وإن كان معه هدى فلينحره قبل أن يحلق ، فإذا فرغ من طوافه وسعيه فليحلق أو يقصر ثم ليرجع إلى أهله ، فإن أدركه الحج من قابل فليحج إن استطاع وليهد في حجه ، فإن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله . وروى مالك في الموطأ والشافعي والبيهقي وغيرهم بأسانيدهم الصحيحة عن سليمان بن يسار أن أبا أيوب الأنصاري خرج حاجا حتى إذا كان بالنازية من طريق مكة ضلت راحلته ، فقدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم النحر فذكر ذلك له ، فقال له عمر : اصنع كما يصنع المعتمر ثم قد حللت ، فإذا أدركت الحج قابلا فاحجج وأهدما استيسر من الهدي . وروى مالك أيضا في الموطأ بإسناده عن سليمان بن يسار أن هبار بن الأسود جاء يوم النحر وعمر بن الخطاب ينحر هديه ، فقال يا أمير المؤمنين أخطأنا العدة كنا نظن أن هذا اليوم يوم عرفة ، فقال له عمر : اذهب إلى مكة فطف بالبيت أنت ومن معك ، واسعوا بين الصفا والمروة ، وانحروا هدبا إن كان معكم ، ثم احلقوا أو قصروا ثم ارجعوا فإذا كان عام قابل فحجوا واهدوا ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع . وعن الأسود قال سألت عمر عن رجل فاته الحج قال : يهل بعمرة وعليه الحج من قابل . ثم سألت في العام المقبل زيد بن ثابت عنه قال : يهل بعمرة وعليه الحج من قابل رواه البيهقي بإسناد صحيح ، ورواه هكذا من طرق . قال البيهقي : وروى عن إدريس الأودي عنه قال : ويهريق دما . قال البيهقي روايات الأسود عن عمر متصلات ، ورواية سليمان بن يسار عنه منقطعة . قال الشافعي : الرواية المتصلة عن عمر فيها زيادة ، والذي زيد في الحديث أولى بالحفظ ممن لم يزد . وقد رويناه عن ابن عمر كما سبق متصلا ، ورواية إدريس الأودي إن صحت تشهد لرواية سليمان بن يسار بالصحة . وروى إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن نافع عن سليمان بن يسار عن هبار بن الأسود أنه حدثه أنه فاته الحج ، فذكره موصولا . هذا آخر كلام البيهقي ، والله أعلم .

Section V08/P220–V08/P221

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أخطأ الناس الوقوف فوقفوا في اليوم الثامن أو العاشر لم يجب عليهم القضاء ، لأن الخطأ في ذلك إنما يكون بأن يشهد اثنان برؤية الهلال قبل الشهر بيوم ، فوقفوا في الثامن بشهادتهما ثم بان كذبهما ، أو يغم الهلال فوقفوا في اليوم العاشر ، ومثل هذا لا يؤمن في القضاء فسقط . + الشرح : قال أصحابنا : إذا غلطوا في الوقوف نظر إن غلطوا في المكان ، فوقفوا في غير أرض عرفات ، يظنونها عرفات لم يجزهم بلا خلاف لتفريطهم ، وإن غلطوا في الزمان بيومين بأن وقفوا في السابع أو الحادي عشر لم يجزهم بلا خلاف لتفريطهم ، وإن غلطوا بيوم واحد ، فوقفوا في اليوم العاشر من ذي الحجة أجزأهم وتم حجهم ولا قضاء . هذا إذا كان الحجيج على العادة ، فإن قلوا أو جاءت طائفة يسيرة فظنت أنه يوم عرفة وأن الناس قد أفاضوا فوجهان مشهوران حكاهما المتولي والبغوي وآخرون أصحهما : لا يجزئهم ، وبه قطع المصنف في التنبيه وآخرون ، لأنهم مفرطون ، ولأنه نادر يؤمن مثله في القضاء والثاني : يجزئهم كالجمع الكثير . قال أصحابنا : وحيث قلنا : يجزئهم فلا فرق بين أن يتبين الحال بعد اليوم العاشر أو في أثناء الوقوف . ولو بان الحال في اليوم العاشر قبل زوال الشمس فوقفوا عالمين بالحال . قال البغوي : المذهب أنه لا يحسب وقوفهم ، لأنهم وقفوا متيقنين الخطأ بخلاف ما لو علموا في حال الوقوف فإنه يجزئهم لأن وقوفهم قبل العلم وقع مجزئا . هذا كلام البغوي ، وأنكر عليه الرافعي وقال : هذا غير مسلم له ، لأن عامة الأصحاب قالوا : لو قامت بينة برؤية الهلال ليلة العاشر وهم بمكة بحيث لا يمكنهم الوقوف في الليل وقفوا من الغد وحسب لهم الوقوف ، كما لو قامت البينة بعد الغروب يوم الثلاثين من رمضان برؤية الهلال ليلة الثلاثين ، فإن الشافعي نص أنهم يصلون من الغد العيد ، فإذا لم يحكم بالفوات لقيام البينة ليلة العاشر لزمه مثله يوم العاشر هذا كلام الرافعي ، وهذا الذي قاله هو الصحيح خلاف ما قاله البغوي والله أعلم . قال أصحابنا : لو شهد واحد أو جماعة برؤية هلال ذي الحجة فردت شهادتهم لزم الشهود الوقوف في اليوم التاسع عندهم والناس يقفون بعده ، فلو اقتصروا على الوقوف مع الناس في اليوم الذي بعده لم يصح وقوف الشهود بلا خلاف عندنا . وحكى أصحابنا عن محمد بن الحسن أنه قال : يلزمهم الوقوف مع الناس ، أي وإن كانوا يعتقدونه العاشر . قال : ولا يجزئهم التاسع عندهم . دليلنا أنهم يعتقدون هذا اليوم الذي يقف الناس فيه العاشر فلم يجز وقوفهم فيه ، كما لو قبلت شهادتهم . هذا كله إذا غلطوا فوقفوا في العاشر . أما إذا غلط الحجيج فوقفوا في الثامن بأن شهد بالرؤية فساق أو كفار أو عبيد ولم يعلم حالهم ثم علم ، فإن بان الحال قبل فوات وقت الوقوف لزمهم الوقوف فيه لتمكنهم منه ، وإن بان بعده فوجهان مشهوران في طريقتي العراقيين والخراسانيين أحدهما : يجزئهم كالعاشر وبهذا قطع لامصنف والعبدري ، ونقله صاحب البيان عن أكثر الأصحاب وأصحهما : لا يجزئهم لأنه نادر ، وبهذا قطع ابن الصباغ والروياني وكثيرون . وصححه البغوي والمتولي والرافعي وآخرون فهو الصحيح المختار ، والخلاف هنا كالخلاف فيمن اجتهد فصلى أو صام فبان قبل الوقت ، والصحيح هناك أيضا أنه لا يجزئه . والله أعلم .

Section V08/P221

فرع : قال الروياني : قال والدي رحمه الله : إذا أحرم الناس بالحج في أشهر الحج بالإجتهاد فبان الخطأ في الإجتهاد خطأ عاما ففي انعقاد الإحرام بالحج وجهان أحدهما : ينعقد كما لو وقفوا في اليوم العاشر غلطا ، ووجه الشبه أن كل واحد منهما ركن يفوت الحج بفواته والثاني : لا ينعقد حجا وينعقد عمرة ، والفرق أنا لو أبطلنا الوقوف في العاشر أبطلناه من أصله ، وفيه إضرار . وأما هنا فينعقد عمرة ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في الغلط في الوقوف . اتفقوا على أنهم إذا غلطوا فوقفوا في العاشر وهم جمع كثير على أجزأهم ، وإن وقفوا في الثامن فالأصح عندنا لا يجزئهم . وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ، والأصح من مذهب مالك وأحمد أنه لا يجزئهم .

Section V08/P221–V08/P223

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن أحرم فأحصره العدو نظرت فإن كان العدو من المسلمين فالأولى أن يتحلل ولا يقاتله ، لأن التحلل أولى من قتال المسلمين ، وإن كان من المشركين لم يجب عليه القتال ، لأن قتال الكفار لا يجب إلا إذا بدأوا بالحرب ، فإن كان في المسلمين ضعف وفي العدو قوة فالأولى ألا يقاتلهم ، لأنه ربما انهزم المسلمون فيلحقهم وهن ، وإن كان في المسلمين قوة وفي المشركين ضعف فالأفضل أن يقاتلهم ليجمع بين نصرة الإسلام وإتمام الحج ، فإن طلبوا مالا لم يجب إعطاء المال لأن ذلك ظلم ولا يجب الحج مع احتمال الظلم ، فإن كانوا مشركين كره أن يدفع إليهم لأن في ذلك صغارا على الإسلام فلا يجب احتماله من غير ضرورة ، وإن كانوا مسلمين لم يكره . + الشرح : قال أهل اللغة : يقال أحصره المرض وحصره العدو ، وقيل حصر وأحصر فيهما والأول أشهر . وأصل الحصر المنع . قال الشافعي والأصحاب : إذا أحصر العدو المحرمين عن المضي في الحج من جميع الطرق فلهم التحلل ، سواء كان الوقت واسعا أم لا ، وسواء كان العدو مسلمين أو كفارا ، لكن إن كان الوقت واسعا فالأفضل تأخير التحلل فلعله يزول المنع ويتم الحج ، وإن كان الوقت ضيقا فالأفضل تعجيل التحلل خوفا من فوات الحج . ويجوز للمحرم بالعمرة التحلل عند الإحصار بلا خلاف ، ودليل التحلل وإحصار العدو نص القرآن والأحاديث الصحيحة المشهورة في تحلل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية وكانوا محرمين بعمرة وإجماع المسلمين على ذلك . وأما إذا منعوا وطلب منهم مال ولم يمكنهم المضي إلا ببذل مال فلهم التحلل ولا يلزمهم بذله بلا خلاف ، سواء قل المطلوب أم كثر ، فإن كان الطالب كفارا قال الشافعي والأصحاب : كره ذلك ولا يحرم ، قال الشافعي : كما لا تحرم الهبة للكفار ، وإن كانوا مسلمين لم يكره لما ذكره المصنف . وأما إذا احتاج الحجيج إلى قتال العدو ليسيروا فينظر إن كان المانعون مسلمين جاز لهم التحلل ، وهو أولى من قتالهم لتعظيم دماء المسلمين ، فإن قاتلوه جاز لأنهم صائلون ، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من قتل دون ماله فهو شهيد وفي حديث صحيح ومن قتل دون دينه فهو شهيد . وإن كان العدو كفارا فوجهان أحدهما : وهو مشهور في كتب الخراسانيين أنه إن كان العدو أكثر من مثلي عدد المسلمين لم يجب قتالهم ، وإلا وجب . قال إمام الحرمين : هذا الإطلاق ليس بمرض ، بل شرطه وجدانهم السلاح وأهبة القتال . قال : فإن وجدوا ذلك فلا سبيل إلى التحلل . والوجه الثاني : وهو الصحيح ، وبه قطع المصنف وسائر العراقيون وآخرون من غيرهم ، ونقله الرافعي عن أكثر الأصحاب أنه لا يجب القتال ، سواء كان عدد الكفار مثلي المسلمين أو أقل ، لكن إن كان بالمسلمين قوة فالأفضل أن لا يتحللوا بل يقاتلوهم ليجمعوا بين الجهاد ونصرة الإسلام والحج ، وإلا فالأفضل التحلل لما ذكره المصنف . قال أصحابنا : وحيث قاتلوا المسلمين أو الكفار فلهم لبس الدروع والمغافر وعليهم الفدية ، كمن لبس لحر أو برد . وهذا الذي ذكرناه من جواز التحلل بلا خلاف هو فيما إذا منعوا المضي دون الرجوع ، فأما إذا أحاط بهم العدو من الجوانب كلها فوجهان مشهوران ، حكاهما البندنيجي والماوردي وإمام الحرمين والبغوي والمتولي وغيرهم . وقيل هما قولان أصحهما : جواز التحلل لعموم قوله تعالى : فإن أحصرتم والثاني : لا ، إذ لا يحصل به أمن ، والله أعلم .

Section V08/P223–V08/P224

فرع : هذا الذي ذكرناه هو فيما إذا صدوهم ولم يجدوا طريقا آخر ، فأما إن وجدوا طريقا غيره لا ضرر في سلوكها فإن كانت مثل طريقهم التي صدوا عنها لم يكن لهم التحلل لأنهم قادرون على الوصول ، فإن كان أطول من طريقهم قال صاحب الفروع والروياني وصاحب البيان وغيرهم : إن لم يكن معهم نفقة تكفيهم لذلك الطريق فلهم التحلل ، وإن كان معهم نفقة تكفيهم لطريقهم الآخر لم يجز لهم التحلل ولزمهم سلوك الطريق الآخر ، سواء علموا أنهم بسلوك هذا الطريق يفوتهم الحج أم لا ، لأن سبب التحلل هو الحصر لا خوف الفوات ، ولهذا لو أحرم بالحج يوم عرفة وهو بالشام لم يجز له التحلل بسبب الفوات . قال أصحابنا : حتى لو أحصر بالشام في ذي الحجة ووجد طريقا آخر كما ذكرنا لزمه السير فيه ووصول الكعبة والتحلل بعمل عمرة . قال أصحابنا : فإذا سلك هذا الطريق كما أمرناه ففاته الحج بطول الطريق الثاني أو خشونته أو غيرهما مما يحصل الفوات بسببه فقولان مشهوران ، ذكرهما المصنف في الفصل الآتي والأصحاب أصحهما : لا يلزمه القضاء بل يتحلل تحلل المحصر لأنه محصر ، ولعدم تقصيره . والثاني : يلزمه القضاء كما لو سلكه إبتداء ففاته بضلال في الطريق ونحوه ولو استوى الطريقان من كل وجه وجب القضاء بلا خلاف ، لأنه فوات محض ولو أحصر ولم يجد طريقا آخر إلا في البحر ، قال أصحابنا : ينبني على وجوب ركوب البحر للحج ، وقد سبق بيان الخلاف فيه وتفصيله في أوائل كتاب الحج فحيث قلنا : يجب ركوبه يكون كقدرته على طريق أمن من البر وإلا فلا والله أعلم ولو أحصر فصابر الإحرام متوقعا زواله ففاته الحج ، والإحصار دائم ، تحلل بأعمال العمرة ، وفي القضاء طريقان أصحهما : طرد القولين فيمن فاته يطول الطريق الثاني والطريق الثاني : القطع بوجوب القضاء لأنه تسبب بالمصابرة في الفوات ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : إذا لم يتحلل بالإحصار حتى فاته الحج ، فحيث قلنا : لا قضاء عليه ، يتحلل وعليه دم الإحصار دون دم الفوات ، وحيث أوجبنا القضاء فإن كان قد زال العدو وأمكنه وصول الكعبة لزمه قصدها ، والتحلل بعمل عمرة وعليه دم الفوات دون دم الإحصار ، وإن كان العدو باقيا فله التحلل وعليه دمان ، دم الفوات ودم الإحصار ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : إذا تحلل الحاج فإن لم يزل الإحصار فله الرجوع إلى وطنه ، وإن انصرف العدو فإن كان الوقت واسعا بحيث يمكنه تجديد الإحرام وإدراك الحج ، فإن كان حجه تطوعا فلا شيء عليه ، وإن كان حجه تقدم وجوبها بقي وجوبها كما كان ، والأولى أن يجدد الإحرام بها في هذه السنة وله التأخير وإن كانت حجة وجبت في هذه السنة بأن استطاع في هذه السنة دون ما قبلها فقد استقر الوجوب في ذمته لتمكنه ، والأولى أن يحرم بها في هذه السنة وله التأخير لأن الحج عندنا على التراخي ، وإن كان الوقت ضيقا بحيث لا يمكنه إدراك الحج سقط عنه الوجوب في هذه السنة ، فإن استطاع بعده لزمه ، وإلا فلا ، إلا أن يكون سبق وجوبها قبل هذه السنة واستقرت ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : إذا قال العدو الصادون بعد صدهم : قد آمناكم ، وخلينا لكم الطريق ، فإن وثقوا بقولهم فأمنوا غدرهم لم يجز التحلل لمن لم يكن تحلل ، لأنه لا صد ، وإن خافوا غدرهم فلهم التحلل .

Section V08/P224

فرع : اعترض أبو سعيد ابن أبي عصرون على المصنف في قوله لأن قتال الكفار لا يجب إلا إذا بدأوا بالحرب ، وقال : هذا سهو منه ، بل قتال الكفار لا يتوقف على الإبتداء ، وهذا الإعتراض غلط من قائله ، بل الذي قاله المصنف هو عبارة الأصحاب في الطريقتين ، لكن زاد القاضي أبو الطيب والجمهور فيها لفظة فقالوا : لأن قتال الكفار لا يجب إلا إذا بدأوا به أو استنفر الإمام أو الثغور الناس لقتالهم ، فهذه عبارة الأصحاب ، ومرادهم لا يجب على آحاد الرعية والطائفة منهم ، وأما الإمام فيلزمه الغزو بالناس بنفسه أو بسراياه كل سنة مرة إلا أن تدعو حاجة إلى تأخيره ، كما هو مقرر في كتاب السير والله أعلم .

Section V08/P224–V08/P226

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أحصره العدو عن الوقوف أو الطواف أو السعي فإن كان له طريق آخر يمكنه الوصول منه إلى مكة لم يجز له التحلل قرب أو بعد ، لأنه قادر على أداء النسك ، فلا يجوز له التحلل ، بل يمضي يتمم النسك ، وإن سلك الطريق الآخر ففاته الحج تحلل بعمل عمرة ، وفي القضاء قولان : أحدهما : يجب عليه . لأنه فاته الحج فأشبه إذا أخطأ الطريق أو أخطأ العدد . والثاني : لا يجب عليه لأنه تحلل من غير تفريط فلم يلزمه القضاء ، كما لو تحلل بالإحصار ، فإن أحصر ولم يكن له طريق آخر جاز له أن يتحلل لقوله عز وجل : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي البقرة : 196 ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أحصره المشركون في الحديبية فتحلل ، ولأنا لو ألزمناه البقاء على الإحرام ربما طال الحصر سنين فتلحقه المشقة العظيمة في البقاء على الإحرام . وقد قال الله عز وجل : وما جعل عليكم في الدين من حرج الحج : 78 . فإن كان الوقت واسعا فالأفضل أن لا يتحلل ، لأنه ربما زال الحصر وأتم النسك . وإن كان الوقت ضيقا فالأفضل أن يتحلل حتى لا يفوته الحج ، فإن اختار التحلل نظرت فإن كان ولمجدا للهدى لم يجز له أن يتحلل حتى يهدى ، لقوله تعالى : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي البقرة : 196 فإن كان في الحرم ذبح الهدى فيه ، وإن كان في غير الحرم ولم يقدر على الوصول إلى الحرم ذبح الهدى حيث أحصر ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه بالحديبية ، وهي خارج الحرم ، وإن قدر على الوصول إلى الحرم ففيه وجهان . أحدهما : يجوز له أن يذبح في موضعه ، لأنه موضع تحلله فجاز فيه الذبح كما لو أحصر في الحرم . والثاني : لا يجوز أن يذبح إلا في الحرم لأنه قادر على الذبح في الحرم فلا يجوز أن يذبح في غيره كما لو أحصر فيه ، ويجب أن ينوي ليميز بينهما ثم يحلق لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا فحالت كفار قريش بينه وبين البيت فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية فإن قلنا : إن الحلق نسك حصل له التحلل بالهدى والنية والحلق وإن قلنا : إنه ليس بنسك حصل له التحلل بالنية والهدى ، وإن كان عادما للهدى ففيه قولان . أحدهما : لا بدل للهدى ، لقوله عز وجل : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي فذكر الهدى ولم يذكر له بدلا ، ولو كان له بدل لذكره كما ذكره في جزاء الصيد . والقول الثاني : له بدل لأنه دم يتعلق وجوبه بإحرام ، فكان له بدل كدم التمتع فإن قلنا : لا بدل للهدى فهل يتحلل فيه قولان أحدهما : لا يتحلل حتى يجد الهدى ، لأن الهدى شرط في التحلل ، فلا يجوز التحلل قبله والثاني : إنه يتحلل لأنا لو ألزمناه البقاء على الإحرام إلى أن يجد الهدى أدى ذلك إلى المشقة .

Section V08/P226–V08/P227

فإن قلنا : له بدل ففي بدله ثلاثة أقوال أحدها : الإطعام والثاني : الصيام والثالث : أنه مخير من الصيام والإطعام وإن قلنا : إن بدله الإطعام ففي الإطعام وجهان أحدهما : إطعام التعديل ، كالإطعام في جزاء الصيد ، لأنه أقرب إلى الهدى ولأنه يستوفي فيه قيمة الهدى والثاني : إطعام فدية الأذى ، لأنه وجب للترفه فهو كفدية الأذى وإن قلنا : إن بدله الصوم ففي الصوم ثلاثة أوجه أحدها : صوم التمتع لأنه وجب للتحلل كما وجب صوم التمتع للتحلل بين الحج والعمرة في أشهر الحج والثاني : صوم التعديل لأن ذلك أقرب إلى الهدى ، لأنه يستوفي قيمة الهدى ثم يصوم عن كل مد يوما والثالث : صوم فدية الأذى ، لأنه وجب للترفه فهو كصوم فدية الأذى . فإن قلنا : إنه مخير فهو بالخيار بين صوم فدية الأذى وبين إطعامها ، لأنا بينا أنه في معنى فدية الأذى ، فإن أوجبنا عليه الإطعام وهو واجد أطعم وتحلل ، وإن كان عادما له فهل يتحلل أم لا يتحلل حتى يجد الطعام على القولين كما قلنا في الهدى . وإن أوجبنا الصيام فهل يتحلل قبل أن يصوم فيه وجهان أحدهما : يتحلل كما لا يتحلل بالهدى حتى يهدى والثاني : يتحلل لأنا لو ألزمناه البقاء على الإحرام إلى أن يفرغ من الصيام أدى إلى المشقة لأن الصوم يطول ، فإذا تحلل نظرت فإن كان في حج تقدم وجوبه بقي الوجوب في ذمته ، وإن كان في تطوع لم يجب القضاء لأنه تطوع أبيح له الخروج منه ، فإذا خرج لم يلزمه القضاء كصوم التطوع . وإن كان الحصر خاصا بأن منعه غريمه ففيه قولان أحدهما : لا يلزمه القضاء كما لا يلزمه في الحصر العام والثاني : يلزمه لأنه تحلل قبل الإتمام بسبب يختص به فلزمه القضاء كما لو ضل الطريق ففاته الحج ، وإن أحصر فلم يتحلل حتى فاته الوقوف نظرت فإن زال العذر وقدر على الوصول تحلل بعمل عمرة ولزمه القضاء وهدى للفوات ، وإن فاته والعذر لم يزل تحلل ولزمه القضاء ، وهدى للفوات ، وهدى للأحصار ، فإن أفسد الحج ثم أحصر تحلل ، لأنه إذا تحلل من الحج الصحيح فلأن يتحلل من الفاسد أولى ، فإن لم يتحلل حتى فاته الوقوف لزمه ثلاثة دماء ، دم الفساد ودم الفوات ودم الإحصار ، ويلزمه قضاء واحد لأن الحج واحد . + الشرح : حديث تحلل النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية حين صده المشركون ثابت في الصحيحين ، وكذا حديث نحره هديه بالحديبية ، وحديث ابن عمر كلها ثابتة في الصحيحين من روايات جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وكانت قصة الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة ، وسبق بيان الحديبية في باب المواقيت ، وأنها تقال بتخفيف الياء وتشديدها والتخفيف أفصح . وقول المصنف لأنه دم تعلق وجوبه بالإحرام فيه احتراز من الأضحية والعقيقة وقوله تطوع أبيح الخرج منه احتراز من حج التطوع إذا تحلل منه بالفوات فإنه يجب قضاؤه . وقوله بسبب يختص به احتراز من الحصر العام . وقوله في أول الفصل ، فأشبه إذا أخطأ الطريق أو أخطأ العدد ، وهو وحده أو في طائفة يسيرة . فأما الجمع الكثير فلا يلزمهم القضاء بالخطأ كما سبق بيانه قريبا . أما الأحكام : فقال الشافعي والأصحاب رحمهم الله : لا فرق في جواز التحلل بالإحصار بين أن يكون قبل الوقوف أو بعده ، ولا بين الإحصار عن البيت فقط أو الموقف فقط أو عنهما أو عن المسعى ، فيجوز التحلل في جميع ذلك بلا خلاف . فإن لم يكن له طريق آخر يمكنه سلوكه ، فإن كان ففيه تفصيل سبق بيانه قبل هذا الفصل واضحا ، وذكرنا هناك أيضا أن تعجيل التحلل أفضل أم تأخيره على نحو ما ذكره المصنف .

Section V08/P227–V08/P229

قال أصحابنا : وإذا كان حصره قبل الوقوف وأقام على إحرامه حتى فاته الحج فإن أمكنه التحلل بطواف وسعي مع الحلق إذا جعلناه نسكا لزمه وعليه القضاء ودم الفوات ، وإن لم يزل الحصر تحلل بالهدى وعليه مع القضاء هديان ، هدى للفوات وهدى لتحلل بالإحصار ، وقد سبقت هذه المسألة قريبا . وإن كان الإحصار بعد الوقوف فإن تحلل فذاك ، وهل له البناء على ما مضى إذا زال الإحصار بعد ذلك فيه القولان السابقان الجديد : الأصح لا يجوز والقديم : الجواز ، وعلى هذا يحرم إحراما ناقصا ويأتي ببقية الأعمال ، وعلى هذا لو بنى مع الإمكان وجب القضاء على المذهب . وقيل فيه وجهان ، وإن لم يتحلل حتى فاته الرمي والمبيت فهو فيما يرجع إلى وجوب الدم لفواتهما كغير المحصر ، وبماذا يتحلل يبني على أن الحلق نسك أم لا ، وعلى فوات زمان الرمي كالرمي أم لا فيهما خلاف سبق . فإن قلنا : فوات زمان الرمي كالرمي وقلنا : الحلق نسك حلق وحصل التحلل الأول وإن قلنا : ليس بنسك حصل التحلل الأول بمضي زمان الرمي . وعلى التقديرين فالطواف باق عليه ، فمتى أمكنه طاف فيتم حجه ، ولا بد من السعي إن لم يكن سعي . ثم إذا تحلل بالإحصار الواقع بعد الوقوف فالمذهب : أنه لا قضاء عليه ، وبه قطع العراقيون وآخرون من غيرهم ، لكن لا تجزئه حجته ، لأنه لم يكملها . وحكى صاحب التقريب وإمام الحرمين ومتابعوهما من الخراسانيين في وجوب القضاء قولين ، وطردوهما في كل صورة أتى فيها بعد الإحرام بنسك لتأكدها الإحرام بذلك النسك . ولو صد عن عرفات ولم يصد عن مكة ، قال البندنيجي والروياني : نص عليها في الأم لزمه دخول مكة ويتحلل بعمل عمرة ، وفي وجوب القضاء قولان مشهوران حكاهما الشيخ أبو حامد والأصحاب أصحهما : لا قضاء لأنه محصر والثاني : يجب القضاء لأنه أخل بالوقوف وحده فأشبه الفوات ، وهذا القائل بفوات المحصر هو المصدود عن الكعبة ، والله أعلم . فرع : من تحلل بالإحصار لزمه دم وهو شاة ، وسبق بيانها في آخر باب ما يجب بمحظورات الإحرام ، ولا يجوز العدول عن الشاة إلى صوم ولا إطعام مع وجودها ، ولا يحصل التحلل قبل ذبحها إذا وجدها ، فإن كان المحصر في الحرم وجب ذبحها فيه وتقرقتها هناك ، وإن كان في غير الحرم ولم يمكنه إيصال الهدى وهو الشاة إلى الحرم جاز ذبحه وتفرقته حيث أحصر ويتحلل ، وهكذا الحكم فيما لزمه من دماء المحظورات قبل الإحصار . وكذا ما معه من هدى فكله يذبحه في موضع إحصاره ويفرقه على المساكين هناك ، وإن أمكنه إيصاله إلى الحرم وذبحه فيه ، فالأولى أن يوصله أو يبعثه إليه ، فإن ذبحه في موضع إحصاره ففي إجزائه وجهان ذكرهما المصنف بدليلهما ، وهما مشهوران أصحهما : جوازه . قال الدارمي وغيره : ولو أحصر في موضع غير الحرم فذبح الهدى في موضع آخر غير الحرم لم يجزه ، لأن موضع الإحصار صار في حقه كنفس الحرم ، هذا كله إذا وجد الهدى بثمن مثله ومعه ثمنه فاضلا عما يحتاج إليه ، فإن لم يجده أو وجده مع من لا يبيعه ، أو يبيعه بأكثر من ثمن مثله في ذلك الموضع وذلك الحال أو بثمن مثله وهو غير واحد للثمن أو واجد وهو محتاج إليه لمؤنة سفرة فهل له بدل أم لا فيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : له بدل ، وفي بدله ثلاثة أقوال أصحها : الإطعام ، نص عليه الشافعي في كتاب الأوسط والثاني : الصيام نص عليه في مختصر الحج والثالث : مخير بينها ، قال الشيخ أبو حامد والروياني وغيرهما : هذا الثالث مخرج من فدية الأذى .

Section V08/P229–V08/P230

فإن قلنا : الإطعام ففيه وجهان أصحهما : إطعام بالتعديل ، وتقوم الشاة دراهم ويخرج بقيمتها طعاما ، فإن عجز صام عن كل مد يوما الثاني : إطعام فدية الأذى ، وهو ثلاثة آصع لستة مساكين كما سبق ، ويجىء في كيفية تفرقتها الخلاف السابق في موضعه الأصح : لكل مسكين نصف صاع ، وقيل : يجوز المفاضلة وإن قلنا : هو مخير بين صوم فدية الأذى وإطعامها ، وصومها ثلاثة أيام وإطعام ثلاثة آصع . ودليل الجمع في الكتاب . وإن قلنا : بدله الصوم ففيه ثلاثة أقوال مشهورة ذكرها المصنف بدلائلها أحدها : عشرة أيام كالمتمتع والثاني : ثلاثة والثالث : بالتعديل عن كل مد يوما ، ولا مدخل للطعام على هذا القول ، لكن يعتبر به قدر الصيام ، وحيث انكسر بعض مد وجب بسببه صوم يوم كامل ، وقد سبق نظيره في باب محظورات الإحرام . قال الروياني والرافعي : الأصح على الجملة أن بدله الإطعام بالتعديل . فإن عجز صام عن كل مد يوما ، والله أعلم . قال المصنف والأصحاب : أما وقت التحلل فينظر إن كان واجدا للهدى ذبحه ونوى التحلل عند ذبحه ، وهذه النية شرط باتفاق الأصحاب إنما كره المصنف ثم يحلق ، وهو شرط للتحلل إن قلنا إن الحلق نسك ، وإلا فلا حاجة إليه ، فإن قلنا بالأصح إن الحلق نسك حصل له التحلل بثلاثة أشياء : الذبح والنية والحلق ، وإلا فالذبح والنية ، وهذا كله لا خلاف فيه إلا ما انفرد به الروياني فقال ما ذكرناه ثم قال : وقال بعض أصحابنا بخراسان : في وقت تحلل واجد الهدى قولان أحدهما : هذا والثاني : يجوز أن يتحلل ثم يذبح . وهذا غلط . وأما إذا فقد الهدى فإن قلنا : لا بدل له ، فهل يتحلل في الحال بالنية والحلق إذا جعلناه نسكا فيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : إذا تحلل في الحال ، فعلى هذا يشترط النية قطعا ، وكذا الحلق إن جعلناه نسكا والثاني : لا يتحلل إلا بذبحه مع النية والحلق . وإن قلنا : للهدي بدل ، فإن قلنا هو الإطعام توقف التحلل عليه ، وعلى النية والحلق إن وجد الإطعام ، فإن فقده فهل يتحلل في الحال قال المصنف والأصحاب : فيه قولان كما إذا قلنا لا بدل الأصح : يتحلل في الحال والثاني : لا ، حتى يطعم وإن قلنا : بدله الصوم أو مخير واختار الصوم ، فهل يتحلل في الحال أم لا يتحلل حتى يفرغ من الصوم فيه خلاف مشهور حكاه المصنف هنا والأكثرون وجهين . وحكاه في التنبيه قولين أصحهما : يتحلل في الحال ، فعلى هذا يحتاج إلى النية بلا خلاف ، وكذا الحلق إن قلنا هو نسك وإلا فالنية وحدها ، والله تعالى أعلم . فرع : قال المصنف والأصحاب : الحصر ضربان عام وخاص ، فالعام سبق حكمه ، والخاص هو الذي يقع لواحد أو شرذمة من الرفقة ، فينظر إن لم يكن المحصور معذورا فيه ، كمن جس في دين يمكنه أداؤه فليس له التحلل ، بل عليه أداء الدين والمضي في الحج ، فإن تحلل لم يصح تحلله ولا يخرج من الحج بذلك بلا خلاف ، فإن فاته الحج وهو في الحبس كان كغيره ممن فاته الحج بلا إحصار فيلزمه قصد مكة والتحلل بأفعال عمرة ، وهو الطواف والسعي والحلق كما سبق ، وإن كان معذورا كمن حبسه السلطان ظلما أو بدين لا يمكنه أداؤه فطريقان المذهب وبه قطع العراقيون يجوز له التحلل لأنه معذور والثاني : حكاه الخراسانيون فيه قولان أصحهما جواز التحلل والثاني : لا ، لأنه قادر والصواب الجواز والله أعلم .

Section V08/P230–V08/P231

فرع : إذا تحلل المحصر قال الشافعي والمصنف والأصحاب : إن كان نسكه تطوعا فلا قضاء ، وإن لم يكن تطوعا نظر إن كان واجبا مستقرا كالقضاء والنذر وحجة الإسلام التي استقر وجوبها قبل هذه السنة بقي الوجوب في ذمته كما كان ونما أفاده الإحصار جواز الخروج منها ، وإن كان واجبا غير مستقر ، وهي حجة الإسلام في السنة الأولى من سني الإمكان سقطت الإستطاعة فلا حج عليه إلا أن تجتمع فيه شروط الإستطاعة بعد ذلك ، فلو تحلل بالإحصار والوقت واسع وأمكنه الحج من سنته استقر الوجوب عليه لوجود الإستطاعة لكن له أن يؤخر الحج عن هذه السنة . لأن الحج على التراخي . وقد سبقت المسألة قريبا والله أعلم . وهذا الذي ذكرناه في حج التطوع أنه لا يجب قضاؤه ، وهو في الحصر العام والخاص جميعا وفي الخاص قول مشهور حكاه المصنف والأصحاب ، وبعضهم يحكيه وجها أنه يجب فيه القضاء لندوره وهذا ضعيف ودليله ممنوع والله تعالى أعلم . قال الروياني : هذا الخلاف مبني على أنه لو حبس واحد منهم فهل يستقر عليه فيه قولان أصحهما : لا يستقر . فرع : ذكرنا أن من تحلل بالإحصار لزمه الدم ، وهذا متفق عليه عندنا إن لم يكن سبق منه شرط ، فإن كان شرط عند إحرامه أنه يتحلل إذا أحصر ففي تأثير هذا الشرط في إسقاط الدم طريقان أصحهما : وبه قطع الأكثرون لا أثر له فيجب الدم ، لأن التحلل بالإحصار جائز بلا شرط ، فشرطه لغو . والطريق الآخر : فيه وجهان كما سنذكره إن شاء الله تعالى فيمن شرط التحلل بالمرض أصحهما : يلزمه الدم والثاني : لا . والله أعلم . فرع : قال المصنف والأصحاب : يجوز التحلل من الإحرام الفاسد كما يجوز من الصحيح ، فإذا جامع المحرم بالحج جماعا مفسدا ثم أحصر تحلل ويلزمه دم للإفساد ودم للإحصار ، ويلزمه القضاء بسبب الإفساد ، فلو لم يتحلل حتى فاته الوقوف ولم يمكنه لقاء الكعبة تحلل في موضعه تحلل المحصر ، ويلزمه ثلاثة دماء : دم للإفساد ، ودم للفوات ، ودم للإحصار ، فدم الإفساد بدنة والآخران شاتان ويلزمه قضاء واحد لما ذكره المصنف ، والله أعلم . فرع : قال الروياني وغيره : لو أحصر بعد الوقوف بعرفات ومنع ما سوى الطواف والسعي ومكن منهما لم يجز له التحلل بالإحصار لأنه متمكن من التحلل بالطواف والحلق ، وفوات الرمي بمنزلة الرمي ، ويجبر الرمي بدم وتقع حجته مجزئة عن حجة الإسلام . فرع : لو أفسد حجه بالجماع ثم أحصر فتحلل ثم زال الحصر والوقت واسع فأمكنه الحج من سنته لزمه أن يقضي الفاسد من سنته بناء على المذهب أن القضاء على الفور . قال القاضي أبو الطيب والروياني : ولا يمكن قضاء الحج في سنة الإفساد إلا في هذه المسألة . فرع : لو أحصر في الحج أو العمرة فلم يتحلل وجامع لزمته البدنة والقضاء بخلاف ما لو جامع الصائم المسافر في نهار رمضان فإنه لا كفارة عليه إن قصد الترخص بالجماع . وكذا إن لم يقصده على الأصح كما سبق في بابه . قال الروياني : والفرق بينهما إن الجماع في الصوم يحصل به الخروج من الصوم بخلاف الحج .

Section V08/P231–V08/P233

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن أحرم فأحصره غريمه وحبسه ولم يجد ما يقضي دينه فله أن يتحلل لأنه يشق البقاء على الإحرام كما يشق بحبس العدو ، وإن أحرم وأحصره المرض لم يجز له أن يتحلل لأنه لا يتخلص بالتحلل من الأذى الذي هو فيه ( فلا يتحلل ) فهو كمن ضل الطريق . + الشرح : في الفصل مسألتان إحداهما : قد سبق قريبا أن الحصر نوعان ، عام وخاص ، وسبق بيان النوعين الثانية : في الإحصار بالمرض وقد ثبت فيه أحاديث كثيرة فينبغي تقديمها وقد ذكر المصنف المسألة بعد هذا مبسوطة في فصل مستقل . فأما الأحاديث فمنها حديث عائشة رضي الله عنها قالت : دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ، فقالت : يا رسول الله إني أريد الحج وإني شاكية ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حجي واشترطي أن تحل حيث حبستني ، وكانت تحت المقداد رواه البخاري ومسلم وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني أمرأة ثقيلة وإني أريد الحج فما تأمرني قال أهلي بالحج واشترطي أن تحلي حيث تحبسني ، قال : فأدركت رواه مسلم . وعن ابن عباس أيضا أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إني أريد أن أحج فأشترط ، قال : نعم ، قالت فكيف أقول قال قولي : لبيك اللهم لبيك محلي من الأرض حيث تحبسني رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة ، قال الترمذي : حسن صحيح ، ورواه البيهقي أيضا من رواية جابر وأنس . وعن سويد بن غفلة بفتح الغين المعجمة والفاء قال قال لي عمر بن الخطاب : يا أبا أمية حج واشترط ، فإن لك ما اشترطت ولله عليك ما اشترطت رواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح ، وعن ابن مسعود قال : حج واشترط ، وقل : اللهم الحج أردت ، ولك عمدت ، فإن تيسر وإلا فعمرة رواه البيهقي بإسناد حسن . وعن عائشة أنها قالت لعروة هل تستثنى إذا حججت ، فقال : ماذا أقول قالت : قل : اللهم الحج أردت وله عمدت ، فإن يسرته فهو الحج ، وإن حبسني حابس فهو عمرة رواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم . وأما : حديث سالم عن ابن عمر أنه كان ينكر الإشتراط في الحج ويقول أليس حسبكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري ومسلم ، فقال البيهقي : عندي أن ابن عمر لو بلغه حديث ضباعة في الاشتراط لم ينكره ، كما لم ينكره أبوه ، وحاصله أن السنة مقدمة عليه . وأما : قول ابن عباس لا حصر إلا حصر العدو فرواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم ، وهو محمول على من لم يشترط ، وأما ما رواه مالك في الموطأ والشافعي والبيهقي بالأسانيد الصحيحة على شرط البخاري ومسلم عن ابن عمر أنه قال من حبس دون البيت بمرض فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة يحتمل أنه أراد إذا لم يشترط والأظهر : أنه أراد مطلقا ، ويؤيده ما قدمناه عن ابن عمر قريبا ، والسنة مقدمة على قوله .

Section V08/P233–V08/P235

وأما : حديث عكرمة قال سمعت الحجاج بن عمرو الأنصاري الصحابي رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل ، قال عكرمة : فسألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقال : صدق رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم بأسانيد صحيحة ، فقال البيهقي حمله بعض أهل العلم على أنه يحل بعد فواته بما يحل به من يفوته الحج بغير مرض ، وهذا التأويل الذي حكاه البيهقي محتمل ولكن المشهور في كتب أصحابنا حمله على ما إذا شرط التحلل به والله أعلم . أما حكم المسألة : فقال أصحابنا إذا مرض المحرم ، ولم يكن شرط التحلل ، فليس له التحلل بلا خلاف ، لما ذكره المصنف مع ما ذكرناه من الآثار ، قالوا : بل يصبر حتى يبرأ ، فإن كان محرما بعمرة أتمها ، وإن كان بحج وفاته تحلل بعمل عمرة ، وعليه القضاء . وأما إذا شرط في إحرامه أنه إن مرض تحلل ، فقد نص الشافعي في القديم على صحة الشرط ، لحديث ضباعة ، ونص في كتاب المناسك من الجديد على أنه لا يتحلل ، وروى الشافعي حديث ضباعة مرسلا فقال عن عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لضباعة الحديث قال الشافعي : لو ثبت حديث عروة لم أعده إلى غيره ، لأنه لا يحل عندي خلاف ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال البيهقي : وثبت هذا الحديث من أوجه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم روى الأحاديث الصحيحة السابقة فيه هذه نصوص الشافعي . وأما : الأصحاب فلهم في المسألة طريقان حكاهما المصنف والأصحاب أشهرهما وبه قال الأكثرون : يصح الإشتراط في قوله القديم ، وفي الجديد قولان أصحهما : الصحة والثاني : المنع . والطريق الثاني : قاله الشيخ أبو حامد وآخرون : يصح الإشتراط قولا واحدا لصحة الحديث فيه ، قالوا : وإنما توقف الشافعي لعدم وقوفه على صحة الحديث ، وقد صرح الشافعي بهذا الطريق في نصه الذي حكيته الآن عنه ، وهو قوله ( لو صح حديث عروة لم أعده ) فالصواب الجزم بصحة الاشتراط للأحاديث . وأجاب إمام الحرمين عن الحديث بأنه محمول على أن المراد حيث حبستني بالموت ، معناه حيث أدركتني الوفاة أقطع إحرامي ، وهذا تأويل باطل ظاهر الفساد وعجب من جلالة إمام الحرمين كيف قال هذا وكيف حكمه على أمرها باشتراط كون الموت قاطع الإحرام والله أعلم . قال أصحابنا : ولو شرط التحلل لغرض آخر كضلال الطريق ، وفراغ النفقة والخطأ في العدد ونحو ذلك فله حكم اشتراط التحلل بالمرض . فيصح على المذهب هكذا قطع به أصحابنا العراقيون والبغوي وجمهور الخراسانيين . وذكر إمام الحرمين هذا عن العراقيين قال : قالوا : بأن كل مهم يحل محل المرض الثقيل يجري فيه الخلاف المذكور في المرض قال : وكان شيخي يقطع بأن الشرط لاغ ، وأنه لا يجوز التحلل على القول إلا بالمرض للحديث ، والله تعالى أعلم . قال أصحابنا : وحيث صححنا الشرط فتحلل فإن كان شرط التحلل بالهدي يلزمه الهدي ، وإن كان شرط التحلل بلا هدي لم يلزمه الهدي ، وإن أطلق فهل يلزمه الهدي فيه وجهان حكاهما الشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي أبو الطيب والأصحاب أحدهما : يلزمه كالمحصر ، وبهذا قطع المصنف والبغوي وأصحهما : لا يلزمه لظاهر حديث ضباعة ، قال الماوردي والأصحاب وهذا هو المنصوص وصححوه ، وقطع به الدارمي وغيره ، وينكر على المصنف والبغوي جزمهما بوجود الشرط ، وأنه لا يلزمه بعد ذلك شيء من أفعال النسك . وأما : المحصر فقد ترك الأفعال التي كان يقتضيها إحرامه والله أعلم . ولو شرط أن يقلب حجه عمرة عند المرض ، نص الشافعي على صحته ، وقطع به الدارمي والبندنيجي والروياني وآخرون .

Section V08/P235–V08/P237

ونقل الرافعي عن الأصحاب أنه أولى بالصحة من شرط المرض . فيتقضى إثبات خلاف ضعيف فيه . والمذهب القطع بالصحة كما نص عليه . ويؤيده ما قدمته عن ابن مسعود وعائشة رضي الله عنهما قال الروياني : ولو قال : إن مرضت وفاتني الحج كان عمرة ، كان على ما شرط . قال أصحابنا : فإذا وجد المرض هل يصير حلالا بمجرد وجوده أم يشترط إنشاؤه كالمحصر ينظر إن قال : إن مرضت تحللت من إحرامي . فلا يخرج من الإحرام إذا وجد المرض لا بالتحلل ، وهو أن ينوي الخروج ويحلق إن جعلناه نسكا ويذبح إن أوجبناه على ما سبق من التفصيل والخلاف . وممن صرح بالمسألة الشيخ أبو حامد في تعليقه والبندنيجي والروياني وآخرون . قالوا : وكذا لو قال : محلي من الأرض حيث حبستني ، لا يتحلل عند الحبس إلا بالنية مع ما ذكرناه ، فلو قال : إن مرضت فأنا حلال ، أو قال إن حبسني مرض فأنا حلال فوجهان مشهوران حكاهما الشيخ أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب والمصنف وإمام الحرمين والبغوي والمتولي والروياني وآخرون أصحهما : يصير حلالا بنفس المرض ، وهو المنصوص ، ونقلوه عن المصنف وصححوه لقوله صلى الله عليه وسلم ( من كسر أو عرج فقد حل ) وهو حديث صحيح كما سبق . قال الشيخ أبو حامد والأصحاب : لا يمكن حمل الحديث إلا على هذا ، وفيه تأويل البيهقي الذي قدمناه . والوجه الثاني : لا بد من التحلل . قال الروياني والأصحاب : فإن قلنا بالوجه الأول لم يلزمه الدم بلا خلاف ، وإن قلنا بالثاني فهل يلزمه الدم فيه وجهان حكاهما الشيخ أبو حامد والأصحاب الأصح : لا يلزمه فيلزمه النية فقط ، ونقل الماوردي وغيره هذا عن نص الشافعي ، وغلط الروياني وغيره القائل بوجوب الدم . قال البغوي : وكذا الحلق إن جعلناه نسكا . وقطع البغوي بوجوب الدم على هذا الوجه ، والمذهب الأول والله أعلم . أما إذا شرط التحلل بلا عذر بأن قال في إحرامه متى شئت خرجت منه ، أو إن ندمت أو كسلت ونحو ذلك فلا يجوز له التحلل بلا خلاف ، صرح به المصنف والشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والماوردي والدارمي والروياني والبغوي وخلائق . ونقل الروياني الإتفاق عليه ، والله أعلم . فرع : إذا صححنا اشتراط التحلل بالمرض ونحوه ، فإنما ينفع الشرط ويجوز التحلل به إذا كان مقترنا بإحرامه ، فإن تقدمه أو تأخر عنه لم ينعقد الشرط بلا خلاف . وصرح به الماوردي وغيره . فرع : إذا فرض التحلل بالمرض ونحوه فقد ذكرنا خلافا في صحة الشرط قال أصحابنا : ينعقد الحج بلا خلاف ، سواء صححنا الشرط أم لا . فرع : مما استدل به أصحابنا لجواز اشتراط التحلل بالمرض وصحة الشرط أنه لو نذر صوم يوم أو أيام بشرط أن يخرج منه بعذر صح الشرط وجاز الخروج منه بذلك العذر بلا خلاف . قال الروياين : يجوز الخروج منه بالإجماع . فرع : ذكرنا أن إمام الحرمين تأول حديث أنه يحمل على أن ( محلى حيث حبستني بالموت ) وذكرنا أن هذا التأويل خطأ فاحش ، وتأوله الروياني على أنه مخصوص بضباعة ، وهذا تأويل باطل أيضا ومخالف لنص الشافعي ، فإن الشافعي إنما قال : لو صح الحديث لم أعده ، ولم يتأوله ولم يخصه . فرع : قال أصحابنا : التحلل بالمرض ونحوه إذا ما صححناه له حكم التحلل بالإحصار ، فإن كان الحج تطوعا لم يجب قضاؤه ، وإن كان واجبا فحكمه ما سبق .

Section V08/P237

فرع : قال إمام الحرمين والغزالي في الوسيط : قال النبي صلى الله عليه وسلم الأسلمية اشترطي أن محلي حيث حبستني وهذا غلط فاحش ، فليس ضباعة أسلمية بل هي هاشمية ، وهي بنت عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، وهذا لا خلاف فيه وقد سبق بيانها عن روايات البخاري ومسلم وغيرهما ، وإنما نبهت عليه لئلا يغتر به ، والله أعلم .

Section V08/P237–V08/P238

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أحرم العبد بغير إذن المولى جاز للمولى أن يحلله لأن منفعته مستحقة له فلا يملك إبطالها عليه بغير رضاه ، فإن ملكه السيد مالا وقلنا : إنه يملك تحلل بالهدى وإن لم نملكه أو ملكه وقلنا إنه لا يملك فهو كالحر المعسر ، وهل يتحلل قبل الهدى أو الصوم على ما ذكرناه من القولين في الحر ومن أصحابنا من قال : يجوز للعبد أن يتحلل قبل الهدى والصوم قولا واحدا لأن على المولى ضررا في بقائه على الإحرام ، لأنه ربما يحتاج أن يستخدمه في قتل صيد أو إصلاح طيب وإن أحرم بإذن المولى لم يجز أن يحلله ، لأنه لازم عقده بإذن المولى فلم يملك إخراجه منه كالنكاح . وإن أحرم المكاتب بغير إذن المولى ففيه طريقان أحدهما : أنه على قولين بناء على القولين في سفره للتجارة . ومن أصحابنا من قال : له أن يمنعه قولا واحدا . لأن في سفر الحج ضررا على المولى من غير منفعة ، وسفر التجارة فيه منفعة للمولى . + الشرح : قوله ( لأنه عقد ) احتراز مما لو رآه يحتطب أو يحتش فمنعه إتمامه وقوله ( لازم ) احتراز من الجعالة إذا شرع العبد فيها . وقوله ( عقد بإذن ) احتراز من غير المأذون . أما الأحكام : فقد سبق بيان شرح جميع ما ذكره المصنف مع جمل من الفوائد والفروع والمستكثرات في أول كتاب الحج عند ذكر المصنف أن العبد لا يلزمه الحج ويصح منه ، والله أعلم .

Questions