Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V01/P571–V01/P572

قال المحاملي وغيره : الوجهان مبنيان على الخلاف في المسح على الخف هل يرفع الحدث عن الرجل قال الروياني : الأصح منه المسح وهو قول الداركي وقال غيره : الأصح الجواز وهو قول الشيخ أبي حامد ، ومقتضى كلام الرافعي وغيره ترجيحه وهو الأظهر المختار ، لأنه لبس على طهارة ، وقولهم أنها طهارة ناقصة غير مقبول ، قال الرافعي قال الشيخ أبو علي : إذا جوزنا المسح هنا فابتداء المدة من حين أحدث بعد لبس الخف لا من حين أحدث بعد لبس الجرموق . قال في جواز المسح على الأسفل الخلاف فيما إذا لبسهما على طهارة قال : ولو لبس الأسفل على حدث ثم غسل الرجل فيه ثم لبس الجرموق على هذه الطهارة لم يجز المسح على الأسفل ، وفي جوازه على الأعلى وحهان أصحهما المنع . المسألة الثانية : إذا جوزنا المسح على الجرموق فقد ذكر أبو العباس بن سريج فيه ثلاثة معان أصحهما أن الجرموق بدل عن الخف ، والخف بدل عن الرجل الثاني : أن الأسفل كلفافة والأعلى هو الخف والثالث : أنهما كخف واحد فالأعلى ظهارة والأسفل بطانة . وفرع الأصحاب على هذه المعاني مسائل كثيرة منها لو لبسهما معا فأراد الاقتصار على مسح الأسفل جاز على المعنى الأول دون الآخرين ، وقد سبقت المسألة ، ومنها لو تخرق الأعلى من الرجلين جميعا أو خلعه منهما بعد مسحه وبقي الأسفل بحاله فإن قلنا بالمعنى الأول لم يجب نزع الأسفل بل يجب مسحه وهل يكفيه مسحه أم يجب استئناف الوضوء فيه القولان في نازع الخفين ، وإن قلنا بالمعنى الثالث فلا شيء عليه . وإن قلنا بالثاني وجب نزع الأسفل أيضا وغسل القدمين وفي وجوب استئناف الوضوء القولان . فحصل من الخلاف في المسألة خمسة أقوال ، أحدها : لا يجب شيء وأصحها : يجب مسح الأسفل فقط والثالث : يجب مسحه مع استئناف الوضوء والرابع : يجب نزع الخفين وغسل الرجلين والخامس : يجب ذلك مع استئناف الوضوء ، وقد ذكر المصنف المسألة في آخر الباب . ومنها لو تخرق الأعلى من إحدى الرجلين أو نزعه فإن قلنا بالمعنى الثالث فلا شيء عليه . وإن قلنا بالثاني وجب نزع الأسفل أيضا من هذه الرجل ووجب نزعهما من الرجل الأخرى وغسل القدمين ، وفي استئناف الوضوء القولان . وإن قلنا بالمعنى الأول فهل يلزمه نزع الأعلى من الرجل الأخرى فيه وجهان ، أصحهما نعم كمن نزع إحدى الخفين فإذا نزعه عاد القولان في أنه يكفيه مسح الأسفل أم يجب استئناف الوضوء والثاني : لا يلزمه نزع الثاني وفي واجبه القولان أحدهما : مسح الأسفل الذي نزع أعلاه والثاني : استئناف الوضوء ومسح هذا الأسفل والأعلى من الرجل الأخرى . ومنها لو تخرق الأسفل منهما لم يضر على المعاني كلها ، فلو تخرق من إحداهما فإن قلنا بالمعنى الثاني أو الثالث فلا شيء عليه ، وإن قلنا بالأول وجب نزع واحد من الرجل الأخرى لئلا يجمع بين البدل والمبدل ، ذكره البغوي وغيره ، ثم إذا نزع ففي واجبه القولان أحدهما : مسح الخف الذي نزع جرموقه والثاني : استئناف الوضوء والمسح عليه وعلى الأعلى الذي تخرق الأسفل تحته . ومنها لو تخرق الأسفل والأعلى من الرجلين أو من إحداهما وجب نزع الجميع على المعاني كلها ، لكن إذا قلنا بالمعنى الثالث وكان الخرقان في موضعين غير متحاذيين لم يضره كما سبق بيانه في مسألة اشتراط كون الخف مانعا نفوذ الماء . ومنها لو تخرق الأعلى من رجل والأسفل من أخرى فإن قلنا بالثالث فلا شيء عليه ، وإن قلنا بالأول نزع الأعلى المتخرق وأعاد مسح ما تحته ، وهل يكفيه ذلك أم يجب استئناف الوضوء ماسحا عليه وعلى الأعلى من الرجل الأخرى فيه القولان .

Section V01/P572–V01/P573

هذا كله تفريع على جواز مسح الجرموقين ، أما إذا منعناه فتخرق الأسفلان فإن كان عند التخرق على طهارة لبسه الأسفل مسح الأعلى لأنه صار أصلا لخروج الأسفل عن صلاحيته للمسح ، وإن كان محدثا لم يجز مسح الأعلى كاللبس على حدث ، وإن كان على طهارة مسح فوجهان كما سبق في تفريع القديم ، ولو لبس جرموقا في رجل واقتصر على الحف في الرجل الأخرى فعلى الجديد لا يجوز مسح الجرموق وعلى القديم يبني على المعاني الثلاثة إن قلنا بالأول لم يجز كما لا يجوز المسح في خف وغسل الرجل الأخرى ، وإن قلنا بالثالث جاز ، وكذا إن قلنا بالثاني على أصح الوجهين والله أعلم . المسألة الثالثة : إذا احتاج إلى وضع جبيرة على رجليه فوضعها ثم لبس فوقها الخف ، ففي جواز المسح عليه وجهان أحدهما : يجوز وبه قطع الشيخ أبو محمد الجويني في الفروق لأنه خف صحيح ، والجبيرة كلفافة وحكى هذا عن أبي حنيفة رضي الله عنه وأصحهما : لا يجوز لأنه ملبوس فوق ممسوح فأشبه العمامة ، وممن صحح المنع صاحبا العدة والبيان ونقل الروياني عن العراقيين أنه كالجرموق فوق الخف . الرابعة : قال البغوي : ولو لبس خفا ذا طاقين غير ملتصقين فمسح على الطاق الأعلى فهو كمسح الجرموق ، وإن مسح الأسفل فكمسح الخف تحت الجرموق ، قال : وعندي أنه يجوز المسح على الأعلى ولا يجوز على الأسفل لأن الجميع خف واحد فمسح الأسفل كمسح باطن الخف . الخامسة : في مذاهب العلماء في الجرموقين : قد سبق أن مذهبنا الجديد الأظهر منع المسح على الجرموقين وهو رواية عن مالك رضي الله عنه ، وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة والحسن بن صالح وأحمد وداود والمزني وجمهور العلماء : يجوز قال الشيخ أبو حامد : هو قول العلماء كافة ، وقال المزني في مختصره : لا أعلم بين العلماء في جوازه خلافا . واحتج المجوزون من الحديث بحديث بلال رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح على عمامته وموقيه . وأجاب أصحابنا عنه بأن الموق هو الخف لا الجرموق ، وهذا هو الصحيح المعروف في كتب أهل الحديث وغريبه ، وهذا متعين لأوجه : أحدها : أنه اسمه عند أهل اللسان والثاني : أنه لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم كان له جرموقان مع أنهم نقلوا جميع آلاته صلى الله عليه وسلم والثالث : أن الحجاز لا يحتاج فيه إلى الجرموقين فيبعد لبسه والله أعلم . فرع : ذكر المصنف في هذه المسألة الشيخ أبا حامد الإسفرايني والقاضي أبا الطيب الطبري وهما أجل مصنفي العراقيين ، وقد بسطت أحوالهما بعض البسط في تهذيب الأسماء وفي كتاب الطبقات ، وأنبه هنا على رموز من ذلك ، فأما أبو حامد فهو أحمد بن محمد بن أحمد شيخ الأصحاب ، وعليه وعلى تعليقه معول جمهور الأصحاب ، انتهت إليه رياسة بغداد وإمامتها ، وكان أوحد أهل عصره ، قال الخطيب أبو بكر البغدادي الحافظ : كان يحضر درسه سبعمائة متفقه ، قال غيره : أفنى وهو ابن سبع عشرة سنة . وقد تأول بعضهم حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها فكان في المائة الأولى عمر بن عبد العزيز ، والثانية الشافعي ، والثالثة ابن سريج ، والرابعة الشيخ أبو حامد هذا رحمه الله ، توفي في شوال سنة ست وأربعمائة رحمه الله تعالى .

Section V01/P573–V01/P574

وأما القاضي أبو الطيب فهو طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري من طبرستان الإمام الجامع للفنون المعمر ، بدأ بالاشتغال بالعلم وله أربع عشرة سنة فلم يخل بدرسه يوما واحدا إلى أن مات وهو ابن مائة سنة وسنتين ولد سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة وتوفي عصر السبت ودفن يوم الأحد العشرين من شهر ربيع الأول سنة خمسين وأربعمائة ، وله مصنفات كثيرة نفيسة في فنون العلم ومن أحسنها تعليقه في المذهب ، ولم أر لأصحابها أحسن منه في أسلوبه وله المجرد في المذهب وهو كثير الفوائد ، وشرح فروع ابن الحداد وما أكثر فوائده ، وله في الأصول والخلاف وفي ذم الغنى وفي أنواع كتب كثيرة ، وكان يروي الحديث الكثير بالروايات العالية ، ويقول الشعر الحسن رحمه الله .

Section V01/P574–V01/P575

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن لبس خفا مغصوبا ففيه وجهان قال ابن القاص : لا يجوز المسح عليه لأن لبسه معصية فلم يتعلق به رخصة ، وقال سائر أصحابنا : يجوز لأن المعصية لا تختص باللبس فلم تمنع صحة العبادة كالصلاة في الدار المغصوبة . + الشرح : هذا الخلاف مشهور في المذهب ، وعبارة الأصحاب كعبارة المصنف يقولون : قال ابن القاص : لا يجوز ، وقال سائر أصحابنا : يجوز والصحيح عند جماهير الأصحاب صحة المسح ، وبه قطع البندنيجي وغيره كالصلاة في دار مغصوبة ، والذبح بسكين مغصوب ، والوضوء والتيمم بماء وتراب مغصوبين ، فإن ذلك كله صحيح وإن عصى بالفعل ، وقد سبق في باب الآنية بيان هذا مع غيره وأشار ابن الصباغ والغزالي وغيرهما إلى ترجيح منع الصحة لأن المسح إنما جاز لمشقة النزع وهذا عاص بترك النزع واستدامة اللبس ، فينبغي أن لا يعذر ، ولأنه يعصي باللبس أكثر من الإمساك ولأن تجويزه يؤدي إلى إتلافه بالمسح بخلاف الصلاة في الدار المغصوبة فإن الصلاة فيها والجلوس سواء قال الروياني : هذا غلط لأنه إذا توضأ بالماء فقد أتلفه ولم يمنع ذلك الصحة . قلت : للآخرين أن يفرقوا بأن المسح رخصة فلا تستفاد بالمعصية بخلاف الوضوء فيقاس على التيمم بتراب مغصوب حيث لا يجب كالتيمم لنافلة فإنه رخصة والله أعلم . وأما قول المصنف : قال ابن القاص : لا يجوز وقال سائر أصحابنا : يجوز فمعناه قال ابن القاص : لا يصح ولا يستبيح به شيئا ، وقال سائر أصحابنا يصح ويستبيح به الصلاة وغيرها فأراد بالجواز الصحة وإلا فالفعل حرام بلا شك والله أعلم . فرع : لو لبس خف ذهب أو فضة فهو حرام بلا خلاف ، وهل يصح المسح عليه فيه الوجهان اللذان في المغصوب ، كذا صرح به الماوردي والمتولي والروياني وآخرون ونقله الروياني عن الأصحاب وقطع البغوي بالمنع ، ويمكن الفرق بأن تحريم الذهب والفضة لمعنى في نفس الخف فصار كالذي لا يمكن متابعة المشي عليه بخلاف المغصوب ولو لبس الرجل خفا من حرير صفيق يمكن متابعة المشي عليه فينبغي أن يكون كالذهب والله أعلم . فرع : قال الشافعي رضي الله عنه في الأم والأصحاب رحمهم الله . لا يصح المسح على خف من جلد كلب أو خنزير أو جلد ميتة لم يدبغ وهذا لا خلاف فيه . وكذا لا يصح المسح على خف أصابته نجاسة إلا بعد غسله لأنه لا يمكن الصلاة فيه ، وفائدة المسح وإن لم تنحصر في الصلاة فالمقصود الأصلي هو الصلاة وما عداها من مس المصحف وغيره كتبع لها ، ولأن الخف بدل عن الرجل ولو كانت نجسة لم تطهر عن الحدث مع بقاء النجاسة عليها فكيف يمسح على البدل وهو نجس العين . قال الشيخ أبو الفتح نصر المقدسي : وكذا لا يجوز المسح على خف خرز بشعر الخنزير ولا الصلاة فيه وإن غسله سبعا إحداهن بالتراب ، لأن الماء والتراب لا يصل إلى مواضع الخرز المتنجسة ، وهذا الذي ذكره أبو الفتح هو المشهور ، قالوا : فإذا غسله سبعا إحداهن بالتراب طهر ظاهره دون باطنه وقال القفال في شرح التلخيص : سألت الشيخ أبا زيد عن الصلاة في الخف المخروز بالهلت يعني شعر الخنزير فقال : الأمر إذا ضاق اتسع . قال القفال : ومراده أن بالناس إلى الخرز به حاجة فتجوز الصلاة فيه للضرورة والله أعلم . وقد قال الرافعي في آخر كتاب الأطعمة : إذا تنجس الخف بخرزه بشعر الخنزير فغسل سبعا إحداهن بالتراب طهر ظاهره دون باطنه ، وهو موضع الخرز ، قال : وقيل كان الشيخ أبو زيد يصلي في الخف النوافل دون الفرائض فراجعه القفال فيه فقال : الأمر إذا ضاق اتسع لا يوافق عليه بل الظاهر أنه أشار إلى كثرة النوافل ، هذا كلام الرافعي .

Section V01/P575

وقوله أشار إلى كثرة النوافل لا يوافق عليه بل الظاهر أنه أشار إلى أن هذا القدر مما تعم به البلوى ويتعذر أو يشق الاحتراز منه فعفى عنه مطلقا ، وإنما كان لا يصلي فيه الفريضة احتياطا لها وإلا فمقتضى قوله العفو فيهما ، ولا فرق بين الفرض والنفل في اجتناب النجاسة ، ومما يدل على صحة ما تأولته ما قدمته عن نقل القفال في شرحه التلخيص والله أعلم .

Section V01/P575–V01/P577

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز المسح إلا أن يلبس الخف على طهارة كاملة فإن غسل إحدى الرجلين فأدخلها الخف ثم غسل الأخرى فأدخلها الخف لم يجز المسح عليه حتى يخلع ما لبسه قبل كمال الطهارة ثم يعيده إلى رجله ، والدليل عليه ما روى أبو بكرة رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ، وللمقيم يوما وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما . + الشرح : أما حديث أبي بكرة فحديث حسن تقدم بيانه في مسألة التوقيت واسم أبي بكرة نفيع بضم النون وفتح الفاء وهو نفيع بن الحارث كني بأبي بكرة لأنه تدلى ببكرة من حصن الطائف إلى النبي صلى الله عليه وسلم توفي بالبصرة سنة إحدى وخمسين وقيل اثنتين وخمسين رضي الله عنه . وقوله : ولا يجوز المسح إلا أن يلبس الخف على طهارة كاملة ، احترز بكاملة عما إذا غسل إحدى الرجلين ولبس خفها ثم غسل الأخرى ولبسها فإنه قد يسمي لبسا على طهارة مجازا ، فأراد نفي هذا المجاز والتوهم ، ولو حذف كاملة لصح كلامه لأن حقيقة الطهارة لا تكون إلا بالفراغ ، ويقال لبس الخف والثوب وغيرهما بكسر الباء يلبسه بفتحها . أما حكم المسألة : فلا يصح المسح عندنا إلا أن يلبسه على طهارة كاملة ، فلو غسل أعضاء وضوئه إلا رجليه ثم لبس الخف أو لبسه قبل غسل شيء ثم أكمل الوضوء وغسل رجليه في الخف صحت طهارته ، لكن لا يجوز المسح إذا أحدث ، فطريقه أن يخلع الخفين ثم يلبسهما ولو غسل إحدى رجليه ثم لبس خفها ثم غسل الأخرى ولبس خفها اشترط نزع الأول ثم لبسه على الطهارة . قال أصحابنا : ولا يشترط نزع الثاني ، وحكى الروياني وغيره وجها عن ابن سريج أنه يشترط لأن كل واحد من الخفين مرتبط بالآخر ، ولهذا لو نزع أحدهما وجب نزع الآخر ، وهذا الوجه شاذ ليس بشيء لأن المطلوب لبسهما على طهارة كاملة ، وقد وجد ، والترتيب في اللبس ليس بشرط بالإجماع . فرع : في مذاهب العلماء في اشتراط الطهارة الكاملة في لبس الخف قد ذكرنا أن مذهبنا أنه شرط . وبه قال مالك وأحمد في أصح الروايتين وإسحاق ، وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري ويحيى بن آدم والمزني وداود رضي الله عنهم : يجوز لبسهما على حدث ثم يكمل الطهارة ، فإذا أحدث بعد ذلك جاز المسح . واختاره ابن المنذر فيما إذا غسل إحدى رجليه ثم لبس خفها قبل غسل الأخرى . واحتج هؤلاء بأنه أحدث بعد لبس وطهارة كاملة ، ولأن استدامة اللبس كالابتداء ، ولهذا لو حلف لا يلبس وهو لابس فاستدام حنث ، فإذا لبس على حدث ثم تطهر فاستدامته اللبس على طهارة كالابتداء ، قالوا : ولأن عندكم لو نزع ثم لبس استباح المسح ولا فائدة في النزع ثم اللبس . واحتج أصحابنا بحديث أبي بكرة رضي الله عنه الذي ذكره المصنف رحمه الله ، وعن المغيرة رضي الله عنه قال : صببت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وضوئه ثم أهويت لأنزع خفيه فقال : دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما ، رواه البخاري ومسلم ، وعن صفوان بن عسال رضي الله عنه قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر رواه البيهقي بإسناد جيد . وعن ابن عمر رضي الله عنهما سألت عمر رضي الله عنه أيتوضأ أحدنا ورجلاه في الخفين قال نعم : إذا أدخلهما وهما طاهرتان ، رواه البيهقي بإسناد صحيح . فإن قالوا دلالة هذه الأحاديث بالمفهوم ولا نقول به .

Section V01/P577–V01/P578

قلنا هو عندنا حجة وذلك مقرر في موضعه وجواب آخر وهو أن المسح رخصة واتفقوا على اشتراط الطهارة له ، واختلفوا في وقتها وجاءت هذه الأحاديث مبينة لجواز المسح لمن لبس على طهارة كاملة فلا يجوز غيره إلا بدليل صريح . فإن قالوا : إذا لبس خفا بعد غسل رجليه ثم الآخر كذلك فقد لبس على طهارة . قلنا : ليس كذلك فإن حقيقة الطهارة لا تكون إلا بغسل الرجلين فلبس الخف الأول كان سابقا على كمال الطهارة . وسلك إمام الحرمين في الأساليب طريقة حسنة فقال : تقدم الطهارة الكاملة على المسح شرط بالاتفاق والطهارة تراد لغيرها . فإن تخيل متخيل أن الطهارة شرط للمسح كان محالا لأن المسح يتقدمه الحدث وهو ناقض للطهارة فاستحال تقديرها شرطا فيه مع تخلل الحدث ، فوضح أن الطهارة شرط في اللبس وكل ما شرطت الطهارة فيه شرط تقديمها بكمالها على ابتدائه . ثم اشتراط الطهارة في اللبس غير معقول المعنى لأن اللبس في نفسه ليس قربة ، وإذا أحدث بعد اللبس بطلت طهارته ولا تنقطع الطهارة في جواز المسح وهذا خارج عن مأخذ المعنى ، والمسح رخصة مستثناة فتثبت حيث يتحققه ، وإذا تردد فيه تعين الرجوع إلى الأصل وهو غسل الرجل وليس مع المخالفين نص وقد ثبتت الرخصة في محل الإجماع . وأما الجواب عن دليلهم الأول فهو أن السنة دلت على اشتراط اللبس على طهارة ولم يحصل ذلك ، وعن الثاني أن الاستدامة إنما تكون كالابتداء إذا كان الابتداء صحيحا وليس كذلك هنا . وعن الثالث أن الشرع ورد باشتراط اللبس على طهارة والنزع ثم اللبس محصلان لذلك فلم يكن عبثا بل طاعة ولهذا نظاهر كثيرة منها أن المحرم لو اصطاد صيدا وبقي في يده حتى حل من إحرامه يلزمه إرساله ، ثم له اصطياده بمجرد إرساله ، ولا يقال لا فائدة في إرساله ثم أخذه والله أعلم .

Section V01/P578

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن لبس خفين على طهارة ثم أحدث ثم لبس الجرموقين لم يجز المسح عليه قولا واحدا لأنه لبس على حدث ، وإن مسح على الخفين ثم لبس الجرموقين ثم أحدث وقلنا : إنه يجوز المسح على الجرموق فيه وجهان أحدهما : لا يجوز المسح عليه لأن المسح على الخف لم يزل الحدث عن الرجل ، فكأنه لبس على حدث والثاني : يجوز لأن مسح الخف قام مقام غسل الرجلين . + الشرح : هاتان المسألتان تقدم شرحهما واضحا في فرع مسائل الجرموق والأصح من الوجهين المذكورين الجواز كما سبق ، وقوله في الصورة الأولى لم يجز المسح قولا واحدا يعني سواء قلنا يجوز المسح على الجرموق أم لا . وهذا الذي قاله من الاتفاق على طريقة العراقيين ، وفيه وجه سبق بيانه ، وقوله : لأن المسح لم يزل الحدث عن الرجل ، هذا اختياره وفي المسألة وجهان مشهوران سنذكرهما واضحين إن شاء الله تعالى والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن تطهر ولبس خفيه فأحدث قبل أن تبلغ الرجل إلى قدم الخف لم يجز المسح نص عليه في الأم لأن الرجل حصلت في مقرها وهو محدث فصار كما لو بدأ باللبس وهو محدث . + الشرح : هذا الذي ذكره هو المذهب وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه أنه يجوز المسح حكاه الرافعي وغيره ، وهو مخرج من نص الشافعي أن من أخرج رجله من قدم الخف إلى الساق ثم ردها لا يبطل مسحه ، ويجعل حكمه حكم لابس لم ينزع ، وسيأتي الفرق بينهما في آخر الباب حيث فرق المصنف إن شاء الله تعالى ، قال البغوي : ولو أدخل رجله في ساق الخف قبل الغسل ثم غسلها في الساق ثم أدخلها موضع القدم جاز المسح وهذا واضح فإن إدخالها الساق ليس بلبس ويجيء فيه وجه الرافعي وغيره والله أعلم .

Section V01/P578–V01/P580

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا توضأت المستحاضة ولبست الخفين ثم أحدثت حدثا غير حدث الاستحاضة ومسحت على الخف جاز لها أن تصلي بالمسح فريضة واحدة وما شاءت من النوافل ، وإن تيمم المحدث ولبس الخف ثم وجد الماء لم يجز له المسح على الخف لأن التيمم طهارة ضرورة فإذا زالت الضرورة بطلت من أصلها فيصير كما لو لبس الخف على حدث ، وقال أبو العباس بن سريج : يصلي بالمسح فريضة واحدة وما شاء من النوافل كالمستحاضة . + الشرح : هذه المسألة مشهورة في كتب الأصحاب ، وفي صورتها في المهذب بعض الخفاء ، فصورتها عند الأصحاب أن تتوضأ المستحاضة بعد دخول وقت فريضة ، وتلبس الخفين على تلك الطهارة ثم تحدث بغير حدث الاستحاضة كبول ونوم ولمس قبل أن تصلي تلك الفريضة ، فإذا توضأت جاز لها المسح في حق هذه الفريضة وتصلي بالمسح هذه الفريضة وما شاءت من النوافل ، فإن أحدثت مرة أخرى فلها المسح لاستباحة النوافل ولا يجوز لفريضة أخرى ، ولو توضأت ولبست الخف وصلت فريضة الوقت ثم أحدثت لم يجز أن تمسح في حق فريضة أصلا ، لا فائتة ولا مؤداة ، ولكن لها أن تمسح لما شاءت من النوافل . واحتج الأصحاب لكونها لا تمسح لغير فريضة ونوافل بأن طهارتها في الحكم مقصورة على استباحة فريضة ونوافل ، وهي محدثة بالنسبة إلى ما زاد على ذلك فكأنها لبست على حدث بل لبست على حدث حقيقة فإن طهارتها لا ترفع الحدث على المذهب ، هذا الذي ذكرناه هو المذهب الصحيح المشهور وبه قطع الجمهور في الطرق ونقله أبو بكر الفارسي عن نص الشافعي رضي الله عنه . وفي المسألة وجهان آخران أحدهما : لا يجوز لها المسح أصلا لا لفريضة ولا نافلة حكاه صاحب التلخيص والدارمي وجماعة من الخراسانيين وصححه البغوي وبه قطع الجرجاني في التحرير لأنها محدثة وإنما جوزت لها الصلاة مع الحدث الدائم للضرورة ولا ضرورة إلى مسح الخف بل هي رخصة بشرط لبسه على طهارة كاملة ولم توجد والوجه الآخر : أنها تستبيح المسح ثلاثة أيام ولياليهن في السفر ويوما وليلة في الحضر ولكنها تجدد الطهارة ماسحة لكل فريضة حكاه الرافعي وغيره عن تعليق الشيخ أبي حامد واحتمال لإمام الحرمين ، واعترف بأن المنقول عن الأصحاب خلافه ونقل المتولي وغيره اتفاق الأصحاب على أنها لا تزيد على فريضة . ومذهب زفر وأحمد رضي الله عنهما أنها تمسح ثلاثة أيام سفرا ويوما وليلة حضرا ودليل المذهب ما قدمناه ، وأما قول الغزالي في الوسيط لا تزيد على فريضة بالاجماع فليس كما قال ، وهو محمول على أنه لم يبلغه مذهب زفر وأحمد وقول الشيخ أبي حامد ، وقال القفال : في جواز مسحها لفريضة قولان بناء على أن طهارتها هل ترفع الحدث وفيه قولان ، قال إمام الحرمين : تخريجه على رفع الحدث غير صحيح فكيف يرتفع حدثها مع جريانه دائما وكذا قال الشاشي في المعتمد والمستظهري هذا البناء فاسد ، ولا يجوز أن يقال يرتفع حدثها مع دوامه واتصاله فإن ذلك محال وسنوضح الخلاف في ارتفاع حدثها بالطهارة في آخر باب الحيض في مسائل طهارتها إن شاء الله تعالى والله أعلم . هذا كله إذا أحدثت غير حدث الاستحاضة ، أما حدث الاستحاضة فلا يضر ولا تحتاج بسببه إلى استئناف طهارة إلا إذا أخرت الدخول في الصلاة بعد الطهارة وحدثها يجري وقلنا بالمذهب : أنه ينقض طهارتها ويجب استئنافها فحينئذ يكون حدث الاستحاضة كغيره على ما سبق . هذا كله إذا لم ينقطع دمها ، أما إذا انقطع دمها قبل أن تمسح وشفيت فلا يجوز لها المسح بل يجب الخلع واستئناف الطهارة هكذا قطع به الجمهور وصرحوا بأنه لا خلاف فيه ، وحكى البغوي وجها شاذا أن انقطاع دمها كحدث طارىء فلها المسح ، وهذا خلاف المذهب والدليل لأن طهارتها لضرورة وقد زالت الطهارة والضرورة فصارت لابسة على حدث بلا ضرورة والله أعلم .

Section V01/P580

وحكم سلس البول والمذي ومن به حدث دائم وجرح سائل حكم المستحاضة على ما سبق وكذا الوضوء المضموم إليه التيمم لجرح أو كسر له حكم المستحاضة ، وإذا شفي الجريح لزمه النزع كالمستحاضة صرح به الصيدلاني وإمام الحرمين وغيرهما ، وأما المتيمم الذي محض التيمم ولبس الخف على طهارة التيمم فإن كان تيممه لا بإعواز الماء بل بسبب آخر فحكمه حكم المستحاضة لأنه لا يتأثر بوجود الماء لكنه ضعيف في نفسه فصار كالمستحاضة ، هكذا صرح به جماعة منهم الرافعي وإن كان التيمم لفقد الماء وهي مسألة الكتاب فقال الجمهور : لا يجوز المسح بل إذا وجد الماء وجب الوضوء وغسل الرجلين ، ونقله المتولي عن نص الشافعي رضي الله عنه ، وقال ابن سريج : هو كالمستحاضة فتستبيح فريضة ونوافل كما سبق ، والمذهب الفرق لأن طهارته لا تستمر عند رؤية الماء فنظيره من المستحاضة أن ينقطع دمها والله أعلم .

Section V01/P580–V01/P582

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يمسح أعلا الخف وأسفله فيغمس يديه في الماء ثم يضع كفه اليسرى تحت عقب الخف وكفه اليمنى على أطراف أصابعه ثم يمر اليمنى إلى ساقه واليسرى إلى أطراف أصابعه لما روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال : وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فمسح أعلى الخف وأسفله وهل يمسح على عقب الخف فيه طريقان ، من أصحابنا من قال يمسح عليه قولا واحدا لأنه خارج من الخف يلاقي محل الفرض فهو كغيره ، ومنهم من قال : فيه قولان أحدهما : يمسح عليه وهو الأصح لما ذكرناه والثاني : لا يمسح لأنه صقيل وبه قوام الخف فإذا تكرر المسح عليه بلي وخلق وأضر به وإن اقتصر على مسح القليل من أعلاه أجزأه لأن الخبر ورد بالمسح ، وهذا يقع عليه اسم المسح ، وإن اقتصر على مسح ذلك من أسفله ففيه وجهان قال أبو إسحاق يجزيه لأنه خارج من الخف يحاذي محل الفرض فهو كأعلاه ، وقال أبو العباس بن سريج : لا يجزيه وهو المنصوص في البويطي وهو ظاهر ما نقله المزني . + الشرح : في هذا الفصل مسائل إحداها : حديث المغيرة رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم وضعفه أهل الحديث ممن نص على ضعفه البخاري وأبو زرعة الرازي والترمذي وآخرون ، وضعفه أيضا الشافعي رضي الله عنه في كتابه القديم ، وإنما اعتمد الشافعي رضي الله عنه في هذا على الأثر عن ابن عمر رواه البيهقي وغيره ، وروى الترمذي بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبير عن المغيرة رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين على ظاهرهما قال الترمذي هذا حديث حسن . فإن قيل : كيف حكم الترمذي بأنه حديث حسن وقد جرح جماعة من الأئمة ابن أبي الزناد فجوابه من وجهين أحدهما : أنه لم يثبت عنده سبب الجرح فلم يعتد به كما احتج البخاري ومسلم وغيرهما بجماعة سبق جرهم حين لم يثبت جرحهم مبين السبب والثاني : أنه اعتضد بطريق أو طرق أخرى فقوي وصار حسنا كما هو معروف عند أهل العلم بهذا الفن والله أعلم . الثانية : المغيرة بضم الميم وكسرها لغتان تقدمتا مع بيان حاله في أول صفة الوضوء ، وعقب الرجل بفتح العين وكسر القاف ، هذا هو الأصل ويجوز إسكان القاف مع فتح العين وكسرها وقد سبق التنبيه على هذه القاعدة ، والساق مؤنثة غير مهموزة وفيها لغة قليلة بالهمز سبق بيانها في غسل الرجلين ، وتبوك بفتح التاء بلدة معروفة وهي غير مصروفة ويقال غزوة وغزاة لغتان مشهورتان ، وكانت غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة وهي من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه . وقوله لأنه خارج من الخف ، فيه احتراز من باطنه الذي يلاقي بشرة الرجل ، وقوله يلاقي محل الفرض ، احتراز من ساق الخف ، وقوله لأنه صقيل ، يعني أملس رقيقا ، وقوله وبه قوام الخف ، هو بكسر القاف وفتحها لغتان مشهورتان الكسر أفصح أي بقاؤه ، وقوله وخلق هذا بفتح الخاء وبضم اللام وفتحها وكسرها ثلاث لغات وأخلق أيضا لغة رابعة . وقوله وأضر به ، يقال ضره وأضر به يضره ويضر به ، فإذا حذفت الباء كان ثلاثيا وإذا ثبتت كان رباعيا والله أعلم .

Section V01/P582–V01/P584

الثالثة : في أحكام الفصل : اتفق أصحابنا على أنه يستحب مسح أعلى الخف وأسفله ونص عليه الشافعي رضي الله عنه قالوا وكيفيته كما ذكر المصنف رحمه الله لكونه أمكن وأسهل ، ولأن اليد اليسرى لمباشرة الأقذار والأذى ، واليمنى لغير ذلك فكانت اليسرى أليق بأسفله ، واليمنى بأعلاه ، وأما العقب فنص في البويطي على استحباب مسحه كذا رأيته فيه وكذا نقله الأصحاب عنه ، ونقل الشيخ أبو حامد استحبابه عن نصه في الجامع الكبير ، ونقله القاضي أبو حامد والماوردي وغيرهما عن نصه في مختصر الطهارة الصغير ، ونقله المحاملي عن ظاهر نصه في القديم . وظاهر نصه في مختصر المزني أنه لا يمسح فإنه قال : يضع كفه اليسرى تحت عقب الخف وكفه اليمنى على أطراف أصابعه ثم يمر اليمنى إلى ساقه واليسرى إلى أطراف الأصابع ، وللأصحاب طريقان كما ذكر المصنف أحدهما : في استحبابه قولان ومنهم من يقول وجهان ، ودليلهما ما ذكره المصنف والثاني : وهو المذهب وبه جزم كثيرون القطع باستحبابه كما نص عليه في هذه الكتب المذكورة وتأول نصه في مختصر المزني على أن المراد وضع أصابعه تحت عقبه وراحته على عقبه ، ونقل الماوردي عدم استحبابه عن ابن سريج والله أعلم . وأما الواجب من المسح فإن اقتصر على مسح جزء من أعلاه أجزأه بلا خلاف ، وإن اقتصر على مسح أسفله أو بعض أسفله فنص الشافعي رضي الله عنه في البويطي ومختصر المزني أنه لا يجزئه ويجب إعادة ما صلى به ، ونقله الشيخ أبو محمد الجويني في الفروق عن نصه في الجامع الكبير ، وفي رواية موسى بن أبي الجارود ونقله الروياني وصاحب العدة عن نصه في الإملاء ، وللأصحاب ثلاث طرق حكاها صاحب الحاوي وإمام الحرمين وغيرهما أحدها : لا يجزىء مسح أسفله بلا خلاف ، وهذه طريقة أبي العباس بن سريج وجمهور الأصحاب وهي المذهب ، قال المحاملي وابن الصباغ : قال ابن سريج : لا يجزىء ذلك بإجماع العلماء . والطريق الثاني : يجزىء قولا واحدا وهو قول أبي إسحاق المروزي ، وزعم أنه مذهب الشافعي رضي الله عنه قال : وغلط المزني في نقله ذلك في المختصر عن الشافعي ولا يعرف هذا للشافعي ، وإنما استنبطه المزني وغلط في استنباطه ، وتأول المتولي وغيره نصه في مختصر المزني على أنه أراد بالباطن داخل الخف وهو ما يمس بشرة الرجل . والطريق الثالث : في اجزائه قولان حكاه الماوردي عن أبي علي بن أبي هريرة ، وحكاه الروياني عن القفال ورجحه الرافعي واتفق القائلون بهذا الطريق على أن الصحيح من القولين أنه لا يجزىء ، والصواب الطريق الأول وهو القطع بعدم الإجزاء فهذا هو المعتمد نقلا ودليلا . أما النقل فهو الذي نص عليه الشافعي رضي الله عنه في الكتب التي ذكرناها ولم يثبت عنه خلافه ، وأما دعوى أبي إسحاق أن المزني غلط فغلطه أصحابنا فيها قالوا : والمزني لم يستنبط ما نقله بل نقله عن الشافعي سماعا وحفاظا ، قال الشيخ أبو محمد : قال المزني في الجامع الكبير : حفظي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال إن مسح الباطن وترك الظاهر لا يجوز . ثم إن المزني لم ينفرد بذلك بل وافقه البويطي وابن أبي الجارود ونصه في الإملاء كما قدمناه . وأما الدليل فلأنه ثبت الاقتصار على الأعلى عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت الاقتصار على الأسفل ، والمعتمد في الرخص الاتباع فلا يجوز غير ما ثبت التوقيف فيه وعن علي رضي الله عنه : لو مكان الدين بالرأي كان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه رواه أبو داود والبيهقي من طرق . قال الشيخ أبو محمد الجويني وصاحب الحاوي وغيرهما : معنى كلام علي رضي الله عنه : لكان مسح الأسفل أولى كونه يلاقي النجاسات والأقذار لكن الرأي متروك بالنص .

Section V01/P584–V01/P586

قال أصحابنا ولأنه موضع لا يرى غالبا فلم يجز الاقتصار عليه كالباطن الذي يلي بشرة الرجل ، قالوا : وأما مسحه مع الأعلى استحبابا فعلى طريق التبع للأعلى لاتصاله به بخلاف الباطن . قال أصحابنا : ولأن القول بجوازه خارق للإجماع فكان باطلا ، ونقل الشيخ أبو حامد والمحاملي وابن الصباغ والروياني وغيرهم عن ابن سريج أنه قال : أجمع المسلمون أنه لا يجزىء الاقتصار على الأسفل وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه : قال أصحابنا : خالف أبو إسحاق إجماع الفقهاء قبله في هذه المسألة فلم يعتد بقوله والله أعلم . فرع : لو مسح فوق كعبه من الخف أو مسح باطنه الذي يلي بشرة الرجل لم يجزئه بالاتفاق ، ولو اقتصر على مسح حرف الخف قال البغوي : هو كأسفله ، ولو اقتصر على مسح عقبه ففيه طرق إحداها أنه كأسفله نقله البغوي والثاني : إن قلنا يجزىء الأسفل فالعقب أولى وإلا فوجهان لأن العقب أقرب إلى الأعلى ، ذكره القاضي حسين والثالث : إن قلنا لا يجزىء الأسفل فالعقب أولى وإلا فوجهان وهو ضعيف والرابع : قاله الماوردي والروياني إن قلنا مسح العقب سنة أجزأه وإلا فوجهان أحدهما : لا يجزىء كالساق والثاني : يجزىء لأنه في محل الفرض والخامس : قال الشاشي إن قلنا مسحه ليس بسنة لم يجزىء وإلا فوجهان كأسفله والسادس : الجزم بإجزائه حكاه الروياني قال الرافعي : الأظهر عند الأكثرين أنه لا يجزىء ، وهذا هو المذهب المعتمد . فرع : قال أصحابنا : يجزىء المسح باليد وبأصبع وبخشبة أو خرقة أو غيرها ، ولا يستحب تكرار المسح بخلاف الرأس لأن المسح هنا بدل فأشبه التيمم ، هذا هو المذهب الصحيح المشهور وبه قطع الجمهور ، بل نقل إمام الحرمين والغزالي وغيرهما أن التكرار مكروه ، وحكى الرافعي عن ابن كج وجها أنه يسن التكرار ، واختاره ابن المنذر وحكى ابن المنذر عن ابن عمر وابن عباس وعطاء رضي الله عنهم الاقتصار على مسحة واحدة ، وهذا هو المعتمد ولم يثبت في التكرار شيء فلا يصار إليه . فرع : لو غسل الخف بدل مسحه فالصحيح عند الأصحاب جوازه ، وفيه وجه كما سبق في الرأس فعلى الصحيح هو مكروه وتقدم في كراهة غسل الرأس وجهان ، وسبق بيان الفرق ، قال القاضي حسين : لو غسل الخف بدل مسحه أو وضع يده المبتلة عليه ولم يمرها عليه أو قطر الماء عليه ولم يسل أجزأه عند الأصحاب ، وعند القفال لا يجزئه كما ذكرناه في الرأس ، هذا مذهبنا وحكى ابن المنذر فيما إذا غسل الخف أو أصابه المطر ونوى : أنه يجزئه عن الحسن بن صالح وأصحاب الرأي وسفيان الثوري وإسحاق وعن مالك وأحمد رضي الله عنهما لا يجزئه واختاره ابن المنذر . فرع : قال إمام الحرمين والغزالي : قصد استيعاب الخف ليس بسنة بل السنة مسح أعلاه وأسفله لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مسح الأعلى والأسفل ، وأطلق جمهور الأصحاب استحباب استيعاب الخف بالمسح ممن أطلق هذه العبارة القاضي حسين والفوراني والمتولي والجرجاني في كتابه البلغة وصاحب العدة وغيرهم . فرع : لو كان أسفل الخف نجسا بنجاسة يعفى عنها لا يمسح على أسفله بل يقتصر على مسح أعلاه وعقبه وما لا نجاسة عليه ، صرح به إمام الحرمين والغزالي في البسيط والوجيز والمتولي والروياني وآخرون ، قال الروياني : لأنه لو مسحه زاد التلويث ولزمه حينئذ غسل اليد وأسفل الخف والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في استحباب مسح أسفل الخف وفي الواجب من أعلاه . قد ذكرنا أن مذهبنا استحباب مسح أسفله وأن الواجب أقل جزء من أعلاه . فأما استحباب الأسفل فحكاه ابن المنذر عن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري ومالك وابن المبارك وإسحاق .

Section V01/P586–V01/P587

وحكى ابن المنذر عن الحسن وعروة بن الزبير وعطاء والشعبي والنخعي والأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي وأحمد رضي الله عنهم أنه لا يستحب مسح الأسفل واختاره ابن المنذر ، واحتجوا بحديث علي رضي الله عنه . لو كان الدين بالرأي ، وقد سبق بيانه وبحديث المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح ظاهر الخف ، رواه الترمذي وقال : حديث حسن وقد سبق بيانه والاعتراض عليه وجوابه في أول هذه المسألة ، ولأنه ليس محلا للفرض فلا يسن كالساق ولأنه قد يكون على أسفله نجاسة . واحتج أصحابنا بحديث المغيرة الذي ذكره المصنف رحمه الله وبأثر ابن عمر رضي الله عنهما الذي قدمناه لكن حديث المغيرة ضعيف كما سبق ، ولأنه بارز من الخف يحاذي محل الفرض فسن مسحه كأعلاه ، ولأنه مسح على حائل منفصل فتعلق بكل ما يحاذي محل الفرض كالجبيرة ، ولأنه ممسوح فسن استيعابه كالرأس ، ولأنه طهارة فاستوى أسفل القدم وأعلاه كالوضوء . وأما حديث علي رضي الله عنه فأجابوا عنه بأن معناه لو كان الدين بالرأي لكان ينبغي لمن أراد الاقتصار على أقل ما يجزي على أسفله ، ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتصر على أعلاه ولم يقتصر على أسفله ، فليس فيه نفي استحباب الاستيعاب ، وهذا كما صح أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته ولم يلزم منه نفي استحباب استيعاب الرأس ، وإنما المقصود منه بيان أن الاستيعاب ليس بواجب ، وهكذا الجواب عن حديث المغيرة ، وأما قياسهم على الساق فجوابه من وجهين أحدهما : أنه ليس بمحاذ للفرض فلم يسن مسحه كالذؤابة النازلة عن حد الرأس بخلاف أسفله فإنه محاذ محل الفرض فهو كشعر الرأس الذي لم ينزل عن محل الفرض الثاني : أن هذا منتقض بمسح العمامة مع الناصية ويمسح الأذن وأما قولهم قد يكون على أسفله نجاسة فجوابه أنه إذا كانت نجاسة لم يمسح أسفله عندنا كما سبق والله أعلم . وأما الاقتصار على أقل جزء من أعلاه فوافقنا عليه الثوري وأبو ثور ودواد وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : يجب مسح قدر ثلاث أصابع ، وقال أحمد رضي الله عنه : يجب مسح أكثر ظاهره وعن مالك مسح جميعه إلا مواضع الغضون ، واحتجوا بما روي عن علي رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على خفيه خطوطا بالأصابع وعن الحسن البصري قال : من السنة أن يمسح على الخفين خطوطا بالأصابع ، قال أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنهم : وأقل الأصابع ثلاث ، ولأنه مسح في الطهارة فلم يكف فيه مطلق الاسم كما لو بل شعرة ووضعها على الخف ، ولأن من مسح بأصبع لا يسمى ماسحا ولأن المسح ورد مطلقا فوجب الرجوع إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه مسح في طهارة فلم يكف مطلق الاسم كمسح وجه المتيمم . واحتج أصحابنا بأن المسح ورد مطلقا ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في تقدير واجبه شيء فتعين الاكتفاء بما ينطلق عليه الاسم ، فإن قالوا : لم ينقل الاقتصار على مطلق الاسم . قلنا : لا يفتقر ذلك إلى نقل لأنه مستفاد من إطلاق إباحة المسح فإنه يتناول القليل والكثير ولا يعدل عنه إلا بدليل . فإن قالوا : لا يسمى ذلك مسحا ، قلنا : هذا خلاف اللغة فلا خلاف في صحة إطلاق الاسم عندهم . وأما الجواب عن دلائلهم فكلها تحكم لا أصل لشيء منها ، وأما حديث علي رضي الله عنه فجوابه من أوجه أحسنها : أنه ضعيف فلا يحتج به والثاني : لو صح حمل على الندب جمعا بين الأدلة الثالث : أنه قال : مسح بأصابعه ، ولا يقولون بظاهره .

Section V01/P587

فإن تأولوه فليس تأويلهم من تأويلنا وأما قول الحسن فجوابه من وجهين أحدهما : أنه ليس بحجة فإن قول التابعي : من السنة كذا لا يكون مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بل هو موقوف هذا هو الصحيح المشهور قال القاضي أبو الطيب : وقال بعض أصحابنا : هو مرفوع مرسل وقد سبق بيان هذا في مقدمة الكتاب والثاني : لو كان حجة لحمل على الندب ، وأما قولهم : لو مسح بشعره فجوابه إن سمي ذلك مسحا قلنا بجوازه وإلا فلا يرد علينا ، وقولهم لا يسمى المسح بالأصبع مسحا لا نسلمه وقولهم : يجب الرجوع إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم جوابه أنه لم يثبت التقدير الذي قالوه ، وقياسهم على التيمم جوابه أنه لا يصح إلحاق ذا بذاك لأنا أجمعنا على الاستيعاب هناك دون هنا فتعين ما ينطلق عليه الاسم والله أعلم .

Section V01/P587–V01/P588

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا مسح على الخف ثم خلعه أو انقضت مدة المسح وهو على طهارة المسح قال في الجديد : يغسل قدميه ، وقال في القديم : يستأنف الوضوء ، واختلف أصحابنا في القولين فقال أبو إسحاق : هي مبنية على القولين في تفريق الوضوء ، فإن قلنا : يجوز التفريق كفاه غسل القدمين ، وإن قلنا : لا يجوز لزمه استنئاف الوضوء ، وقال سائر أصحابنا : القولان أصل في نفسه أحدهما : يكفيه غسل القدمين لأن المسح قائم مقام غسل القدمين ، فإذا بطل المسح عاد إلى ما قام المسح مقامه كالمتيمم إذا رأى الماء والثاني : يلزمه استئناف الوضوء لأن ما أبطل بعض الوضوء أبطل جميعه كالحدث . + الشرح : قوله : قال أبو إسحاق : هي مبنية هكذا هو في النسخ أي المسألة وللشافعي رضي الله عنه في هذه المسألة نصوص مختلفة . قال المزني في مختصره : قال الشافعي رضي الله عنه : وإن نزع خفيه بعد مسحهما غسل قدميه ، قال : وفي القديم وكتاب ابن أبي ليلى يتوضأ ، هذا نقل المزني وقال في البويطي : من مسح خفيه ثم نزعهما فأحب إلى أن يبتدىء الوضوء ، فإن لم يفعل وغسل رجليه فقط وهو على طهارة المسح أجزأه ذلك ، وسواء غسلهما بقرب نزعه أو بعده ما لم ينتقض وضوؤه ، هذا نصه في البويطي . وقال في الأم في باب ما ينقض المسح : إذا أخرج إحدى قدميه أو هما من الخف بعد مسحه فقد انتقض المسح وعليه أن يتوضأ ، وقال في الأم أيضا في باب وقت المسح على الخفين : لو مسح في السفر يوما وليلة ثم نوى الإقامة أو قدم بلده نزع خفيه واستأنف الوضوء ، لا يجزيه غير ذلك ، قال : ولو كان المسافر قد استكمل يوما وليلة ثم دخل في صلاة فنوى الإقامة قبل إكمال الصلاة فسدت صلاته وكان عليه أن يستقبل وضوءا ثم يصلي تلك الصلاة : ثم قال بعده بأسطر : وإذا شك المقيم هل استكمل يوما وليلة أم لا . نزع خفيه واستأنف الوضوء . وقال في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى رضي الله عنهما من كتب الأم أيضا إذا صلى وقد مسح خفيه ثم نزعهما أحببت أن لا يصلي حتى يستأنف الوضوء ، فإن لم يزد على غسل رجليه جاز . فهذه نصوص الشافعي ومن هذه الكتب نقلتها . ونقل الأصحاب والمزني عن القديم : أنه يجب الاستئناف ونقل ابن الصباغ والروياني وغيرهما أن الشافعي نص في حرملة أنه يكفيه غسل القدمين . وخالفهم البندنيجي وصاحب العدة فنقلا وجوب الاستئناف في القديم والأم والإملاء وحرملة ، ونقلا جواز الاقتصار على القدمين عن البويطي وكتاب ابن أبي ليلى ، هذه نصوص الشافعي . واتفق الأصحاب على أن في المسألة قولين أحدهما : وجوب الاستئناف والثاني : يكفي غسل القدمين . ثم اختلفوا في أصلهما على ست طرق أحدها : أن أصلهما تفريق الوضوء إن جوزناه كفى غسل القدمين وإلا وجب الاستئناف . وهذا الطريق قول ابن سريج وأبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبي هريرة وحكاه الشيخ أبو حامد والبندنيجي عن أبي العباس وأبي إسحاق وحكاه الماوردي عن أبي علي بن أبي هريرة وجمهور البغداديين . والطريق الثاني القولان : أصل بنفسه غير مبني على شيء ، وهذا الطريق نقله المصنف وغيره من الجمهور والثالث : هما مبنيان على قولين للشافعي في أن طهارة بعض الأعضاء إذا انتقضت هل ينتقض الباقي إن قلنا : ينتقض وجب استئناف الوضوء وإلا كفى القدمان ، حكاه القاضي أبو الطيب في تعليقه والماوردي .

Section V01/P588–V01/P590

قال الماوردي : هو قول أصحابنا البصريين والرابع : هما مبنيان على أن المسح على الخف هل يرفع الحدث عن الرجل إن قلنا : نعم وجب الاستئناف لأن الحدث عاد إلى الرجل فيعود إلى الجميع وإن قلنا لا يرفع كفى القدمان وهذا الطريق مشهور في طريقتي العراقيين والخراسانيين . والخامس : أنهما مرتبان ومبنيان على تفريق الوضوء على غير ما سبق . فإن جوزنا التفريق كفى القدمان وإلا فقولان والسادس : عكسه إن منعنا التفريق وجب الاستئناف وإلا فقولان ، حكى هذين الطريقين الدارمي في الاستذكار . واختلف المصنفون في أرجح هذه الطرق فقال الشيخ أبو حامد : الصحيح الطريق الأول وهو البناء على تفريق الوضوء . وقال الخراسانيون : هذا الطريق غلط صريح ، ممن صرح بذلك شيخهم القفال وأصحابه الثلاثة الشيخ أبو محمد والقاضي حسين والفوراني والمتولي والبغوي وآخرون ، قال إمام الحرمين : هذا الطريق غلط عند المحققين واحتجوا في تغليطه بأشياء أحدها : أن التفريق لا يضر في الجديد بلا خلاف وقد نص على القولين في الجديد كما سبق والثاني : أن التفريق بعذر لا يضر وانقضاء المدة عذر . الثالث : أن القولين جاريان مع قرب الزمان حتى لو توضأ ومسح الخف ثم خلعه قبل جفاف الأعضاء جرى القولان ، ولا خلاف أن مثل هذا التفريق لا يضر ، وهذا الثالث هو الذي اعتمده إمام الحرمين والمتولي والبغوي . وفرق الشيخ أبو محمد الجويني بين التفريق هنا وهناك بأن ماسح الخف إذا نزعه بطلت طهارة القدمين والطهارة إذا بطل بعضها بطلت كلها فلهذا جرى القولان مع قرب الزمان ، وأما من فرق الوضوء تفريقا يسيرا فلم يبطل شيء مما فعل فلهذا جاز له البناء بلا خلاف . وأجاب الشيخ أو حامد عن الاعتراض الأول بأن الشافعي إنما نص في كتاب ابن أبي ليلى من الجديد على استحباب الاستئناف لا على وجوبه ، وهذا الجواب فاسد لأن الاستئناف منصوص عليه في غير كتاب ابن أبي ليلى من الكتب الجديدة كالأموغيره مما سبق . وأما الاعتراض الثاني وهو أن التفريق بعذر لا يضر ، فلا يسلمه العراقيون كما سبق في بابه ، وأما الثالث : وهو جريان القولين وإن نزع على الفور فلا يسلمه صاحب هذه الطريقة وقال القفال وسائر الخراسانيين والمحاملي من العراقيين أصبح الطرق البناء على رفع الحدث والأصح أن المسح يرفع الحدث عن الرجل ، وضعف البندنيجي وابن الصباغ وصاحبه الشاشي وغيرهم البناء على رفع الحدث وقالوا : الأصح أنهما أصل بنفسه ، واختار الدارمي الطريق السادس ، فهذه طرق الأصحاب واختلافهم في أرجحها والأصح أنهما أصل في نفسه . وأما أصح القولين فاختلفوا فيه فصحح جماعة وجوب الاستئناف منهم الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب في تعليقه والمحاملي في كتابه وسليم الرازي في كتابه رؤوس المسائل وصاحب العدة والشيخ نصر في كتابيه الانتخاب والتهذيب وقطع به جماعات من أصحاب المختصرات كالمقنع للمحاملي والكفاية لسليم الرازي والكافي للشيخ نصر ، وصحح جماعة الاكتفاء بالقديم منهم القاضي حسين والمصنف في التنبيه والروياني والبغوي والجرجاني في كتابيه التحرير والبلغة والشاشي في كتابيه والرافعي في كتابيه وقطع به جماعة من أصحاب المختصرات منهم الماوردي في كتابه الإقناع والغزالي في الخلاصة ، وهذا هو الأصح المختار ، فعلى هذا يستحب استئناف الوضوء كما نص عليه في كتاب ابن أبي ليلى وغيره ليخرج من الخلاف . ثم إذا قلنا : يكفيه غسل القدمين فغسلهما عقب النزع أجزأه ، فإن آخر غسلهما حتى طال الزمان ففيه قولا تفريق الوضوء ، صرح به المتولي وصاحب العدة والروياني وغيرهم وهو واضح ، ويجيء حينئذ الخلاف في التفريق بعذر هل يؤثر أم لا والله أعلم . هذا كله إذا خلع الخفين وهو على طهارة المسح ، فإن كان على طهارة الغسل بأن كان غسل رجليه في الخف فطهارته كاملة ولا يلزمه شيء بلا خلاف بل يصلي بطهارته ما أراد له أن يستأنف لبس الخفين بهذه الطهارة والله أعلم .

Section V01/P590–V01/P591

وأما قول المصنف : قال في الجديد يغسل قدميه . وقال في القديم : يستأنف . فظاهره أنه ليس في الجديد الاستئناف وليس كذلك بل في الجديد قولان كما سبق ، وقوله : واختلف أصحابنا في ذلك فقال أبو إسحاق : هي مبنية على تفريق الوضوء وقال سائر أصحابنا القولان أصل في نفسه ، هذا مما ينكر على المصنف لأن قوله سائر أصحابنا معناه باقيهم غير أبي إسحاق فهو تصريح بأن أبا أسحاق انفرد الباقون على خلافه ، وليس الأمر كذلك بل قد قال بمثل قول أبي إسحاق بن سريج وأبو علي بن أبي هريرة والبغداديون كما سبق بيانه ، ولا يعذر المصنف في مثل هذا لأنه مشهور موجود في تعليق الشيخ أبو حامد والماوردي وهو كثير النقل منها والله أعلم . فرع : إذا ظهرت الرجل وانقضت المدة وهو في صلاة بطلت صلاته بلا خلاف ، نص عليه الشافعي كما سبق في نصه في الأم واتفق عليه الأصحاب قالوا : ولا يجيء فيه القول القديم في سبق الحدث أنه يتوضأ ويبني لأن هذا مقصر بمضايقة المدة وترك تعهد الخف بخلاف من سبقه الحدث ودليل بطلان صلاته أن طهارته في رجليه ووجب غسلها بلا خلاف ، وفي الباقي القولان . فرع : إذا لم يبق من مدة المسح قدر يسع صلاة ركعتين فافتتح صلاة ركعتين فهل يصح الافتتاح ثم تبطل الصلاة عند انقضاء المدة أم لا تصح أصلا ففيه وجهان حكاهما الروياني في البحر قال : وفائدتهما لو اقتدى به غيره ثم فارقه عند انقضاء المدة هل يصح اقتداؤه فيه الوجهان . قلت : وفائدة أخرى وهو أنه لو أحرم بركعتين نافلة ثم أراد أن يقتصر على ركعة ويسلم إن قلنا : انعقدت جاز وإلا فلا ، والأصح الانعقاد لأنه على طهارة في الحال فكيف يمتنع انعقاد صلاته والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء فيمن خلع خفيه أو انقضت مدته وهو على طهارة المسح . قد ذكرنا أن في مذهبنا قولين أصحهما يكفيه غسل القدمين والثاني : يجب استئناف الوضوء والعلماء أربعة مذاهب أحدها : يكفيه غسل القدمين وبه قال عطاء و علقمة والأسود وحكى عن النخعي وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه والثوري وأبي ثور والمزني ورواية عن أحمد رضي الله عنهم والثاني : يلزمه استئناف الوضوء وبه قال مكحول والنخعي والزهري وابن أبي ليلى و الأوزاعي والحسن بن صالح وإسحاق وهو أصح الروايتين عن أحمد رضي الله عنه الثالث : إن غسل رجليه عقب النزع كفاه وإن أخر حتى طال الفصل استأنف الوضوء وبه قال مالك والليث والرابع : لا شيء عليه لا غسل القدمين ولا غيره بل طهارته صحيحة يصلي بها ما لم يحدث كما لو لم يخلع ، وهذا المذهب حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري وقتادة وسليمان بن حرب واختاره ابن المنذر وهو المختار الأقوى ، وحكاه أصحابنا عن داود إلا أنه قال : يلزمه نزعهما ولا يجوز أن يصلي فيهما . وهذه المذاهب تعرف أدلتها مما ذكره المصنف رحمه الله وجرى في خلال الشرح إلا مذهب الحسن فاحتج له بأن طهارته صحيحة فلا تبطل بلا حدث كالوضوء ، وأما نزع الخف فلا يؤثر في الطهارة بعد صحتها كما لو مسح رأسه ثم حلقه ، وقال أصحابنا : الأصل غسل الرجل والمسح بدل فإذا زال وجب الرجوع إلى الأصل والله أعلم . فرع : إذا نزع أحد خفيه فهو كنزعهما وهذا مذهبنا ومذهب جمهور العلماء منهم مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي وابن المبارك وأحمد رضي الله عنهم ، وحكى ابن المنذر عن الزهري وأبي ثور أنهما قالا : يغسل التي نزع خفها ويمسح على خف الأخرى : دليلنا أنهما كعضو واحد ولهذا لا يجب الترتيب فيهما فصار ظهور أحدهما كظهورهما والله أعلم .

Section V01/P591–V01/P592

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن مسح على خفيه ثم أخرج الرجلين من قدم الخف إلى الساق لم يبطل المسح على المنصوص لأنه لم تظهر الرجل من الخف وقال القاضي أبو حامد في جامعه : يبطل وهو اختيار شيخنا القاضي أبي الطيب رحمه الله لأن استباحة المسح تتعلق باستقرار القدم في الخف ، ولهذا لو بدأ باللبس فأحدث قبل أن تبلغ الرجل قدم الخف ثم أقرها لم يجز . أصحابنا منهم صاحبا الشامل والعدة وآخرون ذكره صاحب العدة في آخر باب موقف الإمام والمأموم هناك ، وذكره المزني عن الشافعي في المختصر ، ودليل هذه القاعدة قوله تعالى : وأمر أهلك بالصلاة وقوله تعالى : قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقوله صلى الله عليه وسلم : وإن لولدك عليك حقا رواه مسلم في صحيحه في كتاب الصيام من رواية ابن عمرو بن العاص ، وقوله صلى الله عليه وسلم : كلكم راع ومسؤول عن رعيته ، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته رواه البخاري ومسلم . قال الشافعي في المختصر : وعلى الآباء والأمهات أن يؤدبوا أولادهم ويعلموهم الطهارة والصلاة ويضربوهم على ذلك إذ عقلوا قال أصحابنا : ويأمره الولي بحضور الصلوات في الجماعة ، وبالسواك وسائر الوظائف الدينية ، ويعرفه تحريم الزنا واللواط والخمر والكذب والغيبة وشبهها . قال الرافعي : قال الأئمة : يجب على الآباء والأمهات تعليم أولادهم الطهارة والصلاة والشرائع بعد سبع سنين وضربهم على تركها بعد عشر سنين ، وأجرة تعليم الفرائض في مال الصبي ، فإن لم يكن له مال فعلى الأب فإن لم يكن فعلى الأم . وهل يجوز أن يعطي أجرة تعليم ما سوى الفاتحة والفرائض من مال الصبي فيه وجهان أصحهما يجوز ، وقد سبق بيان هذا مع ما يتعلق به في مقدمة الكتاب في بيان أقسام العلم . والله أعلم .

Section V01/P592–V01/P593

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن دخل في الصلاة ثم بلغ في أثنائها قال الشافعي رحمه الله : أحببت أن يتم ويعيد ولا يبين لي أن عليه الإعادة قال أبو إسحاق : يلزمه الإتمام ويستحب له أن يعيد ، وقوله : أحببت يرجع إلى الجمع بين الإتمام والإعادة وهو الظاهر من المنصوص ، والدليل عليه أن صلاته صحيحة ، وقد أدركه الوجوب وهو عليه ثم نزع الجرموق فى أثناء المدة ففيه ثلاث طرق أحدها : أن الجرموق كالخف المنفرد ، فإذا نزعه كان على قولين أحدهما : يستأنف الوضوء فيغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ويمسح على الخفين والثاني : لا يستأنف الوضوء فعلى هذا يكفيه المسح على الخفين والطريق الثاني : أن نزع الجرموق لا يؤثر لأن الجرموق مع الخف تحته بمنزلة الظهارة مع البطانة ولو نقلعت الظهارة بعد المسح لم يؤثر في طهارته الطريق الثالث : أن الجرموق فوق الخف كالخف فوق اللفافة ، فعلى هذا إذا نزع الجرموق نزع الخف كما ينزع اللفافة ، وهل يستأنف الوضوء أم يقتصر على غسل القدمين فيه قولان . + الشرح : هذه الطريقة مشهورة في المذهب لكن بعض الأصحاب يسميها طرقا ، وبعضهم يسميها أوجها ، وهذه طريقة الجمهور وهذه الأوجه ذكرها ابن سريج واتفق الخراسانيون على نقلها عنه ونقلها عنه من العراقيين المحاملي في المجموع وابن الصباغ وآخرون ، وقد تقدم بيانها مع شرح ما يتعلق بها موضحا في مسائل مسح الجرموقين ، وأورد القاضي أبو الطيب على الطريق الأول فقال : هذا باطل بل يوجب استئناف الوضوء بلا خلاف لأن جواز المسح على الجرموق إنما هو على القديم وفي القديم لا يجوز تفريق الوضوء ، فأجاب عنه صاحب الشامل بأنه لا يمتنع أن يرجع عن وجوب استئناف الطهارة بنزع الخفين ولا يرجع عن مسح الجرموق فيصح أن يخرج فيه القولان . قلت : هذا الجواب ضعيف ولكن يجاب بجوابين حسنين أجودهما أن جواز مسح الجرموق ليس مختصا بالقديم بل هو منصوص عليه في الإملاء كما ذكره المصنف وجميع الأصحاب ، والإملاء من الكتب الجديد التي يجوز فيها تفريق الوضوء . والثاني : أن ذلك منصوص على القديم أيضا فيما إذا نزع الجرموق عقب المسح والله أعلم . فرع في مسائل تتعلق بالباب إحداها : قال أصحابنا : يجوز مسح الخف لمن لا يحتاج إلى شيء كزمن وامرأة تلازم بيتها وملازم للركوب وغيره . الثانية : قال أصحابنا : سليم الرجلين لو لبس خفا في إحداهما لا يصح مسحه ، وقد صرح المصنف بهذا في مسألة الخف المخرق فلو لم يكن له إلا رجل واحدة جاز المسح على خفها بلا خلاف ، ولو بقيت من محل الفرض في الرجل الأخرى بقية لم يصح المسح حتى يسترها بما يجوز المسح عليه ثم يمسح عليهما جميعا ، فلو كانت إحدى رجله عليلة بحيث لا يجب غسلها فلبس الخف في الصحيحة قطع الدارمي بصحة المسح وقطع صاحب البيان بمنعه وهو الأصح لأنه يجب التيمم عن الرجل العليلة فهي كالصحيحة .

Questions

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) · 15 · Qur'an & Sunnah