Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V09/P006–V09/P008

فرع : لحم الحمر الأهلية حرام عندنا ، وبه قال جماهير العلماء من السلف والخلف ، قال الخطابي : هو قول عامة العلماء ، قال : وإنما رويت الرخصة فيه عن ابن عباس ، رواه عنه أبو داود في سننه ، قلت : ورواه عن ابن عباس البخاري في صحيحه كما سنوضحه إن شاء الله تعالى ، وعند مالك ثلاث روايات في لحمها ، أشهرها أنه مكروه كراهة تنزيه شديدة ، والثانية حرام والثالثة مباح ، واحتج لابن عباس بقوله تعالى : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة الأنعام : 145 الآية ، وبحديث غالب بن أبجر قال : أصابتنا سنة فلم يكن في مالي شيء أطعم إلا الحمر الأهلية ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم لحوم الحمر الأهلية فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله أصابتنا السنة ، ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حر ، وإنك حرمت الحمر الأهلية فقال : أطعم أهلك من سمين حمرك ، فإنما حرمتها من أجل جوال القرية رواه أبو داود واتفق الحفاظ على تضعيفه . قال الخطابي والبيهقي وغيرهما . هو حديث يختلف في إسناده ، يعنون مضطربا . قال البيهقي وغيره : وهذا الحديث لا يعارض الأحاديث الصحيحة التي سنذكرها إن شاء الله تعالى ، قالوا : ولو بلغ ابن عباس أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة الصريحة في تحريمها لم يصر إلى غيرها . ودليل الجمهور في تحريمها حديث علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر ، وعن لحوم الحمر الأهلية رواه البخاري ومسلم ، وعن ابن عمر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الأهلية رواه البخاري ومسلم ، وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية ، وأذن في لحوم الخيل رواه البخاري ومسلم . وعن البراء بن عازب قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبنا حمرا فطبخناها ، فأمر مناديا أن أكفئوا القدور رواه البخاري ومسلم من طرق ، وروياه من رواية عبد الله بن أبي أوفى . وعن سلمة بن الأكوع قال : لما قدمنا خيبر رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم نيرانا توقد فقال : علام توقد هذه النيران فقالوا : على لحوم الحمر الأهلية قال : كسروا القدور وأهريقوا ما فيها ، فقال رجل من القوم : يا رسول الله أونهريق ما فيها ونغسلها فقال : أو ذاك رواه البخاري ومسلم . وعن عمرو بن دينار قال : قلت لجابر بن زيد يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحمر الأهلية فقال : قد كان يقول ذاك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة ، ولكن أبى ذلك ابن عباس وقرأ : قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما رواه البخاري ، وقوله : أبى ذلك ا بن عباس محمول على أنه لم يبلغه حديث الحكم بن عمرو وغيره . وعن ابن عباس قال : لا أدري أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أنه كان حمولة الناس ، فكره أن تذهب حمولتهم أو حرم يوم خيبر لحم الحمر الأهلية رواه البخاري ومسلم وعن ابن عباس أوفى قال : أصابتنا مجاعة ليالي خيبر فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها ، فلما غلت بها القدور نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أكفئوا القدور ولا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا ، فقال ناس : إنما حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها لم تخمس وقال آخرون : حرمها البتة رواه البخاري ومسلم .

Section V09/P008–V09/P009

وعن أبي ثعلبة الخشني قال : حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم الحمر ، ولحم كل ذي ناب من السباع رواه البخاري ومسلم وهذا لفظ البخاري ، ولفظ مسلم حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جاء فقال : أكلت الحمر ثم جاءه جاء فقال : أكلت الحمر ، ثم جاءه جاء فقال : أفنيت الحمر فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس : إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس فأكفئت القدور وإنها لتفور باللحم رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم : رجس من عمل الشيطان وفي رواية له : رجس أو نجس وعن المقدام بن معد يكرب قال : حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء يوم خيبر منها الحمار الأهلي : رواه البيهقي وغيره والأحاديث في المسألة كثيرة ، والله أعلم . وأما الحديث المذكور في سنن أبي داود عن غالب بن أبجر قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله أصابتنا السنة ، ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر ، وإنك حرمت لحوم الحمر الأهلية ، فقال : أطعم أهلك من سمين حمرك فإنما حرمتها من أجل جوال القرية يعني بالجوال الذي يأكل الجلة وهي العذرة . فهذا الحديث مضطرب مختلف الإسناد ، كثير الاختلاف والاضطراب باتفاق الحفاظ ، وممن أوضح اضطرابه الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الأطراف ، فهو حديث ضعيف . ولو صح لحمل على الأكل منها حال الاضطراب ، ولأنها قصة عين لا عموم لها ، فلا حجة فيها ، والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : لحم البغل حرام عندنا ، وبه قال جميع الأئمة إلا ما حكاه أصحابنا عن الحسن البصري أنه أباحه . دليلنا حديث جابر السابق وغيره . فرع : لحم الكلب حرام عندنا ، وبه قالت الأئمة بأسرها إلا رواية عن مالك في الجرو . فرع : السنور الأهلي حرام عندنا ، وبه قال جمهور العلماء ، وأباحه الليث بن ربيعة ، وقال مالك : يكره فقال بعض أصحابنا : كراهة تنزيه ، وبعضهم كراهة تحريم ، والله أعلم . فرع : ذبح الحمار والبغل ونحوهما مما لا يؤكل ليدبغ جلده أو ليصطاد على لحمه السنور والعقبان ونحو ذلك حرام عندنا ، وجوزه أبو حنيفة وشعب المسألة واضحة في باب الآنية .

Section V09/P009–V09/P010

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الوحش فإنه يحل منه الظباء والبقر لقوله تعالى : ويحل لهم الطيبات الأعراف : 157 والظباء والبقر من الطيبات ، يصطاد ويؤكل ، ويحل الحمار الوحشي للآية ولما روى أن أبا قتادة كان مع قوم محرمين وهو حلال فسنح لهم حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانا فأكلوا منها وقالوا : نأكل من لحم صيد ونحن محرمون فحملوا ما بقي من لحمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلوا ما بقي من لحمها ) ويحل أكل الضبع لقوله عز وجل : ويحل لهم الطيبات الأعراف : 157 قال الشافعي رحمه الله : ما زال الناس يأكلون الضبع ويبيعونه بين الصفا والمروة . وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الضبع صيد يؤكل وفيه كبش إذا أصابه المحرم . + الشرح : حديث أبي قتادة رواه البخاري ومسلم ، وحديث جابر صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد صحيحة قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح ، وقوله : سنح هو بسين مهملة ونون مخففة مفتوحتين ثم حاء مهملة أي عرض قوله : يأكلون الضبع ويبيعونه ، الضمير في يبيعونه يعود إلى لحم الضبع ، وإلا فالضبع مؤنثة . وهو بفتح الصاد وضم الباء ويجوز إسكانها ، والتثنية ضبعان والجمع ضباع والمذكر ضبعان بكسر الضاد وإسكان الباء وتنوين النون والجمع ضباعين كسرحان وسراحين . أما الأحكام : فدواب الوحش يحل منها الظباء والبقر والحمر والضبع لما ذكره المصنف ، وهذا كله متفق عليه ، ويحل الوعل بلا خلاف . فرع : الضبع والثعلب مباحان عندنا ، وعند أحمد وداود ، وحرمهما أبو حنيفة وقال مالك : يكرهان ، وممن قال بإباحة الضبع على ابن أبي طالب وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وخلائق من الصحابة والتابعين ، وممن أباح الثعلب طاوس وقتادة وأبو ثور .

Section V09/P010–V09/P012

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحل أكل الأرنب لقوله تعالى : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون الأعراف : 157 والأرنب من الطيبات ولما روى جابر أن غلاما من قومه أصاب أرنبا فذبحها بمروة فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكلها فأمره أن يأكلها ويحل اليربوع لقوله تعالى : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون الأعراف : 157 واليربوع من الطيبات تصطاده العرب وتأكله وأوجب فيه عمر رضي الله عنه على المحرم إذا أصابه جفرة فدل على أنه صيد مأكول ، ويحل أكل الثعلب لقوله تعالى : ويحل لهم الطيبات الأعراف : 157 والثعلب من الطيبات مستطاب يصطاد ، ولأنه لا يتقوى بنابه فأشبه الأرنب ، ويحل أكل ابن عرس والوبر لما ذكرناه في الثعلب ، ويحل أكل القنفذ لما روى أن ابن عمر رضي الله عنهما سئل عن القنفذ فتلا قوله تعالى : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه الأنعام : 145 الآية ، ولأنه مستطاب لا يتقوى بنابه فحل أكله كالأرنب ويحل الضب لما روى أن عباس رضي الله عنهما أنه أخبره خالد بن الوليد أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة رضي الله عنها فوجد عندها ضبا محنوذا فقدمت الضب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ، فقال خالد : أحرام الضب يا رسول الله قال : لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه ، قال خالد : فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر فلم ينهه . + الشرح : حديث جابر في الأرنب رواه البيهقي بلفظه بإسناد حسن وجاءت أحاديث صحيحة بمعناه منها : حديث أنس قال : أفصحنا أرنبا عن الظهران فأدركتها فأخذتها فذهبت بها إلى أبي طلحة فذبحها وبعث بكتفها وفخذها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية البخاري قبله وأكله منه وأما الأثر المذكور عن ابن عمر : في القنفذ فهو بعض حديث طويل عن عيسى بن نميلة عن أبيه قال كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ فتلا قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما الآية ، قال الشيخ عنده سمعت أبا هريرة يقول : ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : خبيثة من الخبائث فقال ابن عمر : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذا فهو كما قال رواه أبو داود بإسناد ضعيف ، قال البيهقي لم يرو إلا بهذا الإسناد ، قال وهو إسناد فيه ضعيف وأما حديث ابن عباس عن خالد فرواه البخاري ومسلم . قوله : فذبحها بمروة هي بفتح الميم وهي الحجرة قوله القنفذ بضم القاف والفاء ويقال بفتح الفاء لفتان ذكرهما الجوهري : وجمعها قنافذ ، والوبر بإسكان الباء جمعه وبار بكسر الواو والضب المحنوذ أي المشوي ، قوله : فاجتررته هكذا هو بالراء المكررة ، هذا هو الصواب المعروف في كتب الحديث والفقه وغيرهما ، وذكر بعض من تكلم في ألفاظ المهذب أنه بالزاي بعد الراء أي وطعنه .

Section V09/P012

أما الأحكام : فيحل الأرنب واليربوع والثعلب والقنفذ والضب والوبر وابن عرس ، ولا خلاف في شىء من هذه ، إلا الوبر والقنفذ ففيهما وجه أنهما حرام والصحيح المنصوص تحليلهما وبه قطع الجمهور ، ويحل الدلدل على الصحيح المنصوص وفيه وجه وأما السمور والسنجاب والفنل بفتح الفاء والنون والقاقم بالقافين وضم الثانية والحواصل ففيها وجهان الصحيح : المنصوص أنها حلال والثاني : أنها حرام . والله تعالى أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في الضب . مذهبنا أنه حلال غير مكروه وبه قال مالك وأحمد والجمهور ، وقال أصحاب أبي حنيفة يكره ، وأما اليربوع فحلال عندنا لا يكره . دليلنا حديث خالد وأحاديث كثيرة في الصحيحين ، وأما القنفذ فحلال عندنا لا يكره ، وبه قال مالك والجمهور ، وقال أحمد : يحرم ، وقال أصحاب أبي حنيفة يكره ، وأما اليربوع فحلال عندنا لا يكره ، وبه قال مالك وأحمد والجمهور ، وقال أصحاب أبي حنيفة : يكره ، ونقل صاحب البيان عن أبي حنيفة تحريم الضب والوبر وابن عرس والقنفذ واليربوع .

Section V09/P012–V09/P014

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يحل ما يتقوى بنابه ويعدو على الناس وعلى البهائم ، كالأسد والفهد والذئب والنمر والدب ، لقوله عز وجل ويحرم عليهم الخبائث الأعراف : 157 وهذه السباع من الخبائث ، لأنها تأكل الجيف ولا يستطيبها العرب . ولما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ( وأكل ) كل ذي مخلب من الطير وفي ابن آوى وجهان أحدهما : يحل لأنه لا يتقوى بنابه ، فهو كالأرنب والثاني : لا يحل لأنه مستخبث كريه الرائحة ، لأنه من جنس الكلاب ، فلم يحل أكله ، وفي سنور الوحش وجهان أحدهما : لا يحل لأنه يصطاد بنابه ، فلم يحل كالأسد والفهد والثاني : يحل لأنه حيوان يتنوع إلى حيوان وحشي وأهلي ، ويحرم الأهلي منه ويحل الوحشي منه كالحمار الوحشي ولا يحل أكل حشرات الأرض كالحيات والعقارب والفأر والخنافس والعظاء والصراصير والعناكب والوزغ وسام أبرص والجعلان والديدان وبنات وردان وحمار قبان لقوله تعالى : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون الأعراف : 157 . + الشرح : حديث ابن عباس رواه مسلم بلفظه ، ورواه البخاري ومسلم جميعا من رواية أبي ثعلبة الخشني أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ورواه مسلم أيضا من رواية أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل ذي ناب من السباع فأكله حرام قال أهل اللغة : المخلب بكسر الميم وإسكان الخاء المعجمة وهو للظئر والسباع كالظفر للإنسان وأما الحشرات فبفتح الحاء والشين ، وهي هوام الأرض وصغار دوابها والحية تطلق على الذكر والأنثى والبطة وأما العقرب والعقربة والعقربا فاسم للأنثى ، ويقال للذكر : عقربان بضم العين والراء وأما الخنافس فجمع خنفساء بضم الخاء وبالمد والفاء مفتوحة ومضمومة والفتح أفصح وأشهر ، قال الجوهري : ويقال خنفس وخنفسة وأما العناكب فجمع عنكبوت وهي هذه الناسجة المعروفة قال الجوهري : الغالب عليها التأنيث . وأما سام أبرص فبتشديد الميم قال أهل اللغة : هو كبار الوزغ ، قال النحويون واللغويون : سام أبرص اسمان جعلا واحدا ويجوز فيه وجهان أحدهما : البناء على الفتح كخمسة عشر والثاني : إعراب الأول وإضافته إلى الثاني ويكون الثاني لأنه لا ينصرف . وأما الجعلان فبكسر الجيم وإسكان العين جمع جعل بضم الجيم وفتح العين وهي دويبة معروفة يدحرج القذر ، وأما الديدان فبكسر الدال الأولى ، وهي جمع دود كعود وعيدان وواحدة دودة وأما حمار قبان فدويبة معروفة كثيرة الأرجل وهي فعلان لا ينصرف لا معرفة ولا نكرة والله تعالى أعلم . أما الأحكام : فقال الشافعي : يحرم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير للحديث قالوا : والمراد بذي الناب ما يتقوى بنابه ويعدو على الحيوان كما ذكره المصنف ، فمن ذلك الأسد والفهد والنمر والذئب والدب والقرد والفيل والببر بباءين موحدتين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة ، وهو حيوان معروف يعادي الأسد ويقال له أيضا الفرانق بضم الفاء وكسر النون فكل هذه المذكورات حرام بلا خلاف عندنا إلا وجها شاذا في الفيل خاصة أنه حلال ، حكاه الرافعي عن الإمام أبي عبد الله البوسنجي من أصحابنا ، وزعم أنه لا يعدو من الفيلة إلا العجل المغتلم كالإبل والصحيح المشهور تحريمه .

Section V09/P014–V09/P016

وأما ابن آوى وابن مفترض ففيهما وجهان أصحهما : تحريمهما وبه قطع المراوزة وفي سنور البر وجهان الأصح : تحريمه وقال الخضرى : حلال وأما الحشرات فكلها مستخبثة وكلها محرمة سوى ما يدرج منها وما يطير فمنها : ذوات السموم والإبر كالحية والعقرب والزنبور ومنها : الوزغ وأنواعه كحرباء الظهيرة والعظاء وهي ملساء تشبه سام أبرص ، وهي أخس منه واحدتها عظاة وعظامة فكل هذا حرام ويحرم النمل والذر والفأرة والذباب والخفساء والقراد والجعلان وبنات وردان وهما رقبان والديدان إلا دود الجبن والخل والباقلا والفواكه ، ونحوها من المأكول الذي يتولد منه الدود ففي حل أكل هذا الدود ثلاثة أوجه سبقت في باب المياه أحدها : يحل والثاني : لا وأصحها : يحل أكله مع ما تولد منه لا منفردا . ويحرم اللحكاء وهي بضم اللام وفتح الحاء المهملة وبالمد وهي دويبة تفوص في الرمل إذا رأت إنسانا قال أصحابنا : ويستثنى من الحشرات اليربوع والضب فإنهما حلالان كما سبق مع دخولهما في اسم الحشرات ، وكذا أم حبين فإنها حلال على أصح الوجهين قالوا : ويستثنى من ذوات الإبر الجراد ، فإنه حلال قطعا وكذا القنفذ على الصحيح كما سبق ، وأما الصرارة فحرام على أصح الوجهين كالخنفساء . والله سبحانه أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في حشرات الأرض كالحيات والعقارب والجعلان وبنات وردان والفأرة ونحوها . مذهبنا أنها حرام ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وداود ، وقال مالك : حلال لقوله تعالى : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة الأنعام : 145 ) الآية وبحديث التلب بتاء مثناة فوق مفتوحة ثم لام مكسورة ثم باء موحدة الصحابي رضي الله عنه قال : صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أسمع لحشرة الأرض تحريما رواه أبو داود . واحتج الشافعي والأصحاب بقوله تعالى : ويحرم عليهم الخبائث الأعراف : 157 وهذا مما يستخبثه العرب وبقوله صلى الله عليه وسلم : خمس من الدواب كلهن فاسق ، يقتلن في الحرم : الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور رواه البخاري ومسلم من رواية عائشة وحفصة وابن عمر . وعن أم شريك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأوزاغ رواه البخاري ومسلم ، وأما قوله تعالى : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما الآية . فقال الشافعي وغيره من العلماء : معناها مما كنتم تأكلون وتستطيبون ، قال الشافعي : وهذا أولى معاني الآية استدلالا بالسنة والله أعلم . وأما حديث التلب فإن ثبت لم يكن فيه دليل ، لأن قوله لم أسمع لا يدل على عدم سماع غيره والله أعلم . فرع : في مذاهبهم في أكل السباع التي تتقوى بالناب كالأسد والنمر والذئب وأشباهها . قد ذكرنا أن مذهبنا أنها حرام ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وداود والجمهور وقال : مالك تكره ولا تحرم واحتج : بقوله تعالى : ويحل لهم الطيبات الأعراف : 157 واحتج أصحابنا بالأحاديث الصحيحة من رواية ابن عباس وغيره في النهي عن كل ذي ناب من السباع ، وفي رواية مسلم التي قدمناها كل ذي ناب من السباع فأكله حرام وأجابوا عن الآية الكريمة بأنه أمر أن يخبر بأنه لا يجد محرما في ذلك الوقت إلا هذا ، ثم ورد وحي آخر بتحريم السباع فأخبر به ، والآية مكية والأحاديث مدنية ولأن الحديث مخصص للآية والله سبحانه أعلم . فرع : في أنواع اختلف السلف فيها : منها : القرد هو حرام عندنا وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد ومكحول والحسن وابن حبيب المالكي . وقال مالك وجمهور أصحابه ليس بحرام . ومنها : الفيل وهو حرام عندنا وعند أبي حنيفة والكوفيين والحسن . وأباحه الشعبي وابن شهاب ومالك في رواية . حجة الأولين أنه ذو ناب .

Section V09/P016

ومنها : الأرنب وهو حلال عندنا ، وعند العلماء كافة إلا ما حكى عن ابن عمرو بن العاص وابن أبي ليلى أنهما كرهاها . دلت لنا الأحاديث السابقة في إباحتها ولم يثبت في النهي عنها شىء .

Section V09/P016–V09/P018

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الطائر فإنه يحل منه النعامة لقوله تعالى : ويحل لهم الطيبات الأنعام : 157 وقضت الصحابة رضي الله عنهم فيها ببدنة ، فدل على أنه صيد مأكول ، ويحل الديك والدجاج والحمام والدراج والقبج والقطا والبط والكراكي والعصفور والقنابر لقوله تعالى : ويحل لهم الطيبات الأعراف : 157 وهذه كلها مستطابة ، وروى أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكل لحم الدجاج وروى سفينة رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حبارى ويحل أكل الجراد لما روى عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما قال : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات يأكل الجراد ونأكله ويحرم أكل الهدهد والخطاف لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتلهما وما يأكل لا ينهى عن قتله ، ويحرم ما يصطاد ويتقوى بالمخلب كالصقر والبازي ، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وأكل كل ذي مخلب من الطير ويحرم أكل الحدأة والغراب الأبقع لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خمس يقتلن في الحل والحرم : الحية والفأرة والغراب الأبقع والحدأة والكلب العقور وما أمر بقتله لا يحل أكله قالت عائشة رضي الله عنها : إني لأعجب ممن يأكل الغراب ، وقد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله ويحرم الغراب الأسود الكبير لأنه مستخبث يأكل الجيف فهو كالأبقع وفي الغداف وغراب الزرع وجهان أحدهما : لا يحل للخبر والثاني : يحل لأن مستطاب يلقط الحب فهو كالحمام والدجاج ، وتحرم حشرات الطير كالنحل والزنبور والذباب لقوله تعالى : ويحرم عليهم الخبائث الآية ( الأعراف : 751 ) وهذه من الخبائث . + الشرح : حديث أبي موسى رواه البخاري ومسلم وحديث سفينة رواه أبو داود والترمذي بإسناد ضعيف ، وقال الترمذي : هو غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه . وحديث عبد الله بن أبي أوفى رواه البخاري ومسلم ولفظه غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل معه الجراد . وأما حديث النهي عن قتل الهدهد فرواه عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل أربع من الدواب : النمل والنحلة والهدهد والصرد رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم ذكره في آخر كتابه ، ورواه ابن ماجه في كتاب الصيد بإسناده على شرط البخاري . وأما النهي عن قتل الخطاف فهو ضعيف ومرسل ، رواه البيهقي بإسناده عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية ، وهو تابعي التابعين أو من التابعين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن قتل الخطاطيف وقال : لا تقتلوا العوذ إنها تعوذ بكم من غيركم قال البيهقي : هذا منقطع قال : وروى حمزة النصيبي فيه حديثا مسندا إلا أنه كان يرمى بالوضع ، وصح عن عبد الله بن عمرو بن العاص موقوفا عليه أنه قال : لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح ولا تقتلوا الخفاش فإنه لما خرب بيت المقدس قال : يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم قال البيهقي : إسناد صحيح . وأما حديث ابن عباس فرواه البخاري ومسلم وسبق بيان طرقه وشرحه في الفصل الذي قبل هذا . وأما حديث عائشة : خمس يقتلن في الحل والحرم إلى آخره فصحيح رواه البخاري ومسلم وسبق قريبا . وأما حديث عائشة : إني لأعجب ممن يأكل الغراب إلى آخره فرواه البيهقي بإسناد صحيح إلا أن فيه عبد الله بن أبي أويس وقد ضعفه الأكثرون ووثقه بعضهم وروى له مسلم في صحيحه .

Section V09/P018–V09/P020

أما الفاظ الفصل : فقوله : وأما الطائر هكذا هو في النسخ ، والأجود أن يقول : وأما الطير ، لأن الطير جمع ، والطائر مفرد ، وقد سبق بيانه أول الباب . والنعامة بفتح النون قال الجوهري : يذكر ويؤنث والنعامة اسم جنس كحمامة وحمام . وأما الديك فهو ذكر الدجاج جمعه ديوك وديكة ، والدجاجة بفتح الدال وكسرها لغتان والفتح أفصح باتفاقهم ، الواحد دجاجة يقع على الذكر والأنثى ، وجمع المصنف بين الديك والدجاج هو من باب ذكر العام بعد الخاص ، وهو جائز ، ومنه قوله تعالى : رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات نوح : 28 وقوله تعالى : قل إن صلاتي ونسكي الأنعام : 162 . وأما القبج فبفتح القاف وإسكان الباء الموحدة وبالجيم وهو الحجل المعروف . قال الجوهري : هو فارسي معرب ، لأن القاف والجيم لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب ، قال : والقبجة تقع على الذكر والأنثى حتى تقول يعقوب ، فيختص بالذكر لأن الهاء إنما دخلته على أنه الواحد من الجنس ، وكذلك النعامة حتى تقول ظليم ، والنحلة حتى تقول يعسوب ، والدراجة حتى تقول : حيقطان ، والبومة حتى تقول : صدى أو فياد ، والحبارى حتى تقول : خرب ومثله كثير . هذا آخر كلام الجوهري . وأما القنابر فبقاف مفتوحة ثم نون ثم ألف ثم باء موحدة ثم راء جمع قبرة بضم القاف وتشديد الباء الموحدة قال الجوهري : وقد جاء في الشعر قنبرة كما تقوله العامة ، وهو ضرب من الطير وأما الهدهد فبضم الهاءين وجمعه هداهد ويقال للمفرد هداهد أيضا وأما البازي ففيه ثلاث لغات ، المشهور الفصيحة البازي بتخفيف الياء والثانية باز والثالثة بازي بتشديد الياء حكاها ابن مكي وهي غريبة أنكرها الأكثرون قال أبو زيد الأنصاري : يقال للبزاة والشواهين وغيرهما مما تصيد صقور ، واحدها صقر ، والأنثى صقرة ، وقد ينكر على المصنف كونه جعل الصقر قسيما للبازي ، مع أنه يتناوله وغيره كما ذكره أبو زيد ، ويجاب عنه أنه من بابذكر الخاص بعد العام كقوله تعالى : من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال البقرة : 98 وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح الأحزاب : 8 الآية . وأما الحدأة فبحاء مكسورة ثم دال مفتوحة ثم همزة عن وزن عنبة والجماعة حدأ كعنب وأما الفأرة فبالهمز ويجوز تركه وأما الغداف فبغين معجمة مضمومة ثم دال مهملة مخففة وآخره فاء جمع غدفان ، قال ابن فارس : هو الغراب الضخم ، قال الجوهري . هو غراب القيظ وقال العبدري وغيره من أصحابنا هو غراب صغير أسود لونه لون الرماد ، والله أعلم . أما الأحكام : ففيها مسائل : إحداها : اتفق أصحابنا على أنه يحل أكل النعامة والدجاج والكركي والحباري والحجل والبط والقطا والعصافير والقنابر والدراج والحمام ، قال أصحابنا : وكل ذات طوق من الطير فهي داخلة في الحمام ، وهي حلال ، فيدخل فيه القمري والدبس واليمام والفواخت ويحل الورسان وكل ما على شكل العصفور وفي حده فهو حلال ، فيدخل في ذلك الصعوة والزرزور والنغر بضم النون وفتح الغين المعجمة والبلبل ويحل العندليب والحمرة على المذهب الصحيح ، وفيهما وجه ضعيف أنهما حرام ، وفي الببغاء والطاووس وجهان : قال البغوي وغيره : أصحهما التحريم . وأما السقراف فقطع البغوي بحله والصيمري بتحريمه ، قال أبو عاصم العبادي : يحرم ملاعب ظله وهو طائر يسبح في الجو مرارا ، كأنه ينصب على طائر قال أبو عاصم .

Section V09/P020–V09/P021

والبوم حرام كالرخم قال : والضوع بضم الضاد المعجمة وفتح الواو بالعين المهملة حرام على أصح القولين ، قال الرافعي : هذا يقتضي أن الضوع غير البوم ، قال : لكن في صحاح الجوهري أن الضوع طائر من طير الليل من جنس الهام ، وقال المفضل : هو ذكر البوم قال الرافعي : فعلى هذا إن كان في الضوع قول لزم إجراؤه في البوم لأن الذكر والأنثى من جنس واحد لا يفترقان . قلت : الأشهر أن الضوع من جنس الهام فلا يلزم اشتراكهما في الحكم قال أبو عاصم : النهاش حرام كالسباع التي تنهش ، قال : واللقاط حلال إلا ما استثناه النص ، يعني ذا المخلب ، وقال البوسنجي : اللقاط حلال بلا استثناء ، قال أبو عاصم : وما تقوت بالطاهرات فحلال إلا ما استثناه النص ، وما تقوت بالنجس فحرام . فرع : قال الشافعي والمصنف والأصحاب : يحرم أكل كل ذي مخلب من الطير يتقوى به ويصطاد كالصقر والنسر والبازي والعقاب وغيرها للحديث السابق . المسألة الثانية : قال الشافعي والأصحاب : ما نهى عن قتله حرم أكله لأنه لو حل أكله لم ينه عن قتله كما لو لم ينه عن قتل المأكول ، فمن ذلك النمل والنحل فهما حرام ، وكذلك الخطاف والصرد والهدهد والثلاثة حرام على المذهب ، وفيها وجه ضعيف أنها مباحة وحكاه البندنيجي في كتاب الحج قولا ، وجزم به في الصرد والهدهد . والخفاش حرام قطعا قال الرافعي : وقد يجىء فيه الخلاف ، واللفاف حرام على أصح الوجهين . الثالثة : قال أصحابنا : ما أمر بقتله من الحيوان فأكله حرام لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الفواسق الخمس في الحرم والإحرام فلو حل أكله لما أمر بقتله مع قول الله تعالى : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم المائدة : 95 فمن ذلك الحية والفأرة والحدأة وكل سبع ضار ، ويدخل في هذا الأسد والذئب وغيرهما مما سبق ، قال أصحابنا : وقد يكون للشىء سببان أو أسباب تقتضي تحريمه وتحرم البغاثة بفتح الباء الموحدة وتخفيف الغين المعجمة وبالثاء المثلثة في آخرها والرخمة كما تحرم الحدأة . وأما الغراب فهو أنواع فمنها : الغراب الأبقع ، وهو حرام بلا خلاف للأحاديث الصحيحة ومنها : الأسود الكبير ، وفيه طريقان أصحهما : وبه قطع المصنف وجماعة التحريم والثاني : فيه وجهان أصحهما : التحريم والثالث : الحل . وأما غراب الزرع وهو أسود صغير ، يقال له : الزاغ ، وقد يكون محمر المنقار والرجلين ، ففيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : أنه حلال والأصح أن الغداف حرام ، قال الرافعي : ومن الغربان غراب صغير أسود أو رمادي اللون ، وقد يقال الغداف الصغير وهو حرام على أصح الوجهين ، وكذلك العقعق والله تعالى أعلم . الرابعة : يحرم حشرات الطير كالنحل والزنابير والذباب والبعوض وشبهها لما ذكره المصنف . الخامسة : يحل أكل الجراد بلا خلاف للحديث السابق ، وسواء مات بنفسه أو بقتل مسلم أو مجوسي ، وسواء قطع رأسه أم لا ولو قطع بعض جرادة وباقيها حي فوجهان أصحهما : يحل المقطوع لأن المقطوع كالميت وميتته حلال . والثاني : حرام وإنما يباح منه الجملة لحرمتها ، والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن الجراد حلال سواء مات باصطياد مسلم أو مجوسي أو مات حتف أنفه ، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد ، ومحمد بن عبد الحكم والأبهري المالكيان وجماهير العلماء من السلف والخلف قال : العبدري وقال مالك : لا يحل إلا إذا مات بسبب ، بأن يقطع منه شىء أو يصلق أو يقلى حيا أو يشوى وإن لم يقطف رأسه ، قال : فإن مات حتف أنفه أو في وعاء لم يؤكل ، وعن أحمد رواية ضعيفة كمذهب مالك . واحتج مالك بقوله تعالى : ?

Section V09/P021–V09/P023

< حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ومآ أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقيموا بالأزلم ذ لكم فسق اليوم يبس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسل م دينا فمن اضطر في مخمصه غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم > ? المائدة : 3 واحتج أصحابنا بحديث ابن أبي أوفى السابق : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل معه الجراد رواه البخاري ومسلم ، وروى الشافعي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلت لنا ميتتان ودمان ، أما الميتتان فالحوت والجراد ، والدمان الكبد قل لا أجد في مآ أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه الأنعام الآية فقد سبق جوابها في مسألة تحريم السباع . فرع : قد ذكرنا مذهبنا في غراب الزرع والغداف ، وقال بإباحتهما مالك وأبو حنيفة وأحمد رحمهم الله تعالى .

Section V09/P023–V09/P024

قال المصنف رحمه الله تعالى : وما سوى ذلك من الدواب والطيور ينظر فيه ، فإن كان مما يستطيبه العرب حل أكله ، وإن كان مما لا يستطيبه العرب لم يحل أكله لقوله عز وجل : ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث الأعراف : 157 ويرجع في ذلك إلى العرب من أهل الريف والقرى وذوي اليسار والغنى دون الأجلاف من أهل البادية والفقراء وأهل الضرورة ، فإن استطاب قوم شيئا وأستخبثه قوم رجع إلى ما عليه الأكثر ، فإن اتفق في بلاد العجم ما لا يعرفه العرب نظر إلى ما يشبهه فإن كان حلالا حل وإن كان حراما حرم ، وإن لم يكن له شبيه فيما يحل ولا فيما يحرم ففيه وجهان قال : أبو إسحاق وأبو علي الطبري يحل لقوله عز وجل قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير الأنعام : 145 وهذا ليس بواحد منها . وقال ابن عباس رضي الله عنه ما سكت عنه فهو عفو ومن أصحابنا من قال : لا يحل أكله ، لأن الأصل في الحيوان التحريم ، فإذا أشكل بقي على أصله . + الشرح : هذا المذكور عن ابن عباس رواه أبو داود عنه هكذا بإسناد حسن ، ورواه البيهقي مرفوعا عن سلمان الفارسي . وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو من عفوه قال أصحابنا : من الأصول المعتبرة في هذا الباب الاستطابة والاستخباث ، ورواه الشافعي رحمه الله الأصل الأعظم الأعم ولهذا أفسح الباب والمعتمد فيه قوله تعالى : ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث الأعراف 751 وقوله تعالى : يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات المائدة : 4 قال أصحابنا وغيرهم : وليس المراد بالطيب هنا الحلال ، لأنه لو كان المراد الحلال لكان تقديره أحل لكم الحلال ، وليس فيه بيان ، وإنما المراد بالطيبات ما يستطيبه العرب ، وبالخبائث ما تستخبثه . قال أصحابنا : ولا يرجع في ذلك إلى طبقات الناس ، وينزل كل قوم على ما يستطيبونه أو يستخبثونه ، لأنه يؤدي إلى اختلاف الأحكام في الحلال والحرام واضطرابها ، وذلك يخالف قواعد الشرع ، قالوا : فيجب اعتبار العرب ، فهم أولى الأمم بأن يؤخذ باستطيابهم واستخباثهم لأنهم المخاطبون أولا ، وهم جيل معتدل لا يغلب فيهم الانهماك على المستقذرات ولا العفافة المتولدة من التنعم فيضيقوا المطاعم على الناس . قالوا : وإنما يرجع إلى العرب الذين هم سكان القرى والريف دون أجلاف البوادي الذين يأكلون مادب ودرج من غير تمييز وتغيير عادة أهل اليسار والثروة دون المحتاجين ، وتغيير حالة الخصب والرفاهية دون الجدب والشدة قال الرافعي : وذكر جماعة أن الاعتبار بعادة العرب الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الخطاب لهم ، قال : ويشبه أن يقال : يرجع في كل زمان إلى العرب الموجودين فيه ، قال أصحابنا : فإن استطابته العرب أو سمته باسم حيوان حلال فهو حلال ، وإن استخبثته أو سمته باسم محرم فمحرم ، فإن استطابته طائفة واستخبثته أخرى اتبعنا الأكثرين فإن استويا قال الماوردي وأبو الحسن العبادي : يتبع قريش لأنهم قطب العرب ، فإن اختلفت قريش ولا ترجيح أو شحكوا ولم يحكموا بشىء أو لم نجدهم ولا غيرهم من العرب ، اعتبرناه بأقرب الحيوان به شبها والشبه تارة يكون في الصورة وتارة في طبع الحيوان من الصيالة والعدوان ، وتارة في طعم اللحم ، فإن استوى الشبهان أو لم نجد ما يشبهه فوجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : الحل قال إمام الحرمين : وإليه ميل الشافعي والثاني : التحريم .

Section V09/P024–V09/P025

قال أصحابنا : وإنما يراجع العرب في حيوان لم يرد فيه نص بتحليل ولا تحريم ولا أمر بقتله ولا نهى عن قتله ، فإن وجد شىء من هذه الأصول اعتمدناه ولم نراجعهم ، قطعا ، فمن ذلك الحشرات وغيرها مما سبق والله تعالى أعلم . فرع : إذا وجدنا حيوانا لا معرفة لحكمه من كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ، ولا استطابة ولا استخباث ولا غير ذلك من الأصول المعتمدة ، وثبت تحريمه في شرع من قبلنا ، فهل يستصحب تحريمه فيه قولان الأصح : لا يستصحب ، وهو مقتضى كلام جمهور الأصحاب . وهو مقتضى المختار عند أصحابنا في أصول الفقه ، فإن استصحبناه فشرطه أن يثبت تحريمه في شرعهم بالكتاب أو السنة أو يشهد به عدلان أسلما منهم بعرفان المبدل من غيره ، قال الماوردي : فعلى هذا لو اختلفوا اعتبر حكمه في أقرب الشرائع إلى الإسلام وهي النصرانية ، وإن اختلفوا عاد الوجهان عند تعارض الأشباه أصحهما : الحل ، والله سبحانه أعلم .

Section V09/P025

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يحل ما تولد بين مأكول وغير مأكول كالسمع المتولد بين الذئب والضبع والحمار المتولد بين حمار الوحش وحمار الأهل لأنه مخلوق مما يؤكل ومما لا يؤكل فغلب فيه الحظر كالبغل . + الشرح : السمع بكسر السين وإسكان الميم قال الشافعي والأصحاب يحرم السمع والبغل وسائر ما يولد من مأكول وغير مأكول ، سواء كان المأكول الذكر أو الأنثى ، لما ذكره المصنف ، والزرافة بفتح الزاي وضمها حرام بلا خلاف ، وعدها بعضهم من المتولد بين مأكول وغير مأكول . ولو تولد من فرس وأتان وحشية أو نحو ذلك من الجنسين المأكولين كان حلالا ، نص عليه الشافعي والله سبحان أعلم .

Section V09/P025–V09/P026

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويكره أكل الجلالة ، وهي التي أكثر أكلها العذرة من ناقة أو بقرة أو شاة أو ديك أو دجاجة ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ألبان الجلالة ولا يحرم أكلها لأنه ليس فيه أكثر من تغير لحمها وهذا لا يوجب التحريم ، فإن أطعم الجلالة طعاما طاهرا وطاب لحمها لم يكره ، لما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : تعلف الجلالة علفا طاهرا إن كانت ناقة أربعين يوما ، وإن كانت شاة سبعة أيام ، وإن كانت دجاجة فثلاثة أيام . + الشرح : حديث ابن عباس صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائيث بأسانيد صحيحة ، قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح ، قال أصحابنا : الجلالة هي التي تأكل العذرة والنجاسات ، وتكون من الإبل والبقرة والغنم والدجاج ، وقيل : إن كان أكثر أكلها النجاسة فهي جلالة ، وإن كان الطاهر أكثر فلا ، والصحيح الذي عليه الجمهور أنه لا اعتبار بالكثرة ، وإنما الاعتبار بالرائحة والنتن فإن وجد في عرفها وغيره ربح النجاسة فجلالة ، وإلا فلا ، وإذا تغير لحم الجلالة فهو مكروه بلا خلاف ، وهل هي كراهة تنزيه أو تحريم فيه وجهان مشهوران في طريقة الخراسانيين أصحهما : عند الجمهور وبه قطع المصنف وجمهور العراقيين وصححه الروياني وغيره من المعتمدين ، أنه كراهة تنزيه قال الرافعي : صححه الأكثرون والثاني : كراهة تحريم قاله أبو إسحاق المروزي والقفال وصححه الإمام والغزالي والبغوي ، وقيل : هذا الخلاف فيما إذا وجدت رائحة النجاسة بتمامها أو قربت الرائحة من الرائحة فإن قلت الرائحة الموجودة لم تضر قطعا . قال أصحابنا : ولو حبست بعد ظهور النتن وعلفت شيئا طاهرا فزالت الرائحة ثم ذبحت ، فلا كراهة فيها قطعا ، قال أصحابنا : وليس للقدر الذي تعلفه من حد ولا لزمانه من ضبط ، وإنما الاعتبار بما يعلم في العادة أو يظن أن رائحة النجاسة تزول به ، ولو لم تعلف لم يزل المنع بغسل اللحم بعد الذبح ولا بالطبخ وإن زالت الرائحة به ، ولو زالت بمرور الزمان ، قال البغوي : لا يزول المنع ، وقال غيره : يزول قال أصحابنا : وكما منع لحمها يمنع لبنها وبيضها ، للحديث الصحيح في لبنها ، قال أصحابنا : ويكره الركوب عليها إذا لم يكن بينها وبين الراكب حائل ، قال الصيدلاني وغيره : إذا حرمنا لحمها فهو نجس ، ويطهر جلدها بالدباغ ، وهذا يقتضي نجاسة الجلد أيضا ، قال الرافعي : وهو نجس إن ظهرت الرائحة فيه ، وكذا إن لم تظهر على أصح الوجهين كاللحم ، قال أصحابنا : وظهور النتن وإن حرمنا اللحم ونجسناه فلا نجعله موجبا لنجاسة الحيوان في حياته ، فإنا لو نجسناه صار كالكلب لا يطهر جلده بالدباغ ، بل إذا حكمنا بتحريم اللحم كان الحيوان كما لا يؤكل لحمه ، فلا يطهر جلده . ويطهر بالدباغ ، والله أعلم . فرع : السخلة المرباة بلبن الكلبة لها حكم الجلالة المعتبرة ، ففيها وجهان أصحهما : يحل أكلها والثاني : لا يحل ، وسبق بيانهما في أول هذا الباب ، قال أصحابنا : ولا يحرم الزرع المزبل ، وإن كثر الزبل في أصله ، لا ما يسقى من الثمار والزروع ماء نجسا ، وقد سبق في باب إزالة النجاسة بيان هذا مع نظائره .

Section V09/P026–V09/P027

فرع : لو عجن دقيق بماء نجس وخبزه فهو نجس يحرم أكله ويجوز أن يطعمه لشاة أو بعير أو بقرة ونحوها ، نص عليه الشافعي رحمه الله ، ونقله عن نصه البيهقي في كتاب السنن الكبير في باب نجاسة الماء الدائم ، واستدل البيهقي بالحديث المشهور وفي فتاوى صاحب الشامل أنه يكره إطعام الحيوان المأكول نجاسة ، وهذا لا يخالف نص الشافعي في الطعام ، لأنه ليس بنجس العين ، ومراد صاحب الشامل نجس العين ، ولا يجوز إطعام الطعام المعجون بماء نجس لصعلوك وسائل وغيرهما من الآدميين بلا خلاف لأنه منهى عن أكل المتنجس بخلاف الشاة والبعير ونحوهما ، وقال ابن الصباغ في الفتاوى : ولا يكره أكل البيض المصلوق بماء نجس كما لا يكره الوضوء بماء سخن بالنجاسة ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في الجلالة . قد ذكرنا أن مذهبنا أنه إذا تغير لحمها كرهت كراهة تنزيه على الأصح ، ولا تحرم ، سواء لحمها ولبنها وبيضها ، وبه قال الحسن البصري ومالك وداود ، وكذا لا يحرم ما سقى من الثمار والزروع ماء نجسا . وقال أحمد : يحرم لحم الجلالة ولبنها حتى تحبس وتعلف أربعين يوما ، قال : ويحرم الثمار والزروع والبقول المسقية ماء نجسا والله أعلم . واحتج أصحابنا لعدم التحريم أن ما تأكله الدابة من الطاهرات يتنجس إذا حصل في كرشها ، ولا يكون غذاؤها إلا بالنجاسة ، ولا يؤثر ذلك في إباحة لحمها ولبنها وبيضها ، ولأن النجاسة التي تأكلها تنزل في مجاري الطعام ولا تخالط اللحم ، وإنما ينتشى اللحم بها ، وذلك لا يوجب التحريم والله أعلم .

Section V09/P027–V09/P029

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما حيوان البحر فإنه يحل منه السمك ، لما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال : أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال ولا يحل أكل الضفدع ، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الضفدع ولو حل أكله لم ينه عن قتله ، وفيما سوى ذلك وجهان أحدهما : يحل لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في البحر : اغتسلوا منه وتوضأوا به فإنه الطهور ماؤه الحل ميتته ولأنه حيوان لا يعيش إلا في الماء فحل أكله كالسمك والثاني : ( أن ) ما أكل مثله في البر حل أكله ، وما لا يؤكل مثله في البر لم يحل أكله اعتبارا بمثله . + الشرح : أما الأثر عن ابن عمر فصحيح سبق بيانه قريبا في فرع مذاهب العلماء في أكل الجراد وأما حديث النهي عن قتل الضفدع فرواه أبو داود بإسناد حسن والنسائي بإسناد صحيح من رواية عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي الصحابي وهو ابن أخي طلحة بن عبيد الله . قال : سأل طبيب النبي صلى الله عليه وسلم عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه عن قتلها وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه في البحر فصحيح ولفظه : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء بماء البحر فقال : هو الطهور ماؤه الحل ميتته وقد سبق بيانه واضحا في أول كتاب الطهارة والطحال بكسر الطاء والضفدع بكسر الضاد وبكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان الكسر أفصح عند أهل اللغة ، وأنكر جماعة منهم الفتح قوله : حيوان لا يعيش إلا في الماء احتراز من السباع ونحوها . أما الأحكام : فقال أصحابنا : الحيوان الذي لا يهلكه الماء ضربان أحدهما : ما يعيش في الماء ، وإذا خرج منه كان عيشه عيش المذبوح ، كالسمك بأنواعه فهو حلال ، ولا حاجة إلى ذبحه بلا خلاف ، بل يحل مطلقا سواء مات بسبب ظاهر كضغطة أو صدمة حجر أو انحسار ماء أو ضرب من الصياد أو غيره . أو مات حتف أنفه سواء طفا على وجه الماء أم لا ، وكله حلال بلا خلاف عندنا ، وأما ما ليس على صورة السموك المشهورة ففيه ثلاثة أوجه مشهورة ذكرها المصنف في التنبيه وقال القاضي أبو الطيب وغيره : فيه ثلاثة أقوال أصحها : عند الأصحاب يحل الجميع وهو المنصوص للشافعي في الأم و مختصر المزني ، واختلاف العراقيين لأن الصحيح أن اسم السمك يقع على جميعها ، وقد قال الله تعالى : أحل لكم صيد البحر وطعامه قال ابن عباس وغيره : صده ما صيد ، وطعامه ما قذف ، ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح هو الطهور ماؤه الحل ميتته . والوجه الثاني : يحرم وهو مذهب أبي حنيفة الثالث : ما يؤكل نظيره في البر كالبقر وغيرهما فحلال ، وما لا يؤكل كخنزير الماء وكلبه فحرام فعلى هذا ما لا نظير له حلال لما ذكرناه في دليل الأصح وعلى هذا الثالث لا يحل ما أشبه الحمار ، وإن كان في البر حمار الوحش المأكول ، صرح به ابن الصباغ والبغوي وغيرهما . وقال أصحابنا : وإذا أبحنا الجميع فهل تشترط الذكاة أم تحل ميتته فيه وجهان حكاهما البغوي وغيره ، ويقال قولان أصحهما : يحل ميتته الضرب الثاني : ما يعيش في الماء وفي البر أيضا فمنه طير الماء كالبط والأوز ونحوهما ، وهو حلال كما سبق ، ولا يحل ميتته بلا خلاف بل تشترط ذكاته ، وعد الشيخ أبو حامد وإمام الحرمين من هذا الضرب الضفدع والسرطان وهما محرمان على المذهب الصحيح المنصوص ، وبه قطع الجمهور وفيهما قول ضعيف أنها حلال ، وحكاه البغوي في السرطان عن الحليمي ، وذوات السموم كالحية وغيرها حرام بلا خلاف .

Section V09/P029–V09/P030

وأما التمساح فحرام على الصحيح المشهور وبه قطع المصنف في التنبيه والأكثرون ، وفيه وجه وأما السلحفاة فحرام على أصح الوجهين قال الرافعي : واستثنى جماعة الضفدع من الحيوان الذي لا يعيش إلا في الماء ، تفريعا على الصحيح وهو حل الجميع ، وكذا استثنوا الحيات والعقارب ، قال : ومقتضى هذا الاستثناء أنها لا تعيش إلا في الماء ، قال : ويمكن أن يكون نوع منها كذا ونوع كذا ، قال : واستثنى القاضي أبو الطيب النسناس أيضا فجعله حراما ، ووافقه الشيخ أبو حامد ، وخالفهما الروياني وغيره فأباحوه قلت : الصحيح المعتمد أن جميع ما في البحر تحل ميتته إلا الضفدع . ويحمل ما ذكره الأصحاب أو بعضهم من السلحفاة والحية والنسناس على ما يكون في ماء غير البحر ، والله تعالى أعلم . فرع : قال الرافعي : أطلق مطلقون القول بحل طير الماء وكلها حلال إلا اللقلق ففيه خلاف سبق قال وقال الصيمري : لا يؤكل طير الماء الأبيض لخبث لحمه والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن الصحيح من مذهبنا حل جميع ميتات البحر إلا الضفدع ، وحكاه العبدري عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وابن عباس رضي الله عنهم قال : وقال مالك : يحل الجميع سواء الصفدع وغيره ، وقال أبو حنيفة : لا يحل غير السمك . فرع : السمك الطافي حلال وهو الذي مات حتف أنفه ، فيحل عندنا كل ميتات البحر غير الضفدع ، سواء ما مات بسبب وغيره ، وبه قال مالك وأحمد وأبو داود وحكاه الخطابي عن أبي بكر الصديق وأبي أيوب الأنصاري وعطاء بن أبي رباح ومكحول والنخعي وأبي ثور رضي الله عنهم وقال أبو حنيفة : إن مات بسبب كضرب وانحسار الماء عنه حل . وإن مات بلا سبب حرم . وإن مات بسبب حر الماء أو برده ففيه روايتان عنه ، والمسألة مشهورة في كتب المذهب ، والخلاف بمسألة السمك الطافي ، وممن قال بمنع السمك الطافي ابن عباس وجابر بن عبد الله وجابر ابن زيد وطاوس . واحتج لهم بحديث جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه ، وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه رواه أبو داود . واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : أحل لكم صيد البحر وطعامه قال ابن عباس وغيره : صيده ما صدتموه ، وطعامه ما قذف ، وبعموم قوله صلى الله عليه وسلم هو الطهور ماؤه الحل ميتته وهو حديث صحيح كما سبق بيانه ، وبحديث جابر بن عبد الله قال : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة راكب وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح يطلب خبر قريش ، فأقمنا على الساحل حتى فنى زادنا ، فأكلنا الخبط ، ثم إن البحر ألقى إلينا دابة يقال لها العنبر ، فأكلنا منه نصف شهر حتى صلحت أجسامنا رواه البخاري ومسلم ، وعن ابن عمر قال : غزونا فجعنا حتى إن الجيش ليقسم التمرة والتمرتين ، فبينا نحن على شط البحر إذا رمى البحر بحوت ميت ، فاقتطع الناس منه ما شاءوا من لحم وشحم وهو مثل الطرب ، فبلغني أن الناس لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه فقال لهم : أمعكم منه شىء رواه البيهقي بإسناد صحيح .

Section V09/P030–V09/P031

وعن ابن عباس قال : أشهد على أبي بكر رضي الله عنه أنه قال : السمكة الطافية فيه حلال لمن أراد أكلها رواه البيهقي بإسناد صحيح وروى البيهقي بإسناده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن علي بن أبي طالب قالا : الجراد والنون زكي كله وعن أبي أيوب وأبي صرمة الأنصاريين أنهما أكلا السمك الطافي وعن ابن عباس قال : لا بأس بالسمك الطافي وعن أبي هريرة وزيد بن ثابت أنهما كانا لا يريان بأكل ما لفظ بأسا وعن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص مثله ، روى البيهقي هذا كله بأسانيده المتصلة . وأما الجواب عن حديث جابر الذي احتج به الأولون فهو أنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ ، لا يجوز الاحتجاج به لو لم يعارضه شىء فكيف وهو معارض بما ذكرناه من دلائل الكتاب والسنة وأقاويل الصحابة رضي الله عنهم المنتشرة وهذا الحديث من رواية يحيى بن سليم الطائفي عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر ، قال البيهقي : يحيى بن سليم الطائفي كثير الوهم سيىء الحفظ ، قال : وقد رواه غيره عن إسماعيل بن أمية موقوفا على جابر ، قال : وقال الترمذي : سألت البخاري عن هذا الحديث فقال ليس هو بمحفوظ ، قال : ويروى عن جابر خلافه ، قال : ولا أعرف لأثر ابن أمية عن أبي الزبير شيئا ، قال البيهقي : وقد رواه أيضا يحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير مرفوعا ، ويحيى بن أبي أنيسة متروك لا يحتج به ، قال ورواه عبد العزيز بن عبيد الله عن وهب ابن كيسان عن جابر مرفوعا وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به ، قال : ورواه بقية بن الوليد عن الأوزاعي عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا ، ولا يحتج بما ينفرد به بقية فكيف بما يخالف قال : وقول الجماعة من الصحابة على خلاف قول جابر مع ما رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته والله أعلم .

Questions