Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V02/P513–V02/P514

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الدم فنجس لحديث عمار رضي الله عنه ، وفي دم السمك وجهان أحدهما : نجس كغيره والثاني : طاهر ، لأنه ليس بأكثر من الميتة ، وميتة السمك طاهرة فكذا دمه . + الشرح : أما حديث عمار فضعيف سبق بيان ضعفه ، ويغني عنه حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة : إذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة ، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي رواه البخاري ومسلم . وعن أسماء رضي الله عنها قالت : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع به قال : تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه رواه البخاري ومسلم . والدلائل على نجاسة الدم متظاهرة ، ولا أعلم فيه خلافا عن أحد من المسملين إلا ما حكاه صاحب الحاوي عن بعض المتكلمين أنه قال : هو طاهر ، ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع والخلاف ، على المذهب الصحيح الذي عليه جمهور أهل الأصول من أصحابنا وغيرهم لاسيما في المسائل الفقهيات ، وأما الوجهان في دم السمك فمشهوران ونقلهما الأصحاب أيضا في دم الجراد ونقلهما الرافعي أيضا في الدم المتحلب من الكبد والطحال ، والأصح في الجميع النجاسة . وممن قال بنجاسة دم السمك مالك وأحمد وداود . وقال أبو حنيفة : طاهر . وأما دم القمل والبراغيث والقراد والبق ونحوهما مما ليس له نفس سائلة فنجسة عندنا كغيرها من الدماء ، لكن يعفى عنها في الثوب والبدن للحاجة . كما سنوضحه إن شاء الله تعالى . وممن قال بنجاسة هذه الدماء مالك . وقال أبو حنيفة : هي طاهرة ، وهي أصح الروايتين عن أحمد ، وأما قول المصنف لأنه ليس بأكثر من الميتة فكلام ناقص لأنه ينتقض بدم الآدمي ، فإنه نجس مع أن ميتته طاهرة على المذهب ، فينبغي أن يزاد فيقال ميتته طاهرة مأكولة . فرع : مما تعم به البلوى الدم الباقي على اللحم وعظامه ، وقل من تعرض له من أصحابنا فقد ذكره أبو إسحاق الثعلبي المفسر من أصحابنا ، ونقل عن جماعة كثيرة من التابعين أنه لا بأس به ، ودليله المشقة في الاحتراز منه . وصرح أحمد وأصحابه بأن ما يبقى من الدم في اللحم معفو عنه ولو غلبت حمرة الدم في القدر لعسر الاحتراز منه ، وحكوه عن عائشة وعكرمة والثوري وابن عيينة وأبي يوسف وأحمد وإسحاق وغيرهم ، واحتجت عائشة والمذكورون بقوله تعالى : إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا الأنعام : 145 قالوا : فلم ينه عن كل دم بل عن المسفوح خاصة وهو السائل .

Section V02/P514–V02/P516

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما القيح فهو نجس لأنه دم استحال إلى نتن ، فإذا كان الدم نجسا فالقيح أولى . وأما ماء القروح فإن كان له رائحة فهو نجس كالقيح وإن لم يكن له رائحة فهو طاهر ، كرطوبة البدن ، ومن أصحابنا من قال : فيه قولان أحدهما : طاهر كالعرق والثاني : نجس لأنه تحلل بعلة فهو كالقيح . + الشرح : القيح نجس بلا خلاف وكذا ماء القروح المتغير نجس بالإتفاق . وأما غير المتغير فطاهر على المذهب ، وبه قطع القاضي أبو الطيب والشيخ أبو حامد وآخرون ونقله أبو حامد عن نصه في الإملاء ، وقيل : في نجاسته قولان ، وقد ذكر المصنف دليل الجميع ، وقوله : تحلل بعلة ، احتراز من الدمع والعرق . وأما قوله : كرطوبات البدن ، فمعناه أنها طاهرة بالاتفاق ، وهو كما قال : وقد ضبط الغزالي وتابعه الرافعي وغيره هذا بعبارة وجيزة ، فقال : ما ينفصل من باطن الحيوان قسمان . أحدهما : ما ليس له اجتماع واستحالة في الباطن ، وإنما يرشح رشحا . والثاني : ما يستحيل ويجتمع في الباطن ثم يخرج . فالأول كالدمع واللعاب والعرق والمخاط وحكمه حكم الحيوان المنفصل منه إن كان نجسا ، وهو الكلب والخنزير ، وفرع أحدهما فهو نجس أيضا ، وإن كان طاهرا وهو سائر الحيوانات فهو طاهر بلا خلاف . وأما الثاني فكالدم والبول والعذرة والروث والقىء والقيح وكله نجس ، ويستثنى اللبن والمني والعلقة على تفصيل في ذلك . واعلم أنه لا فرق في العرق واللعاب والمخاط والدمع بين الجنب والحائض والطاهر والمسلم والكافر والبغل والحمار والفرس والفأرة وجميع السباع والحشرات ، بل هي طاهرة من جميعها ومن كل حيوان طاهر ، وهو ما سوى الكلب والخنزير وفرع أحدهما ، ولا كراهة في شيء من ذلك عندنا ، وكذا لا كراهة في سؤر شيء منها وهو بقية ما شربت منه والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما العلقة ففيها وجهان ، قال أبو إسحاق : هي نجسة لأنه دم خارج من الرحم فهو كالحيض ، وقال أبو بكر الصيرفي : هي طاهرة لأنه دم غير مسفوح ، فهو كالكبد والطحال . + الشرح : العلقة هي المني إذا استحال في الرحم فصار دما عبيطا فإذا استحال بعده فصار قطعة لحم فهو مضغة ، وهذان الوجهان في العلقة مشهوران ، ودليلهما ما ذكره المصنف أصحهما الطهارة ، ونقله الشيخ أبو حامد عن الصيرفي وعامة الأصحاب ، وصرح بتصحيحه الشيخ أبو حامد والمحاملي والرافعي في المحرر وآخرون ، وأما المضغة فالمذهب القطع بطهارتها كالولد ، وبهذا قطع الأكثرون ونقل القاضي حسين وصاحب العدة و البيان فيها وجهين وكذا وقع في كثير من نسخ الوسيط وأنكروه عليه ، ولا يصح إنكار من أنكر ذلك ، ونسبته إلى الإنفراد بنقل وجه في نجاسة المضغة ، فإن الوجه نقله غيره ممن ذكرناه . وقوله : مسفوح أي سائل ، وقوله : كالكبد هي بفتح الكاف وكسر الباء ، ويجوز إسكان الباء مع فتح الكاف وكسرها كما سبق في نظائرها ، والطحال بكسر الطاء ، وإنما قاس على الكبد والطحال لأنهما طاهران بالإجماع ، والأحاديث الصحيحة مشهورة في أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل الكبد وللحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أحلت لنا ميتتان ودمان فالميتتان : السمك والجراد والدمان الكبد والطحال قال البيهقي : روى هكذا عن ابن عمر وروى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ولكن الرواية الأولى هي الصحيحة وهي في معنى المرفوع قلت : ويحصل الاستدلال بها لانها مرفوعة أيضا فإنها كقول الصحابي أمرنا بكذا ونهينا عن كذا وهذا عند أصحابنا وعند المحدثين وجمهور الأصوليين والفقهاء في حكم المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صريحا كما سبق بيانه في مقدمة الكتاب وأما أبو بكر الصيرفي فهذا أول موضع جرى فيه ذكره في الكتاب وهو أبو بكر محمد بن عبد الله كان إمام بارعا متقنا صاحب مصنفات كثيرة في الأصول وغيره . قال الخطيب البغدادي : توفي لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاثين وثلاثمائة رحمه الله .

Section V02/P516–V02/P518

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الميتة من غير السمك والجراد والآدمي فهي نجسة لأنه محرم الأكل من غير ضرر ، فكان نجسا كالدم ، وأما السمك والجراد فهما طاهران لأنه يحل أكلهما ، ولو كانا نجسين لم يحل ( أكلهما ) . وأما الآدمي ففيه قولان أحدهما : أنه نجس لأنه ميت لا يحل أكله فكان نجسا كسائر الميتات والثاني : أنه طاهر لقوله صلى الله عليه وسلم : لا تنجسوا موتاكم فإن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا ولأنه لو كان نجسا لما غسل كسائر الميتات . + الشرح : أما الحديث فرواه الحاكم أبو عبد الله وصاحبه البيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحاكم في آخر كتاب المستدرك على الصحيحين : هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم قال البيهقي : وروى موقوفا على ابن عباس من قوله وكذا ذكره البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز تعليقا عن ابن عباس : المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا ورواية المرفوع مقدمة لأنه فيها زيادة علم كما سبق تقريره في مقدمة الكتاب . وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن المؤمن لا ينجس وهذا عام يتناول الحياة والموت . أما حكم المسألة : فالسمك والجراد إذا ماتا طاهران بالنصوص والإجماع قال الله تعالى : أحل لكم صيد البحر وطعامه المائدة : 96 وقال تعالى : وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر : هو الطهور ماؤه الحل ميتته وقد سبق بيانه وفوائده في أول الكتاب وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل معه الجراد رواه البخاري ومسلم ، وسواء عندنا الذي مات بالاصطياد أو حتف نفسه والطافي من السمك وغير الطافي وسواء قطع رأس الجرادة أم لا وكذا باقي ميتات البحر إذا قلنا بالأصح : إن الجميع حلال فميتتها طاهرة وسيأتي نفصيلها في بابها إن شاء الله تعالى . وأما الآدمي هل ينجس بالموت أم لا فيه هذان القولان الصحيح منهما أنه لا ينجس اتفق الأصحاب على تصحيحه ودليله الأحاديث السابقة والمعنى الذي ذكره ، وعجب إرسال المصنف القولين من غير بيان الراجح منهما في مثل هذه المسألة التي تدعو الحاجة إليها ، وقد ذكر البندنيجي في كتاب الجنائز وصاحب الشامل في باب الآنية أن القول بالطهارة هو نصه في الأم وبالنجاسة هو نصه في البويطي ، وسواء في جريان القولين المسلم والكافر . وأما قوله تعالى : إنما المشركون نجس فليس المراد نجاسة الأعيان والأبدان بل نجاسة المعنى والاعتقاد ولهذا ربط النبي صلى الله عليه وسلم الأسير الكافر في المسجد وقد أباح الله تعالى طعام أهل الكتاب والله أعلم . وأما باقي الميتات فنجسة ودليلها الإجماع ، واستثنى صاحب الحاوي وغيره فقالوا : الميتات نجسة إلا خمسة أنواع : السمك والجراد والآدمي والصيد إذا قتله سهم أو كلب معلم أرسله أهل للذكاة ، والجنين إذا خرج ميتا بعد ذكاة أمه وزاد القفال فحكم بطهارة ما ليس له نفس سائلة في قول كما حكيناه عنه في باب المياه وحكى صاحب الحاوي والشاشي عنه وجهين في نجاسة الضفدع بالموت ولا يرد شيء من هذا على المصنف . أم الصيد والجنين فليسا منه بل جعل الشرع هذا ذكاتهما ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ذكاة الجنين ذكاة أمه فصرح بأنه مذكى شرعا وإن لم تنله السكين مباشرة ، وأما ما زاده القفال وصاحب الحاوي فضعيف انفردا به عن الجمهور والصحيح النجاسة كما أوضحنا هناك وبالله التوفيق . وأما قول المصنف : يحرم الأكل من غير ضرر وكان نجسا .

Section V02/P518

فينتقض بالمخاط والمني وجلد الميتة إذا دبغ فإنها محرمة الأكل على الأصح من غير ضرر وليست نجسة ، فكان ينبغي أن يقول : من غير ضرر ولا استقذار وقوله في السمك والجراد : يحل أكلها يعني من غير ضرورة ولا حاجة وإلا فالميتة يحل أكلها في المخمصة ، ويحل أكل الدواء النجس للحاجة وإن لم يكن ضرورة ، والله أعلم . فرع : العضو المنفصل من حيوان حي كألية الشاة وسنام البعير وذنب البقرة والأذن واليد وغير ذلك نجس بالإجماع ومما يستدل به من السنة حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يجبون أسنمة الإبل ويقطعون أليات الغنم فقال : ما تقطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة رواه أبو داود والترمذي وغيرهما ، وهذا لفظ الترمذي ، قال الترمذي : حديث حسن قال : والعمل على هذا عند أهل العلم . وأما العضو المبان من السمك والجراد والآدمي كيده ورجله وظفره ومشيمة الآدمي ففيها كلها وجهان أصحهما طهارتها ، وهو الذي صححه الخراسانيون كميتاتها . والثاني : نجاستها وإنما يحكم بطهارة الجملة لحرمتها . وبهذا قطع العراقيون أو جمهورهم في يد الآدمي وسائر أعضائه وتكرر نقل القاضي أبي الطيب الاتفاق على نجاسة يد السارق وغيره إذا قطعت أو سقطت ، ونقل القاضي أيضا الاتفاق على نجاسة مشيمة الآدمي ، والصحيح الطهارة كما ذكرناه ، وأما مشيمة الآدمي فنجسة بلا خلاف كما سائر أجزائه المتصلة في حياته والله أعلم . فرع : عصب الميتة غير الآدمي نجس بلا خلاف ، ولا يخرج على الخلاف في الشعر والعظم لأنه يحس ويألم بخلافهما ذكره المتولي وغيره والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في نجاسة الآدمي بالموت ، قد ذكرنا أن الأصح عندنا أنه لا ينجس ، وبه قال مالك وأحمد وداود وغيرهم ، وقال أبو حنيفة : ينجس وروى عنه أنه يطهر بالغسل ، وعن مالك وأحمد رواية بنجاسته .

Section V02/P518–V02/P520

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الخمر فهي نجسة لقوله عز وجل : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان المائدة : 90 ولأنه يحرم تناوله من غير ضرورة فكان نجسا كالدم ، وأما النبيذ فهو نجس لأنه شراب فيه شدة مطربة فكان نجسا كالخمر . + الشرح : الخمر نجسة عندنا وعند مالك وأبي حنيفة وأحمد وسائر العلماء إلا ما حكاه القاضي أبو الطيب وغيره عن ربيعة شيخ مالك وداود أنهما قالا : هي طاهرة وإن كانت محرمة كالسم الذي هو نبات وكالحشيش المسكر ، ونقل الشيخ أبو حامد الإجماع على نجاستها ، واحتج أصحابنا بالآية الكريمة ، قالوا : ولا يضر قرن الميسر والأنصاب والأزلام بها مع أن هذه الأشياء طاهرة لأن هذه الثلاثة خرجت بالإجماع فبقيت الخمر على مقتضى الكلام ، ولا يظهر من الآية دلالة ظاهرة لأن الرجس عند أهل اللغة القذر ولا يلزم من ذلك النجاسة ، وكذا الأمر بالاجتناب لا يلزم منه النجاسة وقول المصنف : ولأنه يحرم تناوله من غير ضرر فكان نجسا كالدم لا دلالة فيه لوجهين . أحدهما : أنه منتقض بالمني والمخاط وغيرهما كما ذكرنا قريبا . والثاني : أن العلة في منع تناولهما مختلفة فلا يصح القياس لأن المنع من الدم لكونه مستخبثا ، والمنع من الخمر لكونها سببا للعداوة والبغضاء وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة كما صرحت به الآية الكريمة ، وأقرب ما يقال ما ذكره الغزالي أنه يحكم بنجاستها تغليظا وزجرا عنها قياسا على الكلب وما ولغ فيه والله أعلم . واعلم أنه لا فرق في نجاسة الخمر بين الخمر المحترمة وغيرها ، وكذا لو استحال باطن حبات العنب خمرا فإنه نجس ، وحكى إمام الحرمين والغزالي وغيرهما وجها ضعيفا أن الخمر المحترمة طاهرة ووجها أن باطن حبات العنب المستحيل طاهرة ، وهما شاذان والصواب النجاسة . وأما النبيذ فقسمان مسكر وغيره ، فالمسكر نجس عندنا وعند جمهور العلماء وشربه حرام وله حكم الخمر في التنجيس والتحريم ووجوب الحد ، وقال أبو حنيفة وطائفة قليلة : هو طاهر ويحل شربه ، وفي رواية عنه يجوز الوضوء به في السفر ، وقد سبق في باب المياه بيان مذهبنا ومذهبه والدلائل من الطرفين مستقصاة ، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة الذي يقتضي مجموعها الإستفاضة أو التواتر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كل مسكر خمر وكل مسكر حرام وهذه الألفاظ مروية في الصحيحين من طرق كثيرة وحكى صاحب البيان وجها أن النبيذ المسكر طاهر لاختلاف العلماء في إباحته ، وهذا الوجه شاذ في المذهب وليس هو بشيء . وأما القسم الثاني من النبيذ فهو ما لم يشتد ولم يصر مسكرا ، وذلك كالماء الذي وضع فيه حبات تمر أو زبيب أو مشمش أو عسل أو نحوها فصار حلوا ، وهذا القسم طاهر بالإجماع يجوز شربه وبيعه ، وسائر التصرفات فيه ، وقد تظاهرت الأحاديث في الصحيحين من طرق متكاثرة على طهارته وجواز شربه . ثم إن مذهبنا ومذهب الجمهور جواز شربه ما لم يصر مسكرا وإن جاوز ثلاثة أيام ، وقال أحمد رحمه الله : لا يجوز بعد ثلاثة أيام . واحتج له بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبذ له من أول الليل فيشربه إذا أصبح يومه ذلك والليلة التي تجىء والغد والليلة الأخرى والغد إلى العصر فإن بقي شيء سقى الخادم أو أمر به فصب رواه مسلم وفي رواية لمسلم وغيره كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقع له الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة ، ثم يأمر به فيسقى أو يهراق وفي رواية لمسلم ينبذ له الزبيب في السقاء فيشربه يومه والغد وبعد الغد فإذا كان مساء الثالثة شربه وسقاه فإن فضل شيء أهراقه .

Section V02/P520–V02/P522

ودليلنا حديث بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في سقاء فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرا رواه مسلم ، فهذا عام يتناول ما فوق ثلاثة أيام ولم يثبت نهي في الزيادة فوجب القول بإباحة ما لم يصر مسكرا وإن زاد على الثلاثة ، والجواب عن الروايات التي احتج بها لأحمد أنه ليس فيها دليل على تحريم بعد الثلاثة بل فيها دليل على أنه ليس بحرام بعد ثلاثة لأنه كان يسقيه الخادم ولو كان حراما لم يسقه ، وإنما معنى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يشربه ما لم يصر مسكرا فإذا مضت ثلاثة أيام أو نحوها امتنع من شربه ثم إن كان بعد ذلك قد صار مسكرا أمر بإراقته لأنه صار نجسا محرما ولا يسقيه الخادم لأنه حرام على الخادم كما هو حرام على غيره ، وإن كان لم يصر مسكرا سقاه الخادم ولا يريقه لأنه حلال ومال من الأموال المحترمة ولا يجوز إضاعتها وإنما ترك صلى الله عليه وسلم شربه والحالة هذه تنزها واحتياطا كما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل الضب وأكلوه بحضرته ، وقيل له : أحرام هو قال : لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه . وقد حصل مما ذكرناه أن لفظة : أو ، في قوله : سقاه الخادم أو أمر به فصب ، ليست للشك ولا للتخيير بل للتقسيم واختلاف الحال وقد أوضحت هذا الحديث وما يتعلق بالمسألة في شرح صحيح مسلم رحمه الله وبالله التوفيق . فرع : مذهبنا ومذهب الجمهور أنه يجوز الانتباذ في جميع الأوعية من الخزف والخشب والجلود والدباء ( وهي القرع ) والمزفت والنحاس وغيرها ، ويجوز شربه منها ما لم يصر مسكرا كما سبق . وأما الأحاديث المشهورة في الصحيحين عن ابن عباس وغيره رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإنتباذ في الدباء والحنتم وهي جرار خضر وقيل كل الجرار ، والنقير وهي الخشبة المنقورة من النخل والمزفت والمقير وهو المطلي بالزفت والقار فهي المنسوخة بحديث بريدة الذي قدمناه قريبا ، وقد بسطت ذلك بدلائله في أول شرح صحيح البخاري ، ثم في شرح مسلم وبالله التوفيق . فرع : شرب الخليطين والمنصف إذا لم يصر مسكرا ليس بحرام لكن يكره ، فالخليطان ما نقع من بسر أو رطب أو تمر أو زبيب ، والمنصف ما نقع من تمر ورطب وسبب الكراهة أن الإسكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يتغير طعمه فيظن الشارب أنه ليس مسكرا وهو مسكر ، ودليل الكراهة حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يخلط الزبيب والتمر ، والبسر والتمر وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعا ، ونهى أن ينبذ الرطب والبسر جميعا وفي رواية : لا تجمعوا بين الرطب والبسر ، وبين الزبيب والتمر نبيذا . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من شرب النبيذ منكم فليشربه زبيبا فردا أو تمرا فردا أو بسرا فردا . وعن قتادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تنبذوا الزهو والرطب جميعا ، ولا تنبذوا الزبيب والتمر جميعا ، وانتبذوا كل واحد منهما على حدته . وعن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وروى هذه الروايات كلها مسلم وروى البخاري وغيره بعضها أيضا والله أعلم .

Section V02/P522–V02/P523

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الكلب فهو نجس لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعي إلى دار فأجاب ودعي إلى دار فلم يجب فقيل له في ذلك ، فقال : إن في دار فلان كلبا ، فقيل له : وفي دار فلان هرة فقال : الهرة ليست بنجسة فدل على أن الكلب نجس . + الشرح : مذهبنا أن الكلاب كلها نجسة المعلم وغيره الصغير والكبير ، وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد ، وقال الزهري ومالك وداود : هو طاهر وإنما يجب غسل الإناء من ولوغه تعبدا ، وحكى هذا عن الحسن البصري وعروة بن الزبير واحتج لهم بقول الله تعالى : فكلوا مما أمسكن عليكم المائدة : 4 ولم يذكر غسل موضع إمساكها وبحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : كانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك ذكره البخاري في صحيحه فقال : وقال أحمد بن شبيب حدثنا أبي إلى آخر الإسناد والمتن ، وأحمد هذا شيخه ، ومثل هذه العبارة محمول على الإتصال وأن البخاري رواه عنه كما هو معروف عند أهل هذا الفن ، وذلك واضح في علوم الحديث . وروى البيهقي وغيره هذا الحديث متصلا وقال فيه : وكانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك واحتج أصحابنا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات رواه مسلم . وعن أبي هريرة أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب رواه مسلم وفي رواية له : طهر إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبع مرات والدلالة من الحديث الأول ظاهرة لأنه لو لم يكن نجسا لما أمر بإراقته لأنه يكون حينئذ إتلاف مال وقد نهينا عن إضاعة المال ، والدلالة من الحديث الثاني ظاهرة أيضا فإن الطهارة تكون من حدث أو نجس وقد تعذر الحمل هنا على طهارة الحدث فتعينت طهارة النجس وأجاب أصحابنا عن احتجاجهم بالآية بأن لنا خلافا معروفا في أنه يجب غسل ما أصابه الكلب أم لا فإن لم نوجبه فهو معفو للحاجة والمشقة في غسله بخلاف الإناء وأما الجواب عن حديث ابن عمر فقال البيهقي مجيبا عنه أجمع المسلمون على نجاسة بول الكلب ووجوب الرش على بول الصبي فالكلب أولى قال : فكان حديث ابن عمر قبل الأمر بالغسل من ولوغ الكلب أو أن بولها خفي مكانه فمن تيقنه لزمه غسله والله أعلم .

Section V02/P523–V02/P525

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الخنزير فنجس لأنه أسوأ حالا من الكلب لأنه مندوب إلى قتله من غير ضرر فيه ومنصوص على تحريمه فإذا كان الكلب نجسا فالخنزير أولى ، وأما ما تولد منهما أو من أحدهما فنجس لأنه مخلوق من نجس فكان مثله . + الشرح : نقل ابن المنذر في كتاب الإجماع إجماع العلماء على نجاسة الخنزير وهو أولى ما يحتج به لو ثبت الإجماع ، ولكن مذهب مالك طهارة الخنزير ما دام حيا وأما ما احتج به المصنف فكذا احتج به غيره ولا دلالة فيه وليس لنا دليل واضح على نجاسة الخنزير في حياته ، وقوله : مندوب إلى قتله من غير ضرر فيه احتراز من الحية والعقرب والحدأة وسائر الفواسق الخمس وما في معناها فإنها طاهرة وإن كان مندوبا إلى قتلها لكن لضررها ، وأما قوله : إن المتولد منهما أو من أحدهما حيوان طاهر من نجس ، فهو متفق عليه عندنا . ولو ارتضع جدي من كلبة ونبت لحمه على لبنها ففي نجاسته وجهان أصحهما ليس بنجس وقد سبقا في أول الباب ، وقوله : لأنه مخلوق من نجس فكان مثله ينقض بالدود المتولد من الميتة ومن السرجين فإنه طاهر على المذهب وبه قطع الجمهور كما سنوضحه قريبا إن شاء الله تعالى ، وكان ينبغي أن يقول : لأنه مخلوق من حيوان نجس ليحترز عما ذكرناه فإن الميتة لا تسمى حيوانا ، وقد يمنع هذا الإعتراض ويقال : الدود لا يخلق من نفس الميتة ونفس السرجين ، وإنما يتولد فيها كدود الخل لا يخلق من نفس الخل بل يتولد فيه ، وقد أجاب القاضي أبو الطيب بهذا الجواب عن نحو هذا الاعتراض في مسألة طهارة المني والله أعلم . وأما باقي الحيوانات غير الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما فهي طاهرة كلها وسيأتي بيانه قريبا إن شاء الله تعالى في مسائل الفرع . قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما لبن ما لا يؤكل لحمه غير الآدمي ففيه وجهان قال أبو سعيد الإصطخري : هو طاهر لأنه حيوان طاهر فكان لبنه طاهرا كالشاة ( والبقرة ) والمنصوص إنه نجس لأن اللبن كلحم المذكى بدليل أنه يتناول من الحيوان ويؤكل كما يتناول اللحم المذكى ولحم ما لا يؤكل نجس فكذا لبنه . + الشرح : الألبان أربعة أقسام : أحدها : لبن مأكول اللحم كالإبل والبقر والغنم والخيل والظباء وغيرها من الصيود وغيرها ، وهذا طاهر بنص القرآن والأحاديث الصحيحة والإجماع . والثاني : لبن الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما وهو نجس بالاتفاق . الثالث : لبن الآدمي وهو طاهر على المذهب وهو المنصوص ، وبه قطع الأصحاب إلا صاحب الحاوي فإنه حكى عن الأنماطي من أصحابنا أنه نجس ، وإنما يحل شربه للطفل للضرورة ذكره في كتاب البيوع وحكاه الدارمي في أواخر كتاب السلم وحكاه هناك الشاشي والروياني وهذا ليس بشيء ، بل هو خطأ ظاهر ، وإنما حكى مثله للتحذير من الإغترار به وقد نقل الشيخ أبو حامد في تعليقه عقب كتاب السلم إجماع المسلمين على طهارته ، قال الروياني في آخر باب بيع الغرر : إذا قلنا بالمذهب أن الآدمية لا تنجس بالموت فماتت وفي ثديها لبن فهو طاهر يجوز شربه وبيعه . الرابع : لبن سائر الحيوانات الطاهرة غير ما ذكرنا ، والصحيح المنصوص نجاستها ، وقال الإصطخري : طاهرة وقد ذكر المصنف دليل الوجهين ، وممن قال بطهارته أبو حنيفة وبنجاسته مالك وأحمد وداود ، فإن قلنا بالطهارة فهل يحل شربه فيه وجهان حكاهما المتولي وغيره أصحهما : جواز شربه لأنه طاهر والثاني : تحريمه ، وبه قطع الغزالي في البسيط ، لأنه يقال إنه يؤذي ، ولأنه مستقذر فأشبه المخاط وجمع جماعة هذا الخلاف وحكى الدارمي في آخر كتاب السلم في لبن الأتان ونحوها ثلاثة أوجه ، الصحيح : أنه نجس لا يجوز بيعه والثاني : أنه طاهر ويجوز بيعه وشربه والثالث : طاهر لا يجوز بيعه ولا شربه . وقول المصنف : لبن ما لا يؤكل غير الآدمي ، فيه وجهان : إطلاقه يقتضي دخول الكلب والخنزير ، وكان ينبغي أن يقول من الحيوان الطاهر ، وكأنه ترك بيانه لظهوره والله أعلم . فرع : الأنفحة إن أخذت من السخلة بعد موتها أو بعد ذبحها وقد أكلت غير اللبن فهي نجسة بلا خلاف ، وإن أخذت من سخلة ذبحت قبل أن تأكل غير اللبن فوجهان ، الصحيح الذي قطع به كثيرون طهارتها ، لأن السلف لم يزالوا يجبنون بها ولا يمتنعون من أكل الجبن المعمول بها . وحكى العبدري عن مالك وأحمد في أصح الروايتين عنه نجاسة الأنفحة الميتة كمذهبنا ، وعن أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى أنها طاهرة كالبيض . دليلنا أنها جزء من السخلة فأشبهت اليد بخلاف البيضة فإنها ليست جزءا . ولنا في البيضة في جوف الدجاجة الميتة ثلاثة أوجه سبقت في باب الآنية أحدها : أنها طاهرة والثاني : نجسة وأصحها : إن كانت تصلبت فطاهرة وإلا فنجسة ، وأما اللبن في ضرع شاة ميتة فنجس عندنا بلا خلاف ، وسبق بيانه في باب الآنية والله أعلم .

Section V02/P525

قال المصنف رحمه الله تعالى : أما رطوبة فرج المرأة فالمنصوص أنها نجسة لأنها رطوبة متولدة في محل النجاسة فكانت نجسة . ومن أصحابنا من قال : هي طاهرة كسائر رطوبات البدن . + الشرح : رطوبة الفرج ماء أبيض متردد بين المذي والعرق ، فلهذا اختلف فيها ثم أن المصنف رحمه الله رجح هنا وفي التنبيه النجاسة ، ورجحه أيضا البندنجي وقال البغوي والرافعي وغيرهما : الأصح الطهارة ، وقال صاحب الحاوي في باب ما يوجب الغسل : نص الشافعي رحمه الله في بعض كتبه على طهارة رطوبة الفرج ، وحكى التنجيس عن ابن سريج فحصل في المسألة قولان منصوصان للشافعي ، أحدهما ما نقله المصنف ، والآخر نقله صاحب الحاوي ، والأصح طهارتهما ، ويستدل للنجاسة أيضا بحديث زيد بن خالد رضي الله عنه أنه سأل عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ولم يمن قال عثمان : يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره ، قال عثمان : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري ومسلم ، زاد البخاري فسأل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبي بن كعب فأمروه بذلك . وعن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال : يا رسول الله إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل قال : يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي رواه البخاري ومسلم ، وهذان الحديثان في جواز الصلاة بالوضوء بلا غسل منسوخان كما سبق في باب ما يوجب الغسل . وأما الأمر بغسل الذكر وما أصابه منها فثابت غير منسوخ وهو ظاهر في الحكم بنجاسة رطوبة الفرج ، والقائل الآخر بحمله على الإستحباب لكن مطلق الأمر للوجوب عند جمهور الفقهاء والله أعلم . وقول المصنف : رطوبة فرج المرأة فيه نقص والأحسن رطوبة الفرج ، فإنه لا فرق بين رطوبة فرج المرأة وغيرها من الحيوان الطاهر كما سبق ، والله أعلم .

Section V02/P525–V02/P527

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما ما تنجس بذلك فهو الأعيان الطاهرة إذا لاقاها شيء من هذه النجاسات وأحدهما رطب ( والآخر يابس ) فينجس بملاقاتها . + الشرح : هذا الذي قاله واضح لا خفاء به لكن يستثنى من هذا الإطلاق أشياء ، أحدها : الميتة التي لا نفس لها سائلة فإنها نجسة على المذهب ولا تنجس ما ماتت فيه على الصحيح . الثاني : النجاسة التي لا يدركها الطرف لا تنجس الماء والثوب على الأصح كما سبق الثالث : الهرة إذا كانت أكلت نجاسة ثم ولغت في ماء قليل أو مائع قبل أن تغيب لا تنجسه على أحد الأوجه الرابع : إذا لاقت النجاسة قلتين فصاعدا من الماء فلم تغيره لا تنجسه . فرع : في مسائل تتعلق بالنجاسات أحدها : شعر الميتة نجس على المذهب إلا من الآدمي فطاهر على المذهب سواء انفصل في حياته أو بعد موته ، وقد سبق تفصيل الشعور في باب الآنية ، وسبق فيه أن المذهب نجاسة عظم الميتة ، وسبق فيه أن ما لا يؤكل لحمه إذا ذبح كان نجسا . الثانية : قال أصحابنا : الأعيان جماد وحيوان وما له تعلق بالحيوان ، فالجماد كله طاهر إلا الخمر وكل نبيذ مسكر . وحكى وجه أن النبيذ طاهر ووجه أن الخمرة المحترمة طاهرة وأن باطن العنقود إذا استحال خمرا طاهر . وهذه الأوجه سبق بيانها وهي شاذة ضعيفه ، والمراد بالجماد ما ليس بحيوان ولا كان حيوانا ولا جزءا من حيوان ولا خرج من حيوان . وقولنا ولا كان حيوانا احتراز من الميتة وقولنا ولا جزءا من حيوان احتراز من العضو المبان من الشاة ونحوها في الحياة وقولنا ولا خرج من حيوان احتراز من البول والروث وغيرهما من النجاسات المنفصلة عن باطن الحيوان . وأما الحيوان فكله طاهر إلا الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما ، وحكى صاحب البيان وجها عن الصيدلاني أن الدود المتولد من الميتة نجس وهذا شاذ مردود ، والصواب الجزم بطهارته كسائر الحيوان ، وأما ما له تعلق بالحيوان كالميتة والفضلات فقد سبق تفصيله وبيان الطاهر منه من النجس والله أعلم . الثالثة : النجاسة المستقرة في الباطن لا حكم لها ما لم يتصل بها شيء من الظاهر مع بقاء حكم الظاهر عليه ، كما إذا ابتلع بعض خيط فحصل بعضه في المعدة وبعضه خارج في الفم أو أدخل في دبره أصبعه أو عودا وبقي بعضه خارجا فوجهان سبقا في أول باب ما ينقض الوضوء . أصحهما : وبه قطع الأكثرون يثبت لها حكم النجاسة فلا تصح صلاته ولا طوافه في هذه الحال لأنه مستصحب بمتصل بالنجاسة والثاني : لا يثبت حكم النجاسة وقد سبق هناك توجيههما وبيان قائلهما وما يتفرع عليهما من المسائل والله أعلم . الرابعة : في الفتاوى المنقولة عن صاحب الشامل أن الولد إذا خرج من الجوف طاهر لا يحتاج إلى غسله بإجماع المسلمين ، قال : ويجب أن يكون البيض كذلك فلا يجب غسل ظاهره ، والنجاسة الباطنة لا حكم لها . ولهذا اللبن يخرج من بين فرث ودم ، وهو طاهر حلال ، وهذا الذي قاله أن النجاسة الباطنة لا حكم لها وفي البيض ، هو اختياره وقد قدمنا الخلاف فيهما . الخامسة : قال صاحب التتمة : الوسخ المنفصل من بدن الآدمي في الحمام وغيره حكمه حكم ميتة الآدمي لأنه متولد من البشرة قال : وكذا الوسخ المنفصل عن سائر الحيوان حكمه حكم ميتته ، وهذا الذي قاله في وسخ الآدمي ضعيف لم أره لغيره ، والمختار القطع بطهارته لأنه عرق جامد .

Section V02/P527

السادسة : قال أصحابنا رحمهم الله : إذا أكلت البهمية حبا وخرج من بطنها صحيحا فإن كانت صلابته باقية بحيث لو زرع نبت فعينه طاهرة لكن يجب غسل ظاهره لملاقاة النجاسة لأنه وإن صار غذاء لها فمما تغير إلى الفساد فصار كما لو ابتلع نواة وخرجت فإن باطنها طاهر ويطهر قشرها بالغسل ، وإن كانت صلابته قد زالت بحيث لو زرع لم ينبت فهو نجس . ذكر هذا التفصيل هكذا القاضي حسين والمتولي والبغوي وغيرهم . السابعة : الزرع النابت على السرجين ، قال الأصحاب : ليس هو نجس العين لكن ينجس بملاقاة النجاسة نجاسة مجاورة وإذا غسل طهر ، وإذا سنبل فحباته الخارجة طاهرة قطعا ولا حاجة إلى غسلها ، وهكذا القثاء والخيار وشبههما يكون طاهرا ولا حاجة إلى غسله . قال المتولي : وكذا الشجرة إذا سقيت ماء نجسا فأغصانها وأوراقها وثمارها طاهرة كلها لأن الجميع فرع الشجرة ونماؤها ، قال البغوي : وإذا خرج من فرجه دود فهو طاهر العين ، ولكن ظاهره نجس ، فإذا غسل طهر . فرع : المسك طاهر بالإجماع ويجوز بيعه بالإجماع ، وقد حكى الماوردي في كتاب البيوع عن الشيعة أنهم قالوا : هو نجس لا يجوز بيعه ، وهو غلط فاحش مخالف للأحاديث الصحيحة وللإجماع ، وسنوضح المسألة بأدلتها إن شاء الله تعالى في باب ما نهى عنه من بيع الغرر ، حيث ذكره المصنف والأصحاب . فرع : قال الماوردي و الروياني في آخر باب بيع الغرر : أما الزباد فهو لبن سنور في البحر رائحته كرائحة المسك ، قالا : فإذا قلنا بنجاسة لبن ما لا يؤكل لحمه ، ففي هذا وجهان أحدهما : أنه نجس لا يجوز بيعه اعتبارا بجنسه والثاني : طاهر كالمسك هذا كلام الماوردي والروياني . والصواب طهارته وصحة بيعه ، لأن الصحيح أن جميع حيوان البحر طاهر يحل لحمه ولبنه ، كما سنوضحه في بابه إن شاء الله تعالى ، هذا على تقدير تسليم ما ذكره الماوردي أنه لبن هذا السنور البحري وقد سمعت جماعة من أهل الخبرة بهذا من الثقات يقولون : بأن الزباد إنما هو عرق سنور بري ، فعلى هذا هو طاهر بلا خلاف ، لكن قالوا : إنه يغلب فيه اختلاطه بما يتساقط من شعره ، فينبغي أن يحترس عما فيه شيء من شعره ، لأن الأصح عندنا نجاسة شعر ما يؤكل لحمه إذا انفصل في حياته غير الآدمي ، والأصح أن سنور البر لا يؤكل والله أعلم .

Section V02/P527–V02/P529

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يطهر من النجاسات بالإستحالة إلا شيئان : أحدهما : جلد الميتة ( إذا دبغ ) ، وقد دللنا عليه في موضعه والثاني : الخمر إذا استحالت بنفسها خلا فتطهر بذلك لما روى عن عمر رضي الله عنه أنه خطب فقال : لا يحل خل من خمر قد أفسدت حتى يبدأ الله إفسادها ، فعند ذلك يطيب الخل ، ولا بأس أن يشتروا من أهل الذمة خلا ما لم يتعمدوا إلى إفساده ولأنه إنما حكم بنجاستها للشدة المطربة الداعية إلى الفساد ، وقد زال ذلك من غير نجاسة خلفتها ، فوجب أن يحكم بطهارتها . + الشرح : أما قوله لا يطهر بالاستحالة إلا شيئان فقد يورد عليه ثلاثة أشياء وهي العلقة والمضغة إذا نجسناهما ، فإنهما يطهران بمصيرهما حيوانا ، والثالث البيضة في جوف الدجاجة الميتة إذا حكمنا بنجاستها فإنها تطهر بمصيرها فرخا بلا خلاف ، كما سبق في باب الآنية ، ويجاب عن البيضة بأنها نجسة العين ، وإنما تنجست بالمجاورة . وأما العلقة والمضغة ففرعهما على الأصح وهو طهارتها . وقد سبق بيانهما قريبا فاكتفى به . وأما قول عمر رضي الله عنه فآخره قوله : ( يتعمدوا إلى إفساده ) وقد رواه البيهقي دون قوله : ولا بأس أن يشتروا إلى آخره . قوله : أفسدت هو بضم الهمزة ومعناه خللت ، وقوله : حتى يبدأ الله إفسادها هو بفتح الياء من يبدأ وبهمز آخره ، ومعنى هذا الكلام أن الخمر إذا خللت فصارت خلا لم يحل ذلك الخل ، ولكن لو قلب الله الخمر خلا بغير علاج آدمي حل ذلك الخل ، وهذا معنى قوله : يبدأ الله إفسادها يعني بإفسادها جعلها خلا ، وهو إفساد للخمر وإن كان صلاحا لهذا المائع من حيث إنه صار حلالا ومالا . وأما قوله : ولا بأس أن يشتروا من أهل الذمة خلا ، فمعناه أنه يباح ذلك ، ولا يمتنع لكونهم كفارا لا يوثق بأقوالهم ، بل يباح كما تباح ذبائحهم وغيرها من أطعمتهم ، وقد قال الله تعالى : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم المائدة : 5 وهذا يتناول الخل وغيره ولا يقبل دعوى أكثر المفسرين ومن تابعهم في تخصيصهم ذلك بالذبائح وممن تابعهم المصنف في أول باب الربا ، والصواب ما ذكرناه ، وقوله : من غير نجاسة خلفتها هو بتخفيف اللام أي جاءت بعدها . أما حكم المسألة : فإذا استحالت الخمر خلا بنفسها طهرت وسأذكر فرعا مشتملا على نفائس من أحكام التخلل والتخليل إن شاء الله تعالى .

Section V02/P529–V02/P530

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن خللت بخل أو ملح لم تطهر لما روى أن أبا طلحة رضي اللها عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرا فقال : أهرقها فقال : أفلا أخللها قال لا فنهاه عن التخليل فدل على أنه لا يجوز ولأنه لو جاز لندبه إليه لما فيه من إصلاح مال اليتيم ، ولأنه إذا طرح فيها الخل نجس الخل فإذا زالت ( الشدة المطربة ) بقيت نجاسة الخل النجس فلم يطهر ، وإن نقلها من شمس إلى ظل أو من ظل إلى شمس حتى تخللت ففيه وجهان . أحدهما : تطهر لأن الشدة قد زالت من غير نجاسة خلفتها . والثاني : لا تطهر لأنه فعل محظور توصل به إلى استعجال ما يحل في الثاني فلم يحل به كما لو قتل مورثه أو نفر صيدا حتى خرج من الحرم إلى الحل . + الشرح : أما حديث أبي طلحة فصحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة عن أنس رضي الله عنه أن أبا طلحة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره بلفظه في المهذب ، وروى مسلم في صحيحه والترمذي عن أنس قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم أنتخذ الخمر خلا قال : لا قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . وقول المصنف : روي أن أبا طلحة ، مما ينكر عليه حيث ذكره بصيغة تمريض وهو حديث صحيح ، وأبو طلحة اسمه زيد بن سهل ، سبق بيانه في باب ما يوجب الغسل . أما حكم المسألة : فالتخليل عندنا وعند الأكثرين حرام ، فلو فعله فصار خلا لم يطهر ، قال البغوي : ولا يمكن تطهيره بعد هذا بطريق كالخل إذا وقعت فيه نجاسة . وقال أبو حنيفة : تطهر بالتخليل ، دليلنا هذان الحديثان الصحيحان ، وأما مسألة النقل من ظل إلى شمس وعكسه فالأصح فيها الطهارة ، والوجهان جاراين فيما لو فتح رأسها ليصيبها الهواء استعجالا للحموضة . نقله الرافعي . فرع : الخمر نوعان محترمة وغيرها فالمحترمة هي التي اتخذ عصيرها ليصير خلا وغيرها ما اتخذ عصيرها للخمرية ، وفي النوعين مسائل : إحداها : تخليلها بطرح عصير أو خل أو خبز حار أو ملح أو غيرها فيها حرام بلا خلاف عند أصحابنا فإذا خللت فهذا الخل نجس لعلتين ذكرهما المصنف والأصحاب إحداهما : تحريم التخليل ، والثانية : نجاسة المطروح بالملاقاة فتستمر نجاستها إذ لا مزيل لها ولا ضرورة إلى الحكم بإنقلابها به طاهرا بخلاف أجزاء الدن ، قال أصحابنا : وسواء في هذا المحترمة وغيرها والمطروح قصدا ، والواقع فيها اتفاقا بإلقاء الريح وغيرها ، وفي وجه ضعيف يجوز تخليل المحترمة وتطهر به وفي وجه تطهر المحترمة وغيرها إذا طرح بلا قصد حكاهما الرافعي ، والصحيح المشهور أنه لا فرق كما سبق . الثانية : لو طرح في العصير بصلا أو ملحا واستعجل به الحموضة قبل الاشتداد فصار خمرا ، ثم انقلبت بنفسها خلا والبصل فيها فوجهان حكاهما الرافعي أحدهما : يطهر لأنه لاقاة في حال طهارته كأجزاء الدن وأصحهما : لا يطهر لأن المطروح ينجس بالتخمر ، فتستمر نجاسته بخلاف أجزاء الدن للضرورة ، ولو طرح العصير على خل ، وكان العصير غالبا بحيث يغمر الخل عند الإشتداد ففي طهارته إذا انقلبت خلا هذان الوجهان ، ولو كان الخل غالبا يمنع العصير من الاشتداد فلا بأس بل يطهر قطعا . الثالثة : إمساك الخمر المحترمة لتصير خلا جائز ، هذا هو الصواب الذي قطع به الأصحاب ، وحكى إمام الحرمين عن بعض الخلافيين وجها أنه لا يجوز وهذا غلط مردود ، وأما غير المحترمة فيجب إراقتها فلو لم يرقها فتخللت طهرت لأن النجاسة للشدة وقد زالت ، وحكى الرافعي وجها أنها لا تطهر لأنه عاص بإمساكها فصار كالتخليل والمذهب الأول .

Section V02/P530–V02/P531

الرابعة : متى عادت الطهارة بالتخلل طهرت أجزاء الظرف للضرورة وفيه وجه ، قال الدارمي : إن لم تتشرب شيئا من الخمر كالقوارير طهرت ، وإن تشربت لم تطهر ، والصواب الذي قطع به الجماهير الطهارة مطلقا للضرورة ، ثم كما يطهر ما يلاقي الخل بعد التخلل يطهر ما فوقه مما أصابه الخمر في حال الغليان ، قاله القاضي حسين وأبو الربيع الإيلاقي وحكاه الرافعي عنهما ولم يذكر خلافه وهذا الإيلاقي بكسر الهمزة وبعدها ياء مثناة من تحت وآخره قاف واسمه طاهر بن عبد الله منسوب إلى إيلات وهي بلا الشاش المتصلة بالترك قاله السمعاني وهي أحسن بلاد الإسلام وأنزهها قال : وكان أبو الربيع هذا بارعا في الفقه تفقه بمرو على القفال المروزي وبنيسابور على أبي طاهر الزيادي وببخارى على أبي عبد الله الحليمي وأخذ الأصول عن أبي إسحاق الاسفرايني وعليه تفقه أهل الشاش ، وقد بسطت أحواله في تهذيب الأسماء . فرع : لا يصح بيع الخمر المحترمة على المذهب وحكى الشيخ أبو علي السنجي ( بكسر السين المهملة وبالجيم وجها ضعيفا ) : أنه يصح بناء على الوجه الشاذ في طهارتها ، ولو استحالت أجواف حبات العناقيد خمرا ، ففي صحة بيعها اعتمادا على طهارة ظاهرها وتوقع طهارة باطنها وجهان وطردهما في البيضة المستحيل باطنها دما ، والصحيح البطلان في الجميع . فرع : مذهبنا أنه يجوز إمساك ظروف الخمر والانتفاع بها واستعمالها في كل شيء إذا غسلت وغسلها ممكن وبه قال جمهور العلماء وعن أحمد رحمه الله أنه يجب كسر دنانها وشق زقوقها . دليلنا أنها مال وقد نهينا عن إضاعته ، ولأن الأصل أن لا وجوب ولا يثبت شيء يدل على الوجوب . وأما حديث أنس رضي الله عنه قال : كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي بن كعب شرابا من فضيخ وخمر فأتاهم آت فقال : إن الخمر قد حرمت فقال أبو طلحة : يا أنس قم إلى هذه الجرة فاكسرها فقمت وكسرتها رواه البخاري ومسلم فليس فيه دليل على وجوب الكسر ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بذلك ، بل في حديث أبي طلحة الذي ذكره المصنف دليل على عدم الوجوب ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أهرقها ولم يذكر إتلاف ظرفها وممن ذكر هذه المسألة من أصحابنا صاحب المستظهري . فرع : قال المتولي في كتاب البيع : التصرف في الخمر حرام على أهل الذمة عندنا وقال أبو حنيفة : لا يحرم قال : والمسألة مبنية على خطاب الكفار بالفروع ومذهبنا أنهم مخاطبون وسأوضح المسألة في أول كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى وبه التوفيق . فرع : في مذاهب العلماء في تخلل الخمر وتخليلها . أما إذا انقلبت بنفسها خلا فتطهر عند جمهور العلماء ونقل القاضي عبد الوهاب المالكي فيه الإجماع وحكى غيره عن سحنون المالكي أنها لا تطهر ، وأما إذا خللت بوضع شيء فيها فمذهبنا أنها لا تطهر وبه قال أحمد والأكثرون . وقال أبو حنيفة والأوزاعي والليث : تطهر ، وعن مالك ثلاث روايات أصحها عنه أن التخليل حرام ( وتطهر ) فلو خللها طهرت والثانية : حرام ولا تطهر والثالثة : حلال وتطهر دليلنا ما سبق .

Section V02/P531–V02/P532

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أحرق السرجين أو العذرة فصار رمادا لم يطهر لأن نجاستها لعينها ، ويخالف الخمر فإن نجاستها لمعنى معقول وقد زال . + الشرح : مذهبنا أنه لا يطهر السرجين والعذره وعظام الميتة وسائر الأعيان النجسة بالإحراق بالنار ، وكذا لو وقعت هذه الأشياء في مملحة أو وقع كلب ونحوه وانقلبت ملحا ولا يطهر شيء من ذلك عندنا وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وداود وحكى أصحابنا عن أبي حنيفة طهارة هذا كله ، وحكاه صاحب العدة و البيان وجها لأصحابنا ، وقال إمام الحرمين : قال أبو زيد والخضري من أصحابنا : كل عين نجسة رمادها طاهر تفريعا على القديم إذ الشمس والريح والنار تطهر الأرض النجسة وهذا ليس بشئ وقد فرق المصنف بينها وبين الخمر إذا تخللت والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما دخان النجاسة إذا أحرقت ففيه وجهان أحدهما : أنه نجس لأنها أجزاء متحللة من النجاسة فهو كالرماد والثاني : ليس بنجس لأنه بخار نجاسة فهو كالبخار الذي يخرج من الجوف . + الشرح : الوجهان في نجاسة دخان النجاسة مشهوران ، ودليلهما مذكور في الكتاب أصحهما : عند الأصحاب النجاسة وجمع الدخان دواخن ويقال في الدخان دخن أيضا بالفتح وبضم الدال وتشديد الخاء حكاهما الجوهري والبخار بضم الباء وهو هذا المرتفع كالدخان وسواء دخان الأعيان النجسة كالسرجين ودخان الزيت المتنجس ففي الجميع الوجهان ذكره البغوي . فرع : قال صاحب الحاوي : إذا قلنا دخان النجاسة نجس فهل يعفى عنه فيه وجهان فإن قلنا : لا يعفى فحصل في التنور فإن مسحه بخرقة يابسة طهر وإن مسحه برطبة لم يطهر إلا بالغسل بالماء ، وقال صاحب البيان : قال أصحابنا : إذا قلنا بالنجاسة فعلق بالثوب فإن كان قليلا عفي عنه وإن كان كثيرا لم يطهر إلا بالغسل ، وإن سود التنور فألصق عليه الخبز قبل مسحه فظاهر أسفل الرغيف نجس هكذا ذكره الشيخ أبو حامد .

Section V02/P532–V02/P533

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا ولغ الكلب في إناء أو أدخل عضوا منه فيه وهو رطب لم يطهر الإناء حتى يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب ، لما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعا . إحداهن بالتراب فعلق طهارته بسبع مرات فدل أنه لا يحصل بما دونه . + الشرح : حديث أبي هريرة هذا صحيح رواه مسلم وقد ذكرناه قبل هذا ، لكن في رواية مسلم أولاهن بالتراب وأما رواية المصنف إحداهن فغريبة لم يذكرها البخاري ومسلم وأصحاب الكتب المعتمدة إلا الدارقطني فذكرها من رواية علي رضي الله عنه . وقد اختلف العلماء في ولوغ الكلب ، فمذهبنا أنه ينجس ما ولغ فيه ويجب غسل إنائه سبع مرات إحداهن بالتراب ، وبهذا قال أكثر العلماء . حكى ابن المنذر وجوب الغسل سبعا عن أبي هريرة وابن عباس وعروة بن الزبير وطاوس وعمرو بن دينار ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور . قال ابن المنذر : وبه أقول ، وقال الزهري : يكفيه غسله ثلاث مرات وقال أبو حنيفة : يجب غسله حتى يغلب على الظن طهارته ، فلو حصل ذلك بمرة أجزأه . وكذا عنده سائر النجاسات العينية . قال : ويجب غسل النجاسة الحكمية ثلاثا . وعن أحمد رواية أنه يجب غسله ثماني مرات إحداهن بالتراب ، وهي رواية عن داود أيضا . وقال مالك والأوزاعي : لا ينجس الطعام الذي ولغ فيه ، بل يحل أكله وشربه والوضوء به . قالا : ويجب غسل الإناء تعبدا ، قال مالك : وإن ولغ في ماء جاز أن يتوضأ به لأنه طاهر ، وفي جواز غسل هذا الإناء بهذا الماء روايتان عنه واحتج لأبي حنيفة بحديث يرويه عبد الوهاب بن الضحاك عن إسماعيل بن عياش عن هشام بن عروة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكلب يلغ في الإناء قال : يغسله ثلاثا أو خمسا أو سبعا وبالقياس على سائر النجاسات . واحتج لأحمد رحمه الله بحديث عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرار وعفروه الثامنة في التراب رواه مسلم . واحتج لمالك والأوزاعي في عدم نجاسته وجواز الإنتفاع بالطعام بأن الأمر بغسل الإناء كان تعبدا ، ولا يلزم منه نجاسة الطعام وإتلافه . واحتج أصحابنا والجمهور على وجوب الغسل سبعا بحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعا أولاهن بالتراب رواه مسلم . وفي رواية عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا رواه البخاري ومسلم وروى هذا المتن في الصحيح جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ، وذكر أصحابنا أقيسة كثيرة ومناسبات لا قوة فيها ، ولا حاجة إليها مع ما ذكرناه من السنن الصحيحة المتظاهرة . وأما الدليل على الأوزاعي ومالك فحديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ، ثم ليغسله سبع مرار رواه مسلم ، وهذا نص في وجوب إراقته وإتلافه وذلك ظاهر في نجاسته فلولا النجاسة لم تجز إراقته وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : طهور إناء أحدكم ظاهر في نجاسته كما أوضحناه في مسألة نجاسة الكلب . وأما الجواب عما احتج به لأبي حنيفة فهو أنه حديث ضعيف بإتفاق الحفاظ لأن راوية عبد الوهاب مجمع على ضعفه وتركه ، قال الإمام العقيلي والدراقطني : هو متروك الحديث ، وهذه العبارة هي أشد العبارات توهينا وجرحا بإجماع أهل الجرح والتعديل .

Section V02/P533–V02/P534

وقال البخاري في تاريخه : عنده عجائب وهذه أيضا من أوهن العبارات ، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم إمام هذا الفن : قال أبي : كان عبد الوهاب يكذب قال : وحدث بأحاديث كثيرة موضوعة فخرجت إليه فقلت له : ألا تخاف الله عز وجل فضمن لي أن لا يحدث فحدث بها بعد ذلك . وأقوال أئمة هذا الفن فيه بنحو ما ذكرته مشهورة ، وإنما بسطت الكلام في هذا الرجل لأن مدار الحديث عليه ومدار مذهبهم عليه فأردت إيضاح الحديث وراويه فقد يقال : لا يقبل الجرح إلا مفسرا ففسرته وأما إسماعيل بن عياش فمتفق على ضعفه في روايته عن الحجازيين واختلف في قبول روايته عن الشاميين ، وقد روى هذا الحديث عن هشام بن عروة ومعلوم أنه حجازي فلا يحتج به ولو لم يكن في الحديث سبب آخر يضعفه وكيف وفيه عبد الوهاب الذي حاله ما وصفناه ، وأما قياسهم على سائر النجاسات فلا يلتفت إليه مع هذه السنن الصحيحة المتظاهرة على مخالفته . فإن قال قائل منهم : حديثكم رواه أبو هريرة وقد أفتى بغسله ثلاثا . فالجواب من وجهين أحسنهما : أن هذا ليس بثابت عنه فلا يقبل دعوى من نسبه إليه ، بل قد نقل ابن المنذر عنه وجوب الغسل سبعا كما قدمناه . وقد علم كل منصف ممن له أدنى عناية أن ابن المنذر إمام هذا الفن أعني نقل مذاهب العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم ، وأن معول الطوائف في نقل المذاهب عليه . الجواب الثاني : أن عمل الراوي وفتواه بخلاف حديث رواه ليس بقادح في صحته ولا مانع من الاحتجاج به عند الجمهور من الفقهاء والمحدثين والأصوليين ، وإنما يرجع إلى قول الراوي عند الشافعي وغيره من المحققين إذا كان قوله تفسيرا للحديث ليس مخالفا لظاهره ، ومعلوم أن هذا لا يجىء في مسألتنا ، فكيف نجعل السبع ثلاثا وأما الجواب عما احتج به أحمد وهو أن المراد اغسلوه سبع مرار إحداهن بماء وتراب فيكون التراب مع الماء بمنزلة الغسلتين ، وهذا التأويل محتمل فيقال به للجمع بين الروايات ، فإن الروايات المشهورة سبع مرات فإذا أمكن حمل هذه الرواية على موافقتها صرنا إليه ، وأما الجواب عما احتج به الأوزاعي ومالك فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على الأمر بإراقته وإتلافه فوجب العمل به والله أعلم .

Section V02/P534–V02/P535

قال المصنف رحمه الله تعالى : والأفضل أن يجعل التراب في غير السابعة ليرد عليه ما ينظفه ، وفي أيها جعل جاز لعموم الخبر . + الشرح : هذا الذي قاله متفق عليه عندنا ، ونقل القاضي أبو الطيب أن الشافعي نص في حرملة أنه يستحب جعل التراب في الأولى ، وكذا قاله أصحابنا وهو موافق لرواية مسلم التي قدمناها فالحاصل أنه يستحب جعل التراب في الأولى فإن لم يفعل ففي غير السابعة أولى فإن جعله في السابعة جاز ، وقد جاء في روايات في الصحيح سبع مرات ، وفي رواية سبع مرات أولاهن بالتراب ، وفي رواية أخراهن بدل أولاهن ، وفي رواية سبع مرات السابعة بتراب ، وفي رواية سبع مرات وعفروه الثامنة في التراب ، وقد روى البيهقي وغيره هذه الروايات كلها وفيه دليل على أن التقييد بالأولى وغيرها ليس للاشتراط ، بل المراد إحداهن ، وهو القدر المتيقن من كل الروايات والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن جعل بدل التراب الجص أو الأشنان وما أشبههما ففيه قولان أحدهما : لا يجزئه لأنه تطهير ، نص فيه على التراب فاختص به كالتيمم والثاني : يجزئه لأنه تطهير نجاسة نص فيه على جامد ، فلم يختص به كالإستنجاء والدباغ ، وفي موضع القولين وجهان أحدهما : ( أن القولين ) في حال عدم التراب : فأما مع وجود التراب فلا يجوز بغيره قولا واحدا والثاني : ( أن القولين ) في الأحوال كلها ( لأنه جعله في أحد القولين كالتيمم وفي الآخر جعله كالاستنجاء والدباغ وفي الأصلين جميعا لا فرق بين وجود المنصوص عليه وبين عدمه . + الشرح : قوله : بدل التراب منصوب على الظرف ، والجص بكسر الجيم وفتحها وهو معروف وقد سبق بيانه في باب المياه ، والأشنان بضم الهمزة وكسرها لغتان حكاهما أبو عبيدة والجواليقي وغيرهما وهو معرب وهو بالعربية حرض ، وقد أوضحته في تهذيب الأسماء و اللغات . أما حكم المسألة : فحاصل المنقول فيها أربعة أقوال رابعها مخرج أظهرها عند الرافعي وغيره من المحققين لا يقوم غير التراب مقامه . والثاني : يقوم وصححه المصنف في التنبيه والشاشي . والثالث : يقوم عند عدم التراب دون وجوده . والرابع : يقوم فيما يفسده التراب كالثياب دون الأواني ونحوها ، ودلائل الأقوال ظاهرة مما ذكره المصنف والإحترازات أيضا ظاهرة والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن غسل بالماء وحده ففيه وجهان أحدهما : يجزئه لأن الماء أبلغ من من التراب فهو بالجواز أولى والثاني : لا يجزئه لأنه أمر بالتراب ، ليكون معونة للماء لتغليظ النجاسة وهذا لا يحصل بالماء وحده . + الشرح : صورة المسألة أن يغسل بالماء وحده ثمان مرات ، فهل يجزئه وتقوم الثامنة مقام التراب فيه هذان الوجهان وهما مشهوران ، الصحيح لا يقوم وقد ذكر دليلهما ولكن دليل الأول فاسد جدا ، وفيه وجه ثالث أنه يقوم عند عدم التراب دون وجوده وطردوا الخلاف فيما لو غمس الإناء أو الثوب في ماء كثير والأصح أنه لا يكفي ، بل لا بد من التراب والله أعلم .

Section V02/P535–V02/P537

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن ولغ كلبان فوجهان أحدهما : يجب لكل كلب سبع مرات كما أمر في بول رجل بذنوب ، ثم يجب في بول رجلين ذنوبان والثاني : يجزئه في الجميع سبع مرات ، وهو المنصوص في حرملة لأن النجاسة لا تتضاعف بعدد الكلاب بخلاف البول . + الشرح : إذا تكرر الولوغ من كلب أو كلاب فثلاثة أوجه الصحيح : المنصوص أنه يكفي للجميع سبع ، لأن النجاسة على النجاسة من جنسها لا أثر لها كما سنذكره إن شاء الله تعالى فيما إذا ولغ كلب في إناء ثم وقع فيه نجاسة ، وقولنا : من جنسها احتراز مما إذا وقع فيه نجاسة ثم ولغ فيه كلب فإنها تؤثر فيجب غسله سبعا بعد أن كان مرة . والثاني : يجب لكل ولغة سبع إحداهن بالتراب لأنه يصدق عليه أنه ولغ فيه كلب فصار كما لو غسله ثم ولغ فيه والثالث : أنه إن كان تعدد الولوغ من كلب كفى سبع لجميع ولغاته وإن تعددت الكلاب وجب لكل كلب سبع حكاه صاحب الحاوي وغيره ، وقوله : كما أمر في بول رجل بذنوب ، ثم يجب في بول رجلين ذنوبان كلام عجيب ، لأنه جعله عمدة الدليل ، ولم ينكر عليه المصنف عند احتجاجه للوجه الثاني ، بل سلمه وقرره وذكر الفرق مع أنه ذكر بعد أسطر أن التقدير في بول الرجلين بذنوبين ضعيف ، وسنوضح المسألة هناك إن شاء الله تعالى ، والذنوب بفتح الذال المعجمة هي الدلو الممتلئة ماء ، هذا قول الأكثرين ، وقال ابن السكيت : هي التي فيها قريب من المد وفيها لغتان التأنيث والتذكير ، والتأنيث أفصح وجمعها في القلة أذنبة وفي الكثرة ذنايب كقلوص وقلايص والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن ولغ ( الكلب ) في إناء ووقعت فيه نجاسة أخرى أجزأه سبع مرات للجميع لأن النجاسات تتداخل ، ولهذا لو وقع فيه بول ودم أجزأه لهما غسل مرة واحدة . + الشرح : هذا الذي قاله متفق عليه ونص عليه في حرملة . قال : ولو غسله مرة ثم وقعت فيه نجاسة غسله ستا والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أصاب الثوب من ماء الغسلات ففيه وجهان أحدهما : يغسل من كل غسله مرة ، لأن كل غسل يزيل سبع النجاسة والثاني : حكمه حكم الإناء الذي انفصل عنه ، لأن المنفصل كالبلل الباقي في الإناء ، وذلك لا يطهر إلا بما بقي من العدد فكذلك المنفصل ، وأن جمع ماء الغسلات ففيه وجهان : أحدهما : الجميع طاهر لأنه ماء انفصل من الإناء وهو طاهر . والثاني أنه نجس ، وهو الصحيح ، لأن السابعة طاهرة والباقي نجس ، فإذا اختلط ولم يبلغ قلتين وجب أن يكون نجسا . + الشرح : قد سبق بيان حكم غسالة نجاسة الكلب وغيره في باب ما يفسد الماء من الاستعمال . ونعيد منه هنا ما يتعلق بما ذكره المصنف مختصرا ، فإذا انفصلت غسالة ولوغ الكلب متغيرة بالنجاسة فهي نجسة قطعا ، وإن انفصلت غير متغيرة فثلاثة أوجه أو أقوال كما سبق . أحدها : أنها طاهرة ، والثاني : نجسة ، والثالث وهو الأصح : إن كانت غير الأخيرة فنجسة ، وإن كانت الأخيرة فطاهرة تبعا للمحل المنفصل عنه ، فإن قلنا بهذا فجمعت السابعة إلى الست ولم تبلغ قلتين فوجهان . أحدهما : الجميع طاهر لأن الإناء محكوم بطهارته الآن . والثاني : وهو الصحيح : أن الجميع نجس لما ذكره المصنف ، ولو أصاب شيء من ماء غسله ثوبا فإن قلنا : إنها طاهرة ، فالثوب طاهر ولا أثر لها ، أما إن قلنا : نجسة تنجس الثوب ، وفيما يكفي في غسل ذلك الثوب أوجه أصحها له حكم ذلك المحل بعد هذه الغسلة فيجب له حكمه قبل هذه الغسلة ، فيجب بعدد غسله ، فيجب غسله بعدد ما بقي ، ويجب التتريب إن كان لم يترب والثاني : له حكمه قبل هذه الغسلة فيجب بعدد ما كان قبلها ، والتتريب إن كان لم يتقدمها والثالث : يكفيه غسلة واحدة ، وقد ذكر المصنف دليله .

Section V02/P537–V02/P538

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن ولغ الخنزير ، فقد قال ابن القاص : قال في القديم : يغسل مرة . وقال سائر أصحابنا : يحتاج إلى سبع مرات . وقوله في القديم مطلق لأنه قال : يغسل وأراد به سبع مرات ، والدليل عليه أن الخنزير أسوأ حالا من الكلب ( على ما بنياه ) ، فهو باعتبار العدد أولى . + الشرح : حاصل ما ذكره أن في ولوغ الخنزير طريقين أحدهما : فيه قولان وهي طريقة ابن القاص أحدهما : يكفي مرة بلا تراب كسائر النجاسات والثاني : يجب سبع مع التراب . والطريق الثاني : يجب سبع قطعا ، وبه قال الجمهور ، وتأولوا نصه في القديم كما أشار إليه المصنف . وأعلم أن الراجح من حيث الدليل أنه يكفي غسلة واحدة بلا تراب ، وبه قال أكثر العلماء الذين قالوا بنجاسة النخزير . وهذا هو المختار لأن الأصل عدم الوجوب حتى يرد الشرع ، لا سيما في هذه المسألة المبنية على التعبد ، وممن قال يجب غسله سبعا أحمد ومالك في رواية عنه . قال صاحب العدة : ويجري هذا الخلاف الذي في الخنزير فيما أحد أبويه كلب أو خنزير . وذكر صاحب التلخيص في المتولد بين الكلب والخنزير قولين ، وهذا صحيح لأن الشرع إنما ورد في الكلب وهذا المتولد لا يسمى كلبا . فرع في مسائل مهمة تتعلق بالولوغ مختصرة جدا إحداها : قال أصحابنا : لا فرق بين ولوغ الكلب وغيره من أجزائه ، فإذا أصاب بوله أو روثه أو دمه أو عرقه أو شعره أو لعابه أو عضو منه شيئا طاهرا مع رطوبة أحدهما وجب غسله سبعا إحداهن بالتراب ، وقد ذكر المصنف هذا في أوائل مسائل الولوغ . وقيل : يكفي غسله في غير الولوغ مرة كسائر النجاسات ، حكاه المتولي والرافعي وغيرهما ، وهذا الوجه متجة وقوي من حيث الدليل ، لأن الأمر بالغسل سبعا من الولوغ إنما كان لينفرهم عن مؤاكلة الكلب ، وهذا مفقود في غير الولوغ ، والمشهور في المذهب أنه يجب سبعا مع التراب ، وبه قطع الجمهور لأنه أبلغ في التنفير من مقاربتها واقتنائها والله أعلم . الثانية : لا يكفي التراب النجس على أصح الوجهين لأنه ليس بطهور ، والثاني : يكفي لأن الغرض الاستظهار به . الثالثة : لو تنجست أرض ترابية بنجاسة الكلب كفى الماء وحده سبع مرات من غير تراب أجنبي على أصح الوجهين إذ لا معنى لتتريب التراب . الرابعة : قال أصحابنا : لا يكفي في استعمال التراب ذره على المحل بل لا بد من ماء يمزجه به ليصل التراب بواسطته إلى جميع أجزاء المحل ويتكدر به وسواء طرح الماء على التراب أو التراب على الماء أو أخذ الماء الكدر من موضع وغسل به ولا يجب إدخال اليد في الإناء ، بل يكفي أن يلقيه في الإناء ويحركه . وحكى صاحب الحاوي في قدر التراب الواجب وجهين أحدهما : ما يقع عليه الاسم والثاني : ما يستوجب محل الولوغ قال صاحب البحر : هذا هو المشهور . الخامسة : لو غسله ستا بالماء ثم مزج التراب بماء ورد أو خل ونحوه من المائعات وغسله بها السابعة لم يكفه على الصحيح وفيه وجه مشهور عند الخراسانيين أنه يكفي وهو خطأ ظاهر كما لو غسل السبع بخل وتراب فإنه لا يجزىء بالإتفاق . السادسة : لو ولغ الكلب في إناء فيه طعام جامد ألقي ما أصابه وما حوله وبقي الباقي على طهارته السابقة وينتفع به كما في الفأرة تموت في السمن ونحوه . قال أصحابنا : وممن صرح به صاحبا الشامل و البيان وآخرون . قال أصحابنا : ضابط الجامد أنه إذا أخذ منه قطعة لا يتراد من الباقي ما يملأ موضع القطعة على القرب فإن تراد فهو مائع .

Questions