Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V03/P141–V03/P142

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا كان على بدنه نجاسة غير معفو عنها ولم يجد ما يغسلها به صلى وأعاد ، كما قلنا فيمن لم يجد ماء ولا ترابا ، وإن كان على قرحه دم يخاف من غسله صلى وأعاد ، وقال في القديم : لا يعيد لأنه نجاسة يعذر في تركها فسقط معها الفرض كأثر الاستنجاء ، والأول أصح لأنه صلى بنجس نادر غير متصل فلم يسقط معه الفرض كما لو صلى بنجاسة نسيها . + الشرح : القرح بفتح القاف وضمها لغتان وقوله : ( صلى بنجس نادر ) احتراز من أثر الإستنجاء ، وقوله : ( غير متصل ) احتراز من دم المستحاضة . أما حكم المسألة : فإذا كان على بدنه نجاسة غير معفو عنها وعجز عن إزالتها وجب أن يصلي بحاله لحرمة الوقت لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم رواه البخاري ومسلم . وتلزمه الإعادة لما ذكره المصنف ، وقد سبق في باب التيمم قول غريب أنه لا تجب الإعادة في كل صلاة أمرناه أن يصليها على نوع خلل . أما إذا كان على قرحه دم يخاف من غسله وهو كثير بحيث لا يعفى عنه ففي وجوب الإعادة القولان اللذان ذكرهما المصنف الجديد الأصح : وجوبها والقديم : لا يجب وهو مذهب أبي حنيفة ومالك و أحمد والمزني وداود ، والمعتبر في الخوف ما سبق في باب التيمم . وقوله ( كما لو صلى بنجاسة نسيها ) هذا على طريقته وطريقة العراقيين أن من صلى بنجاسة نسيها تلزمه الإعادة قولا واحدا ، وإنما القولان عندهم فيمن صلى بنجاسة جهلها فلم يعلمها قط ، وعند الخراسانيين في الناسي خلاف مرتب على الجاهل ، وسنوضحه قريبا حيث ذكره المصنف إن شاء تعالى .

Section V03/P142–V03/P143

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن جبر عظمه بعظم نجس فإن لم يخف التلف من قلعه لزمه قلعه لأنه نجاسة غير معفو عنها وصلها إلى موضع يلحقه حكم التطهير لا يخاف التلف من إزالتها ، فأشبه إذا وصلت المرأة شعرها بشعر نجس ، فإن امتنع من قلعه أجبره السلطان على قلعه لأنه معمق عليه تدخله النيابة فإذا امتنع لزم السلطان أن يفعله أن كرد المغصوب ، وإن خاف التلف من قلعه لم يجب قلعه ومن أصحابنا من قال : يجب لأنه حصل بفعله وعدوانه فانتزع منه ، وإن خيف عليه التلف كما لو غصب مالا ولم يمكن انتزاعه منه إلا بضرب يخاف منه التلف ، والمذهب الأول لأن النجاسة يسقط حكمها عند خوف التلف ، ولهذا يحل أكل الميتة عند خوف التلف فكذلك ههنا ، وإن مات فقد قال أبو العباس : يقلع حتى لا يلقى الله تعالى حاملا للنجاسة ، والمنصوص أنه لا يقلع لأن قلعه عبادة ، وقد سقطت العبادة عنه بالموت وإن فتح موضعا من بدنه وطرح فيه دما والتحم وجب فتحه وإخراجه كالعظم . وإن شرب خمرا فالمنصوص في صلاة الخوف أنه يلزمه أن يتقيأ لما ذكرناه في العظم ، ومن أصحابنا من قال : لا يلزمه لأنه النجاسة حصلت في معدنها فصار كالطعام الذي أكله وحصل في المعدة . + الشرح : إذا انكسر عظمه فينبغي أن يجبره بعظم طاهر قال أصحابنا : ولا يجوز أن يجبره بنجس مع قدرته على طاهر يقوم مقامه ، فإن جبره بنجس نظر إن كان محتاجا إلى الجبر ولم يجد طاهرا يقوم مقامه فهو معذور ، وإن لم يحتج إليه ووجد طاهرا يقوم مقامه أثم ووجب نزعه إن لم يخف منه تلف نفسه ولا تلف عضو ولا شيئا من الأعذار المذكورة في التيمم ، فإن لم يفعل أجبره السلطان ولا تصح صلاته معه ، ولا يعذر بالألم الذي يجده إذا لم يخف منه ، وسواء اكتسى العظم لحما أم لا ، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور لأنها نجاسة أجنبية حصلت في غير معدنها وفيه وجه شاذ ضعيف أنه إذا اكتسى اللحم لا ينزع وإن لم يخف الهلاك ، حكاه الرافعي ومال إليه إمام الحرمين والغزالي ، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك . وإن خاف من النزع هلاك النفس أو عضو أو فوات منفعة عضو لم يجب النزع على الصحيح من الوجهين ودليلهما في الكتاب . قال صاحب التتمة وغيره : لو لم يخف التلف وخاف كثرة الألم وتأخر البرء وقلنا : لو خاف التلف لم يجب النزع فهل يجب هنا فيه وجهان بناء على القولين في نظيره في التيمم وحيث أوجبنا النزع فتركه لزمه إعادة كل صلاة صلاها معه قولا واحدا لأنه صلى بنجاسة متعمدا ، ومتى وجب النزع فمات قبله لم ينزع على الصحيح المنصوص ، وفيه وجه أبي العباس ودليلهما في الكتاب وهما جاريان سواء استتر باللحم أم لا وقيل : إن استتر لم ينزع وجها واحدا ، فإذا قلنا ينزع فهل النزع واجب أم مستحب فيه وجهان حكاهما الرافعي الصحيح أنه واجب وبه قطع صاحب الحاوي . فرع : مداواة الجرح بدواء نجس وخياطته بخيط نجس كالوصل بعظم نجس ، فيجب النزع حيث يجب نزع العظم ، ذكره المتولي والبغوي وآخرون وكذا لو فتح موضعا من بدنه وطرح فيه دما أو نجاسة أخرى أو وشم يده أو غيرها فإنه ينجس عند الغرز فله حكم العظم . هذا هو الصحيح المشهور ، قال الرافعي : وفي تعليق الفراء أنه يزال الوشم بالعلاج فإن لم يمكن إلا بالجرح لا يجرح ولا إثم عليه بعد التوبة .

Section V03/P143–V03/P144

فرع : إذا شرب خمرا أو غيرها من النجاسات ، قال الشافعي رحمه الله في البويطي في باب صلاة الخوف : وإن أكره على أكل محرم فعليه أن يتقايأه هذا نصه في البويطي وقال في الأم : ولو أسر رجل فحمل على شرب محرم أو أكل محرم وخاف إن لم يفعله فعليه أن يتقايأه إن قدر عليه ، وهذان النصان ظاهران أو صريحان في وجوب الاستقاءة لمن قدر عليها ، وبهذا قال أكثر الأصحاب ، وصححه صاحبا الشامل والمستظهري ، وفيه وجه أنه لا يجب بل يستحب وصححه القاضي أبو الطيب ولا فرق بين المعذور في الشرب وغيره كما نص عليه . فرع : لو انقلعت سنه فردها موضعها ، قال أصحابنا العراقيون : لا يجوز لأنها نجسة وهذا بناء على طريقتهم أن عضو الآدمي المنفصل في حياته نجس وهو المنصوص في الأم ، ولكن المذهب طهارته وهو الأصح عبد الخراسانيين ، وقد سبق إيضاحه في باب إزالة النجاسة ، فلو تحركت سنه فله أن يربطها بفضة وذهب وهي طاهرة بلا خلاف ، وصرح به الماوردي والقاضي أبو الطيب والمحاملي وسائر الأصحاب . فرع : قال الشافعي رضي الله عنه في المختصر : ولا تصل المرأة بشعرها شعر إنسان ولا شعر ما لا يؤكل لحمه بحال ، قال أصحابنا : إذا وصلت شعرها بشعر آدمي فهو حرام بلا خلاف سواء كان شعر رجل أو إمرأة وسواء شعر المحرم والزوج وغيرهما بلا خلاف ، لعموم الأحاديث الصحيحة في لعن الواصلة والمستوصلة ، ولأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته ، بل يدفن شعره وظفره وسائر أجزائه ، وإن وصلته بشعر غير آدمي فإن كان شعرا نجسا وهو شعر الميتة وشعر ما لا يؤكل إذا انفصل في حياته فهو حرام أيضا بلا خلاف للحديث لأنه حمل نجاسة في الصلاة وغيرها عمدا وسواء في هذين النوعين المرأة المزوجة وغيرها من النساء والرجال . وأما الشعر الطاهر من غير الآدمي فإن لم يكن لها زوج ولا سيد فهو حرام أيضا على المذهب الصحيح ، وبه قطع الدارمي و القاضي أبو الطيب والبغوي والجمهور ، وفيه وجه أنه مكروه قاله الشيخ أبو حامد وحكاه الشاشي ورجحه ، وحكاه غيره وجزم به المحاملي ، وهو شاذ ضعيف ، ويبطله عموم الحديث . وإن كان لها زوج أو سيد فثلاثة أوجه حكاها الدارمي وآخرون أصحها : عند الخراسانيين . وبه قطع جماعة منهم ، إن وصلت بإذنه جاز وإلا حرم والثاني : يحرم مطلقا والثالث : لا يحرم ولا يكره مطلقا ، وقطع الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وصاحب الحاوي والمحاملي وجمهور العراقيين بأنه يجوز بإذن الزوج والسيد ، قال صاحب الشامل : قال أصحابنا : إن كان لها زوج أو سيد جاز لها ذلك وإن لم يكن زوج ولا سيد كره . فهذه طريقة العراقيين ، والصحيح ما صححه الخراسانيون ، وقول من قال بالتحريم مطلقا أقوى لظاهر إطلاق الأحاديث الصحيحة ، قال صاحب التهذيب : وتحمير الوجه والخضاب بالسواد وتطريف الأصابع حرام بغير إذن الزوج ، وبإذنه وجهان أصحهما : التحريم . وقال الرافعي : تحمير الوجنة إن لم يكن لها زوج ولا سيد أو فعلته بغير إذنه فحرام ، وإن كان بإذنه فجائز على المذهب ، وقيل وجهان كالوصل قال : وأما الخضاب بالسواد وتطريف الأصابع فألحقوه بالتحمير . قال إمام الحرمين : ويقرب منه تجعيد الشعر ، ولا بأس بتصفيف الطرر وتسوية الأصداغ ، وأما الخضاب الحناء فمستحب للمرأة المزوجة في يديها ورجليها تعميما لا تطريفا ويكره لغيرها ، وقد أطلق البغوي وآخرون استحباب الخضاب للمرأة ومرادهم المزوجة .

Section V03/P144–V03/P146

وأما الرجل فيحرم عليه الخضاب إلا لحاجة لعموم الأحاديث الصحيحة في نهي الرجال عن التشبه بالنساء ، وقد تقدمت هذه المسألة بأدلتها في آخر باب السواك ، وأما الوشم والوشر وهو تحديد الأسنان محرم على المرأة والرجل ، ويستحب للمزوجة الخلوق ويكره للرجل ، وقد سبق هذا في باب السواك ، ومما جاء من الأحاديث الصحيحة في الوشم والوصل والوشر وغيرها حديث أسماء رضي الله عنها : أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن ابنتي أصابتها الحصبة فتمرق شعرها وإني زوجتها أفأصل فيه فقال : لعن الله الواصلة والموصولة رواه البخاري ومسلم ، وفي الصحيحين عن عائشة نحوه . قولها ( تمرق ) هو بالراء المهملة ، يعني انتثر وسقط . وعن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية على المنبر وتناول قصة من شعر كانت في يد حرسي فقال : يا أهل المدينة أين علماؤكم سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذه ويقول : إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم رواه البخاري ومسلم . وعن ابن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة رواه البخاري ومسلم . وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : ( لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن ، المغيرات خلق الله ، فقالت له إمرأة في ذلك ، فقال : وما لي لا ألعن من لعنه صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا رواه البخاري ومسلم : المتفلجة التي تبرد من أسنانها ليتباعد بعضها عن بعض وتحسنها وهو الوشر ، والنامصة التي تأخذ من شعر الحاجب وترققه ليصير حسنا ، والمتنمصة التي تأمر من يفعل ذلك بها . فرع : هذا الذي ذكرناه من تحريم الوصل في الجملة هو مذهبنا ومذهب جماهير العلماء ، وحكى القاضي عياض عن طائفة جوازه ، وهو مروي عن عائشة رضي الله عنها قال : ولا يصح عنها بل الصحيح عنها كقول الجمهور ، قال : والوصل بالصوف والخرق كالوصل بالشعر عند الجمهور ، وجوزه الليث بن سعد بغير الشعر ، والصحيح الأول لحديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر أن تصل المرأة برأسها شيئا رواه مسلم . وهذا عام في كل شيء . فأما ربط الشعر بخيوط الحرير الملونة ونحوها مما لا يشبه الشعر فليس بمنهي عنه . وأشار القاضي إلى نقل الإجماع فيه لأنه ليس بوصل ، ولا هو في معنى مقصود الوصل ، وإنما هو للتجمل والتحسين . فرع : ذكر القاضي عياض أن وصل الشعر من المعاصي الكبائر للعن فاعله .

Section V03/P146–V03/P147

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما طهارة الثوب الذي يصلي فيه فهي شرط في صحة الصلاة ، والدليل عليه قوله تعالى : وثيابك فطهر فإن كان على ثوبه نجاسة غير معفو عنها ولم يجد ماء يغسلها به صلى عريانا ولا يصلي في الثوب النجس . قال في البويطي . وقد قيل يصلي فيه ويعيد ، والمذهب الأول لأن الصلاة مع العري يسقط بها الفرض ، ومع النجاسة لا يسقط ( لأنه تجب إعادتها ) فلا يجوز أن تترك صلاة يسقط بها الفرض إلى صلاة لا يسقط بها الفرض . + الشرح : طهارة الثوب شرط لصحة الصلاة ، ودليله ما ذكره المصنف وما سبق في أول الباب فإن لم يقدر إلا على ثوب عليه نجاسة لا يعفى عنها ولم يقدر على غسله فطريقان أحدهما : يصلي عريانا وأشهرهما على قولين : أصحهما : يجب عليه أن يصلي عريانا والثاني : يجب أن يصلي فيه ، ودليلهما في الكتاب . فإن قلنا : يصلي عريانا فلا إعادة ، وإن قلنا : يصلي فيه وجبت الإعادة ، ولو كان معه ثوب طاهر ولم يجد إلا موضعا نجسا فوجهان مشهوران في الإبانة وغيره أصحهما : يجب أن ينزعه فيبسطه ويصلي عليه ولا إعادة والثاني : يصلي فيه على النجاسة ويعيد ، ووجههما ما سبق ، ولو لم يجد إلا ثوب حرير فوجهان أصحهما : يجب أن يصلي فيه لأنه طاهر يسقط الفرض به ، إنما يحرم في غير محل الضرورة والثاني : يصلي عاريا لأنه عادم لسترة شرعية ، ولا إعادة لما ذكرنا ، ويلزمه لبس الثوب النجس والحرير في غير الصلاة للستر عن الأعين ، وكذا في الخلوة إذا أوجبنا الستر فيها . فرع : لو كان معه ثوب طرفه نجس وليس معه ماء يغسله به وأمكنه قطع موضع النجاسة فإن كان ينقص بالقطع قدر أجرة مثل السترة لزمه قطعه ، وإن كان أكثر فلا يلزمه ، ذكره المتولي وآخرون . فرع في مذاهب العلماء فيمن لم يجد إلا ثوبا نجسا قد ذكرنا أن الصحيح في مذهبنا أنه يصلي عاريا ولا إعادة عليه ، وبه وقال أبو ثور . وقال مالك والمزني : يصلي فيه ولا يعيد ، وقال أحمد : يصلي فيه ويعيد . وقال أبو حنيفة : إن شاء صلى فيه وإن شاء عريانا ولا إعادة في الحالين . قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن اضطر إلى لبس الثوب لحر أو برد صلى فيه وأعاد إذا قدر ، لأنه صلى بنجس نادر غير متصل فلا يسقط معه الفرض وكما لو صلى بنجاسة نسيها . + الشرح : قوله : نادر احترازا من دم البراغيث ونحوه ، قوله : غير متصل إحترازا من دم الاستحاضة وسلس البول ونحوهما ، وإذا اضطر إلى لبس الثوب النجس لحر أو برد أو غيرهما صلى فيه للضرورة ويلزمه الإعادة لما ذكره .

Section V03/P147

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن قدر على غسله وخفي عليه موضع النجاسة لزمه أن يغسل الثوب كله ولا يتحرى فيه ، لأن التحري إنما يكون في عينين ( فإذا أداه إجتهاده إلى طهارة أحدهما رده إلى أصله وأنه طاهر بيقين ، وهذا لا يوجد في الثوب الواحد ) فإن شقه نصفين لم يتحر فيه لأنه يجوز أن يكون الشق في موضع النجاسة فتكون القطعتان نجستين . + الشرح : هاتان المسألتان متفق عليهما كما ذكره المصنف إلا أن صاحب البيان حكى فيما إذا خفي موضع النجاسة من الثوب وجها عن ابن سريج أنه إذا غسل بعضه كفاه ويصلي فيه ، لأنه يشك بعد ذلك في نجاسته والأصل طهارته ، وهذا ليس بشيء لأنه تيقن النجاسة في هذا الثوب وشك في زوالها ، وهذا الذي ذكرناه من وجوب غسل جميعه هو إذا احتمل وجود النجاسة في كل موضع منه فلو علم أنها كانت في مقدمه وجهل موضعها وعلم أنها ليست في مؤخره وجب غسل مقدمه فقط ، فلو أصابت يده المبتلة بعض هذا الثوب قبل غسله لم يحكم بنجاسة اليد لاحتمال أن الذي أصابته طاهر صرح به البغوي وغيره .

Section V03/P147–V03/P149

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان معه ثوبان طاهر ونجس واشتبها تحرى وصلى في الطاهر على الأغلب عنده لأنه شرط من شروط الصلاة يمكن التوصل إليه بالاجتهاد فجاز التحري فيه كالقبلة ، فإن اجتهد فلم يؤده الاجتهاد إلى طهارة أحدهما صلى عريانا وأعاد لأنه صلى ومعه ثوب طاهر بيقين ، وإن أداه الاجتهاد إلى طهارة أحدهما ونجاسة الآخر فغسل النجس عنده جاز أن يصلي في كل واحد منهما ، فإن لبسهما معا وصلى فيهما ففيه وجهان . قال أبو إسحاق تلزمه الإعادة لأنهما صارا كالثوب الواحد وقد تيقن حصول النجاسة وشك في زوالها ، لأنه يحتمل أن يكون الذي غسله هو الطاهر فلم تصح صلاته ، كالثوب الطاهر الواحد إذا أصابته نجاسة وخفي عليه موضعها فتحرى وغسل موضع النجاسة بالتحري وصلى فيه . وقال أبو العباس : لا إعادة عليه لأنه صلى في ثوب طاهر بيقين وثوب طاهر في الظاهر ، فهو كما لو صلى في ثوب اشتراه لا يعلم حاله وثوب غسله ، فإن كانت النجاسة في أحد الكمين واشتبه فوجهان ، قال أبو إسحاق : لا يتحرى لأنه ثوب واحد . وقال أبو العباس : يتحرى لأنهما عينان متميزتان هما كالثوبين ، فإن فصل أحد الكمين جاز التحري فيه بلا خلاف . + الشرح : فيه مسائل إحداها : إذا اشتبه ثوب طاهر بثوب نجس لزمه التحري فيهما ويصلي في الذي يؤدي اجتهاده إلى طهارته ، وهذا مذهبنا ، وفيه خلاف للسلف سبق بيانه بأدلته في باب التحري في الماء ، وسواء كان عدد الطاهر أكثر أو أقل ، حتى لو اشتبه عشرة ثياب أحدها طاهر والباقي نجس اجتهد ، ولو كان معه ثوبان طاهر ونجس واشتبها ومعه ثالث طاهر بيقين أو معه ما يمكن به غسل ثوب هل له الإجتهاد فيه الوجهان السابقان في مثله في الأواني أصحهما الجواز ووجه ثالث حكاه المتولي يجوز الاجتهاد إذا كان معه ماء يغسل به ، ولا يجوز إذا كان معه ثالث لأن عليه ضررا في إتلاف الماء بخلاف الثوب ، والأصح الجواز مطلقا . وقول المصنف لأنه شرط من شروط الصلاة إلى آخره ، فيه احترازات سبق بيانها في باب الشك في نجاسة الماء ، وقوله : شرط هو الصواب بخلاف قوله هناك لأنه سبب ، وقد نبهنا على هذا هناك ، وقاس على القبلة لأنه مجمع على الاجتهاد فيها مع أن جهات الخطأ فيها أكثر من جهة الصواب . الثانية : إذا اجتهد فتحير ولم يظهر له بالاجتهاد شيء لزمه أن يصلي عريانا لحرمة الوقت ، ويلزمه الإعادة لأنه صلى عريانا ومعه ثوب طاهر . وعذره نادر غير متصل ، هذا هو الصحيح المشهور ، وفيه قول أنه يجب أن يصلي في أحدهما وهو القول الضعيف الذي أشار إليه في البويطي ، كما سبق أنه إذا لم يجد إلا ثوبا نجسا صلى فيه وأعاد لئلا يكشف عورته ، وفيه وجه غريب حكاه صاحبا الحاوي والبيان أنه يصلي تلك الصلاة في كل ثوب مرة ، ولا إعادة حينئذ ، وهذا ليس بشيء لأنه أمر بالصلاة بنجاسة بيقين والمذهب أنه يصلي عريانا ويعيد . هذا إذا لم يكن معه ماء يغسل به أحدهما ، فإن كان وجب عليه غسل أحدهما ، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور . وحكى المتولي وجها أنه لا يلزمه الغسل ، لأن الثوب الذي يريد غسله لا يتيقن نجاسته ولا يمكن إيجاب غسل ما لا يعلم نجاسته وهذا خيال عجيب وخطأ ظاهر ، وإنما أذكر مثله لأبين بطلانه ، وقد قال صاحب الشامل في جواب هذا ، إنما يجب غسل النجس لأنه لا يمكنه الصلاة إلا بغسله ، وهذا المعنى موجود هنا .

Section V03/P149–V03/P150

الثالثة : إذا أدى اجتهاده إلى طهارة أحدهما فغسل الآخر فله أن يصلي في كل واحد على الانفراد ولا خلاف في هذا إلا وجها أشار إليه المتولي أنه لا يجوز أن يصلي في الذي لم يغسله ، وهذا ليس بشيء فلو لبسهما معا وصلى ففيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما الجواز ، ولو كانت النجاسة في أحد كمين واشتبه ففي جواز الاجتهاد فيه الوجهان المذكوران في الكتاب بدليلهما أصحهما الجواز ، فلو فصل أحدهما جاز الاجتهاد فيهما بعد ذلك بلا خلاف ، لأنهما عينان متميزتان ، ويجري الوجهان فيما لو نجست إحدى يديه أو أحد أصابعه ، والأصح أنه لا يجوز الاجتهاد ، فلو اجتهد وغسل ما ظن نجاسته وصلى لم تصح على الأصح ولو غسل أحد كميه بالإجتهاد ثم فصله عن الثوب فجواز الصلاة فيما لم يغسله على الوجهين ، ولو أخبره ثقة بأن النجس هو هذا الكم فالمذهب أنه يقبل قوله ويغسله وحده ويصلي فيه ، وقال صاحب الحاوي فيه وجهان بناء على الوجهين في الإجتهاد فيهما إن جوزناه قبل قوله وإلا فلا ، لأنه تيقن النجاسة ولم يتيقن زوالها ، والصواب الأول . فرع : لو تلف أحد الثوبين المشتبهين قبل الاجتهاد ففي جواز الصلاة في الآخر وجهان كنظيره في الأناءين إذا تلف أحدهما ، حكاهما الدارمي والمتولي وغيرهما أصحهما لا يجوز ، ولو غسل أحد المشتبهين بغير اجتهاد فله الصلاة فيه ، وهل له الصلاة في الآخر ، قال المتولي : فيه هذان الوجهان لأن المغسول أسقط فيه الاجتهاد ، فصار كالتالف والصحيح أنه لا يجوز . فرع : إذا اشتبه ثوب طاهر بثوب نجس فلم يجتهد ، بل صلى في كل ثوب مرة تلك الصلاة ، قال المتولي وغيره : صلاته باطلة كما لو ترك الاجتهاد في القبلة وصلى أربع مرات إلى أربع جهات . وقال المزني : لا يجوز الاجتهاد ، بل يلزمه أن يصلي في كل ثوب مرة كمن نسي صلاة من صلاتين يلزمه فعلهما ، دليلنا : أنه شرط للصلاة فأشبه القبلة ، ويخالف مسألة الناسي من وجهين . أحدهما : أن الاشتباه هناك في نفس الصلاة فوجب اليقين بأن يصليهما ، والفرض هنا متعين ، والاشتباه في شرط فأشبه القبلة . الثاني : أن هناك لا يؤدي إلى ارتكاب حرام بل غايته أن يصلي صلاة ليست عليه فتقع نافلة ، وهنا يؤدي إليه لأن الصلاة مع النجاسة حرام . فرع : لو ظن بالاجتهاد طهارة ثوب من ثوبين أو أثواب وصلى فيه ثم دخل وقت صلاة أخرى ، هل يجدد الاجتهاد فيه وجهان أحدهما : وبه قطع المتولي يجدده ، كما يجدده في القبلة على الصحيح وأصحهما : وبه قطع صاحب الحاوي لا يجدده قال : ويخالف القبلة فإنها تتغير بتغير المواضع ويختلف إدراكها باختلاف الأحوال ، فلو اجتهد وقلنا الاجتهاد واجب أو غير واجب فإن لم يتغير اجتهاده أو ظهر له طهارة الذي كان يظن طهارته أولا صلى فيه ، وإن تغير اجتهاده فظهر له طهارة الآخر لم تلزمه إعادة الصلاة الأولى بلا خلاف ، وكيف يصلي الآن فيه وجهان مشهوران في الحاوي ، وتعليق القاضي أبي الطيب والتتمة وغيرها أصحهما : وهو الذي صححه المتولي وغيره يصلي في الثوب الثاني وهو الذي ظهر له الآن أنه الطاهر ولا إعادة عليه ، كما إذا تغير اجتهاده في القبلة يصلي إلى الجهة الثانية بخلاف ما إذا تغير اجتهاده في مسألة الأواني لأنه في الأواني إن توضأ بالثاني ولم يغسل ما أصابه من الأول صلى بنجاسة قطعا ، وإن ألزمناه بغسله نقضنا الاجتهاد بالاجتهاد ، وهذا ممتنع . والوجه الثاني : وهو الذي صححه القاضي أبو الطيب وصاحب الحاوي : لا يجوز أن يصلي في واحد من الثوبين ، بل يصلي عريانا وتلزمه الإعادة كمسألة الأواني وهذا ضعيف ، والصحيح الأول بخلاف الأواني فإنه يؤدي إلى الصلاة بنجاسة أو نقض اجتهاد باجتهاد .

Section V03/P150

أما إذا تيقن أن الذي صلى فيه أولا كان نجسا وتيقن أن الثاني طاهر فيصلي في الثاني ، وفي وجوب إعادة الصلاة الأولى طريقان حكاهما الدارمي أحدهما : القطع بالوجوب كمن صلى بنجاسة نسيها على طريقة العراقيين ، والثاني : وهو المذهب ، وبه قطع الأكثرون : فيه القولان فيمن صلى بنجاسة جهلها أصحهما الوجوب والله أعلم .

Section V03/P150–V03/P151

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان عليه ثوب طاهر وطرفه موضوع على نجاسة كالعمامة على رأسه وطرفها على أرض نجسة لم تجز صلاته لأنه حامل لما هو متصل بنجاسة . + الشرح : هذا الذي ذكره متفق عليه ، وسواء تحرك الطرف الذي يلاقي النجاسة بحركته في قيامه وقعوده وركوعه وسجوده ، أم لم يتحرك ، هذا مذهبنا لا خلاف فيه ، ولو سجد على طرف عمامته أن تحرك بحركته لم تصح صلاته ، وإن لم تتحرك صحت صلاته بلا خلاف ، والفرق أن المعتبر في النجاسة أن لا يكون ثوبه المنسوب إليه ملاقيا لنجاسة ، وهذه العمامة ملاقية ، وأما السجود فالمأمور به أن يسجد على قرار وإنما تخرج العمامة عن كونها قرارا بالحركة بحركته فإذا لم تتحرك فهي في معنى القرار ، هذا مذهبنا ، قال العبدري : وهو الصحيح من مذهب مالك و أحمد وداود ، وقال أبو حنيفة : إن تحركت حركته لم تصح وإلا فتصح . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان في وسطه حبل مشدود إلى كلب صغير لم تصح صلاته لأنه حامل للكلب لأنه إذا مشى انجر معه ، وإن كان مشدودا إلى كلب كبير ففيه وجهان ، أحدهما لا تصح صلاته لأنه حامل لما هو متصل بالنجاسة فهو كالعمامة على رأسه وطرفها على نجاسة ، والثاني : تصح لأن للكلب اختيارا وإن كان الحبل مشدودا إلى سفينة فيها نجاسة والشد في موضع طاهر من السفينة فإن كانت السفينة صغيرة لم يجز لأنه حامل للنجاسة ، وإن كانت كبيرة ففيه وجهان أحدهما : لا يجوز لأنها منسوبة إليه والثاني : يجوز لأنه غير حامل للنجاسة ولا لما هو متصل بالنجاسة فهو كما لو صلى والجل مشدود إلى باب دار فيها نجس . + الشرح : هذه المسائل عند جمهور الأصحاب كما ذكر ، ودلائلها واضحة ، والحاصل أنه إن شده إلى كلب صغير أو ميت لم تصح صلاته ، وإن شده إلى كلب كبير لم تصح أيضا على الأصح ، وإن شده إلى سفينة صغيرة لم تصح ، وإن شده إلى كبيرة صحت صلاته على الأصح وإن شده إلى باب دار فيها حش وهو الخلاء صحت بلا خلاف ، وإن شده في موضع نجس من السفينة بطلت صلاته بلا خلاف ، كما أشار إليه المصنف ، وقد صرح به صاحب الحاوي والنبدنيجي والشيخ أبو حامد سواء كانت صغيرة أو كبيرة ، هذه طريقة العراقيين والأكثرين وهي الصحيحة . وأما طريقة الخراسانيين فمضطربة ، وقد لخصها الرافعي ، ومختصرها أنه إذا قبض طرف حبل أو ثوب أو شده في يده أو رجليه أو وسطه وطرفه الآخر نجس أو متصل بنجاسة فثلاثة أوجه الصحيح : بطلان صلاته ، والثاني : لا تبطل . والثالث : إن كان الطرف نجسا أو متصلا بعين النجاسة بأن كان في عنق كلب بطلت وإن كان متصلا بطاهر وذلك الطاهر متصلا بنجاسة بأن شد في ساجور أو خرقة وهما في عنق كلب أو شده في عنق حمار عليه حمل نجس لم تبطل ، والأوجه جارية سواء تحرك الطرف بحركته أم لا ، كذا قاله الأكثرون ، وقطع إمام الحرمين والغزالي ومن تابعهما بالبطلان إذا تحرك ، وخصوا الخلاف بغير المتحرك وقطع البغوي بالطلان في صورة الشد ، وخص الخلاف بصورة القبض باليد . واتفقت طرق جميع الأصحاب على أنه لو جعل طرف الحبل تحت رجله صحت صلاته في جميع الصور ، وقول المصنف : دار فيها حش هو بفتح الحاء وضمها لغتان مشهورتان الفتح أشهر ، وهو الخلاء وأصله البستان وكانوا يقضون الحاجة فيه ، فسمي موضع قضاء الحاجة حشا كالغائط والعذرة ، فإن الغائط في الأصل المكان المطمئن والعذرة : فناء الدار .

Section V03/P151–V03/P153

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن حمل حيوانا طاهرا في صلاته صحت صلاته لأن النبي صلى الله عليه وسلم حمل أمامة بنت أبي العاص في صلاته ، ولأن ما في الحيوان من النجاسة في معدن النجاسة فهو كالنجاسة التي في جوف المصلي ، وإن حمل قارورة فيها نجاسة وقد سد رأسها ففيها وجهان ، أحدهما : يجوز لأن النجاسة لا تخرج منها فهو كما لو حمل حيوانا طاهرا ، والمذهب : أنه لا يجوز لأنه حمل نجاسة غير معفو عنها في غير معدنها فأشبه إذا حمل النجاسة في كمه . + الشرح : حديث أمامة رواه البخاري ومسلم وهي أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم واسم أبي العاص مهشم بكسر الميم وإسكان الهاء وفتح الشين المعجمة ، وقيل لقيط ، وقيل ياسر ، وقيل القاسم ابن الربيع بن عبد العزى بن عبد مناف القرشية كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبها تزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة ، وكانت فاطمة أوصته بذلك رضي الله عنهم . أما حكم المسألة : فإذا حمل حيوانا طاهرا لا نجاسة على ظاهره في صلاته صحت صلاته ، بلا خلاف ، وإن حمل حيوانا مذبوحا بعد غسل موضع الدم وما على ظاهره من النجاسة لم تصح صلاته بلا خلاف ، وفيه وجه في البحر صرح به الأصحاب منهم القاضي أبو الطيب ، لأن في باطنه نجاسة لا حاجة إلى استصحابها بخلاف الحي ، ولو تنجس منفذ الحيوان الحي كطائر ونحوه فحمله ففي صحة صلاته وجهان أصحهما : عند الغزالي الصحة ، ويعفى عنه كالباقي على محل نجو المصلي وأصحهما : عند إمام الحرمين لا يصح ، وبه قطع المتولي وهو الأصح لعدم الحاجة إلى احتمالها ، ولو وقع هذا الحيوان في ماء قليل أو مائع لم ينجسه في أصح الوجهين وقد سبقت هذه المسألة في باب المياه . ولو حمل بيضة صار باطنها دما وظاهرها طاهرا ، أو حمل عنقودا صار باطن حباته خمرا ولا رشح على ظاهره لم تصح صلاته في أصح الوجهين ، ويجري الوجهان في كل استتار خلقي . أما إذا حمل قارورة مصممة الرأس برصاص أو نحوه وفيها نجاسة فلا تصح صلاته على الصحيح ، وفيه وجه مشهور ، ودليلهما مذكور في الكتاب ، والقائل بالصحة أبو علي بن أبي هريرة ، ذكره صاحب الحاوي والقاضي أبو الطيب وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم . وإن كان رأسها مسدودا بخرقة لم تصح صلاته بلا خلاف ، وإن كان بشمع فطريقان ، أحدهما : كالخرقة . والثاني : كالرصاص ، هذا ما ذكره الأصحاب ، واتفقوا على أن المسدودة بخرقة لا تصح الصلاة معها ، وقد أطلق المصنف المسألة فليحمل كلامه على المصممة برصاص وكذا قال صاحب البيان : ينبغي أن يحمل على الرصاص ليوافق الأصحاب . فرع : لو حمل المصلي مستجمرا بالأحجار لم تصح صلاته في أصح الوجهين ، لأنه غير محتاج إليه ، وحديث أمامة رضي الله عنها محمول على أنها قد نجيت بالماء ، ولو حمل من عليه نجاسة معفو عنها ففيه الوجهان لما ذكرناه ، ويقرب منه من استنجى بالأحجار وعرق موضع النجو فتلوث به غيره ، ففي صحة صلاته وجهان ، ولكن الأصح هنا الصحة لعسر الاحتراز منه ، بخلاف حمل غيره . والله أعلم .

Section V03/P153–V03/P154

قال المصنف رحمه الله تعالى : طهارة الموضع الذي يصلي فيه شرط في صحة الصلاة لما روي عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سبعة مواطن لا تجوز فيها الصلاة : المجزرة والمزبلة والمقبرة ومعاطن الابل والحمام وقارعة الطريق وفوق بيت الله العتيق فذكر المجزرة والمزبلة ، وإنما منع من الصلاة فيهما للنجاسة ، فدل على أن طهارة الموضع الذي يصلي فيه شرط . + الشرح : حديث عمر رضي الله عنه هذا رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم لكن من رواية عبد الله بن عمر لا من رواية عمر ، وفي رواية للترمذي عن عمر ، قال الترمذي : ليس إسناده بذاك القوي . وكذا ضعفه غيره ، والمجزرة بفتح الميم والزاي موضع ذبح الحيوان ، والمزبلة بفتح الباء وضمها لغتان الفتح أجود ، والمقبرة بفتح الباء وضمها وكسرها ، ومعاطن الابل واحدها معطن بفتح الميم وكسر الطاء ، ويقال فيها عطن وجمعه أعطان ، وسنوضح تفسيرها حيث ذكرها المصنف في آخر الباب . والبيت العتيق هو الكعبة زادها الله شرفا ، سمي عتيقا لعتقه من الجبابرة فلم يسلطوا على انتهاكه ، ولم يتملكه أحد من الخلق . كذا نقل عن ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وقتادة وقيل عتيق أي متقدم ، وقيل كريم من قولهم فرس عتيق . وأما حكم المسألة : فطهارة الموضع الذي يلاقيه في قيامه وقعوده وسجوده شرط في صحة صلاته سواء ما تحته وما فوقه من سقف وما بجنبيه من حائط وغيره ، فلو ماس في شيء من صلاته سقفا نجسا أو حائطا أو غيره ببدنه أو ثوبه لم تصح صلاته ، ودليله ما سبق في أول الباب . وأما الحديث المذكور هنا فلا يصح الاحتجاج به ، ومما يحتج به حديث بول الأعرابي في المسجد . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : صبوا عليه ذنوبا من ماء رواه البخاري ومسلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن صلى على بساط عليه نجاسة غير معفو عنها فإن صلى على الموضع النجس منه لم تصح صلاته لأنه ملاق للنجاسة ، وإن صلى على موضع طاهر منه صحت صلاته لأنه غير ملاق للنجاسة ولا حامل لما هو متصل بالنجاسة فهو كما لو صلى على أرض طاهرة وفي موضع منها نجاسة . + الشرح : إذا كان على البساط أو الحصير ونحوهما نجاسة فصلى على الموضع النجس لم تصح صلاته ، وإن صلى على موضع طاهر منه صحت صلاته ، قال أصحابنا سواء تحرك البساط بتحركه أم لا ، لأنه غير حامل ولا ماس للنجاسة ، وهكذا لو صلى على سرير قوائمه على نجاسة صحت صلاته وإن تحرك بحركته ، صرح به صاحب التتمة وغيره وقال أبو حنيفة : إذا تحرك البساط أو السرير بحركته بطلت صلاته وإلا فلا وكذا عنده طرف العمامة الذي يلاقي النجاسة ، ولو كان ما يلاقي بدنه وثيابه طاهرا وما يحاذي صدره أو بطنه أو شيئا من بدنه في سجوده أو غيره نجسا صحت صلاته في أصح الوجهين ، ونقله صاحب الحاوي عن نص الشافعي ، ونقله ابن المنذر عن الشافعي وأبي ثور ولو بسط على النجاسة ثوبا مهلهل النسج وصلى عليه ، فإن حصلت مماسة النجاسة من الفرج بطلت صلاته ، وإن لم تحصل وحصلت المحاذاة فعلى الوجهين الأصح لا تبطل .

Section V03/P154–V03/P156

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن صلى على أرض فيها نجاسة ، فإن عرف موضعها تجنبها وصلى في غيرها وإن فرش عليها شيئا وصلى عليه جاز لأنه غير مباشر للنجاسة ولا حامل لما هو متصل بالنجاسة ، وإن خفي عليه موضع النجاسة ، فإن كانت في أرض واسعة فصلى في موضع منها جاز ، لأنه غير متحقق لها ولأن الأصل فيه الطهارة ، وإن كانت النجاسة في بيت وخفي موضعها لم يجز أن يصلي فيه حتى يغسله ومن أصحابنا من قال : يصلي فيه حيث شاء كالصحراء ، وليس بشيء ، لأن الصحراء لا يمكن حفظها من النجاسة ، ولا يمكن غسل جميعها ، والبيت يمكن حفظه من النجاسة وغسله ( فإذا نجس أمكن غسله ، وإذا خفي موضع النجاسة منه غسله كله كالثوب وإن كانت النجاسة في أحد البيتين واشتبها عليه تحرى كما يتحرى في الثوبين ) . + الشرح : في هذه القطعة مسائل أحداها : إذا كان على الأرض نجاسة في بيت أو صحراء تنحى عنها وصلى في موضع لا يلاقي النجاسة ، فإن فرش عليها شيئا بحيث لا يلاقيه منها شيء صحت صلاته ، وإن كان الثوب مهلهل النسج فقد سبق حكمه قريبا . الثانية : إذا خفي عليه موضع النجاسة من أرض إن كانت واسعة صلى في موضع منها بغير اجتهاد لأن الأصل طهارته . قال القاضي أبو الطيب وغيره : والمستحب أن ينتقل إلى موضع لا شك فيه ولا يلزمه ذلك ، كما لو علم أن بعض مساجد البلد يبال فيه وجهله فله أن يصلي في أيها شاء . وقال البغوي : يتحرى في الصحراء فإن أراد أنه يجب الاجتهاد فهو شاذ مخالف للأصحاب ، وإن أراد أنه مستحب فهو موافق لما حكيناه عن القاضي أبي الطيب وغيره ، وإن كانت صغيرة أو في بيت أو بساط فوجهان أصحهما : لا يجوز أن يصلي فيه لا هجوما ولا باجتهاد حتى يغسله أو يبسط عليه شيئا . والثاني : له أن يصلي فيه حيث شاء ، ودليلهما في الكتاب ، وهذا الثاني ليس بشيء . ثم أن المصنف وشيخه القاضي أبا الطيب وابن الصباغ والشاشي صرحوا بأنه على هذا الثاني يصلي حيث شاء منه بلا اجتهاد ، وقال الشيخ أبو حامد والمحاملي والدارمي والبغوي والرافعي وغيرهم : على هذا الثاني يجتهد فيه ، وهذا أصح . الثالثة : إذا كانت النجاسة في أحد بيتين تحرى كالثوبين ، فلو قدر على موضع ثالث أو شيء يبسطه أو ماء يغسل به أحدهما ففي جواز الاجتهاد الوجهان في الأواني والثوب والثالث أصحهما الجواز . ذكر المسألة صاحب البيان . فرع : إذا خفي عليه موضع النجاسة من أرض كبيرة ، أو بيت أو بساط وجوزنا الصلاة عليهما فله أن يصلي صلوات في موضع واحد منه ، وله أن يصلي في موضع حتى يبقى موضع بقدر النجاسة فلا تصح بعد ذلك صلاته في ذلك الموضع ، كمسألة من حلف لا يأكل تمرة فاختلطت بتمر كثير يأكله إلا تمرة ، هكذا ذكر المتولي ، وقد سبق في الأواني أنه لو اشتبه إناء بأوان غير محصورة فله أن يتوضأ من واحد بعد واحد حتى يبقى واحد في وجه ، وفي وجه حتى يبقى عدد لو كان الاشتباه فيه ابتداء لم يجز الهجوم فيحتمل أن يجيء الوجهان ويمكن الفرق .

Section V03/P156–V03/P157

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن حبس في حش ولم يقدر أن يتجنب النجاسة في قعوده وسجوده تجافى عن النجاسة وتجنبها في قعوده ، وأومأ في السجود إلى الحد الذي لو زاد عليه لاقى النجاسة ، ولا يسجد على الأرض لأن الصلاة قد تجزي مع الإيماء ولا تجزي مع النجاسة ، وإذا قدر ففيه قولان ، قال في القديم : لا يعيد لأنه صلى على حسب حاله فهو كالمريض ، وقال في الإملاء : يعيد لأنه ترك الفرض لعذر نادر غير متصل فلم يسقط الفرض عنه ، كما لو ترك السجود ناسيا ، وإذا أعاد ففي الفرض أقوال . قال في الأم : الفرض هو الثاني لأن الفرض به يسقط . وقال في القديم : الفرض هو الأول لأن الإعادة مستحبة غير واجبة في القديم . وقال في الإملاء : الجميع فرض لأن الجميع يجب فعله فكان الجميع فرضا ، وخرج أبو إسحاق قولا رابعا : أن الله تعالى يحتسب له بأيهما شاء ، قياسا على ما قال في القديم فيمن صلى الظهر ثم سعى إلى الجمعة فصلاها إن الله تعالى يحتسب له بما شاء . + الشرح : قد سبق أن الحش بفتح الحاء وضمها هو الخلاء ، فإذا حبس إنسان في موضع نجس وجب عليه أن يصلي . هذا مذهبنا وبه قال العلماء كافة إلا أبا حنيفة فقال : لا يجب أن يصلي فيه ، ودليلنا حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم رواه البخاري ومسلم . وقياسا على المريض العاجز عن بعض الأركان ، وإذا صلى يجب عليه أن يتجافى عن النجاسة بيديه وركبتيه وغيرهما القدر الممكن ، ويجب أن ينحني للسجود إلى القدر الذي لو زاد عليه لاقى النجاسة ، ولا يجوز أن يضع جبهته على الأرض . هذه هو الصحيح وحكى صاحب البيان وجها أنه يلزمه أن يضع جبهته على الأرض ، وليس بشيء ، ودليله ما ذكره المصنف . فإذا صلى كما أمرناه فينبغي أن يعيد الصلاة إذا خرج إلى موضع طاهر . وهذه الإعادة واجبة على الجديد الأصح ومستحبة على القديم ، فإذا أعاد فهل الفرض الأولى أم الثانية أم كلاهما أو إحداهما مبهمة فيه أربعة أقوال كما ذكره المصنف أصحها : عند جمهور الأصحاب أن الفرض ، الثانية ، وادعى الشيخ أبو حامد الاتفاق عليه ، واختار ابن الصباغ أن الفرض كلاهما ، وهو قوي لأنه مطالب بهما ، وقد سبق بيان هذه الأقوال ونظائرها فيمن لم يجد ماء ولا ترابا ، وذكرنا في آخر التيمم فرعا جامعا للصلوات المفعولات على نوع خلل ، وما يجب قضاؤه منها ، وما لا يجب ، واستوفيناه استيفاء بليغا ولله الحمد ، وقوله : لأن الصلاة قد تجزىء مع الإيماء ، إنما قال : قد تجزىء لأنها في بعض المواضع تجزي كصلاة شدة الخوف وصلاة المريض وفي بعضها لا تجزي كصلاة من ربط على خشبة ونحوه ، وقد سبق بيانه في باب التيمم .

Section V03/P157–V03/P158

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا فرغ من الصلاة ثم رأى على ثوبه أو بدنه أو موضع صلاته نجاسة غير معفو عنها نظرت فإن جوز أن تكون حديث بعد الفراغ من الصلاة لم تلزمه الإعادة لأن الأصل أنها لم تكن في حال الصلاة فلا تجب الإعادة بالشك ، كما لو توضأ من بئر وصلى ، ثم وجد في البئر فأرة ، وإن علم أنها كانت في الصلاة فإن كان علم بها قبل الدخول في الصلاة لزمه الإعادة ، لأنه فرط في تركها ، وإن لم يعلم بها حتى فرغ من الصلاة ففيه قولان . قال في القديم : لا يعيد لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعليه في الصلاة فخلع الناس نعالهم فقال : ما لكم خلعتم نعالكم قالوا : رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا ، فقال : أتاني جبريل فأخبرني أن فيهما قذرا ، أو قال : دم حلمة فلو لم تصح الصلاة لاستأنف الإحرام ، وقال في الجديد : تلزمه الإعادة لأنها طهارة واجبة فلا تسقط بالجهل كالوضوء . + الشرح : حديث أبي سعيد صحيح سبق بيانه في أول هذه الباب ، وذكرنا لفظه هناك ، والحلمة بفتح الحاء واللام القراد العظيم والجماعة حلم كقصبة وقصب وفي هذا الحديث من الفوائد مع ما ذكره المصنف أن الصلاة في النعل الطاهرة جائزة وأنه يجوز المشي في المسجد بالنعل ، وأن العمل القليل في الصلاة جائز ، وأن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم يقتدى بها كأقواله ، وأن الكلام في الصلاة لا يجوز سواء كان لمصلحتها أو لغيرها ، ولولا ذلك لسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عند نزعهم ولم يؤخر سؤالهم وقوله : ( كما لو توضأ من بئر ) وصورته أن يكون دون قلتين فيتوضأ منه ثم يجد فيه فأرة ميتة يحتمل أنها كانت فيه حال الوضوء ، ويحتمل حدوثها بعده ، ومن قال بالجديد أجاب عن الحديث بأن المراد بالقذر الشيء المستقذر كالمخاط ونحوه ، وبدم الحلمة إن ثبت الشيء اليسير المعفو عنه ، وإنما خلعه النبي صلى الله عليه وسلم تنزها . أما حكم المسألة : فإذا سلم من صلاته ثم رأى عليه نجاسة يجوز أنها كانت في الصلاة ، ويجوز أنها حدثت بعدها فصلاته صحيحة بلا خلاف ، قال الشافعي والأصحاب : ويستحب إعادتها احتياطا ، وإن علم أنها كانت في الصلاة فإن كان لم يعلمها قبل ذلك فقولان الجديد : الأصح بطلان صلاته ، والقديم : صحتها ودليلهما في الكتاب ، وإن كان علمها ثم نسيها فطريقان مشهوران للخراسانيين أصحهما : وبه قطع العراقيون تجب الإعادة قولا واحدا لتفريطه ، والثاني : فيه قولان كالجاهل ، وإذا أوجبنا الإعادة وجب إعادة كل صلاة تيقن وجود النجاسة فيها ، ولا يجب ما شك فيه ولكن يستحب ، ولو رأى النجاسة في أثناء الصلاة فإن قلنا : لا تجب الإعادة إذا رآها بعد الفراغ أزالها وبنى على صلاته وإلا بطلت ووجب الإستئناف . قال أصحابنا : وإذا رأى في ثوبه نجاسة لم يعلم متى أصابته لزمه أن يصلي كل صلاة تيقن أنها كانت فيها ، ولا يلزمه ما يشك فيه كما لو شك بعد فراغها ، ولكن يستحب أن يعيد كل صلاة يحتمل أنها كانت فيها ، وهذا كما سبق فيمن رأى المنى في ثوبه . فرع في مذاهب العلماء فيمن صلى بنجاسة نسيها أو جهلها ذكرنا أن الأصح في مذهبنا وجوب الإعادة وبه قال أبو قلابة وأحمد ، وقال جمهور العلماء : لا إعادة عليه ، حكاه ابن المنذر عن ابن عمر وابن المسيب وطاوس وعطاء و سالم بن عبد الله ومجاهد والشعبي والنخعي والزهري و يحيى الأنصاري والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور ، قال ابن المنذر : وبه أقول ، وهو مذهب ربيعة ومالك وهو قوي في الدليل وهو المختار .

Section V03/P158–V03/P160

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يصلي في مقبرة لما روى أبو سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام فإن صلى في مقبرة ( نظر فإن كانت مقبرة ) تكرر فيها النبش لم تصح صلاته لأنه قد اختلط بالأرض صديد الموتى ، وإن كانت جديدة لم تنبش كرهت صلاته فيها لأنها مدفن النجاسة والصلاة صحيحة ، لأن الذي باشر بالصلاة طاهر ، وإن شك هل نبشت أم لا ففيه قولان أحدهما : لا تصح صلاته لأن الأصل بقاء الفرض في ذمته ، وهو يشك في إسقاطه والفرض لا يسقط بالشك والثاني : تصح لأن الأصل طهارة الأرض فلا يحكم بنجاستها بالشك . + الشرح : حديث أبي سعيد رواه أبو داود والترمذي وغيرهما ، قال الترمذي وغيره : هو حديث مضطرب ، وقال الحاكم في المستدرك ، أسانيده صحيحه ، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل به أي حضرته الوفاة قال : لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . يحذر ما صنعوا وفي الصحيحين نحوه عن أبي هريرة أيضا ، وعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس يقول : إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك رواه مسلم وعن أبي مرثد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها رواه مسلم ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا رواه البخاري ومسلم . أما حكم المسألة : فإن تحقق أن المقبرة منبوشة لم تصح صلاته فيها بلا خلاف إذا لم يبسط تحته شيء ، وإن تحقق عدم نبشها صحت بلا خلاف ، وهي مكروهة كراهة تنزيه ، وإن شك في نبشها فقولان أصحهما : تصح الصلاة مع الكراهة ، والثاني : لا تصح ، هكذا ذكر الجمهور الخلاف في المسألة الأخيرة قولين كما ذكره المصنف هنا ، ممن ذكرهما قولين الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب في تعليقه والمحاملي والشيخ أبو علي البندنيجي وصاحب الشامل وخلائق من العراقيين ، ومعظم الخراسانيين ونقلهما جماعة وجهين منهم المصنف في التنبيه وصاحب الحاوي قال في الحاوي : القول بالصحة هو قول ابن أبي هريرة وبالبطلان قول أبي إسحاق والصواب طريقة من قال : قولان ، قال صاحب الشامل ، قال في الأم : لا تصح ، وقال في الإملاء : تصح واتفق الأصحاب على أن الأصح الصحة وبه قطع الجرجاني في التحرير ، قال أصحابنا : ويكره أن يصلي إلى القبر هكذا قالوا يكره ، ولو قيل : يحرم لحديث أبي مرثد وغيره مما سبق لم يبعد ، قال صاحب التتمة : وأما الصلاة عند رأس قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم متوجها إليه فحرام . فرع : في مذاهب العلماء في الصلاة في المقبرة . قد ذكرنا مذهبنا فيها ، وأنها ثلاثة أقسام ، قال ابن المنذر : روينا عن علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي أنهم كرهوا الصلاة في المقبرة ، ولم يكرهها أبو هريرة وواثلة بن الأسقع والحسن البصري ، وعن مالك روايتان أشهرهما لا يكره ما لم يعلم نجاستها ، وقال أحمد : الصلاة فيها حرام ، وفي صحتها روايتان وإن تحقق طهارتها ، ونقل صاحب الحاوي عن داود أنه قال : تصح الصلاة وإن تحقق نبشها . فرع : قال أصحابنا : يكره أن يصلي في مزبلة وغيرها من النجاسات فوق حائل طاهر لأنه في معنى المقبرة .

Section V03/P160–V03/P161

فرع : تكره الصلاة في الكنيسة والبيعة حكاه ابن المنذر عن عمر ابن الخطاب وابن عباس ومالك رضي الله عنهم ، ونقل الترخيص فيها عن أبي موسى والحسن و الشعبي والنخعي وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وهي رواية عن ابن عباس واختاره ابن المنذر . فرع : في نبش قبور الكفار لطلب المال المدفعون معهم : قال القاضي عياض في شرح صحيح مسلم : اختلف العلماء في ذلك فكرهه مالك ، وأجازه أصحابه قال : واختلف في علة كراهته فقيل : مخافة نزول عذاب عليهم وسخط ، لأنها مواضع العذاب والسخط ، وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم : نهى عن دخول ديار المعذبين ، وهم ثمود أصحاب الحجر خشية أن يصيب الداخل ما أصابهم قال : إلا أن تكونوا باكين فمن دخلها لطلب الدنيا فهو ضد ذلك ، وقيل : مخافة أن يصادف قبر نبي أو صالح بينهم ، قال : وحجة من أجاز ذلك نبش الصحابة رضي الله عنهم قبر أبي رغال واستخراجهم منه قضيب الذهب الذي أعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه مدفون معه ، هذا كلام القاضي ، ومقتضى مذهبنا : جواز نبشه إن كان دارسا ، أو كان جديدا وعلمنا أن فيه مالا لحربي .

Section V03/P161–V03/P163

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يصلي في الحمام لحديث أبي سعيد ، واختلف أصحابنا لأي معنى منعت الصلاة فيه فمنهم من قال : إنما منع لأنه تغسل فيه النجاسات ، فعلى هذا إذا صلى في موضع تحقق طهارته صحت صلاته ، وإن صلى في موضع تحقق نجاسته لم تصح وإن شك فعلى قولين كالمقبرة ، ومنهم من قال : إنما منع لأنه مأوى الشياطين لما يكشف فيه من العورات ، فعلى هذا تكره الصلاة فيه وإن تحقق طهارته فالصلاة صحيحة لأن المنع لا يعود إلى الصلاة . + الشرح : هذه المسألة عند الأصحاب كما ذكرها المصنف ، والأصح أن سبب النهي كونه مأوى الشياطين فتكره كراهة تنزيه وتصح الصلاة ، وعلى هذا تكره في المسلخ ، وعلى الأول لا تكره ، والحمام مذكر هكذا نقله الأزهري عن العرب ، يقال : حمام مبارك ، وجمعه حمامات مشتق من الحميم وهو الماء الحار . قال المصنف رحمه الله تعالى : وتكره الصلاة في أعطان الإبل ، ولا تكره في مراح الغنم لما روى عبد الله ابن مغفل المزني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صلوا في مرابض الغنم ، ولا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الشياطين ولأن في أعطان الإبل لا يمكن الخشوع ، لما يخاف من نفورها ، ولا يخاف نفور الغنم . + الشرح : حديث عبد الله بن مغفل حديث حسن رواه البيهقي هكذا من رواية ابن مغفل بإسناد حسن ، ورواه النسائي مختصرا عن ابن مغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في أعطان الإبل ، وعن جابر بن سمرة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال : أصلي في مرابض الغنم قال : نعم ، قال : أصلي في مبارك الإبل قال : لا رواه مسلم ، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلوا في مرابض الغنم ، ولا تصلوا في أعطان الإبل رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح . وأما الأعطان فهي جمع عطن ، واتفق تفسير الشافعي رحمه الله تعالى في الأم وغيره ، وتفسير الأصحاب على أن العطن الموضع الذي يقرب موضع شرب الإبل ، تنحى إليه الإبل الشاربة ليشرب غيرها ذودا ذودا ، فإذا شربت كلها واجتمعت فيه سيقت إلى المراعي ، قال الأزهري : العطن الموضع الذي تنحى إليه الإبل إذا شربت الشربة الأولى فتترك فيه ، ثم يملأ لها الحوض ثانيا فتعود من عطنها إلى الحوض لتعل وتشرب الشربة الثانية ، وهو العلل ، قال : ولا تعطن الإبل عن الماء إلا في حمارة اللفظ ( بتخفيف الميم وتشديد الراء ) قال : وموضعها الذي تترك فيه على الماء يسمى عطنا ، ومعطنا ، وقد عطنت تعطن وتعطن بكسر الطاء وضمها عطونا . وأما مراح الغنم بضم الميم هو مأواها ليلا هكذا فسره أصحابنا . قال الأزهري ويقال : مأواتها فإذا صلى في أعطان الإبل أو مراح الغنم وماس شيئا من أبوالها أو أبعارها أو غيرها من النجاسات بطلت صلاته ، وإن بسط شيئا طاهرا وصلى عليه ، أو صلى في موضع طاهر منه صحت صلاته ، لكن يكره في أعطان الإبل ولا تكره في مراح الغنم وليست الكراهة بسبب النجاسة ، فإنهما سواء في نجاسة البول والبعر وإنما سبب كراهة أعطان الإبل ما ذكره المصنف والأصحاب وهو ما يخاف من نفارها بخلاف الغنم ، فإنها ذات سكينة ولهذا ثبت في صحيح البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من نبي إلا رعى الغنم وقال في الإبل إنها خلقت من الشياطين قال الخطابي : معناه لما فيها من النفار والشرود وربما أفسدت على المصلي صلاته قال : والعرب تسمي كل مارد شيطانا ، قال أصحابنا : وقد يكون في الغنم مثل عطن الإبل فيكون حكمه حكم عطن الإبل ، وأما مأوى الإبل ليلا فتكره الصلاة فيه أيضا لكن أخف من كراهة العطن .

Section V03/P163–V03/P164

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويكره أن يصلي في مأوى الشيطان لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اخرجوا من هذا الوادي فإن فيه شيطانا فلم يصل فيه . + الشرح : الصلاة في مأوى الشيطان مكروهة بالاتفاق ، وذلك مثل مواضع الخمر والخانة ومواضع المكوس ونحوها من المعاصي الفاحشة ، والكنائس والبيع والحشوش ونحو ذلك ، فإن صلى في شيء من ذلك ولم يماس نجاسة بيده ولا ثوبه صحت صلاته مع الكراهة ، وهذا الحديث المذكور صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : عرسنا مع نبي الله صلى الله عليه وسلم فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ليأخذ كل رجل برأس راحلته فإن هذه موضع حضرنا فيه الشيطان وذكر الحديث رواه مسلم وغيره . واعلم أن بطون الأودية لا تكره فيها الصلاة كما لا تكره في غيرها ، وأما قول الغزالي : تكره الصلاة في بطن الوادي فباطل أنكروه عليه ، وإنما كره الشافعي رحمه الله الصلاة في الوادي الذي نام فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة لا في كل واد ، وقد قال بعض العلماء : لا تكره الصلاة في ذلك الوادي أيضا لأنا لا نتحقق بقاء ذلك الشيطان فيه والله أعلم ، ويستحب أن لا يصلي فيه موضع حضره في الشيطان لهذا الحديث . قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يصلي في قارعة الطريق لحديث عمر رضي الله عنه : سبعة مواطن لا تجوز فيها الصلاة وذكر قارعة الطريق ولأنه يمنع الناس من الممر وينقطع خشوعه بممر الناس ، فإن صلى فيها صحت صلاته لأن المنع لترك الخشوع أو لمنع الناس من الطريق ، وذلك لا يوجب بطلان الصلاة . + الشرح : حديث عمر رضي الله عنه ضعيف سبق بيانه ، وقارعة الطريق أعلاه . قال الأزهري والجوهري : وقيل صدره وقيل ما برز منه ، وكله متقارب والطريق تذكر وتؤنث والصلاة فيها مكروهة لما ذكره من العلتين ، وهي كراهة تنزيه . وذكر الأصحاب علة ثالثة ، وهي غلبة النجاسة فيها . قالوا : وعلى هذه العلة تكره الصلاة في قارعة الطريق في البراري ، وإن قلنا : العلة فوات الخشوع فلا كراهة في البراري إذ لم يكن هناك طارقون ، وإذا صلى في شارع أو طريق يغلب على الظن نجاسته ولا يتيقن ففي صحة الصلاة القولان السابقان في أبواب المياه في تعارض الأصل والظاهر ، الأصح : الصحة ، فإن بسط عليه شيئا طاهرا صحت وبقيت الكراهة لمرور الناس وفوات الخشوع ، والله أعلم .

Section V03/P164–V03/P166

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز أن يصلي في أرض مغصوبة لأن اللبث فيها يحرم في غير الصلاة فلأن يحرم في الصلاة أولى ، فإن صلى فيها صحت صلاته ، لأن المنع لا يختص بالصلاة فلا يمنع صحتها . + الشرح : الصلاة في الأرض المغصوبة حرام بالإجماع ، وصحيحة عندنا وعند الجمهور من الفقهاء وأصحاب الأصول . وقال أحمد بن حنبل والجبائي وغيره من المعتزلة : باطلة ، واستدل عليهم الأصوليون بإجماع من قبلهم . قال الغزالي في المستصفى : هذه المسألة قطعية ليست اجتهادية ، والمصيب فيها واحد ، لأن من صحح الصلاة أخذه من الإجماع وهو قطعي ، ومن أبطلها أخذه من التضاد الذي بين القربة والمعصية ، ويدعي كون ذلك محالا بالعقل ، فالمسألة قطعية ، ومن صححها يقول هو عاص من وجه متقرب من وجه ، ولا استحالة في ذلك ، إنما الاستحالة في أن يكون متقربا من الوجه الذي هو عاص به وقال القاضي أبو بكر الباقلاني : يسقط الفرض عند هذه الصلاة لا بها ، بدليل الإجماع على سقوط الفرض إذا صلى ، واختلف أصحابنا هل في هذه الصلاة ثواب أم لا ففي الفتاوى التي نقلها القاضي أبو منصور أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الواحد عن عمه أبي نصر بن الصباغ صاحب الشامل رحمه الله قال : المحفوظ من كلام أصحابنا بالعراق أن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة يسقط بها الفرض ولا ثواب فيها . قال القاضي أبو منصور : ورأيت أصحابنا بخراسان اختلفوا ، منهم من قال : لا تصح صلاته قال : وذكر شيخنا يعني ابن الصباغ في كتابه الكامل : أنا إذا قلنا بصحة الصلاة ينبغي أن يحصل الثواب ، فيكون مثابا على فعله عاصيا بمقامه . قال القاضي : وهذا هو القياس إذا صححناها . فرع في مسائل تتعلق بالباب إحداها : قال أصحابنا : ( لا تكره الصلاة على الصوف واللبود والبسط والطنافس وجميع الأمتعة ولا يكره فيها أيضا ) هذا مذهبنا ونقله العبدري عن جماهير العلماء . وقالمالك : ( يكره كراهة تنزيه ) قال : وقالت الشيعة : لا تجوز الصلاة على الصوف ، وتجوز فيه لأنه ليس نابتا من الأرض . الثانية : قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله : ( تجوز الصلاة في ثوب الحائض والثوب الذي تجامع فيه إذا لم يتحقق فيهما نجاسة ولا كراهة فيه ) قالوا : وتجوز في ثياب الصبيان والكفار والقصابين ومدمني الخمر وغيرهم إذا لم يتحقق نجاستها لكن غيرها أولى ، وسبق في كتاب الطهارة بيان خلاف ضعيف في هؤلاء . الثالثة : إذا أصاب ثوبه أو بدنه نجاسة يابسة فنفضها ولم يبق شيء منها وصلى صحت صلاته بالإجماع . & باب ستر العورة &

Questions