Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V03/P407

وأما حديث وائل فضعيف أيضا لأنه من رواية ابنه عبد الجبار بن وائل عن أبيه ، واتفق الحفاظ على أنه لم يسمع من أبيه شيئا ، ولم يدركه ، وقيل : إنه ولد بعد وفاته بستة أشهر ، وأما حكاية عطية فمردودة لأن عطية ضعيف . فرع : قال القاضي أبو الطيب رجليه حال القيام ويعتمد عليها ، وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس وإسحاق ، قال إسحاق : إلا أن يكون شيخا كبيرا ، ومثله عن مجاهد : وقال مالك : لا بأس به .

Section V03/P407–V03/P408

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يرفع اليدين إلا في تكبيرة الإحرام والركوع والرفع منه لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه ، وإذا أراد أن يركع ، وبعدما رفع رأسه من الركوع ، ولا يرفع يديه بين السجدتين وقال أبو علي الطبري وأبو بكر بن المنذر : يستحب كلما قام إلى الصلاة من السجود ومن التشهد لما روي علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : رفع اليدين في الصلاة من السجود وروى أبو حميد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذ قام من الركعتين يرفع يديه والمذهب الأول . + الشرح : المشهور من نصوص الشافعي رحمه الله تعالى في كتبه ، وهو المشهور في المذهب ، وبه قال أكثر الأصحاب أنه لا يرفع إلا في تكبيرة الإحرام ، وفي الركوع والرفع منه ، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما ، وهو في صحيحي البخاري ومسلم من طرق . وفي رواية في الصحيحين وكان لا يفعل ذلك في السجود وفي رواية البخاري ولا يفعل ذلك حين يسجد ولا حين يرفع من السجود وقال جماعة من أصحابنا منهم أبو بكر بن المنذر وأبو علي الطبري : يستحب الرفع كلما قام من السجود ومن التشهد ، وقد يحتج لهذا بما ذكره البخاري في كتاب رفع اليدين أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يرفع يديه إذا ركع وإذا سجد لكنه ضعيف ، ضعفه البخاري ، وفي كتاب النسائي حديث يقتضيه عن مالك بن الحويرث عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال آخرون من أصحابنا : يستحب الرفع إذا قام من التشهد الأول . وهذا هو الصواب . وممن قال به من أصحابنا : ابن المنذر وأبو علي الطبري وأبو بكر البيهقي وصاحب التهذيب : فيه وفي شرح السنة وغيرهم ، وهو مذهب البخاري وغيره من المحدثين . دليله حديث نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا دخل الصلاة كبر ورفع يديه ، وإذا ركع رفع يديه ، وإذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه ، وإذا قام من الركعتين رفع يديه ، ورفع ابن عمر ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري في صحيحه . وعن حميد الساعدي من أصحاب وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال فيها وإذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بالأسانيد الصحيحة . وقال الترمذي : حديث حسن صحيح . وقد سبق بطوله في فصل الركوع وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه كان إذا أقام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع ، ويصنعه إذا رفع من الركوع . ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد ، وإذا قام من الركعتين رفع يديه كذلك وكبر وهو حديث صحيح رواه البخاري في كتاب رفع اليدين وأبو داود والترمذي وابن ماجه وآخرون . قال الترمذي : حديث حسن صحيح رواه الأكثرون في كتاب الصلاة والترمذي في كتاب الدعاء في أواخر كتابه . وفي رواية أبي داود : وإذا قام من السجدتين بدل الركعتين ، والمراد بالسجدتين الركعتان بلا شك كما جاء في رواية الباقين ، وهكذا قاله العلماء من المحدثين والفقهاء إلا الخطابي فإنه ظن أن المراد السجدتان المعروفتان . ثم استشكل الحديث وقال : لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به وكأنه لم يقف على طرق روايته ، ولو وقف عليها لحمله على الركعتين كما حمله الأئمة .

Section V03/P408–V03/P409

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر للصلاة جعل يديه حذو منكبيه ، وإذا ركع فعل ذلك ، وإذا رفع للسجود فعل مثل ذلك ، وإذا قام من الركعتين فعل مثل ذلك رواه أبو داود بإسناد صحيح فيه رجل فيه أدنى كلام . وقد وثقه الأكثرون وقد روى له البخاري في صحيحه . وقوله ( رفع للسجود ) يعني رفع رأسه من الركوع كما صرح به في الأحاديث السابقة قال البخاري في كتاب رفع اليدين ما زاده علي وأبو حميد رضي الله عنهما في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني وابن عمر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع إذا قام من الركعتين كله صحيح لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة ، وتختلف رواياتهم فيها بعينها ، مع أنه لا اختلاف مع ذلك ، وإنما زاد بعضهم على بعض والزيادة مقبولة من أهل العلم وقال البيهقي في كتابه معرفة السنن والآثار : وقد قال الشافعي في حديث أبي حميد : وبهذا أقول . وقال صاحب التهذيب : لم يذكر الشافعي رفع اليدين إذا قام من الركعتين ، ومذهبه اتباع السنة وقد ثبت ذلك وقد روى جماعة من الصحابة رفع اليدين في هذه المواضع الأربعة ، منهم علي وابن عمر وأبو حميد بحضرة أصحابه ، وصدقوه كلهم على ذلك . هذا كلام البغوي وأما قول الشيخ أبي حامد في التعليق : انعقد الإجماع على أنه لا يرفع في هذه المواضع فاستدلاله بالإجماع على نسخ الحديث مردود عليه غير مقبول ولم ينعقد الإجماع على ذلك ، بل قد ثبت الرفع في القيام من الركعتين عن خلائق من السلف والخلف ، فمن ذلك ما قدمناه عن علي وابن عمر وأبي حميد مع أصحابه العشرة ، وهو قول البخاري . قال الخطابي : وبه قال جماعة من أهل الحديث ، فحصل من مجموع ما ذكرته أنه يتعين القول باستحباب رفع اليدين إذا قام من الركعتين ، وأنه مذهب الشافعي لثبوت هذه الأحاديث وكثرة رواتها من كبار الصحابة والشافعي قائل به للوجهين اللذين ذكرهما البيهقي والله أعلم . فرع : ذكر المصنف هنا وابن المنذر وهو الإمام المشهور أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري من متقدمي أصحابنا في زمن ابن سريج وطبقته ، توفي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وهو صاحب المصنفات المفيدة التي يحتاج إليه كل الطوائف وقد ذكرنا شيئا من حاله في مقدمة هذا الشرح ، وهو مستقصى في الطبقات وتهذيب الأسماء .

Section V03/P409–V03/P410

قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم يصلي الركعة الثانية مثل الأولى إلا في النية ودعاء الاستفتاح لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيىء صلاته ثم أفعل ذلك في صلاتك كلها وأما النية ودعاء الاستفتاح فإن ذلك يراد للدخول في الصلاة والاستفتاح ، وذلك لا يوجد إلا في الركعة الأولى . + الشرح : حديث أبي هريرة رضي قد يقال : ليس فيه دليل لجميع ما يفعله في الركعة الثانية ، فإن المذكور فيه الواجبات فقط فلا يدل على استحباب السنن المفعولة في الأولى ، وفي المسألة أحاديث كثيرة صحيحة صريحة في أن الركعة الثانية كالأولى ، منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم ربنا ولك الحمد ثم يكبر حين يهوي ساجدا ثم يكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس رواه البخاري ومسلم . وعن أبي حميد الساعدي حديثه السابق في فصل الركوع بطوله قال في آخره : ثم صنع كذلك حتى كانت الركعة الأخيرة وهو صحيح كما سبق . وعن أبي مسعود البدري حديث في معنى حديث أبي هريرة رواه أبو داود والنسائي لكنه من رواية عطاء بن السائب . وكان اختلط في آخر عمره ، والراوي عنه هنا أخذ عنه في الاختلاط فلا يحتج به وفيما ذكرناه كفاية والله أعلم . وأما حكم المسألة : فقال أصحابنا : صفة الركعة الثانية كالأولى إلا في النية والاستفتاح وتكبيرة الإحرام ورفع اليدين في أولها ، واختلفوا في التعوذ وتقصير الثانية عن الأولى في القراءة ، وقد ذكر المصنف الخلاف فيهما في موضعه ، ولهذا لم يذكره هنا ، وترك المصنف هنا تكبيرة الإحرام ورفع اليدين ولا بد منهما ، فإن قيل : تركهما لشهرتهما ، قيل فالنية والافتتاح أشهر وقد ذكرهما .

Section V03/P410–V03/P412

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن في الركعتين للتشهد لنقل الخلف عن السلف عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو سنة ، لما روى عبد الله بن بحينة رضي الله عنهما قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر فقام من اثنتين ولم يجلس ، فلما قضى صلاته سجد سجدتين بعد ذلك ثم سلم ولو كان واجبا لفعله ولم يقتصر على السجود ، والسنة أن يجلس في هذا التشهد مفترشا لما روى أبو حميد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس في الأوليين جلس على قدمه اليسرى ونصب قدمه اليمنى . + الشرح : حديث ابن بحينة رواه البخاري ومسلم وحديث أبي حميد رواه البخاري وسبق بطوله في فصل الركوع ، وبحينة بضم الموحدة وفتح المهملة وهي صحابية أسلمت رضي الله عنها وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم . قال ابن سعد : إسمها عبدة يعني وبحينة لقب وابنها عبد الله بن مالك يكنى أبا محمد ، أسلم وصحب النبي صلى الله عليه وسلم قديما ، وكان فاضلا ناسكا يصوم الدهر غير أيام النهي رضي الله عنه . أما حكم المسألة : فإذا كانت الركعتين وهذا الجلوس سنة وليس بواجب ، وقد سبق بيان صفة الافتراش في الجلوس بين السجدتين وجلسة الاستراحة وجلسة التشهد الأول وجلسة التشهد الأخير ، فالأولى والرابعة واجبتان ، والثانية والثالثة سنتان ، والسنة أن يجلس في الثلاث الأول مفترشا ، وفي الرابعة متوركا . فلو عكس جاز ، ولكن الأفضل ما ذكرناه . فرع : قال أصحابنا : لا يتعين للاجزاء بل كيف وجد أجزأه ، سواء تورك أو افترش أو مد رجليه أو نصب ركبتيه أو إحداها أو غير ذلك ، لكن السنة التورك في آخر الصلاة والافتراش فيما سواه والافتراش أن يضع رجله اليسرى على الأرض ويجلس على كعبها ، وينصب اليمنى ويضع أطراف أصابعها على الأرض موجهة إلى القبلة ، والتورك أن يخرج رجليه وهما على هيئة الافتراش من جهة يمينه ، ويمكن وركه الأيسر من الأرض . فرع : في مذاهب العلماء في مذهبنا أنهما سنة ، وبه قال أكثر الأوزاعي وأبو حنيفة قال الشيخ أبو حامد وغيره : وهو قول عامة العلماء . وقال الليث وأحمد وأبو ثور وإسحاق وداود : هو واجب ، قال أحمد : إن ترك التشهد عمدا بطلت صلاته ، وإن تركه سهوا سجد للسهو وأجزأته صلاته . واحتج لهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وقال : صلوا كما رأيتموني أصلي وقياسا على التشهد الأخير . واحتج أصحابنا بحديث ابن بحينة ، ووجه الدلالة ما ذكره المصنف . وأجابوا عن حديث صلوا كما رأيتموني أصلي بأنه متناول للفرض والنفل وقد قامت دلائل على تميزهما . وأجابوا عن القياس على التشهد الأخير بأنه لم يقم دليل على إخراجه عن الوجوب وأيضا فإنه لا يجبره سجود السهو بخلاف الأول . فرع في مذاهبهم في هيئة الجلوس في التشهدين مذهبنا أنه يستحب أن يجلس في التشهد الأول مفترشا وفي الثاني متوركا ، فإن كانت الصلاة ركعتين جلس متوركا . وقال مالك : يجلس فيهما متوركا ، وقال أبو حنيفة والثوري : يجلس فيهما مفترشا . وقال أحمد : إن كانت الصلاة ركعتين افترش وإن كانت أربعا افترش في الأول وتورك في الثاني .

Section V03/P412–V03/P413

واحتج لمن قال يفرش فيهما بحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى وينهى عن عقب الشيطان وفي رواية البيهقي يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى وعن وائل بن حجر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفرش رجله اليسرى واحتج للتورك بحديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى رواه مسلم ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى رواه البخاري . وروى مالك بإسناده الصحيح عن اليسرى . واحتج أصحابنا بحديث أبي حميد في عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قال : فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى ، فإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته رواه البخاري بهذا اللفظ ، وقد سبق بطوله في فصل الركوع وسبق هناك رواية أبي داود والترمذي . قال الشافعي والأصحاب : فحديث أبي حميد وأصحابه صريح في الفرق بين التشهدين . وباقي الأحاديث مطلقة فيجب حملها على موافقته ، فمن روى التورك أراد الجلوس في التشهد الأخير . ومن روى الافتراش أراد الأول . وهذا متعين للجمع بين الأحاديث الصحيحة لا سيما وحديث أبي حميد وافقه عليه عشرة من كبار الصحابة رضي الله عنهم ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : الحكمة في في الثاني أنه أقرب إلى تذكر الصلاة وعدم اشتباه عدد الركعات ، ولأن السنة تخفيف التشهد الأول فيجلس مفترشا ليكون أسهل للقيام ، والسنة تطويل الثاني ولا قيام بعده ، فيجلس متوركا ليكون أعون له وأمكن ليتوفر الدعاء ، ولأن المسبوق إذا رآه علم في أي التشهدين . فرع : المسبوق إذا جلس مع الصحيح المنصوص في الأم وبه قطع الشيخ أبو حامد والنبدنيجي والقاضي أبو الطيب والغزالي والجمهور : يجلس مفترشا لأنه ليس بآخر صلاته والثاني : يجلس متوركا متابعة للإمام ، حكاه إمام الحرمين ووالده والرافعي الثالث : إن كان جلوسه في محل التشهد الأول للمسبوق افترش وإلا تورك لأن جلوسه حينئذ لمجرد المتابعة فيتابع في الهيئة ، حكاه الرافعي . وإذا جلس من عليه سجود سهو في آخره فوجهان حكاهما إمام الحرمين وآخرون أحدهما : يجلس متوركا لأنه آخر صلاته والثاني : وهو الصحيح يفترش وبه قطع صاحب العدة وآخرون ، ونقله إمام الحرمين عن معظم الأئمة لأنه مستوفز ليتم صلاته ، فعلى هذا إذا سجد سجدتي السهو تورك ثم سلم . فرع : قال أصحابنا : يتصور أن بأن يكون مسبوقا أدرك الإمام بعد الركوع يتشهد أربع مرات يفترش في ثلاثة منهن ويتورك في الرابعة .

Section V03/P413–V03/P415

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يبسط أصابع يده اليسرى على فخذه ( اليسرى ) وفي اليد اليمنى ثلاثة أقوال أحدها : يضعها على فخذه ( اليمنى ) مقبوضة الأصابع إلا المسبحة ، وهو المشهور لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثة وخمسين ، وأشار بالسبابة . وروى ابن الزبير رضي الله عنهما افترش اليسرى ونصب اليمنى ووضع إبهامه عند الوسطى وأشار بالسبابة ووضع اليسرى على فخذه اليسرى وكيف يصنع بالإبهام فيه وجهان أحدهما : يضعها بجنب المسبحة على حرف راحته أسفل من المسبحة كأنه عاقد ثلاثا وخمسين لحديث ابن عمر رضي الله عنهما والثاني : يضعها على حرف أصبعه الوسطى لحديث ابن الزبير . ( والقول الثاني ) قاله في الإملاء يقبض الخنصر والبنصر والوسطى ويبسط المسبحة والإبهام ، لما روى أبو حميد عن النبي صلى الله عليه وسلم . ( والقول الثالث ) أنه يقبض الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى لما روى وائل بن حجر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى ، ثم عقد أصابعه الخنصر والتي تليها وحلق حلقة بأصبعه الوسطى على الإبهام ورفع السبابة ورأيته يشير بها . + الشرح : حديث ابن عمر رواه مسلم بلفظه ، وحديث ابن الزبير رواه مسلم أيضا ، ولفظه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد في الصلاة وضع قدمه بين فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار بأصبعه وفي رواية لمسلم أيضا عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه ( اليمنى ) ويده اليسرى على فخذه اليسرى ، وأشار بأصبعه السبابة ، ووضع إبهامه على أصبعه الوسطى ، ويلقم كفه اليسرى ركبته . وأما حديث أبي حميد فالذي رواه أبو داود وغيره عنه بالإسناد الصحيح أنه قال وضع كفه اليمنى ( على ركبته اليمنى ) وكفه اليسرى على ركبته اليسرى ، وأشار بأصبعه وأما حديث وائل فرواه البيهقي بلفظه وابن ماجه بمعناه وإسناده صحيح . قال البيهقي : ونحن نخيره ونختار ما في حديث ابن عمر وابن الزبير لثبوت خبرهما وقوة إسنادهما ومزية رجالهما ورجحانهم في الفضل على عاصم بن كليب راوي حديث وائل . أما ألفاظ الفصل : فالمسبحة هي السبابة ، سميت مسبحة لاشارتها إلى التوحيد والتنزيه وهو التسبيح ، وسميت سبابة لأنه يشار بها عند المخاصمة والسب وقوله عقد ثلاثة وخمسين شرط عند أهل الحساب أن يضع طرف الخنصر على البنصر ، وليس ذلك مرادا هنا . بل مراده أن يضع الخنصر على الراحة كما يضع البنصر والوسطى عليها ، وإنما أراد صفة الإبهام والمسبحة وتكون اليد على الصورة التي يسميها أهل الحساب تسعة وخمسين إتباعا لرواية الحديث في صحيح مسلم وغيره كما سبق والله أعلم . أما أحكام المسألة : فقال الشافعي جميعا أن يضع يده اليسرى على فخذه اليسرى ، واليمنى على فخذه اليمنى ، وينشر أصابعه اليسرى جهة القبلة ويجعلها قريبة من طرف الركبة بحيث تساوي رؤوسها الركبة وهل يستحب أن يفرج الأصابع أم يضمها فيه وجهان ، قال الرافعي : الأصح أن يفرجها تفريجا مقتصدا ، ولا يؤمر بالتفريج الفاحش في شيء من الصلاة ، وهذا اختيار صاحب الشامل وأكثر الخراسانيين أو كثير منهم . والثاني : يضعها موجهة إلى القبلة ، وهذا الثاني أصح ، وبه قطع المحاملي والبندنيجي والروياني وآخرون . ونقل الشيخ أبو حامد في تعليقه إتفاق الأصحاب عليه . وأما قول إمام الحرمين والغزالي ومن تابعهما لا يؤمر بضم الأصابع إلا في السجود فهو اختيار منه لأحد الوجهين ، والأصح خلافه والله أعلم .

Section V03/P415–V03/P416

وأما اليمنى فيضعها على طرف وبنصرها ويرسل المسبحة ، وفيما يفعل بالإبهام والوسطى الأقوال الثلاثة التي حكاها المصنف ، وهي مشهورة في كتب الأصحاب ، وأنكروا على إمام الحرمين والغزالي حيث حكياها أوجها ، وهي أقوال مشهورة أحدها : يقبض الوسطى مع الخنصر والبنصر ويرسل الإبهام مع المسبحة ، وهذا نصه في الإملاء والثاني : يحلق الإبهام والوسطى ، وفي كيفية التحليق وجهان حكاهما البغوي وآخرون . قالوا أصحهما : يحلقهما برأسهما ، وبهذا قطع المحاملي في كتابيه والثاني : يضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام والقول الثالث : وهو الأصح أنه يقبض الوسطى والإبهام أيضا ، وفي كيفية قبض الإبهام على هذا وجهان أصحهما يضعها بجنب المسبحة كأنه عاقد ثلاثة وخمسين والثاني : يضعها على حرف أصبعه الوسطى كأنه عاقد ثلاثة وعشرين . قال أصحابنا : وكيف فعل من هذه الهيئات فقد أتى بالسنة ، وإنما الخلاف في الأفضل . قال أصحابنا : وعلى الأقوال يمناه فيرفعها إذا بلغ الهمزة من قوله لا إله إلا الله ، ونص الشافعي على استحباب الإشارة للأحاديث السابقة . قال أصحابنا : ولا يشير بها إلا مرة واحدة . وحكى الرافعي وجها أنه يشير بها في جميع التشهد وهو ضعيف ، وهل يحركها عند الرفع بالإشارة فيه أوجه الصحيح : الذي قطع به الجمهور أنه لا يحركها ، فلو حركها كان مكروها ولا تبطل صلاته ، حكاه عن أبي علي ابن أبي هريرة وهو شاذ ضعيف والثالث : يستحب تحريكها ، حكاه الشيخ أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب وآخرون . وقد يحتج لهذا بحديث وائل بن حجر رضي الله عنه أنه وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر وضع اليدين في التشهد قال ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها رواه البيهقي بإسناد صحيح . قال البيهقي : يحتمل أن يكون المراد بالتحريك الإشارة بها لا تكرير تحريكها ، فيكون موافقا لرواية ابن الزبير ، وذكر بإسناده الصحيح عن ابن الزبير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير بأصبعه إذا دعا لا يحركها رواه أبو داود بإسناد صحيح . وأما الحديث المروي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريك الأصبع في الصلاة مذعرة للشيطان فليس بصحيح . قال البيهقي تفرد به الواقدي وهو ضعيف . قال العلماء : الحكمة في وضع اليدين على الفخذين في التشهد أن يمنعهما من العبث . فرع في مسائل تتعلق بالإشارة بالمسبحة : إحداها : أن تكون إشارته بها إلى جهة القبلة ، واستدل له البيهقي بحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم الثانية : ينوي بالإشارة الإخلاص والتوحيد ، ذكره المزني في مختصره وسائر الأصحاب ، واستدل له البيهقي بحديث فيه رجل مجهول عن الصحابي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير بها للتوحيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : هو الإخلاص ، وعن مجاهد قال مقمعة الشيطان الثانية : يكره أن يشير بالسبابتين من اليدين لأن سنة اليسرى أن تستمر مبسوطة الرابعة : لو كانت اليمنى مقطوعة سقطت هذه السنة فلا يشير بغيرها لأنه يلزم ترك السنة في غيرها ، وممن صرح بالمسألة المتولي ، وهو نظير من ترك الرمل في الثلاثة لا يتداركه في الأربعة لأن سنتها ترك الرمل ، وقد سبقت له نظائر الخامسة : أن لا يجاوز بصره إشارته ، واحتج له البيهقي وغيره بحديث عبد الله بن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده اليمنى وأشار بأصبعه ولا يجاوز إشارته رواه أبو داود بإسناد صحيح والله أعلم .

Section V03/P416–V03/P419

قال المصنف رحمه الله تعالى : التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله . لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة ، فيقول : قولوا التحيات المباركات الصلوات الطيبات وذكر نحو ما قلناه . وحكى أبو علي الطبري رحمه الله تعالى عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو خلاف المذهب . وذكر التسمية غير صحيح عند أصحاب الحديث . وأقل ما يجزىء من ذلك خمس كلمات وهي : ( التحيات لله ، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ) لأن هذا يأتي على معنى الجميع . + الشرح : حديث ابن عباس رضي ثبت في التشهد أحاديث أحدها : حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا : السلام على جبريل وميكائيل ، السلام على فلان وفلان فالتفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : الله هو السلام ، فإذا صلى أحدكم فليقل : التحيات لله ، والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو رواه البخاري ومسلم وفي رواية للبخاري : كنا نقول : السلام على الله من عباده ، السلام على فلان وفلان فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن فكان يقول : التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ، السلام عليك أنها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله رواه مسلم ، وفي رواية له كما يعلمنا القرآن . وعن أبي موسى الأشعري رضي كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم : التحيات لله الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله رواه النسائي ، وروى أبو داود نحوه من رواية ابن عمر وجابر وسمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عبدالرحمن بن عبد القاري بتشديد الياء أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو على المنبر يعلم الناس التشهد يقول قولوا : التحيات لله الزاكيات لله الصلوات الطيبات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رواه مالك في الموطأ . وعن القاسم بن محمد أن عائشة رضي الله عنها : كانت إذا تشهدت قالت : التحيات الطيبات الصلوات الزاكيات لله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين صحيح رواه مالك في الموطأ .

Section V03/P419–V03/P420

فهذه الأحاديث الواردة في التشهد وكلها صحيحة ، وأشدها صحة باتفاق المحدثين حديث ابن مسعود ، ثم حديث ابن عباس ، قال الشافعي والأصحاب : وبأيها تشهد أجزأه لكن تشهد ابن عباس أفضل ، وهذا معنى قول المصنف : وأفضل التشهد أن يقول إلى آخره فقوله : أفضل التشهد دليل على جواز غيره ، وقد أجمع العلماء على جواز كل واحد منها ، وممن نقل الإجماع القاضي أبو الطيب قال أصحابنا : إنما رجع الشافعي تشهد ابن مسعود لزيادة لفظة المباركات ، ولأنها موافقة لقول الله تعالى : تحية من عند الله مباركة طيبة ولقوله : كما يعلمنا السورة من القرآن ، ورجحه البيهقي قال بأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه لابن عباس وأقر أنه من أحداث الصحابة ، فيكون متأخرا عن تشهد ابن مسعود وأضرابه . واختار أبو حنيفة والثوري و أحمد وأبو ثور تشهد ابن مسعود واختار مالك تشهد ابن عمر رضي الله عنهم ، وأما حديث جابر الذي في أوله باسم الله وبالله فرواه النسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم ولكنه ضعيف عند أهل الحديث كما نقله المصنف عنهم وكذا نقله البغوي وممن ضعفه البخاري والنسائي ، وروى التسمية البيهقي من طرق وضعفها ، ونقل تضعيفه عن البخاري ، وذكر الحاكم أبو عبد الله في المستدرك أن حديث جابر صحيح ولا يقبل ذلك منه ، فإن الذين ضعفوه أحمل من الحاكم وأتقن . وأما ألفاظ الفصل : فسمى التشهد التحيات جمع تحية ، قال الأزهري : قال الفراء : الملك ، وقيل البقاء الدائم ، وقيل : السلامة وتقديره السلامة من الآفات حكاها الأزهري ، وقيل : التحية الحيا والأول روي عن ابن مسعود وابن عباس وقاله ابن المنذر وآخرون ، قال ابن قتيبة : إنما قيل التحيات بالجمع لأنه كان لكل واحد من ملوكهم تحية يحيا بها فقيل لنا : قولوا : التحيات لله ، أي الألفاظ التي تدل على الملك مستحقة لله تعالى وحده . قال البغوي في شرح السنة : لأن شيئا مما كانوا يحيون به الملوك لا يصلح للثناء على الله تعالى ، وقوله : المباركات الصلوات الطيبات قالوا : تقديره والمباركات والصلوات والطيبات بالواو كما جاء في الأحاديث الباقية ، ولكن حذفت الواو وحذف واو العطف جائز . قوله ( الصلوات ) قيل المراد به العبادات قاله الأزهري ، وقيل : الرحمة ، وقيل : الأدعية حكاهما البغوي ، وقيل : المراد الصلوات الشرعية ، وقيل : الصلوات الخمس ، وبهذا قال ابن المنذر في الإشراف والبندنيجي وصاحب العدة والبيان ، قال صاحب المطالع : على هذا تقدير الصلوات لله منه أي هو المتفضل بها ، وقيل المعبود بها . قوله ( الطيبات ) قيل معناه الطيبات من الكلام الذي هو ثناء على الله تعالى وذكر له ، قاله الأزهري وآخرون ، وقال الخطابي : معناه ما طاب وحسن من الكلام فيصلح أن يثنى به عليه ، ويدعى به دون ما لا يليق . وقال ابن المنذر وابن بطال وصاحب البيان : معناه الصالحة . قوله ( سلام عليك أيها النبي ) قال الأزهري : فيه قولان أحدهما : معناه اسم السلام أي اسم الله عليك والثاني : معناه سلم الله عليك تسليما وسلاما ، ومن سلم الله عليه سلم من الآفات كلها .

Section V03/P420–V03/P421

قوله ( السلام علينا ) لم أر لأحد كلاما في الضمير في علينا ، وفاوضت فيه كبارا فحصل أن المراد الحاضرون من الإمام والمأمومين والملائكة وغيرهم وقوله ( وعلى عباد الله الصالحين ) العباد جمع عبد ، روينا عن الأستاذ أبي القاسم القشيري في رسالته قال : سمعت أبا علي الدقاق يقول : ليس شيء أشرف من العبودية ، ولا اسم أتم للمؤمن من الوصف بالعبودية ، ولهذا قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم المعراج وكانت أشرف أوقاته سبحان الذي أسرى بعبده ليلا الإسراء : 1 وقال تعالى : فأوحى إلى عبده ما أوحى النجم : 01 والصالحون جمع صالح . قال أبو إسحاق الزجاج وصاحب المطالع : هو القائم بما عليه من حقوق الله تعالى وحقوق عباده وقوله ( أشهد أن لا إله إلا الله ) معناه أعلم وأبين ، قوله : ( رسول الله ) قال الأزهري : الرسول هو الذي يتابع أخبار من بعثه ، وقال غيره : لتتابع الوحي إليه والله أعلم . وأما قول المصنف : ( لما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ) كذا وقع في المهذب ، وفيه محذوف تقديره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن : بسم الله وبالله التحيات لله إلى آخره ، وأما قوله ( لأن هذا يأتي على معنى الجميع ) فينازع فيه ، لأن لفظ التحيات لا يتضمن المباركات والصلوات والطيبات . أما حكم المسألة : فأكمل التشهد عندنا تشهد ابن عباس بكماله ، ويقوم مقامه في الكلام تشهد ابن مسعود ثم تشهد ابن عمر رضي الله عنهم ، وقد بينا الجميع ، وحكى الرافعي وجها غريبا أن الأفضل أن يقول : التحيات المباركات الزاكيات والصلوات لله ليكون جامعا لها كلها . وقال جماعة من أصحابنا منهم أبو علي الطبري : أن يقول في أوله : بسم الله وبالله التحيات لله إلى آخره ، وقطع الجمهور بأنه لا يستحب التسمية ، ولم يذكرها الشافعي لعدم ثبوت الحديث فيها . وحكى الشيخ أبو حامد التسمية عن علي بن أبي طالب وابن عمر رضي الله عنهم قال : ولم يقل بها غيرهما من الفقهاء . وأما أقل التشهد فقال الشافعي سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وقال جماعة : وأن محمدا رسوله كذا نقله الرافعي عن العراقيين والروياني وقال البغوي : وأشهد أن محمدا رسوله ، قال : ونقله ابن كج والصيدلاني فأسقطا قوله وبركاته ، وقالا : وأشهد أن محمدا رسول الله ( قلت ) وكذا رأيت نص الشافعي في الأم كما نقله الصيدلاني ، وكذا نقله الشيخ أبو حامد في تعليقه عن الأم . وقال ابن سريج : أقله : والتحيات لله سلام عليك أيها النبي ، سلام على عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسوله وأسقط بعضهم في الحكاية عن ابن سريج لفظ السلام الثاني فقال : السلام عليك أيها النبي وعلى عباد الله الصالحين وأسقط بعضهم الصالحين ، واختاره الإمام أبو عبد الله الحليمي من كبار أصحابنا المتقدمين ، والصحيح الأول لأنه تكرر في الأحاديث ولم يسقط في شيء من الروايات الصحيحة ، فيجب الاتيان به كله ، ولهذا قال الشافعي والأصحاب يتعين لفظه التحيات لثبوتها في جميع الروايات بخلاف المباركات وما بعدها ، ومما يدل لسقوط لفظة ( وأشهد ) رواية أبي موسى السابقة وأما إسقاط الصالحين فخطأ لأن الشرع لم يرد بالسلام على كل العباد هنا بل خص به الصالحين فيتعين أن يكون إسقاط علينا خطأ أيضا لأن المتكلم لا يدخل في الصالحين فلا يجوز حذفه .

Section V03/P421–V03/P422

فالحاصل أن في قوله : ورحمة الله والثاني : حذفهما والثالث : وجوب الأول دون الثاني وفي علينا والصالحين ثلاثة أوجه أصحها : وجوبها والثاني : حذفهما والثالث : وجوب الصالحين دون علينا ، وفي الشهادة الثانية ثلاثة أوجه أحدها : وأشهد أن محمدا رسول الله والثاني : وهو الأصح وأن محمدا رسول الله والثالث : وأن محمدا رسوله والله أعلم . فرع : وقع في المهذب : في علينا ) بتنكير سلام في الموضعين وكذا هو في البويطي وكذا ذكره المصنف في التنبيه وآخرون وكذا جاء في بعض الأحاديث . وقال جماعات من الأصحاب : السلام عليك ، السلام علينا بالألف واللام فيهما ، وكذا جاء في أكثر الأحاديث وأكثر كلام الشافعي ، ووقع في مختصر المزني : السلام عليك أيها النبي ، سلام علينا ، بإثبات الألف واللام في الأول دون الثاني واتفق أصحابنا على أن جميع هذا جائز لكن الألف واللام أفضل لكثرته في الأحاديث وكلام الشافعي ولزيادته فيكون أحوط ، ولموافقته سلام التحلل من الصلاة والله أعلم .

Section V03/P422–V03/P423

قال المصنف رحمه الله تعالى : قال لأن المقصود يحصل مع ترك الترتيب ، ويستحب إذا بلغ الشهادة أن يشير بالمسبحة لما رويناه من حديث ابن عمر وابن الزبير ووائل بن حجر رضي الله عنهم ، وهل يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في هذا التشهد فيه قولان ، قال في القديم : لا يصلي لأنها لو شرعت الصلاة فيه عليه لشرعت على آله كالتشهد الأخير ، وقال في الأم : يصلي عليه لأنه قعود شرع فيه التشهد فشرع فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كالقعود في آخر الصلاة . + الشرح : قوله ( قعود شرع فيه السجدتين ومن جلسة الاستراحة . وحاصل ما ذكره ثلاث مسائل إحداها : استحباب الإشارة بالمسبحة ، وقد سبق بيان هذه المسألة وفروعها وبيان أحاديثها وما يتعلق بها في السابق الثانية : لفظ التشهد متعين فلو أبدله بمعناه لم تصح صلاته إن كان قادرا على لفظه بالعربية فإن عجز أجزأته ترجمته وعليه التعلم ، وقد سبق بيان هذه المسألة في فصل التكبير . وحكى القاضي أبو الطيب وجها أنه لو قال : أعلم أن لا إله إلا الله بدل أشهد أجزأه لأنه بمعناه ، والصحيح المشهور أنه لا يجزيه كسائر الكلمات ، وينبغي أن يأتي بالتشهد مرتبا فإن ترك ترتيبه نظر إن غيره تغييرا مبطلا للمعنى لم تصح صلاته ، وتبطل صلاته إن تعمده لأنه كلام أجنبي ، وإن لم يغيره فطريقان المذهب : صحته ، وهو المنصوص في الأم وبه قطع العراقيون وجماعة من الخراسانيين والثاني : في صحته وجهان وقيل قولان حكاه الخراسانيون وصاحب الحاوي وقطع القاضي حسين والمتولي بأنه لا يصح والصحيح الأول . وقد روى مالك في الموطأ والبيهقي بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول في التشهد أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وقد سبق بيانه قريبا . الثالثة : هل تشرع الصلاة على النبي مشهوران ( القديم ) لا يشرع ، وبه قطع أبو حنيفة وأحمد وإسحاق ، وحكي عن عطاء والشعبي والنخعي والثوري . ( والجديد ) الصحيح عند الأصحاب تشرع ، ودليلهما في الكتاب . وحكى المحاملي في المجموع طريقين أحدهما : هذا والثاني : يسن قولا واحدا وحكى صاحب العدة طريقين أحدهما : قولان والثاني : لا يسن قولا واحدا فحصل ثلاث طرق المشهور في المسألة قولان والصحيح أنها تسن وهو نصه في الأم والإملاء . وأما الصلاة على الآل في التشهد الأول ففيه طريقان أحدهما : وبه قطع المصنف وسائر العراقيين لا يشرع والثاني : حكاه الخراسانيون أنه يبني على وجوبها في التشهد الأخير ، فإن لم نوجبها وهو المذهب لم تشرع هنا ، وإلا فقولان كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قال الرافعي : فإن قلنا لا تسن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول ولا في القنوت ففعلهما في أحدهما ، أو أوجبناها على الأولى في الأخير ولم نسنها في الأول فإن أتى بها فيه فقد نقل ركنا إلى غير موضعه ، وفي بطلان الصلاة به خلاف وتفصيل يأتي إن شاء الله تعالى . فرع : قال أصحابنا : يكره أن يزيد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والآل إذا سنناهما ، فيكره أن يدعو فيه أو يطوله بذكر آخر ، فإن فعل لم تبطل صلاته ولم يسجد للسهو سواء طوله عمدا أو سهوا ، هكذا نقل هذه الجملة الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي ، واتفق الأصحاب عليها .

Section V03/P423–V03/P424

وقد يحتج له بحديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الركعتين الأوليين كأنه على الرضف قالوا : حتى يقوم رواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال الترمذي : هو حديث حسن ، وليس كما قال لأن أبا عبيدة لم يسمع أباه ، ولم يدركه باتفاقهم ، وهو حديث منقطع .

Section V03/P424–V03/P426

قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم الأرض بيديه ، لما رويناه عن مالك ابن الحويرث في الركعة الأولى ، ثم يصلي ما بقي من صلاته مثل الركعة الثانية إلا فيما بيناه من الجهر وقراءة السورة . + الشرح : مذهبنا أنه يقوم إلى الثالثة معتمدا بيديه على الأرض ، وسبق بيان مذاهب العلماء في ذلك ودليلنا ودليلهم . قال الشافعي والأصحاب : ويقوم مكبرا ويبتدىء التكبير من حين يبتدىء القيام ويمده إلى أن ينتصب قائما ، وقد سبق في فصل الركوع حكاية قول نقله الخراسانيون أنه لا يمده ، والصحيح الأول وينكر على المصنف كونه ترك ذكر التكبير ، وهو سنة بلا خلاف للأحاديث الصحيحة التي سبق ذكرها في فصل الركوع . وهذا الذي ذكرناه من استحباب ابتداء التكبير من القيام هو مذهبنا ومذهب جماهير العلماء . وعن مالك روايتان إحداهما : هكذا والثانية : وهو أن تشرعته أنه لا يكبر في حال قيامه فإذا انتصب قائما ابتدأ التكبير . قال ابن بطال المالكي : وهذا الذي يوافق الجمهور أولى . قال : وهو الذي تشهد له الآثار . قال أصحابنا : ثم يصلي الركعة الثالثة كالثانية إلا في الجهر وقراءة السورة ففيها قولان سبقا هل تشرع أم لا فإن شرعت فهي أخف من القراءة في الثانية كما سبق وجهان في استحباب رفع اليدين إذا قام من التشهد الأول ، وذكرنا أن المشهور في المذهب أنه لا يستحب ، وأن الصحيح أو الصواب أنه يرفع يديه وبسطنا دلائله ، والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : فإذا وهو فرض ، لما روى ابن مسعود رضي الله عنه قال : كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم : السلام على الله قبل عباده السلام على جبريل وميكائيل السلام على فلان فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام ، ولكن قولوا : التحيات لله . + الشرح : إذا بلغ آخر صلاته جلس والتشهد فيه فرضان عندنا لا تصح الصلاة إلا بهما وبه قال الحسن البصري وأحمد وإسحاق وداود وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ونافع مولى ابن عمر وغيرهما ، وقال أبو حنيفة ومالك : والجلوس بقدر التشهد واجب ولا يجب التشهد وحكى الشيخ أبو حامد عن علي بن أبي طالب والزهري والنخعي ومالك والأوزاعي والثوري أنه لا يجب التشهد الأخير ولا جلوسه إلا أن الزهري ومالكا والأوزاعي قالوا لو تركه سجد للسهو ، وعن مالك رواية كأبي حنيفة والأشهر عنه أن الواجب الجلوس بقدر السلام فقط . واحتج لهم بحديث المسيىء صلاته ، وبحديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الافريقي عن بكر بن سوادة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد الإمام في آخر صلاته ثم أحدث قبل أن يتشهد فقد تمت صلاته وفي رواية ثم أحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته رواه أبو داود والترمذي والبيهقي وغيرهم وألفاظهم مختلفة ، وعن علي رضي الله عنه موقوفا ، وقياسا على التشهد الأول والتسبيح للركوع . واحتج أصحابنا بحديث ابن مسعود المذكور في الكتاب وهو صحيح بهذا اللفظ رواه الدارقطني والبيهقي وقالا : إسناده صحيح ، قال أصحابنا : وفيه وجهان أحدهما : قوله قبل أن يفرض التشهد فدل على أنه فرض والثاني : قوله صلى الله عليه وسلم : ولكن قولوا : التحيات لله وهذا أمر والأمر للوجوب ، ولم يثبت شيء صريح في خلافه ، قال أصحابنا : ولأن التشهد شبيه بالقراءة لأن القيام والقعود لا تتميز العبادة منهما عن العادة فوجب فيهما ذكر ليتميز ، بخلاف الركوع والسجود . وأما الجواب عن حديث المسيىء صلاته فقال أصحابنا : إنما لم يذكره له لأنه كان معلوما عنده ، ولهذا لم يذكر له النية وقد أجمعنا على وجوبها ، ولم يذكر القعود للتشهد ، وقد وافق أبو حنيفة على وجوبه ولم يذكر السلام ، وقد وافق مالك والجمهور على وجوبه . والجواب عن حديث ابن عمرو أنه على ضعفه الترمذي وغيره ، وضعفه ظاهر ، قال الترمذي : ليس إسناده بقوي ، وقد اضطربوا فيه ، قال العلماء : وضعفه من ثلاثة أوجه أنه مضطرب ، والأفريقي ضعيف أيضا باتفاق الحفاظ ، وبكر بن سوادة لم يسمع من عبد الله بن عمرو وأما المنقول عن علي رضي الله عنه فضعيف أيضا ضعفه البيهقي ، وروى بإسناده عن أحمد بن حنبل أن هذا لا يصح وأما القياس على التسبيح في الركوع فقد سبق الجواب عنه . وعن قياسهم على التشهد الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم جبر تركه بالسجود ، ولو كان فرضا لم يجبر ولم يجز هذا التشهد ، قال إمام الحرمين ولم يزل المسلمون يجبرون الأول بالسجود دون الثاني والله أعلم . فرع : أجمع العلماء على الإسرار واحتجوا له بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : من السنة أن يخفي التشهد رواه أبو داود والترمذي ، وقال : حديث حسن ، والحاكم في المستدرك ، وقال : حسن صحيح على شرط البخاري ومسلم ، قال الترمذي : والعمل عليه عند أهل العلم .

Section V03/P426

قال المصنف رحمه الله تعالى : متوركا فيخرج رجله من جانب وركه الأيمن ، ويضع أليتيه على الأرض لما روى أبو حميد رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في الأوليين جلس على قدمه اليسرى ونصب قدمه اليمنى وإذا جلس في الأخير جلس على أليتيه وجعل بطن قدمه اليسرى تحت مأبض اليمنى ، ونصب قدمه اليمنى ولأن الجلوس في هذا التشهد يطول فكان التورك فيه أمكن والجلوس في التشهد الأول يقصر فكان الإفتراش فيه أشبه ، ويتشهد على ما ذكرناه . + الشرح : وهذه المسألة قد سبقت بدلائلها وفروعها ، ومذاهب العلماء فيها في الفصل الذي قبل هذا .

Section V03/P426–V03/P428

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإذا وهو فرض في هذا الجلوس لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يقبل الله صلاة إلا بطهور وبالصلاة على والأفضل أن يقول : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ( كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد ) كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، لما روى كعب بن عجرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك ، والواجب من ذلك ( أن يقول ) : اللهم صل على محمد ، وفي الصلاة على آله وجهان أحدهما : يجب لما روى أبو حميد قال : قالوا : يا رسول الله كيف نصلي عليك فقال قولوا : اللهم صل على محمد و ( على أزواجه ) وذريته كما صليت على إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته ، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد والمذهب أنها لا تجب للإجماع . + الشرح : الذي أراه تقديم صلى الله عليه وسلم وعلى آله ، عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا : قد علمنا أو عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك قال : قولوا : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد رواه البخاري ومسلم بهذا اللفظ ، وفي رواية لأبي داود كما صليت على إبراهيم وكما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم وعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أنهم قالوا : يا رسول الله كيف نصلي عليك قال : قولوا : اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته ، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد رواه البخاري ومسلم وهذا لفظه . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك فكيف نصلي عليك قال : قولوا : اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم رواه البخاري في صحيحه في وسط كتاب الدعوات بهذه الأحرف ، وقد رأيت بعض الحفاظ المتأخرين الكبار عزاه إلى البخاري في غير هذا الموضع ، وفيه التصريح بقوله : كما صليت على إبراهيم وهي لما يده حييه . وعن أبي مسعود الأنصاري البدري صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد : أمرنا الله عز وجل أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، والسلام كما قد علمتم رواه مسلم بهذا اللفظ وفي رواية : كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا قال : قولوا : اللهم صلى على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد رواها أبو حاتم بن حبان بكسر الحاء ، والحاكم أبو عبد الله في صحيحهما والدارقطني والبيهقي ، واحتجوا بها . قال الدارقطني : هذا إسناد حسن ، وقال الحاكم : هذا حديث صحيح .

Section V03/P428–V03/P430

وفي هذه الرواية فائدتان إحداهما : قوله : إذا نحن صلينا عليك صلاتنا والثانية : قوله كما صليت على إبراهيم ، لأن أكثر روايات هذا الحديث ليس فيها ذكر إبراهيم إنما فيها كما صليت على آل إبراهيم . وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته لم يمجد الله ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عجل هذا ، ثم دعاه فقال له ولغيره : إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد الله والثناء عليه ، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بعد بما شاء رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأبو حاتم بن حبان بكسر الحاء وأبو عبد الله الحاكم في صحيحهما وغيرهما . قال الترمذي : حديث حسن صحيح . وقال الحاكم : حديث صحيح على شرط مسلم وفي المسألة أحاديث كثيرة غير ما ذكرناه . وأما كعب بن عجرة بضم أبو محمد ويقال أبو عبد الله ، ويقال أبو إسحاق بن عجرة الأنصاري السالمي ، شهد بيعة الرضوان توفي بالمدينة سنة اثنتين ، وقيل ثلاث وقيل إحدى وخمسين ، وهو ابن خمس وسبعين سنة وقيل غير ذلك ، وقوله : حميد مجيد قال أهل اللغة والمعاني والمفسرون : الحميد بمعنى المحمود ، وهو الذي تحمد أفعاله ، والمجيد الماجد وهو من كمل في الشرف والكرم والصفات المحمودة . أما أحكم المسألة : فالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير فرض بلا خلاف عندنا إلا ما سأذكره عن ابن المنذر إن شاء الله تعالى فإنه من أصحابنا . وفي وجوبها على الآل وجهان ، وحكاهما إمام الحرمين والغزالي قولين ، والمشهور وجهان الصحيح : المنصوص ، وبه قطع جمهور الأصحاب أنها لا تجب والثاني : تجب ولم يبين الجمهور قائله من أصحابنا ، وقد بينه أبو علي البندنيجي في كتابه الجامع ، وأبو الفتح سليم الرازي في تقريبه وصاحبه الشيخ أبو الفتح نصر المقدسي في تهذيبه وصاحب العدة فقالوا : هو قول التربجي من أصحابنا بمثناة من فوق مضمومة ثم باء موحدة مضمومة ثم جيم واحتج له بحديث أبي حميد وليس فيه ذكر الآل ، وكان ينبغي أن يحتج بما ذكرناه من الأحاديث الصحيحة المصرحة بالصلاة على الآل ، ولعل المصنف أراد بالآل الأهل وهم الأزواج والذرية المذكورة في الحديث ، وهو أحد المذاهب في ذلك كما سأذكره في فرع مستقل إن شاء الله تعالى . قال المصنف رحمه الله وغيره قائله : إن الصلاة على الآل لا تجب . قال الشافعي والأصحاب : والأفضل في صفة الصلاة أن يقول : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد إلى آخر ما ذكره المصنف . وينبغي أن يجمع ما في الأحاديث الصحيحة السابقة فيقول : اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد . وأما أقل الصلاة فقال الشافعي على محمد فلو قال صلى الله على محمد فوجهان حكاهما صاحب الحاوي . قال : وهما كالوجهين في قوله عليكم السلام ، والصحيح أنه يجزئه ، وبه قطع صاحب التهذيب ، وفي هذا دليل على أنه لو قال : اللهم صل على النبي أو على أحمد أجزأه . وكذا قطع الرافعي بأنه لو قال صلى الله على رسوله أجزأه ، قال : وفي وجه يكفي أن يقول صلى الله عليه ، والكناية ترجع إلى قوله في التشهد : وأشهد أن محمدا رسول الله قال : وهذا نظر إلى المعنى وقال القاضي حسين في تعليقه : لا يجزئه أن يقول اللهم صل على أحمد أو النبي ، بل تسمية محمد صلى الله عليه وسلم واجبة .

Section V03/P430–V03/P431

قال البغوي وغيره : وأقل الصلاة على الآل اللهم صلى على محمد وآله ، ويشترط أن يأتي بالصلاة على النبي صلى الله بعد فراغه من التشهد ، والله أعلم . فرع : في بيان آل النبي صلى الله عليه وسلم المأمور بالصلاة عليهم وفيهم ثلاثة أوجه لأصحابنا الصحيح : في المذهب أنهم بنو هاشم وبنو المطلب ، وهو الذي نص عليه الشافعي في حرملة ، ونقله عنه الأزهري والبيهقي وقطع به جمهور الأصحاب والثاني : أنهم عترته الذين ينسبون إليه صلى الله عليه وسلم وهم أولاد فاطمة رضي الله عنها ونسلهم أبدا ، حكاه الأزهري وآخرون والثالث : أنهم كل المسلمين التابعين له صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ، حكاه القاضي أبو الطيب في تعليقه عن بعض أصحابنا ، واختاره الأزهري وآخرون ، وهو قول سفيان الثوري وغيره من المتقدمين ، رواه البيهقي عن جابر بن عبد الله الصحابي وسفيان الثوري وغيرهما . واحتج القائلون بهذا بقول الله أدخلوا آل فرعون أشد العذاب غافر : 64 والمراد جميع أتباعه كلهم . قال البيهقي : ويحتج لهم بقول الله تعالى لنوح صلى الله عليه وسلم : احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك هود : 04 و فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح هود : 54 64 فأخرجه بالشرك عن أن يكون من أهل نوح . قال البيهقي : وقد أجاب الشافعي عن هذا فقال : الذي نذهب إليه أن معنى الآية أنه ليس من أهلك الذين أمرناك بحملهم لأنه تعالى قال : وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم المؤمنون : 72 فأعلمه أنه أمره أن لا يحمل من أهله من يسبق عليه القول من أهل معصيته بقوله تعالى : إنه عمل غير صالح وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال : ( جئت أطلب عليا رضي الله عنه فلم أجده ، فقالت فاطمة رضي الله عنها : انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه فاجلس ، فجاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلا فدخلت معهما فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حسنا ووحسينا فأجلس كل واحد منهما على فخذه وأدنى فاطمة من حجره وزوجها ثم لف عليهم ثوبه وأنه منتبز فقال : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا الأحزاب : 33 اللهم هؤلاء أهلي اللهم حق ، قال واثلة : قلت يا رسول الله وأنا من أهلك قال : وأنت من أهلي ، قال واثلة : إنها لمن أرجا ما أرجوه ) قال البيهقي : هذا إسناد صحيح ، قال وهو إلى تخصيص واثلة بذلك أقرب من تعميم الأمة كلها به وكأنه جعل واثلة في حكم الأهل تشبيها بمن يستحق هذا الاسم لا تحقيقا . وأما ما رواه أبو هرمزة نافع سئل من آل محمد فقال : كل مؤمن تقي . فقال البيهقي : هذا ضعيف لا يحل الاحتجاج به ، لأن أبا هرمزة كذبه يحيى بن معين وضعفه أحمد وغيره من الحفاظ ، واحتج الشافعي ثم البيهقي والأصحاب لمذهب الشافعي أن الآل هم بنو هاشم وبنو المطلب بقوله صلى الله عليه وسلم : إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد رواه مسلم . فرع : في مذاهب العلماء في الأخير . قد ذكرنا أن مذهبنا أنها فرض فيه ، ونقله أصحابنا عن عمر بن الخطاب وابنه رضي الله عنهما ، ونقله الشيخ أبو حامد عن ابن مسعود وأبي مسعود البدري رضي الله عنهما ، ورواه البيهقي وغيره عن الشعبي وهو إحدى الروايتين عن أحمد وقال مالك وأبو حنيفة وأكثر العلماء : هي مستحبة لا واجبة ، وحكاه ابن المنذر عن مالك وأهل المدينة ، وعن الثوري وأهل الكوفة وأهل الرأي وجملة من أهل العلم . قال ابن المنذر : وبه أقول .

Section V03/P431–V03/P432

وقال إسحاق : إن تركها عمدا لم تصح صلاته ، وإن تركها سهوا رجوت أن تجزئه . واحتج لهم بحديث : المسيء صلاته وبحديث ابن مسعود في التشهد ثم قال في آخره : فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك . واحتج أصحابنا بقوله تعالى : صلوا عليه وسلموا تسليما الأحزاب : 65 قال الشافعي رحمه الله تعالى : أوجب الله تعالى بهذه الآية الصلاة وأولى الأحوال بها حال الصلاة ، قال أصحابنا : الآية تقتضي وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وقد أجمع العلماء أنها لا تجب في غير الصلاة قال الكرخي : محجوج بالإجماع قبله واحتجوا أيضا بالأحاديث الصحيحة السابقة ، وأجابوا عن حديث المسيىء صلاته بأنه محمول على أنه كان يعلم التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحتج إلى ذكرهما كما لم يذكر الجلوس وقد أجمعنا على وجوبه وإنما ترك للعلم به كما تركت النية للعلم بها ، والجواب عن حديث ابن مسعود أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق الحفاظ ، وسيأتي إيضاح إدراجها وقول الحفاظ فيه في مسألة الخلاف في وجوب السلام إن شاء الله تعالى .

Questions