Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb
ذكر وصف الزاهد وفضل الزهد
قوت الزهد الذي لابد منه وبه تظهر صفة الزاهد وينفصل به عن الراغب هو أن لا يفرح بعاجل موجود من حظ النفس ولا يحزن على مفقود من ذلك وأن يأخذ الحاجة من كل شيء عند الحاجة إلى الشيء ولا يتناول عند الحاجة إلا سد الفاقة ولا يطلب الشيء قبل الحاجة ، وأول الزهد دخول غم الآخرة في القلب ثم وجود حلاوة المعاملة لله تعالى ولا يدخل غم الآخرة حتى يخرج هم الدنيا ولا تدخل حلاوة المعاملة حتى تخرج حلاوة الهوى ، وكل من تاب من ذنب ولم يجد حلاوة الطاعة لم يؤمن عليه الرجوع فيه وكل من ترك الدنيا ولم يذق حلاوة الزهد رجع في الدنيا ولا يدخل حلاوة المعاملة حتى يخرج حلاوة الهوى وخالص الزهد إخراج الموجود من القلب ، ثم إخراج ما خرج من القلب عن اليد وهو عدم الموجود على الاستصغار له والاحتقار والتقالل لهوان الدنيا عنده وصغرها في عينه فبهذا يتم الزهد ، ثم ينسى زهده في زهده فيكون حينئذ زاهدا في زهده لرغبته في مزهده ، وبهذا يكمل الزهد ؛ وهذا لبه وحقيقته ؛ وهو أعز الأحوال في مقامات اليقين ، وهوالزهد في النفس لا الزهد لأجل النفس ولا للرغبة في الزهد للزهد ؛ وهذه مشاهدة الصديقين ، وزهد المقربين عند وجد عين اليقين ، ودون هذا مقامات إخراج المرغوب فيه عن اليد مع نظره إليه وعلى مجاهدة النفس فيه ؛ وهو زهد المؤمنين ، وذلك العمل بالزهد عقد وعمل إذ كان الزهد عن الإيمان ، والإيمان قول وعمل ، وكذلك الزهد عقد وعمل ، فعقده خروج حب الدنيا من القلب بدخول حب الآخرة في القلب ، والعمل بالزهد إخراج المحبوب من اليد في سبيل الله تعالى معتاضا منه ما عنده سبحانه وتعالى من وجهه الكريم جل وتعالى أو قرب جواره في داره وإن لم تكن الدنيا موجودة فإن ترك الأسف عليها وقلة الحرص فيها ، وترك الطلب والتمني لها ، وسكون القلب مع العدم ورضاه بيسير القسم بحسب للعبد زهدا لأن ذلك حال الفقير ، فإذا قام بحكمه لم يجب عليه أكثر من القيام به ، والورع هو من الزهد كما الزهد من الإيمان والحياء والإيمان في قرن واحد ، كما جاء في الخبر إذا نزع أحدهما تبعه الآخر . وروينا في ذلك حديثا من طرق أهل البيت : الزهد والورع يجولان في القلب كل ليلة ، فإن صادفا قلبا فيه الإيمان والحياء أقاما فيه وإلا ارتحلا ، والقناعة باب من الزهد أيضا ، والرضا باليسير من الأشياء حال من الزهد والتقلل في الأشياء مفتاح الزهد ، وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله : قد حجبت قلوبنا بثلاثة أعطية فلن يكشف للعبد اليقين حتى ترفع هذه الحجب الفرح بالموجود والحزن على المفقود والسرور بالمدح ، فإذا فرحت بالموجود فأنت حريص والحريص محروم ، وإذا حزنت على المفقود فأنت ساخط والساخط معذب ، وإذا سررت بالمدح فأنت معجب والعجب يحبط العمل ، وقال الله تعالى : ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) الحديد : 23 أي منها وهذان الوصفان هما أتم حال في الزهد من أعطي أحدهما تبعه الآخرة لأن الذي لايأسى على ما فاته من الدنيا ، هو الذي لا يفرح بما أتاه منها لأنه مثله والذي لا يفرح بما أتاه منها هو الذي لا يحزن على ما فاته ، وهذا وصف عبد غير متملك لملك وسيما عبد قائم بحكم رب ونعت عبد موقن محب قد شغلته مشاهدة الآخرة عن التفرغ لمتعة الدنيا وقد فرغته معاينة الآخرة من الاشتغال بما يغني ، وفي أحد الوجوه من قوله تعالى : ( وأنه هو أغنى وأقنى ) النجم : 48 قيل : أغنى أهل الآخرة بالله سبحانه وتعالى وأغناهم عن الدنيا بالآخرة وأقنى أهل الدنيا من الدنيا أي جعل لهم قنية ومدخرا وعدة كما وصف من ذمه من قوله تعالى : ( جمع مالا وعدده ) الهمزة : 2 أي قال هذا عدة لكذا وهذه عدة لكذا فهدده بالويل فحصل من ذلك أن الزاهد في المال عدته الله تعالى في كل الأحوال وكنزه وذخره وطوبى له وحسن مآب .
وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه قال : كفى باليقين غنى وكفى بالعبادة شغلا وكفى بالموت واعظا ؛ وهذا جملة وصف الزاهد الموقن ، الذي هو للموت مرتقب مع الخبر المشهور ، ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس ، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الزهد في الدنيا علما لحقيقة الإيمان وقربه بمشاهدة الإيقان في قوله عليه الصلاة والسلام لحارثة : عرفت فالزم عبد نور الله قلبه لما قال أنا مؤمن حقا قال : وما حقيقة إيمانك ، فابتدأ بالزهد فقال : عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حجرها وذهبها وكأني بالجنة والنار وكأني بعرش ربي بارزا ، وأشد من هذا الخبر الآخر الذي جعل النبي الزهد من علامة شرح الصدر بالنور ، وهو نور التصديق الذي هو عموم وصف المؤمنين لأنه هو في التحقيق الإسلام ، ففسر قوله تعالى : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) الأنعام : 521 قيل : يا رسول الله ما هذا الشرح ؟ قال : إن النو إذا دخل القلب انشرح له الصدر وانفتح ، قيل يا رسول الله هل لذلك من علامة ؟ قال : نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله ؛ فهذا هو الزهد جعله شرطا لحقيقة الإسلام . وأشد من هذين الخبرين الخبر الثالث الذي فسر الحياء من الله تعالى بالزهد في الدنيا فقال : استحيوا من الله تعالى حق الحياء قلنا : إنا لنستحي قال : تبنون ما لا تسكنون وتجمعون ما لا تأكلون ، وبمعنى هذا تمم إيمان الوفد الذي سألهم ما أنتم ؟ فقالوا : مؤمنون ، قال : وما علامة إيمانكم ؟ فذكروا الصبر على البلاء والشكر عند الرخاء والرضا بمواقع القضاء وترك الشماتة بالمصيبة إذا نزلت بالأعداء فقال عليه الصلاة والسلام : إن كنتم كذلك فلا تجمعوا ما لا تأكلون ولا تبنوا ما لا تسكنون ولا تنافسوا فيما عنه ترحلون ؛ فهذا هو الزهدجعله تكملة إيمانهم وعلو مقامهم وتماما على إحسانهم وأعظم من هذه كلها الخبر الرابع الذي جعل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الزهد من شرط إخلاص التوحيد في حديث رويناه عن ابن المنكدر عن جابر قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من جاء بلا إله إلا الله لا يخلط معها غيرها وجبت له الجنة ، فقام إليه علي كرم الله وجهه فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما لا يخلط بها غيرها صفه لنا فسر ه لنا فقال : حب الدنيا وطلبا لها واتباعا لها وقوم يقولون قول الأنبياء ، ويعملون أعمال الجبابرة ، فمن جاء بلا إله إلا الله ليس شيء فيها من هذا وجبت له الجنة ، فلذلك كان علي رضي الله عنه يجعل الزهد مقاما في الصبر ، ويجعل الصبر عمدة الإيمان في حديثين رويناهما عنه ؛ أولهما قوله في الحديث الطويل الذي رواه عكرمة وعتبة بن حميد والحرث الأعور وقبيصة بن جابر الأسدي في مباني الإيمان أنه قال : الإيمان على أربع دعائم ، على الصبر ، واليقين ، والعدل ، والجهاد ، ثم قال فيه : والصبر منها على أربع شعب ؛ على الشوق ، والشفق ، والزهادة ، والترقب ، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات ، ومن ترقب الموت سارع في الخيرات .
والخبر الآخر في الصبر الذي جعله عمود الإيمان ينهدم الإيمان بهدمه هو قوله : والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، لا جسد لمن لا رأس له ، ولا إيمان لمن لا صبر له ، وروينا في خبر مقطوع : السخاء من اليقين ولا يدخل النار موقن ، والبخل من الشك ولا يدخل الجنة من شك ، فكان هذا الحديث مفسرا للخبر المجمل السخي ، قريب من الله ، قريب من الناس ، قريب من الجنة ، بعيد من النار ، والبخيل بعيد من الله ، بعيد من الناس ، قريب من النار ، فسر في ذلك الخبر بأي معنى يكون السخي قريبا من الله تعالى ، قريبا من الجنة لأن السخاء من اليقين وبأي معنى يكون البخيل بعيدا من الله تعالى ، قريبا من النار لأن البخل من الشك ، فالسخاء وصف الزاهد ولا يكون الزاهد إلا سخيا ، والبخل وصف الراغب ، ولا يكون الحريص إلا بخيلا ولايكون البخيل زاهدا لأن الزهد يدعو إلى إخراج الشيء ، والبخل يدعو إلى إمساكه ، فنفس السخاء زهد ، فلذلك ذم البخل لأنه رغبة في الدنيا ، ثم إن الحرص علامة البخل لأنه دليل الرغبة ، والقناعة علامة السخاء لأنها باب الزهد ، فلذلك قيل : سخاء النفس عما في أيدي النفس أفضل من سخاء البذل ، ثم يفترقان في الحكم بعد اجتماعهما في الإسم ، فمن جاد بملكه لله تعالى كان زاهدا فيه لله تعالى ووقع أجره على الله ، ومن جاد بما له لأجل الناس كان أيضا زاهدا في ذلك موصوفا بالسخاء ، ولكن ذلك لنفسه ولأجل هواه ولا أجر له عند الله تعالى إذ لم يكن من عمال الله تعالى فبطل أجره لأنه عمل لنفسه وحصل شكره وذكره في الدنيا لأنه عمل لأجل الناس . كما قال ابن المبارك رحمه الله : ما رأيت بين الفتوة والقراءة فرقا إلا في شيء واحد ماحظرت القراءة شيئا إلا قبحته الفتوة وإنما يفترقان في أن القراءة يراد بها وجه الله تعالى ، والفتوة يراد بها وجوه الناس ومدحهم وقد كان أستاذه سفيان الثوري رحمه الله يقول : من لم يحسن يتفتى لم يحسن يقترى أي من لم يعرف أحكام التفتي فيقوم بها حتى يستحق وصف فتى لم يحكم أوصاف التقري حتى يوصف بأنه قارئ ، ثم إن العبد قد يجاهد نفسه على الزهد كما يجاهدها على مخالفة الهوى وكما يجاهدها بالصبر على الحق بأن يهرج المرغوب وينفق المحبوب على كراهة من النفس وجمل بالزهدعليها فيكون له مقام في الزهد ينال البر ويستوجب مدحا من البر ، والمتزهد غير الزاهد ، وهو الذي يتصنع للزهد ويعمل في أسبابه من التقلل ورثاثة الحال في كل شيء ، فمثله مثل المتصبرين من الصابر الذي يجهل على نفسه بالصبر ويصابرها على العلم ، فيكون له مقام من الصبر ، وصفوة الزهد انتظارالموت وقصر الأمل لأن فيهما ترك الادخار وتحسين الأعمال . وقال ابن عيينة : حد الزهد أن يكون شاكرا عند الرخاء صابرا عند البلاء . وقال بشر بن الحارث رحمه الله : الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس ، من زهد فيهم فقد زهد في الدنيا ، وكذلك قال بعض الحكماء : إذا طلب الزاهد الناس فاهرب منه ، وإذا هرب من الناس فاطلبه ، وقيل ليحيى بن معاذ رحمه الله : متى يكون الرجل زاهدا ؟
فقال : إذا بلغ حرصه في ترك الدنيا حرص الطالب لها كان زاهدا ، وقال قاسم الجوعي : الزهد في الدنيا هو الزهد في الجوف بقدر ما تملك من بطنك ، كذلك تملك من الزهد فكانت الدنيا عنده الشبع وأكل الشهوات ، وقال فضيل بن عياض رحمه الله : الزهد هو القناعة فكانت الدنيا عنده هو الحرص والشره ، وقال الثوري : الزهد هو قصر الأمل فكانت الدنيا عنده طول الأمل ، وكان أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى يقول : الدنيا كل ما يشغلك عن الله تعالى فكان الزهد عنده التفرغ لله تعالى ، وقد قال : إنما الزاهد من تخلى عن الدنيا واشتغل بالعبادة والاجتهاد ، فأما من تركها وتبطل فإنما طلب الراحة لنفسه ، وكان داود الطائي رحمه الله تعالى يقول : كل ما شغلك عن الله تعالى من أهل أو مال فهوعليك شؤم . وقال أبو سليمان : من تزوج أو كتب الحديث أو طلب معاشا فقد ركن إلى الدنيا وقرأ قوله تعالى : ( إلامن أتى الله بقلب سليم ) الشعراء : 89 قال : هو القلب الذي ليس فيه غير الله تعالى ، وقال : إنما زهدوا في الدنيا لتفرغ قلوبهم من همومها للآخرة ، وقد قال أويس القرني رحمه الله تعالى : إذا خرج يطلب ذهب الزهد وكان إمامنا وشيخ شيخنا أبومحمد سهل بن عبد الله رحمه الله يقول : أول الزهد التوكل وأوسطه إظهار القدرة وقال : لا يزهدالعبد زهدا حقيقيا لا رجعة بعده إلابعد مشاهدة قدرة ، فإن أول القدرة عندي أن يشهد ما سمع من كلام القادر المزهد إذ يقول تبارك وتعالى : ( ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ) الرعد : 71 ، فالحلية الذهب والفضة ؛ وهما قيم الأشياء اللذان ملكا النفوس ونكسا الرؤوس فالمتاع ما سواهما من معادن الأرض ، فإذا شهد العبد الذهب الذي هو سبب الدنيا و لأجله أشرك من أشرك وبحبائله ارتبك من ارتبك ولوقوع حلاوته في القلب وقع من وقع ، فإذا شهد جوهر الذهب والفضة زبدا طافيا على وجه الماء لا نفع فيه ولا غنية به ولا قيمة له زهد فيه حينئذ زهدا صادقا فكان زهده معاينة لا خبرا وكان من المؤمنين حقا الذين وصفهم الحق بالحق في قوله تعالى : ( اذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ) الأنفال : 2 فالزهد مزيد الإيمان ثم قال : وعلى ربهم يتوكلون ، فالزهد يدخل في التوكل ثم قال : فاتخذه وكيلا واصبر على ما يقولون ، فالتوكل يوقف على الصبر ، وكان هذا قد سمع من كلام الله تعالى ففعله فأبلغه الله تعالى مأمنه في المقام الأمين في جنات وعيون ، واستحق وصف الله تعالى بالإيمان إذا تلا القرآن بحقيقة الإيقان فقال عز وجل : ( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ) البقرة : 121 وذلك أن هذا الزبد تشبيه من الله تعالى لمثل ضربه للحق و الباطل ، فالمثل هو الماء والزبد فمثل الحق في نفعه وبقائه بالماء ، ومثل الباطل في ذهابه وقلة نفعه بالزبد ، ثم شبه الذهب لذهابه عن الحقيقة بالزبد تشبيه مماثلة لا تشبيه مجاز لقوله : زبد مثله ، والمماثلة مستقصاة ، ثم قال : كذلك يضرب الله الأمثال للذين استجابوا لربهم الحسنى أي الجنة والبقاء .
وقال تعالى : ( للذين لايؤمنون بالآخرة مثل السوء ) النحل : 06 هم المريدون للحياة الدنيا وزينتها ، الراضون المطمئنون بها ، ليس لهم في الآخرة إلا النار ، فسبحان من نفد بصره الأبصار وسبحان مقلب الليل والنهار ، وسبحان من كل شيء عنده بمقدار ، يبصر ما لا نبصر ، كما يقدر على ما لا نقدر ، خص المشاهدين بمعنى مشاهدته كما خصهم بالإحاطة بشيء من علمه فأحاط عليهم بما شاء ، لما أحاط لهم ما شاء فكان الذهب والفضة زبدا طافيا تفرقه الرياح فيكون فوق الماء متجافيا ؛ وهما من معادن الجبال فكانت الجبال عندهم أمواجا ثابتة بإثبات وساكنة بتسكين تحسبها جامدة ، وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء وصارت الأرض بحرا عجاجا يضرب بالأمواج فيظهر بينهما من المدن والقفار للاستواء والاعوجاج وصار الأنام يسبحون في الأسراب يدبون بين المناكب والأحداب ، أظهر فيهما من كل شيء موزون بمقدار ، كتنفس النهار في الليل وكالغشاء على السيل ، ذلك لظهور حكمته وخفي قدرته ولطيف صنعه ودقيق صنعته ذلك لشهود نعمته من القيام بشكره وجعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وهم من كل حدب ينسلون ، إن ربي لطيف لما يشاء فاجتمع الفرق وارتتق الفتق وغاب كل متفرق ونطق وكان عرشه على الماء ليبلوكم ، فهذه مشاهدة أبناء الآخرة هي أعلى من زهدهم في الدنيا ، وافترق الجمع وافتتق الرتق وظهر من الماء كل شيء حي ظاهر واتسع الفضاء واستتر الغطاء ووجد التفصيل وحكم الحسبان بالتحصيل ، كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي ، أفلايؤمنون هذه مشاهدة أبناء الدنيا هي أعظم عليهم إذا تيقظوا من غيبهم وجاءت سكرة الموت بالحق ، ذلك ماكنت منه تحيد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك عطاءك فبصرك اليوم حديد ، والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا ؛ هذه مشاهدة العموم عند الموت فيعظمه عليهم بالحسرة والفوت ، وقد فرغ الخصوص من نصيبهم لمشاهدته فهم ناظرون إلى مستقبل المزيد مشغولون به عن العبيد قائمون بشاهد الحق لهم متصرفون بإشهاده إياهم ظاهرا وباطنا ولطيفا ومستترا ومعروفا ومنكرا والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون فما غلب عليه لا يظهر وما غلبه عليهم إيامهم قهر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق كلمة قالها الشاعر : ألا كل شيء ماخلا الله باطل وقال : فالحق والحق أقول : خلق سبع سموات ومن الأرض مثهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله علي كل شيء قدير ، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول : لو فسرت لكم هذه لآية لكفرتم قيل : وكيف ؟
قال : كنتم تنكرونها وإنكاركم له كفر بها ، وفي لفظ آخر : لو فسرت الآية التي في سورة النساء القصري لرجمتموني بالحجارة معناه لكفرتموني لأنهم لا يقتلون إلا كافرا عندهم ، وروينا عنه قي قوله تعالى جميعا منه قال : في كل شيء اسم حرف من أسمائه ، فاسم كل شيء من اسمه فإنما أنت بين أسمائه وصفاته وأفعاله ناطقا بقدرته وظاهرا بحكمته وبمعناه ، كان أبو محمد رحمه الله تعالى يتأول قوله : ما نزل من السماء أعز من اليقين فغابت السبع سبعا في السبع العلي والسبع السفلي لما طوى نفس الهوى وغابت العليا والسفلى في ملكوت العرش والثرى لما طوي طي النفس وغاب العرض والثرى في جبروت الأعلى لما محي طي الطي وحضر الأزلي الأول إذا غاب الحدثان الثاني وظهرالباطن الآخير حين بطن الظاهر الساتر فصار العبد شهيدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ألا كل شيء ماخلا الله باطل ، وأراه الآيات في الأفاق فتبين الحق بقول الحق سبحانه وتعالى : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم ىكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) فصلت : 53 ، ( ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط ) فصلت : 54 وكذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال : اللهم أرني الدنيا كما تراها فقال : لا تقل هكذا فإن الله تعالى لايرى الدنيا كما تراها ولكن قل أرني الدنيا كما يراها الصالح من عبادك ؛ وهذه شهادة أهل الله تعالى ، وغابت فيه الشهادة الأولى كما غيبت تلك الأولى مشاهدة أهل الدنيا فكشف هذا المقام وإظهار هذه الشهادة لا تحل إلا لشهيد ذي مقام في الصديقين عتيد ، وقال الحكيم : لقد عزت معانيه فغابت عن الأبصار : إلا الشهيد وهم أولو المطلع في القرآن الذين سلموا من هول المطلع في العيان ، وإفشاء سر الربوبية معصية وإعلان سر السر كفر ولكن يحتاج هذا الزاهد أن يشهد المزهود بمنزلة الزبد إن لم يبلغ نظره شهادة المزهد الأحد ليكون من أهل السمع والشهادة فينسى بذكر قلبه معارفه والعادة يكون عند الله شهيدا له أجره ونوره كما قال الشاهد الأعلى والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم فكيف يكون شهيدا من لم يشهد بشهادته بل كيف يشهد وصف الأولية بغير نورها أم كيف يقوم بشهادته من لم يشهد قيوميته بل كيف يرى قيوميته بغير نور وحدانيته ؟ فإن لم يقرب في هذا المكان فكما قال أو ألقى السمع وهو شهيد فيسمع من مكان هو إلى جنب القرب بعيد ويكون من أهل البيان والفكر كقول الحق المبين : ( كذلك يبين لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة ) البقرة 219 - 220 أي تتفكرون في فناء الدنيا وزوالها وبقاء الآخرة ودوامها فتؤثرون الباقي الدائم وترغبون فيه على الزائل الفاني وتزهدون فيه لأن ما يكون آخره فناء يشبه آخره أول أمره وأوله لم يكن ومايكون آخره بفاء فكأنه لم يزل فأشبه أوله آخره في البقاء ، وكذلك قال العليم الحكيم : ( والآخرة خير وأبقى ) الأعلى : 17 فوصفها لبقائها في المآل بوصفين من صفاته .
كما قال تعالى : ( والله خير وأبقى ) طه : 73 ، ولأنه قال تعالى : ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) النحل : 96 فنسب الدنيا إلينا ليذلنا بها لأنا أهل الغناء وليزهدنا فيها ، وأضاف الآخرة إليه ليعزها به لأنه أهل البقاء وليرغبنا فيها ، فإذا شهد العبد بعين قلبه ويقين إيمانه ما صدق به مما عقله الذي هو فهم سمعه وإدراك خبره ما يفنى آخره كأنه لم يكن وما يبقى آخره كأنه لم يزل كان من المتفكرين في هذه الآية المشاهدين لها ، وممن تلاها حق تلاوتها فآمن حقيقة الإيمان وزهد في الدنيا حقيقة الزهد ورغب في الآخرة حق الرغبة وكان من أولي الأيدي والأبصار أي من ذوي القوى في الدين والبصائر في اليقين ، فلما أبصر بقواه عبر الدنيا إلى الله تعالى وكان زاده تقواه ، كما قال تعالى : ( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) الذاريات : 49 أي تذكرون الفرد ففروا إلى الله أي من الأشكال والأضداد ، وكما قال : فاعتبروا يا أولي الأبصار فعبر لما أبصر معه عندها كان ممن أخذ الكتاب بقوة قيل : بعمل فيه وقيل : بيقين فيه ويقال : بجد واجتهاد ، فكان من المحسنين الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ) آل عمران : 191 الآية ، وقال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ويل لمن تلاها ومسبح بها سبلنه و ذلك أن السموات والأرض عبر بهما عما وراءهما من درجات الجنات ودركات النيران ، وهو الملكوت إلى الملك الباطن والملك الكبير فكشف هذان عما علا وسفل وأحاط بهما من العرش والثرى لمن تفكر فيهما ثم كشف ذلك له ورآه من العزة وجاوز الأفكار الملكوت لما شرحت القلوب بأنوار اليقين إلى الأفق الأعلى والجبروت فنفذت أبصار المتفكرين بقواها إلى مشاهدة ذلك وبقيت أنوار يقنيهم معاينة ما أحاط بذلك وهو ما قدمنا ذكره آنفا مما لم يظهر كشفه كنحوما نبه الله تعالى العباد بما يشهدون إلى ما وراءه مما به أيقنوا وللمؤمنين مشاهدة للدنيا قريبة دون هذه من طريق العقول يشهدون أنها عقوبة كما قيل : ما فتحت الدنيا على عبد إلا مكرا به ولا زويت عنه إلا نظرا له . وسمعنا في أخبار داود عليه السلام : أن الله تعالى أوحى إليه : تدري لم ابتليت آدم بأكل الشجرة لأني جعلت معصيته سببا لعمارة الدنيا فينبغي في دليل لخطاب أن تكون الطاعة سبب خرابها وهو الزهد فيها ، فصح بذلك الخبر المشهور : حب الدنيا رأس كل خطئة لأنه كان أساسها ولكن لايسع ذلك العامة لأنهم مرادون بالعمارة وصلح لنفرمن الخاصة لأن نقصان عددهم من الكافة لا ينقص عمارة الدنيا إذ المراد عمارتها بأهلها ، ويقال عن آدم عليه السلام : لما أكل الشجرة تحركت معدته لخروج الثفل ولم يكن ذلك مجعولا في شيء من أطعمة الجنة إلا في هذه الشجرة ، فلذلك نهيا عن أكلها قال : فجعل يدور في الجنة فأمر الله تعالى ملكا يخاطبه فقال له : أي شيء تريد ؟ فقال آدم عليه السلام : أريد أن أضع ما في بطني من أذى فقيل للملك : قل له في أي مكان تضعه علي الفرش أم على السرر أم على الأنهار أم تحت ظلال الأشجار هل ترى ههنا موضعا يصلح لذلك ولكن اهبط إلى الدنيا ، قال : وتلطف الله تعالى له بهذا المعنى فأهبطه إلى الأرض وقد نغص الله تعالى فاكهة الدنيا وغيرها بحشو العجم والثفل ليزهد فيها وأخبر أنها مقطوعة ممنوعة ليرغب في الدائم الموهوب .
وكان بعض العلماء يقول : ما سطع لي زينة من زخرف الدنيا إلا كشف لي باطنه فظهر لي عزوف عنه فهذه عناية من الله تعالى بمن وليه من أوليائه المقربين منه ، فمن شهد الدنيا بأول وصفها لم يغتر بآخره ، ومن عرفها بباطن حقيقتها لم يعجب بظاهرها ، ومن كوشف بعاقتبها لم يستهوه زخرفها ، وكان عيسى عليه السلام يقول : ويلكم علماء السوء مثلكم مثل قناة حش ظاهرها جص وباطنها نتن ، وقال مالك بن دينار رحمه الله : اتقوا السحارة فإنها تسحر قلوب العلماء يعني الدنيا ، فمن حرص على الدنيا بالباطل فقد قتل نفسه ، فإن قوى حرصه عليها واشتد عشقه لها قتل غيره ، قال الله تعالى : ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم ) النساء : 29 وقال في قتل غيره بصده إياه عن سبيل الله : ( إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ) التوبة : 43 وروينا في أخبار عيسى عليه السلام : إنه مر في سياحته ومعه طائفة من الحواريين بذهب مصبوب في الأرض فوقف عليه ثم قال : هذا القاتول فاحذروه ، ثم عبروا أصحابه فتخلف ثلاثة لأجل الذهب فأقام اثنان ودفعا إلى واحد شيئا منه يشتري لهم من الطيبات من أقرب الأمصار إليهم فوسوس إليهما العدو : ترضيان أن يكون هذا المال بينكم أثلاثا اقتلوا هذا فيكون المال بينكم نصفين ، فأجمعا على قتله إذارجع إليهما ، قال : وجاء الشيطان إلى الثالث فوسوس إليه أرضيت لنفسك أن تأخذ ثلث المال اقتلهما فيكون المال كله لك قال : فاشترى سما فجعله في الطعام فلما جاءهما به وثبا عليه فقتلاه ثم قعدا يأكلان الطعام فلما فرغا ماتا ، فرجع عيسى عليه السلام من سياحته فنظر إليهم حول الذهب صرعى والذهب بحاله فعجب أصحابه وقالوا : ما شأن هؤلاء فأخبرهم بهذه القصة ، وقيل لابن المبارك : من الناس ؟ قال : العلماء ؟ قيل : فمن الملوك ؟ قال : الزاهدون ، وروينا عن ابن المسيب عن أبي ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من زهد في الدنيا أدخل الله تبارك وتعالى الحكمة قلبه وأنطق بها لسلانه وبصره داء الدنيا ودواءها وأخرجه منها سالما إلى دار السلام .
وروينا في الخبر : الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له ، وكان الحسن البصري رحمه الله تعالى يقول : رأيت سبعين بدريا كانوا والله فيما أحل تعالى لهم أزهد منكم فيماحرم الله تعالى عليكم ، وفي حديث آخر : كانوا بالبلاء والشدة تصيبهم أشد فرحا منكم بالخصب والرخاء لو رأيتموهم قلتم مجانين ، ولو رأوا خياركم قالوا : ما لهؤلاء من خلاق ولو رأوا أشراركم قالوا ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب قال : وكان أحدهم يعرض له المال الحلال فلا يأخذه ويقول : أخاف أن يفسد على قلبي ، فمن كان له قلب حفظه من فساده وخاف من تغيره وإبعاده وعمل في صلاحه وإرشاده ، ومن لم يكن له قلب فهو يتقلب في ظلمات الهوى فربما انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ، أو يكون من أهل الرضا بالدنيا وأهل الغفلة عن آيات الله تعالى فيكون قد رضي بلاشيء وآثره على من ليس كمثله شيء كوصف من أخبر الله تعالى عنه قي قوله تعالى : ( ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون ) يونس : 7 فيستحق الإعراض من الحبيب ويستوجب المقت من القريب كمثل من أمر الله تعالى بالإعراض عنهم وترك القبول منهم إذ يقول عز من قائل : ( فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ) ( ذلك مبلغهم من العلم ) النجم : 29 - 30 وقال عز وجل : ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) الكهف : 28 أي مجاوزا لما نهي عنه مقصرا عما أمر به وقيل : مقدما إلى الهلاك ، وقد نهى الله تعالى رسوله أن يوسع نظره إلى أهل الدنيا مقتا لهم وأخبر أن ما أظهره من زهرة الدنيا فتنة لهم وأعلمه أن القناعة والزهد خير وأبقى ، تنتظم هذه المعاني في قوله تعالى : ( ولاتمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ) طه : 131 ، قيل : القناعة وقيل : فوت يوم بيوم ويقال : الزهد في الدنيا وهذا الوجه أشبه بكتاب الله تعالى بدليل قوله تعالى : ( والآخرة خير وأبقى ) الأعلى : 17 وكذلك قوله تعالى : ( ورزق ربك خىر وأبقى ) طه : 131 يعني الزهد في الدنيا ، وقال أيضا في مثله : ( بقية الله خير لكم ) هود : 86 يعني القناعة وقيل : الحلال ، وفي خبر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في أصحابه بعشار من النوق حفل وهي الحوامل وكانت من أحب أموالهم إليهم وأنفسه عندهم لأنها تجمع الظهر واللحم واللبن والولد والوبر ؛ وهي الرواحل من الإبل التي ضرب النبي عليه السلام بها مثل خيار الناس فقال عليه السلام الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة أي الإبل كثيرة والراحلة التي تجمع هذه الأوصاف الخمسة من الإبل قليل وهي العشار التي ذكر الله تعالى في قوله : ( وإذا العشار عطلت ) التكوير : 4 أي تركها أهلها وهربوا لهول قيام الساعة شغلا بنفوسهم عنها قال : فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وغض بصره فقيل له : يا رسول الله هذه أنفس أموالنا لما تنظر إليها ؟
فقال : قد نهاني الله تعالى عن ذلك ، ثم تلا هذه الاية : ( لا تمدن عينيك ) الحجر : 88 ، وفي حديث عمر رضي الله عنه : لما نزلت هذه الآية : ( والذين يكنزون الذهب والفضة ) االتوبة : 43 ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تبا للدينار والدرهم قال : فقلنا نهانا الله تعالى عن كنز الذهب والفضة فأي شيء ندخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليتخذ أحدكم لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة صالحة تعينه على أمر الآخرة وفي حديث حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من آثر الدنيا على الآخرة ابتلاه الله تعالى بثلاث هما لا يفارق قلبه أبدا وفقرا لا يستغنى أبدا وحرصا لا يشبع أبدا . وروينا حديثا مرسلا عن علي بن معبد عن علي بن أبي طلحة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يستكمل العبد الإيمان حتى يكون أن لا يعرف أحب إليه من أن يعرف ، وحتى يكون قلة الشيء أحب إليه من كثرة الشيء ، وروينا عن عيسى عليه السلام : الدنيا قنطرة خلقت يعبر عليها إلى الآخرة فاعبروها ولا تعمروها ، وقال له رجل : احملني معك في ساحتك فقال : أخرج مالك والحقني قال : لا أستطيع فقال عيسى عليه السلام بشدة : يدخل الغني الجنة أو قال بعجب : وقالوا له : لو أمرتنا يا نبي الله أن نبني بيتا نعبد الله فيه فقال : اذهبوا فابنوا بيتا على الماء قالوا : كيف يستقيم بنيان على الماء قال : فكيف تستقيم عبادة على حب الدنيا وقال : لا يبلغ أحدكم حقيقة الإيمان حتى لا يحب أن يحمد بعبادة الله تعالى ولايبالي من أكل الدنيا ، وكان بشر بن الحارث يقول : لا تحسن التقوى إلا بزهد وقال مرة : العبادة لا تليق بالأغنياء مثل العبادة على الغني مثل روضة على المزبلة ، ومثل العبادة على الفقير مثل عقد الجوهر في جيد الحسناء ، وقد استنبطنا ذلك من كتاب الله تعالى فمعنى وصف الفقراء في العبادة في قوله سبحانه وتعالى : ( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ) البقرة : 273 ثم قال : ( تراهم ركعا سجدا ) الفتح : 29 فحسنت لبسة العبادة عليهم لحسن سيماهم بالفقر ، وروينا في وصية لقمان لابنه وهو يحذره مداخل العدو قال : وإذا جاءك من قبل الفقر فأخبره أن الغني من أطاع الله تعالى والفقير من انتهك معصيته وإذا شهى إليك الغني فأخبره أنه لا يحسن جمع الغنى والقراءة ، وقال بعض السلف : أبي أهل العلم بالله تعالى أن يسمعوا الحكمة والوعظ إلا من الزاهدين في الدنيا وقالوا : ليس أهل الدنيا لذلك أهلا ولا يليق بهم .
وروينا عن عيسى عليه السلام فيما أوحى الله تعالى إليه : يا ابن آدم ابك أيام الحياة بكاء من ودع الدنيا وارتفعت رغبته إلى ما عند الله تعالى ، اكتف بالبلغة من الدنيا ليكفك منها الجشب والخشن بحق أقول لك ما أنت إلا بيومك وساعتك مكتوب عليك ما أخذت الدنيا وفيما أنفقته فاعمل على حسب هذا ، فإنك مسوؤل عنه ، لو رأيت ما وعدت الصالحين لزهقت نفسك ، فكان عيسى عليه السلام يقول : حلاوة الدنيا مرارة الآخرة وجودة الثياب خيلاء القلب يعني إعجابه وكبره وملء البطن جمام النفس يعني قوتها واجتماعها ، بحق أقول لكم : لكما لا يلذ المريض بطيب الطعام كذلك لا يجد حلاوة العبادة من أحب الدنيا ، ومن الزهد في الدنيا ترك الملبس الناعم والمنظور إلىه المرتفع واجتناب النزهات من لطائف الطعام والتفتق في الشهوات التي يرغب فيها المتنعمون وترك الزينة والمفاخر من الآلة والأثاث الذي يستأنس فيه المترفون ، ومن الزهد أن يكون الشيء الواحد يستعمل في أشياء كثيرة ، كذلك كان سيرة السلف في الأثاث وهو التقلل ، كما أن أبناء الدنيا يستعملون للشيء الواحد أشياء كثيرة ؛ وهو وصف من التكاثر وذلك من أبواب الدنيا ، وقال بعض السلف : أول النسك الزي ، وقال بعض العلماء : من رق ثوبه رق دينه ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : لا يشبه الزي الزي حتى يشبه القلب القلب . وفي الخبر المشهور : البذاذة من الإيمان قيل : هو التقارب في اللباس ، والحديث المفسر من ترك ثوب جمال وهو يقدر عليه تواضعا لله تعالى خيره الله تعالى من حلل الإيمان أيها شاء ، وفي لفظ آخر : من ترك زينة لله تعالى ووضع ثيابا حسنة تواضعا لله تعالى وابتغاء وجهه كان حقا على الله تعالى أن يدخر له من عبقري الجنة في تخات الياقوت ، ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل قباء أتوه بشربة من لبن مشوبة بعسل ، فوضع القدح من يده قال أما أني لست أحرمه ولكني أتركه تواضعا لله تعالى وأتى عمر رضي الله عنه بشربة من ماء بارد وعسل في يوم صائف فقال : اعزلوا عني حسابها ، وأوحى الله تعالى إلى نبي من أنبيائه : قل لأوليائي : لا تلبسوا ملابس أعدائي ولا تدخلوا مداخل أعدائي فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي ، ولما خطب بشر بن مروان على منبر الكوفة قال بعض الصحابة : انظروا إلى أميركم يعظ الناس وعليه ثياب لفساق قلت : وما كان عليه ، ثياب رقاق ، وجاء عامر بن عبد الله بن ربيعة إلى أبي ذر رضي الله عنه في بزته فجعل يتكلم في الزهد فوضع أبو ذر راحته على فيه وجعل يضرط به فغضب عامر فأتى ابن عمر رضي الله عنهما فقال : ألم تر ما لقيت من أخيك أبي ذر قال وما ذاك ؟ قال : جعلت أقول في الزهد فأخذ يهزأ بي فقال ابن عمر : أنت صنعت بنفسك تأتي أبا ذر في هذه البزة وتتكلم في الزهد . وقال علي كرم الله وجهه : إن الله تعالى أخذ على أئمة الهدى أن يكونوا في مثل أدنى أحوال الناس ليقتدي بهم الغني ولا يزري بالفقير فقره ، وقد عوتب عمر رضي الله في لباسه وكان يلبس الخشن من القطن قيمة قميصه ثلاثة دراهم وخمسة دراهم ويقطع ما فضل عن أطراف أصابعه وقال هذا أدنى إلى التواضع وأجدر أن يقتدي بي المسلم ، وأتت برود من اليمن إلى عمر رضي الله عنه فقسمها على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بردا بردا ، ثم صعد المنير بوم الجمعة فخطب الناس في حلة منها والحلة عند العرب ثوبان من جنس واحد ، وكان ذلك من أحسن زيهم فقال : ألا اسمعوا ألا اسمعوا ، ثم وعظ فقام سلمان فقال : والله لا نسمع والله لا نسمع قال : وما ذاك ؟
قال : لأنك قد أعطيتنا ثوبا ثوبا ورحت في حلة فقد تفضلت علينا بالدنيا ، فتبسم ثم قال : عجلت يا أبا عبد الله رحمك الله إني كنت غسلت ثوبي الحلق فاستعرت برد عبد الله بن عمر فلبسته مع بردي : فقال سلمان : قل الآن حتى نسمع ونهى وسول الله صلى الله عليه وسلم عن التنعم وقال : إن عباد الله تعالى ليسوا بالمتنعمين ورؤي فضالة بن عبي وهو والي مصر أشعث حافيا فقيل له : أنت الأمير وأنت هكذا فقال : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأرفاه وأمرنا أن نحتفي أحيانا . وروينا أن عمر رضي الله عنه خطب الناس فقال : أنشد الله رجلا علم في عيبا لا أخبرني به ، فقام شاب فقال : فيك عيبان اثنان قال : وما هما رحمك الله ؟ قال : تذيل بين البردين وتجمع بين الأدمين قال : فما أذال بين البردين وما جمع بين الأدمين حتى لقي الله تعالى ، هكذا حدثنا به قال الشيخ : بإسناده يذيل بالذال فمعناه تجمع بين ذيليهما فيتفق ذيل الأعلى على ذيل الأسفل من طول البرد الأعلى وأنا أحسب أن معناه تديل بالدال أي تبدل أحدهما بآخر دولة ذا ودولة ذا ويصلح أن يكون بالذال من الإذالة أي الوضع يقال : أشل هذا وأذل هذا مثل قول الناس من إذالة العلم أن يجيب العالم عن كل ما يسأل عنه كأنه : أراد تضعهما عندك معا وهو راجع إلى معنى تديل من الدولة ، وقال علي لعمر رضي الله تعالى عنهما : إن أردت أن تلحق بصاحبيك فارقع القميص ونكس الأزرار واخصف النعل وكل دون الشبع ، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول : اخلولقوا واخشوشنوا وتمعددوا وإياكم وزي العجم كسرى وقيصر ، وقال علي رضي الله تعالى عنه : من تزيا بزي قوم فهو منهم . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أشد من هذا أن من شرار أمتي الذي غذوا بالنعيم الذين يطلبون ألوان الطعام وألوان الثياب ويتشدقون في الكلام ، ولما قدم عمير بن سعد أمير حمص على عمر رضي الله عنه قال له : ما معك من الدنيا يا عمير ؟ قال : معي عصاي أتوكأ عليها وأقتل بها حية إن لقيتها ومعي جرابي أحمل فيه طعامي ومعي قصعتي آكل فيها وأعسل فيها رأسي وثوبي ومعي مطهرتي أحمل فيها شرابي ووضوئي للصلاة يعني السطيحة ، فما كان بعد هذا من الدنيا فهو تبع لما معي فقال له عمر صدقت رحمك الله وكان عمر رضي الله عنه قد كتب إلى أهل حمص أن عدوا لي فقراءكم فسموا له في الكتاب نفرا وذكروا فيهم سعيد بن جذيم ويقال : بل عمير بن سعد فقال عمر : من سعيد بن جذيم ؟ فقالوا أميرنا يا أمير المؤمنين ، قال : أو فقير هو ؟ قالوا : نعم ما فينا أفقر منه ، قال : فما فعل عطاؤه قالوا : يخرجه كله لا يترك لنفسه ولا لأهله شيئا منه ، فوجه إليه عمر رضي الله عنه بأربعمائة دينار وسأله أن ينفقها على نفسه وأهله ، فلما وصلت إليه دخل على زوجته وهو يبكي فقالت له ما شأنك ؟ مات أمير المؤمنين ؟ قال : أعظم من ذلك قالت : فتق فتق في المسلمين ؟ قال : أشد من ذلك ، قالت : فما هو ؟ قال : أتتني الدنيا قد كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تفتح الدنيا علي وكنت في أيام أبي بكر رضي الله عنه فلم تفتح الدنيا علي وخلفت إلى أيام عمر رضي الله عنه ألا وشر أيامي أيام عمر ، ثم حدثها فقالت : نفسي فداؤك فاصنع بها ما بدا لك فقال : أو تساعديني على ما أريد ؟
قال : نعم ، قال : أعطيني خلق ذلك البرد قال : فجعل يمزقه ويصرها فيه صررا ما بين العشرة والخمسة والثلاثة حتى أفناها ثم جعلها في مخلاة وتأبطها وخرج فاعترض جيشا من المسلمين يريدون الغزو فجعل يدفع إليهم صرة صرة على نحو ما يرى من حالهم ثم رجع ولم يترك لأهله منها دينارا ؛ فهذه كانت شمائل جملة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان رضي الله تعالى عنهم . وروينا في حديث عياض بن غنم عن النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الأخيار : إن من خيار أمتي فيما أنبأني الملأ الأعلى قوم يضحكون جهرا من سعة رحمة ربهم ويبكون سرا من خوف عذابه مؤنتهم على الناس خفيفة وعلى أنفسهم ثقيلة يلبسون الخلقان ويتبعون الرهبان ، أجسامهم في الأرض وأفئدتهم عند العرش ، وفي حديث أبي الدرداء رضي الله عنه لما وصف الأبدال قال : فقلت له : فكيف لي أن أكون بهذا الوصف وأنى لي أن أكون مثلهم ؟ فقال : يا ابن أخي ما بينك وبين أن تكون في أول ذلك وأوسطه إلا أن تزهد في الدنيا فتعاين الآخرة بقلبك فتعمل لها . وروينا في الخبر : أن الله تعالى يحب المبتذل الذي لا يبالي ما لبس ، وقال الثوري وفضيل رحمهما الله تعالى : جعل الشر كله في بيت وجعل مفتاحه الرغبة في الدنيا ، وجعل الخيركله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا ، وسئل يوسف بن أسباط وسفيان الثوري رحمهما الله تعالى : أي الأعمال أفضل ؟ فقالا : الزهد في الدنيا وهذا موجود في ظاهر الخبر المنقول عن عيسى عليه السلام ، ورويناه عن نبينا صلى الله عليه وسلم : حب الدنيا رأس كل خطيئة ففي تدبره أن بعضها رأس كل طاعة ، كذلك كان بعض السلف يقول : كفى به ذنبا لا يستغفر منه حب الدنيا ، وأشد من ذلك ما رواه سفيان عن يحيي بن سليم الطائفي رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أن عبدا عبد الله تعالى عبادة أهل السموات والأرض ولقيه محبا للدنيا لأقامه الله تعالى في الموقف مقاما شهره فيه بين الخلائق ، ألا أن فلان بن فلان قد أحب ما أبغض الله تعالى ، وقال يحيى بن جابر الطائي : قال عمرو بن الأسود العنسي : لا ألبس مشهورا أبدا ولا أنام بليل على دثار أبدا ولا أركب على مابور أبدا ولا أملأ جوفي من طعام أبدا .
فقال عمر رضي الله عنه : من سره أن ينظر إلى هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى عمرو ابن الأسود ، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر فدخل على فاطمة رضي الله تعالى عنها فرأى على بابها سترا وفي يديها قلبين من فضة فرجع ، فدخل عليها أبو رافع وهي تبكي ، فأخبرته برجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال : من أجل الستر والسوارين ، فهتكت الستر ونزعت السوارين فأرسلت بهما بلالا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : قد تصدقت به فضعه حيث ترى فقال : اذهب فبعه وادفعه إلى أهل الصفة فباع القلبين بدرهمين ونصف وتصدق به عليهم فدخل عليها وقال : بأبي أنت قد أحسنت ، وفي الخبر ما من عبد لبس ثوب شهرة إلا أعرض الله تعالى عنه حتى ينزعه وإن كان عنده حبيبا ، وقال سفيان الثوري وغيره : البس من الثياب ما لم يشهرك عند العلماء ولايحقرك عند الجهال وكان يقول : إن الفقير ليمر بي وأنا أصلي فأدعه يجوز ويمر ، بعض هؤلاء من أبناء الدنيا وعليه هذه البزة فأمقته فلا أدعه يجوز ، قال بعضهم : ما رأيت الغني في مجلس قط أذل منه في مجلس الثوري رحمه الله تعالى ولا رأيت الفقير أعز منه في مجلس الثوري ، وقال آخر : كنا إذا جلسنا إلي سفيان تمينا أنا كنا فقراء لما نرى من إقباله عليهم وإعظامه لهم وقال بعضهم : إنما العالم هو الذي يقوم الفقير من عنده غنيا والغني من عنده فقيرا ، وقال بعضهم قومت ثوبي سفيان ونعليه بدرهم وأربعة دوانيق ، وقال ابن شبرمة : خير الثياب ما خدمني وشرها ما خدمته . وقال بعض السلف : أحب الثياب إلي ما لا يستخدمني وأحب الطعام إلي ما لا أغسل يدي منه ، وقال بعض العلماء : البس من الثياب ما يخلطك بالسوقة ولا تلبس منها ما يشهرك فينظر إليك قال : وعددنا في قميص عمر رضي الله عنه أربعة عشر رقعة بعضها من أدم ، وكان بعض العلماء يقول : كثرة الثياب على ظهر ابن آدم عقوبة من الله تعالى له وكان الخواص رحمه الله تعالى لا يلبس أكثر من قطعتين ؛ إزارين أو قميص ومئزر تحته ويعطف ذيل قميصه على رأسه ويحله في وسطه فيغطي به رأسه ، وكذلك استحب للفقير وهو حد اللباس ، وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى : الثياب ثلاثة ، ثوب لله تعالى ، وثوب للنفس ، وثوب للناس ، فالذي لله تعالى ما ستر العورة وأديت فيه الفريضة ، والذي للنفس ما طلبت لينه ونقاءه ، والذي للناس ما طلبت جوهره وحسنه ، ثم قال : وقد يكون الثوب الواحد لله تعالى وللنفس .
وقد كان بعض العلماء يكره أن يكون على الرجل من الثياب ما يجاوز قيمة أربعين درهما وبعضهم يقول : إلى المائة ويعد سرفا فيما جاوزها ، وكان جمهور العلماء وخيار التابعين قيمة ثيابهم ما بين العشرين إلى الثلاثين ، وكان المتقدمون من الصحابة أثمان إزارهم اثنا عشر درهما ، فكانوا يلبسون ثوبين قيمة نيف وعشرين درهما ، واشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبا بأربعة دراهم وكان قيمة ثوبيه عشرة إلى دينار ، وكان طول إزاره أربعة أذرع ونصف ، واشترى سراويل بثلاثة دراهم وكان يلبس شملتين بيضاوين من صوف وكانت تسمى حلة لأنها ثوبان من جنس واحد وربما لبس ثوبين من جنس واحد وربما لبس بردتين يمانيين أو سحوليين من هذه الغلاظ ، وفي الخبر : كان قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قميص زيات وقد لبس عليه السلام يوما واحدا ثوب سيراء من سندس قيمته مائتا درهم فكان أصحابه يلمسون ويقولون : أنزل عليك هذا من الجنة تعجبا منه وكان قد أهداه إليه المقوقس ملك الإسكندرية فأراد أن يكرمه بقبول هديته ويلبسه ثم نزعه ، وأرسل به إلى رجل من المشركين وصله به ثم حرم لبس الحرير والديباج ، وقد يكون لبسه إياه توكيدا للتحريم بعده كما لبس خاتما من ذهب يوما واحدا ، ثم نزعه فحرم لبسه على الرجال ، وكما قال لعائشة رضي الله عنها في شأن بريرة : اشترطي لأهلها الولاء ، فلما اشترطته صعد المنبر فحرمه فهذا يكون مؤكدا للتحريم ، وكما أباح المتعة ثلاثا ثم حرمها لتوكيد أمر النكاح ، وقد يحتج بمثل هذا علماء الدنيا ويطرقون به لنفوسهم ويدعون الناس منه إليهم ويظهرون الدعوة إلى الله تعالى تأولا بمتشابه الحديث كما تأول أهل الزيغ متشابه القرآن على أهوائهم ابتغاء الفتنة وطلبا للدنيا لأن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على معاني كلام الله تعالى فيه : ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه وخاص وعام ، وعدل علماء الدنيا وأهل الأهواء عن المحكم السائر من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله إلى ما ذكرناه وقد صلى رسو ل الله صلى الله عليه وسلم في خميصة لها علم ، فلما سلم قال : شغلني النظر إلى هذه اذهبوا بها إلى أبي جهم وأتوني بانبجانيته يعني كساءه فاختار لبس الكساء على الثوب الناعم .
ورأى على باب عائشة رضي الله عنها سترا فهتكه وقال : كلما رأيته ذكرت الدنيا : أرسلي به إلى آل فلان ، وفرشت له عائشة رضي الله عنها ذات ليلة فراشا جديدا وكان ينام على عباءة مثنية ، فما زال يتقلب ليلته فلما أصبح قال : أعيدي العباءة الخلقة ونحي هذا الفراش عني قد أسهرني الليلة ، وكذلك أتته دنانير خمسة أو ستة عشاء فبيتها فسهر ليلته حتى آخرجها من آخر الليل ، قالت عائشة : فنام حينئذ حتى سمعت غطيطه ثم قال : ما ظن محمد بربه لو لقي الله تعالى وهذه عنده ، وكان شراك نعله العربي قد أخلق فأبدل بسير جديد ، فصلى فيه فلما سلم قال : أعيدوا الشراك الخلق وانزعوا هذا الجديد فإني نظرت إليه في الصلاة ولبس خاتما فنظر إليه وهو على المنبر بنظرة فرمى به وقال : شغلني هذا عنكم نظرة إليه ونظرة إليكم ، وقد قال تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) آل عمران : 31 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحبني فليستن بسنتي ، وقال في الخبر المشهور : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ، وقد كان أبو محمد سهل رحمه الله يقول : من علامة حب الله تعالى حب النبي عليه السلام ، ومن علامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة ومن علامة حب السنة بغض الدنيا ، وعلامة بغضها أن لا يأخذ منها إلا زادا وبلغة وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : إن أردت اللحوق بي فإياك ومجالسة الأغنياء ولا تنزعي ثوبا حتى ترقعيه ، وكان صلى الله عليه وسلم قد احتذى نعلين جديدتين فأعجبه حسنهما فخر ساجدا وقال : أعجبني حسنهما فتواضعت لربي خشية أن يمقتني ، ثم خرج بهم فدفعهما إلى أول مسكين رآه وأمر عليا رضي الله عنه فاحتذى له نعلين سنديتين قال : فرأيته وقد لبسهما يعني جرداوين أي معطوفتين وقال صلى الله عليه وسلم : إن أقرب الناس مني مجلسا يوم القيامة من كان على مثل ما أنا عليه من الدنيا ، وكان صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا ، وقال عليه السلام : لا يعذب الله عبدا جعل رزقه في الدنيا قوت يوم بيوم ، وقال عليه السلام : طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان رزقه في الدنيا قوتا وقنع به ، وفي لفظ آخر : وصبر عليه ، وقال عليه السلام : أحد غني ولا فقير إلا ود يوم القيامة أن رزقه كان في الدنيا قوتا . وروينا عنه صلى الله عليه وسلم : اللهم من أحبني وأجاب دعوتي فأقلل ماله وولده ، من أبغضني ولم يجب دعوتي فأكثر ما له وولده وأوطئ عقبيه كثرة الأتباع ، وكانت هذه دعوة الصحابة على من مقتوه ، وروينا في الخبر : نقصان الدنيا زيادة الآخرة وزيادة الدنيا نقصان الآخرة وفي الأثر : ما من أحد أعطي من الدنيا شيئا إلا نقص من درجته وإن كان على الله تعالى كريما .
وقال إبراهيم بن أحمد الخواص رحمه الله في وصف المدعين : وقوم ادعوا الزهد ولبسوا الفاخر من الثياب يموهون بذلك على الناس ليهدوا إليهم مثل لباسهم ولئلا ينظر إليهم بالعين التي ينظر بها إلى الفقراء فيحتقرون فيعطون كما يعطى المساكين ويحتجون لنفوسهم باتساع العلم وإنهم على السنة وإن الأشياء داخلة عليهم وهم خارجون منها ، وإنما يأخذون بعلة غيرهم ، هذا إذا طولبوا بالحقائق وألجئوا إلى المضايق ، وكل هؤلاء أكلة الدنيا بالدين لم يعنوا بتصفية أسرارهم ولا بتهذيب أخلاق نفوسهم فظهرت عليهم صفاتهم فغلبتهم فادعوا حالا لهم مائلون إلى الدنيا متبعون الهوى ، وكان الخواص رحمه الله تعالى لا يلبس أكثر من قطعتين إزارين وقميص ومئزر تحته ، ويعطف ذيل قميصه على رأسه ويغطي به رأسه ، وكذلك استحب للفقير هذا اللباس والأخبار في فضائل الفقر وفضل الفقراء وفي ذم الدنيا ونقص الأغنياء أكثرمن أن تذكر ولم نقصد جمعها ولا كثرة الاستدلال بها ، ومن الزهد ترك فضول للبنيان وأن لايبنى عاليا ولا مشيدا ولا من الطين إلا ما يحتاج إليه وقيل : أول بدعة حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المناخل والموائد ، وأول شيء ظهر من طول الأمل التدريز والتشييد يعني دروز الثياب وإنما كانت تشل شلا والبنيان الجص والآجر وهو التشييد ، وإنما كانوا يبنون بالسعف والجريد . وقد جاء في الأثر : يأتي على الناس زمان يوشون بينانهم كما توشى البرود اليمانية ، ونظر عمر رضي الله عنه في طريق الشام إلى صرح قد بني بجص وآجر فكبر وقال : ما كنت أظن أن في هذه الأمة من يبني بنيان هامان لفرعون يعني قول فرعون فأوقد لي يا هامان على الطين يعني به الآجر ، يقال : أول من بنى بالجص والآجر فرعون وأول من عمله هامان ثم تبعهما الجبابرة ، فهذا هو الزخرف ، وذكر بعض السلف جامعا في بعض الأمصار فقال : أدركت هذا المسجد مبنيا من الجريد والسعف ثم رأيته مبنيا من رهوص ثم رأيته الآن مبنيا باللبن ، فكان أصحاب السعف خيرا من أصحاب الرهوص ، وكان أصحاب الرهوص خيرا من أصحاب اللبن ، وقد كان في السلف من يبني داره مرارا في مدة عمره لضعف بنائه وقصر أمله ولزهده في إتقان البنيان وكان منهم من إذا حج أو غزا نزع بيته أو وهبه لجيرانه فإذا رجع أعاده ، وكانت بيوتهم من الحشيش والثمام والجلود وعلى ذلك العرب ببلاد اليمن إلى اليوم ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس رضي الله عنه أن يهدم علية كان قد علا بها ، ومر عليه السلام بجنبذة معلاة فقال : لمن هذه ؟ قالوا : لفلان ، فلما جاءه الرجل أعرض عنه فلم يكن يقبل عليه كما كان فسأل الرجل أصحابه عن تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فرجع فهدمها ، فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموضع فلم يرها فسأل عنها فأخبر أنه هدمها فدعا له بخير ، وكان سمك بناء السلف قامة بسطة وقال الحسن : كنت إذا دخلت بيوت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ضربت بيدي إلى السقف ، وقال عمرو بن دينار : إذا أعلى العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك إلى أين يا فاسق الفاسقين ؟ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من بنى فوق ما يكفيه كلف أن يحمله يوم القيامة ومر عمر رضي الله عنه ببيت عال فقال : أبت الدراهم إلا أن تخرج رؤوسها ومر بعامل له فرآه قد علي وشيد فقال لي : على كل خائن أمينان الماء والطين ثم شاطره ماله فجعله في بيت المال ، وفي الخبر : كل نفقة يؤجر عليها العبد إلا ما أنفعه على الماء والطين .
وقد روينا عن بعض السلف : إذا مقت الله تعالى مال عبد سلط عليه الماء والطين ، وقال يحيى بن يمان رحمه الله : كنت أمشي مع الثوري رحمه الله في طريق فنظرت إلى باب مشيد قال : لا تنظر إليه فقلت يا أبا عبد الله ما تكره من النظر قال إذا نظرت إليه كنت عونا له على بنائه لأنه إنما بناه لينظر إليه ولو كان كل من مر به لم ينظر إليه ما عمله وقد قال بعض السلف قبله : ولا تنظر إلى بنيانهم فإنهم إنما زخرفوه لأجلكم وفي قول الله تعالى : ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ) القصص : 83 قيل : حب الكثرة والرياسة والتطاول في البنيان ، وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما أكن من حر أو برد ، وقال للرجل الذي شكا إليه ضيق منزله اتسع في السماء أي في الجنة وهذا أحد التأويلين ، والثاني اتسع في المعرفة ولا تطلب اتساع المكان واعلم أن الزهد لا ينقص من الرزق ولكنه يزيد في الصبر ويديم الجوع والفقر فيكون هذا رزقا للزاهد من الآخرة على هذا الوصف من حرمان نصيبه من الدنيا وحمايته عن التكثر منها والتوسع فيها ويكون الزهد سببه فيكون ما صرفه عنه ومنعه من الغني والتوسع رزقه من الآخرة والدجات العلى بحسن اختيار من الله تعالى وحيطة نظركما . حدثنا عن بعض العلماء : أن بقالا جاءه فقال : إني كنت أبيع في محلة لا بقال فيها غيري ، فكنت أبيع الكثير ثم قد فتح علي بقال آخر فهل ينقص ذلك من رزقي شيئا فقال : لا ولكن يزيد في بطالتك عن البيع ، فلعله بطالا لاعبا يحتج لتوسعه وهواه ويموه على أبناء الدنيا ممن يتولاه فيقول بأن الزهد في الدنيا لما لم ينقص من رزقي شيئا قد صح مقاما لي مع التوسع والاستكثار وعلى التنعم والرفاهية والاستئثار لأني إنما آكل رزقي وآخذ قسمي فلي في الزهد مقام ومن الرضا والتوكل حال أو يقول : إن الزهد قد يصبح مع التكاثر والزينة يزخرف بقوله على من لا يعرف الزهد ويغر بمقالته من لايعرف طريق الزاهدين ولعله ممن يأكل الدنيا بالدين أو يزخرف القول ويشبه العلم على الغافلين ، فمثله كما قال علي رضي الله عنه للخوارج حين قالوا : لا حكم إلا الله فقال : كلمة حق أريد بها باطل وصدق رضوان الله عليه لأنهم أرادوا بذلك إسقاط حكم الأئمة وترك الطاعة للإمام العادل .
كما أراد القائل : إنما آكل رزقي وآخذ من الأشياء قسمي ، الاحتجاج لنفسه بهواه والاعتذار عند الجاهلين خيفة لومهم إياه ولا يعلم المغرور بداء الغرور أنه وإن كان يأكل رزقه من الدنيا ويأخذ قسمه من العطاء فبحكم النقص والبعد وبوصف الرغبة والحرص لأن السارق والغاصب أيضا يأكل رزقه ويأخذ قسمه ولكن بحكم المقت وسوء الاختيار إذا كان الله سبحانه وتعالى يرزق الحرام للظالمين كما يرزق الحلال للمتقين وإنما بينهما سوء القضاء ودرك الشقاء للأعداء وحسن التوفيق والاختيار بالسعادة للأولياء من المولى الكريم فقد حرم المدعي لذلك رزقه من الزهد وبخس نصيبه الأوفر من حب الفقر ونقص حظه الأفضل من الآخرة إذ كانت الدنيا ضدها وجعل ما صرف فيه وما صرف إليه سببا لنقصان مرتبته من طرائق الزاهدين ، وأنه قد اختبر بالدنيا وبما فتح عليه من السراء ليظهر صدقه من كذبه فوقع في الفتنة ولم يفطن للابتلاء وصارت مشاهدته هذه إذا كان صادقا فيها غير كاذب على وجده حجابا له عن علوم العارفين المعصومين ، واستدرج بعلمه هذا لأنه علم من علوم الدنيا يفنى بفنائها لا ثمرة له في الباقية مكر به فيه وعدل به إليه عن علوم الخائفين ومشاهدة الورعين الزاهدين الذين نظروا من الحلال في الدقيق وصدقوا القول في ترك الرغبة بالعمل بالزهد للتحقيق وإن كان كاذبا في مشاهدته ظالما لنفسه بما ادعاه من وجده فهو من أولياء الشياطين ومن أئمة المضلين قيض للاعبين وسيق إليهم فتنة لهم ليس إماما للمتقين بل من الأئمة المضلين المحرومين أبناء الدنيا الغافلين رغبة في الدنيا وزهدا في طرائق السلف لوجود الطمع وعدم اليقين فقد مكر بهذا المعدول به عن علوم الموقنين وحقائق مشاهدتهم على هذا الوصف الذي أريد به بالذي تقلب فيه وهولا يشعر بالمكر ولا يعرف الاستدراج بالنعم وأنى له بعلم ذلك والله تبارك وتعالى يقول : ( سنستدرجهم من حيث لا يعملون ) الأعراف : 182 قال تعالى : ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ) النمل : 50 فهيهات هيهات أن يفطن الممكور لما مكر به أو يعلم المستدرج ما درج فيه لأن الماكر ألطف الماكرين والمدرج أحكم الحاكمين نعوذ بالله تعالى من الاغترار بعلم الإظهار ونسأله الصلاة على نبيه محمد وآله أجمعين وحسن التوفيق لمشاهدة علم التحقيق ، وبمثل ما قلناه جاءت الآثار وكثرت الأخبار إن مثل الدنيا والآخرة كضرتين رضا إحداهما في سخط الأخرى وأنهما بمنزلة المشرق والمغرب من استقبل أحدهما استدبر الآخر ، وأنهما بمنزلة كفتي الميزان رجحان إحداهما بنقصان الأخرى وكان عمر رضي الله عنه يقول : والله إن هما إلا بمنزلة قد حين لك ملئ أحدهما فما هو إلا أن تفرغ أحدهما في الآخر يعني أنك إن امتلأت من الدنيا تفرغت من الآخرة وإن امتلأت من الآخرة تفرغت من الدنيا ، وإن كان لك ثلث قدح الآخرة أدركت ثلثي قدح الدنيا وإن كان لك ثلثا قدح الآخرة يكون لك ثلث قدح الدنيا ، وهذا تمثيل حسن إلا أن فيه شدة وتدقيقا ، وقال بعض السلف : مثل من زهدفي الدنيا مع التنعم فيها كمثل من يغسل يديه من الغمر بسمك ، وقال آخر : مثل من زهد وهو يطلب الدنيا مثل يطفئ النار بالحلفاء ، وكان بعض الزاهدين من أهل الشام يتكلم عليهم ؛ فكان رجاء بن حيوة فقيه أهل الشام يحضر مجلسه ، فاحتبس يوما عنهم وقد اجتمعوا فتكلم عليهم مؤذن الجامع فأنكر صوته رجاء بن حيوة فقال : من هذا ؟ فقال : أنا فلان فقال : اسكت عافاك الله إنا نكره أن نسمع الزهد إلا من أهله ، وفي لفظ آخر : إنا نكره أن نسمع الوعظ إلا من أهل الزهد ، وقال عيسى عليه السلام : لا تنظروا إلى أموال أهل الدنيا فإن بريق أموالهم يذهب بنور إيمانكم وقال بعض العلماء : تقليب الأموال يمص حلاوة الإيمان .
Questions
- Qu'est-ce que le tawhid, la croyance en l'unicité de Dieu en islam ?
- Qu'enseigne l'islam sur la vie après la mort ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'enseigne le Coran sur la patience (sabr) ?
- Qu'est-ce que l'ikhlas (la sincérité), et pourquoi est-ce important ?
- Comment l'islam décrit-il la purification du cœur ?