Qur'an&Sunnah

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

Section V01/P435–V01/P436

وروينا في الخبر : لكل أمة عجل ، وعجل هذه الأمة الدينار والدرهم ؛ وكان أصل العجل من الحلية ، وقال عز وجل : ( ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ) الرعد : 17 فكان فهم هذه السنة عن سمع هذه الآية يقال : مامن يوم ذي شارقة إلا وأربعة أملاك ينادون في الآفاق بأربعة أصوات ؛ ملكان بالمشرق وملكان بالمغرب ، يقول أحدهما من المشرق : يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر أقصر ، ويقول الآخر : اللهم أعط منفعا خلفا واعط ممسكا تلفا ، ويقول أحد اللذين في المغرب : لدوا للموت وابنوا للخراب ، ويقول الآخر : كلوا وتمتعوا لطول الحساب ، وقال بعض العلماء : إن الله تعالى وسم الدنيا بالوحشة ليجعل أنس المطيعين به وبلغنا أن من دعاء أبي بكر الصديق رضي الله عنه : اللهم إني أسألك الذل عند النصف من نفسي والزهد فيما جاوز الكفاف . وقال بعض العارفين : ما من شيء إلا وهومطروح في الخزائن إلا الفقر مع المعرفة فإنه مخزوم مختوم عليه لا يعطاه إلا من طبع بطابع الشهداء ، وقد يحتج بعض علماء الدنيا لأنفسهم بتفضيل الغنى على الفقر بتأويل الخبر من قوله تعالى : ( ذلك فضل الله يوتيه من يشاء ) الجمعة : 4 وهذا عند أولي الألباب في تدبر الخطاب معني به الفقراء لأنه قيل لهم في أول الكلام : إن فعلتم كذا لم يسبقكم أحد قبلكم ولم يدرككم أحد بعدكم فثبت هذا القول من رسول الله صلى الله عليه وسلم فصح لأنه معصوم في قوله كما هو معصوم في فعله ، فلا ينبغي أن ينقض أول الكلام آخره ، فما جاء بعده محمول عليه ولم يصلح أن ينقلب لأنه إخبارعن شيء فلا يجوز الرجوع عنه ، ولما فعل الأغنياء ما أمر به الفقراء وقف الفقراء في نظر الرسول صلى الله عليه وسلم لمنظرهم إلى مزيد الأغنياء عليهم بالقول فرجعوا إليه يستفتون منه ما أخبر به قال : لاتعلجوا فإن الذي قلت لكم كما قلت هو فضل الله تعالى يؤتيه من يشاء وأنتم ممن شاء أن يؤتيه فضله ، فصح تأويلنا هذا وبطل تأويلهم بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم الأول ، فكان قوله الثاني بالآخر مواطئا لقوله الأول ولم يناقض الأول بالآخر ، كيف وقد جاء دليل ما قلنا مكشوفا في الحديث المفسر الذي رويناه عن زيد بن أسلم عن أنس رضي الله عنه قال : بعث الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا فقال : إن رسول الفقراء إليك فقال : مرحبا بك وبمن جئت من عندهم من عند قوم أحبهم قال : قالوا : يا رسول الله إن الأغنياء ذهبوا بالجنة يحجون ولا نقدر عليه ويعتمرون ولانقدر عليه وإذا مرضوا بعثوا بفضل أموالهم ذخيرة لهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبلغ عني الفقراء أن لمن صبر واحتسب منكم ثلاث خصال ليست للأغنياء ، أما خصلة واحدة فإن في الجنة غرفا ينظر إلها أهل الجنة كما ينظر أهل الأرض إلى نجوم السماء لا يدخلها إلا نبي فقير أو شهيد فقير أو مؤمن فقير ، والثانية يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم وهو خمسمائة عام ، والثالثة إذا قال الغني : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، وقال الفقير مثل ذلك لم يلحق الغني الفقير ، وإن أنفق فيها عشرة آلاف درهم وكذلك أعمال البر كلها فرجع إليهم فقالوا : رضينا فهذا يدل على صحة تأويلنا . وقد روينا معنى هذا مجملا في الخبر الذي رويناه عن إسماعيل بن عياش عن عبد الله ابن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : أي الناس خير ؟ قالوا : موسر من المال يعطي حق الله في نفسه وماله فقال : نعم الرجل هذا وليس به قالوا : فمن خير الناس ؟

Section V01/P436–V01/P437

مؤمن فقير يعطي جهده ، فذهب القوم إلى علم العقل فردهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى علم اليقين فكذلك من فضل حال الغنى على حال الفقر فإنه ينظر في العلم بعين العقل وإنما يشهد الآخرة والحقيقة بعين اليقين وهذا نص في تفضيل حال الفقر ، فمن فضل الغنى بعده فقد عاند السنة إن كان عالما فأحسن حاله الجهل بالآثار وإن كان جاهلا فمقامه في الجهل أضر عليه من نطقه بالعلم بهوى ، وفي الخبر الآخر : خير هذه الأمة فقراؤها وأسرعها تضجعا في الجنة ضعفاؤها ، وقال صلى الله عليه وسلم لبلال : إلق الله تعالى فقيرا ولا تلقه غنيا قال : وكيف لي بذلك ؟ قال : إذا سئلت فلا تمنع وإذا أعطيت فلا تخبأ أفتراه كان يأمر بلالا بأدنى الحالين فكيف وهو من أعلى الصحابة فأشبه الفقر في الأحوال اليقين في الإيمان ، كما قال لابن عمر : اعمل لله بالرضا واليقين فإن لم يكن فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا فرفعه إلى اليقين لفضله كما رفع بلالا إلى الفقر لشرفه في الأحوال فلم يكن صلى الله عليه وسلم يرضى لبلال إلا ما يرضاه لنفسه فصار الفقر حال الموقن لأنه يكشف الآخرة ، وصار الشكر في الغنى حال المؤمن لأنه يوجد الدنيا ففضل الفقير الزاهد على الغني الشاكر كفضل الموقن الشاهد على الموقن المجاهد . وكذلك روينا في حديث عطاء عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم توفني فقيرا ولا توفني غنيا ولم يكن ليأمر بلالا بأدنى الحالين فيقول : إلق الله تعالى فقيرا كما لم يندب ابن عمر إلى أخفض المقامين لقوله : اعمل لله تعالى بالرضا في اليقين ، وكذلك جاء في الخبر المشهور الذي دعا فيه صلى الله عليه وسلم لنفسه أن يحييه الله تعالى مسكينا ويتوفاه مسكينا ويحشره في زمرة المساكين ، كل ذلك لتفضيل الفقر وتشريف الفقراء مع قوله صلى الله عليه وسلم يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم يعني خمسمائة عام ، وروينا عن عيسى عليه السلام أنه قال : إني لأحب المسكنة وأبغض المال للغني وإن في المال داء كثيرا قيل : ياروح الله وإن كان يكتسبه من حلال قال يشغله كسبه عن ذكر الله تعالى قال وهب بن منبه لابن عباس : إنا نجد في التوراة أن الفقير المصلح خير من الغني المصلح ، قال ابن عباس : أما علمت أنه لا شيء أحب إلى الله تعالى من الفقير إذا كان صالحا وقيل : كان أحب الأسماء إلى عيسى عليه السلام أن يدعى به أن يقال له يا مسكين وكان يقول : من شر الغنى أن العبد يعصي ليستغني ولا يعصي ليفتقر ، وقد قال بعض حكمائنا في كلام منظوم : يا عائبا للفقر تبغي الغنى . . . عيب الغنى أعظم لو تعتبر إنك تعصي لتنال الغنى . . .

Section V01/P437–V01/P438

ولست تعصي الله كي تفتقر وروينا في حديث عطاء عن أبي سعيد الخدري : يا أيها الناس لا تحملنكم العسرة والفاقة على أن تطلبوا الرزق من غير حله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم توفني فقيرا ولا توفني غنيا واحشرني في زمرة المساكين ، وقال لقمان لابنه : يا بني إن من أعون الأخلاق على صلاح الدين زهدا في الدنيا ، من يزهد في الدنيا يرغب فيما عند الله تعالى ، ومن يرغب فيما عند الله تعالى يعمل لله تعالى ، ومن يعمل الله تعالى يأجره الله تعالى ، وقال الحواريون : يا روح الله نحن نصلي كما تصلي ونصوم كما تصوم ونذكر الله تعالى كما أمرتنا ولا نقدر نمشي على الماء كما تمشي أنت ، فقال : أخبروني كيف حبكم للدنيا قالوا : إنا لنحبها فقال : إن حبها يفسد الدين لكنها عندي بمنزلة الحجر والمدر ، وفي خبر آخر : إنه رفع حجرا فقال : أيهما أحب إليكم هذا أو الدنيار والدرهم ؟ قالوا الدنيار ، قال : فإنهما عندي سواء ويقال إن من صح زهده في الدنيا حتى يستوي عنده الذهب والحجر مشى على الماء وقد اشتهر ذلك في العامة حتى قال الشاعر : لو كان زهدك في الدنيا كزهدك في . . . وصلي مشيت بلا شك على الماء وروينا أن عيسى عليه السلام مر في سياحته برجل نائم ملتف في عباءة فأيقظه وقال : قم يا نائم فاذكر الله تعالى فقال : ما تريد مني ؟ إني قد تركت الدنيا لأهلها فقال له عيسى عليه السلام : نم حبيبي إذا نم ، وروينا عن موسى عليه السلام أنه مر برجل نائم على التراب وتحت رأسه لبنة ووجهه ولحيته في التراب وهو متزر بشمل عباءة فقال : يا رب عبدك هذا في الدنيا ضائع ، فأوحى الله تعالى إليه : يا موسى أما علمت أني إذا نظرت إلى عبدي بوجهي كله زويت عنه الدنيا كلها ، وأوحى الله سبحانه وتعالى إلى نبيه إسماعيل عليه السلام : اطلبني عند المنكسرة قلوبهم قال يا رب ومن هم قال الفقراء الصادقون ، فهذا كأنه مفسر لخبر موسى عليه السلام في وقوله أين أجدك قال : عند المنكسرة قلوبهم وقد كان أحمد بن عطاء وهو من المتأخرين يفضل حال الغنى على الفقر لشبهة دخلت عليه ، وهو أن بعض الشيوخ سأله عن الوصفين أيهما أفضل ؟

Section V01/P438–V01/P439

قال : الغني لأنه صفة الحق فقال له الشيخ : فالله غني بالإعراض والأسباب فانقطع ولم ينطق بحرف ، وهذا كما قال الشيخ لأن الله تعالى غني بوصفه ، فالفقير أحق بهذا المعنى لأنه غني بوصفه بالإيمان لا بالأسباب لانفرادها عنه ، فهو الأفضل فأما الغني فإنه مشتت مجتمع بالأسباب فهو مفضول بالارتياب وقد خالفه الخواص فوفق للصواب وكان فوقه في المعرفة فقال في كتاب شرف الفقر والفقر صفة الحق أي صفة منه يصف به الفقراء فوافقنا في التأويل يعني أنه تعالى متخل عن الأشياء منفرد عنها ، ووجه آخر من الغلط الذي دخل عليه من جهة الغنى الذي ذكره لأنه إن كان فضل الغنى على الفقر لأنه صفة الحق فينبغي أن يفضل المتكبر الجبار ومن أحب المدح والعز والحمد لأن ذلك كله صفة الحق فما أجمع أهل القبلة على ذم من كان هذا وصفه كان من وصفه الغنى في معناه لأن وصف الغنى صفة الحق مقترن بالعز والكبر ، وينبغي أن يسلم صفات الحق للحق ولا ينازع إياها ولا يشارك فيها ، فبطل قول ابن عطاء لصحة قول الرسول صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى العز إزاري والكبرياء ردائي من نازعني أحدهما قصمته في النار ، وقد خالفه أيضا ووافقنا من لا يشك الخاص والعام في فضل معرفته عليه أبو محمد سهل بن عبد الله فقال : من أحب الغنى والبقاء والعز فقد نازع الله تعالى صفاته وهذه صفات الربوبية يخاف عليه الهلكة فإذا ثبت ذلك كان الفقر أفضل لأنه وصف العبودية ، فمن جعله وصفه فقد تحقق بالعبودية وأوصاف العبودية هي أخلاق الإيمان وهي التي أحبها الله تعالى من المؤمنين مثل الخوف والذل والتواضع والفقر مضاف إليها وأوصاف الربوبية ابتلى به قلوب أعدائه الجبارين والمتكبرين مثل العز والكبر والبقاء والغنى مضموم إليها . وكان الحسن رحمه الله يقول : مارأيت الله تعالى جعل البقاء إلا لأبغض خلقه إليه وهو إبليس ، وكذلك كان العلماء يقولون : لا ترغبوا في البقاء في هذه الدنيا فإن شرار الخلق أطولهم بقاء وهم الشياطين ، والغنى إنما يراد للبقاء ويقال : إن الجنيد رحمه الله تعالى باهل بن عطاء في هذه المسألة ودعا عليه لأنه أنكر قوله أشد الإنكار وكان يقول : الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر وإن تساويا في القيام بحكم حالهما لأن الغني التقي يمتع نفسه وينعم صفته والفقير الصابر قد أدخل على صفته الآلام والمكاره فقد زاد عليه بذلك ، وهذا كما قال وكذلك كان أحمد بن حنبل يقول : ما أعدل بالفقر شيئا وكان يفضل حال الفقر يعظم شأن الفقير الصابر وقال المروزي وذكر بعض الفقراء فجعل يمجده ويكثر السؤال عنه قال : فقلت له يحتاج إلى علم فقال ويحك اسكت صبره على الفقر ومقاساته للضر فيه خير من كثير من العلم ثم قال هؤلاء خير منا بكثير وأقول إن من فضل حال الغنى على الفقر فإنه لم يذق مرارة الفقر ولا حلاوته فهو غر بشدته فاقد لحلاوته لأنه لو ذاق مرارته من الضر والهم لفضله ولوأذيق حلاوته من الزهد والرضا لما فضل عليه .

Section V01/P439

وقد روينا في الخبر : يقول إبليس لم ينج الغني مني من إحدى ثلاث خصال ؛ أن أحبب إليه المال فيكتسبه من غير حقه أو يضعه في غير حقه أو يمنعه من حقه ، فلولم يعلم العدو أن الفقر من أفضل الأحوال ما قعد على طرقه وقد قال لأقعدن لهم صراطك المستقيم فأخبر الخبر عنه فقال : الشيطان يعدكم الفقر أي يخوفكم به ، فجاء الفقير الصادق فسلك الطريق المستقيم إلى الآخرة واطرح تخويف العدو بحول الله وقوته وقيل : الأغنياء المغتبطون بغناهم تخويف العدو فجاء بنو الفقر فحلق بهم مثل السوء ، من ذلك قوله : ( إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون ) آل عمران : 175 فقبلوا تخويف الشيطان وخالفوا ندب الرحمن فكانوا كمن قيل فيهم : ( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه ) الحج : 11 ، الآية فلو لم يكن من فضل الزاهدين إلا أنهم توسطوا الطريق الذي هرب الناس منه وأمنوا بالتوكل على الله والرضا عنه ماخافه أبناء الدنيا لكفاهم .

Section V01/P439

ذكر ماهية الدنيا وكيفية الزهد فيها وتفاوت الزهاد في مقاماتهم

Section V01/P439–V01/P440

، ثم إن الدنيا هي نصيب كل عبد من الهوى وما دنا من قلبه من الشهوات ، فمن زهد في نصيبه وملكه من هواه المذموم فهذا هو الزهد المفترض ، ومن زهد في نصيبه من المباح وهو فضول الحاجة من كل شيء ، فهذا هو الزهد المفضل يرجع ذلك إلى حظوظ جوارحه التي هي أبواب الدنيا منه وطرقها إليه ، فالزهد في محرماتها هو زهد المسلمين به يحسن إسلامهم ، والزهد في شبهاتها هو زهد الورعين به يكمل إيمانهم ، والزهد في حلالها من فضل حاجات النفس هو زهد الزاهدين به يصفو يقنيهم ، وروينا في حديث عمرو بن ميمون عن الزبير بن العوام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : يازبير اجهد نفسك عند نزول الشهوات والشبهات بالورع الصادق عن محارم الله عز وجل تدخل الجنة بغير حساب ، وكان سهل يقول في فضائل الزهد وأعلى مقاماته : لا يتم زهد عبد حتى يزهد في هذه الثلاث ؛ في الدرهم الذي يريد أن ينفقه في أبواب البر يتقرب بذلك إلى الله تعالى ، ويزهد في الثياب التي تستر بدنه في الطاعات ، ويزهد في قوته الذي يستعين به على العبادة ، وإنما قال هذا لأن عنده حقيقة الزهد من أفضل المقامات كلا لأنه كان يقول : يعطى الزاهد جميع ثواب العلماء والعباد ، ثم يقسم على المؤمنين ثواب أعماله ، وقال : لا يوافي القيامة أحد أفضل من ذي زهد وعلم ورع ، وقال أيضا : لا ينال الزهد إلا بالخوف لأن من خاف ترك فجعل الزهد مقاما في الخوف رفعه مزيدا لهم عليه . وقد روى مسروق عن ابن مسعود : ركعتان من زاهد قلبه خير له وأحب إلى الله تعالى من عبادة المتعبدين المجتهدين إلى آخر الدهر أبدا سرمدا ولانهاية للزهد عند طائفة من العارفين لأنه يقع عن نهاية معارفهم بدقائق أبواب لدنيا وخفايا لوائح الهوى ، وقال بعضهم : نهاية الزهد أن تزهد في كل شيء وتتورع عن كل شيء للنفس فيه متعة وبه راحة فهذا كما روى عن عيسى عليه السلام أنه وضع تحت رأسه حجرا فكأنه لما ارتفع رأسه عن الأرض استراح بذلك فعارضه إبليس فقال : يا ابن مريم ألست تزعم أنك قد زهدت في الدنيا قال : نعم ، قال : فهذا الذي وطأته تحت رأسك من أي شيء هو ؟ قال : فرمى عيسى عليه السلام بالحجر ، وقال : هذا لك مع ما تركت ومثله . روينا عن يحيى بن زكريا عليهما السلام أنه لبس المسوح حتى نقب جلده فسألته أمه أن ينزع مدرعته الشعر ويلبس مكانها جبة من صوف ففعل فأوحى الله تعالى إليه : يا يحىى آثرت علي الدنيا قال : فبكى ونزع الصوف ورد مدرعته الشعر على جسده ، وكان الحسن يقول : أدركت سبعين من الأخيار ما لأحدهم إلا ثوبه وما وضع أحدهم بينه وبين الأرض ثوبا قط ، كان إذا أراد النوم باشر الأرض بجسمه وجعل ثوبه فوقه واعلم أني رأيت جمل النعم ثلاثا وتمامها بالزهد ، وذلك أن أصل النعم كلها الإسلام ، لأن من ورائه مقامات كثيرة أخطأوا فيها حقيقة التوحيد ، ثم النعمة الثانية السنة ، إذ من ورائها بدع كثيرة كلهم أخطأوا حقيقة السنة ، والنعمة الثالثة العلم بالله تعالى لأن من ورائه جهلا كثيرا بعظمة الله تعالى وقدرته ، ثم الزهد في الدنيا فمن أعطيه مع الثلاث تمت عليه النعم فكان مع الذين أنعم الله تعالى عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، أي تمت نعمة الله عليهم لأن من ورائه حرصا كثيرا على الشبهات ورغبة عظيمة في الشهوات .

Section V01/P440–V01/P441

وقد كان سهل رحمه الله تعالى يجعل الزهد من شرط السنة والاتباع لقوله تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ) آل عمران : 31 قال : فمن السنة اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وكان زاهدا ثم تفاوت الزاهدون لأي شيء زهدوا مقامات على نحو علو المشاهدات ، فمنهم من زهد إجلالا لله تعالى ، ومنهم من زهد حياء من الله تعالى ، ومنهم من زهد خوفا من الله تعالى ومنهم من زهد رجاء موعود الله تعالى ومنهم من زهد مسارعة منه لأمر الله تعالى ومنهم من زهد حبا لله تعالى وهو أعلاهم وأدناهم من زهد مخافة طول الوقوف ومناقشة الحساب كما قيل : ذو الدرهمين أشد حسابا يوم القيامة من ذي الدرهم ولأن طريق المتقين لا يسلكه من ملك في الدنيا زوجين من شيء ، ما أحد يعطي من الدنيا شيئا إلا قيل : خذه على ثلاثة أثلاث ؛ ثلث هم ، وثلث شغل ، وثلث حساب ، وأن الرجل من الأغنياء ليوقف للحساب ما لو ورد مائة بعير عطاش على عرقه لصدرن رواء وإنه ليرى منازله من الجنة فلما وقر هذا في قلوب الورعين أشفقوا من طول الحساب فزهدوا في الجمع والمنع وفارقوا فضول الآمال طلبا لخفة السؤال وسرعة الوقوف في الأهوال ، ومن الزهد في الدنيا حب الفقر وأهله ومجالسة المساكين في أوطانهم والتذلل لهم كما كان مطرف رحمه الله تعالى يجالس المساكين في بزته يتقرب بذلك إلى ربه ، وكان محمد بن يوسف الأصفهاني عالما زاهدا ومن الناس من كان يفضله على الثوري رحمها الله تعالى ، إلا أنه كان يؤثر الخمول فلم يكن يعرفه إلا العلماء ، وكان من حسن رهعايته وشدة يقظته يعمل في كل وقت أفضل ما يقدر عليه في ذلك الوقت ، فلما طلبه ابن المبارك بالمصيصة قال له بعض من يعرف حاله : إن ذاك لا يكون في المصر إلا في أفضل موضع فيه قال : فهو إذا في الجامع فطلبه فقيل له : إنه لا يقعد إلا في أفضل مكان قال : فطلبه عند الفقراء فإذا هو دس رأسه وأخمل نفسه مع المساكين فكان عنده أن أفضل وطن في المصر الجامع لأنه يقال : إن الصلاة فيه بخمسين صلاة وإن أفضل الأماكن موضع الفقراء من الجامع وإن أفضل الأحوال الخمول ، فلذلك أخمل نفسه فيما بين الفقراء في الجامع ليحوز فواضل الأعمال ، ومن الزهد أن يكون بفقره مغتبطا مشاهدا لعظيم نعمة الله تعالى عليه به يخاف أن يسلب فقره ويحول عن زهده ، كما يكون الغني مغتبطا بغناه يخاف الفقر ثم وجودحلاوة الزهد حتى يعلم الله تعالى من قلبه أن القلة أحب إليه من الكثرة وأن الذل أحب إليه من العز وأن الوحدة آثر عنده من الجماعة وأن الخمول أعجب إليه من الاشتهار فهذا من إخلاصه في زهده .

Section V01/P441–V01/P442

وروينا عن عيسى عليه السلام وعن نبينا عليه السلام : أربع لا يدركن إلا بعجب الصمت ، وهو أول العبادة والتواضع وكثرة الذكر وقلة الشيء ، وقال الثوري رحمه الله تعالى : لا يكون الرجل عالما حتى يعد البلاء نعمة والرخاء عقوبة ، وقال بعض السلف : لا يفقه العبد كل الفقه حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى والذل آثر عنده من العز ، وقد روينا خبرا مقطوعا : لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يكون أن لا يعرف أحب إليه من أن يعرف وحتى يكون قلة الشيء أحب إليه من كثرته ، وكان السلف الصالح يقولون : نعمة الله علينا فيما صرف عنا من الدنيا أعظم من نعمته فيما صرف إلينا ، وكان الثوري رحمه الله تعالى يقول الدنيا دار التواء لا دار استواء ودار ترح لا منزل فرح ، من عرفها لم يفرح برخاء ولم يحزن على شقاء ، وكان سهل بن عبد الله رحمه الله يقول : لا يصح التعبد لأحد ولايخلص له عمل حتى لا يجزع ولا يفر من أربعة أشياء : الجوع ، والعرى ، والفقر ، والذل . كما روينا أن إبراهيم التميمي رحمه الله تعالى دفع إليه خمسون ألف درهم فردها فقيل له : لم رددتها فقال : أكره أن أمحو اسمي من ديوان الفقراء بخمسين ألفا ، ومن الزهد عند الزاهدين ترك فضول العلوم التي معلوماتها تؤول إلى الدنيا وتدعو إلى الجاه والمنزلة عند أبنائها وفيما لا نفع فيه في الآخرة ولا قربة به عند الله تعالى وقد تشغل عن عبادة الله تعالى وتفرق الهم عن اجتماعه بين يدي الله تعالى وتقسي القلب عن ذكر الله تعالى وتحجب عن التفكر في آلائه وعظمته ، وقد أحدثت علوم كثيرة لم تكن تعرف فيما سلف اتخذها الغافلون علما وجعلها البطالون شغلا انقطعوا بها عن الله تعالى وحجبوا بها عن مشاهدة علم الحقيقة لا نستطيع ذكرها لكثرة أهلها إلا أن نسأل عن شيء منها أعلم هو أم كلام أم حق أو تشبيه أو صدق وحكمة أو زخرف وغرور أم سنة ، هو عتيق أو محدث وتشديق ، فحينئذ نخبر بصواب ذلك ، ومن أفضل الزهد : الزهد في الرياسة على الناس ، وفي المنزلة والجاه عندهم ، والزهد في حب الثناء والمدح منهم لأن هذه المعاني هي من أكثر أبواب الدنيا عند العلماء ، فالزهد فيها هو زهد العلماء ، كان الثوري رحمه الله تعالى يقول : الزهد في الرياسة ومدح الخلق أشد من الزهد في الدنيار والدرهم قال : لأن الدنيار والدرهم قد يبذلان في طلب ذلك وكان يقول : هذا باب غامض لا يبصره إلا سماسرة العلماء . وقال الفضيل رحمه الله تعالى : نقل الصخور من الجبال أيسر من إزالة رياسة قد ثبتت في قلب جاهل ، وذهب أويس القرني رحمه الله تعالى إلى أن الزهد هو ترك الطلب للمضمون ، قال هرم بن حبان : لقيته على شاطئ الفرات يغسل كسرا وخرقا قد التقطها من المنبوذ وكان ذلك أكله ولباسه قال : فسألته عن الزهد أي شيء هو ؟

Section V01/P442–V01/P443

فقال : في أي شيء خرجت قلت : أطلب المعاش فقال : إذا وقع الطلب ذهب الزهد وكان أحمد بن حنبل رضي الله عنه يقول : لا زهد إلا زهد أويس بلغ به العري حتى قعد في قوصرة ، وكان أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى يقول : الزهد في النساء أن تختار المرأة الدون أو اليتيمة على المرأة الجميلة والمرأة الشريفة ، وذهب إلى هذا مالك بن دينار ، وقال سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى : لا يصح الزهد في النساء لأنهن قد حببن إلى سيد الزاهدين ووافقه ابن عيينة فقال : ليس في كثرة النساء ذنب لأن أزهد الصحابة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان له أربع نسوة وبضعة عشر سرية ، وكان الجنيد يقول : أحب للمريد المبتدي أن لا يشغل قلبه بهذه الثلاث وإلا تغير حاله التكسب وطلب الحديث والتزوج ، وقال : أحب للصوفي أن لا يقرأ ولا يكتب لأنه أجمع لهمه ، وفي الخبر : إنما الزهد أن تكون بما في يد الله سبحانه وتعالى أوثق منك بما في يديك ، فهذا مقام التوكل ، وذهب قوم إلى أن الزهد ترك الادخار وكانت الدنيا عندهم هو الجمع . وقال بعضهم : الدنيا هو ما شغل القلب واهتم به فجعلوا الزهد ترك الاهتمام وطرح النفس تحت تصريف الأحكام ، وهذا هو التفويض والرضا ، وقال أحمد بن أبي الحواري : قلت لأبي سليمان الداراني : إن مالك بن دينار قال للمغيرة : اذهب إلى البيت فخذ الركوة التي كنت أهديتها لي فإن العدو يوسوس إلي أن اللص قد أخذها ، فقال أبو سليمان : هذا من ضعف قلوب الصوفيين هو قد زهد في الدنيا ما عليه من أخذها ، فأراد أبو سليمان منه حقيقة الرضا بجريان الأحكام وأراد مالك من نفسه حقيقة الزهد بأن يصرف عن قلبه الاهتمام . وقال بعض العلماء : الدنيا هو العمل بالرأي والمعقول ، والزهد إنما هو اتباع العلم ولزوم السنة ، وهذه طريقة أهل الحديث ، وهذا القول من الظواهر يشبه قول علماء الظاهر ، كما روينا عن سفيان قال : قالوا للزهري : ما الزهد ؟ قال : ما لا يغلب الحرام صبره ولا يمنع الحلال شكره يعني أين يكون العبد صابرا عن الحرام حتى لا تغلبه شهوة الحرام ويكون شاكرا في الحلال حتى لا يغلبه الحلال فيشغله عن الشكر ، وأما الحسن فإنه قال : الزاهد هو الذي إذا رأى أحدا قال : هذا أفضل مني ، فذهب إلى أن الزهد هو التواضع ، وكان الفضيل يقول : القناعة هو الزهد ، وقال أبو سليمان : الورع هو أول الزهد ، وقال أحمد ابن أبي الحواري قلت : لأبي هشام المغازلي أي شيء الزهد قال : قطع الآمال وإعطاء المجهود وخلع الراحة ، وكان يوسف بن أسباط يقول : من صبر على الأذى وترك الشهوات وأكل الخبز من حلاله فقد أخذ بأصل الزهد ، وقال أحمد : قلت لأبي صفوان الرعيني : ما الدنيا التي ذمها الله تعالى في القرآن وينبغي للعاقل أن يجتنبها ؟ قال : كل ما عملت في الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم ، وكل ما أصبت فيها تريد به الآخرة فليس منها ، فحدثت به مروان فقال : الفقه ما قال أبو صفوان إنما قال ذلك لأن الدنيا كل شيء إلا الإخلاص ، فما وافق العلم فهو مباح وما خلفه فهوى ، والهوى حظ النفس ، الإخلاص حظ الرب عز وجل فالمخلصون بينة الله عز وجل من عباده على عدوه ، وهم أهل الآخرة في الدنيا ، وكان ابن السماك يقول : الزاهد قد خرجت الأفراح والأحزان من قلبه ، فهو لا يفرح بشيء من الدنيا أتاه ولا يحزن على شيء منها ، فإنه لا يبالي على عسر أصبح أم على يسر .

Section V01/P443

وقال أبو سعيد بن الأعرابي عن أشياخه الصوفية : إنما الزهد عندهم خروج قدر الدنيا من القلب إذ هي لا شيء ولا يكون في نفسه زاهدا لأنه لم يترك شيئا إذ كانت لا شيء ، وهذا لعمري هو الزهد في الزهد لأنه زهد ، ثم لم ينظر إلى زهده فزهده إذ لم ير شيئا لأنه زهد في لا شيء وهذا يشبه ما نقول : إن حقيقة الزهد هو الزهد في النفس لأنه قد يزهد في الدنيا لنفسه طلبا للعوض فيكون ذلك رغبة على صفة ، فإذا زهد في النفس التي يريد لها الأعواض على الزهد فهو حقيقة الزهد وهذا يشبه قول من قال : إن حقيقة الزهد في الفناء هو الزهد في البقاء لأن العبد ربما زهد في الفناء فلم يزهد في البقاء فيكون فيه بقية من الرغبة فإذا زهد في البقاء فهو حقيقة الزهد في الفناء إذ كان الفناء يراد للبقاء .

Section V01/P443

فصل آخر

Section V01/P443–V01/P445

إن الرغبة في الهوى حقيقة الدنيا وإن كان العبد زاهدا في المال من قبل أنه يعطي الزهد في شيء دون شيء ، كما يزهد في الثناء ولا يزهد في المال ، ولا يعطي الزهد في الأطعمة وقد يعطى الزهد في المال ، ولايعطى الزهد في منصبه لغلبة الهوى ، فإذا أعطي الزهد في الهوى كائنا ما فقد أعطي حقيقة الزهد في الدنيا ، وهذا هو الزهد في النفس ، لأن النفس عين الرغبة والهوى روح النفس ، فاعرف هذا ، وكان يونس بن ميسرة الجيلاني يقول : ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ، ولكن الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله تعالى أوثق منك بما في يديك ، وأن يكون حالك في المصيبة وحالك إذا لم تصب بها سواء ، وأن يكون ذامك ومادحك في الحق سواء ، وقال سلام ابن أبي مطيع رحمهما الله : الزهد على ثلاثة أوجه ، واحد أن تخلص العمل لله عز وجل والقول فلا يراد بشيء منه الدنيا ، والثاني ترك ما لا يصلح والعمل بما يصلح ، والثالث الحلال أن يزهد فيه وهو تطوع . وكان إمامنا في هذا العلم إبراهيم بن أدهم رحمه الله يقول : الزهد ثلاثة أصناف : زهد فرض ، وزهد فضل ، وزهد سلامة ، فالزهد الفرض في الحرام ، والزهد الفضل والسلامة الزهد في الشبهات ، وأما أيوب السختياني رحمه الله فكان يقول : الزهد أن يقعد أحدكم في منزله فإن كان قعوده لله تعالى رضا وإلا خرج ، وإن يخرج فإن كان خروجه لله تعالى رضا وإلا رجع ، فإن كان رجوعه لله تعالى رضا وإلا ساح ويخرج درهمه ، فإن كان إخراجه لله رضا وإلا حبسه ويحبسه ، فإن كان حبسه لله تعالى رضا وإلا رمى به ويتكلم ، فإن كان كلامه لله تعالى رضا وإلا سكت ، فإن كان سكوته لله تعالى رضا وإلا تكلم فقيل : هذا صعب فقال : هذا الطريق إلى الله عز وجل وإلا فلا تلعبوا فقد ذهب إلى أن الزهد هو المراقبة ، والمراقبة هي الإخلاص ، وسئل حاتم الأصم صاحب شقيق البلخي رحمهما الله تعالى عن الزهد فقال : أوله الثقة وأوسطه الصبر وآخره الإخلاص ، فإذا كان الإخلاص عندهم هو آخر الزهد فكيف يصح لعبد آخر الزهد قبل أوله أم كيف يجاوز الإخلاص إلى مقامات المعرفة فقد صار آخر الزهد عندهم أول المعرفة وذهبت طائفة إلى أن الزهد في الدنيا فريضة على المؤمنين لأن حقيقة الإخلاص هو الزهد عندهم فأوجبوه من حيث أوجبوا على المؤمنين الإخلاص ومال إلى هذا القول عبد الرحيم بن يحيى الأسود . وقد روينا معناه عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله قيل لأحمد : بأي شيء ذكر القوم وصاروا أئمة فقال : بالصدق ، قالوا : وما الصدق ؟ قال : الإخلاص ، قيل : وما الإخلاص ؟ قال : هو الزهد قيل : وما الزهد يا أبا عبد الله فأطرق ثم قال : سلوا الزهاد سلوا بشر بن الحارث ، وقال قوم الزهد في الدنيا طلب الحلال وإنه واجب مفترض في مثل زماننا هذا لاختلاط الأشياء وغلبة الشبهات قالوا : فقد تعين فرض الزهد وهذا مذهب إبراهيم ابن أدهم ووهيب بن الورد وسليمان الخواص وجماعة من أهل الشام ، وقد كان سهل يقول : أزهد الناس في الدنيا أصفاهم مطعما ، وقال أقصى مقام في الورع أدنى مقام من الزهد .

Section V01/P445–V01/P446

وقد روينا عن يوسف بن أسباط ووكيع رحمهما الله قالا : لو زهد عبد في زماننا هذا حتى يكون كأبي ذر وأبي الدرداء ما سميناه زاهدا لأن الزهد عندنا إنما هو في الحلال المحض ، ولا نعرف الحلال المحض اليوم ، وكذلك كان الحسن البصري رحمه الله إمام الأئمة يقول لا شيء أفضل من رفض الدنيا ، وقال الفضيل بن ثور قلت للحسن : يا أبا سعيد رجلان يطلب أحدهما الدنيا بحلالها فأصابها فوصل بها رحمه وقدم منها لنفسه ورجل رفض الدنيا ، قال : أحبهما إلي الذي رفض الدنيا قلت : يا أبا سعيد هذا طلبها بحلالها فأصابها فوصل بها رحمه وقدم منها لنفسه قال : أحبهما إلي الذي جانب الدنيا وإنما شرف الحسن الذي رفض الدنيا لأن مقام الزهد يجمع التوكل والرضا ألا تسمع إلى الخبر الذي جاء : الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك فهذا هو التوكل ، ثم قال : وأن تكون بثواب المصيبة أفرح منك ولو أنها بقيت لك وهذا هو الرضا ، ثم إن المعرفة والمحبة بعد الزهد داخلان عليه فأي مقام أعلى من مقام جمع هذه الأربعة وهي غاية الطالبين ، ولعمري أنه هكذا لأنه روي عن ابن عباس رضي الله عنهما حديث فيه شدة قال : يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها بادية مشوه خلقها فتشرف على الخلائق فيقال : أتعرفون هذه ؟ فيقولون : نعوذ بالله تعالى من معرفة هذه ، فيقال : هذه الدنيا التي تفاخرتم عليها بها تقاطعتم الأرحام وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم ، ثم تقذف في جهنم فتنادي أي رب أتباعي وأشياعي فيقول الله : ألحقوا بها أتباعها وأشياعها . وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا أشد من هذا حدثنا عن عبد الواحد بن زيد عن الحسن عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليجيئن أقوام يوم القيامة وأعمالهم كجبال تهامة فيؤمر بهم إلى النار قالوا : يا رسول الله مصلين قال : نعم ، كانوا يصلون ويصومون ويأخذون هنة من الليل فإذا عرض لهم شيء من الدنيا وثبوا عليه ، وكذلك كان الحرث بن أسد المحاسبي رحمه الله يقول : إنما الزهد إسقاط قيمة الدنيا من القلب وأن لا يكون لشيء عاجل في القلب وزن ، فإذا سقطت قيم الأشياء واستوت في القلب فهو الزهد ، فأما أبو يزيد البسطامي رحمه الله فإنه كان يقول ليس الزاهد من لا يملك شيئا إنما الزاهد من لا يملكه شيء وقال عالم مثله في معناه : الزاهد من لا يتملك الأشياء ولم يسكن إليها ، وكان يقول : الزاهد قوته ما وجد وثوبه ما ستر وبيته ما أواه وحاله وقته . وقال بعض العارفين : الزهد إنما هو ترك التدبير والاختيار والرضا والتسليم لاختياره شدة كان أو رخاء ، وهذا طريق الخواص والثوري وذي النون رحمهم الله تعالى ، وقال أبو يزيد رحمه الله مرة : إنما الزاهد من لا يملك شيئا ولا يملكه شيء ، وقال : حقيقة الزهد لا يكون إلا عند ظهور القدرة والعاجز لا يصح زهده هو أن يعطيه كن ويطلبه على الاسم ويقدره على الأشياء بإظهار الكون فيزهد في ذلك حياء من الله تعالى ويتركه حبا له ، وكان يستعيذ بالله من أربعة وعشرين مقاما من إظهار القدرة وقال لأبي موسى عبد الرحيم في أي شيء تتكلم ؟ قلت : في الزهد قال : في أي شيء قلت : في الدنيا قال : فنفض يده وقال : ظننت أنه يتكلم في الزهد في شيء الدنيا لا شيء أيش تزهد فيه ، وذهب إلى هذا المعنى سهل وغيره ، وقال سبعة عشر مقاما في المعرفة أدناها المشي على الماء وفي الهواء وظهور كنوز الأرض وهذا كله من زخرف الدنيا .

Section V01/P446–V01/P447

وقد حكي لنا معنى هذا عن الجنيد قال : اجتمع أربعة من الأبدال في جامع المنصور ليلة العيد فلما أسحروا قال أحدهم : أما أنا فقد نويت أن أصلي العيد في بيت المقدس ، وقال الآخر : أما أنا فقد نويت أن أصلي العيد بطرسوس ، وقال الثالث : أما أنا فقد نويت أن أصلي العيد بمكة ، وسكت الرابع وكان أعرفهم فقيل له : أنت أي شيء نويت فقال : أما أنا فقد نويت اليوم ترك الشهوات لا أصلي إلا في هذا المسجد الذي بت فيه فقالوا : أنت أعلمنا فقعدوا عنده فصار عند هؤلاء كما ذكرناه آنفا أن هذه الآيات هي من الشهوات إذ ليست حاجات مقامات والشهوة من الدنيا لأنها من الهوى وأيضا ففيها تدبير واختيار ، وعند الزهاد العارفين والمحبين أن هذا مكر وخداع يبتلون به ويقتطعون لينظر كيف يعملون إذا ابتلاء كل عبد على قدر مرتبته وحاله فيلزمه الزهد فيه ويقال : هي في المقام السابع عشر من المعرفة فمن سلك به الطريق رآها فيه وفوقها نيف وسبعون مقاما أفضل من ذلك . وقد سئل الجنيد عن الزهد فقال معنيان : ظاهر وباطن ، فالظاهر بغض ما في الأيدي من الأملاك وترك طلب المفقود ، والباطن زوال الرغبة عن القلب ووجود العزوف والانصراف عن ذكر ذلك ، فإذا تحقق بذلك رزقه الله تعالى الإشراف على الآخرة والنظر إليها بقلبه ، فحينئذ يحد في العلم بتقصير الأمل وتقريب الأجل لأن الأسباب عن قلبه منقطعة والقلب منفرد الآخرة ، وحقيقة الزهد قد خلصت إلى قلبه فامتلأ من الذكر الخالص لربه سبحانه وتعالى ، فالزهد عن حقيقة الإيمان والمشاهدة للآخرة تكون بعد الزهد واستواء الأشياء ، فيكون عدمها كوجودها بعد المشاهدة لاستواء القلب ومعه يستوي المدح والذم لسقوط النفس وذهاب رؤية الخلق فعندها خلص الإخلاص إلى قلبه لصفاء الزهد وثبت الزهد لسقوط النفس دليل ذلك : الخبر الذي رويناه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل : هل استويت ؟ قال : وكيف أستوي ؟ قال : يستوي عندك المدح والذم ؟ وقول حارثة لما سأله عن حقيقة الإيمان : عزفت نفسي عن الدنيا فابتدأ بالزهد ثم ذكر الاستواء لحجرها وذهبها ثم ذكر المشاهدة بعد ذلك الحديث ، وهذه كلها مقامات في الزهد وكل من جعل شيئا الدنيا مبلغ علمه وعلو مشاهدته جعل الزهد ضده . وقد نوع أهل المعرفة الإيمان في القلب على مقامين فجعل لهما زهدين فقال : إذا تعلق الإيمان بطاهر القلب أحب العبد الدنيا وأحب الآخرة وعمل لهما ، فإذا بطن الإيمان في سويداء القلب وباشره أبغض الدنيا فلم ينظر إليها ولم يعمل لها ، وقد كان أبو سليمان يقول : من شغل بنفسه شغل عن الناس ؛ وهذا مقام العاملين ، ومن شغل بربه سبحانه وتعالى شغل عن نفسه ؛ وهذا مقام العارفين ، ولهذين المقامين دليل من السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : أي الناس خير ؟

Section V01/P447–V01/P448

فقال : من يشنأ الدنيا ويحب الآخرة فأوقع الشنآن للدنيا لوقوع ضده من حب الآخرة والمقام الأعلى دليله من جعل الهموم هما واحدا كفاه الله تعالى أمر آخرته ودنياه والهم الواحد بوجد واحد لرب واحد هو وصف عبد متوحد لواحد مقاله إلى واحد ، وقد وهب له خلقا من أخلاقه فهو الأحد بوحدانية صفته ، وعبد متوحد بوجده بين خلقه ، فهو منفرد الهم مجتمع القلب وانفراد الهم يكون بعد محو الهوى ومحوه بعد امتحان القلب للتقوى ، واجتماع القلب يكون مع طيب النفس وطمأنينتها بالإيمان أو فلاحها بالتزكية والرضا ، ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : طيب النفس من النعيم ، وقال الله تعالى : ( قد أفلح من زكاها ) الشمس : 9 وقال تعالى : ( راضية مرضية ) الفجر : 28 فيكون متوحدا بالروح مخلقة بأخلاق الإيمان مواطئة للقلب بمشاهدة اليقين ، وقال وهب بن منبه : وجدت فيما أنزل الله تعالى على موسى عليه السلام : من أحب الدنيا أبغضه الله تعالى ، ومن أبغضها أحبه الله تعالى ، ومن أكرم الدنيا أهانه الله تعالى ، ومن أهانها أكرمه الله تعالى ، وأما علماء الظاهر فقالوا : الزهد في الدنيا هو موافقة العلم والقيام بأحكام الشرع وأخذ الشيء من وجهه ووضعه في حقه ، وما خالف العلم فهو هوى كله فذكروا فرض الزهد وظاهره ولم يعرفوا دقائقه وبواطنه . وقد روينا عن سفيان بن عيينة والثوري معنى هذا أنهما سئلا : أيكون الرجل زاهدا وله مال ؟ قالا : نعم إذا كان إذا ابتلى فصبر ، وإذا أنعم عليه شكر ، قال ابن أبي الحواري فقلت له : يا أبا محمد يعني ابن عيينة قد أنعم عليه فشكر وابتلى فصبر وحبس النعمة كيف يكون زاهدا ؟ فضربني بيده وقال : اسكت ، من لم تمنعه النعماء من الشكر ولا البلوى عن الصبر فذلك الزاهد ، ووافقهما الزهري فقال كذلك ، وقد فصل ذلك أبو سليمان فقال ابن أبي الحواري : قلت له : أكان داود الطائي رحمه الله تعالى زاهدا ؟ قال : نعم ، قلت : بلغني أنه ورث من أبيه عشرين دينارا فأنفقها في عشرين سنة فكيف يكون زاهدا وهو يمسك الدنانير ؟ فقال : أردت منه أن يبلغ حقيقة الزهد ولعمري أنا روينا عن رسول صلى الله عليه وسلم نعما بالمال الصالح للمرء الصالح والمال الصالح هو الحلال والمرء الصالح المنفق ماله بالليل والنهار سرا وعلانية في سبيل الله ابتغاء مرضاته كما وصفه الله تعالى ومدحه . وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من يحب والذي يحبه الله تعالى ممن أعطاه الدنيا لا يخالف حبيبه إلى هواه ولا يؤثر نفسه على محبة مولاه تبارك وتعالى إذ قد تولاه فيما أعطاه . وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر والطاعم الشاكر هو الذي يستعين بطعمته على خدمة مولاه ويعبده شكرا لما أولاه ، وقد قالوا في الزهد وصفان جامعان لأحوال القلوب ، قال مضاء بن عيسى : قلت للسباع الموصلي : يا أبا محمد إلى أي شيء أفضى بهم الزهد ؟ قال : إلى الأنس بالله تعالى ، وقال عثمان بن عمارة : كان يقال : الورع يبلغ بالعبد إلى الزهد والزهد يبلغ به حب الله تعالى ؛ فهذان الحالان غاية الطالبين الحب للجليل والأنس باللطيف ، فمن لم يتحقق بالزهد لم يبلغ مقام الحب ولم يدرك حال الأنس ثم إن سرائر الغيوب في مقام الحب والخلة ، وفي حال الأنس والقربة وفقنا الله وإياكم لما يحب وبلغنا ما نؤمل بفضله ورحمته ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم وهذا آخر كتاب الزهد . تم الجزء الأول من قوت القلوب ويليه الجزء الثاني أوله شرح مقام التوكل ووصف أحوال المتوكلين .

Section V01/P448

/ / بسم الله الرحمن الرحيم شرح مقام التوكل ووصف أحوال المتوكلين انتهى المجلد الأول

Section V01/P448–V01/P449

شرح مقام التوكل ووصف أحوال المتوكلين وهو المقام السابع من مقامات اليقين

Section V01/P449–V02/P003

التوكل من أعلى مقامات اليقين وأشرف أحوال المقربين قال الله الحق المبين : ( إن الله يحب المتوكلين ) آل عمران 159 فجعل المتوكل حبيبه وألقى عليه محبته وقال الله عز وجل : ( وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) إبراهيم 12 يرفع المتوكلين إليه وجعل مزيدهم منه ، وقال جلت قدرته : ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) الطلاق : 3 أي كافيه مما سواه فمن كان الله تعالى كافيه فهو شافيه ومعافيه ولا يسأل عما هو فيه ، فقد صار المتوكل على الله تعالى من عباد الرحمن الذين أضافهم إلى وصف الرحمة ، ومن عباد التخصيص الذين ضمن لهم الكفاية ، وهم الذين وصفهم في الكتاب بقوله سبحانه : ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ) الفرقان : 63 إلى آخر أوصافهم ، وهم الذين كفاهم في هذه الدار المهمات ووقاهم بتفويضهم إليه السيئات بقوله تعالى : ( أليس الله بكاف عبده ) الزمر : 36 وقوله تعالى : ( وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد ) ( فوقاه الله سيئات ما مكروا ) غافر : 44 - 45 وليس هؤلاء من عباد العدد فقط الذين قال الله عز وجل : ( إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ) ( لقد أحصاهم وعدهم عدا ) مريم 93 - 94 . وقال بعض الصحابة وغيره من التابعين : التوكل نظام التوحيد وجماع الأمر ، وحدثونا عن بعض السلف قال : رأيت بعض العباد من أهل البصرة في المنام فقلت : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي وأدخلني الجنة ، قلت : فأي الأعمال وجدت هناك أفضل ؟ قال : التوكل وقصر الأمل فعليك بهما وقال أبو الدرداء : ذروة الإيمان والإخلاص والتوكل والاستسلام للرب عز وجل ، وكان أبو محمد سهل رحمه الله يقول : ليس في المقامات أعز من التوكل وقد ذهب الأنبياء بحقيقته وبقي منه صبابة انتشقها الصديقون والشهداء فمن تعلق بشيء منه فهو صديق أو شهيد . وقال بعض العارفين وهو أبو سليمان الداراني : في كل المقامات لي قدم إلا هذا التوكل المبارك فما لي منه إلا مشام الريح ، وقال لقمان في وصيته لابنه : ومن الإيمان بالله عز وجل التوكل على الله ، فإن التوكل على الله يحبب العبد ، وإن التفويض إلى الله من هدي الله ، وبهدي الله يوافق العبد رضوان ا ، وبموافقة رضوان الله يستوجب العبد كرامة الله ، وقال لقمان أيضا : ومن يتوكل على الله ، ويسلم لقضاء الله ، ويفوض إلى الله ، ويرضى بقدر الله ، فقد أقام الدين وفرغ يديه ورجليه لكسب الخير وأقام الأخلاق الصالحة التي تصلح للعبد أمره .

Section V02/P003–V02/P004

وقال بعض علماء الأبدال ، وهو أبو محمد سهل : العلم كله باب من التعبد ، والتعبد كله باب من الورع ، والورع كله باب من الزهد ، والزهد كله باب من التوكل ، قال : فليس للتوكل حد ولا غاية تنتهي إليه ، وقال أيضا في قول الله عز وجل : ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) هود : 7 ، قال أصدق توكلا ، وقال : التقوى واليقين مثل كفتي الميزان والتوكل لسانه ، به تعرف الزيادة والنقصان ، وسئل عن قول الله عز وجل : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) التغابن : 16 قال : بإظهار الفقر والفاقة إليه ، وسئل عن قوله تعالى : ( اتقوا الله حق تقاته ) آل عمران 102 فقال : اعبدوه بالتوكل ، وقال أبو يعقوب السوسي : لا تطعنوا على أهل التوكل فإنهم خاصة الله الذين خصوا بالخصوصية فسكنوا إلى الله ، واكتفوا به ، واستراحوا من هموم الدنيا والآخرة ، وقال : من طعن في التوكل ، فقد طعن في الإيمان لأنه مقرون به ، ومن أحب أهل التوكل فقد أحب الله تعالى ، فأول التوكل المعرفة بالوكيل وأنه عزيز حكيم ، يعطي لعزه ، ويمنع لحكمه ، فيعتز العبد بعزه ويرضى بحكمه ، وكذلك أخبر عن نفسه ونبه المتوكلين عليه فقال سبحانه : ( ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ) الأنفال : 49 عز من أعز بعطيته ونظر لمن منعه بحكمته ، فإذا شهد العبد الذليل الملك الجليل قائما بالقسط والتدبير والتقدير ، عنده خزائن كل شيء ، وكل شيء عنده بمقدار لاينزله إلا بقدر معلوم ، وشهد الوكيل قابضا على نواصي المماليك له خزائن السموات من الأحكام والأقدار الغائبات ، وله خزائن الأرض من الأيدي والقلوب والأسباب المشاهدات ، فخزائن السموات ماقسمه من الرزق ، وخزائن الأرض ما جعله على أيدي الخلق ، وفي السماء رزقكم وما توعدون ، وفي الأرض آيات للموقنين ، ولكن المنافقين لا يفقهون فأيقن العبد أن في يده ملكوت كل شيء وأنه يملك السمع والأبصار ويقلب القلوب والأيدي تقليب الليل والنهار ، وأنه حسن التدبير والأحكام للموقنين ، وأنه أحكم الحاكمين وخير الرازقين ، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ، ثم استوى على العرش يدبر الأمر ، ما من شفيع إلا من بعد إذنه ، عندها نظر العبد الذليل إلى سيده العزيز ، فقوي بنظره إليه ، وعز بقوته به ، واستغنى بقربه منه ، وشرف بحضوره عنده . وكذلك جاء في الخبر : كفى باليقين غنى ، حينئذ نظر إليه في كل شيء ، ووثق به ، واعتمد عليه دون كل شيء ، وقنع منه بأدنى شيء ، وصبر عليه ، ورضي عنه ، إذ لا بد له منه ، فثم لا يطمع في سواه ، ولا يرجو إلا إياه ، ولا يشهد في العطاء إلا يده ، ولا يرى في المنع إلا حكمته ، ولا يعاين في القبض والبسط إلا قدرته ، هناك حقت عبادته وخلص توحيده فعرف الخلق من معرفة خالقه ، وطلب الرزق عند معبوده ورازقه ، وقام بشهادة ما قال تعالى : ( إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ) الأعراف : 194 قال : ( إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ) العنكبوت : 17 .

Questions