Qur'an&Sunnah

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

Section V02/P044

أن كل من جمع كرامات الأولياء واجبات الصديقين ذكر فيها ما ظهر لهم عن القدرة ، وما ظهر لهم على أيدي الخلق من الإنفاق عند وقت الفاقات عن غير مسألة ولا استشراف نفس ، فسووا بينهما في الكرامات وجعلوهما واحد من الإجابات ، وحسبوا كل ذلك من الآيات ، على أن العارفين يشهدون ما يوصل العبيد إليهم من أقسام رزقهم ، إنها ودائع لهم عندهم وإنه حق لهم بأيديهم يؤدونه إليهم قليلا قليلا ، ويوفونهم إياه شيئا فشيئا إلا أنهم لا يسألونهم إياه ولا يطالبونهم به ، وإن كان لهم عندهم حسن أدب فيهم وحسن اقتضاء لأن من حسن الاقتضاء ترك الطلب ، ولقوة يقينهم برازقهم أنه يوفيهم نصيبهم غير منقوص ، فقد سكنوا إلى قديم وعده كما نظروا إلى بسط يده ، وكذلك مشاهدة العالمين الموصلين إليهم قسمهم الدافعين إليهم حقوقهم ، يشهدون أنهم قد خرجوا إليهم من حقهم وأدوا إليهم ودائعهم ، فيستريحون إلى إخراج ذلك ، ويفرحون بأدائه إلى أربابه ويشكرون الله على حسن توفيقه وإعانتهم على سقوط ذلك عنهم ، كما يفرح من عليه الدين الثقيل إذا أداه فسقط عنه حكمه وقضاؤه ، وهذا مقام للموصلين في المعرفة وحال لهم من اليقين حسنة ، وهو مشاهدة عالية للآخذين من المتوكلين . ذكر تشبيه التوكل بالزهد اعلم أن التوكل لا ينقص من الرزق شيئا ، ولكنه يزيد في الفقر ويزيد في الجوع والفاقة ، فيكون هذا رزق المتوكل ورزق الزاهد من الآخرة ، على هذا الوصف الخصوص من حرمان نصيب الدنيا وحمايته عن التكاثر منها ، والتوسع فيها فيكون التوكل والزهد سبب ذلك ، فيكون ما صرفه عنه من الدنيا زيادة له في الآخرة من الدرجات العلى ، وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : نقصان الدنيا زيادة الآخرة ، وزيادة الدنيا نقصان الآخرة ، ومن أعطى من الدنيا شيئا نقص ذلك من منزلته في الآخرة ، وإن كان على الله كريما ، وقيل إن الدنيا والآخرة مثل ضرتين ، من أرضى إحداهما أسخط الأخرى ، وقال رجل لبعض العلماء : كنت في محلة ليس فيها بقال غيري ، ففتح إلى جنبي بقال آخر فأخاف أن ينقص ذلك من رزقي شيئا ، فقال : ليس ينقص من رزقك شيئا ولكن يزيد في بطالتك ، تقعد كثيرا لا تبيع شيئا ، وقد غلط في هذا الطريق قوم ادعوا التوكل والزهد واتسعوا في المآكل والملابس ، على أن ذلك لا ينقصهم من رزقهم شيئا ، فموهوا على دونهم ممن لا يعرف طريق الزهد والتوكل . ذكر كتم الأمراض وجواز إظهارها

Section V02/P044–V02/P046

الأفضل لمن لم يتداو أن يخفي علله لأن ذلك من كنوز البر ولأنها معاملات بينه وبين خالقه ، فسترها أفضل وأسلم له إلا أن يكون له نية في الإظهار أو يكون إماما يستمع إليه ويقتبس منه الآثار ، ويكون مكينا في المعرفة يخبر بعلته وقلبه راض عن الله فيما قدره ، أو يكون ممن يشهد البلاء نعمة فيكون إخباره بمثابة التحدث بنعمة الله ، وإلا فإظهار العلل لمن لا يتداوى نقص لحاله ، وداخل في الشكاية لمولاه ، لأن في الشكوى استراحة النفس من البلوى كالاستراحة بالدواء ، وهذا لا يفعله عالم لأن الاستراحة بالدواء الذي أباحه له المولي خير من استراحته إلى العبيد بالشكوى ، على أنه لا يأمن دخول الآفات عليه في الأخبار من التصنع أو التزيد في العلة وغير ذلك ، وقيل في قوله عز وجل : ( فصبر جميل ) يوسف : 18 ، قال : لا شكوى فيه ، وقال بعضهم : من بث شكواه فلم يصبر ، وقيل ليعقوب عليه السلام : ما الذي أذهب بصرك ؟ فقال : من الزمان وطول الأحزان ، فأوحى الله إليه : تفرغت تشكوني إلى خلقي ؟ فقال : يا رب ، أتوب إليك ، وعن طاووس ومجاهد : يكتب على المريض أنينه في مرضه ، قال : وكانوا يكرهون أنين المريض لأنه إظهار معنى يدل على شكوى ، قيل : ما أصاب إبليس من أيوب إلا أنينه في مرضه ، فجعل الأنين حظه منه ، وفي الخبر : إذا مرض العبد أوحى الله تعالى إلى الملكين : انظرا إلى عبدي ما يقول لعواده فإن حمد الله وأنثى عليه بخير ، ادعوا له وإن شكا وذكر شرا قالا : لا ، كذلك يكون ، وإنما كره بعض العباد العيادة خشية الشكاية وخوف الزيارة في القول أن يخبر عن العلة بأكثر منها فيكون في ذلك كفرا لنعمة بين بلاءين ، وكان بعضهم إذا مرض أغلق بابه فلم يدخل عليه أحد حتى يبرأ ، فيخرج إليهم ، منهم فضيل ووهيب ، وبشر كان يقول : أشتهي أن أمرض بلا عواد ، وقال فضيل : ما أكره العلة إلا لأجل العواد ، وقد رأينا من الصالحين من فعل ذلك ممن هو إمام وقدوة ، ولا ينقص توكل المتوكل إخباره بعلته على معنى التحدث بها مع فقد آفات النفوس ، إذا كان قلبه شاكرا لله راضيا بقضائه ، ويكون بذلك مظهرا للافتقار والعجز بين يدي مولاه أو راغبا في دعاء إخوانه المؤمنين ، أو يشهد ذلك نعمة فيحدث بها شكرا ، وقد حكي أن بشر بن الحرث كان يخبر عبد الرحمن المتطبب بأوجاعه ، فيصف له أشياء ، وقيل عن أحمد بن حنبل أنه كان يخبر بأمراضه ويقول : إنما أصف قدرة الله تعالى في . وروي عن الحسن البصري : إذا حمد المريض الله عز وجل وشكره ثم ذكر علته ، لم يكن ذلك شكوى ، وقد كان أحمد بن حنبل لا يخبر بأمراضه إذا سئل عنها ، ثم رجع إلى قول الحسن هذا ، فكان بعد ذلك يحمد الله ويثني عليه ويقول : أجد كذا وأجد كذا ، وروي أنه قيل لعلي رضي الله عنه في مرضه : كيف أنت ؟

Section V02/P046

فقال : بشر ، فنظر بعضهم إلى بعض كأنهم كرهوا ذلك فقال : أتجلد على الله ، كأنه أحب أن يظهر افتقاره إلى الله ، وأراد أيضا أن يعلمهم أنه لا بأس بذلك لأن من يقول : بخير إذا سئل كثير ، كما قال الثوري : إنما العلم الرخصة من ثقة ، فأما التشديد فكل أحد يحسنه ، فكان علي رضي الله عنه أراد أن يتحقق بتأديب النبي صلى الله عليه وسلم له ونهيه إياه عن إظهار القوى ، لأنه روي أنه مرض فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم ، صبرني على البلاء فقال : لقد سألت الله البلاء ولكن سل الله العافية ، ومن هنا قال مطرف : لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلي فأصبر ، لأن البلاء طريق الأقوياء ، وكره أهل الإشفاق والخشية إظهار الجلد والقوة بين يدي القوي العزيز ، وقد حكي أن الشافعي مرض مرضة شديدة بمصر فكان يقول : اللهم ، إن كان في هذا رضاك فزدني منه ، فكتب إليه بعض العلماء وهو إدريس بن يحيي المعافري ، يا أبا عبد الله ، لست من رجال البلاء فسل الله العافية ، فرجع عن قوله هذا واستغفر منه ، فبعد هذا والله أعلم ، لعله ما حكي عنه أنه كان يقول في دعائه : اللهم إجعل خيرتي فيما أحببت .

Section V02/P046

ذكر فضل التارك للتكسب

Section V02/P046–V02/P047

قد يفضل التارك للتكسب شغلا بالعبادة عن المتكسب ، من حيث فضل المتقدمون الزاهد في الدنيا على كاسب المال حلالا ومنفقه في سبيل الله ، وسئل الحسن عن رجلين ، أحدهما محترف والآخر مشغول بالتعبد : أيهما أفضل ؟ فقال سبحان الله ما اعتدل الرجلان المتفرغ لعبادة أفضلهما ، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كفى بالموت واعطا وبالتقوى غنى وبالعبادة شغلا ، وقد علم التارك للتكسب توكلا على الله وثقة به ورعاية لمقامه وصبرا على فقره وشغلا بمعاده عن معاشه ومقاساة الفتنة ، إن مولاه قد تكلل له برزقه في الدنيا وقد وكل إليه عمل الآخرة ، وأنه إن شغل بما وكله إليه من عمل آخرته أقام له من يقوم بكفايته من دنياه ، فلو لم يتصرف المتوكل تصرف له غيره ، وإن عمل آخرته الذي وكله إليه هذا فلم إن لم يعمله لم يقم غيره مقامه ، وإن الله تكفل له بعمل الدنيا ، فإن لم يعمل لعمل له سواه كيف شاء ، فهذا هو الفرق بين ماتكفل له به من عمل الدنيا وبين ما وكله به من عمل الآخرة ، قال الله سبحانه في رزق الدنيا الذي تكفل به : ( وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم ) العنكبوت : 60 وقال تعالى في رزق الآخرة الذي وكل به : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) النجم : 39 ، ثم قد علم المتوكل بعدتوحيده أن هذه الأربعة الأشياء منتظمة في سلك واحد ، كشيء واحد يقع وقعة واحدة رزق مقسوم لا يزاد فيه في وقت معلوم ولا يتقدم ولايتأخر بسبب محكوم ، لا ينقلب عند أثر مكتوب ولايتغير ، فالرزق بفضل الرازق والوقت الذي يظهر فضل العطاء لا يقع إلا في ظرف ، والسبب حكمة القاسم والأثر حد المرزوق ، فلما أيقن المتوكل بهذا كان إن تصرف بحكم ، وإن قعد قعد بعلم ، فاستوى تصرفه وقعوده لأنه قائم بحكم ما يقتضي منه في علم حاله عالم بحكم مصرفه ومقعده ، فإن شغله مولاه بخدمته عن خدمة من سواه ، فصرفه في معاملته دون معاملة العبيد ساق إليه رزقه كيف شاء من الوجوه وبيد من شاء من العبيد ، يحفظه له عن مجاوزة الحدود ، كما قال تعالى : ( حافظات للغيب بما حفظ الله ) النساء : 34 ، وبتوليه له وعصمته إياه عن التورط في محظور ، كما أخبر عن أوليائه في قوله عز وجل : ( وهو يتولى الصالحين ) الأعراف : 196 ، وكان العبد فاضلا في قعوده لشغله عن العبيد بمعبوده ، بانقطاعه إلى معاملة الملك دون ما يقطعه من معاملة الملوك ، وبهمة الآخرة عن الدنيا ، وكان داخلا في وصف ما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل كفاية الله ، فيما روي عنه من جعل الهموم هما واحدا ، كفاه الله آخرته ، وخارجا عن وصف من قطعه عن الله بهمة غيره وعرضه للهلكة في أودية الهموم ، في قوله عليه السلام : من أصبح وهمه غير الله فليس من الله ، وفي قوله : ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله في أي أوديتها هلك ، فإن كان حال المتوكل أن يجري رزقه على يد نفسه وكسب جارحته فهو خزانة من خزائن الملك وهو عبد من عبيد الملك ، يوصل إليه عن يد نفسه بما يوصله إليه عن يد غيره وسواه ، ساق إليه الرزق أو ساقه إلى الرزق بعد أن يرزقه ، لأن ما لقيته فقد لقيك ، والعبد متوكل على الله في الحالين ، ناظر إليه بالمعنيين ، قائم بحكم حاله في الأمرين ، عارف بحسن اختيار الله له في الحكمين ، ومن ترك التكسب لأجل الله ثقة به وسكونا إليه أو لدخول الآثام وتعذر القيام بالأحكام ، فحسنه كحسن من عمل شيئا لأجل الله لأن الترك عمل يحتاج إلى نية صالحة وأفضل الناس عندالله أتقاهم له وأتقاهم له أعرفهم به متصرفا كان أو قاعدا ، هذا هو فصل الخطاب .

Section V02/P047–V02/P050

وروينا في حديث عبد الله بن دينار عن عمرو بن ميمون عن النبي صلى الله عليه وسلم : أتدرون ما قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : حين استوى على عرشه ونظر إلى خلقه : عبادي ، أنتم خلقي وأنا ربكم أرزاقكم بيدي فلا تتعبوا أنفسكم فيما تكفلت لكم به ، واطلبوا أرزاقكم مني وانصبوا أنفسكم لي ، وارفعوا حوائجكم إلي أصب عليكم أرزاقكم ، أتدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : عبدي أنفق أنفق عليك ووسع أوسع عليك ، ولا تضيق فأضيق عليك ، إن أبواب الرزق بالعرش لا تغلق ليلا ولا نهارا ، فأنزل الرزق منها لكل عبد على قدر نيته وعالته وصدقته ونفقته ، فمن أكثر أكثر له ومن أقلل أقلل له ، ومن أمسك أمسك عليه ، يا زبير إن الله يحب الإنفاق ويبغض الإقتار ، فكل وأطعم ولاتقتر فيقتر الله عليك ولا تعسر فيعسر عليك ، أطعم الإخوان ووقرالأخبار وصل الجار ولاتماش الفجار تدخل الجنة بغير حساب ، فهذه وصبة الله لي ووصيتي لك يا زبير بن العوام : والأسواق موائد الآباق يطعم المولى منها من أبق من خدمته وهرب من مجالسته ووهن عن معاملته وجبن في متاجرته ، قال الله تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ( ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ) الذاريات : 56 - 57 ، وقال بعض أهل العربية من القدماء : ما أريد أن يرزقوا خلقي إن الله هو الرزاق ، أي لهم لا يطالبهم أن يرزقوا نفوسهم إذا خدموه ، فذكر الله الوجوه الثلاثة واختار لنفسه أحدها وهي الخدمة ، وعليه الكفاية ، واختار من العبيد أحدهم فجعله عابده وتنزه عن أحدهما وتعالى عنه وهو الإطعام من العبيد له ، وصرف عموم العبيد في الوجه الثالث من الإطعام لأنفسهم وهو التكسب ، وضرب هذا مثلا بينه وبين خلقه في الأرض وله المثل الأعلى في السموات والأرض ، فبقي العبيد مع الله تعالى بحكمين ، أحدهما ما اختاره لنفسه من العبادة وهي المعاملة وعليه الرزق كيف شاء ومتى شاء وهؤلاء عباد الرحمن لا عبيد الدنيا ، والثاني ماصرف العبيد فيه من التكسب لأنفسهم وجعل ذلك رزقا منه لهم بجوارحهم ومدحهم على هذا الوصف ، وهؤلاء عموم العبيد منهم عبيد الدنيا وعبيد الهوى وبقي المولى مع العبيد على الأحكام الثلاثة التي أباحها الله تعالى لهم وضرب بها المثل بينه وبينهم ، أيها اختاره كان ذلك لهم ، وتفسير ذلك أن للمولى من الخلق أن يقول لعبده : اذهب فأطعمني لأنك عبدي وملك يدي ، فأنا أملك كسبك كما أملك نفسك ، وهذا هو الوجه الذي ذكرناه أن الله تنزه عنه وتعالى علوا كبيرا فقال تعالى : ( ما أريد أن يطعمون ) الذاريات : 57 ، كما يريد الموالي من عبيدهم هذا ثم يقول المولى منا لعبده : اذهب فأطعم نفسك واسع في قوتك فقد أبحت لك ذلك ، ووهبت لك كسبك فهو رزق مني لك وتفضل مني عليك ، وبهذا صار المكاتب لعبده في فكاك عتقه كالمعتق بأن كان له الولاء وقد يكون له الميراث في حال ، لأنه منعم عليه بالكتابة له كالمعتق ، وإن كان العبد هو الذي سعى في فكاك رقبة نفسه بكسبه من قبل أن المولى يستحق عليه كسبه ويملك رقبته ، فلما ملك عبده ذلك صار محسنا إليه فهذا حال عموم العبيد مع الله تعالى ، لأنه مولاهم الحق وهم عبيده ، قن فقال : اذهبوا فتكسبوا ، وأطعموا أنفسكم فقد رزقتكم ذلك ووهبته لكم ، وهذا هو الوجه الثاني الذي نزه الخصوص عنه تفضيلا لهم ، فلم يستسعهم وقطعهم فشغلهم بخدمته عن خدمة نفوسهم وخليقته ، وتوكل لهم بكفايتهم ولم يوكلهم فيها كما وكل غيرهم ، بل وكل بأرزاقهم من يشاء من عباده وهو معنى قوله تعالى ( ما أريد منهم من رزق ) الذاريات : 57 لنفوسهم بدليل قوله تعالى ( إن الله هو الرزاق ) الذاريات : 58 ، أي لهم بإقامة غيرهم وبإظهاره في قوله : وما أريد أن يطعمون ، فكانت هذه الياء اسمه مكنى بها وهذه إرداة مخصوصة لا عامة لكل مراد ، فهي إرادة ابتلاء ومحبة بمعنى ما أحب : ومخصوصة بمخصوصين من عباده ، كما كان قوله تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) الذاريات : 56 ، كانت هذه الآية مخصوصة لمن عبده منهم معناها : مؤمني الجن والإنس لا عامة لجميع خلقه ، والوجه الثالث أن يقول المولى منا لعبده : اخدمني وعلي طعمتك ، تقوم خدمتك لي مقام كسبك لنفسك ، وهذا هو الوجه الأعلى الذي اختاره الله تعالى ، وأحبه لمن يحبه واختار له من عبده من العبيد من خصوص العاملين له ، وهم العالمون به دون من صرفه في رزق نفسه بنفسه ، وهو قوله تعالى : ( إلا ليعبدون ) ( ما أريد منهم من رزق ) الذاريات : 56 - 57 ، أي أن يرزقوا نفوسهم بكسبهم الذي أبحته لهم ، فيكونوا كغيرهم ممن قلت له : اذهب فتكسب ، فقد أردت منك الرزق لنفسك بكسبك وقد وهبته لك ، أي أنا أريد من هؤلاء العبادة ولها خلقتهم فكل ميسر لما خلق له ، فمن كانت صنعته العبادة وخلق لها ، يسرت له ، ومن كانت صنعته الدنيا وخلق لها ، يسرت له ، وفي الخبر أن الله تعالى خلق كل صانع وصنعته ، ويقال إن الله تعالى لما أظهرالخلق في العدم أظهر لهم الصنائع كلها ، ثم خيرهم فاختار كل واحد صنعته ، فلما أبداهم في الوجود أجرى على كل واحد ما اختار لنفسه قال : وانفردت طائفة فلم تختر شيئا ، فقال لها : اختاري فقالت : ما أعجبنا شيء رأيناه فنختاره قال : فأظهر مقامات العبادات فقالت : قد اخترنا خدمتك فقال : وعزتي وجلالي لأخدمنكم إياهم ولأسخرنهم لكم ، وفي الخبر : أوحى الله تعالى إلى الدنيا : اخدمي من خدمني ، وأتعبي من خدمك فالعبادة هي الخدمة ، ومن ذلك قولهم : إياك نعيد ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعي ونحفد ، أي إليك نعمل ونخدم مثل قوله تعالى : ( بنين وحفدة ) النحل : 72 أي خدما في أحد الوجوه والعبادة هي الخدمة بذل وتواضع ، والعرب تقول : طريق معبد إذا كان مذللا ممهدا وموطوءا بالأقدام ، ويقولون : بعير معبد إذا كان ممتهنا بالكد نضوا من السير والحمل عليه ، ومنه قول القبط : أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ، يعنون بني إسرائيل ، خدمنا نستذلهم ونمتهنهم بالكد والعمل ، وقال بعض العارفين : إن الله سبحانه وتعالى اطلع على قلوب طائفة من عباده فلم يرها تصلح لمعرفته ولا موضعا لمشاهدته ، فرحمها فوهب لها العبادات والأعمال الصالحات ، ثم إطلع على قلوب طائفة أخرى من خلقه فلم ير جوارحهم تصلح لخدمته ولا موضعا لمعاملته ، فاستعملهم للدنيا وعبدهم لأهلها ، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : تعس عبد الدينار والدرهم ، تعس عبد الزوجة ، تعس عبد الخميصة ؛ أي الذين يذلون لهذه الأشياء ويسعون لها ، وفي أخبار داود عليه السلام : إني خلقت محمدا لأجلي وخلقت آدم لأجل محمد ، وخلقت جميع ما خلقت لأجل ولد آدم ، فمن اشتغل منهم بما خلقته لأجله حجبته عني ، ومن اشتغل منهم بي سقت له ما خلقته لأجله .

Section V02/P050

وأحبه لمن يحبه واختار له من عبده من العبيد من خصوص العاملين له ، وهم العالمون به دون من صرفه في رزق نفسه بنفسه ، وهو قوله تعالى : ( إلا ليعبدون ) ( ما أريد منهم من رزق ) الذاريات : 56 - 57 ، أي أن يرزقوا نفوسهم بكسبهم الذي أبحته لهم ، فيكونوا كغيرهم ممن قلت له : اذهب فتكسب ، فقد أردت منك الرزق لنفسك بكسبك وقد وهبته لك ، أي أنا أريد من هؤلاء العبادة ولها خلقتهم فكل ميسر لما خلق له ، فمن كانت صنعته العبادة وخلق لها ، يسرت له ، ومن كانت صنعته الدنيا وخلق لها ، يسرت له ، وفي الخبر أن الله تعالى خلق كل صانع وصنعته ، ويقال إن الله تعالى لما أظهرالخلق في العدم أظهر لهم الصنائع كلها ، ثم خيرهم فاختار كل واحد صنعته ، فلما أبداهم في الوجود أجرى على كل واحد ما اختار لنفسه قال : وانفردت طائفة فلم تختر شيئا ، فقال لها : اختاري فقالت : ما أعجبنا شيء رأيناه فنختاره قال : فأظهر مقامات العبادات فقالت : قد اخترنا خدمتك فقال : وعزتي وجلالي لأخدمنكم إياهم ولأسخرنهم لكم ، وفي الخبر : أوحى الله تعالى إلى الدنيا : اخدمي من خدمني ، وأتعبي من خدمك فالعبادة هي الخدمة ، ومن ذلك قولهم : إياك نعيد ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعي ونحفد ، أي إليك نعمل ونخدم مثل قوله تعالى : ( بنين وحفدة ) النحل : 72 أي خدما في أحد الوجوه والعبادة هي الخدمة بذل وتواضع ، والعرب تقول : طريق معبد إذا كان مذللا ممهدا وموطوءا بالأقدام ، ويقولون : بعير معبد إذا كان ممتهنا بالكد نضوا من السير والحمل عليه ، ومنه قول القبط : أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ، يعنون بني إسرائيل ، خدمنا نستذلهم ونمتهنهم بالكد والعمل ، وقال بعض العارفين : إن الله سبحانه وتعالى اطلع على قلوب طائفة من عباده فلم يرها تصلح لمعرفته ولا موضعا لمشاهدته ، فرحمها فوهب لها العبادات والأعمال الصالحات ، ثم إطلع على قلوب طائفة أخرى من خلقه فلم ير جوارحهم تصلح لخدمته ولا موضعا لمعاملته ، فاستعملهم للدنيا وعبدهم لأهلها ، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : تعس عبد الدينار والدرهم ، تعس عبد الزوجة ، تعس عبد الخميصة ؛ أي الذين يذلون لهذه الأشياء ويسعون لها ، وفي أخبار داود عليه السلام : إني خلقت محمدا لأجلي وخلقت آدم لأجل محمد ، وخلقت جميع ما خلقت لأجل ولد آدم ، فمن اشتغل منهم بما خلقته لأجله حجبته عني ، ومن اشتغل منهم بي سقت له ما خلقته لأجله .

Section V02/P050

ذكر حكم المتوكل إذا كان ذا بيت

Section V02/P050–V02/P051

فإن كان المتوكل ذا بيت فليغلقه إذا خرج ، إحرازا له لأجل الأمر بالحذر ولإتباع السنة والأثر قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنواخذوا حذركم ) النساء : 71 ، وقال تعالى : ( واحذرهم أن يفتنوك ) المائدة : 49 ، وقد يروي في خبر اعقلها وتوكل ولاينقص ذلك توكله إذا كان ساكن القلب إلى الله لا إلى خلقه ، ناظرا إلى حسن تدبيره في تبقية رحله أو إذهابه لا إلى إحرازه ، غير مختار لبقاء ما في بيته على اختيار الله له لحسن أحكامه عنده ، لأن الله تعالى إذا رفع عبدا إلى مقام التوكل عليه في شيء أعطاه التوكل في كل شيء ، كما لا يكون توابا يحبه الله حتى يتوب إلى الله بكل شيء وفي كل شيء أي يرجع إليه بالأشياء وفيها ، فلذلك قال الله تعالى : ( إن الله يحب المتوكلين ) آل عمران : 159 ، كما قال : ( إن الله يحب التوابين ) البقرة : 222 ، مع قوله : ( وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) إبراهيم : 12 ، أي ليتوكل عليه في كل شيء ، من توكل عليه في شيء ، هذا أحسن وجوهه ، والوجه الآخر وعليه فليتوكل في كل توكله من توكل عليه في الأشياء لأن الوكيل في شيء واحد ، فينبغي أن يكون التوكل عليه واحدا في كل شيء ، فالتوكل مقام رفيع من مقامات الأنبياء ومن أعالي درج الصديقين والشهداء ؛ من تحقق به فقد تحقق بالتوحيد وكمل إيمانه وكان على مزيد ، وانتفى عنه دقائق الشرك وخفايا تولي العدو فانقطع سلطانه عنه ، قال الله سبحانه وتعالى : ( إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) ( إنما سلطانه على الذين يتولونه ) النحل : 99 - 100 يعني العدو ، والذين هم به مشركون يعني الله سبحانه ، فلم يشترط نفي سلطان العدو بالإيمان مجردا حتى يقيمه في مقام التوكل في اليقين ، فلذلك فصلنا شرحه وأطلقنا تفصيله لأن من أعطى مقاما من التوكل على حقيقة مشاهدة الوكيل انتظم له جمل مقامات اليقين وأحوال المتقين ، كما قال عبد الله بن مسعود : التوكل جماع الإيمان وقد يبتلى المتوكل في توكله بالأسباب والأشخاص والأغراض وضروب المعاني ، كما يبتلى سائر أهل المقامات ويبقى عليه من العدو نزغ وطيف لا غير دون الاقتران والاستحواذ ، يختبر بذلك صدقه في توكله حتى يرد في جميع ذلك نظره إلى وكيله ليجزى جزاء الصادقين المقربين ، أو ليكشف له دعواه فيعلم كذب نفسه ، فيكون مردودا إلى التوبة ، كما قال تعالى : ( ليجزي الله الصادقين بصدقهم ) الأحزاب : 24 ، وحسب جزاء المتوكلين أن يكون الصادق حسبهم وأن يكون خلعة الصدق شعارهم ثم قال تعالى : ( ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم ) الأحزاب : 24 ، فأحسن حال المدعين التوبة بها يخرجون من ظلمهم ، وقال تعالى : ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) العنكبوت : 2 ، ثم أخبر بسنته التي قد خلت في عباده فقال : ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ، ولن تجد لسنة الله تبديلا ، فليقل المتوكل عند خروجه من منزله معتقدا لذلك بعد غلق بابه للأمر والسنة : اللهم إن جميع ما في منزلي إن سلطت عليه من يأخذه فهو في سبيلك صدقة مني على من أخذه ، فإن أخذ ما في منزله كان له في ذلك سبع معاملات : إحداهما قبول توكله على الله بتدبير الله أمره كيف شاء ، واختيار الله له نقصان الدنيا ، وإذهاب ما لعله يفتتن بتبقيته ، والثانية اختيار الله تعالى لعبده وابتلاؤه إياه بفقد محبوبه ليظهر صدقه ومسألته ، أو ليستيبن للعبد كذبه ، فإن حمد الله وشكره على حسن بلائه ولم تضطرب نفسه أعطي ثواب الشاكرين الراضين ، كما جاء في العلم المكنون عن بعض أنبيائه قال : يا رب من أولياؤك ؟

Section V02/P051–V02/P053

قال : الذين إذا أخذت منه المحبوب سالمني ، والثانية إن اضطربت نفسه وجزعت جاهدها بالصبر والصمت وحسن الثناء على الله وترك الشكاية إلى عبيده ، فأعطي ثواب الصابرين المجاهدين ، والرابعة إن لم يكن في هذا المقام ولا في المقام الأول انكشف له بطلان دعواه وظهر له خفي كذبه في حياته ، فاعترف بذلك واعتذر إلى الله واستكان وخضع ، فيكون هذا أيضا مزيد مثله على معنى الإعلام والبيان ، فيعلم إنه كذاب لكراهية ما قضى الله وقلة صبره أو بسخطه ما حوله الله من خزانته التي هي في يده إلى خزانته الأخرى التي هي في يد غيره ، إذ قد علم أن يده خزانة مولاه ، وأن ما حوله منها لم يكن له وإنما كان قد استودعه ، فحزن وساءه حين استرجع منه ما أودعه وأعاره وأودعها غيره أو دفعها إلى من هي رزقه ، وكانت له من قبل ، أن المتوكل قد علم أن الله تعالى ، إذا وهب شيئا من الدنيا للأجسام من الملك وشيئا من الآخرة من الملكوت وصار ذلك رزقا للمتوكل في آخرته ، فآثر لضعف يقينه رزق دنياه على رزق آخرته لنقصان زهده ، ليس ذلك ، إلا للطمع فيه ، وفضل الرغبة والشره إذ قد علم أن ما أخذ منه كان وديعة لغيره عنده ، فهذه كلها ذنوب عند المتوكلين موجبات للتوبة والاستغفار عند الموقنين ، من قبل أن المتوكل قد علم أن الله إذا وهب شيئا من الملك في الدنيا للأجسام أو شيئا من ملكوت الآخرة في القلوب ، لم يأخذه أبدا ؛ فما كان في الدنيا بقي لصاحبه إلى آخر أثره حتى يفنيه ويبليه ، وما وهبه من الآخرة من الإيمان والعلم والعمل لم يأخذه أبدا بل ينميه ويزيده فيه إلى أبد الأبد في دار الأبد ، ولكن قد يعير ويستودع من أمور الدنيا وأمور الآخرة ، فهذا النوع لا بد أن يسترده ويسترجعه في الدنيا لأن حكمته أوجبت رده كما أوجب كرمه تبقية ما وهبه ، فلا ينبغي للمتوكل الموقن ما ذكرناه أن يحزنه ما حول الله من خزانته التي في يده مما أعاره واستودعه إلى خزانته الأخرى التي هي يد غيره ، ممن لعله يهبه له أو يبتليه بأحكامه فيه ، فيخرج أيضا من يده إلى يد غيره لأنه ما خرج من الدار شيء ، ولله حكمة وابتلاء في كل شيء ؛ فالحزن والأسف على فوت مثل هذا عند العارفين جناية ، ومن المؤمنين خيانة ، يستغفرون الله ويتوبون إليه كما يتوبون من المعاصي ، لأنهم قد شهدوا ما بيناه ولأنه قد أمرهم بترك الأسى على فائت الدنيا وقلة الفرح بما أتى منها ، إذ لا بد من كونهما لأنه قد علمه وبعد علمه قد كتبه وبعد كتبه قد أعلم به ، فكشف لهم اليقين عن الكتاب المستبين ؛ أن ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ، فما ظهر من المصائب في الأموال والأنفس فقد سبق قبل خلق الخلق ، وهذا قوله تعالى : ( من قبل أن نبرأها ) الحديد : 22 ، قيل : من قبل أن نخلق الخليقة وقبل أن نبرأ الأرض وقيل : من قبل أن نبرأ الأنفس ، وقيل : من قبل أن نبرأ المصيبة ، ثم قال تعالى : ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) الحديد : 32 ، فالأسى على فقد الشيء على قدر الفرح بوجوده ، أفلا يستحي العبد أن يكون على ضد ما أمر به أو بخلاف ما يحبه منه مولاه ؟

Section V02/P053

فيأسى على ماليس له ويحزن على ما أخذ منه واستودعه ، أو يفرح بما ليس له لأنه لا يعلم أنه قد وهب له ، فيبقي عليه ، أو قد أعيره فيؤخذ منه ، فلما استرجعه من يده التي هي يده تعالى قبضه ، أيقن أنه لم يكن له وأنه إنما كان وديعة عنده فحزن وساء ، فهذا لما أيقن شك ، ولما علم جهل ورغب فيما ينبغي أن يزهد فيه ، فأي شك مع ذلك يتوهم المتوكل على الله ويدعي منازل الأقوياء الأغنياء بالله ، الشاهدين لمجاري قدر الله في تصاريف حكمه ، فإذا علم العبد أنه كاذب استكان استكانة الكذابين وتاب توبة المدعين ، ولم ينطق بكلام الصادقين ولا يدل إدلال المحبوبين ، فيكون تعريف الله إياه هذه المعاني تأديبا له ومزيد مثله ، وهذا مزيد الناقصين . ما حوله الله من خزانته التي هي في يده إلى خزانته الأخرى التي هي في يد غيره ، إذ قد علم أن يده خزانة مولاه ، وأن ما حوله منها لم يكن له وإنما كان قد استودعه ، فحزن وساءه حين استرجع منه ما أودعه وأعاره وأودعها غيره أو دفعها إلى من هي رزقه ، وكانت له من قبل ، أن المتوكل قد علم أن الله تعالى ، إذا وهب شيئا من الدنيا للأجسام من الملك وشيئا من الآخرة من الملكوت وصار ذلك رزقا للمتوكل في آخرته ، فآثر لضعف يقينه رزق دنياه على رزق آخرته لنقصان زهده ، ليس ذلك ، إلا للطمع فيه ، وفضل الرغبة والشره إذ قد علم أن ما أخذ منه كان وديعة لغيره عنده ، فهذه كلها ذنوب عند المتوكلين موجبات للتوبة والاستغفار عند الموقنين ، من قبل أن المتوكل قد علم أن الله إذا وهب شيئا من الملك في الدنيا للأجسام أو شيئا من ملكوت الآخرة في القلوب ، لم يأخذه أبدا ؛ فما كان في الدنيا بقي لصاحبه إلى آخر أثره حتى يفنيه ويبليه ، وما وهبه من الآخرة من الإيمان والعلم والعمل لم يأخذه أبدا بل ينميه ويزيده فيه إلى أبد الأبد في دار الأبد ، ولكن قد يعير ويستودع من أمور الدنيا وأمور الآخرة ، فهذا النوع لا بد أن يسترده ويسترجعه في الدنيا لأن حكمته أوجبت رده كما أوجب كرمه تبقية ما وهبه ، فلا ينبغي للمتوكل الموقن ما ذكرناه أن يحزنه ما حول الله من خزانته التي في يده مما أعاره واستودعه إلى خزانته الأخرى التي هي يد غيره ، ممن لعله يهبه له أو يبتليه بأحكامه فيه ، فيخرج أيضا من يده إلى يد غيره لأنه ما خرج من الدار شيء ، ولله حكمة وابتلاء في كل شيء ؛ فالحزن والأسف على فوت مثل هذا عند العارفين جناية ، ومن المؤمنين خيانة ، يستغفرون الله ويتوبون إليه كما يتوبون من المعاصي ، لأنهم قد شهدوا ما بيناه ولأنه قد أمرهم بترك الأسى على فائت الدنيا وقلة الفرح بما أتى منها ، إذ لا بد من كونهما لأنه قد علمه وبعد علمه قد كتبه وبعد كتبه قد أعلم به ، فكشف لهم اليقين عن الكتاب المستبين ؛ أن ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ، فما ظهر من المصائب في الأموال والأنفس فقد سبق قبل خلق الخلق ، وهذا قوله تعالى : ( من قبل أن نبرأها ) الحديد : 22 ، قيل : من قبل أن نخلق الخليقة وقبل أن نبرأ الأرض وقيل : من قبل أن نبرأ الأنفس ، وقيل : من قبل أن نبرأ المصيبة ، ثم قال تعالى : ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) الحديد : 32 ، فالأسى على فقد الشيء على قدر الفرح بوجوده ، أفلا يستحي العبد أن يكون على ضد ما أمر به أو بخلاف ما يحبه منه مولاه ؟

Section V02/P053

فيأسى على ماليس له ويحزن على ما أخذ منه واستودعه ، أو يفرح بما ليس له لأنه لا يعلم أنه قد وهب له ، فيبقي عليه ، أو قد أعيره فيؤخذ منه ، فلما استرجعه من يده التي هي يده تعالى قبضه ، أيقن أنه لم يكن له وأنه إنما كان وديعة عنده فحزن وساء ، فهذا لما أيقن شك ، ولما علم جهل ورغب فيما ينبغي أن يزهد فيه ، فأي شك مع ذلك يتوهم المتوكل على الله ويدعي منازل الأقوياء الأغنياء بالله ، الشاهدين لمجاري قدر الله في تصاريف حكمه ، فإذا علم العبد أنه كاذب استكان استكانة الكذابين وتاب توبة المدعين ، ولم ينطق بكلام الصادقين ولا يدل إدلال المحبوبين ، فيكون تعريف الله إياه هذه المعاني تأديبا له ومزيد مثله ، وهذا مزيد الناقصين . والمعاملة الخامسة أن يكون له بكل درهم تلف سبعمائة درهم ، كأنه قد أنفقه في سبيل الله ، حسب له ذلك لأنه قد كان نواه ، وكذلك إن لم يؤخذ ما في بيته استنباطا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن ترك العزل فأقر النطفة قرارها : إن له أجر غلام ولد ، له من ذلك الجماع وعاش فقتل في سبيل الله ، وإن كان لم يولد له فقال : أنت تخلقه ، وأنت ترزقه إليك ، محياه إليك ، مماته أقرها قرارها ولك ذلك . والمعاملة السادسة أن لا يأثم أخوه الذي أخذ رحله إن كان قد جعله صدقة عليه ، فيؤجر أجرا ثانيا لإشفاقه على أخيه ، وحسن نظره للعصا من حيث لا يعلمون تخلقا بأخلاق مولاه ، وينال بعفوه عن ظالمه درجة المحسنين ، ويتحقق بمقام المتقين ويكون ممن وقع أجره على الله ، فيخفي له ما لا تعلم نفس من قرة العين ولأنه قد علم كيف جرى الأمر وأن الآخذ مبتلي بسوء القضاء ، وأنه قد عوفي إذ لم يكن هو ذلك العبد فيرحم أهل البلاء حينئذ ، ويحمد الله على ماعافاه فيشغله الشكر لله عن الدعاء على ظالمه ، قال بعض العارفين لبعض أصحابه : لم أسقط أهل المعرفة اللأئمة عن الظالمين لهم فقلت : لاأدري قال : لعلمهم أن الله قصدهم بذلك وابتلى الظالمين بهم فرحموهم ، وذلك داخل في نصر أخيه الظالم لنفسه ، وطاعة لأمر رسوله في قوله : أنصر أخاك ظالما أو مظلوما ؛ أي تمنعه عن الظلم فإذا عفا عنه فقد منعه من الظلم ، لأنه لو رآه منعه من أخذه أو وهبه له فيقوم عفوه عنه مقام رؤيته . والمعاملة السابعة تحققه في الزهد فيما ذهب ، وقال أبو سليمان الداراني لما بلغه عن مالك بن دينار أنه قال للمغيرة : اذهب فخذ تلك الركوة من البيت فلا حاجة لي بها ، وكان قد أهداها إليه وقبلها منه فقال : ولم ؟

Section V02/P053–V02/P054

قال يوسوس إلى العدو أن اللص قد أخذها وكان مالك لا يغلق بابه إنما كان يشده بشريط وكان يقول : لولا الكلاب ما شددته أيضا ، فقال أبو سليمان : هذا من ضعف قلوب الصوفيين ، هو قد زهد مني الدنيا فما عليه بمن أخذها ، وهذا كما قال أبو سليمان : لأن الزهد إذا صح دخل الرضا فيه ، ولقول مالك أيضا وجه كأنه كره أن يعصي الله به ، فيكون هو سبب معصية الله ، ولكن قول أبي سليمان أعلى لأجل التوكل والرضا ، وهذا الذي ذكرناه من ذهاب ما في البيت هو لكل من ذهب له مال في سفر أو حضر ، ولكل من أصيب بمصيبة في نفس أو أهل هذه المعاملات كلها إذا اعتقدها بقلبه وكانت في خلده ووجده ، وإن لم ينطق بها أو يظهرها : فأكثر الناس إيمانا وأحسنهم يقينا أقلهم غما وأيسرهم أسى على ما فات من الدنيا ، وأحسنهم رضا وأنفذهم شهادة من رأى أن ذلك نعمة أوجبت عليهم شكرا ، وأقل الناس إيمانا وأضعفهم يقينا أشدهم أسى وأكثرهم غما على ما فات ، وأطولهم شكوى وأقلهم شكرا ، فالمصائب محنة تكشف الزهد في الدنيا والرغبة ، ألم تسمع إلى الحديث الذي جاء فيه هذا الدعاء : وأسألك من اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، فشدة الغم على فوت الدنيا دليل على حبها وعلامة ضعف اليقين بمحبوبه وسهوله الغم على فوتها دليل على الزهد فيها وقوة اليقين بربه ، فإن وجد المتوكل رحله بحاله لم يضره بتبقيته شيء وكان له أحر ما قد نوى من المعاملات ، ولا أعلم هذا القول واعتقاده عند خروج العبد من منزله أو تركه لرحله أو خروجه في سفر ينفعه شيئا ولا يضره ، ولا يقدم ضياع شيء حكم الله ببقائه له ولا يؤخر ترك العقد لهذا تبقية ما حكم الله بذهابه ، ومع ذلك فيكون له حال من التوكل ومقامات في المعاملات إلا شيئا واحدا من باب نقصان الدنيا من طريق الورع ، فإنه ينقصه وهو أنه إن أخذ ما توكل على الله فيه ، وفوض إليه أمره به ، ثم رد عليه ، لم يستحب له في الورع أن يتملكه ، ولا أن يرجع فيه في حسن الأدب ، لأنه قد كان جعله صدقة في سبيل الله ، فإن رجع فيه لم ينقص ذلك توكله ، لأنه قد صح تفويضه إلى الوكيل في الخالين معا ، فيكون رده عليه لأنه قد كان وهبه له بمنزلته ابتداء عطاء منه . وقد روينا أن ابن عمر سرقت ناقته فطلبها حتى أعيا ، ثم قال : في سبيل الله ، فدخل المسجد وصلى ركعتين فجاءه رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن ، إن ناقتك في مكان كذا ، فلبس نعله وقام ثم نزعها ، ثم قال : أستغفر الله ، وجلس فقيل له : ألا تذهب فتأخذها فقال : إني قد كنت قلت : في سبيل الله ، وحدثت عن بعضهم قال : رأيت بعض إخواني في النوم بعد موته فقلت : مافعل الله بك ؟ فقال : غفر لي وأدخلني الجنة ، وعرضت على منازلي فيها فرأيتها ، قال وهو في ذلك كئيب حزين فقلت : قد دخلت الجنة وغفر لك وأنت حزين ، فتنفس الصعداء ثم قال : نعم إني لاأزال حزينا إلى يوم القيامة ، قلت : ولم ذلك ؟ قال : إني لما رأيت منازلي من الجنة رفعت لي مقامات في عليين ما رأيت مثلها فيما رأيت ، ففرحت بها ، فلما هممت بدخولها ، نادى مناد من فوقها : اصرفوه عنها فليست هذه له ، إنما هذه لمن أمضى السبيل فقلت : وما أمضى السبيل ؟

Section V02/P054–V02/P055

قيل لي : قد كنت تقول للشيء إذا ذهب منك : في سبيل الله ، ثم ترجع فيه فلو كنت أمضيت السبيل لأمضيناها لك ، وقد حدثونا أن الربيع بن خيتم سرق فرسه وكان ثمنه عشرين ألفا ، وكان قائما يصلي فلم يقطع صلاته ولم ينزعج لطلبه فجاءه الناس يعزونه فقال : أما إني قد كنت رأيته وهو يحله ، قيل : وما منعك أن تزجره ؟ قال : كنت فيما هو أحب إلي من ذاك يعني الصلاة قال : فجعلوا يدعون عليه فقال : لا تفعلوا وقولوا خيرا فإني قد جعلتها صدقة عليه ، وقيل لبعضهم في شيء قد كان سرق له : ألا تدعو على ظالمك ؟ فقال : ما أحب أن أكون عونا للشيطان عليه ، قيل : أفرأيت لو ردت إليك سرقتك أكنت تأخذها ؟ قال : ولا كنت أنظر إليها إني قد كنت أحللته منها ، وقيل لآخر : أدع الله على من ظلمك ، قال : ماظلمني أحد ثم قال : إنما ظلم نفسه فلا يكفيه المسكين ظلمه لنفسه حتى أزيده شرا ، وذهب لبعض المسلمين مال فجاء قوم يعزونه عليه فقال : ما تعزوني على أمر الدنيا ، فوالله ما حزنت على ذهابها فكيف على ذهاب شيء منها قيل : ولم ؟ قال : شغلني الشكر عليه عن الحزن ، وقد كانوا يقولون : إذا ظلموا من الغصب والسرقة وغير ذلك ، هذه نعمة الله علينا إذ لم يجعلنا ظالمين مظلومين وجعلنا أعظم مما فاتنا من الظلامة ، وقد كان السلف يخافون أن يذكروا الظالم بالسب له والدعاء عليه فيكون ذلك زيادة على مظلمتهم . وقد روينا : من دعا على ظالمه فقد انتصر ، وأكثر بعضهم بشتم الحجاج عند بعض السلف فقال له : لا تغرق في شتمته فإن الله ينتصف للحجاج ممن انتهك عرضه كما ينتصف منه لمن أخذ ماله ، وفي الخبر أن العبد ليظلم المظلمة ، فلا يزال يشتم ظالمه ويسبه حتى يكون بمقدار ماظلمه ، ثم يبقى للظالم عليه مطالبة بما زاد عليه يقتص له من المظلوم ، وقال بعض العلماء لرجل وقد كان شكا إليه قطع الطريق وأخذ ماله فقال له : إن لم يكن غمك أنه قد صار في المسلمين من يستحل هذا أكثر من غمك بمالك فما نصحت للمسلمين ، وسرقت من علي بن الفضيل دنانير وهو يطوف بالبيت فرآه أبوه وهو يبكي ويحزن فقال : أعلى الدنانير تبكي ؟

Section V02/P055–V02/P056

فقال : لا والله ، ولكن على المسكين ، أنه يسأل يوم القيامة بهم ولا يكون له حجة ، وقيل لبعضهم في معنى هذا : أدع على من ظلمك ، فقال : إني مشغول بالحزن عليه عن الدعاء عليه ؛ فإن رد علي المتوكل كل ما أخذ منه فالأفضل له أن لا يتملكه ، إن كان قد جعله في سبيل الله ليمضي السبيل ، فإن كان قد جعله صدقة على الآخذ نظر في ذلك فإن كان فقيرا حمله فقره على السرقة والخيانة والحاجة أمضى صدقته عليه ، وإن كان غير ذلك صرفها إلى فقير ، وقد كان بعضهم إذا أخذ له الشيء يشترط فيقول : إن كان فقيرا فهو صدقة عليه ، وإن كان محتاجا فهو في حل ، وقد أخبرني بعض الأشياخ عن شيخ كان بمكة من العباد أنه اتهم بعض الحجاج بسرقة هميانه لأنه كان قائما إلى جانبه ، فقال له : كم كان فيه فأخبره ، فحمله إلى منزله فوزن له من المال ، ثم إن أصحابه أعلموه أنهم مزحوا معه وحلوا هميانه وهو نائم ، فجاء هو وأصحابه إليه فردوا عليه ماله ، فقال : ما كانت لتعود إلي بعد إذ خرجت هي لكم ، فقلنا : لاحاجة لنا فيها فقال : خذوها ، قال : فأبينا ، فقال : يابني ، ودعا ابنا له وجعل يصرها صررا ويبعث بها إلى قوم حتى فرغ منها ، وهذا كانت نيته إخراجها لله سبحانه فلم يعد فيما أخرجه ، كما نقول فيمن أخرج رغيفا إلى سائل أو أعد درهما لفقير فلم يصادفه : إنا نستحب أن لا يرجع إلى ملكه بل يعزله لسائل آخر أو فقير غيره ، لم يزل هذا من أخلاق المؤمنين ، وقد رأينا من كان بهذا الوصف وهذا طريق قد عفا أثره ودرس خبره ، فمن عمل به فقد أحياه وأظهره وقد كان قديما طريقا إلى الله تعالى عليه السابلة من الأولياء .

Section V02/P056–V02/P057

ذكر بيان آخر من أحكام المتوكل اعلم أن التوكل على الله في الأسباب لا يوجب بقاءها للعبد ولا إيثاره بها ولا حفظها عليه ، ولا يقدم شيئا عن شيء ولا يؤخره لصلاح دنيا أو اختيارعبد ، بل هو إلى الإذهاب والإتلاف أقرب لأن التوكل قرين الزهد ، هكذا هو عند الخصوص ولأجل اختيار العبد وتحقيق صدقه محنة له ، ولأجل من نفي الشيء من الدنيا ، قال الله سبحانه وتعالى : ( فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة ) الشورى : 36 فإن ذهب ماله فصبر أو شكر أو رضي ، كان صادقا في توكله ، وهذه أحوال المتوكلين في التوكل إن كانوا صادقين ، وإن عجز واضطرب كان كاذبا في توهمه للتوكل ويلزمه من مجاهدة النفس عند اضطرابها بعد عدم الأشياء ما يلزمه من مجاهداتها ونفي الآفات في سائر الأعمال ، فإن حفظ عليه ماله فقد رفق به في ذ لك وستر عليه عن كشف حقيقة حاله بتلف ذلك ، وجعلت كرامة من الدنيا له ليطمئن بذلك في حاله ويسكن به قلبه في طريقه ، وهذا مقام الضعفاء ، وإن نقص من الدنيا فقد أقيم مقام أهل البلاء ، الأمثل فالأمثل بالأنبياء ، ولولا الامتحان لكثر الصادقون وكذلك التوكل على الله في ترك الدواء لا يجلب العوافي ولا يعجلها ، ولا ينقص من الأمراض ولا يذهبها ، بل هو إلى الازدياد منها أقرب للتمحيص والابتلاء ، ومنه قوله عز وجل : ( وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ) آل عمران : 141 ، فمن لم يشهد نقصان الدنيا من النفس والمال نعمة توجب عليه الشكر ، ويرى المنع عطاء فقد جهل تلك النعمة بإضاعة شكرها ، فما فاته من جهل النعمة ، وترك الشكر ، أعظم مما يترك من جميع الدنيا ، وأخاف عليه لطيفة من المحق ، والمحق نقصان الشيء إلى ذهاب جملته عند الكفر بنعمته لقوله تعالى : ويمحق الكافرين فالله أعلم أي شيء يمحقه وينقصه ، بمقدار ما كفر شكر نعمته ، وقد قال سبحانه : ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ) البقرة : 155 فهذا النقص من هذه الخمس التي المزيد منها هو جملة الدنيا ، هو المزيد من الآخرة لا ضد الدنيا كما قال تعالى : ( وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) الشورى : 36 فصبروا على مصائبهم توكلا على ربهم ، ثم توكلوا رهم لشهادة وكيلهم ولحسن ظنهم به ، ثم صبروا على توكلهم لتمام حالهم ، ويعلو بذلك فيه مقامهم : فالصبر أول مقام في التوكل وهو عند مشاهدة القضاء بلاء ، والشكر أعلى من ذلك هو شهود البلاء نعمة ، والرضا فوق ذلك كله وهو أعلى التوكل وهو مقام المحبين من المتوكلين ، قال الله عز وجل في وصف عموم المتوكلين : ( وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون ) القصص : 60 ، فمن اتقى الله وعقل خطابه توكل عليه فيما أصابه ، فلم ييأس على ما فات ولم يفرح من الدنيا بما هو آت وهذا أوسط الزهد وأول التوكل ، وقال تعالى في وصف الخصوص : ( وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) الشورى : 36 فأهل العقل عن الله والمتقون له هم المتوكلون عليه ، وقد زهدهم فيما يفنى برغبته إياهم فيما يبقى حين فهموا الخطاب ، إذ هم أولو الألباب وذلك أنه أضاف ما عنده إليه ووصفه بالبقاء ليرغبوا فيه ، لأنهم قد توكلوا عليه وأضاف ما عندهم إليهم ليزهدوا فيه ، ووصفه بالفناء لأنهم قد زهدوا في نفوسهم ، إذ قد باعوها منه ، فكيف يتملكون ماعندها ؟ والعبد وماله لسيده وهو تعالى قد اشتراها منهم لرغبتهم فيه ، وعوضهم منها ما يبقى لهم فقال تعالى : ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) النحل : 96 ذكر بيان آخر من فضيلة المتوكل

Section V02/P057–V02/P058

اعلم يقينا أن الله تعالى لوجعل الخلائق كلهم من أهل السموات والأرضين على علم أعلمهم به ، وعقل أعقلهم عنه وحكمة أحكمهم عنده ، ثم زاد كل واحد من الخلائق مثل عدد جميعهم وأضعافه علما وحكمة وعقلا ، ثم كشف لهم العواقب وأطلعهم على السرائر وأعلمهم بواطن النعم ، وعرفهم دقائق العقوبات وأوقفهم على خفايا اللطف في الدنيا والآخرة ، ثم قال لهم : دبروا الملك بما أعطيتكم من العلوم والعقول عن مشاهدتكم عواقب الأمور ، ثم أعانهم على ذلك وقواهم له ، لما زاد تدبيرهم على ما يراه من تدبير الله تعالى من الخير والشر والنفع والضر جناح بعوضة ، ولا نقص جناح بعوضة ولا أوجبت العقول المكاشفات ولا العلوم المشاهدات غير هذا التدبير ، ولا قضت بغير هذا التقدير الذي يعاينه ويقلب فيه ، ولكن لا يبصرون لأنه أجراه على ترتيب العقول وعلى معاني العرف والمعتاد من الأمور ، بالأسباب المعروفة والأواسط المشهورة على معيار ما طبع العقول فيه وجبل العقول عليه ، ثم غيب مع ذلك العواقب وحجب السرائر وأخفى المثاوب ، فغاب بعينها حسن التدبير وجميل التقدير فجهل أكثر الناس الحكم إلا المتوكلين وما يعقلها إلا العالمون ، ويقال : أصغر ماخلق الله من الحيوان والموات البعوضة والخردلة ، وفي كل واحدة منها ثلاثمائة وستون حكمة ، ثم يتزايد الحكم في المخلوقات على قدر تفاوتها في العظم والمنافع ومزيد آخر من الهدى ، والبيان لو تمنى أهل النهي من أولي الألباب الذين كشف عن قلوبهم الحجاب نهاية أمانيهم ، فكونت أمانيهم على ما تمنوا لكان رضاهم عن الله في تدبيره ومعرفتهم بحسن تقديره لهم ، خير لهم من كون أمانيهم ، وأفضل لهم عند الله من قبل إن الله ، أحكم الحاكمين ، وقال تعالى موبخا للإنسان مجهلا للتمني لقلة الإيقان : ( أم للإنسان ما تمنى ) ( فلله الآخرة والأولى ) النجم : 24 - 25 أي يحكم فيهما بترك الأماني لأنه قال تعالى : ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ) المؤمنون : 71 فالمتوكل محب لله تعالى مسرور بربه فرح له بملكه ، بأن له الآخرة والأولى يحكم فيهما كيف شاء ، والعبد عاجز لا يقدر على شيء ، فهذا أول مقام في المحبة ، فقد كفى الخلائق هذا كله بحسن تدبير الخالق العليم الخبير البصير ، وإنما يحتاجون إلى معرفة بالحكمة ومشاهدة للحكم والرحمة ، وإلى بصيرة ويقين يسكن عندها قلوبهم ولا يضطرب ، هذا الذي ذكرناه عند الموقنين وستطلع العموم على سر ما ذكرناه من لطيف التدبير وباطن التقدير ، وهو سر القدر ولطائف المقدر في الآخرة عند المعاينة ، وقد كشف الغطاء وظهر ما تحته من عجائب الخبء في السموات والأرض ، وقد أطلع الله على ذلك العلماء به في الدنيا وهو محمود مشكور على ما أظهر وأخفى ، ففي كل واحد منهما نعمة ، ومع كل واصف منها حكمة ورحمة ، ولكن قد خلق الله العلماء بأخلاقه فليس يكشفون من علمه إلا بقدر ما كشف ، وليس يعرفون من سر قدره إلا بمعيار ما عرف ، وقال تعالى : ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) الحجر : 21 فقد تأدبوا بهذا الخطاب ووقفوا عنده ، وقال أبو سليمان الداراني : إذا لاحظت الأشياء من فوق وجدت لها طعما آخر ، وقال بعض العارفين : إذا رأيت الأشياء كلها كشيء واحد من معدن واحد ، رأيت ما لم تسمع وفهمت ما لم تفهم الخلق ، وقال بعضهم : لا ترى العجب حتى ترى عجبا فإن لم تر عجبا رأيت العجب . ذكر بيان آخر من وصف المتوكلين

Section V02/P058–V02/P060

اعلم أن العلماء بالله سبحانه ؛ لم يتوكلوا عليه لأجل أن يحفظ لهم دنياهم ، ولا لأجل تبليغهم مرادهم ، ولا ليشترطوا عليه حسن القضاء بما يحبون ، ولا ليبدل لهم جريان أحكامه عما يكرهون ولا ليغير لهم سابق مشيئته إلى ما يعقلون ، ولا ليحول عنهم سنته التي خلت في عباده من الابتلاء والاختبار ، هو أجل في قلوبهم من ذلك وهم أعقل عنه وأعرف به من هذا ، لو اعتقد عارف بالله أحد هذه المعاني مع الله في توكله كان كبيرة توجب عليه التوبة وكان توكله معصية ، وإنما أخذوا نفوسهم بالصبر على أحكامه كيف جرت ، فطالبوا قلوبهم بالرضا عنه كيف جرت ، وقال رجل لمالك بن أنس : يا أبا عبد الله ، إني تعلقت بأستار الكعبة فتبت من كل ذنب وحلفت أن لا أعصي الله فيما أستقبل ، فقال له : ويحك ، ومن أعظم معصية منك تتألى على الله أن لا ينفذ حكمه فيك ، وأنشدنا بعض العلماء لبعض الحكماء : لما رأيت القضا جاريا . . . لا شك فيه ولا مرية توكلت حقا على خالقي . . . وألقيت نفسي مع الجرية وإنما كرهو ما كره الله طاعة لله ، فذلك كراهة ما كره حبا لله واكتراما لحكمه عليهم ، لاكراهة ما قضى إذ ليس لهم أن يقولوا : فلم قضيت ما تكره ولم كرهت ما قضيت ؟ هو أجل وأعظم ، وفي نفوسهم أخوف وأهيب أن يواجهوه بهذا الخطاب في قول أو عقد ، بل عرفوا حكمته فيه وصبروا على حكمه به ، وإنما توكل العلماء به عليه لأجل أنه يحب المتوكلين ولأجل أنه يستحق التفويض إليه ويستوجب التسليم له ، إذ كان هو الوكيل الأول والكفيل الآجل حين سمعوه يقول : والله على شيء وكيل ، ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ، وحين فقهوا قوله : ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ، ولما عقلوا من خطابه : أليس الله بأحكم الحاكمين أو لأجل أنه أمر بالتوكل ، وندب إليه وحقق الإيمان به ؛ إذ سمعوه تعالى يقول : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ، أمن يملك السمع والأبصار ومن يدبر الأمر ؟ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ، وفي السماء رزقكم ، وما توعدون ، ثم أقسم عليه بنفسه أنه حق فتوكلوا عليه إستحياء ، منه ولوجود اليقين الذي رفع خفايا الشك وحذر من التهمة له وتوثقة بالاعتقاد عليه ؛ فمنهم من توكل عليه لأجل هذه المعاني كلها ، ومنهم من توكل عليه لمشاهدة بعضها فكل عبد توكله عن الوصف الذي به عرفه ، وكل عرفه عن العذر المتجلي الذي عرفه ؛ فكل يطيعه على قدر قربه منه ، وكل يقرب على قدر علمه بقربه منه بقدر مايعرف من كينونية في مكنون كأنه ، وكل بعلمه على قدر عنايته به ومن ورائه سر القدر ، فمشاهدة كل عبد من مقامه وحاله عن وجد شهادته وجزاؤه نحو معاملته ، والله يضاعف لمن يشاء هم درجات عند الله ، والله بصير بما يعملون ، لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون ، فدار السلام جامعة لهم وهم متفاوتون في درجاتها كدار الدنيا تجمعهم ، وهو يرفعهم لديه في ملكوتها بتخصيص التولي وحسن الولايات عن تحسين المعاملات ، الله يجيبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ، ومن الخصوص من توكل عليه تعظيما له وإجلالا ، ومنهم من توكل عليه يقينا بوعده ليحقق صدقه كأنه قد أخذ الموعود بيده إذ يقول تعالى : ومن أوفى بعهده من الله أنه كان وعده مأتيا ، ومنهم من توكل عليه استسلاما لما شهد من قهر عزه وعظيم قدره ، ومنهم من توكل عليه ليحفظ عليه ماله فيه ، ومنهم من توكل عليه ليحفظ له ما استحفظه ويعصمه في ماله عليه ، ومنهم من توكل عليه لقيامه بشهادته عن حسن معرفته ، ومنهم من توكل عليه تسليما له عن جميل معاملته ، ومنهم من فوض إليه لحسن تدبيره عنده وبحكم تقديره ، ومنهم من توكل عليه لأن توحيده له وشهادة قيوميته ، ذلك يقتضيه ، فهذه كانت مواجيد أوليائه ومناهج أحبابه عن مشاهدة القرب ومعرفة القريب ، وبعضهم أعلى مقاما من بعض ، وبعض هذه المشاهدات أقرب وأرفع فأعلاها من توكل عليه للإجلال والتعظيم ، وأوسطها من توكل عليه للمحبة والخوف ، وأدناها من توكل عليه تسليما له وتحببا إليه ، وقد ذكرنا أيضا من توكل العموم ما يستحي العارفون من ذكره ، وينزهون قلوبهم عن فكره ، وهو التوكل عليه في القلوب ، وقد طوينا ذكر توكل خصوص الخصوص من صديقي المقربين لأنه لا يحتمله عقل عاقل ولا يسع أن يستودع في كتاب الناقل إذ ربما نظر فيه منكر جاهل ، والله المستعان فدخل من عرفه فيما يحب لأجله ، ورغبوا فيما مدح لوصفه ليحصل لهم وصف يعطيهم به الولي حسن ثناء ، ينالون بذلك قربة منه ومحبة لديه .

Section V02/P060

ذكر بيان آخر في التوكل وما لا ينقص المتوكل

Section V02/P060–V02/P061

ولا ينقص المتوكل على الله سبحانه مسألة مولاه فيما أحب من صالح الدنيا ومزيد الآخرة ، إذ لم يقصد غير مطلوب ، وكان مفوضا إلى الله الأمور ، ولكن يحتاج إلى معرفة الإجابة ؛ فقد يكون المنع إجابة وقربا إذا كان العطاء شغلا عنه ، وبعد الآن الخيرة فيما لا يعلم العبد ، وقد يكون فيما يكره مما يعلم الله سبحانه حسن عاقبته ، لا فيما يعقل العبد عاجل منفعته ، فعليه التسليم لحكم الحاكم والرضا بقسم القاسم ، فإن سأل تكاثرا من الدنيا ، أو مالا يحتاج إليه ، وما ليس فيه صلاح قلبه ، ولا قربة إلى ربه ، أخرجه من حقيقة التوكل بمقدار ما يخرجه من الزهد ؛ وإن انقطع بالذكر عن المسألة أعطاه فوق عطاء من سأله ، وإن سكت حياء من الوكيل إذ هو حسبه فشهد الكفاية ورضي بجميع التصرف ، فهذا مقام من المواجهة عن مشاهدة القيومية وهو حال المقربين ، ولا يقدح في التوكل تشرف المتوكل إلى رزقه لأنه خلق ضعيفا ذا فاقة ، ورزقه معلوم لا بد منه ، والمعلوم مقسوم فتشرفه إلى القسم تشرف منه إلى القاسم ، ومن تشرف إلى مولاه شرفه وتولاه ، ولكن إن تشرف إلى الزيادة ، وخرج من القناعة ، وطلب العادة ، وأراد الشيء قبل وقته ، أو كره تأخره عنه إلى وقت مقدوره ، فإن هذا يقدح في توكله وينقص من زهده ، ولو كان الشرف إلى الرزق منها والتطلع إلى الرزق مجملا ينقص التوكل لعللنا من باع واشترى وجهلنا من تعالج من علله بالدواء ، لأن في ذلك تشرفا إلى الرزق وتطلعا إلى البرء ، فجاء من ذلك تضعيف التابعين وطعن على المتداوين من الصحابة والسلف الصالح ، وأخرجهم ذلك من التوكل والزهد ، فلهم منها مقامات ، ولا يخرجه من التوكل مطالعته للعوض على معاملته من جزاء الآخرة ، لأنه قد شوق إلى ذلك وندب إليه ، ولكن لا يدخله ذلك في حقيقة الإخلاص ولا يرفعه إلى علو درجة الصديقين من المتوكلين ، وقد يكون مزيدا على قدر حاله ، إلا أنه لا يدخله في إخلاص المحبين ، ولايرفعه في درجات المقربين ، ولا يصح التوكل إلا بزهده في الدنيا ، وأول الزهد ترك الرغبة في الحرام ، وأول أحوال المتوكل في القوت ثم الصبر على حكم الحي الذي لا يموت ، وأعلى التوكل التوكل عليه في الاستسلام للأحكام والرضا عنه في المسابقة بين الأقدام ، وهو إطراح النفس ونسيانها شغلا منه عنها بنفسها وحبا له ، وحقيقة التوكل بعد مشاهدة يد الوكيل ، فإذا ظهرت يده غابت الأيدي فيها ، فعندها توكلت عليه بتدلل فقبل توكلك ، واستسلمت إليه فسلمك ، فإنه يتجلى لك بوصف يلزمك حكما ، يضطرك الحكم إلى الحاكم ويوقفك الوصف على الوكيل ، كما يضطرك الحاكم إلى الحكم ويجري لك وعليك ماشاء من القسم ، فأعلى توكلك عليه حياء منه ، وإشهاده إياك توكله لك بحسن التدبير ، لم يكلك إلى سواه ولم يولك إلا إياه : فإما أن يقتضيك تصبرا له ، وإما أن يقتضيك تفويضا إليه ، وأما أن يقتضيك رضا عنه أو تسليما له أو استراحة من تدبيرك لنفسك ، أو يسقط عنك اهتمامك بتقديرك وأمانيك ، ومن يتوكل على الله فهو حسبه ، والحسب أي الحسب يجعله ما شاء كيف شاء ، فقد قيل : حسبه أي التوكل ، وقد قيل : التوكل حسبه من سائر المقامات ، وقيل : الله حسبه أي يكفيه ممن سواه ، قال تعالى معرفا للكافة مسليا للجماعة : ( إن الله بالغ أمره ) الطلاق : 3 ؛ أي منفذ حكمه فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه ، إلا أن من توكل عليه يكون الله حسبه أي يكفيه أيضا مهم الآخرة والدنيا ، ولا يزيد من لم يتوكل عليه جناح بعوضة في قسمه ، كما لا ينقص من توكل عليه ذرة من رزقه ، لكن يزيد من توكل عليه هدى إلى هداه ويرفعه مقاما في اليقين على تقواه ، ويعزه بعزه وينقص من لم يتوكل عليه من اليقين ، ويزيده من التعب والهم ما يشتت قلبه ويشغل فكره ، والمتوكل عليه يوجب له بذلك تكفير سيئاته ، ويلقي عليه رضاه ومحباته ، والكفاية فقد ضمنها تعالى لمن صدق في توكله عليه ، والوقاية فقد وهبها لمن أحسن تفويضه إليه ، إلا أن الاختيار وعلم الاستئثار إليه والكفاية والوقاية يجعل ذلك ما شاء كيف شاء وأين شاء ومتى شاء من أمور الدنيا وأمور الآخرة ، ومن حيث لا يعلم لأن العبد موجود ، فجرى عليه الأحكام في الدارين ، وفقير محتاج إلى اللطف والرحمة والرفق في المكانين ، والله هو الغني الحميد المبدئ المعيد ، وقيل لأبي محمد سهل : متى يصح للعبد التوكل ؟

Questions