Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb
فقال : إذا علم أن تدبير مولاه له خير من تدبيره لنفسه ، فإن نظر مولاه له أحسن من نظره لنفسه ، فيترك التفكر فيما كان والتمني لما يكون ، فيترك التدبير ولله عاقبة الأمور وهو على كل حال محمود شكور . كل ؟ فقال : إذا علم أن تدبير مولاه له خير من تدبيره لنفسه ، فإن نظر مولاه له أحسن من نظره لنفسه ، فيترك التفكر فيما كان والتمني لما يكون ، فيترك التدبير ولله عاقبة الأمور وهو على كل حال محمود مشكور .
ذكر أحكام مقام الرضا
الرضا عن الله سبحانه وتعالى من أعلى مقامات اليقين بالله ، وقد قال تعالى : ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) الرحمن : 60 ، فمن أحسن الرضا عن الله جازاه الله بالرضا عنه ، فقابل الرضا بالرضا ، وهذا غاية الجزاء ونهاية العطاء ، وهو قوله عز وجل : ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) التوبة 100 وقد رفع الله الرضا على جنات عدن ، وهي من أعلى الجنات ، كما فضل الذكر على الصلاة فقال تعالى : ( ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ) التوبة : 27 كما قال تعالى : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ) العنكبوت : 45 والذكر عند الذاكرين المشاهدة ، فمشاهدة المذكور في الصلاة أكبر من الصلاة وهو أحد الوجهين من الآية ، والوجه الثاني ذكر الله للعبد أكبر من ذكر العبد لله ، وقال أبو عبد الله الساجي : من خلق الله عباد يستحيون من الصبي يتلقفون مواقع أقداره بالرضا تلقفا ، وقد كان عمر بن عبد العزيز يقول : أصبحت وما لي سرور إلا في مواقع القضاء ، فالراضون عن الله عز وجل هم الذاكرون لله بما يحب ويرضى ، فالراضون الأكبر جزاء أهل الذكر الأكبر ، وهذا أحد المعاني في قوله : من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ؛ أي الرضا عنه ، لأن السائلين يسألونه لهم فأعطاهم العفو ، والذاكرون ذكروه فأعطاهم الرضا عنه عز وجل ، ويكون أيضا معناه : أعطيته النظر إلي لأن الذكر يدخل في المشاهدة ، فقابل النظر إليه اليوم بالنظر إليه غدا كما قابل الوصف بالوصف في قوله عز وجل : ( وجوه يومئذ مسفرة ) ( ضاحكة مستبشرة ) عبس : 38 - 39 وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : يتجلى لنا ربنا ضاحكا ، والذكر قرب السمع . والسمع يخرج إلى النظر ، والرضا هو حال الموفق ، واليقين هو حقيقة الإيمان ، وإلى هذا ندب النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس في وصيته له فقال : إعمل لله باليقين في الرضا ، فإن لم يكن فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ، فرفعه إلى أعلى المقامات ثم رده إلى أوسطها ، كذلك قال لابن عمرو : اعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، فند المشاهدة وهو الإحسان لأنه سأل : ما الإحسان ؟
قال : تعبد الله كأنك تراه ، ثم رده إلى الصبر والمجاهدة وهو الإيمان ، وهذا مكان العلم بأن الله يراه ، وليس بعد هذا مكان يوصف ، وقد رفع الله تعالى الرضا منه فوق ما أعطي من النظر ، ففي الخبر أن الله تعالى يتجلى للمؤمنين فيقول : سلوني ، فيقولون : رضاك ، فسؤالهم الرضا بعد النظر تفضيل عظيم للرضا ، ولأن بالرضا دام لهم النظر لما كان الرضا موجب النظر ، سألوا دوام الرضا ليدوم القرب والنظر ، فسألوه تمام النعمة من حيث بدايتها ، ولا يصلح أن يظهر في معنى قولهم : رضاك أكبر من هذا ، ولا يرسم في كتاب حقيقة الأمر لأنه على كشف وصف من صفات الذات ، يوجب على العبد هيبة الربوبية ، وخوف هذا عن القلوب محجوب وحكمة من سرائر الغيوب ، وهذا في الدنيا ثواب لأهل الخشية عن معرفة خاصية ، قال الله سبحانه : ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ) البينة : 8 ، وقال بعض المفسرين في قوله تعالى : ( ولدينا مزيد ) ق : 35 قال : يأتي أهل الجنة في وقت المزيد ثلاث تحف من عند رب العالمين : أحدها هدية من عند الله ليس عندهم في الجنان مثلها ، وذلك قوله تعالى : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) السجدة : 17 والثانية السلام عليهم من ربهم فيزيد ذلك على الهداية ، فهو قوله تعالى : ( سلام قولا من رب رحيم ) يس : 58 والثالثة يقول الله تعالى إني عنكم راض فيكون ذلك أفضل من الهدية ومن التسليم ، فذلك قوله تعالى : ( ورضوان من الله أكبر ) التوبة : 72 من النعيم الذي هم فيه ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لطائفة من المؤ منين : ماأنتم ؟ قالوا نحن المؤمنون ، فقال : ماعلامة إيمانكم قالوا : نصبر عند البلاء ونشكر عند الرضا ونرضى بمواقع القضاء ، فقال : مؤمنون ورب الكعبة ، وفي خبر آخر أنه قال : حلماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ، فشهد لهم بالإيمان بعد وصف الرضا ، وكذلك جعل لقمان الحكيم الرضا من شرط الإيمان لايصلح إلا به ، فقال في وصيته : للإيمان أربعة أركان لا يصلح إلا بهن ، كما لا يصلح الجسد إلا باليدين والرجلين : ذكر منها الرضا بقدر الله وحدثونا في الإسرائيليات أن عابدا عبد الله دهرا طويلا ، فرأي في المنام فلانة الراعية رفيقتك في الجنة ، فسأل عنها إلى أن وجدها ، فاستضافها ثلاثا لينظر إلى عملها فكان يبيت قائما وتبيت نائمة ، ويظل صائما وتظل مفطرة ، فقال : أما لك عمل غير مارأيت ؟ قالت : ما هو والله إلا مارأيت ، لا أعرف غيره ، فلم يزل يقول : تذكري حتى قالت : خصيلة واحدة هي في ، إن كنت في شدة لم أتمن في رخاء ، وإن كنت في مرض لم أتمن أني في صحة ، وإن كنت في الشمس لم أتمن أني في الظل قال : فوضع العابد يده على رأسه فقال : أهذه خصيلة ؟ هذه والله خصلة عظيمة يعجز عنها العبد ، وقد روينا عن ابن مسعود : من رضي بما ينزل من السماء إلى الأرض غفر له ، وقال أبو الدرداد : ذروة الإيمان الصبر للحكم والرضا بالقدر .
وروي عن محمد بن حويطب عن النبي صلى الله عليه وسلم : من خير ما أعطي العبد الرضا بما قسم الله له ، وفي الخبر المشهور : طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان رزقه كفافا ورضي به ، وفي مثله أيضا من رضي من الله عز وجل بالقليل من الرزق رضي الله منه بالقليل من العمل ، وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا : من طرق أهل البيت إذا أحب الله عبدا ابتلاه ، فإن صبر اجتباه وإن رضي اصطفاه ، فالرضا عن الله عز وجل والرحمة للخلق وسلامة القلب والنصيحة للمسلمين وسخاوة النفس مقام الأبدال من الصديقين ، وقد روينا في أخبار موسى عليه السلام أن بني إسرائيل قالوا : سل ربك أمرا إذا فعلناه يرضى به عنا ، قال موسى : إلهي قد سمعت ما يقولون ، فقال : يا موسي قل لهم يرضون عني حتى أرضى عنهم ، ويشهد لهذا الخبر المروي عن نبينا صلى الله عليه وسلم : من أحب أن يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله عنده ، فإن الله ينزل العبد منه بحيث أنزله من نفسه ، وقد روينا حديثا حسنا كالمسند عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك : إذا كان يوم القيامة أنبت الله لطائقة من أمتي أجنحة فيطيرون من قبورهم إلى الجنان ، يسرحون فيها ويتنعمون كيف شاؤوا قال : فتقول لهم الملائكة : هل رأيتم الحساب ؟ فيقولون : ما رأينا حسابا فيقولون : هل جزتم الصراط فيقولون : ما رأينا الصراط فيقال لهم : رأيتم جهنم ؟ فيقولون : ما رأينا شيئا فتقول الملائكة : من أمة من أنتم ؟ فيقولون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيقولون : نشدناكم الله ، حدثونا ما كانت أعمالكم في الدنيا فيقولون : خصلتان كانتا فينا فبلغنا الله هذه المنزلة بفضل رحمته فيقولون : وما هما ؟ فيقولون كنا إذا خلونا نستحي أن نعصيه ونرضى باليسير مما قسم الله لنا ، فتقول الملائكة : يحق لكم هذا ، هكذا كان في كتاب شيخنا عن أنس ، وقال فيه لطائفة من أمتي ففيه دليل على المسند ، وقد جاء الأثر : من رضي من الله بالقليل من الرزق رضي الله عنه بالقليل من العمل ، وقال بعض علمائنا : أعرف في الموتى عالما ينظرون إلى منازلهم من الجنان ، في قبورهم بغدى عليهم ويراح من الجنة بكرة وعشيا ، وهم في غموم وكروب في البرزخ ، لو قسمت على أهل البصرة لماتوا أجمعين ، قيل : وما كانت أعمالهم ؟
قال : كانوا مسلمين ، إلا أنهم لم يكن لهم التوكل ولا من الرضا نصيب ، وقد جاء في فرض الرضا قول النبي صلى الله عليه وسلم : أعطوا الله الرضا من قلوبكم تطفروا بثواب فقركم ، وإلا فلا ، وقرن لقمان الرضا بالتوحيد فقال في وصيته لابنه : أوصيك بخصال تقربك إلى الله وتباعدك من سخطه : الأولى تعبد الله لا تشرك به شيئا ، والثانية الرضا بقدر الله فيما أحببت وكرهت ، وقال في وصيته : ومن يتوكل على الله ويرضى بقدر الله فقد أقام الإيمان وفرغ يده ورجليه لكسب الخير ، وأقام الأخلاق الصالحة التي تصلح للعبد أمره ، فمن الرضا سرور القلب بالمقدور في جميع الأمور وطيب النفس وسكونها في كل حال ، وطمأنينة القلب عند كل مفزع مهلع من أمور الدنيا وقناعة العبد بكل شيء ، واغتباطه بقسمة ربه وفرحه بقيام مولاه عليه ، واستسلام العبد للمولى في كل شيء ورضاه منه بأدنى شيء وتسليمه له الأحكام والقضايا باعتقاد حسن التدبير وكمال التقدير فيها ، ولتسليم العبد إلى مولاه ما في يديه رضا بحكمه عليه ، وإن لا يشكو الملك السيد إلى العبد المملوك ولا يتبرم بفعل الحبيب ، ولا يفقد في كل شيء حسن صنع القريب ، ومن الرضا أن عند أهل الرضا لا يقول العبد : هذا يوم شديد الحر ولا هذا يوم شديد البرد ، ولا يقول : الفقر بلاء ، ومحنة والعيال هم وتعب ، والاحتراف كد ومشقة ، ولا يفقد بقلبه من ذلك ما لا يغره به بل يرضي القلب ويسلم ويسكن العقل ، ويستسلم بوجود حلاوة التدبير واستحسان حكم التقدير ، كما قال عمر بن عبد العزيز : أصبحت وما لي سرور إلا في انتظار مواقع القدر ، وقال ابن مسعود : الفقر والغنى مطيتان ما أبالي أيهما ركبت ، إن كان الفقر فإن فيه الصبر ، وإن كان الغنى فإن فيه البدل ، وقال أحمد بن أبي الحواري : قلت لأبي سليمان : إن فلانا قال : وددت أن الليل أطول مما هو فقال : قد أحسن ، وقد أساء ، أحسن حيث تمنى طوله للعبادة وأساء إذا لم يحب ما لم يحب الله . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما أبالي على أي حال أصبحت وأمسيت من شدة أو رخاء ، وقال ذات يوم لامرأته عاتكة وقد غضب : والله لأسوءنك : فقالت أتستطيع أن تصرفني عن الإسلام بعد أن هداني الله له ؟ قال : لا ، قالت : فأي شيء تسوءني إذا ، وقال جعفر بن سليمان الصنعي قال سفيان الثوري يوما عند رابعة : اللهم ارض عنا ، فقالت : أما تستحي من الله أن تسأله الرضا وأنك غير راض عنه ؟ فقال : أستغفر الله ، قال جعفر فقلت لها : متى يكون العبد راضيا عن الله تعالى ؟
فقالت : إذا كان سروره بالمصيبة مثل سروره بالنعمة ، وقال فضيل بن عياض : إذا استوى عنده المنع والعطاء فقد رضي ، وفي أخبار داود : ما لأوليائي والهم بالدنيا ، إن الهم يذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم ، وفي بعضها : يا داود ، إياك والاهتمام بالدنيا ، محبتي من أوليائي أن يكونوا روحانيين لا يغتمون ، إياك والغم ولاتهتم للخير وأنت تريدني ، ويقال : أكثر الناس هما في الدنيا أكثرهم هما في الآخرة ، وأقلهم هما في الدنيا أقلهم هما في الآخرة ، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن ، واعلم أن الفرح بالدنيا يخرج هم الآخرة من القلب ، والغم على الدنيا يحجب عن الحزن على فوت الآخرة ، وذكر عند رابعة عابد له عند الله منزلة ، وكان قوته ما يقمم من منزلة لبعض ملوكهم فقال رجل عندها : فما يضر هذا إذا كانت له عند الله منزلة أن يسأله ، فيجعل قوته في غير هذا فقالت له : اسكت يا بطال ، أماعلمت أن أولياء الله هم أرضى عنه أن يتخيروا عليه إن ينقلهم من معيشة حتى يكون هو الذي يختار لهم ، وقال أحمد بن أبي الحواري : قال لي أبو سليمان : إن الله تعالى من كرمه قد رضي من عبيده بما رضي العبيد من مواليهم قلت : وكيف ذلك ؟ قال : أليس مراد العبد من الخلق أن يرضى عنه مولاه ؟ قلت : نعم قال : فإن محبة الله من عبيده أن يرضوا عنه ، وقال الأعمش : قال لي أبو وائل : يا سليمان ، نعم الرب ربنا لو أطعناه ما عصانا ، وقال الله عز وجل في معناه : ( ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) الشورى : 26 ، أي يعطيهم ويستجيب لهم ، والاستجابة الطاعة كقوله تعالى : ( فليستجيبوا لي ) البقرة : 186 ، فلما استجابوا له استجاب لهم ، أطاعوه فيما أحب فأطاعهم فيما يحبون ، وهذا أحد وجهي الآية كقوله تعالى : ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) البقرة : 40 وهو على تأويل من قرأ : هل يستطيع ربك أن يطيعك ؟ قال ابن عباس : كان الحواريون أعلم بالله أن يشكوا أن الله يقدر على ذلك ، وإنما معناه : هل يستطيع أن يطيعك ؟ وروينا أيضا عن عائشة مثله ، وقال الفضيل : من أطاع الله تعالى أطاعه كل شيء ، ومن خاف من الله خاف منه كل شيء ، وفي أخبار موسى عليه السلام يا رب دلني على أمر فيه رضاك حتى أعمله ، فأوحى الله تعالى إليه إن رضاي في كرهك وأنت لا تصبر على ما تكره ، قال : يا رب دلني عليه قال : فإن رضاي في رضاك بقضائي ، وقد يروى على وجه آخر أن بني إسرائيل سألوا موسى فقالوا : لو علمنا في أي شيء رضا ربنا لفعلناه ، فأوحى الله إليه قل لهم : رضاي في رضاهم بقضائي وفي مناجاة موسى عليه السلام يا رب أي خلقك أحب إليك ؟ قال : من إذا أخذت منه المحبوب سالمني قال : فأي خلقك أنت عليه ساخط ؟
قال : من يستخيرني في الأمر فإذا قضيت له سخط قضائي ، وقد ورد أشد من هذا كله أن الله تعالى قال : ( أنا الله لا إله إلا أنا ) طه : 14 ، من لم يصبر على بلائي ويرض بقضائي ويشكر نعمائي فليتخذ ربا سواي ، وقد رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق ومثله في الشدة يقول الله تعالى : قدرت المقادير ودبرت التدبير وأحكمت الصنع ، فمن رضي فله الرضا مني حين يلقاني ومن سخط فله السخط مني حين يلقاني ، وفي الخبر : أول ما كتب لموسى عليه السلام : ( إنني أنا الله لا إله إلا أنا ) طه : 14 ، من رضي بحكمي واستسلم لقضائي وصبر على بلائي كتبته صديقا وحشرته مع الصديقين يوم القيامة . وروينا في الخبر المشهور بمعناه يقول الله جل جلاله : قدرت الخير والشر وأجريتهما على أيدي عبادي ، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه وويل لمن خلقته للشر وأجريت الشر على يديه ، وويل ثم ويل لمن قال : لم وكيف ؟ وفي الأخبار السالفة أن نبيا من الأنبياء شكا إلى الله الجوع والفقر عشر سنين ، كل ذلك لا ينظر في مسألته فأوحى الله إليه : لم تشكو ؟ هكذا كان بدوك عندي في أم الكتاب قبل أن أخلق السموات والأرض ، وهكذا سبق لك مني وهكذا قضيت عليك قبل أن أخلق الدنيا ، أفتريد أن أعيد خلق الدنيا من أجلك أم تريد أن أبدل ما قدرت عليك ، فيكون ما تحب فوق ما أحب ويكون ما تريد فوق ما أريد ، وعزتي وجلالي لن تخالج في صدرك مرة أخرى لأمحونك من ديوان النبوة ، وروينا أن آدم عليه السلام كان بعض أولاده الصغار يصعدون على جسمه وينزلون ، يجعل أحدهم رجله على أضلاعه كهيئة الدرج فيصعد إلى رأسه ثم ينزل على أضلاعه ، كذلك قال وهو مطرق إلى الأرض ولا ينطق ولا يرفع رأسه فقال له بعض ولده يا أبت ، ألا ترى مايصنع هذا بك لو نهيته عن هذا فقال : يا بني ، إني رأيت ما لم تروا ، وعلمت ما لم تعلموا ، إني تحركت حركة واحدة فأهبطت من دار الكرامة إلى دار الهوان ، ومن دار النعيم إلى دار الشقاء ، فأخاف أن أتحرك حركة أخرى فيصيبني ما لا أعلم ، روينا في بعض الأخبار أنه قال : إن الله ضمن لي إن حفظت لساني أن يردني إلى الدار التي أخرجني منها ، وقال أبو محمد سهل : حظ الخلق من اليقين على قدر حظهم من الرضا ، وحظهم من الرضا على قدر عيشهم مع الله ، وروى عطية عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله بحكمه وجلاله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين ، وجعل الغم والحزن في الشك والسخط ، ومن الرضا أن لا تذم شيئا مباحا ولا تعيبه إذا كان بقضاء مولاه ، شاهدا للصانع في جميع الصنعة ناظرا إلى إتقان الصنع والحكمة وإن لم يخرج ذلك عن معتاد المعقول والعادة ، وبعض العارفين يجعل هذه الأشياء في باب الحياء من الله عز وجل ، ومنهم من يقول : هي من حسن الخلق مع الله تعالى ، ومنهم من جعله من باب الأدب بين يدي الله ، فإذا كان هذا كذلك كان ذم الأشياء التي أبيحت وعيبها من سوء الخلق مع الله ، وكانت من سوء الأدب بين يدي الله ، وأعظم من ذلك أنها تدخل في باب قلة الحياء من الله ، ويصلح أن يكون هذا أحد معاني الخبر الذي جاء : قلة الحياء كفر ، يعني كفر النعمة بأن يذم ويعيب بعض ما أنعم الله به عليه من الإرفاق والإلطاف ، إذ كان فيها تقصير عن تمام ملها أو كانت مخالفة لهواه منها ، فيكون ذلك كفرا للنعمة وقلة حياء العبد من المنعم ، إذ قد أمره بالشكر على ذلك ، فبدل الشكر كفرا لأن أحدا لو اصطنع لك طعاما فعبته وذممته كره ذلك منك ، فكذلك تعالى يكره ذلك منك ، وهذا داخل في معرفة معاني الصفات ، وفي معنى ما قيل أعرفكم بربه أعرفكم بنفسه ، لأنك إذا عرفت صفات نفسك في معاملة الخلق عرفت منها صفات خالقك ، وبعض الراضين يجعل ذم الأشياء وعيبها بمنزلة الغيبة لصانعها لأنها صنعته ونتاج حكمته ، ونفاد علمه وحكم تدبيره وتدبير مقاديره ، لأنه أحكم الحاكمين وخير الرازقين وأحسن الخاقين ، له في كل شيء حكمة بالغة وفي كل صنعة صنع متقن ، ولأنك إذا عبت صنعة أحد وذممتها سرى ذلك إلى الصانع ، لأنه كذلك صنعها وعن حكمته أظهرها ، إذ كانت الصنعة مجبولة لم تصنع نفسها ولا صنع لها في خلقتها ، وكان الورعون لا يعيبون صنعة عند كراهة الغيبة له وذلك أن الراضي عن الله متأدب بين يدي الله يستحي أن يعارضه في داره أو يعترض عليه في حكمه ، فصاحب الدار يصنع في حكمه ما شاء والحاكم يحكم بأمره كيف شاء ، والعبد راض بصنع سيده مسلم لحكمة حاكمه وروي في الإسرائيليات أن عيسى عليه السلام مر مع نفر من أصحابه بجيفة كلب فغطوا آنافهم وقالوا : أف أف ، ما أنتن ريحه فلم يخمر عيسى عليه السلام أنفه وقال : ما أشد بياض أسنانه ، أراد أن ينهاهم بذلك عن الغيبة ويعلمهم ترك عيب الأشياء ، كيف هو يرى بعين نفسه أن الصنعة من صانعها ، فهو يقلبها ويصرفها على معاني نظره ، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ما عاب طعاما قط ، إن اشتهاه أكله وإلا تركه ، وقال أنس : خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، ليس كل امرئ كما يريد صاحبي ، ما قال لي لشيء فعلته : لما فعلته ؟
ولا لشيء لم أفعله : ألا فعلته ، ولا قال في شيء كان : ليته لم يكن ولا لشيء لم يكن : ليته كان ، وكان يقول : لو قضى شيء لكان ، وهذا وصف الراضي الموقن القائم بشهادته ، فبالنظر في هذه الدقائق والوقوف عندها رفع القوم عند الله إلى مقام المقربين ، وبالتهاون بها والغفلة عنها نغلت القلوب ففسدت حتى لم تصلح للمحبة والرضا ، وهذه المعاني من الاعتراضات ، والتخير هو تقدم بين يدي الله وذاك التدبير الذي يشير إليه سهل ويقول : إن تدبير الخلق حجبهم عن الله عز وجل ، وحكي لنا أن بعضهم صحب بعض العارفين في طريق فعبث بشيء فنحاه من مكان إلى مكان آخر فقال له العارف : ماذا صنعت ؟ أحدثت في الملك حدثا عن غير ضرورة ولا سنة ، ولا تصحبني أبدا فلو لم يكن لنا من الذنوب إلا هذه الأشياء لقد كان كافيا ، وفوق ذلك تهاوننا بها وأعظم من ذلك ترك التوبة والاستغفار منها ، وأعمال طلاب الرضا من الله مضاعفة على أعمال المجاهدين في سبيل الله لأن أعمال المجاهدين تضاعف إلى سبعمائة ضعف ، وتضعيف طالبي الرضا لا تحصى ، قال الله تعالى : ( والله يضاعف لمن يشاء ) البقرة : 261 ، وقال تعالى : ( فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) البقرة : 245 ، قيل : الحسنة إلى ألفي ألف حسنة ، وقد قال سبحانه : ( ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة ) البقرة : 265 ، فكم في هذه الحنة من سنبلة وحبة ، فهؤلاء الذين قال : والله يضاعف لمن يشاء هم أهل الرضا عنه ، وهم الذين أقرضوا الله قرضا حسنا لأجله لمضاعفته لهم أضعافا كثيرة ، فمن عقل عن الله حكمته كان مع الله تعالى فيما حكم مسلما له ما شهد ، لأنه سبحانه باختياره أنشأ الأشياء ، وبمشيئته أبداها وعنه يتصرف المقدور وإليه عواقب الأمور ، لا يكون مع نفسه فيما يهواه ولا مع معتاده وعرفه فيما يعقل ، وقال بعض العارفين : قد نلت من كل مقام حالا إلا الرضا ، فما لي منه إلا مشام الريح ، وعلى ذلك لو أدخل الخلائق كلهم الجنة وأدخلني النار لكنت بذلك راضيا ، وقيل لعارف فوقه : نلت غاية الرضا عنه فقال : الغاية لا ، ولكن مقام من الرضا قد نلته حتى لو جعلني جسرا على جهنم يعبر الخلائق علي إلى الجنة ، ثم ملأ بي جهنم تحلة لقسمه وبدلا من خليقته لأحببت ذلك من حكمه ، ورضيت به من قسمه ، وحدثونا عن الروذباري قال : قلت لأبي عبد الله بن الجلاء الدمشقي قول فلان : وددت أن جسدي قرض بالمقاريض ، وأن هذا الخلق أطاعوه ، مامعناه قال : يا هذا ، إن كان من طريق الإشفاق على الخلق والنصح فأعرف ، وإن كان من طريق التعظيم والإجلال فلا أعرف ، قال ثم غشى عليه ، وقد كان عمران بن حصين استسقى بطنه فلبث ملقى على ظهره ثلاثين سنة سطحيا ، لا يقوم ولا يقعد ، قد نقب له في سرير من جريد كان تحته موضعا لغائطه وبوله ، فدخل عليه مطرف أو أخوه العلاء فجعل يبكي لما يرى من حاله ، فقال : لم تبكي ؟
فقال لأني أراك على هذه الحال العظيمة فقال : لا تبكي فإن أحبه إلي أحبه إلى الله ثم قال : أحدثك شيئا لعل الله أن ينفعك به ، واكتم عني حتى أموت أن الملائكة تزورني فآنس بها ، وتسلم علي فأسمع تسليمها ، أراد عمران رحمه الله بذلك أن يعلم أن هذا البلاء ليس بعقوبة : لأن مثل هذه الآية إنما هو درجة ورحمة ، وبلاء العقوبات لا يكون معه الآيات ولا يوجد عنده الحلاوات ، ولا مزيد القلوب من نسيم ريحان الغيوب ولأنه كان حزن عليه فأراد أن يبشره : فلا تذكر الحبيب ولا حب لقاء الطبيب ، كما أنشد بعض المحبين : با حبيبا بذكره نتداوى . . . وصفوه لكل داء عجيب من أراد الطبيب سر إذا . . . اعتل اشتياقا إلى لقاء الطبيب من أراد الحبيب سار إليه . . . وجفا الأهل دونه والقريب ليس داء المحب داء يداوى . . . إنما برؤه لقاء الحبيب قال : ودخلنا على سويد بن شعبة نعوده ، فرأينا ثوبا ملقى فما ظننا أن تحته شيئا حتى كشف ، فقالت له امرأته : أهلي فداؤك ما نطعمك ما نسقيك فقال : طالت الضجعة ودبرت الحراقيف وأصبحت نضوا لا أطعم طعاما ولا أسيغ شرابا منذ كذا ، فذكر أياما ثم قال : وما يسرني أني نقصت من هذا قلامة ظفر ، واعتل حذيفة علة الموت فجعل يقول : أخنق خناقك فوعزتك أنك لتعلم أني أحبك ، فلما حضره الموت جعل يقول : حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم ، وروى أيضا مثل هذا عن أبي هريرة ، ولما قدم سعد إلى مكة وكان قد كف بصره جاءه الناس يهرعون ، كل واحد يسأله أن يدعو له فيدعو لهذا ولهذا ، وكان مجاب الدعوة ، دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، قال عبد الله بن السائب : فأتيته وأنا غلام فتعرفت إليه فعرفني وقال : أنت قارئ أهل مكة ؟ قلت : نعم ، فذكر قصة قال في آخرها فقلت له : يا عم ، أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك فرد الله عليك بصرك ، فتبسم ثم قال : يابني ، قضاء الله عندي أحسن من بصري ، وقال إن بعض هذه الطائفة ضاع ولده وكان صغيرا ثلاثة أيام لا يعرف له خبرا فقيل له : لو سألت الله أن يرده عليك فقال : اعتراضي عليه فيما قضى أشد من ذهاب ولدي ، وقد روينا عن بعض العباد أنه قال : أذنبت ذنبا فأنا أبكي عليه منذ ثلاثين سنة ، وكان قد اجتهد في العبادة لأجل التوبة من ذلك الذنب قيل له : وما هو قال : قلت مرة لشيء كان : ليته لم يكن ، وقال بعض السف : لو قرض جسمي بالمقاريض كان أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله : ليته لم يقضه ، وحدثونا عن بشر الحافي قال : رأيت بعبادان رجلا قد قطعه البلاء وقد سالت حدقتاه على خديه ، وهو في ذلك كثير الذكر عظيم الشكر لله ، قال وإذا هو قد صرع من حبه به قال : فوضعت رأسه في حجري وجعلت أسأل الله عز وجل كشف مابه ، وأدعو له ، فأفاق فسمع دعائي فقال : من هذا الفضولي الذي يدخل بيني وبين ربي ويعترض عليه في نعمه علي ؟
قال ونحى رأسه ، قال بشر فاعتقدت أن لا أعترض على عبد في نعمة أراها عليه من البلاء ، وقيل لعبد الواحد ابن زيد : ههنا رجل قد تعبد خمسين سنة فقصده فقال : حبيبي أخبرني عنك هل قنعت به قال : لا قال : هل أنست به قال : لا قال : فهل رضيت عنه قال : لا قال : فإنما مزيدك منه الصوم والصلاة قال : نعم قال : لولا أني أستحي منك لأخبرتك أن معاملتك خمسين سنة مدخوله ، أراد بذلك أنه لم يقربك فيجعلك في المقربين فيكون مزيدك لديه من أعمال القلوب ، وكذلك يصنع بأوليائه ، إنما أنت عنده في طبقة أصحاب اليمين ، فمزيد العموم من أعمال الجوارح ، وقد يكون الرجل مخلصا في مقامه وإن كان فوقه فوق ، وقد روينا عن ابن محيريز ، وكان من عباد أهل الشام وعلمائهم ، كلمة غريبة المعنى دقيقة في معنى المخالفة لله عز وجل ، وإن كان قد فسرها فإنه لم يكشف معناها لفهم السامعين منه والحاضرين عنده فيحتاج تفسيرها إلى تفسير ، روينا عنه أنه قال : كلكم يلقى الله تعالى ، ولعله قد كذبه وذلك أن أحدكم لو كان له أصبع من ذهب ظل يشير بها ، ولو كان به شلل ظل يواريها ، يعني بذلك أن الذهب من زينة الدنيا ، وقد ذم الله تعالى الدنيا وأن البلاء زينة أهل الآخرة وقد مدح الله الآخرة ، أي فأنت إذا أعطاك زينة الدنيا أظهرتها وفخرت بها وإذا أعطاك زينة الاخرة وهي المصائب والبلاء كرهتها وأخفيتها لئلا تعاب بذلك ، فحسب عليه حب الدنيا والتزين بها وكراهة البلاء تكذيبا لله وردا عليه ما وصفه ، وهذا يدخل في باب الزهد وفي باب الرضا ، ويدخل على من أخفى الفقر والبلاء حياء من الناس لئلا يعاب بذلك ، فهو من ضعف يقينه بقوة شاهد الخلق ، ويدخل فيه من أظهر الغنى من غير نية ولا تحدث بنعمة الله ، فذلك أيضا من قوة شاهد حب الدنيا ، وكذلك قال أبو سليمان الداراني : ثلاث مقامات لا حد لها ، الزهد والورع والرضا ، وخالفه سليمان ابنه ، وكان عارفا ، ومن الناس من كان يقدمه على أبيه فقال : بلى ، من تورع في كل شيء فقد بلغ حد الورع ، ومن زهد في كل شيء فقد بلغ حد الزهد ، ومن رضي عن الله في كل شيء فقد بلغ حد الرضا ، ولا ينقص الراضي من مقام الرضا مسألة مولاه مزيد الآخرة وصلاح الدنيا ، تعبدا بذلك وافتقارا إليه في كل شيء لأن في ذلك رضاه ومقتضى تمدحه بمسألة الخلائق له ، فإن صرف مسائله إلى طلب النصيب من المولى وابتغاء القرب منه حبا له وآثره على ما سواه كان فاضلا في ذلك ، لأنه قد رد قلبه إليه وجمع همه بذلك ، وهذا على قدر مشاهدة الراضي عن معرفته ، وهو مقام المقربين ومقتضى حاله ، لأنه يسأل عن عمله بعلمه في وقت من أحواله كما يسأل عن جملة عماله بعلومه في جملة عمره ، وهذا أصل فاعرفه ، فهو طريق الصوفيين وعليه عمل العارفين من السلف ، فلم يكن يضرهم عندهم خلاف من خالف ، وإن كان دعاؤه تمجيد السيدة وثناء عليه شغلا بذكره ونسيانا لغيره وولها بحبه ، لأنه مستوجب لذلك بوصفه ، ولأنه واجب عليه ، فقد استغرقه وجوب ما عليه عماله ، فهذا أفضل وهو مقام المحبين ، وهو من القيام بشهادته ، وقد دخل فيما ذكرناه من مقتضى حاله بالعمل بعمله في وقته ، وللعلماء مسألة قد اختلفوا فيها : في أهل المقامات ثلاث ، أيهم أفضل ؟
عبد يحب الموت شوقا إلى لقاء الله ، وعبد يحب البقاء للكد والخدمة للمولى ، وعبد قال : لا أختار شيئا بل أرضى مايختار لي مولاي ، إن شاء أحياني أبدا وإن شاء أماتني غدا ، قال : فتحاكموا إلى بعض العارفين فقال : صاحب الرضى أفضلهم لأنه أقلهم فضولا ، وهذا كما قاله في الاعتبار بترك الاعتراض والاختبار ، لأنه دخل في الدار بغير اختيار ، وكذلك يكون خروجه منها على معنى دخوله بلا اختيار ، لأن مقام الرضا أعلى من مقام التشوق ، ثم الذي يليه في الفضل الذي يحب الموت شوقا إلى لقاء الله ، وهذا مقام في المحبة وفي حقيقة الزهد في الحياة . ه حبا له وآثره على ما سواه كان فاضلا في ذلك ، لأنه قد رد قلبه إليه وجمع همه بذلك ، وهذا على قدر مشاهدة الراضي عن معرفته ، وهو مقام المقربين ومقتضى حاله ، لأنه يسأل عن عمله بعلمه في وقت من أحواله كما يسأل عن جملة عماله بعلومه في جملة عمره ، وهذا أصل فاعرفه ، فهو طريق الصوفيين وعليه عمل العارفين من السلف ، فلم يكن يضرهم عندهم خلاف من خالف ، وإن كان دعاؤه تمجيد السيدة وثناء عليه شغلا بذكره ونسيانا لغيره وولها بحبه ، لأنه مستوجب لذلك بوصفه ، ولأنه واجب عليه ، فقد استغرقه وجوب ما عليه عماله ، فهذا أفضل وهو مقام المحبين ، وهو من القيام بشهادته ، وقد دخل فيما ذكرناه من مقتضى حاله بالعمل بعمله في وقته ، وللعلماء مسألة قد اختلفوا فيها : في أهل المقامات ثلاث ، أيهم أفضل ؟ عبد يحب الموت شوقا إلى لقاء الله ، وعبد يحب البقاء للكد والخدمة للمولى ، وعبد قال : لا أختار شيئا بل أرضى مايختار لي مولاي ، إن شاء أحياني أبدا وإن شاء أماتني غدا ، قال : فتحاكموا إلى بعض العارفين فقال : صاحب الرضى أفضلهم لأنه أقلهم فضولا ، وهذا كما قاله في الاعتبار بترك الاعتراض والاختبار ، لأنه دخل في الدار بغير اختيار ، وكذلك يكون خروجه منها على معنى دخوله بلا اختيار ، لأن مقام الرضا أعلى من مقام التشوق ، ثم الذي يليه في الفضل الذي يحب الموت شوقا إلى لقاء الله ، وهذا مقام في المحبة وفي حقيقة الزهد في الحياة . وفي الخبر : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، والذي يحب البقاء للخدمة وكثرة المعاملة هو فاضل ، بعد هذين مقامه قوة الرجاء وحسن الظن في العصمة ، وله أيصا مطالعات من الأنس وملاحظات في القرب ، به طاب مقامه وعنده سكنت نفسه وقصرت أيامه ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفضل المؤمنين إيمانا أو قال : أكمل المؤمنين إيمانا من طال عمره وحسن عمله ، هذا لأن الأعمال مقتضى الإيمان إذ حقيقة الإيمان إنما هو قول وعمل ، وليس بعد هؤلاء مقام يفرح به ولا يغبط صاحبه عليه ، ولا يوصف بمدح إنما هو حب البقاء لمتعة النفس وموافقة الهوى ، وقد تشرف النفس على الضعفاء من أهل هذا الطريق ويختفي فيها علة ، وهو أن يحب البقاء لأجل النفس وللمتعة بروح الدنيا وما طبعت عليه من حب الحياة ، وتكره الموت لمنافرة الطبع ولطول الأمل ، فيتوهم أنه ممن يحب البقاء لأجل الله وطاعته ، وهذا هو من الشهوة الخفية التي لا يخرجها إلا حقيقة الزهد في الدنيا ، ولا يفضل في هذا الطريق االثالث إلا عارف زاهد دائم المشاهدة باليقين ، فأما المعتل بوصفه وهواه فليس يقع به اعتبار في طريق ولا مقام ، واجتمع ذات يوم وهيب بن الورد وسفيان الثوري ويوسف بن أسباط فقال الثوري : قد كنت أكره موت الفجأة قبل اليوم ، فأما اليوم فوددت أني مت فقال له يوسف : ولم ؟
قال لما أتخوف من الفتنة فقال يوسف : لكني لا أكره طول البقاء فقال الثوري : ولم تكره الموت قال : لعلي أصادف يوما أتوب فيه وأعمل صالحا فقيل لوهيب : أي شيء تقول أنت فقال : أنا لا أختار شيئا أحب ذلك إلي أحبه إلى الله قال : فقبل الثوري ما بين عينيه وقال : روحانية ورب الكعبة ، يعني مقام الروحانيين وهم المقربون أهل الروح والريحان ، وأولو المحبة والرضوان ، كما قال تعالي ( فروح وريحان ) الواقعة : 89 ، يعني لهم ريح من نسيم القرب وريحان من طيب الحب ، وأيضا أنه تعالى لما ذكر أن ، لأصحاب اليمين في كل شدة وهول سلامة ، وكان المقربون هم الأعلون ، كان أيضا فيما دل الفهم عليه ، أن للمقربين من كل هول روحا به لشهادتهم القريب ، وفي كل قرب منه ريحان لقرب الحبيب فبذلك علوا وبذلك فضلوا ، وهكذا قال بعض الصوفية : سر العارف في الأشياء واقف مثل الماء في البئر لا يختار المقام وإن أخرج خرج ، فإن ذم هذا الراضي ما ذمه الله ، وكره ما كرهه الله لم ينقص ذلك رضاه ، وكان محسنا في فعله لموافقته مولاه ، وإن لم يرض بحاله نقص في الدين والآخرة أو كره مزيد الدنيا من الكثرة والجمع والادخار لم يقدح ذلك في رضاه لأنه من التحقق بالزهد ، وهو في جميع ذلك موافق للعلم ، والله تعالى أعلم بأحكامه من العبد وأغير على نفسه من الغير ، وأعلى مشاهدة من الخلق ، له المثل الأعلى ، فهو على ذلك يشهد أحكامه ويذم المحكوم عليه إذ تعدى حدود أمره ، وينفذ علمه بمشيئته ويمقت العاصين له باجتراح نهيه ، حكمة منه وعدلا ، كما أنه يشهد يده في العطاء ويمدح المنفقين ، ويمضي إرادته بالقضاء بتوفيقه ، ويشكر العاملين كرما منه وفضلا ، كذلك الراضي عنه موافق فيما حكم ومتبع له فيما رسم ، ومسلم له فيما قدر وعالم منه راض بما دبر ، ومستعمل لما شرع ومواطئ لرسوله ، يذم ما ذمه مولاه ويمدح ما مدحه لأجل مولاه لا لأجل نفعه إياه ، والتحدث بالأوجاع والإخبار عن المصائب لا ينقص حال الراضي إذا رآها نعمة من الله عليه ، وكان القلب مسلما راضيا غير متسخط ولا متبرم بمر القضاء ، وأول الرضا الصبر ثم القناعة ، ثم الزهد ثم المحبة ، ثم التوكل ، فالرضا حينئذ حال المتوكل والتوكل مقام الرضا ، وقال فضيل : إذا استوى العطاء والمنع عند العبد فهو الرضا ، وقال غيره : إذا لم يختلف قلبه في العدم والوجود وفي الصحة والسقم فقد رضي ، وقال الثوري : منع الله عطاءه لأنه يمنع من غير بخل ولا عدم ، فمنعه اختبار وحسن نظر ، وهذا كما قال لأن حقيقة المنع إنما يكون لمن لك عنده شيء فمنعك أو تستحق عليه شيئا فلم يعطك ، فأما من لا تستحق عليه شيئا ، ولا لك معه شيء لأنه الأول قبل كل شيء ، والمظهر لكل شيء ، والمالك لما أظهر ، والمختار لما خلق وليس لأحد من خلقه اختيار ، ولا في حكمه اشتراك ، له الخلق والأمر ولا يشرك في حكمه أحدا ، والعبد لم يكن شيئا مذكورا ، فكل شيء اختاره فهو عطاء منه على تفاوت مقادير وضروب أحكام ، وتصاريف تدبير حلو ومر ولطف وعنف وشدة ورخاء ، وموافقة للنفس ومرفق ومخالفة لما يهوى مما لطبعها لا يوافق ، فالصبر على الأحكام مقام المؤمنين والرضا بها مقام الموقنين ، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ، واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ، واعلم أن الرضا في مقامات اليقين وأحوال المحبين ، ومشاهدة المتوكلين وهو داخل في كل أفعال الله سبحانه لأنها عن قضائه ، لا يكون في ملكه إلا ما قضاه فعلى العارفين به الرضا بالقضاء ، ثم يرد ذلك إلى تفصيل العلم وترتيب الأحكام ، فما كان من خير وبر أمر به أو ندب إليه ، رضي به العبد وأحبه شرعا وفعلا ووجب عليه الشكر ، وماكان من شر نهى عنه وتهدد عليه ، فعلى العبد أن يرضى به عدلا وقدرا ويسلمه لمولاه حكمة وحكما ، وعليه أن يصبر عنه ويقر به ذنبا ويعترف به لنفسه ظلما ، ويرضى بعود الأحكام عليه بالعقاب ، وأنه اجترحه بجوارحه اكتسابا ورضا بأن لله الحجة البالغة عليه ، وأن لا عذر له فيه ، ويرضى بأنه في مشيئة الله عز وجل من عفو عنه برحمته وكرمه إن شاء ، أو عقوبة له بعدله وحقه إن شاء ، وفصل الخطاب أنه يرضى بسوء القضاء عقد إلا من نفسه فعلا ، ويرضى به عن الله ولا يرضى به من نفسه لأن الموقنين والمحبين لا يسقطون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا ينكرون إنكار المعاصي وكراهتها بالألسنة والقلوب من قبل أن الإيمان فرضها ، والشرع ورد بها ولأن الحبيب كرهها ، فكانوا معه فيما كره كما كانوا معه فيما أحب ، ومقام اليقين لا يسقط فرائض الإيمان ، ومشاهدة التوحيد لا تبطل شرائع الرسول ولا تسقط أتباعه ، فمن زعم ذلك فقد افترى على الله ورسوله ، وكذب على الموقنين والمحبين ، ألم تر أن الله تعالى ذم قوما رضوا بالدنيا ورضوا بالمعاصي ورضوا بالتخلف عن السوابق ، فقال سبحانه : ( رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ) يونس : 7 ، فذمهم بذلك وقال تعالى : ( ولتصغى إليه أفئدة الذين لايؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ) الأنعام : 113 ، فعابهم به وقال تعالى : ( رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ) التوبة : 87 ، يعني النساء ، وهذا جمع التأنيث وطبع على قلوبهم ، فهم لا يفقهون ، فمن رضي بالمعاصي والمناكير منه أو من غيره ، وأحب لأجلها ووالى ونصر عليها أو ادعى أن ذلك في مقام الرضا الذي يجازى عليه بالرضا أو أنه حال الراضين الذين وصفهم الله تعالى ومدحهم ، فهو مع هؤلاء الذين ذم الله ومقت .
ومر ولطف وعنف وشدة ورخاء ، وموافقة للنفس ومرفق ومخالفة لما يهوى مما لطبعها لا يوافق ، فالصبر على الأحكام مقام المؤمنين والرضا بها مقام الموقنين ، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ، واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ، واعلم أن الرضا في مقامات اليقين وأحوال المحبين ، ومشاهدة المتوكلين وهو داخل في كل أفعال الله سبحانه لأنها عن قضائه ، لا يكون في ملكه إلا ما قضاه فعلى العارفين به الرضا بالقضاء ، ثم يرد ذلك إلى تفصيل العلم وترتيب الأحكام ، فما كان من خير وبر أمر به أو ندب إليه ، رضي به العبد وأحبه شرعا وفعلا ووجب عليه الشكر ، وماكان من شر نهى عنه وتهدد عليه ، فعلى العبد أن يرضى به عدلا وقدرا ويسلمه لمولاه حكمة وحكما ، وعليه أن يصبر عنه ويقر به ذنبا ويعترف به لنفسه ظلما ، ويرضى بعود الأحكام عليه بالعقاب ، وأنه اجترحه بجوارحه اكتسابا ورضا بأن لله الحجة البالغة عليه ، وأن لا عذر له فيه ، ويرضى بأنه في مشيئة الله عز وجل من عفو عنه برحمته وكرمه إن شاء ، أو عقوبة له بعدله وحقه إن شاء ، وفصل الخطاب أنه يرضى بسوء القضاء عقد إلا من نفسه فعلا ، ويرضى به عن الله ولا يرضى به من نفسه لأن الموقنين والمحبين لا يسقطون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا ينكرون إنكار المعاصي وكراهتها بالألسنة والقلوب من قبل أن الإيمان فرضها ، والشرع ورد بها ولأن الحبيب كرهها ، فكانوا معه فيما كره كما كانوا معه فيما أحب ، ومقام اليقين لا يسقط فرائض الإيمان ، ومشاهدة التوحيد لا تبطل شرائع الرسول ولا تسقط أتباعه ، فمن زعم ذلك فقد افترى على الله ورسوله ، وكذب على الموقنين والمحبين ، ألم تر أن الله تعالى ذم قوما رضوا بالدنيا ورضوا بالمعاصي ورضوا بالتخلف عن السوابق ، فقال سبحانه : ( رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ) يونس : 7 ، فذمهم بذلك وقال تعالى : ( ولتصغى إليه أفئدة الذين لايؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ) الأنعام : 113 ، فعابهم به وقال تعالى : ( رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ) التوبة : 87 ، يعني النساء ، وهذا جمع التأنيث وطبع على قلوبهم ، فهم لا يفقهون ، فمن رضي بالمعاصي والمناكير منه أو من غيره ، وأحب لأجلها ووالى ونصر عليها أو ادعى أن ذلك في مقام الرضا الذي يجازى عليه بالرضا أو أنه حال الراضين الذين وصفهم الله تعالى ومدحهم ، فهو مع هؤلاء الذين ذم الله ومقت . وفي الخبر الدال على الشر كفاعله ، وعن ابن مسعود أن العبد ليغيب عن المنكر ويكون عليه مثل وزر فاعله ، قيل : وكيف ذلك ؟
قال : يبلغه فيرضى به ، وقد جاء في الحديث لو أن عبدا قيل بالمشرق ورضي بقتله آخر بالمغرب ، كان شريكه في قتله ، وقد روينا حديثا حسنا عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق مرسل : من نظر إلى من فوقه في الدين وإلى من دونه في الدنيا كتبه الله صابرا شاكرا ، ومن نظر إلى من دونه في الدين ومن فوقه في الدنيا لم يكتبه الله صابرا ولا شاكرا ، وقد غلط في باب الرضا بعض البطالين من المتأخرين ، ممن لا علم له ولا يقين ، فحمل الرضا على جميع ما يكون منه من معصية وهوى لجهله بالتفضيل وقلة فهمه بعلم التأويل ، ولاتباعه ما تشابه من التنزيل طلبا للفتنة وغربة الحال وابتداعا في القول والفعال ، لأن أوقاته قد ذهبت فلا يذهب وقت غيره بذكرها ، وبطلان قول هذا عند العلماء أظهر من أن يدل على فساده ، والاشتغال بالبطال بطالة ، وإنما الرضا فيما كان غير مخالفة لله ولا معصية مثل مايكون من نقص الدنيا ونقص الأموال والأنفس من الأهل والولد ، وفيما على النفس فيه مشقة ولها منه كراهة ، وفيما كان مزيدا في الآخرة لا عقوبة فيه من الله ولا وعيد عليه ولا ذم لفاعليه ، وقد يحتج أيضا بطال لبخله وقلة مواساته وبذله أو يعتل لاتساعه في أمر الدنيا واستئثاره على الفقر ، إن الذي يمنعه من البذل والإيثار والزهد فيما في يديه والإخراج رضاه بحاله وقلة اعتراضه على مجريه فيه ، وإن هذا مقام من مقامات الرضا خص به عند نفسه ، وهذا قول لاعب ذي هوى ، وهو من خدع النفوس وأمانيها ومن غرور العدو ومكايده ، لأن الرضا لا يمنع من اختيار الفقر والضيقة لمعرفة الراضي بفضل الزهد وأوصافه كيف يكون ، فالراضي لا يأمر بالاستيثار والاتساع لما كره من النعمة والاستكثار ، لأن الرضا لا يوقف عما ندب العبد إليه ولا يحمل على ما كره له ، وهذا اعتذار من النفس وتمويه على الخلق ليسلم منهم ، ولا عذر بهذا عند مالكه ولا سلامة له فيه من خالقه ، ومجمل ما ذكرناه أن الرضا لا يصح إلا فيما يحسن الصبر عليه والشكر عليه ، لأن الرضا مقام فوق الصبر والشكر ومزيد الصابرين والشاكرين ، فأما إن كان العبدعلى نقصان من الدين وفي مزيد من الدنيا ثم رضي بحاله ، فرضاه بحاله شر من أعماله لمخالفة الأمر ، قال الله عز وجل : ( اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ) المائدة : 35 ، وقال تعالى : ( يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ) الإسراء : 57 ، وقال تعالى : ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم ) الحديد : 21 وقال تعالى : ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ) آل عمران : 133 ، وقال تعالى : ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) المطففين : 26 ، وقال تعالى : ( يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ) المؤمنون : 61 ، فندب إلى المسارعة والسوابق وذم التخلف عنها والتتثبط بالعوائق ، فعلى هذا طريق المؤمنين وفيه مقامات الموقنين ، وإنما كان سبب ترك سري السقطي السوق وزهده في الدنيا قوله : الحمد لله لأنها كلمة رضا ظهرت منه في موضع الاسترجاع للمصيبة وذلك أنه بلغه أن الحريق وقع في سوقه فأحرق دكانه ، فخرج في قطع من الليل فاستقبله قوم فقالوا : يا أبا الحسن ، احترقت دكاكين الناس إلا دكانك فقال : الحمد لله : ثم تفكر في ذلك فقال : قلت الحمد لله في سلامة مالي وهلك أموال إخواني المسلمين ، فتصدق بجميع ما كان في دكانه من السقط والآلة كفارة لكلمته هذه ، وخرج من السوق فشكر الله له فعله ، فزهد في الدنيا ورفعه إلى مقام المحبة فأوصله ترك الرضا إلى الرضا ، وبلغني عنه أنه كان يقول : قلت كلمة فأنا أستغفر الله منه ثلاثين سنة يعني قوله الحمد لله .
وقد جاء في الخبر : من لم يهتم بأمر المسليمن فليس من المسلمين ، وفي الخبر المشهور : أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض فيه ، فجعل ذلك من أوثق العرى لأنه منوط بالإيمان ، لا يستطيع الشيطان حله ولا سلطان له عليه كما لا سبيل له على حل الإيمان لأن الله يحول بينه وبينه ، وقد تولى تأبيد الإيمان بروحه بعد كتبه في القلوب برحمته وفي الحب في الله الولاة والنصرة بالنفس والمال والفعل والمقال ، وفي البغض في الله ترك ذلك فبغض المبتدع والفاجر المجاهر والظالم المعتدي ، وترك موالاتهم ونصرتهم واجب على المؤمنين ، فلأجل ذلك صارت الموالاة لأولياء الله والمعاداة لأعدائه من أوثق عرى الإيمان لأنك قد تعصي وتخالف مولاك تسليط العدو وغلبة هواك ، إلا أنك تبغض العاصين ولا تواليهم على المعاصي ، ولا تحبهم لأجلها من قبل أن العدو لم يسلط على حل عقد إيمانك ، كما سلط على فعله من نفسك ، كما أنه لم يسلط على حل عقد إيمانك كما سلط على حل المراقبة والخوف منك ، ولم يسلط أيضا عليك في استحلال المحارم ولا استحسانها ولا التدين بها ، ولا في ترك التوبة منها ولا بالرضا بها كما سلط عليك بافتراقها ، فإن سلط على مثل هذا منك العدو حتى تحب الفساق وتواليهم وتنصرهم على فسقهم ، أو تستحل ما ارتكب من الحرام أو ترضى به أو تدين به ، فقد ا نسلخ منك الإيمان كما انسلخ النهار من الليل ، فلست منه في كثير ولا قليل لأن هذه العقود منوطة بعرى الإيمان ، وهي وهو في قرن واحد مقترنان ، ألم تسمع الله تعالى يقول : ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ) آل عمران : 28 ، أو ما سمعته تعالى يقول : ( لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولىاء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) المائدة : 51 ، ومثله : ( لايتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) آل عمران : 28 ، أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا أي حجة قاطعة ، أن يجمعكم وإياهم في النار ، وكذلك قال الله تعالى : ( وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين ) الجاثية : 19 ، وقال تعالى : ( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ) الأنعام : 921 ، ثم قال تعالى : ( ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم ) النساء : 115 ، وقد روينا في خبر أن الله تعالى أخذ على كل مؤمن في الميثاق أن يبغض كل منافق ، وأخذ على كل منافق أن يبغض كل مؤمن ، وفي الخبر المشهور : المرء مع من أحب وله ما احتسب .
وفي حديث آخر : من أحب قوما ووالاهم في الدنيا جاء معهم يوم القيامة ، وفي معنى قوله : أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض فيه ، وجه خفي هو أن يحبك المؤمنون ويبغضك المنافقون ، فيكون ذلك علامة وثيقة عرى إيمانك لأن قوله الحب في الله ، يصلح أن يبغضك المنافقون كما تبغضهم أنت ، فكأنك تتحبب إلى المؤمنين حتى يحبوك وتتبغض إلى المنافقين حتى يبغضوك بإظهار التباعد عنه وبترك الممالاة له وبنصحك إياهم ، فيدل ذلك على قوة إيمانك ، لم تأخذك في الله لومة لائم منهم ، كما وصف تعالى بذلك من يحبهم ويحبونه ، ويكون ذلك أبعد لك من المداهنة والنفاق ، وأقرب إلى الورع والإخلاص فإذا فعلت ذلك بهم أبغضوك أو مقتوك ، فهذا على معنى ما قال الله سبحانه : ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) الفتح : 29 ، وقال : ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) المائدة : 54 ، وكما أمر نبيه عليه السلام في قوله تعالى : ( قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ) التوبة : 123 وروي عن عيسى عليه السلام أن الله عز وجل قال : أحب عبادي إلي الذين يذكروني بالأسحار ويبغضون إلى الفجار ، معناه أن يظهرلهم البغض وينابذهم العداوة حتى يبغضوه ، فإذا أبغضوه أبغضهم الله ، فيكون بغضهم إليه بهذا المعنى أي كان سبب عقوبة لهم بالبغض والمقت ، وقد كان الثوري يقول : إذا رأيت الرجل محببا إلى جيرانه فاعلم أنه منافق ، وقال كعب الأحبار لأبي إدريس الخولاني وكان من علماء الشام : كيف أنت في قومك ؟ قال يحبوني ويكرموني قال كعب : ما صدقتني التوراة إذن قال : وما في التوراة ؟ قال أجد في التوراة أن الرجل العالم لا يحبه جيرانه ، وقال بعض المريدين : قلت لبعض أهل المعرفة : أني كثير الغفلة عن الله قليل المسارعة إلى مرضاته ، أوصني بشيء أعمله أدرك به ما يفوتني من هذا ، قال : يا أخي ، إن استطعت أن تتحبب إلى أولياء الله وتتقرب من قلوبهم فافعل ، لعلهم يحبونك فإن الله عز وجل ينظر إلى قلوب أوليائه في كل يوم سبعين نظرة ، فلعله أن ينظر إليك في قلوبهم لمحبتهم لك فيجيرك جيرة الدنيا والآخرة ، إذا لم تكن ممن ينظر إليه كفاحا ، وكذلك يقال : إن الله تعالى عز وجل ينظر إلى قلوب الصديقين والشهداء مواجهة ، ثم ينظر إلى قلوب قوم في قلوب قوم وإلى قلوب قوم من قلوب آخرين ، فهكذا عندي من عزائم الدين وسبيل الورعين أن تتبغض إلى أعدائه وتتمقت إليهم من المبتدعين والظالمين ، ليبغضوك ويمقتوك ، فيكون لك من القربة كحب أوليائه لك وحبك لهم ، فهذا من أسباب ولاية الله .
وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم ، لا تجعل لفاجر عندي يدا فيحبه قلبي ، ووصل بعض الأمراء أبا هريرة بألف دينار وعشرة أثواب فردها عليه وقال ، ما كنت لأقبل منه يأخذ المال من غير حله ويضعه في غير حقه ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ردوا هدية الفاجر عليه لا يرى أنكم ترضون عمله ، وأقل مالك في هذا الزهد وهو باب كبير من أبواب الدين ، إذا كانت المداهنة والممالأة من أكبر أبواب الدنيا ، لأن بذلك يستوي عيش أهل الدنيا وتتم سلامتها لهم ، فهذا هوالطرف الآخر من معنى قوله : الحب في الله والبغض في الله ، وهو وجه غامض ، ومعناه إذا كشف جلي ظاهر موجود عند علماء الآخرة ، وقد جعل الله من أراد أن يحبه الفاسقون ويأمن فيهم ، وجعل من يسارع بالأدهان وإظهار المتابعة للظالمين خشية دور الدوائر عليه علمين من أعلام النفاق ، فقال سبحانه : ( ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ) النساء : 91 ، وقال تعالى في المعنى الثاني : ( فترى الذين في قلوبهم مرض ) المائدة : 52 ، يعني المافقين : ( يسارعون فيهم ) المائدة : 52 ، يعني يواطئون الكافرين سرا : ( يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ) المائدة : 52 ، أي نخاف أن تكون الدولة للكافرين على المؤمنين ، قال تعالى : ( فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ) المائدة : 52 ، فينبغي لمن آمن في المؤمنين وأهل السنة وأحبوه أن يخاف في المنافقين وأهل البدع أن يبغضوه ، وينبغي لمن سارع في مواطأة المؤمنين أن ينئ ويبطئ في مداهنة الظالمين ومتابعتهم ، حتى يخلص له إيمانه من النفاق وتستقيم طريقه من الضلال ، وقد نفى الله الإيمان عمن أحب من حاده ، وأثبت الإيمان والتأييد باليقين لمن أبغض فيه أعداءه ، فقال تعالى : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ) المجادلة : 22 الآية ، فأما من قال من الجاهلين بأن الرضا قد يكون بالمعاصي منه أو من سواه ، كما يكون في الطاعات ، فقد جعل المعاصي والمخالفات من القربات وسوى بينهما ، وفي هذا هدم شرائع الأنبياء وإبطال تفصيل الله ما أحل لنا مما حرم علينا ، وما أمرنا به مما نهانا ، وقد روي في خبر : من شر الناس منزلة عند الله من يقتدي بسيئة المؤمن ويترك حسنته ، وقال بعض العلماء : من حمل شاذ العلماء فقد حمل شرا كثيرا ، ومن حسن الأدب في المعالمة إذا عملت صالحا فقل : يا سيدي ، أنت استعملتني وبحولك وقوتك وحسن توفيقك أطعتك ، لأن جوارحي جنودك ، وإذا عملت شيئا ظلمت نفسي ، وبهواي وشهوتي اجترحت جوارحي وهي صفاتي ، ثم يعتقد في ذلك أنه بقدره ومشيئته كان ما قضاه ، فتكون بالمعنيين قد وافقت مرضاة مولاك وتكون في الحالين عاملا بما يرضيه بالقول والعقود ، وينتفي عنك العجب في أعمال برك ويصح منك المقت لنفسك واعترافك بظلمك ، وقد ثقلت هذه المشاهدة على الجاهل ، فإذا عمل حسنا شهد نفسه ونظر إلى حوله وقوته ، فهلك بالكبر وبطل عمله بالعجب ، وإذا عمل سيئا لم يعترف بالذنب ولم يقر على نفسه بالظلم ، ولم تصح له توبة ولم يرض له عملا ، نعوذ بالله من مشاهدة الضلال ، وقال أبو محمد سهل رحمه الله تعالى : إذا عمل العبد حسنة فقال : يا رب أنت استعملتني ، شكر الله له ذلك فقال : أنت عملت ، فإذا نظر إلى نفسه فقال أنا عملت ، يقول الله بل أنا استعملت ، قال وإذا عمل سيئة فقال : أنت قدرت وأنت أردت ، يقول الله تعالى : أنت ظلمت وأنت عصيت بشهوتك وهواك ، فإن قال العبد : ظلمت نفسي وعصيت بجهلي استحيا الله منه فقال : بل أنا قدرت وأنا قضيت ، قد غفر لك باعترافك بالظلم على نفسك ، فهذه آداب العاملين ومشاهدة العالمين ، وهذا داخل قي قوله : أعرفكم بربه أعرفكم بنفسه ، فكذلك يحب ابن آدم ممن عامله الاعتراف والتواضع ، وهذا أيضا أحد المعاني في قوله تعالى : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ) التوبة : 1 ، 2 ، قيل : هو الاعتراف عقيب العمل السيئ لأنه قد تقدم ذكره فكان الصالح بعده اعترافه .
وفي الحديث الذي رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم آنفا أنه قال : من نظر إلى من فوقه في الدين وإلى من دونه في الدنيا ، كتبه الله صابرا شاكرا ، ومن نظر إلى من دونه في الدين ومن فوقه في الدنيا ، لم يكتبه صابرا ولا شاكرا ، فيه أربعة معان حسان إذا تدبرها العبد وتفكر فيها لم يعدم أن يرى أهلها ، لأنه لا يخلو أن يرى بعينه أو بقلبه لسيرة المتقدمين ، فيرى من فوقه في باب الدنيا فيشكر الله على حاله ويقنع منه برزقه فيكون صابرا شاكرا بمعرفة ما قنع به ، ورضي باختيار ما صرف عنه من الفضول ، وروي عنه من الحساب الطويل ، ولا يخلو أن يرى من فوقه في أمر الدين يسارع إليه ويسابقه إذ قد ندب إلى ذلك ، فيكون حضا له وحثا على افتعال الخيرات وأعمال الصالحات ، وأقل ما يفيده ذلك الإزراء على نفسه والمقيت لها في تقصيره ، ثم ينظر في الأمرين الآخرين من وجه آخر ، فلا يخلو أن يرى من هو دونه في الدنيا من ذوي الفاقات والحاجات ، فيحمد الله على تفضيله عليه وحس صونه له ويشكر نعمته لفضل إحسانه وكفايته له ، ويجد أيضا في المعنى الآخر من هو دونه في أمر الدين من الفجرة والظالمين وأهل البدع والزائغين ، فيفرح بفضل الله ورحمته ويشكر الله على حسن إسلامه وجميل معافاته مما ابتلي به غيره ، فيكون أيضا صابرا شاكرا ، فيكون للعبد في هذه الطبقات من الناس أربع معاملات بما وهب الله من البصيرة والاعتبار ، ويشهد لما ذكرناه قوله : لا حسد إلا في اثنين ؛ رجل آتاه الله حكمة فهو يبثها في الناس ويعملها ، ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ، وفي لفظ حديث آخر : ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار فيقول الرجل : لو آتاني الله ما آتى هذا فعلت كما يفعل ، فندب إلى الحسد على أعمال البر وفضل الحاسد لما ندب الله إليه من المنافسة في أعمال الخير ، فمن حسد على هذه المعاني من أعمال الخير ، كان ذلك مزيدا له في مقام الرضا للغبطة به والطلب له ، فأما من قلبت عليه هذه المعاني فجهل عواقب الأمور ، وغلبت عليه الغفلة واستحوذت عليه الجهالة ، فجعل ينظر إلى من فوقه في الدنيا فيغبطه على حاله ، أو يتمنى مكانه أو يدخله نظره إليه في استصغار نعمة الله عليه ويزدري يسير ما قسمه الله له ، ثم ينظر إلى من دونه في الدين من عموم المسلمين فيرضى بنقصان مقامه ويجعل ذلك معذرة له وتأسيا به ، ويثبطه عن المسارعة إلى القربات ولعله أن يداخله العجب والكبر حتى يتفضل عليه بحاله ، أو ينظر إلى نفسه بأعماله ، لتقصير غيره عن مثل فعاله ، فهذا إذا يكتب جزوعا عن الصبر كفور النعمة بإضاعة الشكر ، لأنه ليس بصابر ولا شاكر ، وهذا وصف من أوصاف المنافقين ، وهو مقام الهالكين ، إذ الصبر والشكر من صفات المؤمنين ، وقد وصف هذا البلد بمثل هذا المعنى : فالله المستعان ، وقد حدثونا عن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى أنه قال : طفت الشرق والغرب فما رأيت بلدا شرا من بغداد ، قيل : وكيف ذلك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : هو بلد تزدري فيه النعمة وتستصغر فيه المعصية ، وحدثونا عنه أنه قيل له حين قدم خراسان : كيف رأيت الناس ببغداد ؟ قال : ما رأيت بها إلا شرطيا غضبان أو تاجرا لهفان أو قارئا حيران ، وقيل إنه كان يتصدق كل يوم بدينار لأجل مقامه ببغداد ، إلى أن يخرج إلى مكة ، فبلغني أنه كان يتصدق بستة عشر دينارا ، وقد وصفها الشافعي أنها هي الدنيا ، فروينا عنه أنه قال : الدنيا كلها بادية وبغداد حاضرتها .
وروينا عن يونس بن عبد الأعلى قال : قال لي الشافعي : يايونس ، رأيت بغداد ؟ قلت : لا قال : ما رأيت الدنيا ولا رأيت الناس ، وقد ذم العراق جماعة منهم عمر بن عبد العزيز وكعب الأحبار ، فروينا عن عمر أنه قال لمولى له : أين تسكن ؟ قال : العراق ، فقال له : ما تصنع هناك بلغني أنه ما من أحد سكن العراق إلا قيض له قرين من البلاء ، وذكر كعب الأحبار العراق يوما فقال : فيه تسعة أعشار الشر ، وفيه الداء العضال ، ومن سكن بلدا كثير المنكر ظاهر المعاصي ، فكان منزعجا فيه غير مطمئن إليه يرغب إلى الله عز وجل في إخراجه منه لحسن اختياره له ، وكان مضطرا في المقام فيه لعيلة ثقيلة أو قلة ذات يد حقيقة ، لا يستطيع حيلة في الخروج ولا يعرف طريقا ، وهو على يقين من سلامة دينه فيه ، فإنه معذور عند الله لحسن تفضل من الله ، وهو أقرب إلى العفو والسلامة ممن اغتبط بمقامه واطمأن ورضي بحاله ، أو كان مقامه على هوى أو لاختلاف أسباب الفتنة والدنيا ، قال الله تعالى : ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) النساء : 97 في التفسير : إذا كنت في بلد يعمل فيه بالمعاصي فتحول منه إلى غيره ، وقيل : إذا كان العبد في بلد من يعمل فيه بالمنكر والمعاصي أضعف أو أقل من أهل الدين والمعروف ، ثم لم ينكر ذلك فقد وجب الخروج منه ، ثم قال عز وجل في قوم من المستضعفين عذرهم وأرجى إلى العفو أمرهم : ( والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ) النساء : 75 وقال تعالى في تمام وصفهم واستثنائهم من غيرهم : ( ولا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ) ( فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ) النساء 98 - 99 ولا يصح الرضا إلا بالعصمة من جميع الهوى ، وأول الرضا القناعة ، وقال بعض أهل المعرفة : لا يكون العبد قانعا حتى لو جاء إلى باب منزله جميع ما يرغب فيه أهل الدنيا من الاتساع والنعمة ، فعرض عليه لم ينظر إلى ذلك ولم يفتح بابه قناعة منه بحاله ، والعصمة حال الراضي عن الله عز وجل ، وهي ظاهر الرحمة ، والرحمة أول الرضا من الله تعالى ، قال الله سبحانه وتعالى : ( إن النفس لأمارة بالسوء إلا مارحم ربي ) يوسف : 53 وقال تعالى : ( لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ) هود : 43 فالعصمة من الله لعبده دليل على الرحمة منه ، ثم تدخله في مقام المحبة وهي رحمة المحبوبين ، ثم ترفعه إلى الرضا فتكون المحبة مقامه عن شهادة محبوب ، ويكون الرضا حاله في جميع تصريف البقية والمطلوب ، وهذا آخر كتاب الرضا .
Questions
- Qu'est-ce que le tawhid, la croyance en l'unicité de Dieu en islam ?
- Qu'enseigne l'islam sur la vie après la mort ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'enseigne le Coran sur la patience (sabr) ?
- Qu'est-ce que l'ikhlas (la sincérité), et pourquoi est-ce important ?
- Comment l'islam décrit-il la purification du cœur ?