Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb
و الله تعالى إنما يرى بنور اليقين ، وفي هذا النور مشاهدة الصفات وهو حقيقة الإيمان ، وأعز ما نزل من السماء وهو السكينة المنزلة في قلوب المؤمنين لمزيد الإيمان ولتعريف صفاته المؤمن معها بترك ضرب الأخبار بعضها ببعض ، ومعارضة بعضها بعضا أو ترتيب بعضها على بعض ، بل يؤمن بكل خبر ورد في الصفات والقدرة على حدته ، كما يسلم جميعها على الجملة بإسلامه وإلا أدى ذلك إلى نفي بعضها أو إبطال جميعها ، لأنا أخذنا الإيمان بمنة الله تعالى ورحمته من قبل التصديق واليقين والنقل ، لا من قبل التقليد وحسن الظن والعقل ، وأربعة أشياء تسلم ولا تعارض اعتراضا : أخبار الصفات وأصول العبادات وفضائل الأصحاب وفضائل الأعمال ، ولولا أن الله تعالى تولى قلوب المؤمنين فحبب الإيمان إليها وزينه فيها ، وكره الكفر وشأنه عندها ، لتاهوا في الظلمات وغرقوا في بحار الهلكات لظهور الأغيار ومعاية الأسباب ، ولغيب القدرة عن العيان ، ولما ابتلوا به من الحجب والأعيان ، ولكن الله تعالى سلم وحبب الإيمان في القلوب ، وزين وكره الكفر والعصيان وشين ، وكذلك مدح المؤمنين بالغيب المستور ، ومن ذلك سبق المقربون بمشاهدة النور فقال سبحانه وتعالى : ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ) البقرة : 257 ، فلولا أنهم كانوا في ظلمة الطبع ما امتن عليهم من نور اليقين ، وكذلك جاء الخبر أن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ، ثم ألقى عليهم من نوره ؛ فمن أصابه اهتدى ومن أخطأه ضل ، وفي أحد المعاني من قوله تعالى : يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب قال : يمحو الأسباب من قلوب الموحدين ويثبت نفسه ، ويمحو الوحدانية من قلوب الناظرين ويثبت الأسباب ولولا أن التوحيد لم يرسمه عارف قط في كتاب ولا كشفه علام في خطاب ، لعجز علوم العموم عن درك شهادته ، ولسبق إنكاره القول لضعفها عن حمل مكاشفته ، لذكرنا من ذلك ما يبهر القول ويبهت ذوي المعقول ، ولكنا كرهنا أن نبتدع ما لم نسبق إليه ، أن نظهر ما يضطرب العقول بالحيرة فيه ، خفنا من عدم النصيب مما نذكره ، فيعود على السامعين من نفعنا ضرورة ، وحقيقة علم التوحيد باطن المعرفة ، وهو سبق المعروف إلى من به تعرف بصفة مخصوصة بحبيب مقرب مخصوص لا يسع معرفة ذلك الكافة ، وإفشاء سر الربوبية كفر .
وقال بعض العارفين : من صرح بالتوحيد وأفشى الوحدانية فقتله ، أفضل من إحياء غيره ، وقال بعضهم : للربوبية سر لو ظهر لبطلت النبوة وللنبوة سر لو كشف بطل العلم ، وللعلماء بالله سر لو أظهره الله تعالى لبطلت الأحكام ، فقوام الإيمان واستقامة الشرع بكتم السر ، به وقع التدبير وعليه انتظم الأمر والنهي ، الله غالب على أمره ، وفوق ذلك علم التوحيد والاسم منه وحداني ، فالتوحيد وصفه وفوقه علم الإتحاد ، فالوصف منه متحد وفوقهما علم الوحدانية ، والاسم منه واحد ، وفوق ذلك علم الأحدية والإسم منه أحد وهذه أسماء لها صفات ، وأوصاف لها أنوار وأنوار عنها علوم ، وعلوم له مشاهدات بعضها فوق بعض ، فوق كل ذي علم عليم ، ثم علم التوحيد أول هذه العلوم وعموم هذه المشاهدات ، وظاهر هذه الأنوار وأقربها إلى الخلق ، فالاسم منه موحد وههنا بان الخلق وظهر ، فهذا توحيده الذي وحده به الموحدون من جميع خليقته ، فعاد ذلك عليهم برحمته ، والمشاهدات الأول توحيد الرب تعالى نفسه بنفسه لنفسه ، قبل توحيد خلقه ، فتوحيدهم إياه عن توحيده فيما كتبنا عنه ، وأخفينا فيما أظهرناه ، فهو محجوب في خزائن الغيوب عن البصائر والفهوم ، قد جاوز علم الملكوت كله ، فهو من ورائها في خزائن الجبروت ، وإنما ذكرنا من ذلك قوت القلوب من علم التوحيد ، وما لا بد للإيمان منه من المزيد ، وقال عالمنا أبو محمد سهل رحمه الله تعالى : للعالم ثلاثة علوم ؛ علم ظاهر يبذله لأهل الظاهر ، وعلم باطن لا يسع إظهاره إلا لأهله ، وعلم هو سر بين الله وبين العالم هو حقيقة إيمانه ، لا يظهره لأهل الظاهر ولا لأهل الباطن ، وقال بعض السلف قبله : ما من عالم يحدث قوما بعلم لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة عليهم .
شرح ثاني ما بني الإسلام عليه من الخمس : وهو الصلاة وأول ذلك وصف الطهارة ، أولها فرائض الاستنجاء وسننه ، وفرائض الوضوء وسننه وفضائله ، وفرائض الصلاة وسننها وأحكام المصلي في وقت الصلاة وإدراكها ، وما يتعلق بها وهيئات الصلاة وآداب المصلي . ذكر فرائض الاستنجاء
قال الله جل ثناؤه وصدقت أنباؤه : ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا و الله يحب المطهرين ) التوبة : 108 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يقبل الله صلاة بغير طهور ، وقال عليه الصلاة والسلام : الطهور نصف الإيمان ، وقال : مفتاح الصلاة الطهور ، فأول الطهارة الاستنجاء وفيه فرضان وأربع سنن : أحد الفرضين إزالة الحدث ، والثاني طهارة المزيل ، وهو أن لا يكون رجيع دابة ولا مستعملا مرة ، ولا عظم ميتة ، ويكره له الاستنجاء بفحمة لأثر في ذلك ، والسنن الأربع : وتر الاستجمار ثلاثا أو خمسا أو سبعا ، والاستنجاء بالماء ، ومباشرة الأذى بالشمال ، ومسح اليد بالتراب ، فأما كيفية الإستنجاء فأن يأخذ الحجر بشماله ويمره على مقدمته من مقدمها مسحا إلى مؤخرها ، ثم يرمي به ، هناك ثم يأخذ الحجر الثاني فيبتدئ من مؤخر المقعدة فيمسحها مدا إلى مقدمها ، ثم يرمي به ، ثم يأخذ الحجر الثالث ، فيديره حول المسربة إدارة فإن احتاج إلى حجر آخر فليجعلها خمسا ، وإن اكتفى بحجر واحد فلا بد من ثلاث ، وإن استجمر بحجر كبير ذي ثلاث شعب أجزأه عن ثلاثة أحجار ، وفي الخبر : من استجمر فليوتر ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة أبعد ، وكان يتبوأ لحاجته كما يتبوأ الرجل المنزل لأنه كان لا يقعد في فضاء ، بل كان ينصب وراءه شيئا أو يقعد إلى حائط ، أو نشز من الأرض يستره أو كوم من حجارة يحجبه ، ثم يستدبر ذلك ، وكان صلى الله عليه وسلم لا يستقبل القبلة أيضا لغائط ولا بول ، ولم يكن يرفع ثوبه للغائط حتى يدنو من الأرض ، فأما من أراد أن يبول قريبا من صاحبه بحيث يراه ويحسه فلا بأس بذلك ، فإنها رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع الحياء منها بفعله ، لأنه كان عليه السلام أشد الناس حياء ، وكان يبول وإلى جانبه صاحبه ليسن التوسعة في ذلك ، وقال رجل لبعض الصحابة من الأعراب وقد خاصمه فقال : لا أحسبك تحسن الخراءة فقال : بلى وأبيك إني بها لحاذق ، قال فصفها لي قال : أبعد الأثر وأعد المدر واستقبل الشيح واستدبر الريح وأقعي إقعاء الظبي وأجفل إجفال النعام ، والشيح نبت طيب الرائحة يكون بالبادية ، والإقعاء في هذا الموضع أن يستوفز على صدور قدميه والأجفال أن يرفع عجزه .
وفي حديث سلمان : علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة ، أمرنا أن لا نستجمر بعظم ولا روث ، ونهانا أن لا نستقبل القبلة لبول أو غائط ، وأن يجلس أحدنا على رجله اليسرى وينصب اليمنى ، فأما وصف الاستبراء فهو أن يستفرغ الرجل بوله رويدا ، ولا يحرك ذكره فينتشر البول على الحشفة ، فإذا انقطع البول على مهل مد ذكره ثلاثا من أصله إلى الحشفة مدا رفيقا ، لئلا ينتضح البول ، ثم ينتثره ثلاثا ويتنحنح ثلاثا ، وإن فعل ذلك سبعا سبعا فقد بالغ ، ثم يأخذ الحجر بيمينه ويأخذ ذكره بشماله ، ويمده عليه حتى يرى موقعه جافا ، فهناك طهرين انقطعت النداوة ، ومن مده إلى الأرض أو إلى حائط حتى يرى الجفوف عن أثره ، فمثله وهذا كافيه من الماء ما لم ينتشر البول على الحشفة ويسحب البول في أرض دمثة رخوة ، وعلى تراب مهيل ، ويكره له أن يبول مستقبل الريح أو على أرض صلبة كيلا ينضح البول عليه ، وقد شبه فقهاء المدينة الذكر بالضرع ، وقال بعضهم إنه لا يزال يخرج منه الشيء بعد الشيء ما دمت تمده ، وقيل : إذا وقع الماء على الذكر انقطع البول ، وقد كان أخفهم استبراء وأقلهم استعمالا للماء في الطهور ، أفقههم عندهم ، وقد يكون ما يظهر من النداوة بعد غسل الذكر بالماء أن ذلك من مرجع الماء يتردد في الإحليل لضيق المسلك وتلاحم انضمامه عليه فإذا خشي الوسواس فلينضح فرجه بعد وضوئه ، وهو أن يأخذ كفا من ماء فليرشه عليه ، وفي خبر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ، ويكره مس الذكر باليمين ويخرج من الذكر خمسة أشياء ؛ البول والمذي والودي وهو لزوجة تتعقب البول إذا طال حبسه ، والريح والمني ثم كلها توجب الوضوء إلا المني ، وهو الماء الدافق الذي يفتر عنه الذكر وتنقطع الشهوة ، ومنه يخلق الإنسان فإنه يوجب الغسل ، وما خرج من الذكر من غير ذلك من دود أو حصى ففيه الوضوء ، وقد يخفي الريح ، فلذلك يستحب الوضوء عند كل صلاة وهو من المرأة أطهر .
ذكر فرائض الوضوء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من توضأ كما أمر ، وفي لفظ : من توضأ فأسبغ الوضوء وصلى ركعتين ولم يحدث فيهما نفسه بشيء من الدنيا ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، وفي لفظ آخر : ولم يسه فيهما غفر له ما تقدم من ذنبه ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أنبئكم بما يكفر الله الخطايا به ويرفع به الدرجات : إسباغ الوضوء في المكاره ، ونقل الأقدام إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط ، وتوضأ صلى الله عليه وسلم مرة مرة وقال : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ، ثم توضأ مرتين مرتين فقال : من توضأ مرتين آتاه الله أجره مرتين ، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا فقال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء إبراهيم عليه السلام . ذكر فرائض الطهارة وهي ثمانية : طهارة الإناء ثم الماء الطاهر والنية والترتيب على نسق الكتاب وغسل الأعضاء الثلاثة المأمور بها ، ومسح الرس ، ولا ينفض يديه بالماء عند غسل وجهه وذراعيه ، فإن ذلك يكون مسحا ، ولا يلطم وجهه بالماء لطما فإنه مكروه ، ولكن ليحمل الماء بيديه معا إلى وجهه ثم ليسنه عليه سنا ، ويغسل وجهه غسلا من أصول شعر رأسه إلى ما ظهر من لحيته وعلى ما استرسل منها ، وليدخل البياض الذي بين أذنه ولحيته في غسل وجهه ، وليدخل مرفقيه في غسل ذراعيه ، وهذا فرض وينبغي أن يقطر الماء من وجهه وذراعيه قطرا ، ويكفيه في مسح الرأس أن يمسحه بماء ، جديد يبتدئ بمقدم رأسه ثم يرد يده إلى مؤخره ، ثم يردها إلى يافوخه هذه مرة ، وليمسح رأسه أجمع وهذه الأربعة الأعضاء هي المنصوص عليها ، فأما ذكر الواو في الترتيب ، فإني سمعت بعض فقهاء العرب من أهل اللغة بمكة يقول : إن الواو وإن كانت للجمع فلا تقتضي الترتيب في الظاهر ، فإنه إذا لم يرد به الجمع بين شيئين واستحال أن يجمع بها بين اثنين معا فإنها تقوم حينئذ مقام ثم ، تكون للترتيب لا غير . ذكر سنن الوضوء وهي عشرة : التسمية وغسل الكفين والمضمضة والاستنشاق والاستنثار وهو إخراج الماء من الأنف ، وتخليل اللحية ومسح الأذنين وغسل كل عضو ثلاثا ثلاثا ، وأن يبدأ بالميامن وتخليل أصابع القدمين . ذكر فضائل الطهارة وما يقال عند غسل كل عضو من الأذكار
أول ذلك أن يتوضأ قاعدا مستور العورة ، وأن لا يكون الماء مشمسا ، وقد كره ذلك وقيل : إن كراهيته في أرض الحجاز خاصة وإسباغ الوضوء سيما في الشتاء ، فإنه من عزائم الدين ، وقال بعض السلف : وضوء المؤمن في الشتاء بالماء البارد يعدل عبادة الرهبان كلها ، وأن لا يعتدي في الطهور فقد نهي عن ذلك ، وهو أن يغسل كل عضو فوق الثلاث ، والوضوء على الوضوء نور ، وهو أن يتوضأ لكل صلاة عن غير حدث ، فإن ذلك مستحب إذا أمكن ، وله بكل وضوء عشر حسنات ، ويجزيه أن يصلي الخمس بوضوء واحد ، فقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والوضوء على حدته قربة إلى الله تعالى ، إذا نوى به العبد ذلك من غير أن يصلي به ، وفي الخبر : إذا توضأ العبد خرجت ذنوبه من جميع أعضائه ، وتكون الصلاة نافلة ، ويستحب أن يتوضأ العبد كلما بال ما لم يشق ذلك عليه ، وأن يصلي ركعتين كلما توضأ ، ثم أن لا يتكلم في الوضوء إلا بذكر الله تعالى ، وأن يقول عند غسل كل عضو ما يستحب من الدعاء ، فيقول عند الفراغ من الاستنجاء : اللهم طهر قلبي من النفاق ، وحسن فرجي من الفواحش ، ويقول عند التسمية : أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون ، ويقول عند غسل يديه : اللهم إني أسألك اليمن والبركة ، وأعوذ بك من الشؤم والهلكة ، ويقول عند المضمضة : اللهم أعني على تلاوة كتابك وكثرة الذكر لك ، ويقول عند الاستنشاق : اللهم صل على محمد وأوجد لي رائحة الجنة ، وأنت عني راض ، ويقول عند الاستنثار : اللهم إني أعوذ بك من روائح النار ومن سوء الدار ، ويقول عند غسل وجهه : اللهم بيض وجهي يوم تبيض فيه وجوه أوليائك ، ولا تسود وجهي يوم تسود فيه وجوه أعدائك ، وعند غسل يمينه : اللهم آتني كتابي بيميني وحاسبني حسابا يسيرا ، وعند غسل الشمال : اللهم إني أعوذ بك أن تؤتيني كتابي بشمالي أو من وراء ظهري ، وعند مسح الرأس : اللهم غشني برحمتك وأنزل علي من بركاتك ، وأظلني تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك ، ويقول عند مسح الأذنين : اللهم اجعلني ممن يستمع القول فيتبع أحسنه اللهم اسمعني منادي الجنة مع الأبرار ، ثم يمسح عنقه فيقول : اللهم فك رقبتي من النار ، وأعوذ بك من السلاسل والأغلال ، ويقول عند غسل قدمه اليمنى : اللهم ثبت قدمي على الصراط مع أقدام المؤمنين ، ويقول عند غسل اليسرى : اللهم إني أعوذ بك أن تنزل قدمي عن الصراط يوم تنزل فيه أقدام المنافقين ، وأن يبتدئ بغسل الذراعين من أصابع الكفين ويقطع من المرفقين كل غسلة ، وأن يرفع في غسل الذراعين إلى إنصاف العضدين ، وأن يبتدئ بغسل القدمين من الأصابع ويخللهما في الميامن ويقطع غسلهما من الكعبين ، ويرفع في غسل الرجلين إلى إنصاف الساقين ويمين أصابع اليد اليمنى خنصرهما ، ويمين اليد اليسرى إبهامها ، وإذا فرغ من وضوئه رفع رأسه إلى السماء ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله ، سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت ، عملت سوءا وظلمت نفسي ، أستغفرك وأتوب إليك فاغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم ، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ، واجعلني شكورا واجعلني أذكرك كثيرا ، وأسبحك بكرة وأصيلا ، هذا جميع ما روي من القول بعد الفراغ من الوضوء بآثار متفرقة جمعناها ، يقال إن من قال هذا بعد فراغه من الوضوء ختم على وضوئه بخاتم ، ورفع له تحت العرش ، فلم يزل يسبح الله ويقدسه ويكتب له ثواب ذلك إلى يوم القيامة ، وأكره الوضوء في إناء صفر ، سمعت أن العبد إذا توضأ احتوشته الشياطين توسوس إليه ، فإذا ذكر الله خنست عنه وحضرته الملائكة ، فإن كان وضوءه في إناء صفر أو نحاس لم تحضره الملائكة .
وروي عن ابن عمر وأبي هريرة كراهة ذلك ، وقال بعضهم : سألني شعبة أن أخرج له وضوءا ، فأخرجته في إناء صفر فلم يتوضأ به ، وقال حدثني عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه كره الوضوء في إناء صفر ، وتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ركوة ومن إداوة ومن مهراس حجر ، وقد روينا في حديث زينب بنت جحش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ واغتسل ، في حديث آخر من مخضب لها وهو نحاس وهذه رخصة .
صفة الغسل من الجنابة يضع الإناء عن يمينه ثم يسمي الله تعالى ، ويفرغ الماء على يديه ثلاثا قبل إدخالهما الإناء ثم يغسل ذكره ويستنجي ، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة كاملا إلا غسل قدميه ، ثم يدخل يديه في الإناء بما حملتا من الماء فيصب على شقه الأيمن ثلاثا ظهرا وبطنا إلى فخذه وساقه ، ثم يغسل شقه الأيسر كذلك ثلاثا ظهره وبطنه إلى فخذه وساقه ، ويدلك ما أقبل من جسده وما أدبر بيديه معا ، ثم يدخل يديه بما حملتا من الماء فيفيض على رأسه ثلاثا ويخلل شعر رأسه بأصابعه ويبل الشعر وينقي البشرة ، ثم يتنحي من موضعه قليلا فيغسل قدميه ، فإن فضل من الإناء ماء أفاضه على سائر جسده ، وأمر يديه على ما أدركتا من بدنه ؛ فإن قدم غسل رجليه فأدخلهما في أول وضوئه فلا بأس ولا وضوء عليه بعد الغسل ، وليتق أن يمس ذكره في تضاعيف ذلك بيديه ، فإن مس ذكره فليعد وضوءه وإن نسي المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة حتى صلى أحببت أن يتمضمض ويستنشق ويعيد الصلاة ، وإن نسيهما في الوضوء فلا إعادة عليه ، وكيفما أتى بغسل جسده من الجنابة فجائز بعد أن يعم جميع بدنه غسلا ، ومن لم يتوضأ قبل الغسل أحببت له أن يتوضأ بعده ، ومن انغمس في نهر أجزاه عن الغسل وأحب أن يتوضأ وفرض غسل الميت كغسل الجنابة . كتاب الصلاة ذكر فرائض الصلاة قبل الدخول فيها وهي سبع : أول ذلك طهارة الجسد ، وطهارة الثوب وطهارة البقعة ، وستر العورة وهي من السرة إلى الركبة ، واستقبال القبلة وإصابة الوقت ، والقيام إلا من عذر ، وفرائض الصلاة في صلبها اثنتا عشر خصلة ، روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : مفتاح الجنة الصلاة ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم : تحريمها التكبير وتهليلها التسليم فأول ذلك النية وتكبيرة الإحرام بلفظ التكبير ، وليس للعرب في لفظ التكبير بمعنى الإكبار إلا وزن أفعل والأفعل فيقولون : الله أكبر والله الأكبر ، وليس يقولون : الله كبير ، وهم يريدون معنى أكبر مما سواه ، إنما يقولون كبير بمعنى عظيم لأن هذه لفظة أعجمية عربت ، وتقول العرب : الله كبار ، وليس بمعنى أكبر إنما هو بمعنى كبير ، والتفخير للتعظيم ، ثم يقرأ سورة الحمد ؛ أولها بسم الله الرحمن الرحيم ، والركوع ، ثم الطمأنينة في السجود والجلسة بين السجدتين والتشهد الأخير ، والصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم والتسليم الأول ، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ينظر الله تعالى إلى من لا يقيم صلبه بين الركوع والسجود ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم : لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود ، ورأى صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي لا يقيم ظهره في ركوعه وسجوده ، فقال له : ارجع فصل ، فإنك لم تصل ، ثم رآه لا يطمئن إلى الركوع والسجود فأمره أيضا بإعادة الصلاة ، ثم علمه الطمأنينة بينهما والقيام فيهما ، فقال : حتى تطمئن مفاصلك وتسترخي ، ورأى حذيفة وابن مسعود رضي الله عنهما رجلا يصلي لا يتم ركوعه وسجوده فقالا : لو مات هذا لمات على غير فطرة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم ، وفي حديث أحدهما : منذ كم تصلي هذه الصلاة ؟ فقال : منذ أربعين سنة فقال : ما صليت منذ أربعين سنة ، وعن كعب الأحبار قسمت الصلاة ثلاثة أثلاث : ثلث طهور ، وثلث ركوع ، وثلث سجود ، فمن نقص أحدهما لم يقبل منه سائرها ، ويقال : من لم تقبل صلاته ردت أعماله كلها عليه . ذكر سنن الصلاة
وهي اثنتا عشرة سنة : رفع اليدين بتكبيرة الإحرام ، وصورة الرفع أن يكون كفاه مع منكبيه وإبهامه عند شحمة أذنية وأطراف أصابعه مع فروع أذنيه ، فيكون بهذا الوصف من الرفع موطئا للأخبار الثلاثة المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه كان يرفع يديه إلى منكبيه وأنه كان يرفعهما إلى شحمة أذنيه ، وأنه رفع إلى فروع أذنيه يعني أعاليهما ، ولفظ التكبير أن يضم الهاء من الاسم بتخفيف الضمة من غير بلوغ ، واو ، ويهمز الألف من أكبر ولا يدخل بين الباء والراء ألفا ، ويجزم الراء ، لا يجوز غير هذا فيقول : الله أكبر ، ثم لا يرفع يديه إذا كبر إلى قدام دفعا ، ولا يردهما إلى خلف منكبيه وتكون أصابعه تلقاء أذنيه ، ثم يكبر ويرسلهما إرسالا خفيفا رفيقا ، ويكون إرساله يديه مع آخر التكبير ، لا يسلهما قبل انقضاء التكبير ولا يوقفهما بعد الفراغ من التكبير ، ثم يستأنف وضع اليمين على الشمال بعد الإرسال ، روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا كبر أرسل يديه ، فإذا أراد أن يقرأ وضع اليمين على اليسرى ، وليقبض على زند كفه الشمال وليجعلهما تحت صدره ، ثم التوجه فيقول : وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما ، وما أنا من المشركين ، ثم يقول : إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له ، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ، ويقول : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ، ولا إله غيرك ، فقد روي جميع ذلك في روايات مختلفة وجمعه حسن ، إلا أن يكون خلف الإمام ولا يكون للإمام سكتتان ، فلا يمكنه أن يأتي بهذا التوجه كله مع قراءة الحمد ، ولا يشتغلن حينئذ إلا بقراءة الحمد ، يغتنم قراءتها في سكوت الإمام ، واحذر أن تقرأ في قراءة الإمام ، أو تركع أو تسجد أو ترفع رأسك قبله ، ثم الاستعاذة ، ثم قراءة سورة من القرآن أو ثلاث آيات من سورة بعد الحمد ، والتأمين بعد قراءة الحمد سنة حسنة ، فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أمر به ثم رفع اليدين بالتكبير ، للركوع أيضا سنة ، ثم التسبيح للركوع وإذا أردت عشرا أو سبعا ولا أقل من ثلاث ، وإنما قيل : إن الثلاث أدنى الكمال لأن الكمال عشرة ، قال الله تعالى : ( تلك عشرة كاملة ) البقرة : 196 ، ولتكن الثلاث بعد أن يضع يديه على ركبتيه وقبل أن يرفعهما ، لأنه إذا لم يتحفظ في ذلك ويتمهل فيه حصل من التسبيح واحدة بعد الركوع ، وتكون الأولى والأخرى في الإنحطاط والرفع ، وهذا مكروه ، وصورة الركوع أن يفرج بين أصابعه فيملأ بها ركبتيه ، ويجافي عضديه عن جنبيه ولا يرفع رأسه ولا يخفضه ، وليمد عنقه مع ظهره مدا فيكون ظهره ورأسه سواء ، ولا يكون مخفوضا إلى أسفل ولا مقبوا إلى فوق ، ثم رفع اليدين بقول : سمع الله لمن حمده ، سنة ، ويقول : اللهم ربنا ، لك الحمد ملء السموات والأرض وما بينهما ، وملء ما شئت من شيء بعد ، ثم التسبيح في السجود إن شاء عشرا أو سبعا وأدناه ثلاث ، ولتكن الثلاث بعد حصول جبهته على الأرض وقبل رفعه إياه ، وإلا كانت واحدة تذهب الأولى في حال وضع الوجه ، والأخرى في حال رفع الرأس ، فتحصل تسبيحة واحدة في كل سجدة ، وهذا غير مستحب أن ينقص من ثلاث ، وقال أنس بن مالك : ما رأيت أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامكم ، هذا يعني عمر بن عبد العزيز ، قال : فكنا نسبح وراءه عشرا في الركوع والسجود عشرا عشرا ، ويجعل رأسه بين كفيه في سجوده ، فإنهما يسجدان إذا كانتا مفتوحتين فيجافي عضديه عن جنبيه ، ويمد ظهره ويرفع بطنه عن فخذيه ، ويستحب أن يباشر الأرض بكفيه ، فإنهما يسجدان مع الوجه ، ثم التكبير للسجود والرفع بين السجدتين وللقيام بين السجود من غير رفع يديه ، ثم يقول : رب اغفر لي وارحمني ثلاثا ، روي ذلك عن ابن عمر وإن قال : رب اغفر وارحم ، وتجاوز عما تعلم ، فإنك أنت الأعز الأكرم فجائز ، روي ذلك عن ابن مسعود ، وإن قال : رب اغفر لي وارحمني واهدني وأجبرني وأنعشني ، فحسن قد روي ذلك عن علي رضي الله تعالى عنه ، ثم التشهد الأول ثم السلام الأخير بالألف واللام وضم الميم من السلام من غير تنوين ، ومد الاسم وجزم الهاء منه ، فيقول : السلام عليكم ورحمة الله حتى يتبين خذاه لمن عن يمينه وشماله ويلوي به عنقه إلى منكبيه ، كذلك كان تسليم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أن يحول جسمه عن القبلة ولا يرفع فخذه عن الأرض .
الأرض .
ذكر أحكام الصلاة في الإدراك ومن أدرك من صلاة رباعية ركعتين أو الثالثة من صلاة المغرب ، فإن ما أدرك هو أول الصلاة فليبن على ذلك ومن أدرك مع الإمام بعض القيام افتتح سورة الحمد ولم يركع حتى يتمها ، وإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبله رفع بعده ، ومن لم يدرك مع الإمام من القيام شيئا كبر للإحرام ، ثم كبر وركع وهي له ركعة ، وإن ركع الإمام وهو في قراءة سورة غير الحمد فليقطع حيث انتهى وليركع بعده ، ومن أدركه في التشهد أو في السجود ابتدأ التكبير للإحرام قائما ، ثم جلس وسجد للإتباع ، فإذا سلم الإمام قام من غير تكبير يحدثه ثانيا ، وابتدأ بقراءة الحمد عند قيامه ، ولا يعتد بشيء مما أدرك مع الإمام إلا بالركوع ، وهو أن يكون قد وضع يديه على ركبتيه واطمأن قبل أن يرفع الإمام رأسه ، فهذه له ركعة ، ومن دخل في صلاة مكتوبة ثم ذكر أن عليه أخرى أحببت أن يتمها ثم يصلي التي ذكر ، ثم يعيد هذه الصلاة ، ومن وافق الإمام في صلاة العصر ولم يكن صلى الظهر صلاها معه ، ثم يصلي الظهر ثم أعاد بعدها صلاة العصر ، فعله بعض الصحابة وهو أحب الوجوه إلي ، ومن تكلم في صلاته ناسيا أو سلم من ركعتين من صلاة رباعية ، فليسجد سجدتي السهو بعد التشهد ، فإن كان قد خرج من المسجد وتطاول ذلك ، ثم ذكر أحببت أن يعيد الصلاة ، ومن تكلم أو سلم عامدا أو استدبر القبلة ، أو انكشفت عورته أو رعف في صلاته أو ذكر أنه نسي مسح رأسه ، أو غسل عضو من أعضائه ، أعاد الصلاة ، ومن فاتته جماعة فتطوع رجل قام يصلي معه أحببت أن يكون هو المصلي به فرضه ، ولا يخرج من الخلاف ويدخل في فرض الجماعة ، ولا أستحب أن يصلي فرضا خلف رجل يتطوع ، ولا أكره صلاة النوافل جماعة ، ولا سجود سهو على العبد فيما جهر فيه مما يخافت فيه مما يجهر ، ومن شك في ثلاث ركعات أو اثنتين فليجعلهما اثنتين ، ومن شك في أربع أو ثلاث حسبها ثلاثا يبني أبدا على اليقين ، وهو الأقل ، ثم يسجد سجدتي السهو قبل السلام ، وعليه أن يتشهد ثانيا لسجدتي السهو وصلاته تامة ، ومن سها عن سجدتي السهو ، فإن ذكر قريبا أو قبل أن يخرج من المسجد فأحب أن يسجدهما ثم يتشهد ويسلم ، فإن تطاول الوقت أو كان قد خرج من المسجد سقط عنه ، ومن شك في القبلة لدخول ظلمة أو فقد أدلة تحرى جهده ، فإن تبين له أن القبلة بخلاف ذلك أحببت له أن يعيد ذلك ، وأستحب سجود السهو فيما زاد بعد التسليم وفيما نقص قبله ، فإن سجدهما في الزيادة والنقصان قبل السلام فحسن كل ذلك ، قد رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم : فإن لحقه وهم في الصلاة ليس بشك ، أو كثر وهمه في الصلاة أحببت أن يجعل سجوده أبدا بعد السلام ، ومن صلى في حال ضرورة بنقصان طهارة أو نقصان فرض من فرائض الصلاة أحببت أن يعيد متى قدر على ذلك ، ومن صلى في ثوب ثم رأى فيه نجاسة بعد ذلك أعاد ما دام في الوقت قبل أن يدخل وقت صلاة أخرى ، فإن خرج جميع الوقت فلا إعادة عليه ، ولو أعاد تلك الصلاة متى رأى تلك النجاسة كان أحب إلي ، ومن كان عليه صلوات فرط فيها بإضاعة أو نقصان حدود صلاها أحب إلي متوالية صلاة يوم في وقت واحد إن أمكن ، أو في أوقات متفرقة نسقا ، وأن يكون ذلك في غير الأوقات المنهي فيها عن الصلاة أحب إلي ، ومن علم في صلاته أن عليه ثوبا فيه نجاسة وأنه غير مستقبل القبلة ، فليلق الثوب وليستقبل القبلة وليتم صلاته ، وإن أعاد فهو أحب إلي ، .
ذكر هيئات الصلاة وآدابها
السواك قبل الصلاة من فضائلها ، روي في الخبر : صلاة بسواك تفضل على صلاة بغير سواك سبعين ضعفا ، وأستحب له أن يقرأ ، قل : أعوذ برب الناس ، قبل دخوله في الصلاة ، فإنه جنة له من العدو ، وأن يستعيذ في كل ركعة قبل قراءة الحمد لأنه يكون قارئا للقرآن ولأن كل ركعة صلاة ، وأن يضم أصابع كفيه في التكبير وأن يراوح بين قدميه في القيام ، لا يضم كعبيه ولكن يجعل بين قدميه مقدار أربع أصابع ، فإن ذلك يستحب ، قال بعضهم : كانوا يفتقدون الإمام إذا كبر في ضم الأصابع ، وإذا قام في تفرقة الأقدام ، قال : فيستدلون بذلك على فقهه ، ونظر ابن مسعود إلى رجل قد ألزق كعبيه في الصلاة فقال : لو رواح بينهما كان قد أصاب السنة . وقد يروى في خبر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصفن والصفد في الصلاة ، فأما الصفن فرفع إحدى الرجلين من قوله تعالى : ( الصافنات الجياد ) ص : 31 ، إذا عطف الفرس طرف سنبكه ، وأما الصفد فهو اقتران القدمين معا ومنه قوله تعالى : ( مقرنين في الأصفاد ) إبراهيم : 49 ، واحدها صفد ، وقد رأيت بعض العلماء يفرق بين أصابعه في التكبير ، وتأول أن ذلك معنى الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان إذا كبر نشر أصابعه نشرا ، وذلك محتمل لتوكيده بالمصدر ، وهو قوله نشرا ، فيصلح أن يكون قوله نشرا ، يريد به التفرقة ، وقد تسمى التفرقة بثاء ونشرا لأن حقيقة النشر البسط ، وقد قال الله تعالى : ( وزرابي مبثوثة ) الغاشية : 16 ، فهذا هو التفرقة وقال في معنى البث كالفراش المبثوث ، ثم قال في مثله : ( كأنهم جراد منتشر ) القمر : 7 ، فإذا كان النشر مثل البث ، وكان البث هو التفرقة ، كان قوله نشرا بمعنى فرق ، إلا أن إسحاق بن راهويه سئل عن معنى قوله نشر أصابعه في الصلاة نشرا فقال : هو فتحها وضمها ، أراد بذلك أن يعلم أنه لم يكن يقبض كفه وهذا وجه حسن ، لأن النشر ضد الطي في المعنى ، والقبض طي ، ورأيت ثلاثة من العلماء يفرقون أصابعهم في التكبير منهم : أبو الحسن صاحب الصلاة في المسجد الحرام وكان فقيها ، ورأيت ثلاثة يضمون أصابعهم : منهم أبو الحسن بن سالم وأبو بكر الآجري ، وأحسب أن أبا زيد الفقيه كان يفرق في أكثر ظني إذا تذكرت تكبيره ، قول : آمين من فضائل الصلاة ، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا قال الإمام : ولا الضالين فقولوا : آمين ، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بآمين ، وفي لفظ : آمين لغتان : المد والقصر ، والميم فيهما مخففة لأنك إذا شددت الميم أحلت المعنى ، فيكون معناه قاصدين من قوله ولا آمين البيت الحرام ، وأن يترك إحدى يديه على الأخرى قابضا على الزندين بين السرة والصدر ، فإن ذلك من الخشوع ، وقال بعض العلماء : ما أحسبه ذل بين يدي عزيز .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه من سنن المرسلين ، وفسر علي عليه السلام قوله تعالى : فصل لربك وانحر ، قال : وضع اليمين على الشمال ، وهذا موضع علم علي رضي الله تعالى عنه ، ولطيف معرفته ، لأن تحت الصدر عرقا ، يقال له : الناحر لا يعلمه العلماء ، فاشتق علي رضي الله عنه قوله : وانحر من لفظ الناحر : أي أوضع يدك على إلا الناحر ، وهذا هو العرق ، كما يقال ادمغ ؛ أي أصب الدماغ ولم يحمله على نحر البدن ، لأنه ذكر في الصلاة ، ومن الناس من يظن اشتقاقه من النحر ، والنحر هو تحت الحلقوم عنده لمتقي التراقي ، واليد لا توضع هناك إلا من قال من أهل اللغة في معناه : وانحر أي وجه القبلة بنحرك ، فهذا لعمري وجه لا يقعي في الصلاة ، وهو أن يجلس على قدميه وينصب ركبتيه ، هذا مذهب أهل اللغة في الإقعاء ، أو على ركبتيه جاثيا وأصابع رجليه في الأرض ، هذا مذهب أهل الحديث ، وليجتنب السدل والكف ، فإما السدل فهو أن يرخي أطراف ثيابه على الأرض وهو قائم ، يقال : سدل وسدن بمعنى واحد ، وقد تبدل اللام نونا لقرب المخرجين إذا أرسل ثيابه ، ومنه قيل : سدنة الكعبة أحدهم سادن ، وهم قوامها الذين يسلبون عليها كسوتها ؛ وسدانة الكعبة ثيابها المسبلة ، وهذا قول أهل اللغة ومذهب أهل الحديث في السدل أن يلتحف بثوبه ، ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد كذلك ، ولأن هذا فعل اليهود في صلاتهم فنهوا عن التشبه بهم ، والقميص في معناه ؛ ولا يركع ويسجد ويداه في بدن القميص إن اتسع ، فأما أن يدخل يديه في جسد القميص في السجود فمكروه ، وقد قال بعض الفقهاء في السدل قولا ثالثا قال : هو أن يضع وسط إزاره على رأسه ، ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله من غير أن يجعلهما على كتفيه ، وهذا قول بعض المتأخرين وليس بشيء عندي ، والأولان أعجب إلي ، وهما مذهب القدماء ، وأما الكف فقد نهي عنه في الصلاة أيضا ، وهو أن يرفع ثيابه من بين يديه أو من خلفه إذا أراد السجود ، وأكره أن يأتزر قوق القميص فإنه من الكف ، وقد روي عن أحمد بن حنبل رضي الله عنه كراهية ذلك ، وروينا عن بعض أولاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الرخصة في ذلك صلى أنه صلى الله عليه وسلم محتزما بعمامته فوق القميص ، وقد يكون الكف في شعر الرأس ، فلا يصلين وهو عاقص شعره ، وفي الحديث : أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء ولا أكف شعرا ولا ثوبا ، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاختصار في الصلاة وعن الصلب ، فأما الاختصار فأن يضع يده على خاصرته ، وأما الصلب فأن يضع يديه جميعا على خصريه ويجافي بين عضديه في القيام ، ولتقع ركبتاه على الأرض قبل يديه ، ويداه قبل وجهه ، وأن يسجد على جبهته وأنفه ، فإنهما عضو واحد ، ولينهض على صدور قدميه وإن ضعف فليعتمد على الأرض بيديه ، وأن لا يلتفت في صلاته يمينا وشمالا ولا يلحظ عن يمين وشمال ، فإن لحظ فهو أيسر ، وليرم ببصره إلى موضع سجوده ، فإن لم يفعل فليقابل بوجهه تلقاء القبلة ولا يعبث بشيء من بدنه في الصلاة .
وروي أن سعيد بن المسيب نظر إلى رجل يعبث بلحيته في صلاته ، فقال : لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ، وقد رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق ونهى عن المواصلة في الصلاة وهي في خمس : اثنان على الإمام أن لا يصل قراءته بتكبيرة الإحرام ، ولا يصل ركوعه بقراءته ، واثنان على المأموم أن لا يصل تكبيرة الإحرام بتكبيرة الإمام ولا تسليمه بتسليمه ، وواحدة بينهما أن لا يصل تسليم الفرض بتسليم التطوع ، وليفصل بينهما ، وقد قيل : التسليم حزم والتكبير جزم ، وقد جاء في الخبر : سبعة أشياء في الصلاة من الشيطان : الرعاف ، والنعاس ، والوسوسة ، والتثاؤب ، والحكاك ، والالتفات ، والعبث بالشيء ، وزاد بعضهم : والسهو ، والشك ، وقال بعض السلف : أربعة أشياء في الصلاة من الجفاء : الالتفات ومسح الوجه وتسوية الحصى وأن يصلي بطريق من يمر بين يديه وزاد بعضهم وأن لا يصلي في الصف الثاني ، وفي الصف الأول فرجة وقد نهى عن صلاة الحاقن ، والحاقب ، والحازق ، فالحاقن من البول والحاقب من وجود الغائط والحازق صاحب الخف الضيق فلا يصلي من كن به هذه الثلاثة لأنها تشغل القلب ، وأكره صلاة الغضبان والمهتم بأمر ومن عرضت له حاجة حتى يسري عن قلوبهم ذلك و يطمئن القلب ويتفرغوا للصلاة ومن شغل قلبه حضور الطعام وكانت نفسه تائقة إليه فليقدم الأكل لقوله صلى الله عليه وسلم إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء إلا أن يضيق الوقت أو يكون ساكن القلب ، وفي الخبر لا يدخلن أحدكم الصلاة وهو مغضب ولا يصلين أحدكم وهو غضبان ، وكان الحسن يقول : كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرعز
ذكر فضائل الصلاة وآدابها وما يزكو به أهلها ووصف صلاة الخاشعين
قال الله تعالى : ( وأقم الصلاة لذكري ) طه : 14 ، وقال : ( ولا تكن من الغافلين ) الأعراف : 205 ، وقال تعالى : ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) النساء : 43 ، قيل : سكارى من حب الدنيا وقيل : من الاهتمام بها ، وقال جل ثناؤه : ( الذين هم على صلاتهم دائمون ) المعارج : 23 ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : من صلى ركعتين لم يحدث نفسه فيهما بشيء من الدنيا غفر له ما تقدم من ذنبه ، وقال صلى الله عليه وسلم : إنما الصلاة تمسكن ، وتواضع ، وتضرع وتباؤس ، وتنادم ، وترفع يديك وتقول : اللهم ، فمن لم يفعل فهي خداج أي ناقصة ، روينا عن الله سبحانه وتعالى في الكتب السالفة أنه قال : ليس كل مصل أتقبل صلاته إنما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي ولم يتكبر علي ، وأطعم الفقير الجائع لوجهي ، فمن الإقبال على الصلاة أن لا تعرف من على يمينك ولا من على شمالك من حسن القيام بين يدي القائم على كل نفس بما كسبت ، وكذلك فسروا قوله تعالى : ( هم في صلاتهم خاشعون ) المؤمنون : 2 ، وقال سعيد بن جبير : ما عرفت من على يميني ولا على شمالي في الصلاة منذ أربعين سنة ، منذ سمعت ابن عباس يقول : الخشوع في الصلاة أن لا يعرف المصلي من على يمينه وعن شماله . وروينا عن بشر بن الحرث قال : قال سفيان : من لم يخشع فسدت صلاته ، وروينا عن معاذ بن جبل ، من عرف من عن يمينه وشماله في الصلاة متعمدا فلا صلاة له ، وقد أسنده إسماعيل بن أبي زياد عن بشر بن الحرث وغيره وعن الثوري أيضا : من قرأ كلمة مكتوبة في حائط أو بساط في صلاته فصلاته باطلة ، وقال بشر يعني بذلك لأنه عمل في الصلاة ، ومن الدوام في الصلاة السكون فيها ، وعلى ذلك فسر قوله تعالى : ( الذين هم على صلاتهم دائمون ) المعارج : 23 ، قيل : هو السكون والطمأنينة في الصلاة من قولك : ماء دائم إذا سكن ، وقال بعض الصحابة : يحشر الناس يوم القيامة على مثال هيئاتهم في الصلاة ، من الطمأنينة والهدوء ، ومن وجود النعيم بها واللذة ، ثم إصغاء القلب للفهم وخشوعه للتواضع ، وسكون الجوارح للهيبة ، ثم الترتيل في القراءة والتدبر لمعاني الكلام ، وحسن الافتقار إلى المتكلم في الإفهام والإيقاف على المراد ، وصدق الرغبة في الطلب للاطلاع على المطلع من السر المكنون المستودع في الكتاب ، وإن مر بآية رحمة سأل ورغب ، أو آية عذاب فزع واستعاذ ، أو مر بتسبيح أو تعظيم حمد وسبح وعظم ، فإن قال بلسانه فحسن وإن أسره في قلبه ورفع به همه نابه قصده عن المقال ، وكان فقره غاية السؤال ، وهذا أحد الوجهين في قوله تعالى : ( يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ) البقرة : 121 ، هكذا كان وصفهم في التلاوة ، وينبغي أن يكون قلبه بوصف على ركن من أركان الصلاة ، وهمه معلق بكل معنى من معاني المناجاة ، فإذا قال : الله أكبر أي مما سواه ولا يقال أكبر من صغير ، إنما يقال أكبر من كبير ، فيقال : هذا كبير وهذا أكبر ، فإن كان همه الملك الكبير كان ذكر الله أكبر في قلبه فليواطئ قلبه قول مولاه في قوله تعالى : ( ولذكر الله أكبر ) العنكبوت : 45 ، ويواطئ لسانه قلبه في مشاهدة الأكبر فيكون يتلو وينظر ، فإن الله تعالى قدم العين على اللسان في قوله تعالى : ( ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين ) البلد : 8 - 9 .
فلا يقدم لسانه ويؤخر بصره ويكون عقده محققا لمقاله بالوصف حتى يكون عاملا بما يقول في الحال ، فقد أخذ عليه ذلك لما أمر به حجة عليه وتنبيها له ، ولا يكون بقوله : الله أكبر ، حاكيا ؛ ذلك عن قول غيره ، ولا مخبرا به عن سواه ، بل يكون هو المتحقق بالمعنى القائم بالشهادة ، وهذا عند أهل المعرفة واجب لأن الإيمان قول وعمل في كل شيء ، فإذا قلت : الله أكبر فإن العمل بالقول أن يكون الله أكبر في قلبك من كل شيء ، وهو من رعاية العهد ، لتدخل تحت الثناء والمدح في قوله تعالى : ( و الذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) المعارج : 32 ، فالعهد ما أعطيت بلسانك ، والرعاية والوفاء بالقلب ليستحق الأجر العظيم كما قال تعالى : ( ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ) الفتح : 1 ، ، ومن كان في قلبه الملك الصغير الفاني أكبر من الملك الأكبر فما عمل بقوله تعالى : الله أكبر ، وليس هذا حقيقة الإيمان لأنه لم يأت بعمل وقول ، وإنما جاء بالقول وهذا قائم بنفس من مشاهدته الآخرة ، وكانت قرة عينه الآخرة ، كما قال تعالى : ( ما عندكم ينفد ) النحل : 96 ، يعني الدنيا ، ( وما عند الله باق ) النحل : 69 ، يعني الآخرة . وقد قال : جعلت قرة عيني في الصلاة لأنه كان عند ربه فجعل قرة عينه به ، وقد قال سبحانه وتعالى : ( ولذكر الله أكبر ) العنكبوت : 45 ، فالمذكور أكبر وأكبر ، وقد أخبر تعالى أن الصلاة أريد بها الذكر في قوله تعالى : ( وأقم الصلاة لذكري ) طه : 14 ، وروي معنى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما فرضت الصلاة وأمرت بالحج والطواف وأشعرت المناسك لإقامة ذكر الله ، فإذا لم يكن في قلبك للمذكور الذي هو المقصود والمبتغى عظمة ولا هيبة فما قيمة ذكرك ؟ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأنس بن مالك ، وإذا صليت صلاة فصل صلاة مودع لنفسه ، مودع لهواه ، مودع لعمره ، سائر إلى مولاه ، كما قال : ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ) الإنشقاق : 6 ، وكقوله تعالى : ( واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ) البقرة : 223 ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : جعلت قرة عيني في الصلاة ، وكان يرى الأكبر فتقر عينه به ، وقال : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعدا ، كما قال : من لم يترك قول الزور والخيانة فليس لله تعالى حاجة أن يترك طعامه وشابه ، فإنما المراد من الصلاة والصيام المخالفة من الآثام ، ومن إقامة الصلاة وإتمامها الوضوء لها قبل دخول وقتها لئلا يشغله عن أول وقت غيرها ، وينبغي أن يكون قلبه في همه ، وهمه مع ربه ، وربه في قلبه ، فينظر إليه من كلامه ، ويكلمه بخطابه ، ويتملقه بمناجاته ، ويعرفه من صفاته ، فإن كل كلمة عن معنى اسم ، أو وصف ، أو خلق ، أو حكم ، أو إرادة ، أو فعل ؛ لأن الكلم ينبئ عن معاني الأوصاف ، ويدل على الموصوف ، وكل كلمة من الخطاب تتوجه عشر جهات للعارف ، من كل جهة مقام ومشاهدات ؛ أول الجهات الإيمان بها ، والتسليم لها ، والتوبة إليها ، والصبر عليها ، والرضا بها والخوف منها ، والرجاء لها ، والشكر عليها ، والمحبة لها ، والتوكل فيها ، فهذه المقامات العشر هي مقامات اليقين ، لأن الكلمة هي حق اليقين ، وهذه المعاني كلها منطوية في كل كلمة يشهدها أهل التملق والمناجاة ، ويعرفها أهل العلم والحياة ، لأن كلام المحبوب حياة القلوب ، لا ينذر به إلا حي ولا يحيا به إلا مستجيب ، قال الله تعالى : ( إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا ) يس : 69 - 7 ، ، وقال سبحانه : ( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) الأنفال : 42 ، ولا يشهد هذه العشر مشاهدات إلا من نقل في العشر المقامات المذكورة في سورة الأحزاب ؛ أولها مقام المسلمين ، وآخرها مقام الذاكرين ، وبعد مقام الذكر هذه المشاهدات العشر فعندها لا يمل المناجاة لوجود المصافاة ، ولا يثقل عليه القيام للذاذة والإفهام ، ويسهل عليه الوقوف لدنو العطوف ، ويتنعم بالعتاب بحلاوة الإقتراب ، هنالك يندرج طول القيام في التلاوة فلا يجده كاندراج القبلة في الصلاة فلا يشهدها ، فيكون من ورائه القبلة وهو أمامها ، كذلك القيام يحمله وهو مع حامله .
حدثت أن الموقن إذا توضأ للصلاة تباعدت عنه الشياطين في أقطار الأرضين خوفا منه ، لأنه يتأهب للدخول على الملك ، فإذا كبر حجب عنه إبليس وضرب بينه وبينه سرادق لا ينظر إليه ، وواجهه الجبار بوجهه ، فإذا قال : الله أكبر أطلع الملك في قلبه ، فإذا ليس في قلبه أكبر من الله تعالى فيقول : صدقت الله تعالى في قلبك ، كما تقول : قال فيتشعشع من قلبه نور يلحق بملكوت العرش ، فيكشف له بذلك النور ملكوت السموات والأرض ، ويكتب له حشو ذلك النور حسنات ، قال : وإن الغافل الجاهل إذا قام للوضوء احتوشته الشياطين ، كما يحتوش الذباب على نقطة العسل ، وإذا كبر أطلع الملك في قلبه ، فإذا كل شيء في قلبه أكبر من الله تعالى عنده ، فيقول له : كذبت ليس الله في قلبك كما تقول ، قال : فيثور في قلبه دخان يلحق بعنان السماء فيكون حجابا لقلبه ، قال : فيرد ذلك الحجاب صلاته ، ويلتقم الشيطان قلبه ، فلا يزال ينفخ فيه ، وينفث ويوسوس إليه ، ويزين له ، حتى ينصرف من صلاته ولا يعقل ما كان فيه ، وقد جاء في الخبر : لولا أن الشياطين يحومون حول قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى في القبلة نخامة ، فغضب غضبا شديدا ، ثم حكها بعرجون كان في يده ، وقال : ائتوني بعبير فلطخ أثرها بزعفران ، ثم التفت إلينا فقال : أيكم يحب أن يبزق في وجهه ؟ قلنا : لا أينا ، قال : فإن أحدكم إذا دخل في صلاته فإن الله عز وجل بينه وبين القبلة ، وفي لفظ آخر واجهه الله تعالى ؛ فلا يبزقن أحدكم تلقاء وجهه ، ولا عن يمينه ، ولكن عن شماله ، أو تحت قدمه اليسرى ، فإن بدرته بادرة فليبصق في ثوبه وليقل به هكذا ، وذلك بعضه ببعض ، وقد روي : إذا قام العبد في صلاته فقال : الله أكبر ، قال الله لملائكته : ارفعوا الحجاب بيني وبين عبدي ، فإذا التفت يقول الله تعالى : عبدي إلى من تلتفت ؟ أنا خير لك ممن تلتفت إليه ، ثم إذا قام المقبل على صلاته شهد قلبه قيامه لرب العالمين ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، ثم شهد وقوفه بالحضرة بين يدي الملك الجبار ، إذ ليس من الغافلين ، فتأخذه غيبة الحضور ، ويرهقه إجلال الحاضر ، ويستولي عليه تعظيم القريب ، وبجمعه خشية الرقيب ، فإذا تلا وقف همه مع المتكلم ماذا أراد ، واشتغل قلبه بالفهم عنه والانبساط منه ، فإن ركع وقف قلبه مع التعظيم للعظيم ، فلا يكون في قلبه أعظم من الله تعالى وحده ، فإن رفع شهد الحمد للمحمود ، فوقف مع الشكر للودود ، فاستوجب منه المزيد ، وسكن قلبه بالرضا ، لأنه حقيقة الحمد ، وإن سجد سما قلبه في العلو فقرب من الأعلى بقوله تعالى : ( واسجد واقترب ) العلق : 19 .
Questions
- Qu'est-ce que le tawhid, la croyance en l'unicité de Dieu en islam ?
- Qu'enseigne l'islam sur la vie après la mort ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'enseigne le Coran sur la patience (sabr) ?
- Qu'est-ce que l'ikhlas (la sincérité), et pourquoi est-ce important ?
- Comment l'islam décrit-il la purification du cœur ?